← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والسادسة ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ «٦٤» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف. وقرأها نافع وأبو عمرو والكسائي بياء في الوصل خاصة. ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ «٧٠» حذفها في الحالين ابن ذكوان، بخلاف عن الأخفش عنه. وأثبتها الباقون في الحالين، وكذلك رسمها (١). ***

стр. 667

سورة مريم ﵍ مكية، وهي تسعون آية وثمان في الكوفي، وتسع في المدني قد تقدّم [ذكر] (١) الاختلاف في «كهيعص»، وذكر علّة الإمالة وعلة الإدغام والإظهار (٢). «١» قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ﴾ قرأهما أبو عمرو والكسائي بالجزم، وقرأهما الباقون بالرفع. وحجة من جزم أنه جعل «يرثني» جوابا للطلب، فجزمه، وعطف عليه، و «يرث» في الطلب قوله: ﴿فَهَبْ لِي﴾ «٥» لأنه بمعنى الجزاء. وجعل الكلام متصلا بعضه ببعض، وقدّر أن الولي بمعنى «الوارث» فتقديره: فهب لي من لدنك وليّا وارثا يرثني. ويقوّي الجزم أن «وليا» رأس آية مستغن عن أن يكون ما بعده صفة له، فحمله على الجواب دون الصفة. «٢» وحجة من رفع أنه جعل «يرثني» صفة ل «ولي»، لأنه إنما سأل زكريا وليّا وارثا علمه ونبوّته، فليس المعنى على الجواب لأن الولي يكون غير وارث فليس المعنى: إن وهبت لي وليا يرثني، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ويقوي الرفع أن «وليا» رأس آية، فاستغنى الكلام عن الجواب (٣). «٣» قوله: ﴿عِتِيًّا﴾، و ﴿جِثِيًّا﴾، و ﴿بُكِيًّا﴾، و ﴿صِلِيًّا﴾ قرأ ذلك حفص وحمزة والكسائي بكسر أوائلها، غير أن حفصا ضمّ الباء من «بكيا». وقرأ الباقون بالضم فيها. وحجة من كسر أن هذه الأسماء جمع «عات وجاث وباك وصال»، جمع

стр. 668

على «فعول» فأصل الثاني منها الضم، لكن كسر لتصحّ الياء التي بعده، التي أصلها واو، في «عتي وجثي»، لأن الياء الساكنة لا يكون قبلها ضمّة، فلمّا كسر الثاني أتبع كسرته كسر الأول، فكسر للإتباع، ليعمل اللسان فيه عملا واحدا، وعلى ذلك قالوا: عصي وقسي، فكسروا (١) الأول على الإتباع لكسرة الثاني، وأصله «فعول» وقد يمكن أن تكون هذه الأسماء مصادر، أتت على فعول، فوقع فيها من التعليل والإتباع مثل ما ذكرنا في الجمع، والتغيير في الجمع أحسن لثقله. وقد ذكرنا نحو هذا في قوله: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ «الأعراف ١٤٨» (٢). «٤» وحجة من ضمّ أنه غيّر الثاني بالكسر، لتصح الياء الساكنة، على ما ذكرنا، وترك الأول مضموما على أصله، كان جمعا أو مصدرا، أصل أوله الضم، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وعليه الجماعة (٣). «٥» قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بنون وألف، على لفظ الجمع. وقرأ الباقون بالتاء، على لفظ الواحد. وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّه على التوحيد في قوله: ﴿قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه. «٦» وحجة من قرأ بلفظ الجمع أن العرب تخبر عن العظيم القدر بلفظ الجمع، على إرادة التعظيم له، ولا عظيم أعظم من الله جلّ ذكره، ففيه معنى التعظيم. وقد أجمعوا على قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ «الحجر ٢٦»، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ «الأعراف ١١»، وقوله: ﴿وَآتَيْنا﴾

стр. 669

﴿مُوسَى الْكِتابَ﴾ «البقرة ٨٧» وهو كثير بلفظ الجمع مجمع عليه (١). «٧» قوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ قرأه ورش وأبو عمرو بالياء. وقرأ الباقون بالهمز. وحجة من همز أنه أسند الفعل إلى الذي خاطب مريم، وهو جبريل ﵇، تقديره: إنّما أنا رسول ربك لأهب أنا لك غلاما بأمر ربك، أو من عند ربك، فالهبة من الله على يد جبريل. فحسن إسناد الهبة إلى الرسول، إذ قد علم أن المرسل هو الواهب، فالهبة لمّا جرت على يدي الرسول أضيفت إليه لالتباسها به. «٨» وحجة من قرأ بالياء أنه يحتمل أن يكون أراد الهمزة، ولكن خفّفها، فأبدل منها ياء لانكسار ما قبلها، على أصول التخفيف في المفتوحة، قبلها كسرة، فتكون كالقراءة بالهمز في المعنى ويجوز أن تكون الياء للغائب، فأجراه على الإخبار من الرّب تعالى ذكره، لتقدّم ذكره، فالمعنى: إنما أنا رسول ربك ليهب لك ربك غلاما (٢). «٩» قوله: ﴿نَسْياً﴾ قرأه حمزة وحفص بفتح النون، وكسرها الباقون. وهما لغتان، ومعنى النّسي أنه الشيء الحقير الذي لا قيمة له، ولا يحتاج إليه (٣). «١٠» قوله: ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ قرأه نافع وحفص وحمزة والكسائي بكسر الميم والتاء الثانية. وقرأ الباقون بفتح الميم والتاء الثانية. وحجة من كسر أنه حمله على معنى: أن عيسى كلّمها، وهو تحتها، أي تحت ثيابها، لأن ذلك موضع ولادة عيسى، فجعل «من» حرف جرّ وخفض بها «تحتها»، فكسر التاء الثانية وفي «ناداها» ضمير الفاعل، وهو عيسى. وقيل

стр. 670

إن معناه: فناداه جبريل من تحتها، أي: من أسفل من مكانها، أي: من دونها، كما تقول: داري تحت دارك، وبلدي تحت بلدك، أي: دونها. وعلى هذا معنى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ أي: دونك نهرا، تستمتعين به (١). فليس المعنى إذا جعلنا الفاعل جبريل أنه تحت ثيابها، فيكون في «ناداها» ضمير جبريل ﵇، وكون الضمير ل «عيسى» أبين لها، وأعظم في زوال وحشتها، لتسكين نفسها، فالمعنى: فكلّمها جبريل من الجهة المحاذية لها، أو فكلّمها عيسى من موضع ولادته، وذلك تحت ثيابها. «١١» وحجة من فتح الميم أنه جعل «من» الفاعل للنداء، ونصب «تحتها» على الظرف، و «من» هو عيسى، كلّمها من تحتها، أي من موضع ولادته. وكون الضمير ل «عيسى» في القراءة بفتح الميم أقوى في المعنى، وكون الضمير لجبريل ﵇، في القراءة بكسر الميم، أقوى في المعنى. ويجوز في القراءتين أن يكون ل «عيسى» وأن يكون لجبريل ﵉، فإذا كان لجبريل كان معنى «تحتها» دونها، أسفل منها، وإذا كان لعيسى كان معنى «تحتها» تحت ثيابها، من موضع ولادته، وأصل «من» أن تقع للعموم، ولكنها وقعت في هذا الموضع للخصوص، لعيسى أو لجبريل ﵉، وذلك جائز (٢). «١٢» قوله: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ﴾ قرأه حفص بضم التاء وكسر القاف مخفّفة، وفتحهما (٣) الباقون، وكلّهم شدّد السّين إلا حمزة وحفصا. وحجة من ضم التاء أنه جعله مستقبل «ساقطت» فعدّاه إلى الرطب فنصبه به، والفاعل النخلة تضمر في «تساقط»، أي: تساقط النخلة رطبا جنيا عليك.

стр. 671

ويجوز أن يكون الفاعل الجذع، وأنّثه لأنه ملتبس بالنخلة، إذ هو بعضها كما قالوا: ذهبت بعض أصابعه، فأنّثوا البعض لالتباسه بالأصابع، لأنه بعضها. «١٣» وحجة من فتح التاء وخفّف أنه أراد «تتساقط» ثم حذف إحدى التاءين مثل «تظاهرون وتساءلون» وشبهه (١). وقد مضى الكلام عليه. ويكون الفعل مسندا إلى النخلة أيضا أو إلى الجذع، وفي نصب «رطبا» في هذه القراءة ب «تساقط» فيه بعد، لأنه مستقبل «تفاعل» وهو في أكثر أحواله لا يتعدى، فيكون نصب «رطب» على الحال. وقد أجاز بعض النحويين نصبه، في هذه القراءة، على المفعول به قال: لأن «تساقط» مطاوع ساقط كما أن «تفعّل» مطاوع «فعّل» فكما عدّى «تفعّل» في نحو «تجرّعته» كذلك (٢) عدّى «تفاعل» كما عدّى «فاعل». «١٤» وحجة من شدّد أنه أدغم التاء الثانية في السين، على ما ذكرناه في «تساءلون به»، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأنه الأصل (٣). «١٥» قوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ قرأه ابن عامر وعاصم بالنصب، ورفع الباقون. وحجة من نصب أنه نصبه على المصدر، أعمل فيه ما دلّ عليه الكلام، لأن قوله: ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يدلّ على «أحقّ ذلك» فكأنه قال: أحقّ قول الحق، هذا كما تقول: هذا زيد الحق لا الباطل، لأن قولك: هذا زيد عندك، بمنزلة أحقّ ذلك، فكأنك قلت: أحقّ الحق، وقولك: قول الحق والحق سواء. «١٦» وحجة من رفع أنه أضمر مبتدأ، وجعل قوله «الحق» خبره لأنه لمّا قال: «ذلك عيسى بن مريم» صار معناه: هذا الكلام قول الحق، ويجوز

стр. 672

أن يضمر «هو» ويجعله كناية عن عيسى، لأنه كلمة الله، والكلمة «قول»، والرفع الاختيار، لأن الجماعة عليه (١). «١٧» قوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر الهمزة، وفتحها الباقون. وحجة من كسرها أنه جعل الكلام مستأنفا مبتدأ، فكسر لذلك. ودليل الكسر أنها في قراءة ابن مسعود بغير واو، وحذف الواو لا يكون معه إلا الكسر على الاستئناف، ويدل (٢) على الاستئناف أن الذي قبل «إن» رأس آية قد تمّ الكلام على ذلك، ثم وقع الاستئناف بعد تمام الكلام على رأس آية، ويجوز أن تكسر «أن» على العطف على قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ «٣٠» أو يعطفه على: ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ «٣٥». «١٨» وحجة من عطف أنه حمله على (٣) معمول (أوصاني) «٣١» أي: أوصاني بالصلاة والزّكاة، وبأن الله ربي وربّكم. و «أن» في موضع خفض على العطف على «الصلاة» ويجوز عطف «وأن» على «سبحانه» فتكون «أن» في موضع نصب، لأن «سبحانه» في موضع نصب، قاله الفراء، وأجاز الفراء أيضا أن تكون «أن» في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، تقديره «عنده»: وذلك أن الله ربي، ويجوز أن تفتح «أن» على إضمار اللام، أي: ولأن الله ربّي، فتكون «أن» في موضع نصب لحذف الخافض، أو في موضع خفض على إعمال الخافض، لكثرة حذفه مع «أن» (٤). «١٩» قوله: ﴿مُخْلَصاً﴾ قرأه الكوفيون بفتح اللام.

стр. 673

وكسرها الباقون. وقد تقدّم الكلام على ذلك في يوسف، وكذلك «يبشرك» و «فيكون» و «يدخلون» وشبهه (١). «٢٠» [قوله: ﴿أَإِذا ما مِتُّ﴾ قرأه ابن ذكوان بهمزة واحدة على لفظ الخبر، وقرأه الباقون بهمزتين، وكل واحد على أصله المذكور. فحجة من قرأ بهمزتين أنه أدخل همزة الاستفهام فيها على معنى التوبيخ والتقرير للمخبر عنه أنه يقول: لا يبعث أبدا … (٢) وتقريره على كفره. وكذلك من مدّه أنه استثقل الجمع بين همزتين فخفّف الثانية بين بين وأدخل بينهما ألفا للفصل بين الهمزتين، لأن المخففة بزنتها محققة كما فعل في «أنذرتهم» وشبهه. «٢١» وحجة من قرأ بهمزة واحدة أنه لمّا أتى الكلام ليس باستخبار لم يأت بلفظ يدل على الاستخبار فأتى به على لفظ الخبر الذي معناه التوبيخ والتقرير] (٣). «٢٢» قوله: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ﴾ قرأه نافع وعاصم وابن عامر بضم الكاف والتخفيف، وقرأه الباقون بفتح الكاف والتشديد. وحجة من خفّف أنه جعله من «الذكر» الذي يكون عقيب النسيان والغفلة. «٢٣» وحجة من شدّد أنه جعله من «التذكر» الذي [هو] (٤) بمعنى التدبّر، فأصله «يتذكر» ثم أدغمت التاء في الذال، وهو الاختيار، لأنه أبلغ في المعنى في التدبّر والاعتبار للإنسان بخلق نفسه، كما قال: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ «يس ٧٨» (٥).

стр. 674

«٢٤» قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ قرأه الكسائي بالتخفيف من «أنجى» وشدّد الباقون، جعلوه من «نجّى»، وكلاهما بمعنى، واللغتان في القراءتين كثير، وفي التشديد معنى التكرير والتكثير، كأنه نجاة بعد نجاة (١). «٢٥» قوله: ﴿خَيْرٌ مَقاماً﴾ قرأه ابن كثير بضم الميم، وفتحها الباقون. وحجة من فتح أنه جعله مصدرا أو اسم مكان من «قام يقوم» لأن المصدر واسم المكان من «فعل يفعل» على «مفعل». «٢٦» وحجة من ضم أنه جعله مصدرا أو اسم مكان من «أقام يقيم»، لأن المصدر منه واسم المكان «مفعل»، فالقراءتان بمعنى (٢). «٢٧» قوله: ﴿وَرِءْياً﴾ قرأه قالون وابن ذكوان بتشديد الياء، من غير همز، وهمز الباقون. وحجة من لم يهمز أنه يحتمل أن يكون من «ري الشارب» فلا أصل له في الهمز، أي: أحسن أثاثا وأحسن شربا. ويجوز أن يكون من «الرواء»، وهو ما يظهر من الزّي في اللباس وغيره، فيكون أصله الهمز، ولكن خفّفت الهمزة، فأبدل منها ياء، وأدغمت في الياء التي بعدها، وفيه قبح لتغيّر الياء مرة بعد مرة، ولأن لفظ الياء الأول عارض، والهمزة منوية، وهي لا تدغم في الياء فكذلك لا يدغم ما عوض منها، وعلى ذلك [ومثله رؤيا في] (٣) وقف حمزة بغير إدغام، يبدل من الهمزة ياء ولا يدغمها فيما بعدها، وقد روي عنه الإدغام، وهو بعيد على ما ذكرت لك. ومثله «رؤيا» في وقف حمزة يبدل من الهمزة واوا ساكنة ولا يدغمها [في الواو على أصل وقوع الواو الساكنة قبل الياء نحو في ميت] (٤) والياء على أصل وقوع الياء الساكنة قبل الياء في نحو: «ميت وهين ومرضي» ونحوه، لأن الهمزة مرادة منوية، ولفظ الواو عارض، لكن الإدغام في «وريا» إذا جعلته من الهمز أخفّ من الإدغام في «رؤيا» لأنه يجتمع في «وريا»

стр. 675

مثلان، ولا يجتمع ذلك في «رؤيا» في التخفيف، وأيضا فإنه ليس في كلام العرب مثلان الأول منهما ساكن، اجتمعا في كلمة لم يدغم الأول في الثاني، فقوي الإدغام في «وريا» إذا سهلت، وتجد [مثلين] (١) متقاربين في كلمة، والأول ساكن، لا يدغم الاول في الثاني، فقوي الإظهار في تخفيف «رؤيا»، فافهم الفرق بينهما. «٢٨» وحجة من همز أنه جعله من الرّواء الزينة فأتى به على الأصل وهو من «رأيت» فهو اسم لما ظهر على المرء، وليس هو بمصدر (٢). «٢٩» قوله: ﴿وَوَلَداً﴾ قرأ حمزة والكسائي بضم الواو، وإسكان اللام في أربعة مواضع، في هذه السورة، وفي موضع في الزخرف وفي موضع في سورة نوح ﵇ (٣). وقرأ ذلك كلّه الباقون بفتح الواو واللام، غير أن ابن كثير وأبا عمرو ضمّا الواو، وأسكنا اللام في سورة نوح خاصة. وحجة من ضم الواو أنه جعله جمع «ولد» كقولهم: وثن ووثن، وأسد وأسد. وقال الأخفش: الولد بالفتح الابن والابنة، والولد بالضم الأهل. وقيل: هما لغتان في الولد كقولهم: البخل والبخل والعدم والعدم، فيتفق لفظ الواحد في إحدى اللغتين مع لفظ الجمع كما قالوا: الفلك، في الواحد وفي الجمع. «٣٠» وحجة من فتح الواو أنها اللغة المشهورة في الابن والابنة، وهو الاختيار لأن عليه الجماعة، ولأن الضم قد يكون بمعنى الفتح، ويكون معنى قراءة من فتح أنه أنكر عليهم قولهم: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ «التوبة ٣٠» فهو واحد، ويكون معنى قراءة من ضم إن جعله (٤) جمعا أنه أنكر عليهم قولهم:

стр. 676

«الملائكة بنات الله» فهي جماعة. «٣١» وحجة ابن كثير وأبي عمرو في تخصيصهما للضم في سورة نوح أنه محمول على الجمع، على الخطاب للجماعة، فكل واحد منهم له ولد وأولاد، فإنما أتى بالهاء مفردة في «ولده وماله» لأنه ردّه على لفظ من لو حمل على المعنى لقيل: ومالهم وولدهم (١). «٣٢» قوله: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ قرأ نافع والكسائي «يكاد» بالياء ومثله في الشورى (٢). وقرأها الباقون بالتاء. وقرأ أبو بكر وأبو عمرو [وحمزة] (٣) وابن عامر «ينفطرن» ههنا، بالنون والتخفيف. [وقرأ أبو بكر وأبو عمرو في الشورى بالنون والتخفيف] (٤) وقرأها الباقون بالتاء والتشديد. وحجة من قرأ بالنون مخفّفا أنه جعله مطاوع «فطر»، كما قال: ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ «الأنبياء ٥٦»، وقال: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ «الانفطار ١» ولم يقل «تفطرت»، وقال: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ «الأنعام ١٤»، وقال: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ «المزمل ١٨» فكلّه إجماع في: فطر وانفطر. «٣٣» وحجة من قرأ بالتاء مشدّدا أنه جعله مطاوع: فطّر، وفطّر من التكثير، والتكثير أليق بهذا المعنى، لأنه موضع مبالغة واستعظام لمّا قالوا: إن لله ولدا، فأما التاء والياء في «تكاد». فقد مضى له نظائر (٥). فيكون التذكير لأن التأنيث غير حقيقي، والتأنيث حملا على لفظه. و «تكاد» عند

стр. 677

الأخفش بمعنى «تريد»، كما قال: ﴿أَكادُ أُخْفِيها﴾ «طه ١٥» بمعنى: أريد (١). «٣٤» فيها ست ياءات إضافة قوله: ﴿مِنْ وَرائِي وَكانَتِ﴾ «٥» فتحها ابن كثير. قوله: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ «١٠»، ﴿رَبِّي إِنَّهُ﴾ «٤٧» فتحمهما (٢) نافع وأبو عمرو. قوله: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «٤٥»، ﴿إِنِّي أَعُوذُ﴾ «١٨» فتحهما الحرميان وأبو عمرو. وقوله: ﴿آتانِيَ الْكِتابَ﴾ «٣٠» أسكنها حمزة وحده. ليس فيها زائدة (٣).

стр. 678

سورة طه مكية وهي مائة آية وأربع وثلاثون في المدني وخمس في الكوفي قد تقدّم الاختلاف في الإمالة في قوله: ﴿طه﴾ «١» وعلة ذلك مذكور كله في (١) الأصول في أبواب الإمالة، وكذلك تقدّمت علة الإمالة والاختلاف فيما وقع في هذه السورة من ذوات الياء وغير ذلك (٢). «١» قوله: ﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ قرأ حمزة بضم الهاء، ومثله في القصص (٣) وقرأهما الباقون بكسر الهاء. وحجة من ضم (٤) أنه أتى بالهاء على أصلها، موصولة بواو، للتقوية على ما قدمنا من العلل، فلقيت الواو وهي ساكنة الميم من «امكثوا» وهي ساكنة فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة تدل عليها. «٢» وحجة من كسر أنه أبدل من ضمة الهاء كسرة للكسرة التي قبلها، فانقلبت الواو ياء، ثم حذفت لسكونها وسكون الميم بعدها، وبقيت الكسرة تدلّ عليها، وقد تقدّم الكلام على هذه الهاء بأشبع من هذا، في باب هاء الكناية عن المذكر (٥)، والاختيار الكسر، لأن الجماعة عليه (٦).

стр. 679

«٣» قوله: ﴿يا مُوسى. إِنِّي أَنَا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الهمزة، على إضمار حرف الجر، أي نودي بأنني أنا ربك، ف «أن» في موضع نصب، فحذف حرف الجر، أو في موضع خفض، على إعمال الحرف، لكثرة حذفه مع «أن». وقرأ الباقون بكسر الهمزة، لأنهم لمّا رأوا الكلام حكاية أضمروا القول، فكسروا «إن» بعد القول على الحكاية، تقديره: نودي موسى، فقيل له: إني أنا ربك، وقيل: إنه، كسر على الاستئناف، لأن النداء، وقع على موسى، ثم استأنف «إني» فأما ما ذكرناه في التبصرة من «الواد» و «واد النّمل» فالمفعول به لا يوقف عليه، لأنه غير تمام ولا قطع. فإن اضطر مضطر، فوقف عليه، وقف بغير ياء اتباعا للمصحف، ويحمل الوقف على الوصل، ولأنها لغة مشهورة، يقولون: هو القاض والغاز، فيقفون بغير ياء، والاختيار الكسر في «إني» لأن الجماعة عليه (١). «٤» قوله: ﴿طُوىً﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بالتنوين، ومثله في النازعات (٢). وقرأهما الباقون بغير تنوين. وحجة من نوّنه أنه جعله اسما ل «الوادي» فأبدله له منه فصرفه في المعرفة والنكرة، لأنه سمّى مذكرا بمذكّر. «٥» وحجة لم ينوّنه أنه جعله اسما للبقعة والأرض، فيكون قد سمّى مؤنثا بمذكر، فلا ينصرف في المعرفة، لانتقاله من الخفة إلى الثقل وللتعريف، وقد يجوز أن يكون معدولا كعمر، وإن كان لا يعرف عن أي شيء عدل، كما أن «كتع وجمع» معدولان، ولم يستعمل ما عدلا عنه (٣) وقد قيل: إن «طوى» معدول (٤) عن «طاو» كعمر عن عامر، والقراءتان حسنتان غير أني أوثر ترك الصرف، لأن الحرميين وأبا عمرو عليه، واختار أبو عبيد

стр. 680

التنوين، وخالفه ابن قتيبة، فاختار ترك التنوين، قال: لأنه اسم الوادي، وهو معدول كعمر وزفر. قال: ولأن بعض رؤوس الاي غير منوّنة، وهي رأس آية، فيجب أن نتبع رؤوس بعض الآي بعضا على مثال واحد (١). «٦» قوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قرأه حمزة «وأنا اخترناك» على لفظ الجمع في الكلمتين للتعظيم لله والمبالغة في الإجلال له. وقد مضى له نظائر. وقرأ الباقون بالتاء ولفظ «أنا» على لفظ الواحد، ردّوه على ما قبله من لفظ التوحيد في قوله: «إني أنا ربّك» (٢). «٧» قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ﴾ قرأ ابن عامر «أشدد» بهمزة مفتوحة مقطوعة، جعلها ألف المخبر عن نفسه، والفعل ثلاثي مجزوم، لأنه جواب الطلب، فهو كجواب الشرط، وقرأ «وأشركه» بضم الهمزة، جعلها ألف المتكلم أيضا، في فعل رباعي، وهو مجزوم، عطف على «أشدد». وقرأ الباقون «اشدد» بوصل الألف، جعلوه طلبا ودعاء، حملا على ما قبله من الطلب والدعاء، والابتداء بالضم، وهو مبني غير معرب على مذهب سيبويه والبصريين، وقرؤوا بفتح الهمزة والقطع «وأشركه» على الطلب أيضا، فهو مبني، والهمزة ألف قطع لأنه رباعي (٣). «٨» قوله: ﴿الْأَرْضَ مَهْداً﴾ قرأه الكوفيون بفتح الميم وإسكان الهاء، من غير ألف، ومثله في الزخرف (٤). وقرأهما الباقون بكسر الميم، وبألف بعد الها. وحجة من قرأ بألف أنه جعله اسما كالفراش، وهو اسم ما يمهد، كما

стр. 681

قال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ «البقرة ٢٢»، ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ «نوح ١٩». فالفراش والبساط اسم ما يفرش وما يبسط كذلك المهاد اسم ما يمهّد، ويجوز أن يكون المهاد جمع مهد، فجمع المصدر، جعله اسما غير مصدر ك «بغل وبغال». «٩» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله مصدرا كالفرش، لكن عمل فيه عامل من غير لفظه، والتقدير: الذي مهد لكم الأرض مهدا. ف «جعل» قام مقام «مهد» ويجوز أن يكون المعنى: ذات مهد، أي: ذات فراش، فيكون في المعنى كالمهاد، فالقراءتان على هذا بمعنى (١). «١٠» قوله: ﴿مَكاناً سُوىً﴾ قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بضم السين، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان مثل «طوى وطوى» وهو نعت ل «مكان»، ومعناه: مكانا نصفا فيما بين الفريقين، وهو فعل من التسوية. فالمعنى: مكانا لتستوي مسافته على (٢) الفريقين، و «فعل» قليل في الصفات نحو: عدى، و «وفعل» كثير في الصفات، نحو قولك: لبد وحطم. وقد ذكرنا أن أبا بكر وحمزة الكسائي يقفون عليه بالإمالة، وورش وأبو عمرو بين اللفظين، [وقد] (٣) تقدّمت علّة الإمالة فيه وفي غيره (٤). «١١» قوله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بضم الياء، وكسر الحاء، وفتحها الباقون، وهما لغتان، وحكى

стр. 682

أبو عبيدة والأخفش: سحته وأسحته، بمعنى، ومعنى «يسحتكم» يسحقكم ويهلككم (١). «١٢» قوله: ﴿قالُوا إِنْ هذانِ﴾ قرأ ابن كثير وحفص «قالوا إن» بتخفيف «إن»، وشدّد الباقون، وقرأ أبو عمرو «هذين» بالياء، وقرأ الباقون بالألف. وحجة من خفّف أنه لمّا رأى القراءة وخطّ المصحف في «هذان» بالألف أراد أن يحتاط بالإعراب، فخفّف «إن» ليحسن الرفع بعدها على الابتداء، لأن «إن» إذا خفّفت حسن رفع ما بعدها على الابتداء (٢) لنقصها عن شبه (٣) الفعل، ولأنها لم تقو قوة الفعل، فتعمل ناقصة، كما يعمل الفعل ناقصا، في نحو: لم يك زيد أخانا، ومنهم من يعملها، وهي مخفّفة، عملها وهي مشددة، فالذي خفّف «إن» اجتمع له في قراءته موافقة الخط وصحة الإعراب في «هذان». «١٣» وحجة من شدّده أنه أتى بها على أصلها، فوافق الخط، وتأوّل في رفع «هذان» ممّا (٤) نذكره (٥). «١٤» وحجة من قرأ «هذان» بألف مع تشديد «إن» أنه اتبع خط المصحف، وأجرى «هذان» في النصب بألف على لغة لبني الحارث بن كعب (٦)، يلفظون بالمثنى بألف على كل حال، وأنشد النحويون في ذلك قول الشاعر:

стр. 683

تزوّد منّا بين أذناه طعنة (١) … فأتى بالألف في موضع الخفض. وقد قيل: إنما أتى «هذان» بألف على لغة من جعل «إن» بمعنى «نعم» فيرتفع ما بعدها بالابتداء، واستبعد ذلك بعض النحويين لدخول اللام في «لساحران» واللام إنما حقها أن تدخل في الابتداء دون الخبر، وإنما تدخل في الخبر إذا عملت «إن» في الاسم. وقد جاء دخول اللام في الخبر دون الابتداء في الشعر. وقد قيل: إن «هذا» لما لم يظهر فيه الإعراب في الواحد والجمع أجريت التثنية على ذلك، فأتى بالألف على كل وجه من الإعراب، كما كان في الواحد والجمع. «١٥» وحجة من قرأ بالياء أنه أعمل «إن» في «هذان» (٢)، فنصبته، وهي اللغة المشهورة المستعملة، لكنه خالف الخط فضعف لذلك. وقد ذكرنا أن ابن كثير يشدد النون من «هذان» وذكرنا علته (٣). «١٦» قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بوصل الألف، وفتح الميم، وقرأ الباقون بقطع الألف، وكسر الميم. وحجة من وصل الألف أنه جعله من «جمع» ودليله قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ «طه ٦٠» فالفعل في الموضعين معدّى إلى «الكيد» قال الأخفش: إنما يقال: أجمعنا، إذا قالوا على كذا وكذا، فأما إذا قالوا: واجمعوا كيدكم، واجمعوا أمركم، فبالوصل يقولونه.

стр. 684

«١٧» وحجة من قطع الألف أنه جعله من «أجمع»، وأضمر «على كذا»، فالتقدير: فأجمعوا كيدكم على موسى، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (١). «١٨» قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ قرأه ابن ذكوان بالتاء، لتأنيث الحبال والعصي، والتأنيث قوي، لأنه أتى بعد المؤنث. وقرأ الباقون بالياء، لأنه فرّق بين المؤنث وفعله، ولأن التأنيث فيه غير حقيقي، و «إن» في قوله: ﴿أَنَّها﴾ في قراءة من قرأ بالتاء في موضع رفع على البدل من المضمر المرفوع في «يخيّل» وهو بدل الاشتمال، وهي في موضع رفع في قراءة من قرأ بالياء على المفعول الذي لم يسمّ فاعله، وقد ذكرنا ذلك في تفسير مشكل الإعراب بأشبع من هذا (٢)، وقد تقدّم ذكر «أن أسر، ووعدنا، وابن أم» وشبهه فأغنى عن (٣) الإعادة (٤). «١٩» قوله: ﴿تَلْقَفْ﴾ قرأه ابن ذكوان بالرفع، وجزمه الباقون، وخفّفه حفص، وشدّده الباقون. وحجة من رفعه أنه جعله حالا من الملقي (٥)، كأنه المتلقف وإن كانت «العصا» هي المتلقفة فجعل التلقف له، لمّا كان بإلقائه، كما قال: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ «الأنفال ١٧» فأضاف الرمي إلى نفسه، لا إله إلا هو، وإن كان الرمي في الظاهر من النبي ﷺ ، وحسن ذلك،

стр. 685

لأنه بقدرة الله وقوته ومشيئته كان الرمي، ويجوز رفع «تلقف» على أن تكون حالا من المفعول، وهو «ما» وهو «العصى»، وهو أبين. «٢٠» وحجة من جزم أنه جعله جوابا للأمر في قوله: ﴿وَأَلْقِ﴾. وجواب الأمر كجواب الشرط، وقد ذكرنا علة التخفيف فيما تقدّم (١). «٢١» قوله: ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ قرأه حمزة والكسائي «سحر» بغير ألف، وقرأ الباقون «ساحر» بألف. وحجة من قرأ بألف أنه لمّا أضيف إليه «الكيد» أتى ب «ساحر» دون «سحر» لأن «الكيد» إنما يضاف إلى «الساحر» ولا يضاف إلى «السحر». «٢٢» وحجة من قرأ «سحر» بغير ألف أنه على إضمار تقديره: كيد ذي سحر، فهي كالقراءة الأولى، أضيف «الكيد» إلى فاعل السحر فيهما. وقد ذكرنا الاختلاف في ﴿يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ «٧٥» وعلته. وقد روي عن قالون أنه يصل الهاء بياء كورش، وروي عنه أنه يكسرها من غير ياء، وهو الأشهر (٢). «٢٣» قوله: ﴿لا تَخافُ دَرَكاً﴾ قرأه حمزة بالجزم على أنه جواب «فاضرب» ورفع «تخشى» على أنه نفي، أي: ولست تخشى. وقرأ الباقون بالرفع على أنه حال من موسى ﵇، على تقدير: اضرب لهم (٣) طريقا غير خائف ولا خاشيا، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، وبرفع «لا تخشى»

стр. 686

بإجماع، فهو مثل ما قبله (١). «٢٤» قوله: ﴿قَدْ أَنْجَيْناكُمْ﴾، ﴿وَواعَدْناكُمْ﴾، ﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالتاء في الثلاثة، على لفظ الواحد المخبر عن نفسه، وقرأ الباقون بنون وألف، على لفظ الجماعة المخبرين عن أنفسهم. وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على ما بعده من قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ «٨١»، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ﴾ «٨٢»، فلمّا أتى ذلك على الإخبار عن الواحد، جرى ما قبله على ذلك في لفظ التوحيد، ليتسق الكلام على نظام واحد. «٢٥» وحجة من قرأه على لفظ الجمع إجماعهم على لفظ الجمع في قوله: ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا﴾ «البقرة ٥٠»، ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ «البقرة ٤٩»، ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ﴾ «طه ٨٠» وهو كثير في القرآن، وهو أفخم، وفيه معنى التعظيم للمخبر عن نفسه، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، وقد مضى له نظائر (٢)، وقد تقدّم ذكر «وواعدناكم» وعلته. «٢٦» قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ قرأهما الكسائي بضمّ الحاء، من «يحل» وضمّ اللام الأولى من «يحلل» وقرأ الباقون بكسر الحاء، من «يحل»، وكسر اللام الأولى، وكلّهم كسر الحاء في قوله: ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾ «طه ٨٦». وحجة من كسر الحاء واللام أنه بناه على «فعل يفعل» لغة مسموعة. حكى أبو زيد: حلّ عليه أمر الله يحل. وقد أجمعوا على الكسر في قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ «هود ٣٩»، ومثله ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾. «٢٧» وحجة من ضمّ أنه بناه على «فعل يفعل» جعله بمنزلة

стр. 687

ما يحل في مكان. حكى أبو زيد وغيره: حلّ في المكان يحلّ حلا، إذا نزل به. وحلّ عليه أمر الله يحل حلولا، وحل العقدة يحلها حلا، وحلّ الصوم له يحل حلا. وحلّ حقّي على فلان، يحلّ محلا، وأحلّ الله كذا إحلالا (١) وأحلّ من إحرامه إحلالا (٢). «٢٨» قوله: ﴿بِمَلْكِنا﴾ قرأه نافع وعاصم بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي بضمّ الميم. وقرأ الباقون بكسرها، وهي كلها لغات، وهو مصدر، إلا أن «الملك» بالضمّ مصدر من قولهم: هو ملك بيّن الملك. و «الملك» بالكسر (٣) مصدر من قولهم: هو مالك بيّن الملك. و «الملك» بالفتح لغة في مصدر «مالك». وهذا المصدر مضاف إلى الفاعل في جميع الوجوه، وهو النون والألف، والمفعول محذوف، وتقديره: ما أخلفنا موعدك بملكنا، والصواب (٤): لكن أخلفنا بخطيئتنا (٥). «٢٩» قوله: ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا﴾ قرأ الحرميان وحفص وابن عامر بضم الحاء وكسر الميم مشدّدا. وقرأ الباقون بفتح الحاء، والميم مخفّفا. وحجة من شدّد وضمّ الحاء أنه بناه للمفعول الذي لم يسمّ فاعله، فأضافه (٦) إليهم، لأنهم ادعوا أن غيرهم حملهم على ما صاغوا منه العجل، فقاموا عند حذف الفاعل مقام الفاعل، وشدّد الفعل ليصير رباعيا، فيتعدّى بالتشديد إلى مفعولين: أحدهما «الذين» أي قام مقام الفاعل، وهم المخبرون عن أنفسهم أنهم حمّلوا على ذلك، والثاني «الأوزار»، ويقوّي ذلك

стр. 688

إجماعهم على الضمّ والتشديد في قوله: ﴿حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ «الجمعة ٥»، والاختيار الضمّ، لأن الحرميين عليه وغيرهما (١). «٣٠» وحجة من فتح الحاء وخفّف (٢) أنه أضاف الحمل إلى المخبرين عن أنفسهم، وأخبر عنهم أنهم هم حمّلوا أنفسهم على ما صاغوا منه العجل. وقوّى ذلك أن الفعل بعده مضاف إليهم في قوله: ﴿فَقَذَفْناها﴾، ولم يشدّد لأنه جعله ثلاثيا، لا يتعدّى إلا إلى مفعول [واحد] (٣)، وهو «الأوزار»، ويقويه أيضا إجماعهم على قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ﴾ «النحل ٣٥» وقوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ «الأحزاب ٧٢» (٤). وقد تقدم ذكر ﴿يَا بْنَ أُمَّ﴾ «٩٤». «٣١» قوله: ﴿بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالتاء، ردّاه على الخطاب في قوله: ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ «٩٥». وقرأ الباقون بالياء على الغيبة أي: بما لم يبصر به بنو إسرائيل، والياء أولى، لأن المخاطب وهو موسى ﵇ لم يكن حاضرا، إذ قبض السامري القبضة، ولأن (٥) الأكثر على ذلك (٦). «٣٢» قوله: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قرأه أبو عمرو وابن كثير بكسر اللام على معنى: لم يتأخر عنه، فبنى الفعل للفاعل، وهو المخاطب، وفي الكلام مفعول ثان محذوف، تقديره: لن يخلفه الله، أي: لن يخلف الله الموعد، أي:

стр. 689

لن يتخلف عن الإتيان إلى الموعد، وهو الحشر يوم القيامة. وقرأ الباقون بفتح اللام، بنوا الفعل على ما لم يسمّ فاعله، أي: لن يخلفك الله الموعد، بل يبعثك إليه من قبرك، والفاعل هو الله جلّ ذكره أو موسى، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، والفعل في القراءتين يتعدّى إلى مفعولين، لأنه من أخلفت زيدا الموعد. فالمعنى (١): سيأتيك الله بالموعد ولن يتأخر الموعد عنك (٢). «٣٣» قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ قرأه أبو عمرو بالنون مفتوحة، وقرأ الباقون بالياء مضمومة. وحجة من قرأ بالنون أنه بناه على الإخبار من الله عن نفسه أن (٣) نفخ «الصور» وغيره لا يكون إلا عن مراده وإذنه، ويقوّي ذلك قوله: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ «التحريم ١٢» ويقوّيه أيضا أن بعده معطوفا عليه. ويحسن على الإخبار أيضا، فاتفاق الفعلين أولى من اختلافهما. «٣٤» وحجة من قرأ بالياء أنه بنى الفعل، لما لم يسمّ فاعله، لأن النافخ [عبد من عباد الله مأمور بالنفخ، فالآمر هو الله والنافخ] (٤) هو المأمور، فهو مفعول (٥) في المعنى وهو فاعل النفخ، و «في الصور» يقوم مقام الفاعل، لعدم الفاعل، وهو النافخ، ويقوّيه إجماعهم على قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ «الكهف ٩٩»، وعلى قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ﴾ «النبأ ١٨» وهو الاختيار. و «الصّور» جمع صورة كصوفة وصوف. وقيل: هو جمع صورة على صور كغرفة وغرف، لكن أسكن استخفافا. وقيل: هو قرن ينفخ فيه إسرافيل (٦).

стр. 690

«٣٥» قوله: ﴿فَلا يَخافُ ظُلْماً﴾ قرأه ابن كثير «يخف» بالجزم على النهي، نهى من عمل الصالحات (١) وهو مؤمن أن يخاف أن يظلمه أحد [أو ينقص من عمله وهو قوله: ﴿وَلا هَضْماً﴾ وقرأ الباقون بالرفع على الخبر أنه ليس يخاف أن يظلمه أحد] (٢) فيحمل ذنب غيره، إذ ينقص من عمله (٣)، فهو الاختيار لأن الأكثر عليه (٤). «٣٦» قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا﴾ قرأه نافع وأبو بكر بكسر الهمزة، على الابتداء بها. وقرأ الباقون بالفتح، على العطف على اسم «إن» في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ﴾ «١١٨»، فالمعنى: إن لك يا آدم عدم الجوع وعدم الظمأ، وإنما جاز أن تقع «أن» اسما، لأن الحاجز بينهما ب «لك». ولو قلت: إنّ إنّ لك لا تظمأ وإن إن زيدا منطلق، لم يجز، إذ لم يفصل بينهما. والفتح الاختيار، لأن الثاني معطوف على الأول، ولأن الأكثرية عليه (٥). «٣٧» قوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ قرأه الكسائي وأبو بكر بضمّ التاء، على ما لم يسمّ فاعله، والذي قام مقام الفاعل هو النبي ﷺ . والفاعل هو الله جلّ ذكره، تقديره: لعل الله يرضيك بما يعطيك يوم القيامة. و «لعل» من الله واجبة. وقرأ الباقون بفتح التاء، جعلوا الفعل للنبي ﷺ ، أي: لعلك ترضى بما يعطيك الله، ودليله قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ «الضحى ٥»، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، فلا بدّ في القراءتين أن يعطى محمد، ﵇، في القيامة حتى يرضى، ويزاد فوق الرضى، ولا يرضى، صلى

стр. 691

الله عليه وسلم، أن يعذّب أحد من أمته مخلّدا، فهذه الآية أرجى آية في كتاب الله لأمة محمد ﷺ . ومثلها: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ «الرعد ٦»، ومثلها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ «الأعراف ١٥٦»، ومثلها ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ «النساء ٤٨»، ومثلها: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ «آل عمران ١٣١» ولها (١) نظائر كثيرة في القرآن، تطمع أمة محمد في رحمة الله، والعفو عن ذنوبهم، ودخول الجنة، ولا يجب أن يغترّ بذلك (٢) فالاغترار بحلم الله مهلك، والإصرار على الذنوب متلف موبق، والإياس من رحمة الله كفر (٣). «٣٨» قوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ قرأه نافع وأبو عمرو وحفص بالتاء، على تأنيث «البيّنة». وقرأ الباقون بالياء، حملوه على تذكير «البيان» لأن «البينة والبيان» سواء في المعنى، وأيضا فإن تأنيث «البيّنة» غير حقيقي، وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بضمير المفعولين، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، واختار أبو عبيد الياء لأنه يؤثر التذكير، للحائل (٤) بين الفعل والاسم. واختار ابن قتيبة التاء، لإجماعهم على قوله: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ «البيّنة ١» فهي مثلها في الحائل بين الفعل (٥) والاسم بالضمير (٦). «٣٩» فيها ثلاث عشرة ياء إضافة: فقوله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ «١٠»، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ «١٢»،

стр. 692

﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ﴾ «١٤»، ﴿لِنَفْسِي اِذْهَبْ﴾ «٤١، ٤٢»، (في ذكري. اذهبا) «٤٢، ٤٣» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في الخمس (١). قوله: ﴿لِذِكْرِي إِنَّ﴾ «١٤، ١٥»، ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ «٢٦» و (و ﴿عَيْنِي إِذْ﴾ «٣٩، ٤٠» و ﴿بِرَأْسِي إِنِّي﴾ «٩٤» قرأ نافع وأبو عمرو بالفتح في الأربعة. ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ «١٠» قرأها الكوفيون بالإسكان. ﴿وَلِيَ فِيها﴾ «١٨» قرأها ورش وحفص بالفتح. ﴿أَخِي. اُشْدُدْ بِهِ﴾ «٣٠، ٣١» قرأها ابن كثير وأبو عمرو بالفتح. ﴿حَشَرْتَنِي أَعْمى﴾ «١٢٥» قرأها الحرميان بالفتح. فيها زائدة: ﴿أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ «٩٣» قرأها ابن كثير بالياء في الوصل والوقف، وقرأها أبو عمرو ونافع بياء في الوصل خاصة (٢). ***

стр. 693

سورة الأنبياء ﵈ مكية، وهي مائة آية واحدى عشرة في المدني، واثنتا عشرة (١) في الكوفي «١» قوله: ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ قرأ حمزة وحفص والكسائي «قال» بألف، على الخبر عن النبي ﵇ أنه قال ذلك. وقرأ الباقون على لفظ الأمر ﷺ ، أن يقول: ربّي يعلم القول، فهو جواب وردّ لقولهم: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ «٣» أمر النبي أن يعلمهم أن الله يعلم السّر من قولهم وغير السّر (٢). وقد تقدّم ذكر ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ «٧»، و ﴿نُوحِي إِلَيْهِ﴾ «٢٥» (٣). «٢» قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه ابن كثير «ألم ير» بغير واو، قبل اللام، على استئناف الكلام، وكذلك هي في مصاحف أهل مكّة. وقرأ الباقون «أو لم» بالواو، ردّوا الكلام بالواو على ما قبله، وكذلك هو بالواو في جميع المصاحف إلا مصحف أهل مكّة (٤). «٣» قوله: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ (٥) قرأه ابن عامر بتاء مضمومة، وكسر الميم، ونصب «الصم» على الخطاب للنبي ﷺ ، لتقدم لفظ الخطاب له في قوله: ﴿إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ فلمّا أضيف الفعل إلى النبي في «أنذركم» أضيف إليه في «تسمع» ونصب «الصم» بتعدّي الفعل إليهم، فجرى الكلام الآخر على سنن أوله بإضافة الفعل إلى

стр. 694

النبي فيهما. وجعل الفعل رباعيا من «أسمع» فتعدّى إلى مفعولين «الصم» و «الدعاء». وقرأ الباقون «ولا يسمع» بياء مفتوحة، وفتح الميم، ورفع «الصم»، أضافوا الفعل إلى «الصم»، فارتفعوا بفعلهم، لأنه نفى السمع عنهم، كما تقول: لا يقوم زيد، فترفعه لنفيك القيام عنه، وتعدّيه إلى مفعول، لأنه ثلاثي، والمفعول «الدعاء»، ورفع هذا النوع، إنما هو على سبيل الإخبار عنهم، كما تخبر عن الفاعل، وفيه اختلاف، لأنهم لم يفعلوا شيئا، فليسوا بفاعلين على الحقيقة، وفي هذه القراءة معنى الذم لهم والتقريع لهم لتركهم استماع ما (١) يجب لهم استماعه والقبول له، والياء الاختيار، لأن الجماعة على ذلك (٢). «٤» قوله: ﴿وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ قرأ نافع [برفع] (٣) «مثقال» ومثله في لقمان (٤) بالرفع (٥). وقرأ الباقون بالنصب. وحجة من قرأ بالرفع أنّه جعل «كان» تامة، لا تحتاج إلى خبر بمعنى: وقع وحدث، فرفع «المثقال» بها، لأنها فاعل ل «كان». «٥» وحجة من نصب أنه جعل «كان» هي الناقصة، التي تحتاج إلى خبر واسم، فأضمر فيها اسمها ونصب «مثقالا» على خبر كان، تقديره: وإن كان الظلامة مثقال حبة. وأجاز إضمار الظلامة لتقدّم ذكر الظلم، ولم تظهر علامة التأنيث في الفعل، لأن الظلامة والظلم سواء، فذكّر، لتذكير الظلم. وقيل: ذكّر لما كانت الظلامة هي المثقال، والمثقال مذكّر، فذكّر لتذكير

стр. 695

المثقال. وقد تقدّم ذكر ﴿أُفٍّ﴾ «٦٧» و ﴿ضِياءً﴾ «٤٨» وعلّتهما (١). «٦» قوله: ﴿جُذاذاً﴾ قرأ الكسائي بكسر الجيم، وضمّها الباقون. وهما لغتان، والضمّ أكثر. و «الجذاذ» الفتات والقطع. يقال: جذذت الشيء قطّعته، ومثله قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ «هود ١٠٨» أي غير مقطوع (٢). «٧» قوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ قرأ ابن عامر وحفص بتاء مضمومة وقرأه أبو بكر بنون مضمومة. وقرأ الباقون بياء مضمومة. وحجة من قرأ بالتاء أنه ردّه على «الصنعة»، وقيل: ردّه على معنى «الّلبوس» لأن «اللبوس» الدّرع، والدّرع مؤنثة. «٨» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الّلبوس، ولفظه مذكّر، لأنه بمعنى اللباس. وقيل: هو مردود إلى الله جلّ ذكره، أي: ليحصنكم الله من بأسكم، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿وَعَلَّمْناهُ﴾. وفيه خروج من الإخبار إلى الغيبة. وقيل: هو لداود. أي ليحصنكم بذلك داود من بأسكم. وقد تقدّم ذكر داود فحسن الإخبار عنه. وقيل [هو] (٣) للتعليم، لقوله: ﴿وَعَلَّمْناهُ﴾ فالمعنى: ليحصنكم التعليم. ودلّ: «علّمناه» على التعليم. «٩» وحجة من قرأ بالنون أنه ردّه على «علمناه»، لقربه منه، وهو ظاهر في المعنى لأنه أجري الفعلين على نظام واحد. والاختيار الياء، لأن الأكثر عليه، ولتمكّن الوجوه فيه (٤).

стр. 696

«١٠» قوله: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ أبو بكر وابن عامر بنون واحدة، وتشديد الجيم. وقرأ الباقون بنونين والتخفيف. وحجة من قرأ بنون واحدة أنه بنى الفعل للمفعول، فأضمر المصدر، ليقوم مقام الفاعل. وفيه بعد من وجهين: أحدهما أن الأصل أن يقوم المفعول مقام الفاعل دون المصدر، فكان يجب رفع «المؤمنين» وذلك مخالف للخط. والوجه الثاني أنه كان يجب [أن] (١) تفتح الياء من «نجي» لأنه فعل ماض، كما تقول: «رمي وكلم» فأسكن الياء. وحقّها الفتح، فهذا الوجه بعيد في الجواز. وقيل: إن هذه القراءة على طريق إخفاء النون الثانية في الجيم. وهذا أيضا بعيد، لأن الرواية بتشديد الجيم والإخفاء لا يكون معه تشديد. وقيل: أدغم النون في الجيم. وهذا أيضا لا نظير له، لا تدغم النون في الجيم في شيء من كلام العرب لبعد ما بينهما. وإنما تعلّق من قرأ هذه القراءة أن هذه اللفظة في أكثر المصاحف بنون واحدة، فهذه القراءة إذا قرئت بتشديد الجيم، وضمّ النون، وإسكان الياء غير متمكنة في العربية. «١١» وحجة من قرأ بنونين أنه الأصل، وسكنت الياء. لأنه فعل مستقبل، وحق الياء الضمّ، فسكنت لاستثقال الضم على الأصول، وانتصب «المؤمنين» بوقوع الفعل عليهم. والفعل مضاف مخبر به (٢) عن الله جلّ ذكره، فهو (٣) المنجي من كلّ ضرّ، لا إله إلا هو، فأما وقوعها في المصاحف بنون واحدة فإنما ذلك لاجتماع المثلين في الخط، ولأن النون الثانية تخفى عند الجيم بلا اختلاف، وهو من «أنجى ينجي»، كما قال: ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ «يونس ٢٣». وكان أبو عبيد يختار القراءة بنون واحدة اتّباعا للمصحف، على إضمار المصدر، يقيمه مقام الفاعل، وينصب «المؤمنين» ويسكن الياء في موضع الفتح وهذا (٤) كلّه قبيح بعيد. واختار أبو عبيد أن يكون

стр. 697

أصله «ننجي» بنونين، والتشديد، ثم أدغم النون الثانية في الجيم، وهو غلط قبيح، ولا يجوز الإدغام في حرف مشدد، فكيف تدغم النون (١) في الجيم وهي مشددة أولها ساكن، ولا يجوز أيضا إدغام النون في الجيم عند أحد. واختار ابن قتيبة «ننجي» بنونين، على قراءة الجماعة، وهو الصواب (٢). «١٢» قوله: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي «وحرم» بكسر الحاء، من غير ألف بعد الراء. وقرأ الباقون [بفتح الحاء] (٣) وبألف بعد الراء (٤) وهما لغتان كالحل والحلال (٥). «١٣» قوله: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ قرأ ابن عامر بالتشديد، وخفف الباقون، وهما لغتان، وفي التشديد معنى التكرير والتكثير، والتخفيف فيه أبين، لأن تقديره: حتى إذا فتح سد يأجوج. فهو واحد، فلا معنى للتكثير. وقيل: التشديد أقوى، لأن ثم سدا وبناء وردما. فالفتح لأشياء مختلفة يكون، والتشديد أولى به، والتخفيف الاختيار، لأن الجماعة عليه (٦). «١٤» قوله: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي «للكتب» بالجمع، وقرأ الباقون بالتوحيد. وحجة من وحد أن ابن عباس قال: السجل الرجل، فالتقدير: كطي الرجل الصحيفة. وقال السدي: السجل ملك يطوي الكتاب. فيكون «طي» على هذين القولين مضافا إلى الفاعل، واللام في «للكتاب» زائدة. وقال قتادة: السجل الصحيفة بعينها، والمعنى: كطي الصحيفة فيها الكتاب. فيكون المصدر مضافا إلى الفعل. والتقدير: كطي الطاوي السجل فيه الكتاب

стр. 698

أي يدرج الكتاب فيها. وتكون اللام غير زائدة، دخلت للتعدي، أي قد تعدت الطي إلى مفعول، وهو السجل، فيكون التوحيد على لفظ السماء، شبه، تعالى ذكره، طيه للسماء كطي الملك للكتاب. «١٥» وحجة من قرأ بالجمع أن لفظ السماء موحد، يراد به الجمع، لأن السماوات كلها تطوى، ليس تطوى سماء واحدة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ «الزمر ٦٧»، وإذا كان السماء يراد بها الجمع، فمعناه: يوم نطوي السماوات كطي الملك للكتب، فأنث الكتاب بالجمع كالسماوات. فالقراءة الأولى محمولة على لفظ السماء في التوحيد. والثانية محمولة على معنى السماء في الجمع. فالقراءتان متقاربتان. والتوحيد أحب إلي، لأن الأكثر عليه (١). «١٦» قوله: ﴿قالَ رَبِّ احْكُمْ﴾ قرأه حفص بألف، على الإخبار عن قول النبي ﷺ ، وقرأ الباقون «قل» بغير ألف على الأمر للنبي ﷺ بالقول (٢). «١٧» فيها أربع ياءات إضافة: قوله: ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ «٢٤» فتحها حفص. وقوله: ﴿إِنِّي إِلهٌ﴾ «٢٩» فتحها نافع وأبو عمرو. وقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ «٨٣»، ﴿عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ «١٠٥» أسكنهما (٣) حمزة. ليس فيها زائدة (٤).

стр. 699

سورة الحج مكية سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة [وهن] (١) قوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ﴾ «١٩» إلى تمام الثلث الآيات، وهي ست وسبعون آية في المدني وثمان في الكوفي، وقيل: إنها مدنية كلها. «١» قوله: ﴿سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾ قرأه حمزة (٢) والكسائي بفتح السين، من غير ألف، على وزن «فعلى» كصرعى. وقرأ الباقون بضم السين، وبألف بعد الكاف، على وزن، «فعالى» ككسالى. وحجة من قرأ بغير ألف أنها لغة في جمع «سكران» حكى سيبويه: قوم سكارى، قال: جعلوه كالمرض، كأنهم شبهواه به، كما كان أمرا دخل عليهم في أجسامهم. وقد قيل: إنه يجوز أن يكون «سكارى» جمع سكر. حكى سيبويه: رجل سكر، فيكون سكارى جمع سكر، كهرم وهرمى، وزمن وزمنى، فيكون التأنيث في «سكارى» على هذا التأنيث للجمع، ليس كالتأنيث في امرأة سكارى. «٢» وحجة من أثبت الألف أنه أتى به على لفظ لا يشبه الواحد، وهو الأصل في جمع سكران، ككسلان وكسالى، وقد تقدم ذكر الإمالة فيه وفي غيره، والحجة في ذلك، و «سكارى» هو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٣» قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾، ﴿وَلْيُوفُوا﴾، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ قرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر: «ثم لقطع» بكسر اللام. وأسكن الباقون. ومثله في «ثم ليقضوا» غير أن قنبلا معهم على الكسر. وقرأ

стр. 700

ابن ذكوان «وليوفوا، وليطوفوا» بكسر اللام فيها. وقرأ الباقون بالإسكان. وتفرد أبو بكر بتشديد الفاء، وفتح الواو في «وليوفوا». وحجة من كسر أنها لا مات أمر، أصلها الكسر، فأتى بها على الأصل، كما لو ابتدأ بها لم تكن إلا مكسورة، فأجراها مع حرف العطف مجراها بغير حرف (١) في الابتداء وكأنه لم يعتد بحرف العطف، وهو الاختيار. «٤» وحجة من أسكن أنه على التخفيف للكسرة، فأسكنها وكأنه اعتد بحرف العطف. وقد منع المبرد إسكان اللام مع «ثم» لأنها كلمة يوقف عليها. وكذلك منع الإسكان في «ثم هو» ولم يجزه (٢). «٥» وحجة من شدد الفاأ أنه بناه على «وفى» للتكثير، كما قال: ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ «النجم ٣٧». «٦» وحجة من خففه أنه بناه على «أوفى» الذي يقع للقليل والكثير كما قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ﴾ «النحل ٩١»، وهما لغتان. فأما من أسكن اللام مع الواو وكسرها مع «ثم» فإنه لما رأى «ثم» قد تنفصل من اللام ويمكن الوقف عليها قدر أن اللام يبتدأ بها فكسرها. ولما رأى الوا ولا تنفصل من اللام ولا يوقف عليها دون اللام قدر اللام متوسطة فأسكن استخفافا. وقد مضى نحو هذه العلة في «ثم هو» وهو في أول البقرة. فأما من أسكن معها، أو كسر، ولم يفرق بينهما. فإنه لما رآهما حرفي عطف، متصلين بلام، أجرى اللام معهما مجرى واحدا، فأسكن استخفافا أو كسر على الأصل (٣). «٧» قوله: ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ قرأه نافع وعاصم بالنصب، هنا وفي سورة فاطر (٤)، عطفاه على موضع «أساور» لأن «من» زائدة. والتقدير: يحلون

стр. 701

فيها أساور من ذهب ولؤلؤا. وقرأ الباقون بالخفض [عطفوه على لفظ «من أساور»] (١). والقراءتان بمعنى. وقد ذكرنا الاختلاف في الوقف عليه وكيف تخفف الهمزة فيه، وكل القراء همز الهمزة الأولى الساكنة على أصلها، إلا أبا بكر فإنه لم يهمز استخفافا، لاجتماع همزتين في الكلمة، بينهما حرف. وكذلك يفعل أبو عمرو إذا ترك الهمزة الساكنة. فأما حمزة فإنه يقف على الهمزتين بالتخفيف، و وافقه هشام على تخفيف الثانية، وقد تقدم ذكر كل هذا (٢). «٨» قوله: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ﴾ قرأ حفص «سواء» بالنصب وقرأ الباقون بالرفع. وحجة من نصب أنه جعله مصدرا عمل فيه «جعلناه»، كأنه قال: سوينا فيه بين الناس سواء، وارتفع العاكف ب «سواء»، كأنه قال: مستويا فيه العاكف. فهو مصدر في معنى اسم الفاعل، كما قالوا: رجل عدل أي: عادل. وعلى هذا أجازوا: مررت برجل سواء درهمه، أي مستويا درهمه. ويجوز أن يكون «سواء» انتصب على الحال. وإذا نصبته على الحال جعلته حالا من المضمر، في قوله: «للناس» المرتفع بالظرف. ويكون الظرف عاملا في الحال، لأنه هو العامل في المضمر الذي هو صاحب الحال، أو يكون حالا من الهاء في «جعلناه» ويكون العامل في الحال «جعلنا» كما عملت في الهاء التي هي صاحب الحال. «٩» وحجة من رفع أنه جعله خبرا ل «العاكف» مقدما عليه. والتقدير: العاكف والباد سواء فيه، أي ليس أحدهما أحق به من الآخر (٣).

стр. 702

«١٠» قوله: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ قرأه نافع بفتح الخاء مشددا. وقرأ الباقون بإسكان الخاء مخففا. وحجة من شدد أنه بناه على «تتفعل» أي: فتخطفه، لكن حذفت [إحدى التاءين كما حذفت] (١) في: تظاهرون وتسائلون، وفي: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ «هود ١٠٥» أصله «تتكلم»، ثم حذفت (٢) إحدى التاءين، لاجتماع المثلين استخفافا. «١١» وحجة من خفف أنه بناه على خط «يخطف»، فالتاء في «فتخطفه» للاستقبائل ولتأنيث جماعة الطير (٣). «١٢» قوله: ﴿مَنْسَكاً﴾ قرأه حمزة والكسائي بكسر السين. وقرأ الباقون بالفتح، على أنه مصدر أو اسم للمكان، لأن الفعل إذا كان على «فعل يفعل» أتى المصدر واسم المكان على «مفعل» (٤)، تقول: قتلته مقتلا، أي قتلا. وتقول: هذا مقتل القوم. فأما الكسر فهو اسم المكان، فقد يأتي اسم المكان من «فعل يفعل» بالكسر، قالوا: المطلع والمسجد، وهو خارج عن القياس، وكذلك (٥) «المنسك» بالكسر اسم المكان خارج عن القياس، وهذا لا يوجد إلا سماعا من العرب، لأن فيه خروجا عن الأصول. والفتح هو الاختيار، لأنه الأصل في المصدر والمكان من «فعل يفعل» ولأن الجماعة عليه (٦). «١٣» قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء

стр. 703

[وإسكان الدال] (١) من غير ألف. وقرأ الباقون بضم الياء وبألف بعد الدال. وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعل الفعل من واحد، وهو الله جل ذكره، يدافع عمن يشاء، ولما كان في إثبات الألف احتمال أن يكون الفعل من اثنين، والله وحده هو الدافع، كان ترك إثبات الألف أولى لزوال الاحتمال، وهو الاختيار، لما في إثبات الألف من الاحتمال (٢) أن يكون الدفع من اثنين من دافع ومن مدفوع عنه، والمدفوع عنه لا حظ له في الدفع، لكن يحمل على تكرير الفعل، أي يدافع عنهم مرة بعد مرة، فيصح لفظ «يدافع» من واحد، ومثله: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ «التوبة ٣٠» ليس هو من اثنين. والعرب تخرج «فاعل» من واحد، نحو: سافر زيد. «١٤» وحجة من قرأ بألف أنه حمله أيضا على الواحد، لأن المفاعلة قد تكون من واحد، نحو: عاقبت اللص، وداويت العليل. وقد تكون «فاعل» (٣) للتكرير، أي يدافع عنهم مرة بعد مرة. وقد يأتي «فاعل» من واحد، قالوا (٤): سافر زيد. وقد ذكرناه، وقد تقدم ذكر «دفع» وعلته في البقرة، والكلام عليه كالكلام في «يدافع» (٥). «١٥» قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ﴾ قرأه نافع وأبو عمرو وعاصم بضم الهمزة، على ما لم يسأم فاعله، ف «الذين» يقوم مقام الفاعل، والله هو الفاعل. وقرأ الباقون «أذن» بفتح الهمزة، على أنهم بنوا الفعل للفاعل المتقدم الذكر، وهو الله جل ذكره، فهو مضمر في «أذن»، و «للذين» في موضع نصب يتعدى الفعل إليهم بحرف الجر.

стр. 704

«١٦» قوله: ﴿يُقاتَلُونَ﴾ قرأه نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء، على ما لم يسأم فاعله، على معنى: أذن الله للذين يقاتلون عدوهم بالقتال لعدوهم، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، فدل ذلك على أنهم قوتلوا، فأتى الفعلان على ما لم يسأم فاعله، وهو الاختيار، لصحة معناه، لأنهم لما قوتلوا وظلموا بالقتال أذن الله لهم بقتال عدوهم، وقد قيل: إنها أول آية نزلت في إباحة قتال المشركين. وقرأ الباقون بكسر التاء، أضافوا الفعل إلى الفاعل، على تقدير: أذن الله للذين يريدون قتال عدوهم بالقتال (١). وقد تقدم ذكر «قتلوا، ومدخلا، وكأين، وليضل، وترجع الأمور» وشبه ذلك، فأغنى عن إعادته (٢). «١٧» قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ قرأ الحرميان بالتخفيف، لأنه يقع للقليل والكثير، وهو أخف. وقرأ الباقون بالتشديد، ليخلصوا الفعل إلى التكثير، لكثرة الصوامع والبيع والصلوات والمساجد، فالتشديد الذي يدل على التكثير أولى وهو الاختيار لكثرة ما دفع الله من الهدم (٣). «١٨» قوله ﴿أَهْلَكْناها﴾ قرأه أبو عمرو بالتاء بلفظ التوحيد. وقرأ الباقون بالنون والألف، على لفظ الجمع (٤). «١٩» وحجة من قرأ بالتاأ أنه حمله على لفظ التوحيد الذي أتى بالتاء

стр. 705

قبله، وهو قوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ «٤٤»، وحمله أيضا على لفظ التوحيد بعده في قوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُها﴾ «٤٨»، فكان حمل الكلام على ما قبله وما بعده أليق وأحسن. «٢٠» وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه أفخم، وفيه معنى التعظيم، وبه جاء القرآن في مواضع، قد تقدم ذكراها، وعلى ذلك أتى الإخبار بالإهلاك بلفظ الجمع إجماعا، في نحو قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ «الأعراف ٤»، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ﴾ «الإسراء ١٧»، وهو كثير، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (١). «٢١» قوله: ﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، وقرأ (٢) الباقون بالتاء. وحجة من قرأ بالياأ أنه حمله على لفظ الغيبة الذي قبله، في قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ وروي عن الحسن أنه قرأ: «مما يعدون يا محمد» فهذا يدل على الياء (٣). «٢٢» وحجة من قرأ بالتاأ أنه أجراه على العموم، لأنه يحتمل أن يكون خطابا للمسلمين وللكفار، إذا قرى بالتاء، والياء إنما هو إخبار عن الكفار خاصة. فالتاأ أعم، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٤). «٢٣» قوله: ﴿مُعاجِزِينَ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو مشدّدا، من غير ألف، وقرأ الباقون بألف مخفّفا.
следующие страницы →