← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

القراء عليه [وهو وجه الكلام في العربية] (١). «١٠» قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ قرأه نافع وابن عامر بالفاء. لأنها كذلك في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. وقرأ الباقون بالواو، وهو وجه الكلام في العربية، ولأنها كذلك في مصاحف أهل الكوفة والبصرة ومكة (٢). وقد تقدّم ذكر «يتّبعهم» في الأعراف، وذكرنا «أرجه» و «نعم» و «تلقف» و «آمنتم له» و «أن أسر» و «القسطاس» و «كسفا» وشبهه، فأغنى ذلك عن الإعادة (٣). «١١» فيها ثلاث عشرة (٤) ياء إضافة، قوله: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٢»، ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٣٥» موضعان، و ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ «١٨٨» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في الثلاثة. قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ «١٠٩» في خمسة مواضع، قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص بالفتح فيهن. قوله: ﴿بِعِبادِي إِنَّكُمْ﴾ «٥٢» قرأ نافع بالفتح فيها. ﴿مَعِي رَبِّي﴾ «٦٢» قرأ حفص بالفتح. ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «١١٨» قرأ حفص وورش بالفتح فيها. ﴿لِأَبِي إِنَّهُ﴾ «٨٦»، ﴿عَدُوٌّ لِي إِلاّ﴾ «٧٧» قرأ نافع وأبو عمرو بالفتح فيهما (٥). ليس فيها زائدة.

стр. 737

سورة النمل مكيّة، وهي خمس وتسعون آية في المدني، وثلاث وتسعون في الكوفي «١» قوله: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ قرأ الكوفيون «بشهاب» بالتنوين. وقرأ الباقون بغير تنوين على الإضافة. وحجة من نوّن أنّهم جعلوا «القبس» صفة ل «شهاب» أو بدلا منه. قال أبو عبيدة (١): الشهاب النار، والقبس ما اقتبست منه. فعلى هذا يصحّ البدل، وهو مذهب الأخفش، كما تقول: هذه دار أجر. وسوار ذهب. فأما إذا جعلت القبس صفة لشهاب، فهو اسم وضع في موضع مصدر وصف به، لأن «القبس» بإسكان الباء، هو مصدر و «القبس» بالفتح اسم المقتبس، فوضع الاسم في موضع المصدر (٢) ووصف به، ودليل الصفة قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ «الصافات ١٠»، فهذا وصف للشهاب، فيكون التقدير: بشهاب مقبوس، كما قالوا: درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. «٢» وحجة من أضاف أنّه جعل القبس غير صفة للشهاب، فأضاف إليه. قال أبو زيد: يقال أقبسته العلم وقبسته النار. واختار الأخفش الإضافة، كما تقول: هذه دار أجر، وسوار ذهب، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٣» قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾ قرأه ابن كثير بثلاث نونات، الأولى

стр. 738

مشدّدة مفتوحة مقام نونين، والثانية مكسورة. وقرأ الباقون بنون واحدة مشدّدة مكسورة. وحجة من قرأ بثلاث نونات أنه أتى به على الأصل، لأن أصله «ليأتيني» بنون واحدة مكسورة، والياء ساكنة، ثم تدخل النون المشددة التي تدخل للتأكيد في الأمر والنهي والقسم والشرط، وهذا قسم، فيصير فيه نون مشدّدة مفتوحة، وهي التي دخلت لتأكيد القسم، وبعدها نون مكسورة، وهي التي تدخل مع الياء، في الاسم المضمر المنصوب، في نحو: ضربني وكلمني، وبنى الفعل على الفتح ففتح الياء التي هي لام الفعل. «٤» وحجة من قرأ بنون واحدة مكسورة مشدّدة أنه لمّا اجتمع في الكلمة ثلاث نونات مع طولها حذف إحدى النونات استخفافا، وهي النون التي تدخل مع الياء، فلما جاورت الياء النون المشددة كسرتها. ويجوز أن يكون أدخل النون الخفيفة للتأكيد، وهي ساكنة، فأدغمها في النون التي مع الياء، وهو الاختيار، لأن عليه الجماعة، وعليه خط المصحف (١). «٥» قوله: ﴿فَمَكَثَ﴾ قرأه عاصم بفتح الكاف، وضمها الباقون. وهما لغتان، والفتح أكثر وأشهر، ويدلّ على الفتح قوله: ﴿إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ «الزخرف ٧٧» و «فاعل» لا يكون من «فعل» فدلّ على أنّه «فعل» بالفتح. وأيضا فإنّه لم يستعمل «مكث» في اسم الفاعل، و «فعل» بالضمّ اسم الفاعل منه «فعيل» كظرف وكرم، تقول في اسم الفاعل منهما: ظريف وكريم، والضمّ الاختيار، لأن عليه الجماعة، ولولا الجماعة لاخترت الفتح لما ذكرت من العلة. «٦» قوله: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ قرأه أبو عمرو والبزّي بالفتح من غير تنوين. وقرأه قنبل بإسكان الهمزة. وقرأ الباقون بكسر الهمزة والتنوين.

стр. 739

وحجة من فتح ولم ينون أنّه جعله اسما للقبيلة، فمنعه من الصرف للتعريف والتأنيث. وقال الزّجّاج (١): هو اسم مدينة بقرب مأرب (٢)، فهو مؤنث معرفة. «٧» وحجة من صرفه أنه جعله اسما للأب (٣) أو للحيّ، فصرفه إذ لا علّة فيه غير التعريف، وأهل النسب يقولون: هو اسم للأب، فهو سبأ بن يشجب بن ماشين بن يعرب (٤) بن قحطان، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه. «٨» وحجة من أسكن الهمزة أنه نوى الوقف عليها، ويجوز أن يكون أسكن تخفيفا (٥) لتوالي سبع (٦) متحركات، والإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قويّ، ومثله الاختلاف في سورة سبأ (٧). «٩» قوله ﴿أَلاّ يَسْجُدُوا﴾ قرأه الكسائي بتخفيف «ألا» وإن وقف عليه وقف «ألا يا» ويبتدئ «اسجدوا» وليس هو موضع وقف، و «اسجدوا» فعل مبني عند البصريين في هذه القراءة. وقرأ الباقون «ألاّ» بالتشديد، جعلوا الياء في «يسجدوا» للاستقبال، متصلة بالفعل

стр. 740

وهو معرب (١). وحجة من شدّد «ألاّ» أنّ أصله عنده «أن لا» فأدغم النون في اللام، ف «أن» هي الناصبة للفعل، وهو «يسجدوا» حذفت النون منه للنصب. فالفعل معرب في هذه القراءة، ومبني في القراءة الأولى، و «أن» من «ألا» في موضع نصب [من أربعة وجوه الأول أن يكون في موضع نصب] (٢) على البدل من «أعمالهم»، على تقدير: وزيّن لهم الشيطان ألاّ يسجدوا. والثاني أن تكون «أن» مفعولة ل «يهتدون» أي: فهم [لا يهتدون أن يسجدوا، وتكون «لا» على هذا القول زائدة، فالمعنى على هذا فهم] (٣) لا يهتدون إلى السجود. فلمّا حذف حرف الجر مع «أن» تعدّى الفعل فنصب، وحذف حرف الجر مع «أن» كثير في القرآن والكلام. ويجوز أن تكون «أن» على هذا في موضع خفض، على إعمال حرف الجر، وهو محذوف لكثرة ذلك، وهو مرويّ عن الخليل والكسائي. والثالث أن تكون «أن» في موضع نصب على حذف اللام، تقديره: وصدّهم عن السبيل لئلا يسجدوا، أو يكون التقدير: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا. ويجوز أن تكون «أن» في موضع خفض على البدل من السبيل، تقديره: وصدّهم عن ألا يسجدوا، وتكون «لا» زائدة، فتحقيق الكلام: وصدّهم عن السجود، لأن «أن» والفعل مصدر، و «لا» زائدة، ولا يحسن في جميع هذه الوجوه الوقف على ما قبل «ألا»، ولا الابتداء ب «ألا» لأنك تفرّق بين العامل والمعمول فيه. ويقوّي هذه القراءة أنّ الياء في كلّ المصاحف متصلة بالفعل، وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه. «١٠» وحجة من خفّف «ألا» أنه جعلها استفتاحا للكلام، فالوقف على ما قبل «ألا»، في هذه القراءة حسن وجعل ما بعد «ألا» منادى قد حذف

стр. 741

وبقيت «يا» تدل عليه، وذلك جائز في لغة العرب، جاء ذلك في أشعارها وكلامها، يكتفون بياء عن الاسم المنادى، أو يحذفونه لدلالة الكلام و «يا» عليه، يقولون: ألا يا انزلوا، ألا يا ادخلوا، يريدون: ألا يا هؤلاء انزلوا، ألا يا هؤلاء ادخلوا، كذلك الآية، تقديرها: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فلذلك قلنا: يقف على «يا»، ويبتدئ: اسجدوا، في هذه القراءة. وإنما حذفت ألف «يا» من اللفظ لسكونها وسكون السين بعدها، فصارت الياء في اللفظ متصلة بالسين كياء الاستقبال، وعلى ذلك أنشدوا: فقالت ألا يا سمع نعظك بخطّة … فقلت سميعا فانطقي وأصيبي (١) يريد: ألا يا هذا اسمع. ومثله (٢): يا لعنة الله والأقوام كلّهم … والصّالحين على سمعان من جار (٣) . يريد: يا هؤلاء لعنة الله، أي الزموا لعنة الله على سمعان: وهو كثير (٤). «١١» قوله: ﴿ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾ قرأ حفص والكسائي بالتاء. وقرأ الباقون بالياء (٥). وحجة من قرأ بالتاء أنّه حمله على الخطاب. لأن ما قبله، على قراءة الكسائي، منادى، والمنادى مخاطب، فردّ الخطاب في الفعلين على معنى المنادى، فكأنه قال:

стр. 742

ألا يا قوم اسجدوا لله الذي يعلم ما تخفون وما تعلنون. فأما قراءة حفص بالتاء فيهما فإنّه حمله على الخطاب للمؤمنين والكافرين الذين تقدّم ذكرهم على لفظ الغيبة. «١٢» وحجة من قرأ بالياء أنّ الكلام قبله جرى على لفظ الغيبة، في قوله: «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ﴾ ﴿فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلاّ يَسْجُدُوا»، فجرى «يخفون ويعلنون» على مثال ذلك في لفظ الغيبة، فصار آخر الكلام كأوله في الغيبة، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (١). «١٣» قوله: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ قرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة بإسكان الهاء. وقرأ قالون بكسر الهاء، من غير بلوغ ياء. وقرأ الباقون بصلتها بياء في الوصل. وحجة من قرأ بإسكان الهاء أنه نوى الوقف على الهاء وذلك بعيد لأنه ليس بموضع وقف، وقيل: هي لغة لبعض العرب، وذلك قليل، إنما جاء في الشعر، وقيل: إنّه توهّم الهاء (٢) لام الفعل، فألزمها ما يلزم لام الفعل في هذا من السكون للبناء، لأن لام الفعل إذا سكنت في الأمر فسكونها بناء، وهو أيضا قول ضعيف، وقد تقدّم ذكر هذا ونحوه. «١٤» وحجة من وصلها بياء أنه لمّا رأى الهاء، وقد تحرّك ما قبلها، أثبت الحرف الذي بعدها، إذ لم يجتمع ما يقرب من الساكن. والياء بدل من واو، وهي الأصل في الزيادة لتقوية هاء الكناية، وذلك لكسرة ما قبل الهاء فبنى الكلمة في زيادة الياء على اللفظ، ولم ينظر إلى الأصل، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه. «١٥» وحجة من وصل الهاء بكسرة، دون ياء، أنّه بنى الكلمة على

стр. 743

الأصل، لأن الأصل «ألقيهي»، فيحذف الياء التي بعد الهاء، لسكونها وسكون الياء التي قبل الهاء، لأن الهاء حرف خفيّ غير حاجز حصين، فلمّا دخل الكلمة البناء للأمر، وحذفت الياء التي قبل الهاء للبناء، بقيت الهاء مكسورة، من غير ياء، على ما كانت عليه قبل حذف الياء التي قبل (١) الهاء لأن حذفها عارض وقد مضى شرح هذا كله (٢). «١٦» قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ قرأ حمزة بنون مشدّدة، على الإدغام، لاجتماع المثلين فيمدّ الواو لالتقاء الساكنين. وقرأ الباقون بنونين ظاهرتين على الأصل، الأولى علم (٣) الرفع في الفعل، والثانية هي التي تدخل مع الياء في ضمير المتكلم المنصوب، لتقي الفعل عن (٤) أن تتصل به الياء فتكسره، فتقول: ضربني ويضربني، فتبقى لام الفعل على حالها قبل اتصال الضمير بها، ولولا النون لانكسرت لام الفعل لملاصقة الياء لها، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وعليه الأكثر، ووقف ابن كثير وحمزة بالياء كما يصلان، لأنه الأصل، ووصله نافع وأبو عمرو بالياء، ووقفا بغير ياء اتباعا للخط في الوقف حملا على الأصل في الوصل، وحذف الباقون الياء في الوصل والوقف (٥) اتباعا للخّط، ليوافق الأصل الوقف في حذف الياء (٦). «١٧» قوله: ﴿عَنْ ساقَيْها﴾ قرأ قنبل بالهمز، ومثله: ﴿بِالسُّوقِ﴾

стр. 744

«ص ٣٣» و ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ «الفتح ٢٩» (١)، وقرأ ذلك الباقون بغير همز. قال أبو محمد: وهمز هذه الثلاث الكلمات بعيد في العربية، إذ لا أصل لهن في الهمز. لكن قال بعض العلماء إنه إنما همزن على توهّم الضمة التي قبل الواو، فكأنه همز الواو لانضمامها، وهذا بعيد في التأويل، غير قوي في النظر. حكى الأخفش أن أباحيّة النّميري (٢)، وهو فصيح، كان يهمز الواو إذا انضمّ ما قبلها. كأنه يقدّر الضمة عليها، فيهمزها، كأنها لغة، وهي لغة قليلة خارجة عن القياس، وهذه الأقوال لا يمكن شيء منها في همز «ساقيها»، والذي قيل في همز «ساقيها» أنه إنّما جاز همزه لجواز همزه في الجمع، في قولك: سؤق، وإذا جمعت ساقا على «فعول» أو جمعته على «أفعل» نحو: أسوق، فلما استمر الهمز في جمعه همز الواحد لهمزه في الجمع. وهذا أيضا ضعيف لأنه يلزم منه جواز همز «دار» لأنك تهمزه في الجمع في قولك: أدؤر، وهمز دار لا يجوز، فأما من لم يهمزه، فهو على الأصل، لأن كلّ ما لا أصل له في الهمز لا يجوز همزه إلا لعلة نحو (٣) أن تكون فيه واو مضمومة [فيجوز همزها وليس في هذا واو مضمومة] (٤)، وهو الاختيار، لأن الهمز بعيد شاذّ، ولأن الجميع على ترك الهمز (٥). «١٨» قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ قرأ حمزة والكسائي

стр. 745

بالتاء فيهما، وبضمّ التاء الثانية في «لنبيتنه» وضمّ اللام الثانية في «لنقولن». وقرأ الباقون بالنون فيهما، وفتح التاء واللام. وحجة من قرأ بالتاء أنه جعل «تقاسموا» فعلا مستقبلا أمرا، فهو فعل مبني، والتاء (١) للخطاب، على معنى: قال بعضهم لبعض تقاسموا، أي افعلوا القسم بينكم، أي تحالفوا، فهو خطاب من بعضهم لبعض، فجرى «لتبيتنه وأهله ثم لتقولن» على الخطاب أيضا من بعضهم لبعض، فجاء على الخطاب. «١٩» وحجة من قرأ بالنون أنّه أجرى الفعلين على الإخبار، عن جميعهم عن أنفسهم. و «تقاسموا» مستقبل أمر كالأول، هو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٢). «٢٠» قوله: ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ قرأ أبو بكر بفتح الميم واللام، وقرأ حفص بفتح الميم، وكسر اللام. وقرأ الباقون بضم الميم، وفتح اللام. وحجة من فتح الميم واللام أنه جعله مصدر «هلك». فمهلك وهلاك مصدران ل «هلك» و «الأهل» فاعلون في المعنى، لأن «هلك» لا يتعدّى في أكثر اللغات. وقد حكي أن بني تميم يقولون: هلكني الأمر، بمعنى أهلكني، فإن حملته على هذه اللغة كان «الأهل» في موضع نصب. «٢١» وحجة من فتح الميم وكسر اللام أنه جعله اسم مكان كالمجلس، لأن اسم المكان من «فعل يفعل» «المفعل»، بالكسر، والمصدر منه بالفتح. ويجوز على جهة الشذوذ أن يكون مصدرا كما قال في المصدر «المرجع والمحيض» وأصل المصدر في هذا الفتح. «٢٢» وحجة من ضمّ الميم أنّه جعله مصدرا من «أهلك»، فالإهلاك والمهلك مصدران ل «أهلك»، و «الأهل» في موضع نصب، لأنه يتعدّى،

стр. 746

تقديره: ما شهدنا إهلاك (١) الله أهله. ويجوز أن يكون اسما للمكان، على معنى ما شهدنا موضع إهلاك (٢) أهله، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٢٣» قوله: ﴿أَنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ قرأه الكوفيون بفتح الهمزة وكسرها (٤) الباقون. وحجة من كسر أنّه جعل «كان» بمعنى وقع تامة، لا تحتاج إلى خبر، وجعل «كيف» في موضع الحال، فتمّ الكلام على «مكرهم»، ثم ابتدأ ب «إنّا» مستأنفا فكسرها، والتقدير: فانظر يا محمد على أيّ حال وقع عاقبة أمرهم. ثم استأنف مفّسرا للعاقبة بالتدمير، بكسر «إن» لأنها مستأنفة، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه. «٢٤» وحجة من فتح «أنّا» أنه جعل «أنّا» بدلا من العاقبة، فموضعها رفع، و «كان» بمعنى وقع، و «كيف» في موضع الحال كالأول، وإن شئت جعلت «أنا» في موضع رفع على إضمار مبتدأ، تقديره: هو أنا دمرناهم. وإن شئت جعلت «كان» ناقصة، وتحتاج إلى خبر، فتكون «العاقبة» اسمها و «أنّا دمرناهم» الخبر، تقديره: فانظر كيف كان عاقبة أمر مكرهم تدميرنا إياهم (٥)، وقد تقدّم ذكر «قدّرناها» و «بشرى» (٦) وشبهه. «٢٥» قوله: ﴿أَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قرأه أبو عمرو وعاصم بالياء، ردّاه على

стр. 747

لفظ الغيبة قبله في قوله: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ «٥٨»، و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾، وعلى لفظ الغيبة بعده في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ «٦١»، و ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ «٦٠»، فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة (١) للكفار، أي: قل لهم يا محمد الله خير أما تشركون. وإن شئت حملته على لفظ الخطاب في قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾ «٦٢» (٢). «٢٦» قوله: ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه أبو عمرو وهشام بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وحجة من قرأ بالياء أنّه ردّه على لفظ قبله في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ «٦١» و ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ «٦٠»، فأجرى الكلام كله على أوله، على لفظ الغيبة، لتتّفق رؤوس الاي. «٢٧» وحجة من قرأ بالتاء أنّه ردّه على الخطاب الذي هو أقرب إليه في قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ﴾، وقد تقدّم ذكر الاختلاف في التخفيف والتشديد في قراءة من قرأ بالياء، والتاء الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٢٨» قوله: ﴿بَلِ ادّارَكَ﴾ قرأه أبو عمرو وابن كثير بقطع الهمزة وإسكان الدّال من غير ألف بعد الدال، على وزن «أفعل»، وقرأ الباقون بوصل الألف وتشديد الدّال وألف بعد الدال. وحجة من قرأ على وزن «أفعل» أنه حمله على معنى «بلغ ولحق» كما تقول: أدرك علمي هذا، أي بلغه، فالمعنى فيه الإنكار، و «بل» بمعنى «هل»

стр. 748

فهو إنكار أن يبلغ علمهم أمر الآخرة، وفيه معنى التقرير والتوبيخ لهم، وطلبهم علم ما لا يبلغونه أبدا، فالمعنى: هل أدرك علمهم في الآخرة، أي بعلم حدوث الآخرة، ومتى تكون، أي إنهم لم يدركوا علم الآخرة ووقت حدوثها. ودلّ على ذلك قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ﴾ أي من علمها و «في» بمعنى الباء فالمعنى: هل أدرك علمهم بالآخرة، أي: هل بلغ غايته فلم يدركوا علمها، ولم ينظروا في حقيقتها، والعمى عن الشيء أعظم من الشك فيه. وهو في حرف أبي (أم تدارك) (١) على معنى النفي. «٢٩» وحجة من شدّد الدال أن أصله «تدارك علمهم»، فأدغم التاء في الدّال فسكن الأول، فدخلت ألف الوصل للابتداء، ومعناه: بل تلاحق علمهم بالآخرة، أي: جهلوا علم وقتها فلم ينفرد أحد منهم بزيادة علم في وقتها، فهم في الجهل لوقت حدوثها متساوون، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٢). «٣٠» قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ قرأه ابن كثير بياء مفتوحة، وفتح الميم، ورفع «الصم» على الإخبار عنهم، فهو نفي السماع عنهم، فرفعهم كرفع الفاعل. والمعنى: أنهم لا ينقادون إلى الحق كما لا يسمع الأصمّ المعرض المدبر عن سماع ما يقال له [من] (٣) كلام من يكلّمه، فلم يكفه أنّه معرض عما يقال له حتى وصفه بالصمم. فهذا غاية امتناع سماع ما يقال له، فيشبههم في إعراضهم عن قبول ما يقال لهم من الإسلام والكتاب بدعاء الأصم المعرض المدبر عن الشيء. وقرأ الباقون بتاء مضمومة، وكسر الميم، ونصب «الصم»، ردّوه (٤) على ما قبله من الخطاب لمحمد ﵇، في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾، فجرى الثاني على لفظ

стр. 749

الأول من الخطاب، ونصبوا (١) الصم بوقوع الفعل عليهم، والمعنى (٢): إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع دعاءك الصم المعرضين عنك المدبرين شبّهوا في إعراضهم عما جاءهم به محمد، وترك قبولهم له (٣)، بالأصم المعرض عن الشيء المدبر، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٤). «٣١» قوله: ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ﴾ قرأه حمزة «تهدي» بالتاء على وزن «تفعل»، «العمي» بالنصب ب «تهدي»، جعله فعلا للحال والاستقبال. وقرأ الباقون «بهادي» جعلوه اسم فاعل، دخلت عليه الباء لتأكيد النفي، وهو أيضا للحال أو للاستقبال وخفضوا «العمي» لإضافة «هادي» إليهم. ويجوز «العمي» في الكلام بالنصب، على تقدير حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ومثله في الروم (٥). ووقف الكسائي عليهما (٦) جميعا بالياء على الأصل، ووقف الباقون على هذا الذي في النمل بالياء، لثبات الياء فيه في المصحف، ولأنه الأصل. ووقفوا على الذي في الروم بغير ياء، لحذفها من المصحف في الروم اتباعا للخط. وروي عن حمزة أنه يقف عليهما (٦) بالياء. وقال الكسائي: من قرأ «تهدي» بالتاء لزمه أن يقف بالياء، وإنما لزمه ذلك لأن الفعل لا يدخله تنوين في الوصل تحذف له الياء، فيكون في الوقف كذلك، كما يدخل التنوين على «هاد» ونحوه، فتذهب الياء في الوصل، فيجري الوقف على ذلك لمن وقف بغير ياء، والاختيار ما عليه الجماعة والاتّباع لخط المصحف، وأن لا يتعمد الوقف

стр. 750

عليه في الروم (١). «٣٢» قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النّاسَ﴾ قرأ الكوفيون «أن الناس» بفتح الهمزة، على تقدير: بأن الناس. وفي حرف أبيّ: «تنبئهم أنّ الناس». فهذا لا يكون معه إلا فتح «أن». وفي حرف ابن مسعود: «تكلّمهم بأنّ الناس». فهذا ظاهر في فتح «أن». حكى قتادة أنّ في بعض القراءة «تحدثهم أنّ الناس»، فهذا يدل على أن «تكلمهم» من «الكلام»، ليس من الجراح، وسئل ابن عباس عن هذا الحرف كيف هو! تكلّمهم أو تكلمهم؟ فقال: كلاّ والله تفعل، تكلّم المؤمنين وتكلم الكافر، أي تجرحه أي تسمه. وقرأ الباقون بكسر الهمزة على إضمار القول أي: تكلمهم فتقول: إن الناس. وحسن هذا لأن الكلام قول، فدلّ «تكلمهم» على القول المحذوف، لأنه قول، وهو الاختيار (٢). «٣٣» قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ قرأه حفص وحمزة «أتوه» بالقصر، وفتح التاء. وقرأ الباقون بالمدّ وضم التاء، وورش على أصله في المدّ، وفي إلقائه حركة الهمزة على التنوين في «كل». وحجة من قصره أنّه جعله فعلا ماضيا، من باب المجيء، [أي] (٣) وكل جاؤوه. وأصله «أتيوه» على وزن «فعلوه» فلمّا انضمت الياء، وقبلها فتحة، قلبت ألفا، وبعدها واو الجمع ساكنة، فحذفت الألف لسكونها وسكون واو الجمع بعدها، وبقيت مفتوحة تدلّ على الألف المحذوفة. والهاء في هذه القراءة في موضع نصب بوقوع الفعل عليها.

стр. 751

«٣٤» وحجة من مدّ أنه جعله اسم فاعل من باب المجيء أيضا. فالمعنى: وكل جائيوه، وأصله «آتيوه» مثل «فاعلوه» فلمّا انضمت الياء، وقبلها كسرة، استثقل ذلك فيها، وألقيت حركة الياء على التاء، وحذفت كسرة التاء، فاجتمع ساكنان الياء والواو بعدها فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وبقيت حركتها تدل عليها، وقيل: بل أسكنت الياء تخفيفا، وحذفت لالتقاء الساكنين، وضمّت التاء لتصحّ الواو التي للجمع، إذ ليس في كلام العرب واو ساكنة، قبلها كسرة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في هذه القراءة في موضع خفض، لإضافة اسم الفاعل إليها، وهو الاختيار. لأن الجماعة عليه، فإن قيل: فهلا كان في قراءة من مدّ فعلا مستقبلا مثل «أنا آتيك به»؟ فالجواب أن الهمزة في «أفعل» أبدا تكون للاستقبال، إذا كان الفعل للمخبر عن نفسه، وقوله «وكل أتوه» ليس هو المخبر عن نفسه، إنما هو خبر عن غيّب، فلا يحسن فيه أن تكون الهمزة للاستقبال، وقوله: (أنا آتيك) إنما جاز أن تكون الهمزة فيه للاستقبال، وأن يكون (١) فعلا مستقبلا لأنه فعل للمخبر عن نفسه، فاعلمه. فأما قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ «مريم ٩٥» فهو فاعل من المجيء، وأصله «آتيه» على وزن «فاعله» فلما انضمت الياء، وقبلها كسرة، ثقل ذلك، فأسكنت استخفافا، فالهاء في موضع خفض، لإضافة اسم الفاعل إليها، ومثله في العلة والحذف قوله: ﴿إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً﴾ «مريم ٩٣»، إلا أنّ الياء في «آتي الرحمن» حذفت في اللفظ في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها، فالوقف عليه بالياء، لأنه الأصل، ولأن الياء ثابتة في الخط، فأما قوله تعالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ «النمل ٣٩» في الموضعين، في هذه السورة، فيحتمل الوجهين، وذلك أن يكون اسما، وزنه «فاعل» فتكون الهمزة أصلية، والألف بعدها زائدة، والكاف في موضع خفض، لإضافة اسم الفاعل إليها، والفاعل مضمر في اسم الفاعل، وهو المخبر عن نفسه، والوجه الثاني أن يكون

стр. 752

فعلا مستقبلا، والهمزة للمخبر عن نفسه، والألف بعدها بدل من همزة ساكنة، هي فاء الفعل وهي همزة «أتى» والكاف في موضع نصب بالفعل، والفاعل هو المخبر عن نفسه أيضا، مضمر في الفعل، والاختيار أن يكون «أنا آتيك» في الموضعين على «فاعل»، لمن أماله، لأن الألف المبدلة من همزة ساكنة، لا تمال كما لا تمال الهمزة الساكنة (١). «٣٥» قوله ﴿بِما تَفْعَلُونَ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء، حملا على لفظ الغيبة، في قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾. وقرأ الباقون بالتاء، ردّوه على الخطاب الذي قبله، في قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾. فهو خطاب للنبيّ، وأمته داخلون معه في الخطاب، فحمل «تفعلون» على الخطاب العام، فالغيّب داخلون في الخطاب، لكن غلب لفظ الخطاب على لفظ الغيبة، وهو الاختيار (٢). «٣٦» قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ قرأ الكوفيون بتنوين «فزع» وقرأ الباقون بغير تنوين، على إضافة «فزع» إلى «يوم»، وقد تقدّم ذكر «يومئذ» في هود وعلّة بنائه (٣). وحجة من نوّن «فزع» أنه أراد أن يعمل المصدر وهو «فزع» في الظرف، وهو «يوم»، على تقدير: وهم من أن يفزعوا يومئذ، ف «يومئذ» نصب على الظرف، والعامل «فزع»، ويجوز أن ينتصب «يوم» على الظرف، وهو (٤) في موضع صفة ل «فزع» لأن المصادر يحسن أن توصف بأسماء الزمان كما يجوز أن تكون أسماء الزمان خبرا عنها، والتقدير إذا جعلته [صفة] (٥): فهم من فزع يحدث «يومئذ»،

стр. 753

ف «يحدث» صفة لفزع، وهو العامل في «يوم»، لكنك حذفته، وأقمت «يوما» مقامه، ففيه ضمير يعود على الموصوف، كما كان في «يحدث» الذي قام «يوم» مقامه، ويجوز أن ينتصب «يوم» ب «آمنين»، والتقدير: وهم آمنون يومئذ من فزع، والفزع يجوز أن يكون واحدا، ويجوز أن يكون متكررا كثيرا في «يوم القيامة» والكثرة أولى به لهول ذلك اليوم. «٣٧» وحجة من قرأ بغير تنوين أنه أضاف «الفزع» إلى «يوم» لكون الفزع فيه، فالمصدر يضاف إلى المفعول، وهو الظرف، فمن خفض الظرف فمن أجل إضافة «فزع» إليه أجراه مجرى سائر الأسماء، ومن فتح «اليوم» بناه على الفتح لإضافته إلى اسم غير متمكّن ولا معرب، وهو «إذ»، وقد تقدّم الكلام على هذا، وتقدّم الكلام على دخول التنوين في «إذ»، وعلّته وعلة كسر الذال والوقف على ذلك، فأغنى ذلك عن الإعادة، وترك التنوين الاختيار، لأنه أخفّ، ولأن الأكثر عليه، وقد ذكرنا «تعلمون» في آخر هود (١). «٣٨» فيها ست ياءات إضافة، قوله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ «٧» قرأها الحرميان وأبو عمرو بالفتح. ﴿أَوْزِعْنِي﴾ «١٩» قرأها ورش والبزّي بالفتح. ﴿ما لِيَ لا أَرَى﴾ «٢٠» قرأها ابن كثير وعاصم والكسائي وهشام بالفتح. ﴿إِنِّي أُلْقِيَ﴾ «٢٩»، ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ﴾ «٤٠» قرأها نافع بالفتح. ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ «٣٦» قرأها نافع وأبو عمرو وحفص بالفتح، وقرأها الباقون بالحذف، ويقف أبو عمرو وقالون وحفص بالياء، ووقف الباقون بغير ياء، ويجب على من فتح الياء أن يقف بالياء، وهو اختيار ابن مجاهد،

стр. 754

لكن الذي قرأت به لورش أن يقف بغير ياء اتباعا للمصحف، لأنها بغير ياء في المصحف. فيها من الزوائد ياءان، قوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ «٣٦» وقد ذكرت. وقوله: ﴿فَما آتانِيَ اللهُ﴾ «٣٦» وقر ذكرت (١). ***

стр. 755

سورة القصص مكية، وهي ثمان وثمانون آية في المدني والكوفي قد تقدّم ذكر «طسم» في الامالة للطاء، وفي الاظهار للنون (١) «١» قوله: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما﴾ قرأه حمزة والكسائي «ويرى» بالياء مفتوحة، وفتح الراء ممالة، ورفع الأسماء الثلاثة، أضافا الفعل إلى «فرعون» ومن بعده، فارتفعوا به، لأنهم هم الراءون وأحزابهم. وقرأ الباقون بنون مضمومة، وكسر الراء على الإخبار عن الله جلّ ذكره، ونصب الأسماء الثلاثة بعده بالفعل، لأنه يصير رباعيا، يتعدّى إلى مفعولين، وهما فرعون ومن عطف عليه، والفاعل هو المخبر عن نفسه بالفعل، وهو الله جلّ ذكره، وحسنت القراءة بالنون على الإخبار عن الله تعالى ذكره عن نفسه، لأن قبله إخبارا عن الله جلّ ذكره وعزّ (٢) في قوله: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ «٣» فهم أروه، وإذا أروه رأوه. فالقراءتان ترجعان (٣) إلى معنى (٤). «٢» قوله: ﴿وَحَزَناً﴾ قرأه حمزة والكسائي بضمّ الحاء، وإسكان الزاي. وقرأ الباقون بفتحهما، وهما لغتان كالعجم والعجم والعرب والعرب (٥). «٣» قوله: ﴿يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ قرأه أبو عمرو وابن عامر بفتح الياء، وضمّ الدال. وقرأ الباقون بضمّ الياء، وكسر الدال.

стр. 756

وحجة من فتح الياء أنه جعله ثلاثيا غير متعدّ، من «صدرت الرعاء تصدر» إذا رجعت من سقيها، دليله قوله: ﴿يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً﴾ «الزلزلة ٦». «٤» وحجة من ضمّ الياء أنه جعله رباعيا متعدّيا إلى مفعول محذوف، فهو من «أصدرت الإبل»، إذا رددتها من السقي، وتقديره: حتى يصدر الرعاء مواشيهم من السّقي، فهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (١). «٥» قوله ﴿جَذْوَةٍ﴾ قرأه حمزة بضمّ الجيم، وقرأ عاصم بالفتح. وقرأ الباقون بالكسر، وهي لغات كلّها في الجذوة من النار، وهي للقطعة الغليظة من الحطب، فيها نار ليس فيها لهب (٢). «٦» قوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ قرأ الحرميان وأبو عمرو بفتح الراء والهاء. وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء. وقرأ الباقون بضمّ الراء، وإسكان الهاء، وهي لغات بمعنى واحد. و «الرهب» و «الرهبة» الخوف، وجناحا الرجل يداه، وقيل عضداه (٣)، وقد تقدّم ذكر «فذانك» و «هاتين» وعلّة ذلك في النساء (٤)، وقد تقدّم ذكر «لِأَهْلِهِ امْكُثُوا» و «أئمة» و «في أمّها» و «بضياء» (٥) وشبهه، فأغنى عن الإعادة. «٧» قوله: ﴿رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾ قرأه عاصم وحمزة بالرفع. وقرأ الباقون بالجزم.

стр. 757

وحجة من رفعه أنه جعله صفة ل «ردء» فهو صفة لنكرة، وكذلك الأفعال لا تكون صفة إلا لنكرة، وتكون حالا من المعرفة، كذلك الجمل تكون صفة للنكرة وحالا من المعرفة، والتقدير: ردءا مصدّقا لي، والرّدء المعين. سأل موسى ﵇ ربّه أن يرسل معه معينا مصدقا له، وقد ذكرنا قراءة ورش في «ردءا» وإلقاءه الحركة في كلمة على «الدال» (١) ولم يفعل ذلك في غير هذا الحرف، وبيّنا علته في باب إلقاء الحركة (٢). «٨» وحجة من جزمه أنه جعله جوابا للطلب وهو «فأرسله» كأنه قال: إن ترسله معي يصدقني، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٩» قوله: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ قرأه ابن كثير «قال» بغير واو، لأنها كذلك في مصحف أهل مكة، كأنه استئناف كلام. وقرأه الباقون «وقال» بالواو، كأنه (٤) عطف على ما قبله عطف جملة على جملة. وكذلك هي بالواو في [غير] (٥) مصاحف أهل مكة، وهو الاختيار لأنّ الأكثر عليه (٦)، وقد تقدّم ذكر ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ في الأنعام (٧). «١٠» قوله: ﴿لا يُرْجَعُونَ﴾ قرأه نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء، وكسر الجيم. وقرأ الباقون بضمّ الياء، وفتح الجيم، وقد تقدّمت علّة ذلك في البقرة (٨) وغيرها. «١١» قوله: ﴿قالُوا سِحْرانِ﴾ قرأه الكوفيون بغير ألف بعد السين،

стр. 758

تثنية «سحر»، جعلوه إشارة إلى الكتابين، ودلّ ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ﴾ «٤٩» أي: أهدى من هذين الكتابين، وإنما جاز أن تنسب المظاهرة للكتابين، لأنه على معنى يقوّي أحدهما الآخر بالتصديق، فهو على الاتساع. وقرأ الباقون بألف بعد السّين، تثنية «ساحر»، يريدون به أنّ موسى وهارون تعاونا، وقيل: لموسى ومحمد ﵉. ويقوّي ذلك أنّ بعده «تظاهرا» بمعنى تعاونا، ولا تأتي المعاونة على الحقيقة من السّحرين إنما تأتي من الساحرين، وهو الاختيار، لأنّ الأكثر عليه (١). «١٢» قوله: ﴿يُجْبى إِلَيْهِ﴾ قرأه نافع بالتاء لتأنيث الثمرات. وقرأ الباقون بالياء، لأنه قد فرّق بين المؤنث وفعله ب «إليه»، لأنّه تأنيث غير حقيقي، ولأن معنى الثمرات الرزق فحمل على المعنى فذكّر، وقد مضى له نظائر، وعلّلت بأشبع من هذا، والياء الاختيار لأن الجماعة على ذلك (٢). «١٣» قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قرأه أبو عمرو بالياء على لفظ الغائب، ردّه على ما قبله من لفظ الغيبة في قوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ «٥٧» وقوله: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ﴾ «٥٨» وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ «٥٩» وقوله: ﴿وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾. وقرأ الباقون بالتاء، وهو الاختيار، ردّوه على ما هو أقرب إليه من الخطاب في قوله: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. وروي عن أبي عمرو أنه خيّر فيه. والمشهور عنه الياء (٣). «١٤» قوله: ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ قرأه حفص بفتح الخاء والسين، بناه (٤) للفاعل، لتقدّم ذكره في قوله: [لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا]،

стр. 759

وقرأ الباقون بضمّ الفاء وكسر السين، على ما لم يسمّ فاعله، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (١)، والاختيار في الوقف على (ويكأنّ) بالوصل غير مقطوعة اتباعا للمصحف. وقد روي عن أبي عمرو أنه يقف «ويك» على معنى «أعلمك» فتعمل «أعلمك» في «أنّه» وتبتدئ «أنه». وروي عن الكسائي أنه يقف «وي» على معنى التنبيه، على التعجّب ممّا عاينوا من خسف الله لقارون، ويبتدئ «كأنّه»، والمشهور عنهما مثل الجماعة، ومعنى «ويكأن»: أما ترى، ألم تعلم. وقيل معناها: ويلك. قال الفرّاء: هي كلمة استعملت للتقرير غير مفصولة، بمعنى «أما ترى». وقال أبو عمرو: معناها أعلمك، وقال الأخفش: معناها «أولا ترى، ألم تر». وأصلها عند الخليل «وي» منفصلة من «كأنّ»، كأنّهم كانوا في غفلة فانتبهوا، فقالوا: ويك أنّ الله. قال قطرب: العرب تقول: وي ما أعقله. والصواب فيها اتباع الخطّ، وأن لا يفصل بعضها من بعض. «١٥» فيها اثنتا عشرة ياء إضافة، قوله: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ﴾ «٢٢»، ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ «٢٩»، ﴿إِنِّي أَنَا اللهُ﴾ «٣٠»، ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «٣٤»، ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ «٣٧»، ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ «٨٥»، (عندي أولم) «٧٨» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح في السبع (٢). قرأ حفص: ﴿مَعِي رِدْءاً﴾ «٣٤» بالفتح. قرأ نافع: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ﴾ «٢٧»، ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ «٢٧» بالفتح فيهما. قرأ الكوفيون: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ﴾ «٣٨»، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ «٢٩» بالإسكان فيهما. فيها زائدة قوله: «(أن يكذبوني)» «٣٤» قرأها ورش بياء في الوصل خاصة (٣).

стр. 760

سورة العنكبوت مكية، وهي تسع وستون آية في المدني والكوفي وعن قتادة أنه قال: من أولها إلى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ «١١» مدني وباقيها مكي (١). «١» قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ قرأه حمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. وحجة من قرأ بالتاء أنه أجراه على مخاطبة إبراهيم لقومه، لتقدّم خطابه لهم في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ﴾ «١٦»، وقوله: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ «١٧»، وكذلك ما بعده، فجرى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ على الخطاب، لأنه في سياق خطاب مكرّر: ويجوز عند أبي طاهر أن يكون خطابا للنبي، على التنبيه على قدرة الله، بدلالة قوله بعد ذلك: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ «٢٠». ومنع ذلك غيره، وقال: هو خطاب للمشركين، والمعنى: قل لهم يا محمد: أو لم تروا كيف يبديء الله الخلق. قال: ولا يحسن أن يكون خطابا للمؤمنين، لأنهم لم يكونوا في شك من البعث، فينبهوا عليه، لأنه قد استقر ذلك في نفوسهم، وآمنوا به، وإنما ينبّه عليه من يجحده، ويقوّي التاء «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ»، والأمر خطاب، وهو للكفار. «٢» وحجة من قرأه بالياء أنّه ردّه على لفظ الغيبة التي قبله، في قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ﴾ كذب أمم) «١٨»، فالمعنى: أو لم ير الذين اقتصصنا عليهم قصص الأمم السالفة، كيف يبدئ الله الخلق، ويمكن أن يكون التقدير: أو لم ير من مضى من سالف الأمم كيف يبدئ الله الخلق (٢).

стр. 761

«٣» قوله: ﴿النَّشْأَةَ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالمدّ والهمز بعد الألف، ومثله في والنجم والواقعة (١)، وقرأ الباقون بغير مدّ ولا ألف، وهما لغتان كالرأفة والرّآفة والكأبة والكآبة. وقيل: النشأة بغير مدّ اسم المصدر كالعطاء، والنشاءة بالمد هو المصدر كالإعطاء يدل على المدّة الثانية في الخلق كالكرّة الثانية، فهو مصدر صدر عن غير لفظ «ينشئ» ولو صدر عن لفظ «ينشئ» لقال: الإنشاءة الآخرة، والتقدير فيه: ثم الله ينشئ الأموات، فينشؤون النشأة الآخرة، فهو مثل قوله: ﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ «آل عمران ٣٧»، ومثل قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ «المزمل ٨»، ومثل قوله: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ «نوح ١٧» فافهمه (٢). «٤» قوله: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو وابن كثير والكسائي برفع «مودة» غير منون، وخفض «بينكم»، على الإضافة، وقرأ حمزة وحفص بالنصب والإضافة. وقرأ الباقون بنصب «مودة» والتنوين، ونصب «بينكم». وحجة من رفع وأضاف أنه جعل «ما» في قوله: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ﴾ اسم إنّ، وأضمر «هاء» مع «اتخذتم» تعود على «ما» وجعل «مودة» خبر إنّ. والتقدير: وقال إن الذين اتخذتموهم أوثانا مودة بينكم، فعدّى «اتخذتم» إلى مفعولين، على إضمار ما يجب له، فتكون «المودة» هي ما اتّخذوه أوثانا، على الاتساع، وتحقيقه أن الذين اتخذتموهم أوثانا ذوو مودة بينكم. «٥» وحجة من نصب وأضاف، أو لم يضف، أنه جعل «ما» كافة ل «إنّ» عن العمل، فلم يحتج إلى إضمارها، وجعل «اتخذ» تعدّى إلى مفعول واحد، وهو «الأوثان» ونصب «مودة»، على أنه مفعول من أجله، أي اتخذتم الأوثان للمودة، والإضافة على الاتساع، والتنوين على الأصل، ونصب «بينكم» على الظرف، أو على أنه صفة ل «مودة» وقد شرحنا إعراب هذه

стр. 762

المسألة في كتاب مشكل الإعراب بأشبع من هذا (١)، وتقدّم ذكر الاستفهامين في الرعد (٢). «٦» قوله: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾، و ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ﴾ قرأ حمزة والكسائي «لننجينه» بالتخفيف، وشدّد الباقون، وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي «منجوك» بالتخفيف، وشدّد الباقون. وهما لغتان قد أتتا في القرآن بإجماع، قال الله جل ذكره: ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ «الأنبياء ٧٦»، وقال: ﴿إِذْ أَنْجَيْناكُمْ﴾ «الأعراف ١٤١» و ﴿فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ «العنكبوت ٢٤»، وفي التشديد معنى التكرير (٣). «٧» قوله: ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ﴾ قرأه ابن عامر بالتشديد، وخفّف الباقون، وهما أيضا لغتان «نزّل وأنزل» قد أتى ذلك في القرآن كثيرا بإجماع، نحو: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ «ق ٩» ونحو: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ «البقرة ٢٢» (٤). «٨» قوله: ﴿ما يَدْعُونَ﴾ قرأه أبو عمرو وعاصم بالياء، ردّاه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ «٤١»، وعلى لفظ الغيبة التي بعده في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ «٤٣»، وقرأ الباقون بالتاء، على الخطاب للمشركين، وحسن ذلك، لأن في الكلام معنى التهدد والوعيد والتوبيخ لهم، فإذا جرى الكلام على لفظ الخطاب كان أبلغ في الوعظ والزجر لهم، وهو الاختيار لأن الأكثر عليه (٥). «٩» قوله: ﴿آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قرأه ابن كثير وأبو بكر وحمزة

стр. 763

والكسائي بالتوحيد، لأن الواحد، في هذا النوع، يدلّ على الجمع، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ﴾ «الأنبياء ٧»، و ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ «يونس ٢٠» فهو مثله، وقرأ الباقون بالجمع على الأصل، لأنهم اقترحوا آيات تنزل عليهم، ودليله أن بعده في الجواب ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾. فدلّ هذا على أنهم اقترحوا آيات، إذ أتى الجواب بالجمع، يدلّ على أن سؤالهم كان بآيات، وأيضا فإنها في المصحف بالتاء، فدل ذلك على أنه جمع. إذ لو كان على التوحيد لكان بالهاء، فقويت القراءة بالجمع، وهو الاختيار (١). «١٠» قوله: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ قرأه نافع وأهل الكوفة بالياء، على الإخبار عن الله، لأن قبله: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ﴾ «٥٢» وقوله: ﴿كَفَرُوا بِاللهِ﴾، فذلك أقرب إليه من غيره، ويجوز أن يكون إخبارا عن قول الموكّل بعذابهم لهم، فالتقدير: ويقول الموكّل بعذابهم لهم. وقرأ الباقون بالنون على الإخبار من الله تعالى عن نفسه، لأن كل شيء لا يكون إلا بأمره، فنسب الفعل إلى نفسه، وإن كان تعالى ذكره لا يكلّمهم، إنّما تكلمهم الملائكة عن أمره ومشيئته، فنسب الفعل إليه لمّا كانت الملائكة لا تكلمهم إلا عن أمره وإرادته. والياء أحبّ إليّ، لأن المعنى عليه، إذ القائل لهم هذا القول غير الله جل ذكره، وأيضا فإن قبله إخبارا عن الله جل ذكره، في قوله: ﴿أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ﴾ «٥١» وبعده قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنا﴾ «٥٧»، و ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ «٥٨» فحمل على ما قبله وما بعده من الإخبار عن الله جل ذكره (٢). «١١» قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ قرأ أبو بكر بالياء، حمله على لفظ الغيبة في قوله ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وجمع حملا على معنى «كل». وقرأ الباقون بالتاء، على معنى الخروج من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿إِيّاكَ﴾

стр. 764

﴿نَعْبُدُ﴾ «الفاتحة ٥» بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ «٢» (١). «١٢» قوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالثاء والنون، من غير همز، جعلاه من الثّواء، وهو الإقامة في الجنة، و «في» محذوفة من «غرف». وقرأ الباقون بالياء والهمز، من التبوّء، وهو الإقامة أيضا، وقيل هو الإنزال (٢). «١٣» قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ قرأه ورش وابن عامر وأبو عمرو وعاصم بكسر اللام، على أنها لام «كي»، وقرأ الباقون بالإسكان، على أنها لام الأمر، ففي الكلام معنى التهدد والوعيد، ولا يحسن أن تكون اللام في قراءة من أسكن لام كي، لأن لام كي لا تسكن (٣). «١٤» فيها ثلاث ياءات إضافة قوله: ﴿إِلى رَبِّي إِنَّهُ﴾ «٢٦» قرأها نافع وأبو عمرو بالفتح. قوله: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ﴾ «٥٦» قرأها أبو عمرو (٤) وحمزة والكسائي بالإسكان. قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي﴾ «٥٦» قرأها ابن عامر بالفتح. ليس فيها زائدة (٥).

стр. 765

سورة الروم مكية، وهي تسع وخمسون آية في المدني وستون في الكوفي «١» قوله: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر «عاقبة» بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. وحجة من قرأ بالنصب أنّه جعل «عاقبة» خبر «كان» مقدّما على اسمها، واسمها «السّوأى»، تقديره: ثم كانت السّوأى عاقبة الذين، و «السّوأى» جهنم أعاذنا الله منها، أي: ثم كان دخول جهنم عاقبة الذين كفروا من أجل أن كذبوا، فذكّر الفعل لتذكير الدخول الذي هو اسم كان على الحقيقة، ويجوز أن يكون اسم كان «أَنْ كَذَّبُوا» ويكون «السّوأى» مصدرا كالرّجعى والبشرى، ويكون التقدير: ثم كان التكذيب عاقبة الذين أساءوا إساءة، فيذكّر الفعل لتذكير التكذيب الذي هو اسم كان. «٢» وحجة من رفع «عاقبة»، وهو الاختيار، أنّه جعل «العاقبة» اسم كان، والخبر «السّوأى» و «أَنْ كَذَّبُوا»، والتقدير، إذا جعلت «السّوأى» الخبر، ثم كان مصير المسيئين السّوأى من أجل أن كذّبوا، أي: كان مصيرهم دخول جهنم، وذكّر الفعل حملا على المعنى، لأن العاقبة والمصير سواء في المعنى. وأيضا فإن تأنيث «العاقبة» غير حقيقي، لأنه مصدر، وأيضا فإن «العاقبة» لما كانت في المعنى هي دخول جهنّم، لأن الخبر هو الاسم في المعنى حمل التذكير على تذكير الدخول كالأول، فإن جعلت «أَنْ كَذَّبُوا» هو الخبر حملت تذكير الفعل على تذكير التكذيب، لأنه هو اسم كان في المعنى، إذ اسمها هو خبرها في المعنى كالابتداء والخبر، فإذا جعلت «أَنْ كَذَّبُوا» هو الخبر كان التقدير: ثم كان مصير الذين أساءوا إساءة، للتكذيب (١) لما جاء به محمد

стр. 766

﵇ (١). «٣» قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأه أبو بكر وأبو عمرو بالياء، بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وحجة من قرأ بالياء أنّه حمله على لفظ الغيبة المتقدّم في قوله: ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يرجع الخلق، والخلق هم المخلوقون كلهم، لكن وحّد اللفظ في قوله «يعيده» ردّا على توحيد لفظ الخلق، ثم جمع في قوله «يرجعون» ردا على معنى الخلق. «٤» وحجة من قرأ بالتاء أنّه ردّه إلى الخطاب بعد الغيبة، وهو كثير في القرآن، وقد مضت له نظائر بعللها، والتاء الاختيار، لأن عليه الجماعة (٢). «٥» قوله: ﴿لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ قرأ حفص بكسر اللام الثانية وقرأ الباقون بفتحهما. وحجة من كسر أنّه جعله جمع «عالم» وهو ذو العلم، خصّ بالآيات العلماء، لأنهم أهل النظر والاستنباط والاعتبار دون الجاهلين الذين هم في غفلة وسهو عن تدبر الآيات والتفكّر فيها، دليله قوله تعالى: ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ «العنكبوت ٤٣» فأخبر أن الّذين يعقلون الأمثال والآيات هم العالمون دون الجاهلين، ولو عقلها الجميع لم يكن لعالم فضل على الجاهل. «٦» وحجة من فتح اللام أنّه جعله جمع عالم، كما قال «ربّ العالمين» والعالم هو جميع المخلوقات في كل أوان، فذلك أعم في جميع الخلق، إذ الآيات والدلالات على توحيد الله يشهدها العالم والجاهل، فهي آية للجميع، وحجة على كل الخلق، ليست بحجة على العالم دون الجاهل، فكان

стр. 767

العموم أولى بذلك، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، ولأنّه أعمّ وأدخل في الحجة على جميع الخلق. ومن كسر اللام فإنّه يجب على قوله أن لا تكون الآيات حجة إلاّ على ذوي العلم دون غيرهم، فالفتح أولى به، لأنه حجة الله جلّ ذكره، لازمة لكلّ الخلق (١). «٧» قوله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً﴾ قرأه ابن كثير بغير مدّ، جعله من باب المجيء، وقرأ الباقون بالمدّ، جعلوه من باب الإعطاء [ومعناه] (٢) وما أعطيتم من عطية، لتعرضوا أكثر منها، فلا ثواب لكم فيها عند الله، وذلك مثل الرجل يهدي إلى الرجل هديّة ليعوّضه أكثر منها، وهذا مباح لأمة محمد ﷺ ، وهو غير مباح للنبي ﵇ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ «المدّثر ٦»، أي: لا تعط يا محمد عطية لتأخذ أكثر منها. وترك المدّ معناه: ما جئتم من ربا. فهو يرجع إلى معنى الإعطاء، والمدّ الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣). «٨» قوله: ﴿لِيَرْبُوَا﴾ قرأه نافع بتاء مضمومة، وإسكان الواو على المخاطبة، لأن قبله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً﴾ فردّ الخطاب على الخطاب، والتقدير: لتصيروا ذوي ربا، أي: ذوي زيادة فيما أعطيتم، وسمّى ما يعطون ربا، لأنه للزيادة يعطونه، فالفعل للجمع (٤)، وحذف النون على النصب بلام «كي». وقرأ الباقون بياء مفتوحة، وفتح الواو، ردّوه على الرّبا، ونصبوا الفعل بلام كي، لأنه واحد، والمعنى: ليربوا ذلك الذي تعطونه، وسمّي ما يعطونه ربا باسم

стр. 768

ما يبتغى به، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (١)، ولم يختلف في مدّ «وما آتيتم من زكاة» لأنه بمعنى الإعطاء. «٩» قوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ قرأ (٢) قنبل بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه. وقرأ الباقون بالياء، حملوه على لفظ الغيبة التي قبله، وهو قوله: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ «٤٠»، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣)، وقد تقدّم ذكر «يشركون» و «كسفا» و «لا تُسْمِعُ الصُّمَّ» و «بِهادِ الْعُمْيِ» (٤) فأغنى عن إعادة ذلك. «١٠» قوله: ﴿إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ قرأه ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي «آثار» بالجمع، لكثرة ما تؤثّر الرحمة في الأرض، وهو (٥) المطر. وقرأ الباقون بالتوحيد، لأنه لمّا أضيف إلى مفرد أفرد ليأتلف الكلام، وأيضا فإن الواحد يدلّ على الجمع، وهو أخفّ، وهو الاختيار، ويقوّي ذلك أنّ بعده «كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ» فهذا إخبار عن واحد، ويلزم من قرأ «آثار» بالجمع أن (٦) يقرأ: «كيف تحيي» بالتاء، لتأنيث لفظ الآثار، ولكن لا يقرأ بذلك لأنّ من قرأ «آثار» بالجمع جاز له أن يقدّر أن الفاعل في «يحيي» هو الله جلّ ذكره،

стр. 769

لتقدّم ذكره، فلا يلزمه أن يقرأ بالتاء لجمع «الأثر» (١). «١١» قوله: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بفتح الضاد، في ثلاثة مواضع في هذه السورة (٢)، وقد ذكر عن حفص أنه رواه عن عاصم، واختار الضمّ لرواية قويت عنده، وهو ما رواه ابن عمر قال: قرأت على رسول الله ﷺ «من ضعف» يعني بالفتح، قال: فردّ عليّ النبي ﷺ من «من ضعف» يعني بالضمّ في الثلاثة. وروي عنه أنه قال (٣): ما خالفت عاصما في شيء ممّا قرأت به عليه (٤) إلا في ضم (٥) هذه الثلاث كلمات. وقرأ الباقون فيهن بالضمّ، وهما لغتان كالفقر والفقر (٦). «١٢» قوله: ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قرأه الكوفيون بالياء، حملوه على العذر، وهو مذكّر لأنّ المعذرة والعذر سواء، وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بالمفعول، فقوي التذكير. وقرأ الباقون بالتاء، لتأنيث لفظ المعذرة، وهو الاختيار (٧). ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة. ***

стр. 770

سورة لقمان مكيّة، سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة، وهن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ «٢٧» الى تمام الثلاث (١) وهي ثلاث وثلاثون آية في المدني، وأربع في الكوفي. «١» قوله: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ قرأه حمزة «ورحمة» بالرفع، ونصب الباقون. وحجة من رفع أنه أضمر مبتدأ، وجعل «هدى» خبره، وعطف عليه «ورحمة» تقديره: هو هدى ورحمة. «٢» وحجة من نصب أنه جعل «هدى» في موضع نصب على الحال من «الكتاب» وعطف عليه «ورحمة»، فنصبها على الحال، تقديره: هاديا وراحما للمؤمنين، يعني الكتاب، لأن [به] (٢) هدى الله المؤمنين ورحمهم، تقديره: تلك آيات الكتاب الحكيم هاديا وراحما للمؤمنين (٣). «٣» قوله: ﴿وَيَتَّخِذَها﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنصب، عطفوه على «ليضل» لأنه أقرب إليه، وهو اختيار المبرّد. وقرأ الباقون بالرفع، عطفوه على «يشتري» أو على القطع، ويكون الضمير في «يتخذها»، وفي قراءة من نصب، يعود على «سَبِيلِ اللهِ»، أو على «آياتُ﴾ القرآن»، بدلالة قوله: ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ «٢» وبدلالة قوله في موضع

стр. 771

آخر: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ «الجاثية ٣٥» أو يعود [في قراءة من رفع] (١) على «الأحاديث»، أو على «الآيات»، والرفع الاختيار، لصحة المعنى، ولأن الأكثر عليه (٢)، وقد تقدّم ذكر «الأذن» و «أذنيه»، وتقدّم ذكر «يا بني» وعلته (٣). «٤» قوله: ﴿وَلا تُصَعِّرْ﴾ قرأه ابن كثير وعاصم وابن عامر بغير ألف مشدّدا. وقرأ الباقون بألف مخفّفا، وهما جميعا لغتان بمعنى: ولا تعرض بوجهك عن الناس تجبرا. حكى سيبويه أن صاعر وصعّر بمعنى، قال الأخفش: لا تصاعر بألف لغة أهل الحجاز، وبغير ألف مشدّدا لغة بني تميم، وأصله من الصّعر وهو داء يأخذ الإبل في رؤوسها وأعناقها، فتميل أعناقها منه (٤). «٥» قوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ قرأ نافع برفع «مثقال» ونصب الباقون. وحجة من رفع أنه جعل «كان» بمعنى وقع تامة لا تحتاج إلى خبر، فرفع «المثقال» بها، وأتى الفعل بلفظ التأنيث حملا على المعنى، لأن المثقال بمعنى المظلمة أو السيئة (٥) أو الحسنة، فأنّث على المعنى، كما قال: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ «الأنعام ١٦٠» فأنّث على معنى الأمثال، لأنها حسنات في المعنى، وقيل التقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ولو حمل على اللفظ لقيل: فله عشرة أمثالها، لأن لفظ الأمثال مذكّر، وكذلك قوله «إن تك مثقال» في قراءة من رفع حمل التأنيث على المعنى.

стр. 772

«٦» وحجة من نصب أنه جعل «كان» ناقصة، تحتاج إلى اسم وخبر، فأضمر فيها اسمها، ونصب «مثقالا» على الخبر، والتقدير: إن تكن المظلمة أو السيئة أو الحسنة قدر مثقال حبة من خردل أتى الله بها، للمجازاة عليها (١). «٧» قوله: ﴿نِعَمَهُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحفص بالجمع. وقرأ الباقون بالتوحيد. وحجة من جمع أن «نعم الله» جلّ ذكره لا تحصى كثرة، فجمع ليدلّ على ذلك، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ «النحل ١٨»، وقال: ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ «النحل ١٢١» فجمع. «٨» وحجة من أفرد أنّ المفرد في هذا يدلّ على الجمع، ولذلك قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾، ولم يقل «نعم الله». وقد روي عن ابن عباس أنه قال: هي الإسلام. فهذا يدلّ على التوحيد. فالقراءتان بمعنى، والجمع أحبّ إليّ، لأنّه أدل على المعنى، وعليه المفهوم، وإليه ترجع القراءة بالتوحيد (٢). «٩» قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ قرأه أبو عمرو بالنصب، ورفعه الباقون. وحجة من نصب أنّه عطفه على اسم «أنّ»، وهو «ما»، والخبر «أقلام». «١٠» وحجة من رفع أنه استأنف «البحر»، فرفعه على الابتداء، و «يمدّه» الخبر، والجملة خبر «أنّ»، ويدلّ على الرفع أن في حرف أبيّ: «وبحر يمدّه» بغير ألف ولا لام، وكذلك هو في مصحفه، فهو يدلّ على

стр. 773

الرفع (١)، وقد ذكرنا «وأنّ ما يدعون» في الحج (٢). «١١» ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة لأن ياء (يا بنيّ) «١٣» ليست بياء إضافة، وياء الإضافة فيها محذوفة، ولذلك كسرت الياء، لتدلّ على الياء المحذوفة، وقد تقدّم هذا بشرحه وعلّته (٣). ***

стр. 774

سورة السّجدة مكيّة، سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة وهنّ قوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً﴾ «١٨» الى آخر الثلاث الآيات وهي ثلاثون آية في المدني والكوفي. «١» قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قرأه الكوفيون ونافع بفتح اللام من «خلقه»، جعلوه فعلا ماضيا صفة ل «شيء»، أو ل «كل»، والهاء تعود على الموصوف، على «شيء»، أو على «كل». وقرأ الباقون بإسكان اللام، جعلوه مصدرا، عمل فيه ما دلّ عليه الكلام المتقدم، كأن قوله «أحسن كلّ شيء» دلّ على خلق كل شيء خلقا، ومعناه: أتقن كلّ شيء خلقه، والهاء تعود على اسم الله جلّ ذكره، أو على «كل» ويجوز نصب «خلقه» على البدل من «كل»، والتقدير: أحسن خلق كل شيء، أي: أتقنه وأحكمه (١). «٢» قوله: ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ قرأه حمزة بإسكان الياء. وقرأ الباقون بالفتح. وحجة من أسكن الياء أنه جعل الهمزة للمخبر عن نفسه، فهو فعل مستقبل، سكنت الياء فيه، لاستثقال الضمّ عليها، فهو إخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بأنه أخفى عن أهل الجنة ما تقرّ به أعينهم، بدخول الجنة ونعيمها، والسلامة من النار وعذابها، ويقوّي الإخبار أنّ قبله إخبارا عن الله أيضا في قوله: ﴿لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ «١٣»، وقوله ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ «١٤»، وقوله: ﴿بِآياتِنَا﴾ «١٥» وقوله: (و ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ «١٦»، فكلّه إخبار من الله عن نفسه، فجرى ما بعده عليه، وما في هذه

стр. 775

القراءة استفهام في موضع نصب ب «أخفي»، والجملة (١) في موضع نصب ب «تعلم» سدّت مسدّ المفعولين. وحجة من فتح الياء أنه جعل الفعل ماضيا لم يسمّ فاعله، ففتح الياء، كما تقول: أعطي زيد، نهي عمرو، وما في هذه القراءة استفهام في موضع رفع بالابتداء، وما بعدها الخبر، وفي «أخفي» ضمير يقوم مقام الفاعل، يعود على «ما» والجملة في موضع نصب ب «تعلم» سدت مسدّ المفعولين، وهو الاختيار، لأنّ الجماعة عليه (٢). «٣» قوله: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام والتخفيف، وقرأ الباقون بفتح اللام والتشديد. وحجة من فتح وشدّد أنّه جعل «لمّا» التي فيها معنى المجازاة، كما تقول: أحسنت إليك لمّا جئتني، والتقدير: لمّا صبروا على الطاعة جعلناهم أئمة، وقيل: إن «لمّا» بمعنى الظرف، أي بمعنى حين، أي جعلناهم أئمة حين صبروا. «٤» وحجة من كسر اللام وخفّف أنه جعل اللام لام جرّ، و «ما» والفعل مصدرا (٣)، والتقدير: جعلناهم أئمة لصبرهم (٤)، وقد ذكرنا «أئمة» في براءة وغيرها (٥). ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
следующие страницы →