آخر: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ «الجاثية ٣٥» أو يعود [في قراءة من رفع] (١) على «الأحاديث»، أو على «الآيات»، والرفع الاختيار، لصحة المعنى، ولأن الأكثر عليه (٢)، وقد تقدّم ذكر «الأذن» و «أذنيه»، وتقدّم ذكر «يا بني» وعلته (٣).
«٤» قوله: ﴿وَلا تُصَعِّرْ﴾ قرأه ابن كثير وعاصم وابن عامر بغير ألف مشدّدا. وقرأ الباقون بألف مخفّفا، وهما جميعا لغتان بمعنى: ولا تعرض بوجهك عن الناس تجبرا. حكى سيبويه أن صاعر وصعّر بمعنى، قال الأخفش:
لا تصاعر بألف لغة أهل الحجاز، وبغير ألف مشدّدا لغة بني تميم، وأصله من الصّعر وهو داء يأخذ الإبل في رؤوسها وأعناقها، فتميل أعناقها منه (٤).
«٥» قوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ قرأ نافع برفع «مثقال» ونصب الباقون.
وحجة من رفع أنه جعل «كان» بمعنى وقع تامة لا تحتاج إلى خبر، فرفع «المثقال» بها، وأتى الفعل بلفظ التأنيث حملا على المعنى، لأن المثقال بمعنى المظلمة أو السيئة (٥) أو الحسنة، فأنّث على المعنى، كما قال: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ «الأنعام ١٦٠» فأنّث على معنى الأمثال، لأنها حسنات في المعنى، وقيل التقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ولو حمل على اللفظ لقيل: فله عشرة أمثالها، لأن لفظ الأمثال مذكّر، وكذلك قوله «إن تك مثقال» في قراءة من رفع حمل التأنيث على المعنى.
стр. 772
«٦» وحجة من نصب أنه جعل «كان» ناقصة، تحتاج إلى اسم وخبر، فأضمر فيها اسمها، ونصب «مثقالا» على الخبر، والتقدير: إن تكن المظلمة أو السيئة أو الحسنة قدر مثقال حبة من خردل أتى الله بها، للمجازاة عليها (١).
«٧» قوله: ﴿نِعَمَهُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحفص بالجمع. وقرأ الباقون بالتوحيد.
وحجة من جمع أن «نعم الله» جلّ ذكره لا تحصى كثرة، فجمع ليدلّ على ذلك، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ «النحل ١٨»، وقال: ﴿شاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ «النحل ١٢١» فجمع.
«٨» وحجة من أفرد أنّ المفرد في هذا يدلّ على الجمع، ولذلك قال:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾، ولم يقل «نعم الله». وقد روي عن ابن عباس أنه قال: هي الإسلام. فهذا يدلّ على التوحيد. فالقراءتان بمعنى، والجمع أحبّ إليّ، لأنّه أدل على المعنى، وعليه المفهوم، وإليه ترجع القراءة بالتوحيد (٢).
«٩» قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ قرأه أبو عمرو بالنصب، ورفعه الباقون.
وحجة من نصب أنّه عطفه على اسم «أنّ»، وهو «ما»، والخبر «أقلام».
«١٠» وحجة من رفع أنه استأنف «البحر»، فرفعه على الابتداء، و «يمدّه» الخبر، والجملة خبر «أنّ»، ويدلّ على الرفع أن في حرف أبيّ:
«وبحر يمدّه» بغير ألف ولا لام، وكذلك هو في مصحفه، فهو يدلّ على
стр. 773
الرفع (١)، وقد ذكرنا «وأنّ ما يدعون» في الحج (٢).
«١١» ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة لأن ياء (يا بنيّ) «١٣» ليست بياء إضافة، وياء الإضافة فيها محذوفة، ولذلك كسرت الياء، لتدلّ على الياء المحذوفة، وقد تقدّم هذا بشرحه وعلّته (٣).
***
стр. 774
سورة السّجدة
مكيّة، سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة وهنّ
قوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً﴾ «١٨» الى آخر الثلاث الآيات
وهي ثلاثون آية في المدني والكوفي.
«١» قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قرأه الكوفيون ونافع بفتح اللام من «خلقه»، جعلوه فعلا ماضيا صفة ل «شيء»، أو ل «كل»، والهاء تعود على الموصوف، على «شيء»، أو على «كل». وقرأ الباقون بإسكان اللام، جعلوه مصدرا، عمل فيه ما دلّ عليه الكلام المتقدم، كأن قوله «أحسن كلّ شيء» دلّ على خلق كل شيء خلقا، ومعناه: أتقن كلّ شيء خلقه، والهاء تعود على اسم الله جلّ ذكره، أو على «كل» ويجوز نصب «خلقه» على البدل من «كل»، والتقدير: أحسن خلق كل شيء، أي: أتقنه وأحكمه (١).
«٢» قوله: ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ قرأه حمزة بإسكان الياء. وقرأ الباقون بالفتح.
وحجة من أسكن الياء أنه جعل الهمزة للمخبر عن نفسه، فهو فعل مستقبل، سكنت الياء فيه، لاستثقال الضمّ عليها، فهو إخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بأنه أخفى عن أهل الجنة ما تقرّ به أعينهم، بدخول الجنة ونعيمها، والسلامة من النار وعذابها، ويقوّي الإخبار أنّ قبله إخبارا عن الله أيضا في قوله: ﴿لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ «١٣»، وقوله ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ «١٤»، وقوله: ﴿بِآياتِنَا﴾ «١٥» وقوله: (و ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ «١٦»، فكلّه إخبار من الله عن نفسه، فجرى ما بعده عليه، وما في هذه
стр. 775
القراءة استفهام في موضع نصب ب «أخفي»، والجملة (١) في موضع نصب ب «تعلم» سدّت مسدّ المفعولين.
وحجة من فتح الياء أنه جعل الفعل ماضيا لم يسمّ فاعله، ففتح الياء، كما تقول: أعطي زيد، نهي عمرو، وما في هذه القراءة استفهام في موضع رفع بالابتداء، وما بعدها الخبر، وفي «أخفي» ضمير يقوم مقام الفاعل، يعود على «ما» والجملة في موضع نصب ب «تعلم» سدت مسدّ المفعولين، وهو الاختيار، لأنّ الجماعة عليه (٢).
«٣» قوله: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ قرأ حمزة والكسائي بكسر اللام والتخفيف، وقرأ الباقون بفتح اللام والتشديد.
وحجة من فتح وشدّد أنّه جعل «لمّا» التي فيها معنى المجازاة، كما تقول:
أحسنت إليك لمّا جئتني، والتقدير: لمّا صبروا على الطاعة جعلناهم أئمة، وقيل:
إن «لمّا» بمعنى الظرف، أي بمعنى حين، أي جعلناهم أئمة حين صبروا.
«٤» وحجة من كسر اللام وخفّف أنه جعل اللام لام جرّ، و «ما» والفعل مصدرا (٣)، والتقدير: جعلناهم أئمة لصبرهم (٤)، وقد ذكرنا «أئمة» في براءة وغيرها (٥).
ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
стр. 776
سورة الأحزاب
مدنية، وهي ثلاث وسبعون في المدني والكوفي
«١» قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾، و ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بالياء [ردّهما] (١) على ذكر المنافقين والكافرين، والتقدير: لا تطعهم يا محمد، فهو في الظاهر أمر للنبي، ومعناه لأمته، أي: لا تطيعوهم، إن الله كان بما يعملون خبيرا، وقرأهما الباقون بالتاء على المخاطبة، فالجميع (٢) داخلون في المخاطبة، فهو أبلغ، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣).
«٢» قوله: ﴿اللاّئِي﴾ حيث وقع قرأه البزّي وأبو عمرو بإسكان الياء، وقرأ ورش بكسر الياء، وقالون وقنبل بهمزة مكسورة من غير ياء بعدها. وقرأ الباقون بهمزة مكسورة وياء بعدها، وهي كلّها لغات مسموعة، وأصله بهمزة وياء بعدها، لأنه بمنزلة «اللاتي» فالهمزة بإزاء التاء. فمن قرأ بهمزة من غير ياء، حذف الياء وأبقى الكسرة تدلّ عليها، كالقاض والغاز، لكنهم جعلوا الهمزة بعد الحذف حرف الإعراب، قال سيبويه: جعلوه بمنزلة «باب»، والذين أسكنوا الياء، خفّفوا الهمزة على البدل. فالياء منها ياء مكسورة، وأسكنوا الياء تخفيفا لثقل الكسرة على الياء. ومن كسر الياء أتى بها على أصل البدل، والأصل في تخفيف هذه الهمزة أن تجعل بين الهمزة والياء، وقد كان يجب على قراءة ورش أن يجوز فيه المدّ وتركه، على ما ذكرنا من المدّ وتركه في قراءة قالون والبزّي في: ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ «البقرة ٣١» فمن مدّ أجراه على الأصل، فمدّ الهمزة لأن التخفيف عارض، ومن لم يمدّ ترك المدّ، لأن لفظ الهمزة، التي من أجلها وجب مدّ الألف، قد زال، فكذلك يجب في قراءة ورش، لكن لم أقرأ فيه إلاّ بترك المدّ، لعلة أنّه لمّا زال لفظ الهمزة (٤) الذي من أجله وجب المدّ زال
стр. 777
المدّ فهو وجه، والمدّ أقيس فيه، لأن التخفيف عارض، لكن لم أقرأ به، ومن الناس من يقول: إن كسر الياء فيه لغة من لا يرى أنّ أصله الهمز، فعلى هذا يحسن ترك المدّ لورش، ومثله [الاختلاف في] (١) المجادلة والطلاق (٢)، والعلّة واحدة، والاختيار الهمز والياء بعد المهزة، لأنه الأصل وعليه الأكثر (٣).
«٣» قوله: ﴿تُظاهِرُونَ﴾ قرأه الحرميان وأبو عمرو بتشديد الظاء والهاء، من غير ألف، وأصله «يتظهّرون» على وزن «يتفعّلون» ثم أدغمت التاء الثانية في الظاء، فوقع التشديد لذلك، وحسن الإدغام، لأنك تنقل حرفا ضعيفا، وهو التاء إلى لفظ حرف قويّ، وهو الظاء. قرأ حمزة والكسائي بألف مخفّفا، وأصله «تتظاهرون»، ثم حذف إحدى التاءين ك «تساءلون» و ك «تظاهرون» في البقرة. وكذلك قرأ ابن عامر غير أنّه شدّد الظاء، لأنه أدغم التاء الثانية في الظاء، ولم يحذفها ك «تساءلون وتظاهرون» في البقرة في قراءته، وقراءة عاصم بضمّ التاء وكسر الهاء وبألف بعد الظاء مخفّفا على وزن «تفاعلون»، والتاء للخطاب مثل «تقاتلون»، بناه على «فاعل تفاعل»، والتاء للخطاب، وهو كله بمعنى واحد، مشتق من الظهر، وقولهم (٤) «الظّهار» يدلّ على ضم التاء، لأنه مصدر «ظاهر» فأمّا قوله: ﴿تَظاهَرُونَ﴾ و ﴿تَظاهَرا﴾ في البقرة والتحريم (٥)، فهو من المظاهرة، وهي المعاونة وليس من الظهر (٦).
«٤» قوله: ﴿الظُّنُونَا﴾ و ﴿الرَّسُولا﴾، و ﴿السَّبِيلا﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بألف في الثلاثة، في الوصل والوقف، وكذلك حفص وابن كثير
стр. 778
والكسائي، غير أنّهم يحذفون الألف في الوصل. وقرأ الباقون بحذف الألف في الوصل والوقف، وكلهم قرأ: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ «الأحزاب ٤» و ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ «الفرقان ١٧» بغير ألف في الوصل والوقف.
وحجة من أثبت الألف في الوصل أنه اتّبع الخطّ، فهي في المصحف بألف، وإنّما كتبت بألف لأنها رأس آية، فأشبهت القوافي من حيث كانت كلها مقاطع الكلام، وتمام الأخبار.
«٥» وحجة من حذف الألف في الوصل أنه أتى به على الأصل، إذ لا أصل للألف فيه كله، وفرق ما بين هذا والقوافي أنّ القوافي موضع وقف وسكون، وهذا لا يلزم فيه الوقف والسكون.
«٦» وحجة من أثبت الألف في الوقف أنه اتّبع الخطّ، فوقف على ما في خط المصحف.
«٧» وحجة من حذف الألف في الوقف أنّه أجرى الوقف مجرى الوصل، فحذف في الوقف كما حذف في الوصل، لأن الألفات فيها لا أصل لها، إنما جيء بها على التشبيه بالقوافي والفواصل، والاختيار إثبات الألف في الوصل والوقف اتباعا للمصحف (١).
«٨» قوله: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ قرأه حفص بضمّ الميم، جعله اسم مكان، على معنى: لا موضع قيام لكم، كما قال: ﴿مَقامِ إِبْراهِيمَ﴾ «البقرة ١٢٥»، أي: موضع قيامه. ويجوز أن يكون مصدرا من «أقام» على معنى: لا إقامة لكم. وقرأ الباقون بفتح الميم، على أنه مصدر قام قياما ومقاما، ويجوز أن يكون أيضا اسم مكان، والقراءتان بمعنى (٢).
стр. 779
«٩» قوله: ﴿لَآتَوْها﴾ قرأ الحرميان بغير مدّ من المجيء، على معنى، لجاؤوها. وقوّى ذلك أنّه لم يتعدّ إلا إلى مفعول واحد، وباب الإعطاء يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، وقرأه الباقون بالمدّ من باب الإعطاء، على معنى: لأعطوها السّائلين، أي: لم يمتنعوا منها، أي لو قيل لهم كونوا على المسلمين لفعلوا ذلك، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، وهو أبين في المعنى (١).
«١٠» قوله: ﴿أُسْوَةٌ﴾ قرأه عاصم بضمّ الهمزة، ومثله في الممتحنة (٢).
وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان، والأسوة القدوة (٣).
«١١» قوله: ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ﴾ قرأه ابن كثير وابن عامر، بالنون والتشديد، وكسر العين، ونصب «العذاب»، على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بذلك، فانتصب «العذاب» بوقوع الفعل عليه. وقرأ الباقون بالياء والتخفيف، وبألف، ورفع «العذاب» غير أنّ أبا عمرو قرأ بالياء والتشديد، وحذف الألف، قرأ ذلك على أن الفعل لم يسّم فاعله، والفاعل في المعنى هو الله جلّ ذكره، فأقاموا «العذاب» مقام الفاعل، فرفعوا، والتشديد وحذف الألف والتخفيف لغتان: ضعّف وضاعف، بمعنى. قال الأخفش: والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتشديد لغة تميم. وقيل: إنّ في التشديد معنى التكثير (٤).
«١٢» قوله: ﴿وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها﴾ قرأهما حمزة والكسائي بالياء، وقرأ (٥) الباقون بالتاء في «تعمل» وبالنون في «نؤتها».
وحجة من قرأهما بالياء أنّه حمل الفعل الأول على تذكير لفظ «من» لأن لفظه مذكّر، وحمل الثاني على الإخبار عن الله جلّ ذكره، لتقدّم
стр. 780
ذكره في قوله: ﴿لِلّهِ﴾، وقوله: ﴿عَلَى اللهِ﴾ «٣٠».
«١٣» وحجة من قرأ بالتاء في «تعمل» أنه حمل الفعل على معنى «من» لأن «من» يراد به المؤنث، وهو خطاب لنساء النبي ﷺ .
وأيضا فإنه أتى بعد قوله: ﴿مِنْكُنَّ﴾ «٣٠» الذي يدلّ على التأنيث، فجرى على تأنيث «منكن».
«١٤» وحجة من قرأ «نؤتها» بالنون أنه حمله على الإخبار عن الله جلّ ذكره عن نفسه، بإعطائهن الأجر مرتين، لتقدّم ذكره، فهو خروج من خطاب إلى الإخبار عن النفس، والاختيار التاء، لأن الأكثر عليه، والمعنى عليه. فأما قوله:
«ومن يقنت» فكل القراء الذين قرأنا بقراءتهم على التاء (١).
«١٥» والحجة في ذلك أنهم أسندوا الفعل إلى «من» ولفظه مذكّر فسبق التذكير إلى الفعل، قبل إتيان ما يدلّ على التأنيث، من قوله «منكن» وقوله «نؤتها أجرها». ولمّا أتى «وتعمل»، بعد إتيان ما يدلّ على التأنيث، وهو «منكن»، حسن التأنيث فيه حملا على لفظ «منكن»، وعلى معنى «من» (٢).
«١٦» قوله: ﴿وَقَرْنَ﴾ قرأ عاصم ونافع بفتح القاف، وقرأ الباقون بالكسر.
وحجة من كسر أنه جعله من الوقار، فهو مثل «عدن وزنّ» لأنه محذوف الفاء، وأصله واو، قرن من وقر يقر، مثل وعد يعد، وأصل يقر يوقر، كما أن أصل يعد يوعد، فلمّا وقعت الواو بين ياء وكسرة حذفت، لغة مسموعة لا يستعمل غيرها، وجرت التاء والنون والألف مجرى الياء في الحذف معهن، لئلا يختلف الفعل، وأصل «وقرن» «وأوقرن»، فحذفت الواو، على ما علّلنا،
стр. 781
واستغني عن ألف الوصل لتحرك القاف، فصار الابتداء بقاف مكسورة، ويجوز أن تكون هذه القراءة مشتقة من القرار، وهو السكون، يقال: قرّ في المكان يقرّ، على «فعل يفعل» فهي اللغة المشهورة المستعملة الفاشية. فيكون الأصل في «وقرن» «واقررن» فتحذف الراء الاولى استثقالا للتضعيف، بعد أن تلقى حركتها على القاف، فتنكسر القاف، فيستغنى بحركتها عن ألف الوصل، فيصير اللفظ «قرن»، وقيل: إنهم أبدلوا من الراء الأولى ياء، كما فعلوا في «قيراط ودينار»، فصارت الياء مكسورة، كما كانت الراء مكسورة، واستثقلت الكسرة عليها فألقيت على القاف، وحذفت الياء لسكونها وسكون الراء بعدها، واستغني عن ألف الوصل لتحرّك القاف.
«١٧» وحجة من قرأ بفتح القاف أنّها لغة من «قررن في المكان»، يقال فيها: قررت في المكان أقرّ، حكاها الكسائي، وأنكرها المازني وغيره، فيكون الأصل «وأقررن في بيوتكن» ثم نقل ما ذكرنا قبل هذا في الوجهين جميعا، وقيل: إن هذه القراءة مشتقة من «قررت به عينا أقر» وليس المعنى على هذا. لم يؤمرن بأن تقرّ أعينهن في بيوتهن، إنما أمرن بالقرار والسكون في بيوتهن، وترك التبرّج، أو بالوقار في بيوتهن، فهذا هو المعنى الذي عليه التفسير، وهو المفهوم في الآية، والاختيار كسر القاف، لأن عليه المعنى الصحيح، ولأن الأكثر عليه (١).
«١٨» قوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ قرأ الكوفيون وهشام بالياء، للتفريق بين المؤنث وفعله ب «لهم»، ولأنه تأنيث غير حقيقي، ولأن الخيرة والاختيار سواء، فحمل على المعنى. وقرأ الباقون بالتاء، لتأنيث لفظ «الخيرة»،
стр. 782
وهو الاختيار، لأنه على ظاهر اللفظ، وقد مضى له نظائر وعلل بأشبع من هذا (١).
«١٩» قوله: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قرأ عاصم بفتح التاء، على معنى أنّ النبّي ﵇ ختم به النّبيّون، لا نبيّ بعده، فلا فعل له في ذلك. فمعناه:
آخر النّبيين. وقرأ الباقون بالكسر، على أن النبي ﵇ فاعل من «ختم» فهو ختم النبيين، لا نبي بعده، فالنّبي فاعل، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢).
«٢٠» قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ قرأه أبو عمرو بالتاء، لتأنيث الجماعة، ولتأنيث معنى النساء، وقرأ الباقون بالياء لتذكير الجمع، وللتفريق بين الجمع وفعله، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣). وقد ذكرنا ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ «البقرة ٢٣٦» وإمالة (٤) (إناه) وغير ذلك، فأغنى عن الإعادة (٥).
«٢١» قوله: ﴿سادَتَنا﴾ قرأه ابن عامر بالجمع، فهو جمع الجمع، على إرادة التكثير، لكثرة من أضلّهم وأغواهم من رؤسائهم، فهو جمع سادة، جمع مسلّم بالألف والتاء. وقرأ الباقون «سادتنا» على أنّه جمع «سيد» فهو يدلّ على القليل والكثير، لأنه جمع مكسّر (٦).
«٢٢» قوله: ﴿لَعْناً كَبِيراً﴾ قرأه عاصم بالباء، وقرأ الباقون بالثاء.
وحجة من قرأ بالثاء أنه جعله من الكثرة على أنّهم يلعنون مرة بعد مرة بدلالة
стр. 783
قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ «البقرة ١٥٩» فهذا يدلّ على كثرة الّلعن لهم، فالكثرة أشبه بتكرير اللعن لهم من الكبر.
«٢٣» وحجة من قرأ بالباء أنّه لمّا كان الكبر مثل «العظم» في المعنى، وكان كل شيء كبيرا عظيما دلّ العظم على الكثرة وعلى الكبر، فتضمّنت القراءة بالباء المعنيين جميعا، الكبر والكثرة، والاختيار الثاء، لأن الجماعة عليه (١).
ليس فيها ياء محذوفة ولا ياء إضافة.
***
стр. 784
سورة سبأ
مكيّة، وهي أربع وخمسون آية في المدني والكوفي
«١» قوله: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرأه نافع وابن عامر على وزن «فاعل»، على معنى: هو عالم فرفعه على خبر ابتداء محذوف [أو على الابتداء والخبر محذوف] (١)، أو يكون (٢) الخبر «لا يعزب عنه»، و «فاعل» أكثر في الكلام من «فعّال». وقد قال تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ «الأنعام ٧٣»، فهو إجماع، وقال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ﴾ «الجن ٢٦» فهو إجماع، وهو الاختيار لأنّه المستعمل في الأكثر، وقرأه حمزة والكسائي «علاّم الغيب» بالخفض، على وزن «فعّال» الذي للمبالغة في العلم بالغيب وغيره، كما قال:
﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ «سبأ ٤٨»، فهذا إجماع بناء للمبالغة في علم الله جلّ وعزّ للغيوب. وقد قال تعالى عن عيسى إنه قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ «المائدة ١١٦»، فهذا أيضا إجماع، والخفض فيه على أنه نعت لله في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ «١»، وقرأ الباقون «عالم» على وزن «فاعل» لكثرة استعمالهم «فاعل» في الصفات، غير أنهم خفضوا على النعت لله جلّ ذكره (٣).
«٢» قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ قرأه الكسائي بكسر الزّاي، وقرأ الباقون بضمّ الزّاي، وهما لغتان مثل «يعكف ويعكف ويفسق ويفسق» (٤).
«٣» قوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ قرأ ابن كثير وحفص «أليم» بالرفع، على النّعت للعذاب، على تقدير: عذاب أليم من رجز، وفيه بعد، لأن الرجز هو العذاب، فيصير التقدير: عذاب أليم من عذاب، فهذا معنى غير متمكّن، وقرأ
стр. 785
الباقون بخفض «أليم»، على النّعت ل «رجز» وهو الاختيار، لأنّه أصحّ في التقدير والمعنى، إذ تقديره: (١) لهم عذاب من عذاب أليم، أي: من هذا الصنف، من أصناف العذاب، لأن العذاب بعضه آلم من بعض، وأيضا فعليه الجماعة، ومثله [الاختلاف] (٢) والحجة في الجاثية (٣).
«٤» قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾، ﴿أَوْ نُسْقِطْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء، في الثلاثة، وقرأ الباقون بالنون فيهن.
وحجة من قرأ بالياء أنه ردّ الأفعال الثلاثة على الإخبار عن الله جلّ ذكره [عن نفسه] (٤)، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ «٨».
«٥» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على ما بعده من الإخبار عن الله جلّ ذكره عن نفسه في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا﴾ «١٠»، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٥)، وقد ذكرنا إظهار الفاء من «نخسف» عند الباء وإدغامها، وعلّة ذلك (٦)، وقد تقدّم ذكر «معاجزين، وكسفا، ولسبأ» والاختلاف في ذلك وعلّته، فأغنى ذلك عن الإعادة (٧).
«٦» قوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ قرأه أبو بكر برفع «الريح» على الابتداء، والمجرور قبله الخبر، وحسن ذلك لأن «الريح» لمّا سخّرت له صارت كأنها في قبضته، إذ عن أمره تسير، فأخبر عنها أنها في ملكه، إذ هو مالك
стр. 786
أمرها في سيرها به. وقرأ الباقون بنصب «الريح»، على إضمار: وسخّرنا لسليمان الريح، لأنها سخّرت له، وليس بمالكها على الحقيقة، إنّما ملك تسخيرها بأمر الله، ويقوّي النصب إجماعهم على النصب في قوله:
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ «الأنبياء ٨١». فهذا يدلّ على تسخيرها له في حال عصوفها، والنصب هو الاختيار، لأن المعنى عليه، [ولأن الجماعة عليه] (١).
«٧» قوله: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ قرأه نافع وأبو عمرو بألف من غير همز، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة إلاّ ابن ذكوان، فإنه أسكن الهمزة.
وحجة من قرأ بألف أنها لغة مسموعة في بدل الهمزة بألف في هذا، حكاه سيبويه، فأصله الهمز «من نسأه»، يقال: نسأت الغنم إذا سقتها، وفتح التاء علم [النصب] (٢) ب «تأكل» فأبدل من الهمزة المفتوحة ألف، وكان الأصل [أن] (٢) تجعل بين بين، لكن البدل في هذا محكي مسموع عن العرب، وحكى ابن دريد (٣) في الجمهرة أن «المنسأة» غير مهموزة «مفعله» من نسّ الإبل إذا ساقها، كان البدل عنده من سين كما قالوا «دسّاها» (٤) وهو بعيد، إذ لم يجتمع في المنسأة، إذا جعلتها من «نسّ»، إلاّ سينان، كان أصلها منسسه.
«٨» وحجة من همز أنّه أتى به على الأصل، إذ أصله الهمز و «المنسأة»
стр. 787
العصا، وقد حكى سيبويه في تصغير العصا «منيسئة» بالهمز، قال: تردّها إلى أصلها، ولا تجعل البدل فيها لازما. وقد قالوا في جمعها «مناسيء» بالهمز، لأن التصغير والجمع يردّ الأشياء إلى أصولها، في أكثر الكلام، وقد قالوا: عيد وأعياد، فلم يردوا الواو في الجمع، وأصل الياء في عيد الواو، لأنه من «عاد يعود»، وأراهم لم يردوا الواو في [أعياد لئلا يشبه لفظ] (١) جمع «عود». فأما من أسكن الهمزة فهو بعيد في الجواز، إنما يجوز الإسكان للاستثقال لطول الكلمة، وهذا غير مشهور في اللغات، إنما يوجد في الشعر (٢).
«٩» قوله: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ قرأ الكسائي بالتوحيد وكسر الكاف، وكذلك حفص وحمزة غير أنهما فتحا الكاف، وقرأ الباقون بالجمع.
وحجة من وحّد أنه بمعنى السكنى، فهو مصدر يدلّ على القليل والكثير من جنسه، فاستغنى به عن الجمع مع خفّة الواحد.
«١٠» وحجة من جمع أنه لمّا كان لكل واحد منهم مسكن وجب الجمع، ليوافق اللفظ المعنى.
«١١» وحجة من فتح الكاف في الواحد (٣) أنّه أتى به على المستعمل المعروف، لأن المصدر من «فعل يفعل»، يأتي أبدا بالفتح، نحو المقعد والمدخل والمخرج، فهو أصل الباب.
«١٢» وحجة من كسر أنه جعله ممّا خرج على الأصل سماعا، جاء بالكسر في المصدر، والفعل على «فعل يفعل»، وقد جاء ذلك في أحرف محفوظة منها «المسجد والمطلع» وقد جعل سيبويه «المسجد» اسما للبيت، ولم يجعله مصدرا حين رآه خرج عن الأصل، والأخفش يقول: «المسكن»
стр. 788
بالكسر لغة مستعملة، وهي في المسجد كثيرة، قال: والفتح في المسجد لغة أهل الحجاز، وهي قليلة الاستعمال عنده، والاختيار الجمع، لأن عليه الأكثر، وعليه العمل (١).
«١٣» قوله: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قرأ أبو عمرو بإضافة «أكل» إلى «خمط» وقرأ الباقون بتنوين «أكل» من غير إضافة.
وحجة من أضاف أنه كما تقول: ثمر خمط، وثمر نبق، أي ثمر شجرتين، وثمر شجر خمط، فهو من باب الإضافة بمعنى «من خمط» ك «ثوب خزّ»، أي من خزّ، فكذلك هذا معناه: أكل من خمط، فالأكل الجنى، وهو الثمر، والخمط في قول أبي عبيد: كل شجرة مرّة الثمرة (٢) ذات الشوك، ولمّا لم يحسن أن يكون الخمط بدلا، لأنه ليس الأول ولا هو بعضه، ولم يحسن أن يكون نعتا، لأن الخمط اسم شجر، فهو لا ينعت به، وكان الجنى من الشجر، أضيف على تقدير «من» كثوب خزّ، وباب ساج.
«١٤» وحجة من نوّنه أنه جعل «خمطا» عطف بيان، فبيّن أن الأكل وهو الثمر من هذا الشجر، وهو الخمط، إذا لم يجز أن يكون الخمط بدلا ولا نعتا للأكل، على ما ذكرنا أولا (٣)، فلمّا عدل به عن الإضافة لم يكن فيه غير عطف البيان، لأنه بيان لما قبله، وبيّن الأكل من أي الشجر هو، وقد تقدّم ذكر التخفيف والتثقيل في البقرة (٤).
«١٥» قوله: ﴿فُزِّعَ﴾ قرأه ابن عامر بفتح الفاء والزّاي، وقرأ الباقون بضمّ الفاء وكسر الزاي.
стр. 789
وحجة من قرأ بالفتح أنه بنى الفعل للفاعل، ففي «فزّع» ضمير الفاعل، عائد على اسم الله، والمعنى: حتى إذا جلّى الله الفزع عن قلوب الملائكة، أي أزاله، قالوا: ماذا قال ربّكم، وذلك فيما روي أن الملائكة تفزع إذا علمت أن الله أوحى بأمر فتفزع منه أن يكون في أمر الساعة، فإذا جلّى الله الفزع عن قلوبهم بأنّ ذلك الوحي ليس في أمر الساعة، سألوه عن الوحي ما هو، فقالوا:
ماذا قال ربكم، فيجاوبهم جبريل، فيقول: قال الحق، وأخبر عنه بلفظ الجمع لجلالته وعظم قدره.
«١٦» وحجة من ضمّ الفاء أنه بنى الفعل للمفعول، فأقام المجرور مقام الفاعل، وهو «عن قلوبهم»، والمعنى على ما تقدّم، والضمّ الاختيار، لأن الجماعة عليه (١).
«١٧» قوله: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بالنون، وكسر الزاي، ونصب «الكفور»، على الإخبار عن الله جلّ ذكره عن نفسه، حملا على ما أتى بعده من الأخبار [عن الله جل ذكره عن نفسه] (٢) في قوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ﴾ «١٨» وقوله: ﴿بارَكْنا﴾، وعلى ما قبله أيضا في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ «١٦» و ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ و ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ فحسن حمل الكلام على ما قبله وما بعده، فالكفور منصوب بوقوع الفعل عليه، وهو «نجازي».
وحجة من قرأ بالياء والرفع، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه أنه بنى الفعل للمفعول، فرفع «الكفور»، لأنه مفعول لم يسمّ فاعله، والناس كلهم يجازون بأعمالهم، لكن المؤمن يكفّر الله عنه سيئاته الصغائر باجتنابه الكبائر، والكافر لا تكفير لسيئاته الصغائر، لأنه لم يجتنب الكبائر، إذ هو على الكفر، والكفر أعظم الكبائر، فلذلك خصّ الكافر بذكر المجازاة في هذه الآية،
стр. 790
إذ لا بدّ من مجازاته على كل سيئاته، إذ لا عمل صالحا (١) له يكفّر به عن سيئاته، والمؤمن يكفّر الله له عن بعض سيئاته أو عن كلها بأعماله الصالحة (٢).
«١٨» قوله: ﴿باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتشديد من غير ألف، وقرأ الباقون بألف مخفّفا، على وزن «فاعل»، والقراءتان بمعنى، حكى سيبويه «ضاعف وضعّف» بمعنى، فهو بمعنى التباعد (٣).
«١٩» قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ قرأ الكوفيون بالتشديد، وخفّف الباقون.
وحجة من شدّد أنّه عدّى «صدّق» إلى الظن، فنصبه به على معنى: أن إبليس صدّق ظنه، فصار يقينا حين اتّبعه الكفار، وأطاعوه في الكفر، وقد كان ظنّ ظنا لا يدري هل يصحّ، فلمّا اتبعوه صحّ ظنّه فيهم.
«٢٠» وحجة من خفّف أنّه لم يعدّ «صدق» إلى مفعول، لكن نصب «ظنه» على الظرف، أي صدّق (٤) في ظنه حين اتبعوه، كالمعنى الأول (٥).
«٢١» قوله: ﴿إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي بضمّ الهمزة، بنوا الفعل للمفعول فقام المخفوض، وهو «له» مقام الفاعل، وقرأ الباقون بفتح الهمزة، بنوا الفعل للفاعل، وهو الله جلّ ذكره، كما قال: ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ «النبأ ٣٨» وقال: ﴿إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ «النجم ٢٦»، والمعنى في القراءتين سواء، وفتح الهمزة أحب إليّ،
стр. 791
لاجتماع الحرميين وعاصم على ذلك (١).
«٢٢» قوله: ﴿فِي الْغُرُفاتِ﴾ قرأ حمزة ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ «الفرقان ٧٥»، وقرأ الباقون بالجمع، لأن أصحاب الغرف جماعات كثيرة، فلهم غرف كثيرة، فالجمع أولى به في اللفظ والمعنى، وليكون اللفظ مطابقا للمعنى، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، والجمع بالألف والتاء أصله الجمع القليل، لكن يجوز أن يكون جمع الجمع، فيدلّ على الكثرة، ف «غرفات» يجوز أن تكون جمع غرف (٢)، وتحذف الألف والتاء لدخول ألف وتاء على ذلك. وقد أجمعوا على الجمع في قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ «الزمر ٢٠»، و ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ «العنكبوت ٥٨» (٣).
«٢٣» قوله: ﴿التَّناوُشُ﴾ قرأ الحرميان وحفص وابن عامر بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز.
وحجة من همز أنه جعله مشتقا من «نأش»، إذا طلب فالمعنى:
وكيف لهم طلب الإيمان في الآخرة، وهو (٤) المكان البعيد، وذلك أنهم آمنوا في موضع لا ينتفعون بالإيمان فيه، ويجوز أن يكون مشتقا من «ناش ينوش»، إذا تناول، لكن لمّا انضمت الواو أبدلوا منها همزة، فيكون المعنى: وكيف [يكون] (٥) لهم تناول الإيمان من مكان بعيد، وهو الآخرة.
«٢٣» وحجة من لم يهمز أنه جعله مشتقا من «ناش ينوش» إذا تناول على التفسير الذي ذكرنا، فتكون القراءتان بمعنى: إذا جعلت الهمزة بدلا من
стр. 792
الواو المضمومة (١)، وقد ذكرنا وقف حمزة على هذه الكلمة فيما تقدّم. وذكرنا (يحشرهم، ثم يقول) فيما تقدّم، وأن حفصا قرأهما بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
«٢٤» وحجة من قرأهما بالياء أنه ردّهما على لفظ الغيبة والإفراد للذي قبله والذي بعده، وهو قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ «٣٩» وقوله: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وقوله: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ «٤١».
«٢٥» وحجة من قرأهما بالنون أنّه أتى بلفظ الجمع للتعظيم والتفخيم، فأجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بلفظ الجماعة، فهو خروج من غيبة إلى إخبار، وخروج من مفرد إلى جمع كما قال: ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلاً. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا﴾ «الإسراء ٢، ٣» وقال قبل ذلك: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً﴾ (٢).
«٢٦» فيها ثلاث ياءات إضافة، قرأ حمزة: ﴿عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ «١٣» بالإسكان، وبحذف الياء في الوصل في اللفظ، لالتقاء السّاكنين، فإذا وقف وقف بالياء لثباتها في الخط، والباقون يفتحون (٣) في الوصل، فيقفون بالياء .. قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص: ﴿أَجْرِيَ﴾ «٤٦» بالفتح، قرأ نافع وأبو عمرو:
(ربي إنّه) بالفتح.
فيها زائدتان قوله: ﴿كَالْجَوابِ﴾ «١٣» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وورش بياء في الوصل خاصة، وحذفها الباقون في الوصل والوقف.
قوله: ﴿نَكِيرِ﴾ «٤٥» قرأها ورش بياء في الوصل خاصة (٤).
стр. 793
سورة الملائكة
مكيّة، وهي ست وأربعون آية في المدني وخمس في الكوفي
«١» قوله: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ قرأ حمزة والكسائي بخفض «غير»، جعلاه نعتا ل «خالق» على اللفظ، و «يرزقكم» خبر الابتداء، وهو «خالق»، لأن «من» زائدة، دخلت على الابتداء للتأكيد والعموم، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، أي: هل خالق رازق غير الله موجود، وقرأ الباقون برفع «غير».
جعلوه نعتا ل «خالق»، على الموضع، لأن «من» زائدة، والتقدير: هل خالق غير الله، ويكون الخبر «يرزقكم» أو يكون محذوفا، أي: هل خالق غير الله موجود، ويجوز أن ترفع «غير» على أنه خبر الخالق، لأن «خالقا» مبتدأ، والقراءتان بمعنى واحد (١). وقد تقدّم ذكر «الريح، وميت، ولؤلؤ» فأغنى ذلك عن إعادته.
«٢» قوله: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ قرأه أبو عمرو بياء مضمومة، وفتح الزاي على لفظ الغيبة، ورفع «كل» بني الفعل للمفعول، فرفعه بالفعل، لقيامه مقام الفاعل، وهو «كل». ويقوّي ذلك أنّ قبله فعلا بني للمفعول بلفظ الغيبة أيضا، وهو قوله: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾، وقرأ الباقون بنون مفتوحة، وكسر الزّاي، ونصب «كل»، بنوا الفعل للفاعل، وهو الله جلّ ذكره، فهو إخبار من الله عن نفسه، ويقوّي ذلك قوله بعده: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ «٣٧»، وهو في العلة مثل [قوله] (٢): ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ «سبأ ١٧» في القراءتين جميعا، والنون أحبّ إليّ، لأن الجماعة على ذلك (٣).
стр. 794
«٣» قوله: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ قرأ أبو عمرو بضمّ الياء، وفتح الخاء، بنى الفعل للمفعول، فالواو ضمير مفعول، قام مقام الفاعل، ويقوّي ذلك أن بعده (يحلّون)، على ما لم يسمّ فاعله أيضا، فأجرى الكلمتين على سنن واحد، وقرأ الباقون بفتح الياء وضمّ الخاء، بنوا الفعل للفاعل، فالواو ضمير الفاعل، ويقوّي ذلك أنّ بعده: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ «٣٤»، فأضاف «الحمد» إليهم، فكذلك يجب أن يكون «الدخول» مضافا إليهم، والقراءتان ترجعان (١) إلى معنى، لأنهم إذا أدخلوا دخلوا، ولأنهم لا يدخلون حتى يؤذن لهم بالدخول، وقد تقدّم [ذكر القول في] (٢) هذا بأشبع من هذا الشرح في النساء (٣).
«٤» قوله: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ قرأه نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر بالجمع، لكثرة ما جاء به النبي [ ﷺ ] (٤) من الآيات والبراهين على صحة صدقه ونبوّته من القرآن، وغير ذلك، فوجب أن يقرأ بالجمع ليظهر أن النبي ﷺ جاء بآيات تدلّ (٥) على نبوّته، ويقوّي الجمع أنها في المصاحف كلّها بالتاء، ولو كانت موحدة لكانت بالهاء، وهو الاختيار، لأن المعنى عليه والمصحف [«عليه»] (٦).
وقرأ الباقون بالتوحيد، على إرادة ما في كتاب الله، أو ما يأتي به النبي ﷺ من البراهين (٧) على صدقه، وهو وإن كان مفردا يدلّ على الجمع،
стр. 795
ودليله قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ «هود ٢٨»، وقوله: ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ «الأعراف ٧٣»، ويدل على التوحيد أنها في مصحف ابن مسعود بالهاء (١).
«٥» قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ قرأه حمزة بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون بكسرها.
وحجة من أسكن أنّه استثقل كسرة على ياء (٢) مشدّدة، فهي مقام كسرتين، والكسرة ثقيلة، وهي على الياء المشدّدة أثقل ثم كسرة على همزة، والكسر على الهمز ثقيل أيضا، مع ثقل الكسر في نفسه، فاجتمع أشياء ثقيلة، فأسكن الهمزة استخفافا، وهو على ذلك ضعيف، لأنه حذف علامة الإعراب، وقد قيل: إنه نوى الوقف على الهمزة، وهو ضعيف (٣)، لأنه لو نوى الوقف لخفّف الهمزة في الوصل، لأن أصله تخفيف كل همزة في الوقف، وهو لا يخفّفها إلا إذا وقف عليها وقفا صحيحا، فيبدل منها ياء ساكنة إن وقف بالسكون، أو يجعلها (٤) بين الهمزة والياء إن وقف بالرّوم، ومثله هشام في الوقف، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة على الأصل، وهو المختار، لأنه الأصل، فأما وقف حمزة وهشام على قوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ فإنهما يقفان بالسكون، ويبدلان من الهمزة ياء لأنها همزة ساكنة قبلها كسرة، ولا يحسن أن يوقف (٥) عليه بين بين، بين الهمزة
стр. 796
والواو، لأنّ الخطّ ليس فيه واو، فلا يوقف وقف يخالف الخطّ، وقد تقدّم ذكر هذا كله وعلّته (١).
«٦» ليس فيها ياء إضافة، وفيها زائدة قوله: ﴿نَكِيرِ﴾ «٢٦» قرأها ورش بياء في الوصل خاصة (٢).
***
стр. 797
سورة يس
مكيّة، وهي اثنتان وثمانون آية في المدني، وثلاث في الكوفي
«١» قوله: ﴿يس. وَالْقُرْآنِ﴾ قد ذكرنا الإمالة في الياء من «يس» وعلتها، قرأ ورش وأبو بكر والكسائي وابن عامر بإدغام النون من «يس» في الواو من «والقرآن»، على نيّة الوصل، وقرأ الباقون بالإظهار، على نيّة الوقف على النون، إذ هي حروف مقطعة غير معربة، فحقّها أن يوقف على كل حرف منها، والوقف على الحرف يوجب إظهاره، ويمنع من إدغامه، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولأنه الأصل، وقد تقدّم ذكر علل هذه الحروف في إمالتها وإدغامها وإظهارها بأشبع من هذا (١).
«٢» قوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالنصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع، جعلوه خبر ابتداء محذوف، أي: هو تنزيل العزيز (٢).
«٣» قوله: ﴿سَدًّا﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بفتح السين، في الموضعين في هذه السورة، وقرأ الباقون بالضمّ فيهما، وقد تقدّمت علّة ذلك في الكهف والاختيار فيه (٣).
«٤» قوله: ﴿فَعَزَّزْنا﴾ قرأه أبو بكر بالتخفيف، وشدّد الباقون.
وحجة من خفّف أنه حمله على [معنى] (٤) «فغلبنا بثالث» من قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ «ص ٢٣»، أي: غلبني، ويكون المفعول محذوفا، وهو المرسل إليهم، تقديره: فعزّزناهم بثالث، أي فغلبناهم بثالث.
стр. 798
«٥» وحجة من شدّد أنه حمله على معنى القوّة، أي: فقوّيناهم (١) بثالث، والمفعول أيضا محذوف، يعود على الرسولين، أي: فقوّينا المرسلين برسول ثالث، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه (٢).
«٦» قوله: ﴿لَمّا جَمِيعٌ﴾ قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة بالتشديد، وخفّف الباقون، ومثله في الزخرف والطارق (٣)، غير أنّ ابن ذكوان خفّف في الزخرف.
وحجة من خفّف أنه جعل «ما» زائدة واللام [لام] (٤) تأكيد دخلت في خبر «إن» للفرق بين الخفيفة بمعنى «ما»، والخفيفة من الثقيلة، ف «أن» (٥) في حكم الثقيلة، لأن التثقيل أصلها، وإن كانت لم تعمل، لأن معناها قائم في الكلام، وتقديره: وإن كلاّ لجميع لدينا محضرون.
«٧» وحجة من شدّد أنه جعل «لما» بمعنى «إلا» و «إن» بمعنى «ما»، وتقديره: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، فهو ابتداء وخبر، وقد قال الفرّاء في هذه القراءة: إنّ «لما» أصلها «لمن ما» ثم أدغم النون في الميم، فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت ميم استخفافا، وشبّهه بقولهم: «علماء بنو فلان» يريدون: «على الماء»، فأدغم اللام في اللام ثم حذفوا [إحدى اللامين] (٦) استخفافا، وهي الأولى، وبقيت الثانية ساكنة وهي لام الماء (٧).
стр. 799
«٨» قوله: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بغير هاء، حذفوا الهاء من صلة «ما» لطول الاسم، وهي مرادة مقدرة، وقرأ الباقون بالهاء على الأصل، ولأنها ثابتة في المصحف، وهو الاختيار، وكلهم قرأ «عملت أيديهم» بغير هاء، والأصل الهاء (١).
«٩» قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع.
وحجة من نصب أنّه نصبه على إضمار فعل، تفسيره «قدرناه»، تقديره:
وقدّرنا القمر قدّرناه منازل، أي ذا منازل، وقيل: معناه قدرناه منازل. ويجوز أن يكون جاز النصب فيه ليحمل على ما قبله ممّا عمل فيه الفعل، وهو قوله:
﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ «٣٧» فعطف على ما عمل فيه الفعل، فأضمر فعلا يعمل في «القمر» ليعطف فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل.
«١٠» وحجة من رفع، وهو الاختيار، لأن عليه أهل الحرمين وأبا عمرو أنه قطعه ممّا قبله، وجعله مستأنفا، فرفعه بالابتداء، و «قدرناه» الخبر، ويجوز أن يكون رفعه على العطف على قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ «٤١»، فعطف جملة على جملة، والآية في قوله «وَآيَةٌ لَهُمْ» رفع بالابتداء، و «لهم» صفة ل «الآية»، والخبر محذوف، تقديره: وآية لهم في المشاهدة، أو في الوجود.
وقوله: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ «٣٣» و ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ «٣٧» و ﴿الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ﴾ كله تفسير للآية، جار (٢) على ما (٣) يجب له من الإعراب، فهو مثل قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ «المائدة ٩»، ثم قال مفسّرا للوعد ما هو، فقال ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، ومثله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ «النساء ١١»، وهو تفسير للوصيّة في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾
стр. 800
﴿اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾، ثم فسّر ما الوصيّة فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وما بعده (١).
«١١» قوله: ﴿حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرأ نافع وابن عامر بالجمع، لكثرة ذرية من حمل في الفلك، وقرأ الباقون بالتوحيد، لأنه يدل على الجمع، كما قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ «الإسراء ٣»، وقد تقدّمت علة هذا، والجمع أحبّ إليّ لأنه أدلّ على المعنى (٢).
«١٢» قوله: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ قرأه حمزة بإسكان الخاء مخفّفا، وقرأ قالون بإخفاء حركة الخاء، والتشديد، ومثله أبو عمرو، وقد قيل عن أبي عمرو إنه اختلس حركة الخاء، وقرأ ورش وهشام وابن كثير بفتح الخاء والتشديد، وقرأ الكسائي وعاصم وابن ذكوان بكسر الخاء والتشديد.
وحجة من أسكن الخاء وخفّف أنه بناه على وزن «يفعلون»، مستقبل «خصم يخصم» فهو يتعدّى إلى مفعول مضمر محذوف، لدلالة الكلام عليه، تقديره: يخصم بعضهم بعضا، بدلالة ما حكى الله جلّ ذكره عنهم من مخاصمة بعضهم بعضا في غير هذا الموضع، فحذف المضاف، وهو بعض الأول، وقام الضمير المحذوف (٣) مقام بعض في الإعراب، فصار ضميرا مرفوعا، فاستتر في الفعل، لأن المضمر المرفوع لا ينفصل بعد الفعل، لا تقول: اختصم هم، ولا: قام أنت، والضمير فاعل، ويجوز أن يكون التقدير: يخصمون مجادلهم عند أنفسهم، وفي ظنهم، ثم حذف المفعول.
«١٣» وحجة من اختلس حركة الخاء وأخفاها أنّ أصله «يفتعلون»،
стр. 801
فالخاء ساكنة، فلمّا كانت ساكنة في الأصل في «يختصمون» وأدغمت التاء في الصاد لم يمكن أن يجتمع ساكنان: المشدّد والخاء، فأعطاهما حركة مختلسة، أو مخفاة، ليدلّ بذلك أنّ أصل الخاء السكون، فيدلّ على أصلها أنه السكون بعض (١) الحركة فيها، لأن الحركة المختلسة والمخفاة حركة ناقصة.
«١٤» وحجة من فتح الخاء وشدّد، وهو الاختيار، لأنه الأصل، أنّه بناه على «يفتعلون»، أي يختصمون، فحاول إدغام التاء في الصاد لقربها منها، فألقى حركة التاء على الخاء، وأدغم التاء في الصاد لقربها منها، ولأنه ينقل التاء بالإدغام إلى حرف هو أقوى منها، وهو الصاد، فذلك حسن قوي، فوقع التشديد لذلك.
«١٥» وحجة من كسر الخاء أنّه لمّا أدغم التاء في الصاد، لما ذكرنا من قرب المخرجين، اجتمع ساكنان، الخاء والمشدد، فكسر الخاء لالتقاء الساكنين، ولم يلق حركة التاء على الخاء، كما قالوا: مسّنا السماء، فحذفوا السّين الأولى، لالتقاء الساكنين، بعد إسكانها للتخفيف، ولم يلقوا حركتها على الميم. وقد روي عن أبي عمرو أنه أسكن الخاء، وهو بعيد، لم أقرأ به. وروي عن أبي بكر أنه كسر الياء على الإتباع لكسرة الخاء، وعلّته كالعلّة في كسر الياء في «يهدي»، وقد ذكرنا ذلك في يونس (٢)، وقد تقدّم ذكر «الميتة، ومن ثمرة، ومن مرقدنا، وفيكون، ومكانتكم، وأفلا تعقلون»، وذكرنا إمالة «مشارب» ونحوه (٣).
стр. 802
«١٦» قوله: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ قرأ الكوفيون وابن عامر بضمّ الغين، وأسكن الباقون وهما لغتان كالسّحت والسّحت (١).
«١٧» قوله: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ قرأ حمزة والكسائي بضمّ الظاء، من غير ألف، على وزن «فعل» مثل «عمر»، وقرأ الباقون «ظلال» بكسر الظاء وبألف بعد اللام.
وحجة من ضمّ الظاء أنه جعله جمع «ظلّة»، كغرفة وغرف ودليله (٢) إجماعهم على قوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ﴾ «البقرة ٢١٠».
«١٨» وحجة من كسر الظاء أنه يحتمل أن يكون أيضا جمع «ظلة» كبرمة وبرام، وعلبة وعلاب، فتكون القراءتان بمعنى، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ويجوز أن يكون (٣) جمع «ظلل» كما قال: ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ «النحل ٤٨» جمع «ظل» (٤).
«١٩» قوله. ﴿جِبِلاًّ﴾ قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضمّ الجيم وإسكان الباء مخفّفا، وكذلك قرأ الباقون غير أنّهم ضموا الباء.
«٢٠» وحجة من قرأ بكسر الجيم والتشديد أنّه جعله جمع «جبلّة» وهي الخلق، جعله جمعا بينه وبين واحده الهاء.
«٢١» وحجة من قرأ بضمتين أنه جعله جمع «جبيل»، وهو الخلق أيضا، كرغيف ورغف، وكذلك الحجة لمن أسكن الباء وضمّ الجيم، إلاّ أنه أسكن تخفيفا، وأصل التاء الضمّ كرسول ورسل (٥).
стр. 803
«٢٢» قوله: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية، وكسر الكاف، وتشديدها، وقرأ الباقون بفتح النون الأولى، وإسكان الثانية، وضمّ الكاف مخفّفا، وهما لغتان مثل: «قل وقتّل»، وأنكر الأخفش التخفيف، ولم يعرف إلا التشديد. وقال: لا يكادون يقولون: نكسته، إلا لما يقلب، فيجعل رأسه أسفل. وروي عن أبي عمرو أنه أنكر التشديد (١).
«٢٣» قوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا﴾ قرأ نافع وابن عامر بالتاء، على الخطاب للنبيّ ﵇، لأنه هو النذير لأمته، كما قال: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ «البقرة ١١٩»، وقرأ الباقون بالياء، على الإخبار عن القرآن، لأنه نذير لمن أنزل عليهم، كما قال: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ «فصّلت ٣، ٤» (٢).
«٢٤» فيها ثلاث ياءات إضافة، قوله: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ «٢٢» قرأها حمزة بالإسكان.
قوله: ﴿إِنِّي إِذاً﴾ «٢٤» قرأها نافع وأبو عمرو بالفتح.
قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ﴾ «٢٥» قرأها الحرميان وأبو عمرو بالفتح.
فيها ياء محذوفة قوله: ﴿يُنْقِذُونِ﴾ «٢٣» قرأها ورش بياء في الوصل (٣).
***
стр. 804
سورة والصّافات
مكيّة، وهي مائة آية واثنتان وثمانون آية
في المدني والكوفي
قد ذكرنا الإدغام في والصّافات صفا (١) وما بعدها.
«١» قوله ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ قرأ عاصم وحمزة «بزينة» التنوين وقرأ الباقون بغير تنوين، وقرأ أبو بكر «الكواكب» بالنصب، وقرأ الباقون بالخفض.
وحجة من نوّن «بزينة»، وخفض «الكواكب» أنه عدل عن الإضافة، فأثبت التنوين عند عدم الإضافة، وجعل «الكواكب» بدلا من «زينة»، لأنها هي الزينة للسماء، فكأنه قال: إنّا زيّنا السماء الدنيا بالكواكب، فالدنيا نعت للسماء، أي: زينا السماء القريبة منكم بالكواكب.
«٢» وحجة من نوّن ونصب «الكواكب» أنه أعمل الزينة في الكواكب، على تقدير: بأن زينا الكواكب فيها.
«٣» وحجة من أضاف «زينة» إلى «الكواكب» أن «الزينة» مصدر، و «الكواكب» مفعول بها، فأضاف المصدر إلى المفعول به، كقوله تعالى:
﴿مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ «فصّلت ٤٩» و ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ «ص ٢٤».
ويجوز أن يكون أبدل «الكواكب» من «زينة» وحذف التنوين من «زينة» لالتقاء الساكنين، لسكونه وسكون اللاّم من «الكواكب» (٢).
«٤» قوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بالتشديد في السين والميم، وخفّفه الباقون.
وحجة من شدّد أنه قدّر أن الأصل «يتسمعون» مستقبل «تسمّع»
стр. 805
الذي هو مطاوع «سمّع» ثم أدغم التاء في السين لقرب المخرجين، وحسن الإدغام، لأنه ينقل حرفا ضعيفا، وهو التاء إلى ما هو أقوى منه، وهو السين، لأنها من حروف الصغير، وحسن حمله على «تسمّع»، لأن «التسمع» قد يكون، ولا يكون معه إدراك سمع، وإذا نفي التسمع عنهم فقد نفي سمعهم من جهة التسمع ومن غيره، فذلك أبلغ في نفي السمع عنهم، ويقال: سمعت الكلام وأسمعته، كما تقول: شويته وأشويته (١) بمعنى. وقد قرأ ابن عباس «يسمّعون» بضم الياء والتشديد، وقال: يستمعون ولكن لا يسمعون (٢).
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ «الأعراف ٢٠٤»، وقال:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ «يونس ٤٢». فهو فعل يتعدّى باللام (٣) وبإلى، فإتيان «إلى» بعده يدل على أنّه «يتسمعون» لأن «يسمع» لا يتعدّى ب «إلى» إلاّ على حيلة وإضمار.
«٥» وحجة من خفّفه أنه حمله على أنّه نفى عنهم السمع بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ «الشعراء ٢١٢»، ولم يقل عن التسمع، فهم يتسمعون ولكن لا يسمعون شيئا، ودليله قوله تعالى عن قول الجن: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ «الجن ٩»، فدلّ ذلك على أنهم يتسمعون الآن فيطردون بالشهب ولا يسمعون شيئا، فيبعد على هذا النص أن ينفي عنهم السّمع، إذ قد أخبر عنهم أنهم يتسمعون فيطردون بالشهب، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الأكثر عليه، فأما إتيان «إلى» بعده فهو على معنى «لا يميلون أسماعهم إلى الملأ» (٤).
стр. 806
«٦» قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بضمّ التاء، وقرأ الباقون بفتح التاء.
وحجة من ضمّ التاء أنّه ردّ العجب إلى كل من بلغه إنكار المشركين للبعث من المقرّين بالبعث، وعلى ذلك أتى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ «الرعد ٥» أي: فعجب قولهم عندكم وفيما تفعلون.
وقد أنكر شريح (١) هذه القراءة وتأولها على ردّ الإعجاب إلى الله فأنكرها، وليس الأمر على ذلك، إنّما الإعجاب، في القراءة بضمّ التاء، إلى المؤمنين مضاف إلى كل واحد منهم.
«٧» وحجة من فتح التاء أنه [جعله] (٢) مخاطبة للنبي ﷺ ، فالإعجاب مضاف إليه، على معنى: بل عجبت يا محمد من إنكارهم للبعث، مع إقرارهم بأن الله خلقهم ولم يكونوا شيئا (٣). وقد تقدّم ذكر الاستفهامين في الرّعد، وقد تقدّم ذكر «نعم، ويا أبت، ويا بني» وشبهه (٤).
«٨» قوله: ﴿أَوَآباؤُنَا﴾ قرأه ابن عامر وقالون بواو ساكنة قبلها همزة مفتوحة، ومثله في الواقعة (٥)، وقرأ الباقون بواو مفتوحة قبلها همزة مفتوحة.
وحجة من أسكن الواو وأثبت قبلها همزة أنه جعلها «أو» التي للإباحة
стр. 807
في الإنكار، أي: أنكروا بعثهم وبعث آبائهم بعد الموت.
«٩» وحجة من فتح الواو وقبلها همزة أنه جعلها واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام التي معناها الإنكار للبعث بعد الموت، وهو وجه الكلام، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (١).
«١٠» قوله: ﴿يُنْزَفُونَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بكسر الزاي، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الكوفيون بكسر الزّاي في الواقعة (٢)، وفتحها الباقون.
وحجة من كسر أنه جعله من «أنزف ينزف» إذا سكر، والمعنى: ولا هم عن الخمر يسكرون فتزول عقولهم، أي: تبعد عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا، وقيل: هو من أنزف ينزف إذا فرغ شرابه، فالمعنى: ولا هم عن الخمر ينفد شرابهم كما ينفد شراب الدنيا، فالمعنى الأول من نفاد العقل، والثاني من نفاد الشراب، والأحسن أن يحمل على نفاد الشراب، لأن نفاد العقل قد نفاه عن خمر الجنة في قوله: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أي: لا تغتال عقولهم فتذهبها، فلو حمل «ينزفون» على نفاد العقل لكان المعنى مكررا، وحمله على معنيين أولى، وأما الذي في الواقعة فيحتمل وجهين، لأنه ليس قبله نفي عن نفاد العقل بالخمر، كما جاء في هذه السورة.
«١١» وحجة من فتح الزاي في الموضعين أنه جعله من «نزف» إذا سكر، وردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، لغة مشهورة فيه، وإن كان لا يتعدّى في الأصل، ولم يستعمل «نزف» إذا سكر، إنما استعمل بالضمّ، على لفظ ما لم يسمّ فاعله، وهي أفعال معروفة، أتت على لفظ ما لم يسمّ فاعله، ولم تأت على لفظ ما سمي فاعله، فالمعنى: ولا هم عن خمر الجنة يسكرون، يقال: نزف الرجل، إذا سكر، ويجوز أن يكون من «أنزف»، ردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، ويضمر
стр. 808
المصدر ويقيمه مقام الفاعل فتكون القراءتان بمعنى واحد على هذا الوجه (١).
«١٢» قوله: ﴿إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قرأه حمزة وحده بضمّ الياء، وكسر الزاي، وقرأ الباقون بفتح الياء، وكسر الزاي.
وحجة من فتح أنه أخبر عنهم أنفسهم بالزّفيف، وهو الإسراع، يقال: زفّت الإبل تزفّ، إذا أسرعت.
«١٣» وحجة من ضمّ أنه أخبر عنهم أنهم يحملون غيرهم على الإسراع، فالمفعول محذوف، والمعنى: فأقبلوا إليه يحملون غيرهم على الإسراع، أي: يحمل بعضهم بعضا على الإسراع. قال الأصمعي (٢): يقال أزفّت الإبل إذا حملتها على أن تزف، أي: تسرع، والزفيف الإسراع في الخطو مع مقاربة المشي (٣).
«١٤» قوله: ﴿ماذا تَرى﴾ قرأه حمزة والكسائي بضمّ التاء، وكسر الراء، وقرأ الباقون بفتحهما جميعا.
وحجة من فتح التاء أنه جعل الفعل من «الرأي» الذي هو الاعتقاد في القلب، فعدّاه إلى مفعول واحد، وهو ما في قوله: ﴿ماذا تَرى﴾، فجعلهما اسما واحدا في موضع نصب ب «ترى»، لأن «ما» استفهام، ولا يعمل فيها «انظر»، لأن الاستفهام له صدر الكلام، فلا يعمل فيه ما قبله، إنما يعمل فيه ما بعده، وهو «ترى» في هذا الموضع، وليس «ترى» من رؤية العين، لأنه لم يأمره أن يبصر شيئا ببصره، إنما أمره أن يدبّر أمرا عرضه عليه، يقول فيه برأيه
стр. 809
وهو الذبح، وليس ذلك من إبراهيم على معنى الاستشارة له في أمر الله، إنما هو على الامتحان للذبيح (١)، واستخراج صبره على الذبح، ولا يحسن أن يكون «ترى» من العلم، لأنه يلزم أن يتعدّى إلى مفعولين، وليس في الكلام غير مفعول واحد، وهو «ماذا» وإن شئت جعلت «ما» ابتداء استفهاما و «ذا» بمعنى الذي خبر الابتداء، و «ترى» في صلة الذي واقعا على هاء محذوفة من الصلة، تقديره: أي شيء الذي تراه، ولا يحسن إضمار الهاء مع نصب «ماذا» ب «ترى»، لأن الهاء لا تحذف من غير الصلة والصفة إلا في شعر، فلمّا امتنع أن يكون «ترى» في قراءة من فتح التاء والراء من النظر ومن العلم، لم يبق إلاّ أن يكون [من] (٢) الرأي، على ما ذكرنا، ومثله قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ «النساء ١٠٥» أي: بما أظهر لك من الرأي الذي تعتقد ممّا أمرك الله به، وأوحى إليك فيه، ولو كانت «أراك» من البصر لتعدّت إلى مفعولين، لأنها منقولة بالهمزة من «رأى»، ولا يحسن ذلك في المعنى، لأن الأحكام بين الناس لا تدرك بالبصر إنما تدرك بالنظر والرأي، فيما عدم فيه النص، فلمّا امتنع أن يكون من البصر ومن العلم لم يبق إلاّ أن يكون من الرأي، على ما ذكرنا، ولو كانت من العلم لتعدّت إلى ثلاثة مفعولين، لأنها أيضا منقولة بالهمز من «رأى»، من العلم الذي يتعدى إلى مفعولين، فالهمزة تزيد في التعدّي أبدا مفعولا، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولصحة (٣) معناه.
«١٥» وحجة من ضمّ التاء وكسر الراء أنه جعله أيضا من الرأي، إلاّ أنه نقله إلى الرباعي، فهو مستقبل، أريته الشيء، إذا جعلته يعتقده، فالمعنى:
стр. 810
فانظر ماذا تحملني عليه من الرأي فيما قلت لك، هل تصبر أم تجزع. وقيل: جواب الذبيح في قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فهو يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، ك «أعطى»، فالمفعول الهاء المحذوفة إذا جعلت «ما» ابتداء و «ذا» بمعنى الذي خبر «ما» وإن شئت كان المفعول «ماذا»، تجعلهما (١) اسما واحدا في موضع نصب ب «ترى»، والمفعول الثاني محذوف، أي: ماذا تريناه (٢) من الرأي، وقيل: معنى فتح التاء: ماذا تأمر به. ومعنى ضمها: ماذا تشير به، وهذا الحرف أماله أبو عمرو وحده، وقرأه ورش بين اللفظين، وفتحه عاصم وابن كثير وابن عامر وقالون (٣).
«١٦» قوله: ﴿إِلْ ياسِينَ﴾ قرأه نافع وابن عامر بالمد في «إل» وفتح الهمزة وكسر اللام، وقرأ الباقون بغير مدّ، وإسكان اللام، وكسر الهمزة.
وحجة من مدّه وفتح الهمزة أنّه لمّا رآها في المصحف منفصلة من «ياسين» استدلّ على أن «أل» كلمة و «ياسين» كلمة، أضيف «أل» إلى «ياسين»، ف «ياسين» اسم أضيف إليه «أل» فهو اسم نبيّ، فسلّم على أهله (٤) لأجله، فهو داخل في السلام أي: من أجله سلّم على أهله (٥)، وأهله أهل دينه، ومن اتبعه، ومن آمن به، وكذلك آل محمد ﷺ .
«١٧» وحجة من كسر الهمزة ولم يمدّ أنه جعله اسما واحدا، جمعا منسوبا إلى «إلياس» فيكون «السلام» واقعا على من نسب إلى «إلياس» النبي ﵇، والسلام في القراءة الأولى واقع على النبي المرسل إليهم، الذي اسمه «ياسين» و «إلياس وإلياسين» بمعنى، تأتي الأسماء الأعجمية بلفظين وأكثر، ومنه قوله: ﴿مِنْ طُورِ سَيْناءَ﴾ «المؤمنون ٢٠» وقال: ﴿طُورِ﴾