«٩» قوله: ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ قرأه حفص وابن عامر «قال» بألف على الخبر، وقرأ الباقون «قل» بغير ألف على الأمر.
وحجة من قرأ على الخبر أنه جعله خبرا عن قول «النذير» المتقدّم الذكر في قوله: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ «٢٣»، أي: قال لهم النذير:
أو لو جئتكم. ثم أخبر الله جلّ ذكره بجوابهم للنذير، فقال عنهم: ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾، و «النذير» بمعنى الجماعة، فلذلك قالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون.
«١٠» وحجة من قرأ على الأمر أنه حمله على أنه أمر من الله للنذير، ليقول لهم ذلك، يحتج به عليهم، فهو حكاية عن الحال التي جرت من أمر الله جلّ ذكره للنذير فأخبرنا الله [أنه] (١) أمر للنذير، فقال له: قل لهم أو لو جئتكم، وأخبرنا الله بما أجابوا به النذير في قوله ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾. والاختيار «قل» لأن الجماعة عليه (٢).
«١١» قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتوحيد، على معنى أن لكل بيت سقفا، ولأن الواحد يدلّ على الجمع، ولأن لفظ «البيوت» يدل على (٣) أن لكل بيت سقفا. وقرأ الباقون بالجمع على لفظ «البيوت»، لأن لكل بيت سقفا، فجمع على اللفظ والمعنى، وهو الاختيار، لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه (٤).
«١٢» قوله: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا﴾ قرأه الحرميان وأبو بكر وابن عامر على
стр. 842
التثنية على أن المراد به الإنسان وشيطانه وهو قرينه، لتقدّم ذكرهما في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ «٣٦»، فأخبر عنهما بالمجيء إلى المحشر، يعني الكافر وقرينه. وقرأ الباقون «جاءنا» بالتوحيد، ردّوه على قوله: ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾، فحمل «جاءنا» على «قال»، ووحّدهما جميعا، يريد بذلك «الكافر»، وهو «من» في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، وهو الضمير في «يعش».
وفي «له»، وأتى بلفظ الجمع (١) في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ «٣٧» حملا على معنى «من»، وأتى التوحيد في «يعش» وفي «له» حملا على لفظ «من» (٢).
«١٣» قوله: ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ قرأ حفص على وزن «أفعلة»، وقرأ الباقون على وزن «أفاعلة».
وحجة من قرأ على وزن «أفعلة» أنه جعله على جمع «سوار» كحمار وأحمرة.
«١٤» وحجة من قرأه على وزن «أفاعلة» أنه جعله جمع «أساور».
حكى أبو زيد «إسوار المرأة» و «وسوارها»، وكان القياس في جمع «إسوار» «أساوير»، كإعصار وأعاصير، ولكن جعلت الهاء بدلا من الياء، وحذفت الياء كما جعلوا الهاء بدلا من الياء في «زنادقة»، ويجوز أن يكون «أساور» جمع «أسورة» كأسقية وأساقي، ودخلت الهاء كما دخلت في قشعم وقشاعمة، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٣).
стр. 843
«١٥» قوله: ﴿سَلَفاً وَمَثَلاً﴾ قرأه حمزة والكسائي بضمّ السّين واللام، وقرأ الباقون بفتحهما.
وحجة من ضمّ أنه جعله جمعا لسلف، كأسد وأسد ووثن ووثن، وهو كثير. وقيل: هو [جمع] (١) لسليف، كرغيف ورغف، وهو كثير أيضا، و «السليف» المتقدّم، والعرب تقول: مضى منّا سالف وسلف وسليف.
وقيل: السليف جمع سالف، نادر، وسلف جمع سليف، كرغيف ورغف، فهو جمع الجمع.
«١٦» وحجة من فتح أنه حمله على بناء يقع للكثرة في الجمع، جعله جمع سالف، كخادم وخدم وغائب وغيب، فالقراءتان بمعنى واحد (٢).
«١٧» قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قرأه نافع وابن عامر والكسائي بضم الصاد، وقرأ الباقون بالكسر.
وحجة من ضمّ أنه على معنى «يعدلون ويعرضون عما جئتم به» فالمعنى:
إذا قومك من أجل المثل يعدلون عما جئتم به.
«١٨» وحجة من قرأ بالكسر أنه على معنى «يضجّون»، وقيل: معناه يضحكون، أي: يضحكون من ضرب المثل بعيسى. ف «من» متعلقة ب «يصدون» في هذه القراءة وقيل: هي متعلقة في القراءة الأخرى بأول الكلام.
وقيل: إنهما لغتان بمعنى «يضجون» (٣).
«١٩» قوله: ﴿أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ قرأه الكوفيون بهمزتين محقّقتين بعدهما ألف، وقرأ الباقون بهمزة واحدة بعدها مدّة، في تقدير همزة بين بين، بعدهما ألف.
стр. 844
وحجة من قرأ بهمزتين أنه أتى به على الأصل، لأن أصله ثلاث همزات: همزة الاستفهام مفتوحة، وهمزة للجمع مفتوحة، لأنه جمع «إله» على «آلهة»، على «فعال» و «أفعله»، كحمار وأحمرة، وبعد ذلك همزة ساكنة هي فاء الفعل، وهي همزة «أله»، سكنت في الجمع، وصارت ثانية بعد ألف «أفعله»، فحقّقوا (١) الهمزتين على الأصل، وأبدلوا من الثالثة الساكنة ألفا، واستخفّ الجمع بين همزتين محقّقتين في كلمة، لأن الأولى زائدة دخلت قبل أن لم تكن، فكأنهما من كلمة أخرى.
«٢٠» وحجة من قرأ بهمزة واحدة ومدّة مطوّلة أنه لمّا اجتمع له همزتان محققتان في كلمة ثقل ذلك لثقل الهمزة وبعد مخرجها وتوالي ثلاث همزات، فحقّق الأولى إذ لا سبيل إلى تخفيف الهمزة أولا ثم خفّف الثانية بين الهمزة والألف وأبقى الثالثة الساكنة على لفظها على البدل، وقد تقدّمت علل هذا الضعف من الهمز وغيره، ولا يجوز أن يتأوّل لأحد من القراء الذين خفّفوا الثانية أنه أدخل بين الهمزتين بعد التخفيف ألفا كما فعل ذلك في «أأنذرتهم» وشبهه في قراءة أبي عمرو وقالون وهشام لأن هذا أصله ثلاث همزات، فلو أدخلت ألفا لاجتمع ثلاث ألفات لأن همزة بين بين كألف، وتدخل ألفا قبلها، وبعد همزة بين بين ألف بدل من الهمزة الساكنة، فتجتمع ثلاث ألفات، والهمزة الأولى المخفّفة كألف، فيجتمع ما يقدّر بأربع ألفات، وذلك غير موجود في كلام [العرب] (٢)، وهو ثقيل، وهو ممّا لا يقدّر على اللفظ به. وكذلك العلة في منع إدخال الألف بين الهمزتين في «آمنتم به، وآمنتم له» في الثلاثة المواضع المذكورة في الأعراف (٣).
стр. 845
«٢١» قوله: ﴿تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص بالهاء على الأصل لأنها تعود على الموصول. وهو «ما» بمعنى «الذي»، ولأنه بالهاء في مصاحف المدينة والشام، فاتبعوا الخط. وقرأ الباقون بغير هاء، حذفوها لطول الاسم استخفافا. وقد أجمعوا على الحذف في قوله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ «الفرقان ٤١»، وعلى الحذف في قوله: ﴿عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللهُ﴾ «النمل ٥٩» أي: اصطفاهم، وعلى الحذف [في قوله] (١) ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ﴾ «الدّخان ٤٢»، أي: ﵀. فهو كثير في كلام العرب، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٢).
«٢٢» قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله، وهو قوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ «٨٣». وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة، على معنى: قل لهم يا محمد: إلى الله ترجعون. ويجوز أن يراد به الغيب والمخاطبون، فيغلب الخطاب على الغيبة، والتاء الاختيار لأن التاء تشتمل على المعنيين (٣).
«٢٣» قوله: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ﴾ قرأه عاصم وحمزة «وقيله» بالخفص، وقرأ الباقون بالنصب.
وحجة من قرأ بالنصب أنه ينصب «قيله» على أحد خمسة أوجه: الأول أنه معطوف على مفعول «يكتبون» المحذوف، تقديره: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله، أي: ويكتبون قيله يا ربّ، والوجه الثاني أن يكون معطوفا على مفعول «تعلمون» المحذوف، تقديره: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون الحق
стр. 846
وقيله، أي: يعلمون قيله يا ربّ. والوجه الثالث أن يكون معطوفا على قوله:
﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ «٨٠»، أي: نسمع سرهم ونجواهم ونسمع قيله يا رب.
والوجه الرابع أن يكون معطوفا على موضع الساعة، في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ «٨٥» لأن معناه: ويعلم الساعة ويعلم قيله. والوجه الخامس أن ينتصب على المصدر كأنه قال: ويقول قيله.
«٢٤» وحجة من خفضه أنه على لفظ الساعة، أي: وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا ربّ، أي: ويعلم وقت قيام الساعة، ويعلم قوله وتضرّعه. والنصب الاختيار، لأن الأكثر عليه، ولتمكنّه، وكثرة وجوهه (١).
«٢٥» قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قرأه نافع وابن عامر بالتاء على الخطاب، ويقوّي ذلك ظهور لفظ «قل» قبله، والتقدير: قل لهم يا محمد: سلام فسوف تعلمون. وقرأ الباقون بالياء على لفظ الغيبة، لأن قبله: (فاصفح عنهم)، وهو الاختيار، لمشاكلته ما قبله، ولأن الأكثر عليه (٢).
«٢٦» فيها ياء إضافة قوله: ﴿مِنْ تَحْتِي أَفَلا﴾ «٥١» قرأها نافع وأبو عمرو والبزّي بالفتح.
والثانية قوله: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ﴾ «٦٨» قرأها أبو بكر (٣) بالفتح، ويقف بالياء، وأسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر، ويقفون بالياء. وحذفها الباقون في الوصل والوقف.
فيها زائدة قوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ «٦١» أثبتها أبو عمرو في الوصل خاصة (٤).
стр. 847
سورة الدّخان، مكيّة
وهي ست وخمسون آية في المدني، وتسع في الكوفي
«١» قوله: ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ قرأه الكوفيون بخفض ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ «٨»، ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هو ربّ السّماوات، وهو الاختيار، لأن فيه معنى التأكيد، وعليه الأكثر (١).
«٢» قوله: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ قرأه ابن كثير وحفص بالياء، ردّاه إلى تذكير الطعام، جعلا «الغلي» للطعام، فهو الفاعل. وقرأ الباقون بالتاء، على أنهم حملوه على تأنيث «الشجرة»، فجعلوا «الغلي» للشجرة، فهي الفاعلة. والمعنى في القراءتين واحد. لأن «الشجرة» هي «الطعام»، فالطعام هو الشجرة، ولا يجوز حمل التذكير في «يغلي» على «المهل»، لأن «المهل» إنما ذكّر للتشبيه، فليس هو الذي يغلي (٢).
«٣» قوله: ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ قرأه الحرميان وابن عامر بضمّ التاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان «عتل يعتل ويعتل» مثل «عكف يعكف ويكف، وحشر يحشر ويحشر»، ومعناه: فردّوه بعنف (٣).
«٤» قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ﴾ قرأه الكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بالكسر.
стр. 848
وحجة من كسر الهمزة أنه أجراه على الحكاية عمّا كان يقول في الدنيا.
والمعنى: «إنك أنت العزيز الكريم في زعمك فيما كنت تقول في الدنيا».
فجرى الخبر على ما كان يقول هو في الدنيا، ويصف نفسه به، أو على ما كان يوصف به في الدنيا. والمخاطب بهذا هو أبو جهل (١)، روي أنه كان يقول: أنا أعزّ أهل الوادي وأمنعهم، فجاء التنزيل على حكاية ما كان يقول في الدنيا، ويقال له.
«٥» وحجة من فتح أنه قدّر حرف الجر مع «أنّ» ففتحها به، والتقدير: ذق بأنك أو لأنك [أنت] (٢) العزيز عند نفسك. وقيل: هو تعريض، ومعناه الذليل المهين (٣).
«٦» قوله: ﴿فِي مَقامٍ أَمِينٍ﴾ قرأه نافع وابن عامر بضمّ الميم، على أنه اسم المكان من «أقام»، أو يكون مصدرا على تقدير حذف مضاف، تقديره:
في موضع إقامة، وقرأ الباقون بالفتح، جعلوه اسم مكان من «قام»، كأنه اسم للمجلس أو للمشهد، كما قال: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ «القمر ٥٥» وصفته بالأمن يدلّ على أنه اسم مكان، لأنه المصدر لا يوصف بذلك، لأنه اسم الفعل (٤).
«٧» فيها ياءا إضافة قوله: ﴿إِنِّي آتِيكُمْ﴾ «١٩» قرأها الحرميان وأبو عمرو بالفتح.
стр. 849
قوله: ﴿لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ «٢١» قرأها ورش وحده بالفتح.
فيها زائدتان: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ «٢٠»، ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ «٢١» قرأهما ورش وحده بياء في الوصل خاصة (١).
***
стр. 850
سورة الجاثية، مكيّة
وهي ست وثلاثون آية في المدني وسبع وثلاثون في الكوفي
«١» قوله: ﴿مِنْ دابَّةٍ آياتٌ﴾، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ﴾ قرأهما حمزة والكسائي بكسر التاء، وقرأ الباقون بالرفع.
وحجة من رفع أنه عطفه على موضع «إن» وما عملت فيه، وموضع «إن» وما عملت فيه رفع بالابتداء، ويجوز الرفع على الاستئناف بعطف جملة على جملة، ويجوز رفع «آيات» بالظرف، وهو مذهب الأخفش، والرفع الاختيار، لأن الأكثر عليه، وليسلم القارئ بذلك من تأويل العطف على عاملين، وذلك مكروه قبيح في العربية عند البصريين.
«٢» وحجة من كسر التاء أنه حمله على العطف على اسم «إن» على تقدير حذف «في» من قوله: ﴿وَاخْتِلافِ﴾، لتقدّم ذكرها في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ﴾ «٣»، وفي قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ فيسلم (١) الكلام إذا أضمرت «في» من العطف على عاملين، وهما «ان وفي وتلك»، أي:
تجعل «آيات» الثاني والثالث مكررة لتأكيد (٢) الأول، لمّا طال الكلام كرّرت للتأكيد، ويجعل «اختلاف الليل» معطوفا على «في خلق السماوات»، فيخرج من العطف على عاملين (٣).
«٣» قوله: ﴿وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قرأه ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، على معنى: قل لهم يا محمد فبأيّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون أيها الكافرون. ويجوز أن تردّه على الخطاب الذي قبله، في قوله:
стр. 851
﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ﴾ (١)، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ «٥»، وهو الاختيار لأنه أقرب إليه (٢)، وقد تقدّم ذكر «حم» وذكر «من رجز أليم» وشبهه (٣).
«٤» قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون، على معنى الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بالجزاء، فهو المجازي كلاّ بعمله.
وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على ذكر اسم الله المتقدّم في قوله: ﴿لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾، أي: ليجزي الله قوما، وهو الاختيار، لقرب الاسم منه، ولأنه أيضا إخبار عن الله جلّ ذكره بالجزاء كالأول (٤).
«٥» قوله: ﴿سَواءً مَحْياهُمْ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع.
وحجة من نصب أنه جعله مصدرا في موضع اسم الفاعل، فهو في موضع «مستو»، ونصبه من ثلاثة أوجه: أحدهما أن تجعل «مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ» بدلا من الضمير في «نجعلهم» فينصب «سواء» على أنه مفعول ثان ب «نجعل» على تقدير: أن نجعل ﴿مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ سواء، إلاّ أنه يلزم نصب «مماتهم»، ولم يقرأ به أحد. والوجه الثاني أن تنصب «سواء» على أنه مفعول ثان ل «جعل»، وتجعل محياهم ومماتهم ظرفين، والتقدير: أن نجعلهم سواء
стр. 852
[في] (١) ﴿مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾، لكن يلزم نصب «مماتهم» ولم يقرأ به أحد.
والوجه الثالث، وعليه يعتمد في رفع «مماتهم» أن تنصب «سواء» على الحال من المضمر في «نجعلهم»، وترفع «محياهم ومماتهم» ب «سواء»، ويكون المفعول الثاني ل «جعل» الكاف في قوله (كالذين)، ويكون الضمير في «محياهم ومماتهم» يعود على الكفار والمؤمنين الذين تقدّم ذكرهم على قراءة من نصب «سواء»، ويكون الضميران عائدين على الكفار خاصة في قراءة من رفع «سواء».
«٦» وحجة من رفع أنه لمّا كان «سواء» ليس باسم فاعل لم يجره على ما قبله، فرفعه على أنه خبر ابتداء مقدّم، والتقدير: محياهم ومماتهم سواء، أي: سواء في البعد من رحمة الله، والضميران للكفار، وهو الاختيار، لأنه اسم، ليس باسم فاعل، ولأن الأكثر على الرفع (٢).
«٧» قوله: ﴿عَلى بَصَرِهِ﴾ ﴿غِشاوَةً﴾ قرأه حمزة والكسائي بفتح الغين من غير ألف، على وزن «فعلة»، وقرأ الباقون بكسر الغين وبألف، وهما لغتان، وهي الغطاء (٣)، وقد تقدّم ذكر «يخرجون» في الأعراف (٤).
«٨» قوله: ﴿وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾ قرأ حمزة بالنصب على العطف على اسم «إن»، فهو ظاهر اللفظ، وقرأ الباقون بالرفع على العطف، على موضع «إن» واسمها، وموضع ذلك رفع على الابتداء والخبر، ويجوز الرفع على القطع من الأول، تجعله جملة مستأنفة من ابتداء وخبر، ويجوز أن ترفع على أن تعطفه على الضمير المرفوع في «حق»، لكن الأحسن أن تؤكده بإظهاره قبل العطف
стр. 853
عليه، فتقول: حق هو والساعة، كما قال: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ «الأعراف ٢٧» فعطف على الضمير المرفوع في «يراكم» بعد أن أكّده ب «هو» (١).
وليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
***
стр. 854
سورة الأحقاف، مكية
وهي أربع وثلاثون في المدني، وخمس في الكوفي
«١» قوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ﴾ قرأه نافع وابن عامر والبزّي بالتاء، على الخطاب للنبي ﷺ ، كما قال: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ «الرعد ٧»، وقال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ «الأعراف ٢»، وقال: ﴿قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ﴾ «الأنبياء ٤٥»، وقرأ الباقون بالياء، ردّوه على الغيبة، أي:
لينذر به محمد، وكلا القراءتين بمعنى، فرجع (١) الإنذار إلى محمد ﷺ لتقدّم ذكره في قوله: ﴿وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ﴾ «٩»، وقوله:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «١٠» ونحوه، والتاء أحبّ إليّ، لأن الأكثر عليه، ولأن محمدا ﷺ مخاطب بالقرآن. ويجوز ردّ الياء على الكتاب لتقدّم ذكره في قوله: ﴿وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ﴾ - ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كما قال: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ﴾ «الكهف ٢»، يريد به الكتاب المتقدّم الذّكر (٢) في قوله «أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ» (٣).
«٢» قوله: ﴿بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ قرأه الكوفيون «إحسانا» على وزن «إفعالا» مثل «إكرام»، وقرأ الباقون «حسنا» على وزن «فعل» مثل «قفل».
وحجة من قرأ على وزن «إفعال» أنه جعله مصدرا ل «أحسن» على تقدير: أن يحسن إليهما إحسانا.
«٣» وحجة من قرأ على «فعل» أنه على تقدير حذف مضاف وحذف
стр. 855
موصوف، تقديره: ووصّينا الإنسان بوالديه أمرا ذا حسن، أي: ليأت الحسن في أمرهما، فحذف المنعوت، وقام النعت مقامه وهو «ذا»، ثم حذف المضاف وقام المضاف إليه مقامه، وهو حسن، ذكر هذا في سورة البقرة بأشبع من هذا، والاختيار «حسن» على وزن «فعل»، لأن الأكثر عليه، والقراءة الأخرى حسنة لقلة الإضمار، والحذف فيها (١).
«٤»: (كرها) قرأه الكوفيون وابن ذكوان بالضمّ في الكاف، وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان، وقد تقدّم ذكر هذا في النساء بأشبع من هذا (٢).
«٥» قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾ - ﴿وَنَتَجاوَزُ﴾ قرأ ذلك حفص وحمزة والكسائي بالنون فيهما، وهي مفتوحة، وبنصب «أحسن»، وقرأ الباقون بياء مضمومة فيهما، ورفع «أحسن».
وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه بالتقبل والمجازاة، وحسن ذلك، لأن قبله إخبارا (٣) عن الله جلّ ذكره عن نفسه في قوله ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ﴾، ونصب «أحسن» بوقوع «يتقبل» عليه.
«٦» وحجة من قرأ بالياء، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، أنه بنى الفعل للمفعول، فأقام «أحسن» مقام الفاعل فرفعه، والفاعل في القراءتين هو الله جلّ ذكره، كما قال: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ «المائدة ٢٧» (٤).
«٧» قوله ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وهشام بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
стр. 856
وحجة من قرأ بياء أنه حمله على لفظ الغيبة والإخبار عن الله جلّ ذكره في قوله: ﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ﴾ «١٧»، وقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾.
«٨» وحجة من قرأ بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، وقد تقدّم له نظائر، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (١).
«٩» قوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾ قرأه ابن كثير وهشام بهمزة ومدّة، وقرأ ابن ذكوان بهمزتين محقّقتين، وقرأ الباقون بهمزة واحدة، على لفظ الخبر.
وحجة من قرأه بهمزة ومدّة أنه أجرى الكلام على معنى التقرير والتوبيخ الذي يأتي بلفظ الاستفهام، فلمّا أدخل ألف الاستفهام على ألف القطع خفّف ألف القطع، فجعلها بين الهمزة والألف، لأنها مفتوحة قبلها فتحة، فهذه الترجمة لابن كثير. وأما هشام فإنه يفعل كذلك، لكنه يدخل بين الهمزتين ألفا ليفرّق بينهما، لأن المخفّفة بزنة المحققة، كما يفعل في «أأنذرتهم وأقررتم» وشبهه.
وقد مضى الكلام على الأصل والحجة فيه. ومن أصل هشام أن لا يحقق الهمزتين المفتوحتين من كلمة نحو «أأنذرتهم وأأنت قلت»، ففعل في هذا كما يفعل في غيره من التخفيف وإدخال الألف بين الهمزتين، ويقوّي لفظ الاستفهام في هذا إجماعهم على الإتيان بألف الاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ «الأنعام ٣٠»، فهو مثله، ومعناه التنبيه والتقرير، وفي الموضعين إضمار القول، فالمعنى: يقال لهم أذهبهم، ويقال لهم: أليس هذا بالحق.
«١٠» وحجة من حقّق أنه أتى على الأصل كما في «أأنذرتهم وأقررتم» وشبهه. فمن أصل ابن ذكوان أن يحقّق الهمزتين المفتوحتين من كلمة، نحو ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾، و ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فجرى في (٢) هذا الموضع على أصله فحقق الهمزتين.
стр. 857
«١١» وحجة من قرأ بهمزة واحدة أنه أتى به على لفظ الخبر، لأنه غير استخبار إنما هو تقرير وتوبيخ، فالمعنى يدلّ على الألف المحذوفة، ولفظ التهدد والوعيد في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ يدلّ على ألف الاستفهام، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه. وقد تقدّم القول في علل تحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية إذا اجتمعا (١)، وتقدم ذكر «أبلغكم، وأفّ» وشبهه (٢).
«١٢» قوله: ﴿لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ قرأ عاصم وحمزة بياء مضمومة، ورفع المساكن، وقرأ الباقون بتاء مفتوحة، ونصب «المساكن».
وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على الخطاب للنبي ﵇، فهو فاعل «ترى»، وانتصب «المساكن» بوقوع الفعل عليها، لأن «ترى» من رؤية العين تتعدّى إلى مفعول واحد، والتقدير: لا ترى شيئا إلا مساكنهم، لا أحد فيها، و «المساكن» بدل من «شيء» المقدّر المضمر.
«١٣» وحجة من قرأ بالياء أنه بنى الفعل للمفعول، وهو «المساكن»، فهو فعل ما لم يسمّ فاعله، فارتفعت «المساكن» لقيامها مقام الفاعل، والتقدير:
لا يرى شيء إلا مساكنهم، فلذلك ذكّر الفعل، لأنه محمول علي شيء المضمر. فالمساكن أيضا بدل من «شيء» المقدّر المضمر، والتاء الاختيار، لأن الأكثر عليه.
وقد ذكرت الإمالة في هذا، وعلة ذلك (٣).
«١٤» فيها أربع ياءات إضافة قوله: ﴿أَتَعِدانِنِي أَنْ﴾ «١٧» قرأ الحرميان بالفتح، وكلهم قرأ بنونين ظاهرتين إلا هشاما، فإنه أدغم النون الأولى
стр. 858
في الثانية، لأنه استثقل اجتماع مثلين متحركين، فأدغم استخفافا، ولا بدّ من المدّ لاجتماع ساكنين، لأنه يصير مثل «دابّة وصاخّة».
والثانية قوله: ﴿أَوْزِعْنِي﴾ «١٥» قرأها ورش والبزّي بالفتح.
والثالثة: ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ﴾ «٢٣» قرأها نافع وأبو عمرو والبزّي بالفتح.
والرابعة قوله: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «٢١» قرأ الحرميان وأبو عمرو بالفتح.
ليس فيها زائدة (١).
***
стр. 859
سورة محمّد ﷺ ، مدنية
وهي تسع وثلاثون [آية] (١) في المدني
وثمان وثلاثون في الكوفي
«١» قوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾ قرأه أبو عمرو وحفص بضم القاف وكسر التاء، من غير ألف، على ما لم يسمّ فاعله، وقرأ الباقون «قاتلوا» من المقاتلة بألف.
وحجة من قرأ بغير ألف أنه أخبر عمّن قتل في سبيل الله أن الله يهديه إلى جنته، ويصلح حاله بالنعيم المقيم الدائم، ويدخله جنته، وأنه لا يذهب عمله وسعيه باطلا، ويجوز أن يكون قوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ «٥» وما بعده لمن بقي بعد من قتل من المؤمنين، وفي هذه القراءة قوّة وزيادة معنى، وذلك أن من قتل في سبيل الله لم يقتل حتى قاتل، فقد اجتمع له القتال في سبيل الله ثم القتل، فكان من قتل في قتال في سبيل الله، فقد قاتل وليس كل من قاتل قتل.
«٢» وحجة من قرأ بألف أنه أخبر عمّن قاتل في سبيل الله أنّ الله لا يحبط علمه، وأنه (٢) يهديه ويصلح حاله في الدنيا، ويدخله الجنة بعد ذلك، ويقوّي ذلك أن الإخبار بهذا لا يكون عن حيّ لم يقتل فقاتل، أو لأنه ممّن قتل، ولولا الجماعة أنهم على «قاتلوا» بألف لكان «قتلوا» أقوى في المعنى، وأعمّ في الفضل، وأمدح للمخبر عنه (٣).
стр. 860
«٣» قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ قرأه ابن كثير بالقصر، على وزن «فعل»، وقرأ الباقون بالمدّ على وزن «فاعل»، وورش أطول فيه مدّا من غيره على أصله المتقدم.
وحجة من قصر أنه جعله اسم فاعل على «فعل»، لأنه غير متعدّ إلى مفعول كحذر، وهو قليل، حكى أبو زيد وغيره «أسن الماء يأسن إذا تغيّر.
وأسن الرجل يأسن إذا غشي عليه من ريح خبيثة» فأسن بالقصر للحال، فالمعنى: غير متغير في حال جريه. وحكي أن في بعض المصاحف «غير يسن» بالياء أبدلت من الهمزة المفتوحة لانكسار ما قبلها، فهذا يدلّ على القصر فيه.
«٤» وحجة من مدّه أنه بنى اسم الفاعل على «فاعل»، وهو الأكثر في «فعل يفعل» نحو: جهل يجهل: فهو جاهل، وعلم [يعلم] (١) فهو عالم، فهذا بناء لما يستقبل. فالمعنى: من ماء لا يتغيّر على كثرة المكث. وقد يكون للحال مثل الأول، والاختيار المدّ لكثرة «فاعل» في باب «فعل يفعل»، ولأن الجماعة عليه، وقد تقدّمت العلة في تمكين ورش للمدّ في حرف المدّ واللين إذا أتى بعده (٢) همزة (٣)، وقد ذكرنا «عسيتم، وها أنتم، وكأين» وشبهه، فأغنى [ذلك] (٤) عن إعادته (٥).
«٥» قوله: ﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بضمّ الهمزة، وكسر اللام، وفتح الياء، جعله فعلا ماضيا لم يسمّ فاعله، والفاعل في المعنى هو الله جلّ ذكره،
стр. 861
كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي﴾ «الأعراف ١٨٣»، وقال: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ «آل عمران ١٧٨»، وقرأ الباقون بفتح الهمزة واللام، وبألف بعد اللام، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، فهو في قراءة الجماعة على معنى أنهم بنوه على (١) الإخبار عن الله جلّ ذكره بذلك، فهو فعل سمّي فاعله، والفاعل مضمر في «أملى»، وهو الله جلّ ذكره، مثل (٢) قوله: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ وقوله:
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ «الرعد ٣٢»، فالمعنى: الشيطان يسوّل لهم، و «أملى الله لهم» أي: أخّر في أعمالهم حتى اكتسبوا السّيئات ولم يعاجلهم بالعقوبة، فالابتداء ب «أملى لهم» في القراءتين حسن، ليفرّق بين فعل منسوب إلى الشيطان وفعل الله جلّ ذكره، وقد قيل: إن المضمر في «وأملى لهم» بفتح الهمزة للشيطان، كأنه الملعون وسوس لهم فبعدت آمالهم حتى ماتوا على كفرهم، فلا يبتدأ ب «أملى لهم» على هذا التقدير، والأول أحسن (٣).
«٦» قوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بكسر الهمزة، جعلوه مصدر «أسرّ»، ووحّد لأنه يدلّ بلفظه على الكثرة، وقرأ الباقون بفتح الهمزة، جعلوه جمع «سر» كعدل وأعدال، وحسن جمعه لاختلاف ضروب الإسرار من بني آدم.
«٧» قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ﴾، ونبلو) قرأه أبو بكر بالياء في الثلاث الكلمات، على الإخبار عن الله جلّ ذكره، حمل ذلك على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾، وقرأهن الباقون بالنون، على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لأن قبله إخبارا أيضا في قوله: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ «٣٠» (٤).
стр. 862
«٨» قوله: ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بكسر السين وفتحها الباقون، وهما لغتان يراد بهما الصلح، وقد ذكرنا ذلك بأشبع من هذا (١).
ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
***
стр. 863
سورة الفتح، مدنية
وهي تسع وعشرون آية في المدني والكوفي
«١» قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ قرأ أبو عمرو وابن كثير بالياء، في الكلمات الأربع، على لفظ الغيبة، لأن قوله:
﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ﴾ «٨» يدلّ على أن ثمّ مرسلا (١) إليهم، وهم غيّب، فأتى بالياء إخبارا عن الغيب المرسل إليهم، وقرأ الباقون بالتاء فيهن، على المخاطبة للمرسل إليهم من المؤمنين، لأن «إِنّا أَرْسَلْناكَ» يدلّ على أن ثمّ مرسلا (١) إليهم فخصّ المؤمنين بالخطاب، لأنهم أجابوا وآمنوا بالرسول (٢)، وقد تقدّم ذكر «دائِرَةُ السَّوْءِ» في براءة (٣).
«٢» قوله: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ قرأه الحرميان وابن عامر بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، وهو خروج من غيبة إلى إخبار، ومن إخبار عن واحد إلى إخبار عن جمع، لأن النون للجمع، وقرأ الباقون بالياء على لفظ الغيبة المتقدم قبله، وهو قوله: ﴿يَدُ اللهِ﴾، وقوله: ﴿بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ﴾ أي: (فسيؤتيه ﴿اللهُ أَجْراً﴾ (٤).
«٣» قوله: ﴿عَلَيْهُ اللهَ﴾ قرأه حفص بضمّ الهاء، أتى به على الأصل، بصلة الهاء بواو، ثم حذف الواو لسكونها وسكون اللام بعدها، فبقيت الضمة، وقرأ الباقون بالكسر، لأنهم أبدلوا من ضمة الهاء كسرة للياء التي قبلها، لأن الكسرة بالياء أشبه، وهي أخفّ بعد الياء، فانقلبت الواو ياء، وحذفت لسكونها
стр. 864
وسيكون اللام بعدها، وقد تقدّمت العلة في هذا الباب بأشبع من هذا (١).
«٤» قوله: ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ قرأه حمزة والكسائي بضمّ الضاد، وقرأ الباقون بالفتح.
وحجة من قرأ بالضمّ أنه جعله من سوء الحال، كما قال: ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ «الأنبياء ٨٤»، أي: من سوء حال، فالمعنى: إن أراد بكم سوء حال أو حسن حال.
«٥» وحجة من قرأ بالفتح أنه حمله على الضر الذي هو خلاف النفع، ودلّ على أنه المراد ما أتى بعده من نقيضه وهو قوله: ﴿نَفْعاً﴾، فالنفع نقيض الضرّ بالفتح، وقيل هما لغتان كالضّعف والضّعف والفقر والفقر (٢).
«٦» قوله: ﴿كَلامَ اللهِ﴾ قرأ حمزة والكسائي ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ «التوبة ٨٣»، ثم أخبر عنهم في هذه السورة أنهم أرادوا الخروج معه ل «يبدّلوا الكلام» الذي قد أخبر الله به نبيّه أنه لا يكون، فقالوا: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾، يريدون أن يبدّلوا ما قد أخبر الله به نبيّه (٣) أنهم لا يخرجون معه ولا يقاتلون معه عدوا. فالكلام أولى به لهذا المعنى، وهو الاختيار (٤)، وقد تقدّم ذكر «يدخله، ويعذبه» في النساء (٥).
стр. 865
«٧» قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأه أبو عمرو بالياء، ردّه على لفظ الغيّب، وهم الكافرون لتقدّم ذكرهم (١)، وصدّهم المؤمنين عن المسجد الحرام. وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب للمؤمنين لتقدّم ذكرهم (٢) في قوله: ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾، وقوله: ﴿عَنْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، و ﴿أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾ فهو خطاب للمؤمنين. ويجوز أن تكون للجميع من المؤمنين والكفار، لتقدّم ذكرهم وغلبة الخطاب على الغيبة، على أصول كلام العرب (٣).
«٨» قوله: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قرأه ابن كثير وابن ذكوان بفتح الطاء، وقرأ الباقون بالإسكان، وهما لغتان كالسمع والسمع والنهر والنهر، و «شطأه» فراخه. حكى أبو زيد: أشطأت الشجرة إذا أخرجت أغصانها، وأشطأ (٤) الزرع فهو مشطئ إذا أفرخ.
«٩» قوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾ قرأه ابن ذكوان بغير مدّ على وزن «ففعله» وقرأ الباقون بالمدّ على وزن «فاعله»، أو على وزن «ففاعله»، ومدّ ورش أشبع من غيره على ما تقدّم من أصله، والمدّ والقصر لغتان فيه، يقال:
أزر وآزر، بمعنى. قال أبو عبيدة: فآزره سوّاه، أي: آزر الشّطأ الزرع، أي: ساواه، أي: كثرت فراخه حتى استوت معه في الطول والقوة. ففي «آزر» ضمير الشط ء، والهاء ل «الزرع»، وقيل: معنى «فآزره» قوّاه وأعانه، أي: أعان الزرع الشطأ وقوّاه، في «آزر» على هذا (٥) ضمير «الزرع»، والهاء ل «الشط ء». ويذهب الأخفش أن وزن «آزره» «أفعله». وغيره يقول: وزنه «فاعله»، و «أفعل» فيه أبين، ليكون
стр. 866
منقولا بالهمز على قراءة من قرأ «فأزره» على «ففعله»، وليست الهمزة للتعدية، إنما هي ك «ألته وآلته» إذا نقصه. و «الشط ء» في هذا كناية عمّن دخل في الإسلام، فيقوى الإسلام به، وهو مثل ضربه الله لنبيّه بعث مفردا كما تخرج السنبلة مفردة ثم قوّى الله نبيّه [صلى الله عليه] (١) بالصّحابة كما تقوّى السنبلة بفراخها (٢). وقد تقدّم ذكر «سوقه» وعلته في النمل (٣).
ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
***
стр. 867
سورة الحجرات، مدنية
وهي ثماني عشرة آية في المدني والكوفي
قد تقدّم ذكر (فتبيّنوا) في النساء، وذكر (ميتا) في آل عمران، وذكر تاءات البزّي، وهي ثلاث (١) في هذه السورة، ذكر ذلك في البقرة (٢).
«١» قوله: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بهمزة ساكنة بين الياء واللام، ويبدل منها ألفا إذا سهّل كل همزة ساكنة، في رواية الرقّيين عنه، إذا أدرج القراءة أو قرأ (٣) في الصلاة. وقد تقدّم ذكر ذلك، وقرأ الباقون بغير همز، وبعد الياء لام مكسورة، وهما لغتان، يقال: لات يليت ككال يكيل وألت يألت، وفيه لغة ثالثة يقال: آلت يالت، وبذلك قرأ ابن كثير في سورة والطور (٤). وحكى التوّزي (٥): الت يولت، فكله بمعنى النقصان (٦).
«٢» قوله: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قرأه ابن كثير بالياء على لفظ الغيبة، لتقدّم ذكرها في قوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ «١٧»، وقوله: ﴿لا تَمُنُّوا﴾، وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة، لتقدّم ذكرها في قوله:
﴿تَمُنُّوا﴾، وفي قوله: ﴿إِسْلامَكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، وقوله:
﴿أَنْ هَداكُمْ﴾، والتاء أحبّ إليّ، لأن الجماعة عليها (٧).
стр. 868
سورة ق، مكية
وهي خمس وأربعون (١) في المدني والكوفي
«١» قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ قرأ نافع وأبو بكر بالياء، وقرأ الباقون بالنون.
وحجة من قرأ بالياء أنه أجراه على الإخبار عن الله جلّ ذكره، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ «٣٦»، وفي قوله:
﴿رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ «٢٧».
«٢» وحجة من قرأ بالنون أنه أجراه على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، لتقدّم لفظ الإخبار في قوله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ «٢٨»، وقوله: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ «٢٩»، والنون أحبّ إليّ، لاتصال الإخبار بالإخبار، ولأن الجماعة عليه، ولتقدّم لفظ الغيبة عنه (٢).
«٣» قوله ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ قرأه ابن كثير بالياء على لفظ الغيبة لتقدّم لفظ ذكر (٣) الغيبة في قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ «٣١». وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة، أي: قل لهم يا محمد هذا ما توعدون (٤).
«٤» قوله: ﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ قرأه الحرميان وحمزة بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بالفتح.
وحجة من قرأ بالكسر أنه جعله مصدر «أدبر»، فنصبه على الظرف، والمصادر تجعل ظروفا على تقدير إضافة أسماء الزمان إليها، وحذفها اتساعا،
стр. 869
والتقدير: ومن الليل فسبّحه ووقت أدبار السجود، أي: وسبّحه وقت السجود، أي: بعد الصلاة، وهو كقولهم: جئت مقدم الحاج، أي: وقت مقدم الحاج، ورأيتك وقت خفوق النجم، أي: وقت خفوقه، وحذف المضاف في هذا الباب هو المستعمل في أكثر الكلام، وفي هذه الآية أمر من الله جلّ ذكره لنا أن نسبحه بعد الفراغ من الصلاة، وقيل: يراد بالتسبيح في هذا الركعتان بعد المغرب.
«٥» وحجة من قرأ بالفتح أنه جعله جمع «دبر» وقد استعمل ذلك أيضا ظرفا، قالوا: جئتك دبر الصلاة، فهو منصوب على الظرف أيضا (١).
وقد ذكرنا (تشقّق) في الفرقان (٢)، وكلهم كسر الهمزة في «إدبار» في آخر الطور على أنه مصدر حذف معه مضاف إليه، وهو الظرف، فانتصب المصدر على الظرف لقيامه مقام المضاف المحذوف، وكذلك هذا في قراءة من كسر الهمزة.
«٦» فيها ثلاث زوائد قوله: (وعيدي) في موضعين «١٤، ٤٥» قرأهما ورش بياء في الوصل خاصة.
وقوله: (المنادي) «٤١» قرأها ابن كثير بياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو ونافع بياء في الوصل خاصة (٣).
وكل ما ذكرنا من الاختلاف فيما مضى وما نذكر فالاختيار فيه ما عليه الجماعة، إلا ما نبيّنه فنستغني بهذا عن تكرير [ذكر] (٤) الاختيار إن شاء الله تعالى.
стр. 870
سورة والذّاريات، مكية
وهي ستون آية في المدني والكوفي
قد تقدّم ذكر الإدغام في ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً﴾ وذكر ﴿قالَ سَلامٌ﴾ وعلّة ذلك، فأغنى ذلك عن الإعادة (١).
«١» قوله: ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي «مثل» بالرفع، ونصبه الباقون.
وحجة من رفعه أنه جعله صفة ل «حق». وحسن ذلك لأنه نكرة، لا يتعرف بإضافته إلى معرفة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها بين المتماثلين، فلمّا لم تعرّفه إضافته إلى معرفة حسن أن يوصف به النكرة، وهو «حق»، و «ما» زائدة، و «مثل» مضاف إلى «أنكم» و «أنكم» في موضع خفض بإضافة «مثل» إليه، و «أن» وما بعدها مصدر في موضع خفض والتقدير:
أنه لحق مثل نطقكم.
«٢» وحجة من فتح «مثلا» أنه يحتمل ثلاثة أوجه: الأول أن يكون مبنيا على الفتح لإضافته إلى اسم غير متمكّن، وهو «أن»، كما بنيت «غير» لإضافتها إلى «أن» في قوله:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت (٢) …
لكن «مثل» وإن بنيت فهي في موضع رفع صفة ل «حق». والوجه
стр. 871
الثاني أن تجعل «ما» و «مثل» اسما واحدا وتبنيه على الفتح، وهو قول المازنيّ، فهو عنده كقول الشاعر:
وتداعى منخراه بدم … مثل ما أثمر حماض الجبل (١)
فبنى «مثلا» لمّا جعلها و «ما» اسما واحدا، والوجه الثالث أن تنصب «مثلا» على الحال من النكرة وهي «حق»، وهو قول الجرمي (٢)، والأحسن أن يكون حالا من المضمر المرفوع في «لحق» وهو العامل في المضمر، وفي الحال، وتكون على هذا «ما» زائدة، و «مثل» مضافا إلى «أنكم» ولم يتعرّف بالإضافة لما ذكرنا أولا، والحال من النكرة قليل في الاستعمال، وقد حكى الأخفش في قوله تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا﴾ «الدخان ٤، ٥» أن «أمرا» الثاني في حال من «أمر» الأول، وهو نكرة، والأحسن أن يكون حالا من المضمر في «حكيم»، وهو بمعنى «يحكم» (٣).
«٣» قوله: ﴿الصّاعِقَةُ﴾ قرأها الكسائي بغير ألف على «فعلة» وقرأ الباقون بالألف على وزن «فاعلة» كما أتت «الواقعة والراجعة والرادفة والطامة والصاخة» كله على فاعله (٤)، فجرت الصاعقة على ذلك، وقيل: هما لغتان في الصاعقة التي تنزل وتحرق، وقيل: «الصاعقة» بألف [هي] (٥) التي
стр. 872
تنزل من السماء وتحرق، و «الصعقة» بغير ألف الزجرة، وهي الصوت عند نزول الصاعقة، والألف فيها أحبّ إليّ، لأن الجماعة على ذلك. وقد روي «الصعقة» بغير ألف عن عمر وعن علي وعن عثمان وعن ابن الزبير، حملوه على قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ «الأعراف ٧٨»، ولم يقل «الراجفة»، وقال: ﴿مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ «العنكبوت ٤٠» (١).
«٤» قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي بالخفض، على العطف على قوله: ﴿وَفِي مُوسى﴾ «٣٨»، أو على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ «٢٠»، وقوله ﴿وَفِي مُوسى﴾ معطوف على قوله: ﴿وَتَرَكْنا فِيها﴾ «٣٧»، وقرأه الباقون بالنصب على العطف على المعنى، لأن قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ معناه: أهلكناهم، فصار التقدير، أهلكناهم وأهلكنا قوم نوح، وأيضا فيجوز أن يحمل النصب على معنى: فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمّ لأنه (٢) بمعنى:
أغرقناهم، فيصير التقدير: فأغرقناهم وأغرقنا قوم نوح (٣).
ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
***
.
стр. 873
سورة والطور، مكيّة
وهي سبع وأربعون [آية] (١) في المدني
وتسع في الكوفي
«١» قوله: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ قرأه أبو عمرو (وأتبعناهم) بقطع الألف، وإسكان التاء، والتخفيف، وبعد العين نون وألف، وقرأ الباقون بوصل الألف، وتشديد التاء، وبعد العين تاء ساكنة.
وحجة من قطع الألف أنه أضاف الفعل إلى الله جلّ ذكره، فحمله على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، كما أتى الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه قبل ذلك وبعده، في قوله: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ﴾ «٢٠»، وقوله: ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ﴾، وقوله:
﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾، فجرى الكلام على سنن ما قبله وما بعده، ولمّا أضاف الفعل إلى الله جلّ ذكره انتصبت «الذّريات» بوقوع الفعل عليهم، والتاء غير أصلية، لفظ النصب فيها كلفظ الخفض، لأنها تاء جماعة المؤنث كالمسلمات والصالحات.
«٢» وحجة من وصل الألف أنه أضاف الفعل إلى «الذرية» فارتفعت بفعلها، ولولا الجماعة لكانت القراءة الأولى أحبّ إليّ لصحة معناها، ولأنه ليس كل من آمن اتبعته ذريته بإيمان، إنما ذلك إلى الله يوفّق من يشاء من ذرية المؤمنين إلى الإيمان بمثل إيمانهم، ويخذل من يشاء فلا يوفقه إلى الإيمان.
«٣» قوله: (ذريتهم، ﴿أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو الأول «ذرياتهم» بالجمع، لكثرة الذرية، وبكسر التاء لأنه مفعول «أتبعناهم»، وقرأ ابن عامر مثله، غير أنه ضمّ التاء، لأنه فاعل «اتّبعتهم» لأن الذرية في قراءته تابعون الآباء، وقرأ الباقون بالتوحيد في اللفظ، لأن الذرية تقع للواحد والجمع، فاكتفوا بلفظ الواحد لدلالته على الجمع، ورفعوا الذرية بفعلهم، وهو الاتباع.
وقرأ الكوفيون وابن كثير في الثاني بالتوحيد، وفتح التاء، لدلالة الواحد على
стр. 874
الجمع، ونصبوا، لأنه مفعول «ألحقنا»، وقرأ الباقون بالجمع، لكثرة ذرية المؤمنين، فحملوه على المعنى، فكسروا التاء، لأنه جمع مسلّم منصوب ب «ألحقنا» ولفظ الجمع فيهما هو الاختيار، لكثرة من تناسل من المؤمنين، واتّبعوا منهاج آبائهم في الإيمان (١).
«٤» قوله: ﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾ قرأ ابن كثير بكسر اللام، لغة فيه، ويقال:
ألت يألت إلتا إذا نقص كعلم يعلم علما، وقرأ الباقون بفتح اللام، لغة فيه، يقال: ألت يألت كضرب يضرب، وبهذه اللغة قرأ أبو عمرو في الحجرات، وقد ذكرناه، ويقال فيه أيضا: لات يليت ككال يكيل، وبهذه اللغة قرأ الجماعة غير أبي عمرو في سورة الحجرات: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ «١٤»، وفيه لغة رابعة، ولم يقرأ بها، حكاها التوّزي قال: يقال آلت يولت، في النقصان. وفتح اللام هو الاختيار لأن الجماعة عليه (٢). وقد تقدّم ذكر (ولا لغو فيها ولا تأثيم) في البقرة (٣).
«٥» قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ قرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة، على تقدير: لأنه هو البرّ. ف «أنّ» اسم لدخول حرف الجرّ عليها. وقرأ الباقون بالكسر للهمزة على القطع والابتداء، و «إن» حرف للتأكيد، وفي القراءتين معنى التأكيد أن الله برّ رحيم، لكن الكسر أمكن في التأكيد من الفتح، لأن الكسر فيه معنى الإلزام أنه برّ رحيم على كل حال بالمؤمنين. والفتح فيه معنى فعل شيء
стр. 875
لأجل شيء آخر، لأن دعاءهم إيّاه كان لأنه برّ رحيم بالمؤمنين. فالكسر أبين في التأكيد (١).
«٦» قوله: (المسيطرون) قرأه قنبل وهشام بالسّين على الأصل، وقرأه حمزة بين الصاد والزاي على اللغة (٢) التي ذكرناها في البقرة في (الصراط)، وقرأ الباقون بالصاد لأجل الطاء، ليعمل اللسان عملا واحدا في الإطباق والاستعلاء، وقد مضى ذكر هذا كله وعلله في سورة البقرة وغيرها (٣). والسين هو الأصل، ولو كانت الصاد هي الأصل ما رجعت إلى السين لأن الأقوى لا ينقل إلى الأضعف، إنما ينقل إلى الأقوى أبدا، والسين أضعف من الصاد للإطباق والاستعلاء اللذين في الصاد دون السين.
«٧» قوله: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ قرأه عاصم وابن عامر بضمّ الياء، وفتحها الباقون.
وحجة من فتح أنه جعله مستقبل صعق كعلم.
«٨» وحجة من ضمّ الياء أنه نقله إلى الرباعي، وردّه إلى ما لم يسمّ فاعله فعدّاه إلى مفعول، وهو الضمير في «يصعقون» (٤) يقوم مقام الفاعل، فهو مثل «يكرمون» ولا يحسن أن يكون من «صعق» ثم ردّ إلى ما لم يسمّ فاعله ك «يضربون»، لأنه إذا كان ثلاثيا لا يتعدّى، والفعل الذي لا يتعدّى لا يردّ إلى ما لم يسمّ فاعله، على أن يقوم الفاعل مقام المفعول الذي لم يسمّ (٥)
стр. 876
فاعله. وقد حكى الأخفش «صعق» ك «سعد» لغة مشهورة، فعلى هذا يجوز أن يكون من الثلاثي غير منقول لغة لا قياس عليها (١).
ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
***
стр. 877
سورة والنجم
وهي احدى وستون آية في المدني،
واثنتان في الكوفي
قد تقدّم ذكر الإمالة وما هو بين اللفظين في هذه السورة وغيرها، وعلل ذلك في أبواب الإمالة، وذكرنا الوقف على «اللات» وما روي فيه في «ص»، وذكرنا (بطون أمّهاتكم) في النساء، وذكرنا (كبائر الإثم) وغيرها فيما مضى، فأغنى عن الإعادة (١).
«١» قوله: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ﴾ قرأه هشام «كذّب» بالتشديد، جعل الفعل متعدّيا بنقله إلى التشديد، فتعدّى إلى «ما» بغير تقدير حذف حرف جرّ فيه، والتقدير: ما كذّب فؤاده ما رأت عيناه، بل صدّقه. وقرأ الباقون بالتخفيف، عدّوا الفعل الى «ما» بحرف جرّ مقدّر محذوف، تقديره: ما كذب فؤاده فيما رأت عيناه، والمعنى واحد (٢). والتخفيف أحبّ إليّ، لأن الجماعة عليه (٣).
«٢» قوله: ﴿أَفَتُمارُونَهُ﴾ قرأه حمزة والكسائي بفتح التاء من غير ألف، وقرأ الباقون بضمّ التاء، وبألف بعد الميم.
وحجة من قرأ بفتح التاء أنه حمله على «مرى يمري»، إذا جحد، فتقديره:
أفتجحدونه على ما يرى، إذ كان شأن المشركين الجحود لما يأتيهم به محمد [صلى الله عليه] (٤) فحمل على ذلك.
стр. 878
«٣» وحجة من قرأه بضمّ التاء أنه حمله على «مارى يماري» إذا جادل، فالمعنى: أفتجادلونه فيما علمه ورآه كما قال: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ «الأنفال ٦»، وقد تواترت الأخبار بمجادلة قريش النبي ﷺ في أمر الإسراء، والقراءتان متداخلتان، لأن من جادل في إبطال شيء فقد جحده، ومن جحد شيئا جادل في إبطاله، والقراءة بضمّ التاء أحبّ إليّ، لأن الأكثر عليه، ولأن «تمارون» يتعدّى ب «على»، ولا يتعدّى «جحد» ب «على»، فالألف أليق به، لدخول «على» بعده (١).
«٤» قوله: ﴿ضِيزى﴾ قرأها ابن كثير بالهمزة، وقرأ الباقون بغير همز، وهما لغتان حكى التوّزي وغيره: ضأزه يضأزه، إذا ظلمه، فهو مصدر [في] (٢) قراءة من همز كالذكرى، تقديره: قسمة ذات ظلم، وقرأ الباقون بغير همز لغة، يقال: ضازه يضوزه ويضيزه، حكى أبو عبيدة: ضزته حقه وضزته إذا نقصته إياه ومنعته منه، فالمعنى أنه قيل للمشركين: جعلكم البنات لله والبنين لأنفسكم قسمة ضيزى، أي ناقصة جائرة، والأصل في «ضيزى» «ضوزى» لأنه لمّا كانت صفة للقسمة، ولم تأت في الصفات «فعلى» علم أنها «فعلى» لأن «فعلى» تقع كثيرا في الصفات ك «حبلى»، فلمّا كسروا أوله انقلبت الواو ياء في هذا، إذا جعلته من: ضاز يضوز، وإن جعلته من: ضاز يضيز، فالياء في «ضيزى» غير منقلبة من واو، بل هي أصلية، وتكون الواو في «ضوزى» منقلبة من ياء، لانضمام ما قبلها على مذهب من جعله من: ضاز يضيز، ويجوز أن تكون القراءة قراءة من لم يهمز على مثل قراءة من همز، إلاّ أنّه خفّف الهمزة، فأبدل منها ياء لانكسار ما قبلها. فتكون القراءتان بمعنى واحد على لغة
стр. 879
واحدة (١).
«٥» قوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ﴾ قرأه ابن كثير بالمدّ والهمز، أعني في «مناة»، وقرأ الباقون بغير مدّ ولا همز، وهما لغتان، فترك الهمز أكثر وأشهر، قال أبو عبيدة: لم أسمع فيه المدّ وهو اسم صنم. وترك المدّ أحبّ إليّ، لأنها اللغة المستعملة، ولأن الجماعة عليه (٢).
«٦» قوله: ﴿وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ قرأه عاصم وحمزة بغير تنوين، وقرأ الباقون بالتنوين، وقد تقدّمت علته في «هود» وغيرها (٣).
«٧» قوله: ﴿عاداً الْأُولى﴾ قرأه أبو عمرو ونافع بنقل حركة الهمزة على اللام، وإدغام التنوين في اللام، غير أن قالون يأتي بهمزة ساكنة، بعد اللام، في موضع الواو، وقرأ الباقون بالهمز من غير إلقاء حركة، ويكسرون التنوين لسكونه وسكون اللام بعده، وقد ذكرنا علة ذلك وما فيه، وكيف أصله فيما تقدّم فأغنانا عن الإعادة (٤)، وإذا وقفت على «عاد» في قراءة أبي عمرو حسن أن تلقى حركة الهمز على اللام، كما فعل في الوصل، وحسن أن لا تلقى وترد إلى الأصل، والأصل هو الهمز، فأما (٥) إذا وقفت على «عاد» في قراءة قالون وورش، فإنك تلقي حركة الهمزة على اللام وتأتي بهمزة ساكنة في موضع الواو، في قراءة قالون، وقد قيل إنه يبتدأ لقالون بغير إلقاء حركة، فيجب على هذا ألاّ تهمز الهمزة الساكنة، وأن تردّها واوا، لئلا تجمع بين همزتين في كلمة والثانية ساكنة، والعرب لا تستعمل ذلك في كلامها.
ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.
стр. 880
سورة والقمر، مكية
وهي خمس وخمسون آية في المدني والكوفي
«١» قوله: ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ قرأه ابن كثير بإسكان الكاف، وضمّها الباقون، وهما لغتان، وقيل: الأصل الضمّ، والإسكان على التخفيف ك «رسل ورسل وكتب وكتب» و «نكر» صفة، و «فعل» في الصفات قليل (١).
«٢» قوله: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ قرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي «خاشعا» على وزن «فاعل»، موحّدا، وقرأ الباقون على وزن «فعّل»، على جمع فاعل، ك «راكع وركّع».
وحجة من قرأ بالتوحيد على «فاعل» أنه لمّا رأى اسم الفاعل متقدما (٢) قد رفع فاعلا بعده، وهو «أبصارهم» أجراه مجرى الفعل المتقدم على فاعله، فوحّده كما يوحد الفعل، ولم تلحقه علامة تأنيث الجمع، لأن التأنيث فيه ليس بحقيقي.
«٣» وحجة من قرأ بالجمع أنه فرّق بين الاسم الرافع لما بعده وبين الفعل، فجمع مع الاسم ووحّد مع الفعل للفرق، وحسن فيه الجمع، لأن الجمع يدل على التأنيث، فصار في دلالته على التأنيث بمنزلة قولك «خاشعة أبصارهم» (٣).
«٤» قوله: ﴿فَفَتَحْنا﴾ قرأه ابن عامر بالتشديد، وخفّفه الباقون، وقد تقدّم ذكر علته في الأنعام (٤).
«٥» قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ قرأه حمزة وابن عامر بالتاء على الخطاب، على معنى: قل لهم ستعلمون غدا، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة، لأن قبله لفظ