← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فاعله. وقد حكى الأخفش «صعق» ك «سعد» لغة مشهورة، فعلى هذا يجوز أن يكون من الثلاثي غير منقول لغة لا قياس عليها (١). ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة. ***

стр. 877

سورة والنجم وهي احدى وستون آية في المدني، واثنتان في الكوفي قد تقدّم ذكر الإمالة وما هو بين اللفظين في هذه السورة وغيرها، وعلل ذلك في أبواب الإمالة، وذكرنا الوقف على «اللات» وما روي فيه في «ص»، وذكرنا (بطون أمّهاتكم) في النساء، وذكرنا (كبائر الإثم) وغيرها فيما مضى، فأغنى عن الإعادة (١). «١» قوله: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ﴾ قرأه هشام «كذّب» بالتشديد، جعل الفعل متعدّيا بنقله إلى التشديد، فتعدّى إلى «ما» بغير تقدير حذف حرف جرّ فيه، والتقدير: ما كذّب فؤاده ما رأت عيناه، بل صدّقه. وقرأ الباقون بالتخفيف، عدّوا الفعل الى «ما» بحرف جرّ مقدّر محذوف، تقديره: ما كذب فؤاده فيما رأت عيناه، والمعنى واحد (٢). والتخفيف أحبّ إليّ، لأن الجماعة عليه (٣). «٢» قوله: ﴿أَفَتُمارُونَهُ﴾ قرأه حمزة والكسائي بفتح التاء من غير ألف، وقرأ الباقون بضمّ التاء، وبألف بعد الميم. وحجة من قرأ بفتح التاء أنه حمله على «مرى يمري»، إذا جحد، فتقديره: أفتجحدونه على ما يرى، إذ كان شأن المشركين الجحود لما يأتيهم به محمد [صلى الله عليه] (٤) فحمل على ذلك.

стр. 878

«٣» وحجة من قرأه بضمّ التاء أنه حمله على «مارى يماري» إذا جادل، فالمعنى: أفتجادلونه فيما علمه ورآه كما قال: ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ «الأنفال ٦»، وقد تواترت الأخبار بمجادلة قريش النبي ﷺ في أمر الإسراء، والقراءتان متداخلتان، لأن من جادل في إبطال شيء فقد جحده، ومن جحد شيئا جادل في إبطاله، والقراءة بضمّ التاء أحبّ إليّ، لأن الأكثر عليه، ولأن «تمارون» يتعدّى ب «على»، ولا يتعدّى «جحد» ب «على»، فالألف أليق به، لدخول «على» بعده (١). «٤» قوله: ﴿ضِيزى﴾ قرأها ابن كثير بالهمزة، وقرأ الباقون بغير همز، وهما لغتان حكى التوّزي وغيره: ضأزه يضأزه، إذا ظلمه، فهو مصدر [في] (٢) قراءة من همز كالذكرى، تقديره: قسمة ذات ظلم، وقرأ الباقون بغير همز لغة، يقال: ضازه يضوزه ويضيزه، حكى أبو عبيدة: ضزته حقه وضزته إذا نقصته إياه ومنعته منه، فالمعنى أنه قيل للمشركين: جعلكم البنات لله والبنين لأنفسكم قسمة ضيزى، أي ناقصة جائرة، والأصل في «ضيزى» «ضوزى» لأنه لمّا كانت صفة للقسمة، ولم تأت في الصفات «فعلى» علم أنها «فعلى» لأن «فعلى» تقع كثيرا في الصفات ك «حبلى»، فلمّا كسروا أوله انقلبت الواو ياء في هذا، إذا جعلته من: ضاز يضوز، وإن جعلته من: ضاز يضيز، فالياء في «ضيزى» غير منقلبة من واو، بل هي أصلية، وتكون الواو في «ضوزى» منقلبة من ياء، لانضمام ما قبلها على مذهب من جعله من: ضاز يضيز، ويجوز أن تكون القراءة قراءة من لم يهمز على مثل قراءة من همز، إلاّ أنّه خفّف الهمزة، فأبدل منها ياء لانكسار ما قبلها. فتكون القراءتان بمعنى واحد على لغة

стр. 879

واحدة (١). «٥» قوله: ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ﴾ قرأه ابن كثير بالمدّ والهمز، أعني في «مناة»، وقرأ الباقون بغير مدّ ولا همز، وهما لغتان، فترك الهمز أكثر وأشهر، قال أبو عبيدة: لم أسمع فيه المدّ وهو اسم صنم. وترك المدّ أحبّ إليّ، لأنها اللغة المستعملة، ولأن الجماعة عليه (٢). «٦» قوله: ﴿وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ قرأه عاصم وحمزة بغير تنوين، وقرأ الباقون بالتنوين، وقد تقدّمت علته في «هود» وغيرها (٣). «٧» قوله: ﴿عاداً الْأُولى﴾ قرأه أبو عمرو ونافع بنقل حركة الهمزة على اللام، وإدغام التنوين في اللام، غير أن قالون يأتي بهمزة ساكنة، بعد اللام، في موضع الواو، وقرأ الباقون بالهمز من غير إلقاء حركة، ويكسرون التنوين لسكونه وسكون اللام بعده، وقد ذكرنا علة ذلك وما فيه، وكيف أصله فيما تقدّم فأغنانا عن الإعادة (٤)، وإذا وقفت على «عاد» في قراءة أبي عمرو حسن أن تلقى حركة الهمز على اللام، كما فعل في الوصل، وحسن أن لا تلقى وترد إلى الأصل، والأصل هو الهمز، فأما (٥) إذا وقفت على «عاد» في قراءة قالون وورش، فإنك تلقي حركة الهمزة على اللام وتأتي بهمزة ساكنة في موضع الواو، في قراءة قالون، وقد قيل إنه يبتدأ لقالون بغير إلقاء حركة، فيجب على هذا ألاّ تهمز الهمزة الساكنة، وأن تردّها واوا، لئلا تجمع بين همزتين في كلمة والثانية ساكنة، والعرب لا تستعمل ذلك في كلامها. ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة.

стр. 880

سورة والقمر، مكية وهي خمس وخمسون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ قرأه ابن كثير بإسكان الكاف، وضمّها الباقون، وهما لغتان، وقيل: الأصل الضمّ، والإسكان على التخفيف ك «رسل ورسل وكتب وكتب» و «نكر» صفة، و «فعل» في الصفات قليل (١). «٢» قوله: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ قرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي «خاشعا» على وزن «فاعل»، موحّدا، وقرأ الباقون على وزن «فعّل»، على جمع فاعل، ك «راكع وركّع». وحجة من قرأ بالتوحيد على «فاعل» أنه لمّا رأى اسم الفاعل متقدما (٢) قد رفع فاعلا بعده، وهو «أبصارهم» أجراه مجرى الفعل المتقدم على فاعله، فوحّده كما يوحد الفعل، ولم تلحقه علامة تأنيث الجمع، لأن التأنيث فيه ليس بحقيقي. «٣» وحجة من قرأ بالجمع أنه فرّق بين الاسم الرافع لما بعده وبين الفعل، فجمع مع الاسم ووحّد مع الفعل للفرق، وحسن فيه الجمع، لأن الجمع يدل على التأنيث، فصار في دلالته على التأنيث بمنزلة قولك «خاشعة أبصارهم» (٣). «٤» قوله: ﴿فَفَتَحْنا﴾ قرأه ابن عامر بالتشديد، وخفّفه الباقون، وقد تقدّم ذكر علته في الأنعام (٤). «٥» قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً﴾ قرأه حمزة وابن عامر بالتاء على الخطاب، على معنى: قل لهم ستعلمون غدا، وقرأ الباقون بالياء على الغيبة، لأن قبله لفظ

стр. 881

الغيبة، فردّ على ما قبله، وهو قوله: ﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً﴾ «٢٤» وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه وفي القراءتين معنى التهديد والتخويف، والتهدّد مع المخاطبة آكد (١). «٦» فيها ثماني زوائد قوله: ﴿وَنُذُرِ﴾ في ستة مواضع (٢)، قرأها ورش بياء في الوصل خاصة، ومن ذلك قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ «٦» قرأها البزّي بياء في الوصل والوقف، وقرأ ورش وأبو عمرو بياء في الوصل خاصة. والثانية قوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ﴾ «٨» قرأها أبن كثير بياء في الوصل والوقف، وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل خاصة (٣). ***

стр. 882

سورة الرحمن تعالى ذكره، مكية وهي سبع وسبعون آية في المدني، وثمان في الكوفي «١» قوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ قرأه ابن [عامر] (١) بالنصب في الثلاثة الأسماء، وقرأهن الباقون بالرفع في الثلاثة، غير أن حمزة والكسائي خفضا «الريحان» خاصة. وحجة من نصبهن أنه عطفهن على (الأرض) «١٠» حملا على معنى الناصب ل «الأرض»، في قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾. ف «وضعها» يدل على «خلقها» (٢). فكأنه قال: وخلق الأرض خلقها، وخلق الحبّ ذا العصف والريحان، ف «الحب» ما يؤكل، و «العصف» الورق، وقيل: هو التين، و «الريحان» الورق. «٢» وحجة من رفع الثلاثة أنه عطف ذلك على المرفوع المبتدأ قبله، وهو قوله: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ «١١»، وهو أقرب إليه من المنصوب، وليس فيه حمل على المعنى. إنما هو محمول على اللفظ، فكان حمله على ما هو أقرب إليه، وما لا يتكلّف فيه حمل على المعنى، أحسن وأقوى، وهو الاختيار، ولأن الجماعة عليه، لكن النصب [فيه] (٣) أدخل في معنى الخلق، والرفع فيه إنما يدلّ على وجوده كذلك. «٣» وحجة من خفض «الريحان» أنه عطفه على «العصف»، فالتقدير: «والحب ذو العصف وذو الريحان»، فالمعنى: والحبّ ذو الورق وذو الرزق. فالورق (٤) رزق البهائم، و «الريحان» هو (٥) الرزق لبني آدم كما قال:

стр. 883

﴿أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى. كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ «طه ٥٣، ٥٤»، وكما قال: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ «عبس ٣١». فالفاكهة رزق لبني آدم و «الأبّ» (١) ما ترعاه البهائم، وأصل «الريحان» أنه اسم وضع موضع المصدر، وأصله عند النحويين «ريوحان» على وزن «فيعلان» ثم أدغمت الواو والياء، فصار «ريحان» ثم خفّف (٢) ك «ميت» كراهة التشديد في الياء، مع ثقل طول الاسم «ريحان» فألزم التخفيف لطوله، وللزوم الزوائد له، فهو مثل قولك: تربا وجندلا، بما وضع من الأسماء موضع المصدر (٣)، ويجوز أن يكون «ريحان» مصدرا، اختصّ بهذا البناء، كما اختصت المعتلات بأبنية ليست في السالمة (٤)، نحو كينونة، ويكون ممّا حذفت عينه لطوله، كما حذفت من «كينونة» و «صيرورة». ويجوز أن يجعل «الريحان» «فعلان»، ولا تقدّر فيه حذفا على أن تكون الياء بدلا من واو، كما جعلت الواو بدلا من ياء في «أشاوى». وانتصاب «الريحان» انتصاب المصادر، تقول: سبحان الله وريحانه، كأنه قال: براءة الله من السوء (٥) واسترزاقه، أو قال: تنزيها لله واسترزاقه، إلا أن (٦) «ريحان» يخالف «سبحان الله» و «معاذه»، لأنه ينصرف بوجوه الإعراب، وليس ذلك في «سبحان الله» و «معاذه»، لا يكون هذا إلاّ منصوبا فافهمه (٧).

стр. 884

«٤» قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ قرأه نافع وأبو عمرو بضم الياء، وفتح الراء، حملا الكلام على معناه، لأن «اللؤلؤ والمرجان» لا يخرجان منهما بأنفسهما من غير مخرج لهما، إنما يخرجهما مخرج لهما، فحمل الكلام على ما لم يسم فاعله، فارتفع «اللؤلؤ» لقيامه مقام الفاعل و «المرجان» عطف عليه، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضمّ الراء، أضافوا الفعل إلى «اللؤلؤ والمرجان» على الاتساع، لأنه إذا أخرج فقد خرج، وضم الياء أحبّ إليّ، لصحة معناه، ولأنه لا اتساع فيه (١). «٥» قوله: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ قرأه حمزة بكسر الشين، وعن أبي بكر الوجهان، وقرأ الباقون بالفتح. وحجة من كسر أنه بناه على «أنشأت»، فهي «منشئة»، فنسب الفعل إليها على الاتساع، والمفعول محذوف، والتقدير: المنشآت السير، فأضاف السير إليها اتساعا. «٦» وحجة من فتح الشين أنه بناه على فعل رباعي، وجعله اسم مفعول، فكأنه بناه على «أنشئت»، فهي «منشأة» بمعنى «أجريت» فهي «مجراه»، أي: فعل بها الإنشاء، وهذا الذي يعطيه المعنى، لأنها لم تفعل شيئا، إنما غيرها أنشأها، والفتح أحب إليّ، لأن الجماعة عليه (٢). «٧» قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالياء وفتحها، وقرأ الباقون بنون مفتوحة. وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة المتقدمة في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ﴾ «٢٤»، وفي قوله: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾ «٢٧». «٨» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار من الله جلّ ذكره عن

стр. 885

نفسه، وقد تقدّم له نظائر كثيرة. ومستقبل «فرغ» يقال فيه: يفرغ بالضم، وبه جاء القرآن، ويقال فيه: يفرغ (١)، بالفتح، من أجل حرف الحلق. وحكى الأخفش أن بني تميم يقولون: فرغ يفرغ، مثل: علم يعلم. ومعنى الفراغ في الآية القصد، وليس معناه الفراغ من شغل، تعالى الله عن أن يشغله شيء، ويدلّ على ذلك أن في حرف أبيّ (٢) «سنفرغ إليكم»، و «قصد» يتعدّى ب «إلى»، ولا يتعدى «فرغ» ب «إلى» إذا كان من الفراغ من الشغل. فهي تعديته ب «إلى» دليل على أنه ليس من الفراغ من شغل، أو أنه بمعنى «سنقضد»، والنون أحب إليّ، لأن الأكثر عليه (٣). «٩» قوله: ﴿مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ﴾ قرأه أبو عمرو وابن كثير «ونحاس» بالخفض، ورفعه الباقون. وحجة من رفعه أنه عطفه على «الشواظ»، و «الشواظ» اللهب، و «النحاس» والدخان، فالمعنى: يرسل عليكما لهب من نار، ويرسل عليكم دخان، فهو المعنى الصحيح، وهو الاختيار. «١٠» وحجة من خفضه أنه عطفه على «نار»، فجعل «الشواظ» يكون من «نار»، ويكون من «دخان»، وفيه بعد في المعنى، لأن اللهب لا يكون من الدخان. وحكي (٤) عن أبي عمرو أنه قال: لا يكون «الشواظ» إلاّ من نار وشيء آخر، يعني: من نار ودخان، فتصحّ القراءة بخفض «النحاس» على هذا التفسير. وحكى الأخفش أن بعض العلماء قال: لا يكون «الشواظ» إلا من النار والدخان. وقد قيل: إن تقدير القراءة بخفض «النحاس» يرسل عليكما «شواظ» من نار وشيء من «نحاس»، أي: من دخان، ثم حذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه. «١١» قوله: ﴿شُواظٌ﴾ قرأه ابن كثير بكسر الشين، وضمها الباقون،

стр. 886

وهما لغتان بمعنى اللهب (١). «١٢» قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قرأه أبو عمر الدّوري عن الكسائي بضمّ الميم في الكلمة الأولى، وكسر الباقون، وقرأ أبو الحارث بالضمّ في الثاني. وروي عن الكسائي أنه خيّر في الضم والكسر بعد أن لا يجمع بينهما (٢)، وقرأ الباقون بالكسر فيهما، وهما لغتان، يقال: طمث يطمث ويطمث. ومعنى «لم يطمثهن» لم يدمهن، وقال أبو عبيدة: معناه لم يمسسهن (٣). «١٣» قوله: ﴿اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ﴾ قرأ ابن عامر «ذو الجلال» بالواو، جعله صفة لاسم، وهذا ممّا يدل على أن الاسم هو المسمى، وهو مذهب أهل السنة، ودليله قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ «العلق ١»، فكذلك هذا معناه: تبارك اسم ربّك ذو الجلال والإكرام، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام بالواو، وكلهم قرأ: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ﴾ «٢٧» بالواو، وفي حرف ابن مسعود «ذي» بالياء فيهما جميعا. وقرأ الباقون «ذي» بالياء، جعلوه صفة ل «الرب»، فكذلك هي بالياء في أكثر المصاحف سوى مصحف أهل الشام، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه، ولأنه وجه الكلام، إذ «الرب» تعالى هو الموصوف بذلك. ومن جعله صفة ل «اسم» أراد به «الرب» تعالى، فالقراءتان ترجعان إلى معنى، لكن الياء الاختيار لما ذكرنا (٤). ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة (٥).

стр. 887

سورة الواقعة، مكيّة وهي تسع وتسعون آية في المدني، وست في الكوفي قد تقدم ذكر (ينزفون) في والصافات (١) «١» قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قرأهما حمزة والكسائي بالخفض، وقرأ الباقون برفعهما. وحجة من رفعهما أنه حمل الكلام على العطف (٢) على (ولدان) «١٧»، أي: يطوف عليهم ولدان ويطوف عليهم حور عين، ويجوز أن ترفع «حورا» حملا على المعنى، لأنه لمّا علم أنه لا يطاف بالحور عليهم، وكان معنى «يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب»، فيها أكواب، أو عندهم أكواب، أو لهم أكواب، أو ثمّ أكواب، فعطف «وحور عين» على هذا المعنى، كأنه قال: وثمّ حور عين، أو فيها حور عين، أو عندهم حور عين، أو لهم حور عين، فحمل ذلك على المعنى، ولا يحمل الكلام على لفظ «يطاف»، إذ «الحور» لا يطاف بهن عليهم. «٢» وحجة من خفض أنه عطفه على (جنّات النعيم) «١٢»، والتقدير: أولئك المقربون في جنات النعيم وفي حور عين، أي: وفي مقاربة حور، ثم حذف المضاف. وأجاز قطرب أن يكون معطوفا على «الأكواب والأباريق»، فجعل «الحور» يطاف بهن عليهم، ولا ينكر أن يكون لأهل الجنة لذة في التطواف عليهم بالحور، والرفع أحب إليّ، لأن الأكثر عليه ولصحة وجهه (٣). «٣» قوله: ﴿عُرُباً﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بإسكان الراء،

стр. 888

وضمّها الباقون، والضمّ هو الأصل، لأنه جمع عروب، والإسكان على التخفيف ك «رسل ورسل» والعروب الحسنة، وقيل: هي المتحبّبة إلى زوجها، وقيل: هي الغنجة (١). «٤» قوله: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قرأه نافع وحمزة وعاصم بضمّ الشين، جعلوه اسما للمشروب، وقيل: هو مصدر ك «الشغل»، وقرأ الباقون بفتح الشين، جعلوه مصدر «شرب شربا» ك «الضرب»، و «الشرب» بالكسر اسم المشروب بلا اختلاف، كما قال الله جلّ ذكره: ﴿لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ﴾ «الشعراء ١٥٥»، فهذا اسم المشروب. وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقرأ (شرب) بالفتح (٢). «٥» قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ قرأه ابن كثير بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، وهما لغتان بمعنى التقدير وهو القضاء (٣). «٦» قوله: ﴿إِنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قرأه أبو بكر بهمزتين محقّقتين على الاستفهام، الذي معناه الإنكار والجحود للعذاب والهلاك، الذي ينزل بهم لكفرهم، وقرأ الباقون بهمزة واحدة على لفظ الخبر، والقول مضمر في القراءتين، والمعنى: فظلتم تفكّهون تقولون: إنا لمغرمون، فالتفسير تندمون على ما سلف من ذنوبكم، تقولون إنا لمعذبون. وقيل: مهلكون، وهو من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً﴾ «الفرقان ٦٥»، أي: مهلكة، وقيل: دائما لازما لا يفارق (٤) من حلّ به، كما يلازم الغريم غريمه. وقيل: معنى «تفكهون»

стр. 889

تعجبون. وقيل: تلاومون. وفي القراءة على لفظ (١) الخبر معنى الجحود كالاستفهام، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه (٢). «٧» قوله: ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ قرأ حمزة والكسائي «بموقع» بالتوحيد، من غير ألف، لأنه مصدر يدلّ على القليل والكثير، فلم يحتج إلى جمعه، وقد مضى له نظائر، وقرأ الباقون بالجمع على المعنى، لأن مواقع النجوم كثيرة، وذلك حيث يغيب كل نجم، فجمع على المعنى، وهو الاختيار، وقيل: معناه مواقع القرآن حيث نزل على النبي ﵇ نجوما، شيئا بعد شيء، فهي كثيرة أيضا، ومثله الاختلاف في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ «النجم ١» (٣). «٨» ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة، وكذلك كلّ ما سكتنا في آخره من ذكر ياءات الإضافة والمحذوفات في باقي القرآن، فليس فيها ياء إضافة (٤) ولا محذوفة، فيستغنى بهذا عن تكرير ذلك. ***

стр. 890

سورة الحديد، مدنية وهي ثمان وعشرون آية في المدني، وتسع في الكوفي «١» قوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بضمّ الهمزة، وكسر الخاء، ورفع الميثاق على ما لم يسمّ فاعله، وارتفع «الميثاق» بقيامه مقام الفاعل ل «أخذ»، والفاعل هو الله جلّ ذكره، وهو الذي أخذ الميثاق على خلقه. والكلام مفهوم لتقدّم ذكر الله، لكن الفاعل حذف لدلالة الكلام عليه، وقام «الميثاق» مقامه، وردّ الفعل إلى بناء ما لم يسمّ فاعله، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والخاء، ونصب «الميثاق»، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه، أضافوا الفعل إلى فاعله، وهو الله جلّ ذكره، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، فانتصب «الميثاق» بوقوع الفعل عليه، وهو «أخذ»، والتقدير: وقد أخذ الله ميثاقكم، ثم أضمر الاسم لتقدّم ذكره (١). «٢» قوله: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ قرأه ابن عامر «وكل» بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. وحجة من رفع أنه لمّا تقدّم الاسم على الفعل رفع بالابتداء (٢)، وقدّر مع الفعل «هاء» محذوفة، اشتغل الفعل بها، وتعدّى إليها، التقدير: وكلّ وعده الله الحسنى، أي: الجنة. وحذف هذه الهاء إنما يحسن من (٣) الصلات، ويجوز في الصفات، ويقبح حذفها من غير ذينك (٤) إلا في شعر، وهذه القراءة فيها بعد لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، وإنما أجاز الرفع من أجازه على القياس، على إجازتهم (٥) النصب مع الهاء في قوله: زيدا ضربته، فكما جاز النصب مع اللفظ

стр. 891

بالهاء، كذلك يلزم أن يجوز الرفع مع حذف الهاء، وهو ضعيف على ذلك، ولا يحسن أن يجعل «وعد الله» نعتا ل «كل»، لأن «كلا» معرفة، إذ التقدير فيها الإضافة إلى المضمر، والتقدير: وكلهم وعد الله الحسنى، وأيضا فإنه (١) لو كان صفة لبقي المبتدأ بغير خبر. «٣» وحجة من نصبه أنه عدّى الفعل، وهو «وعد» إلى «كل» فنصبه ب «وعد»، كما تقول: زيدا وعدت خيرا، فهو وجه الكلام والمعنى، وهو الاختيار (٢). «٤» قوله: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ قرأه عاصم وابن عامر بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع، وقد تقدّمت الحجة في ذلك في البقرة لكن أعيد شرحها، لأنه موضع مشكل. فحجة من نصب أنه حمل الكلام على المعنى، لأن المعنى: من ذا الذي يقرض الله، أيقرض الله أحد فيضاعفه له، فنصب، لأنه جواب الاستفهام بالفاء، كما تقول: أتقوم فأحدثك، فتنصب «أحدثك» لأن القيام غير متيقّن. والمعنى: أيكون منك قيام فحديث مني لك. والثاني جواب الاستفهام وأخواته محمول على مصدر الأول لمّا امتنع حمله على العطف على لفظ الأول، وهو الفعل، لئلا يصير استفهاما كالأول، فيتغير المعنى، وتصير مستفهما عن نفسك، وذلك محال، إنما أنت مستفهم عن وقوع الفعل الأول من غيرك، ومخبر عن نفسك بوقوع فعل منك إن وقع الأول، فوجب العطف على معنى الأول دون لفظه لهذا المعنى، وهو معنى لطيف، فافهمه، فحمل في العطف على معناه ليصح الجواب، والعطف بالفاء، فلمّا حمل على معنى الأول، وهو المصدر، احتيج إلى إضمار «أن» بعد الفاء، لتكون مع الفعل الثاني مصدرا، فتعطف مصدرا على

стр. 892

مصدر، فيصحّ المعنى والإعراب، فلمّا أضمرت «أن» نصبت بها الفعل، فهذا شرح علة النصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعرض وشبهه بالفاء، فالقراءة بالنصب في «فَيُضاعِفَهُ لَهُ» محمول على معنى الكلام، لا على لفظه، والحمل على معنى الكلام محمول على معنى المعنى أيضا، دون لفظه، فافهمه، فإنه مشكل في العربية، فالنصب في الآية محمول على معنى الآية، ثم على معنى المعنى. «٥» وحجة من رفع، وهو الاختيار، أنه لمّا رأى الاستفهام في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ﴾ إنما هو عن الأشخاص دون القرض فلم يستقم (١) نصب الجواب، إذ ألف الاستفهام لم (٢) تدخل على فعل فيقع الجواب بفعل، إنما دخلت على اسم، فلا يجاوب الاسم بفعل. لو قلت: أزيد في الدار فتكرمه، لم يحسن نصب «تكرمه» على جواب الاستفهام، فالرفع فيه على القطع على معنى: فهو يقرضه. إذ الاستفهام فيه بمعنى الشرط، ورفعه على معنى الاستفهام الحقيقي، على العطف على «يقرض» (٣). «٦» قوله: ﴿آمَنُوا انْظُرُونا﴾ قرأ حمزة بقطع الألف من «انظرونا» وكسر الظاء، جعله من «الإنظار»، وهو التأخير والإمهال، كقوله: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ «الأعراف ١٤»، أي: أخرني وأمهلني، وقرأ الباقون بوصل الألف وضمّ الظاء، جعلوه من النظر، نظر العين (٤). «٧» قوله: ﴿لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ قرأه ابن عامر بالتاء، لتأنيث «الفدية» وقرأ الباقون بالياء، لأجل التفرقة بين الفعل و «الفدية»، ولأن «الفدية» والفداء سواء، فحمل على المعنى، ولأن «الفدية» تأنيثها غير

стр. 893

حقيقي، فحسن فيها التذكير، وقد مضى له نظائر كثيرة (١)، وهو الاختيار لأن الجماعة عليه (٢). «٨» قوله: ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قرأه نافع وحفص بالتخفيف، أضافا (٣) الفعل إلى «ما» وهو القرآن، وفي (٤) «نزل» ضمير «ما» يعود عليها، وهو القرآن، وقد أجمعوا على قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ «الإسراء ١٠٥»، وهو القرآن. وقرأ الباقون «نزّل» بالتشديد، أضافوا الفعل إلى الله جلّ ذكره، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: لما أنزل الله من الحق، وهو القرآن، فهو مفعول به في المعنى، وفي الكلام «هاء» محذوفة تعود على «ما» في القراءة بالتشديد، و «ما» في موضع خفض على العطف على ذكر الله، والتقدير: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، وللذي نزّل الله من الحق، أي: نزّله، وحذفت الهاء من الصلة لطول الاسم، وهو حسن كثير في القرآن (٥). «٩» قوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ قرأه ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف، جعلاه من التصديق بالله وكتبه ورسله، ومعناه: إن المؤمنين والمؤمنات، لأن الإيمان والتصديق سواء، وقرأ الباقون بالتشديد، جعلوه من الصدقة، وأصله أن المتصدقين والمتصدقات ثم أدغم، وفي القراءة بالتشديد قوة من جهة المعنى، وذلك أن كل من تصدّق لله فهو مؤمن، وليس كل من آمن يتصدّق

стр. 894

لله، فالقراءة بالتشديد أعمّ، لأنها تجمع الإيمان والصدقة، وفي القراءة بالتخفيف قوة أيضا من جهة المعنى، وذلك أنه محمول على التصديق الذي هو الإيمان. ثم ذكر بعده: ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ﴾، فقد بيّن أنهم جمعوا الحالتين: الإيمان والصّدقة. ومن شدّد فإنما يقدّر أن قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا﴾ تأكيد مكرّر، لأن التشديد يدلّ على الصدقة، وهي القرض، وكان في الكلام، إذا قرئ بالتشديد، تكرير، وليس كذلك إذا قرئ بالتخفيف، بل التخفيف وما بعده من ذكر القرض يدل على الإيمان والصدقة، فذلك فائدتان، والتشديد وما بعده من ذكر القرض يدلّ على فائدة واحدة، وهي الصدقة، لا غير، ولولا الجماعة لاخترت التخفيف، لأنه يدلّ مع ما بعده على ما يدلّ عليه التشديد وزيادة الإيمان. فهو يدل على إيمان وصدقة، والتشديد وما بعده إنما يدل على الصدقة فقط، لكن قد علم أن المتصدق لله مؤمن، فثبت للمتصدق الإيمان من طريق الدليل. وثبت في التخفيف [له الإيمان] (١) من طريق النص، فاعرف قوة التخفيف على التشديد ويقوّي التشديد أن في حرف أبيّ «المتصدقين والمتصدقات» فهذا يدلّ على التشديد بمعنى الصدقة (٢). «١٠» قوله: ﴿بِما آتاكُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بالقصر، وقرأ الباقون بالمدّ. وحجة (٣) من قصر أنه جعله ماضيا بمعنى المجيء، فأضاف الفعل إلى «ما» ففي «أتاكم» ضمير «ما» مرفوع، يعود على «ما» ولمّا كان «فاتكم» ماضيا ثلاثيا، وفاعله «ما»، وفيه ضمير يعود على «ما»، وجب أن يكون عديله ماضيا ثلاثيا أيضا، وفاعله «ما»، وفيه ضمير يعود على «ما»، وهو «أتاكم»، ليتفق نظم الكلام آخره بأوّله.

стр. 895

«١١» وحجة من مدّ أنه أضاف الفعل إلى الله جلّ ذكره، وجعله ماضيا من الإعطاء، فالفاعل مضمر في «آتاكم» يعود على الله جلّ ذكره، لتقدّم ذكره في قوله: ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ «٢٢» فالهاء محذوفة من الصلة، تقديره: بما آتاكموه، ولا حذف «هاء» في القراءة بالقصر، لأن الممدود يتعدّى إلى مفعولين، وليس كذلك المقصور (١). «١٢» قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ قرأه نافع وابن عامر بغير «هو»، وكذلك ثبت إسقاطها في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون بزيادة «هو». وكذلك هو في مصاحف أهل الكوفة والبصرة ومكة. وإثبات «هو» أبين في التأكيد، وأعظم في الأجر، وهو الاختيار لذلك، ولأن عليه الأكثر (٢). [ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة] (٣). ***

стр. 896

سورة المجادلة، مدنية وهي احدى وعشرون آية في المدني، واثنتان وعشرون في الكوفي قد تقدّم ذكر (الّلائي) في الاحزاب وعلتها (١) «١» قوله: ﴿يَظْهَرُونَ﴾ قرأه الحرميان وأبو عمرو بياء مفتوحة، من غير ألف، مشدد الظاء والهاء، في موضعين في هذه السورة (٢)، وقرأهما ابن عامر وحمزة والكسائي كذلك، إلاّ أنهم أثبتوا ألفا بعد الظاء، وخفّفوا، وقرأ عاصم بضمّ الياء وبألف بعد الظاء، مخفّفا فيهما (٣). وحجة من قرأ بغير ألف والتشديد أنه جعل أصله «يتظهّرون»، على وزن «يتفعّلون» وماضيه «تظهّر» على وزن «تفعّل»، ثم أدغم التاء في الظاء لقربها منها، وحسن الإدغام لأنك تنقل الأضعف إلى الأقوى، لأن الظاء أقوى من التاء بكثير، فلمّا أدغمت التاء في الظاء وقع التشديد في الظاء، والتشديد في الهاء أصل، لأن الهاء عين الفعل، والفعل مضاعف العين، فالتشديد ملازم لعين الفعل. «٢» وحجة من قرأ بألف أنه بناه على «تفاعل»، فأصله «تظاهروا يتظاهرون»، ثم أدغمت التاء في الظاء، على ما قدّمنا، فوقع التشديد في الظاء لذلك، وخفّفت الهاء، كما كانت مخفّفة في: تظاهر القوم يتظاهرون. «٣» وحجة من قرأ بضمّ الياء مخفّفا أنه بناه على: ظاهر يظاهر (٤)، فلا تاء فيه يوجب إدغامها التشديد، فخفّفت الظاء لذلك، وخفّفت الهاء، لأنها مخففة في الأصل في: ظاهر يظاهر (٥).

стр. 897

«٤» قوله: ﴿وَيَتَناجَوْنَ﴾ قرأه حمزة «وينتجون» بغير ألف، وبنون بعد الياء، وقبل التاء، وقرأ الباقون بألف بعد النون، والنون بعد التاء. وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله على وزن «يفتعون» مشتقا من النجوى، وهو السّر، وأصله «ينتجيون» على وزن «يفتعلون» ثم أعل على الأصول بأن ألقيت حركة الياء على الجيم استثقالا لياء مضمومة، قبلها متحرك، ثم حذفت الياء لسكونها، وسكون الواو بعدها. «٥» وحجة من قرأ بألف ونون (١) بعد التاء أنه جعله مستقبل «تناجى القوم يتناجون»، وأصله «يتناجيون» على وزن «يتفاعلون» مثل «يتضاربون»، فلمّا تحركت الياء، وانفتح (٢) ما قبلها، قلبت ألفا، ثم حذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وبقيت فتحة الجيم على حالها لتدلّ على الألف المحذوفة، ولولا (٣) ذلك لكانت مضمومة، لأن واو الجمع حّق ما قبلها أن يكون مضموما، لكن بقيت الجيم مفتوحة، لتدلّ على الألف المحذوفة، ولو ضمت لم يبق ما يدل على الألف، وهو أيضا من النجوى السّر، والنجوى مصدر كالدعوى والعدوى والتقوى، ولذلك وقع الجمع، لأنه يدل على القليل والكثير، قال الله جلّ وعزّ: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ «الإسراء ٤٧»، أي: ذوو نجوى، أي: ذوو سرّ، ومثله قوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ﴾ «النساء ١٤»، وقوله: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ «المجادلة ٧»، أي: من سرّ ثلاثة، وكله أتى مفرد اللفظ، والمعنى فيه الجمع (٤). «٦» قوله: ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ﴾ قرأه عاصم بالجمع لكثرة مجالس

стр. 898

القوم، فهو وإن أريد به مجلس رسول الله ﷺ ، فإن لكلّ واحد ممّن هو في مجلس رسول الله مجلسا، فجمع لكثرة ذلك. ويجوز أن يراد به العموم في كلّ المجالس، فيكون الجمع أولى به لكثرة المجالس التي يجتمع فيها الناس. وقرأ الباقون بالتوحيد، لأن التفسير أتى أنه يراد به مجلس رسول الله ﷺ ، فوحّد على المعنى، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (١). «٧» قوله: ﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ قرأه نافع وعاصم وابن عامر بضم الشين، والابتداء بضمّ الألف، لأجل ضمّ الشين، وقرأ الباقون بكسر الشين، والابتداء بكسر الألف، لأجل كسر الشين، وهما لغتان يقال: نشز ينشر وينشز، ومعنى «انشزوا» [قوموا] (٢)، وقيل: معناه «انضموا»، وقيل: ارتفعوا. والنشز: المرتفع من الأرض، ومنه نشوز المرأة عن (٣) زوجها (٤). فيها ياء إضافة قوله: ﴿أَنَا وَرُسُلِي﴾ «٢١» فتحها نافع وابن عامر (٥). ***

стр. 899

سورة الحشر، مدنية وهي أربع وعشرون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ قرأه أبو عمرو بالتشديد وفتح الخاء، على معنى التكثير للخراب من «خرّب يخرّب»، وقرأ الباقون بالتخفيف وإسكان الخاء، من «أخرب يخرب»، يقال: خرّبته وأخربته، لغتان بمعنى «الهدم»، وقال (١) أبو عمرو «أخربت الموضع» تركته خرابا، وخرّبته وهدمته. «٢» قوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ قرأها هشام بالتاء، ورفع «دولة»، جعل «كان» بمعنى «وقع وحدث» تامة، لا تحتاج إلى خبر، فرفع «الدولة» بها، وأتى بالتاء لتأنيث لفظ «الدولة»، وعنه أنه قرأ بالياء ورفع «الدولة»، وذكّر الفعل، لأن تأنيث «الدولة» غير حقيقي، وبالوجهين يقرأ لهشام، وقرأ الباقون بالياء ونصب «الدولة»، جعلوا «كان» ناقصة، تحتاج إلى اسم وخبر فأضمروا (٢) فيها اسمها، ونصبوا «دولة» على خبرها، وأتوا بالياء لتذكير اسم «كان» المضمر فيها، والتقدير: كي لا يكون الفيء دولة، و «لا» في «كيلا» غير زائدة في القراءتين، والذي عليه الجماعة هو الاختيار (٣). «٣» قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتوحيد، بألف، ويميله أبو عمرو على أصله المذكور، فالتوحيد على معنى أنّ كل فرقة منهم وراء جدار، لأنهم كلهم وراء جدار واحد، ويجوز أن يكون أتى بالواحد، والمراد الجمع، لأن المعنى يدل على الجمع، إذ لا يكون كلّهم وراء جدار واحد. وقد قيل: إن الجدار في هذه القراءة يراد به السّور، والسور واحد يعمّ جميعهم ويسترهم، فتصحّ القراءة على هذا بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع على [معنى] (٤)

стр. 900

أنّ كل فرقة منهم وراء جدار، فهي جدر كثيرة يستترون بها في القتال، فجمع على هذا المعنى، لكثرة الجدران التي يستترون خلفها (١). فيها ياء إضافة قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ﴾ «١٦» فتحها الحرميان وأبو عمرو (٢). ***

стр. 901

سورة الممتحنة، مدنية وهي ثلاث عشرة آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ قرأه الحرميان وأبو عمرو بضمّ الياء، وإسكان الفاء، وفتح الصاد مخفّفا، وكذلك قرأ حمزة والكسائي غير أنهما فتحا الفاء، وكسرا الصاد، وشدّداها، ومثلهما ابن عامر غير أنه فتح الصاد، وقرأه عاصم بفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الصاد مخفّفا. وحجة من ضمّ الياء وفتح الصاد وشدّد أو خفّف أنه بنى الفعل لما لم يسمّ فاعله، والظرف عند الأخفش يقوم مقام الفاعل، لكنه ترك على الفتح، لوقوعه مفتوحا في أكثر المواضع، ومثله عنده قوله: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ «الجن ١١» «دون» في موضع رفع على الابتداء، ولكنه ترك مفتوحا لكثرة وقوعه كذلك (١)، وقيل: المصدر مضمر، يقوم مقام الفاعل، أي: يفصل الفصل بينكم. ويجوز أن يكون فيه مضمر (٢) يقوم مقام الفاعل، تقديره: ويوم القيامة يفصل فيه بينكم، وفيه بعد للحذف. «٢» وحجة من ضمّ الياء، وكسر الصاد أو فتح الياء، وكسر الصاد، أنه أضاف الفعل إلى الله جلّ ذكره، لتقدّم لفظ الإخبار منه تعالى عن نفسه في قوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ «١»، والتشديد فيه معنى التكثير، والتخفيف يحتمل التكثير والتقليل، والذي عليه الحرميان وأبو عمرو هو الاختيار، والقراءة في هذا الحرف ترجع إلى معنى واحد، وهو أن الله هو الفاصل بينهم يوم القيامة، وقد تقدّم ذكر (أسوة) في الأحزاب (٣).

стр. 902

«٣» قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا﴾ قرأه أبو عمرو بفتح الميم مشدّدا، وقرأ الباقون بإسكان الميم مخفّفا، والمعنى واحد، وفي التشديد معنى التكثير، والتخفيف [يحتمل القليل والكثير] (١) وقوله: ﴿فَإِمْساكٌ﴾ «البقرة ٢٢٩»، وقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ﴾ «البقرة ٢٣١»، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ «البقرة ٢٣١»، يدلّ كله على قوة التخفيف، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ «الأعراف ١٧٠» في قراءة الجماعة غير أبي بكر يدلّ على قوة التشديد، فالقراءتان متعادلتان. [ليس فيها ياء إضافة ولا محذوفة] (٢). ***

стр. 903

سورة الصّفّ، مدنية، وقيل مكية (١)، وهي أربع عشرة آية في المدني والكوفي وقد تقدّم ذكر (ساحر) في المائدة (٢). «١» قوله: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ قرأه ابن كثير وحفص [وحمزة] (٣) والكسائي بالإضافة وخفض «نوره»، على التخفيف، وقرأ الباقون بالتنوين ونصب «نوره»، وهو الأصل في اسم الفاعل إذا كان للحال أو الاستقبال، وحذف التنوين منه والإضافة لغة كثيرة على الاستخفاف، فالقراءتان بمعنى وبلغتين معتدلتين (٤). «٢» قوله: ﴿تُنْجِيكُمْ﴾ قرأه ابن عامر بالتشديد وفتح النون، من «نجّى ينجّي» ففيه معنى التكثير، وفي القرآن من «نجّى» بالتشديد كثير، وكذلك فيه من «أنجى ينجي» [وقرأ الباقون بالتخفيف وإسكان النون من أنجى ينجي] (٥) وهو كثير في القرآن أيضا، والتخفيف يدلّ على القليل والكثير، والقراءتان بمعنى، لغتان فاشيتان مستعملتان في القرآن (٦). «٣» قوله: ﴿كُونُوا أَنْصارَ اللهِ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بإضافة [أنصار] (٥) إلى ما بعده، وقرأ الباقون بالتنوين في «أنصار» من غير إضافة. وحجة من أضاف أنه على معنى: دوموا على ذلك، فهم أنصار الله،

стр. 904

قبل (١) قوله لهم: «كونوا أنصارا» وإنما حضّهم على الثبات والدوام على النصرة لدين الله، ودليل ذلك أن في حرف عبد الله: «أنتم أنصار» على أنهم على ذلك كانوا قبل أمره لهم، فإنما أمرهم بالثبات على ما هم عليه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ «النساء ١٣٦» أي: دوموا على الإيمان، ومثله قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ﴾ «الفاتحة ٦»، أي: ثبّتنا على الدّوام على الهداية. وقد كانوا مهتدين، فسألوا الثبات على ما هم عليه. «٤» وحجة من نوّنه أنه حمله على معنى أنه أمرهم أن يدخلوا في أمر لم يكونوا عليه، فالمعنى: فافعلوا النصر لدين الله فيما تستقبلون. ويجوز أن تكون القراءتان بمعنى، كما تقول: كن ناصرا لدين الله، وكن ناصر زيد، وكن ضاربا لزيد، وكن ضارب زيد (٢). «٥» فيها ياءا إضافة قوله: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ﴾ «٦» قرأها ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالإسكان، ويحذفون الياء من اللفظ في الوصل، لسكونها وسكون السين بعدها، وبالوقف بالياء. والثانية قوله: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ «١٤» قرأها نافع وحده بالفتح. وليس (٣) في الجمعة اختلاف بين القراء إلاّ ما تقدّم ذكره من الأصول. وهي مدنية، وهي إحدى عشرة آية في المدني والكوفي.

стр. 905

سورة المنافقين، مدنية، وهي احدى عشرة آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قرأها قنبل وأبو عمرو والكسائي بإسكان الشين استخفافا، وقرأ الباقون بالضمّ، وهو الأصل، لأن الواحد خشبة والجمع خشب ك «بدنة وبدن، وأسد وأسد» والإسكان حسن، والضمّ لغة أهل الحجاز (١). «٢» قوله: ﴿لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ قرأ نافع بالتخفيف في الواو الأولى، وقرأ الباقون بالتشديد في الواو الأولى، وفي التشديد معنى التكثير، أي: لووها مرة بعد مرة، وفي التخفيف معنى التقليل، ويصلح للتكثير (٢) أيضا. وقوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ «النساء ٤٦» يدلّ على التخفيف، لأن الّلي مصدر ل «لوى» (٣) مثل «طوى طيّا»، وكذلك: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ «آل عمران ٧٨»، وقوله: ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ «آل عمران ١٥٣»، وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ «النساء ١٣٥»، كله يدل على التخفيف، لأنه كله من: لوى يلوي، ولولا الجماعة لاخترت التخفيف، إذ عليه أتى جميع ما في القرآن منه، ولو أتت هذه الألفاظ على «لوّى» لقال «يلويه ويلوون ويلوون» (٤). «٣» قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ قرأه أبو عمرو بالنصب، وإثبات الواو قبل النون، وقرأ الباقون بالجزم، وحذف الواو. وحجة من نصب أنه عطفه على لفظ «فأصدق»، لأن «فأصدق» منصوب

стр. 906

بإضمار «أن»، لأنه جواب التمني، فهو محمول على مصدر «أخرتني»، على ما ذكرنا في سورة البقرة في قوله: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ على قراءة من نصبه، فهو مثله في العلة والشرح، فلو عطفته على لفظ «أخرتني» لاستحال المعنى، ولصرت تتمنّى أن تكون من الصالحين، وليس المعنى على ذلك، إنما المعنى أنه التزم الكون من الصالحين إن أخّر (١). «٤» وحجة من جزم أنه عطفه على موضع «فأصدق»، لأن موضعه قبل دخول الفاء فيه (٢) جزم، لأنه جواب التمني، وجواب التمني إذا كان بغير فاء ولا واو مجزوم، لأنه غير واجب، ففيه مضارعة للشرط وجوابه، فلذلك كان مجزوما، كما يجزم جواب الشرط، لأنه غير واجب إذ يجوز أن يقع، ويجوز أن لا يقع (٣). «٥» قوله: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قرأه أبو بكر بالياء، حمله على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً﴾، و «النفس» بمعنى الجماعة، فلذلك قال: بما يعملون، وقرأ الباقون بالتاء، جعلوه خطابا شائعا لكل الخلق. *** «١» وليس في التغابن اختلاف إلاّ ما تقدّم من الأصول وما تقدّم من قوله: ﴿يُكَفِّرْ﴾، و ﴿يُدْخِلْهُ﴾ «٩»، وهو مذكور بعلته في النساء، وما تقدّم من قوله: ﴿يُضاعِفْهُ﴾ «١٧» وهو مذكور في البقرة (٤). «٢» وهي مكيّة في قول ابن عباس، إلاّ آيات من آخرها نزلن بالمدينة

стр. 907

قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ «١٤» إلى آخر السورة. وقال قتادة: كلها مدنية. وهي ثماني عشرة آية في المدني والكوفي. *** سورة الطلاق، مدنية، وهي اثنتا عشرة آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿بالِغُ أَمْرِهِ﴾ قرأ حفص بالإضافة، ف «الأمر» مخفوض بإضافة «بالغ» إليه، وقرأ الباقون بالتنوين ونصب «الأمر»، وهما لغتان في إثبات التنوين في اسم الفاعل، إذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال وحذفه، وقد مضى له نظائر (١)، وهو مثل ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ «الصف ٨»، وقد تقدّم ذكر ﴿نُكْراً﴾ «٨» وذكر (الّلاء) «٤» وذكر ﴿كَأَيِّنْ﴾ «٨» و (مبيّنة) و (مبيّنات) «١١» و (يدخله) «١١»، فأغنى ذلك عن الإعادة (٢). ***

стр. 908

سورة التحريم، مدنيّة، وهي اثنتا عشرة آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿عَرَّفَ﴾ قرأه الكسائي بتخفيف الراء، وشدّد الباقون. وحجة من خفّف أنه حمله على معنى جازى النبيّ على بعض وعفا عن بعض تكرّما منه ﷺ ، وجاء التفسير فيه أنّ النبي ﷺ أسرّ إلى بعض أزواجه سرّا فأفشته عليه، ولم تكتمه، فأطلع الله نبيّه على ذلك، فجازاها على بعض ما فعلت، وأعرض عن بعض، فلم يجازها عليه، ومجازاته لها هو طلاقها. وروي أنها حفصة بنت عمر أفشت عليه سرا أسره إليها، فأعلمه الله بذلك فجازاها على بعض فعلها بالطلاق الرجعي، ولا يحسن أن يحمل التخفيف على معنى «علم بعضه»، لأن الله جلّ ذكره قد أعلمنا أنه أطلعه عليه، وإذا أطلعه عليه لم يجز أن يجهل منه شيئا، فلا بدّ من حمل «عرف» مخفّفا على معنى «جازى»، وذلك مستعمل في «عرف». تقول لمن يسيء ولمن يحسن: أنا أعرف لأهل الإحسان، وأعرف لأهل الإساءة [أي] لا (١) أقصر في مجازاتهم ف «عرف» بمعنى «علم»، و «علم» بمعنى «جازى»، وعلى ذلك يتأوّل قوله تعالى: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ «البقرة ١٩٧»، أي: يجازيكم به الله، ومنه قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ «النساء ٦٣»، أي: يجازيهم على ما أظهروا من ذلك، ولم يرد أن يعلمنا أنه يعلمه، لأن ذلك مستقر في الأنفس، إنه تعالى يعلم السر والعلانية، وعلى ذلك وقعت «يرى» بمعنى «يجازي» في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ «الزلزلة ٧، ٨»، أي: يجازى عليه، لم يرد رؤية البصر فقط، لأن ذلك لا ضرر فيه على

стр. 909

الرائي، إنما أراد الجزاء عليه، وقيل: المعنى «يرى جزاءه»، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو من فصيح كلام العرب، وهو قول حسن. «٢» وحجة من شدّد «عرّف» أنه حمله على معنى أنه عرّفها النبي ﵇ بعضه، فأخبرها أنها أفشت عليه، وأعرض عن بعض تكرّما منه ﷺ ، والتشديد الاختيار، لأن الجماعة عليه، وقوله: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ يدلّ على التشديد، أي: عرّفها ببعض وأعرض عن بعض، فلم يعرّفها به، ولو كان «عرف» مخففا لقال: وأنكر بعضا، لأن الإنكار ضد المعرفة، والإعراض ضد التعريف، فقوله: ﴿أَعْرَضَ﴾ يدل على التعريف لأنه نقيضه (١). «٣» قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ قرأه أبو بكر بضمّ النون، وفتح الباقون، وحجة من ضمّ أنه جعله مصدرا أتى على «فعول»، وهو قليل، كما أتى مصدره أيضا على «فعالة»، قالوا: نصح نصاحة، فهذا نادر، كذلك «فعول» فيه نادر، وأنكره الأخفش، وقد قالوا: ذهب ذهوبا، ومضى مضيا، والتوبة على هذا موصوفة بالمصدر، كما قالوا: رجل عدل ورضى. «٤» وحجة من قرأ بالفتح أنه المصدر المعروف المستعمل في مصدر «نصح»، وهو الاختيار، لأن الجماعة عليه. وحكى الأخفش «نصحته» بمعنى «صدقته» وقال: توبة نصوحا، أي: صادقة (٢). «٥» قوله: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قرأه أبو عمرو وحفص «وكتبه» بالجمع، لكثرة كتب الله، فحمل على المعنى، لأن مريم لم تؤمن بكتاب واحد بل آمنت بكتب الله كلها، ولمّا قال ب «كلمات»، فجمع بلا اختلاف، وجب مثله في «وكتبه»

стр. 910

أن يكون بالجمع أيضا، وقرأ الباقون بالتوحيد، يراد به الجمع لأنه مصدر يدلّ على الكثير بلفظه (١). وقد مضى (٢) له نظائر (٣). ***

стр. 911

سورة الملك، مكية، وهي ثلاثون آية في الكوفي، واحدى وثلاثون آية في المدني «١» قوله: ﴿مِنْ تَفاوُتٍ﴾ قرأه حمزة والكسائي بتشديد الواو، من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون بالتخفيف، وبألف قبل الواو، وهما لغتان. حكى سيبويه «ضاعف وضعّف» بمعنى، وكذلك «فاوت وفوّت» بمعنى. وحكى أبو زيد أنه سمع «تفاوت الأمر تفاوتا وتفوّتا»، ونفى الأخفش أن يقال: تفوّت الأمر. وقال: إنما يقال «تفاوت الأمر»، واختيار القراءة بالألف، لأنها أفصح (١) وعليها الأكثر (٢). «٢» قوله: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ قرأه قنبل بواو مفتوحة بدل من همزة «أأمنتم» المفتوحة الأولى، لانضمام ما قبلها، وذلك في الوصل خاصة. ويمدّ بعد ذلك قدر همزة بين بين، فإذا ابتدأ حقّق الهمزة، ثم يمدّ كمدّه ل (أأنذرتهم، و أأقررتم، و أأنت قلت للناس) لأنه يحقّق (٣) الأولى في ذلك، ويجعل الثانية بين الهمزة والألف، فيمدّ الساكن الذي بعد همزة بين بين، وكان يجب على أصله ألاّ يمدّ في هذه السورة، ولا في قوله: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ «هود ٧٢»، لأن ما بعد الهمزة فيهما حرف متحرك، لكنه أجري على نظائره ممّا اجتمع فيه همزتان مفتوحتان، فوقع المدّ فيه لذلك، لئلا يختلف الأصل وقرأ الباقون على أصولهم، الكوفيون وابن ذكوان على التحقيق، وهشام وأبو عمرو وقالون على تحقيق الأولى، وجعل الثانية بين بين، وإدخال ألف بينهما، فيمدّون مدّا مشبعا، وورش يحقّق الأولى، ويبدل من الثانية ألفا، وعنه أنه جعل الثانية بين بين، وكذلك يقرأ ابن كثير في روايتيه، إذا ابتدأ، عن قنبل، فيكون مدّه

стр. 912

متوسطا لابن كثير (١). «٣» قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ قرأه الكسائي بضمّ الحاء، وروي عنه أنه خيّر فيه، والضمّ هو المشهور عنه، وقرأ الباقون بإسكان الحاء، وهما لغتان، والضم هو الأصل، والإسكان على وجه التخفيف، فهو ك «العنق والعنق والطنب والطنب» وهو مصدر، والأصل فيه الإسحاق، لأن معناه «أسحقهم الله إسحاقا». ولكن أتى «فسحقا» على الحذف، ومعناه: فبعدا لهم، ومنه قوله: ﴿مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ «الحج ٣١» أي: بعيد (٢). «٤» قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ﴾ قرأه الكسائي بالياء، وهو الثاني، ردّه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ﴾ «٢٨»، وقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ «٢١»، وقوله: ﴿وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ «٢٧»، وقرأ الباقون بالتاء لتقدّم لفظ الخطاب، وتكرّره (٣) في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «٢٨، ٣٠» قبله وبعده، وفي قوله: ﴿جُنْدٌ لَكُمْ﴾، و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ «٢٠»، و ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ «٢١»، وفي قوله: ﴿أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ «٢٣»، وقوله: ﴿ما تَشْكُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ وكلّهم قرأ الأول بالتاء، وهو قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ﴾ «١٧»، والاختيار التاء، لأن الجماعة على ذلك، ولأنه أبلغ في التهدّد والوعيد، لأن من تهدّدته وتواعدته، وأنت تخاطبه، أخوف ممّن بلغه عنك التهدّد والوعيد (٤). «٥» فيها ياءا إضافة قوله: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ﴾ «٢٨» أسكنها حمزة.

стр. 913

والثانية: ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ «٢٨» أسكنها أبو بكر وحمزة والكسائي. فيها من الزوائد ياءان (١) قوله: ﴿نَكِيرِ﴾ «١٨» و ﴿نَذِيرِ﴾ «١٧» أثبتها ورش في الوصل خاصة (٢). ***

стр. 914

سورة القلم، مكية، وهي اثنتان وخمسون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قرأه أبو بكر والكسائي وابن عامر بالإدغام، على نية الوصل، وأظهر الباقون، على نية الوقف على النون، لأنها حروف غير معربة مبنية على الوقف، وعن ورش الوجهان، والإظهار هو الاختيار، لأنه الأصل في الحروف المقطوعة، إذ الوجه الوقف على كل حرف منها، والوقف يمنع من الإدغام، وقد تقدّم ذكر هذا في غير موضع (١). «٢» قوله: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بهمزتين محققتين مفتوحتين، وقرأ ابن عامر بهمزة ومدة، وقرأ الباقون بهمزة واحدة مفتوحة. وحجة من قرأ بهمزتين أنه أدخل فيه الاستفهام على معنى التوبيخ والتقدير للمخبر عنه، أنه يقول في آيات الله أساطير الأولين، فهو أبين في توبيخه وتقريره على كفره، وكذلك من مدّه، إلاّ أنه استثقل الجمع بين همزتين محقّقتين، فخفّف الثانية بين بين، وأدخل بينهما ألفا للفصل بين الهمزتين، لأن المخفّفة بزنتها محقّقة كما فعل في (أأنذرتهم) وشبهه. «٣» وحجة من قرأ بهمزة واحدة أنه لمّا علم أن الكلام ليس باستخبار لم يأت بلفظ يدلّ على الاستخبار، ف «أن» في موضع نصب بفعل مضمر، دلّ عليه الكلام تقديره الجحد: لأن كان، أو أتكفر لأن كان. ولا يعمل في «أن» «تتلى» ولا «قال»، لأن «إذا» مضافة إلى «تتلى»، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، ولأن «قال» جواب الشرط، ولا يعمل الجواب فيما قبل الشرط، لأن حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم جواب الشرط أن يكون بعده، والشيء إذا كان في رتبته [وموضعه] (٢) لم ينو به غير موضعه،

стр. 915

لو قلت: القتال زيدا حين يضرب، فنصبت «زيدا» ب «يضرب» لم يجز، لأن «حين» مضافة إلى «يضرب» ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، لأنه في موضعه ورتبته، فلا ينوى به غير موضعه (١). «٤» قوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ قرأه نافع بفتح الياء، من «زلق»، وقرأ الباقون بضمّ الياء، من «أزلق»، وهذا فعل يتعدّى إذا استعملته على «فعل يفعل» بفتح العين في الماضي، فإن استعملته بلغة أخرى وهي «زلق يزلق» بكسر العين في الماضي لم يتعدّ، كما يقال: شترت عينه وشترتها، وحزن الرجل وحزنته، كذلك تقول: زلق الرجل وزلقته. وإذا كان من «أزلق» فهو متعدّ بلا اختلاف، والخليل يذهب إلى أن معنى «شترته وحزنته» جعلت له شترا وحزنا، كقولك: دهنته وكحلته، إذا جعلت ذلك فيه. ومعنى «لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ» ليصيبونك بالعين، وقيل: معناه «لينظرون إليك نظر البغضاء». قيل: كانوا ينظرون [إلى] (٢) النبي ﷺ بالعداوة (٣) والبغضاء حتى كادوا يشقّونه بنظرهم (٤). وقد ذكرنا (أن يبدلنا) «٣٢» (٥).
следующие страницы →