← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

سورة الملك، مكية، وهي ثلاثون آية في الكوفي، واحدى وثلاثون آية في المدني «١» قوله: ﴿مِنْ تَفاوُتٍ﴾ قرأه حمزة والكسائي بتشديد الواو، من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون بالتخفيف، وبألف قبل الواو، وهما لغتان. حكى سيبويه «ضاعف وضعّف» بمعنى، وكذلك «فاوت وفوّت» بمعنى. وحكى أبو زيد أنه سمع «تفاوت الأمر تفاوتا وتفوّتا»، ونفى الأخفش أن يقال: تفوّت الأمر. وقال: إنما يقال «تفاوت الأمر»، واختيار القراءة بالألف، لأنها أفصح (١) وعليها الأكثر (٢). «٢» قوله: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ قرأه قنبل بواو مفتوحة بدل من همزة «أأمنتم» المفتوحة الأولى، لانضمام ما قبلها، وذلك في الوصل خاصة. ويمدّ بعد ذلك قدر همزة بين بين، فإذا ابتدأ حقّق الهمزة، ثم يمدّ كمدّه ل (أأنذرتهم، و أأقررتم، و أأنت قلت للناس) لأنه يحقّق (٣) الأولى في ذلك، ويجعل الثانية بين الهمزة والألف، فيمدّ الساكن الذي بعد همزة بين بين، وكان يجب على أصله ألاّ يمدّ في هذه السورة، ولا في قوله: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ «هود ٧٢»، لأن ما بعد الهمزة فيهما حرف متحرك، لكنه أجري على نظائره ممّا اجتمع فيه همزتان مفتوحتان، فوقع المدّ فيه لذلك، لئلا يختلف الأصل وقرأ الباقون على أصولهم، الكوفيون وابن ذكوان على التحقيق، وهشام وأبو عمرو وقالون على تحقيق الأولى، وجعل الثانية بين بين، وإدخال ألف بينهما، فيمدّون مدّا مشبعا، وورش يحقّق الأولى، ويبدل من الثانية ألفا، وعنه أنه جعل الثانية بين بين، وكذلك يقرأ ابن كثير في روايتيه، إذا ابتدأ، عن قنبل، فيكون مدّه

стр. 912

متوسطا لابن كثير (١). «٣» قوله: ﴿فَسُحْقاً﴾ قرأه الكسائي بضمّ الحاء، وروي عنه أنه خيّر فيه، والضمّ هو المشهور عنه، وقرأ الباقون بإسكان الحاء، وهما لغتان، والضم هو الأصل، والإسكان على وجه التخفيف، فهو ك «العنق والعنق والطنب والطنب» وهو مصدر، والأصل فيه الإسحاق، لأن معناه «أسحقهم الله إسحاقا». ولكن أتى «فسحقا» على الحذف، ومعناه: فبعدا لهم، ومنه قوله: ﴿مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ «الحج ٣١» أي: بعيد (٢). «٤» قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ﴾ قرأه الكسائي بالياء، وهو الثاني، ردّه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ﴾ «٢٨»، وقوله: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ «٢١»، وقوله: ﴿وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ «٢٧»، وقرأ الباقون بالتاء لتقدّم لفظ الخطاب، وتكرّره (٣) في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ «٢٨، ٣٠» قبله وبعده، وفي قوله: ﴿جُنْدٌ لَكُمْ﴾، و ﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ «٢٠»، و ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ «٢١»، وفي قوله: ﴿أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ «٢٣»، وقوله: ﴿ما تَشْكُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿ذَرَأَكُمْ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ وكلّهم قرأ الأول بالتاء، وهو قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ﴾ «١٧»، والاختيار التاء، لأن الجماعة على ذلك، ولأنه أبلغ في التهدّد والوعيد، لأن من تهدّدته وتواعدته، وأنت تخاطبه، أخوف ممّن بلغه عنك التهدّد والوعيد (٤). «٥» فيها ياءا إضافة قوله: ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ﴾ «٢٨» أسكنها حمزة.

стр. 913

والثانية: ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ «٢٨» أسكنها أبو بكر وحمزة والكسائي. فيها من الزوائد ياءان (١) قوله: ﴿نَكِيرِ﴾ «١٨» و ﴿نَذِيرِ﴾ «١٧» أثبتها ورش في الوصل خاصة (٢). ***

стр. 914

سورة القلم، مكية، وهي اثنتان وخمسون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قرأه أبو بكر والكسائي وابن عامر بالإدغام، على نية الوصل، وأظهر الباقون، على نية الوقف على النون، لأنها حروف غير معربة مبنية على الوقف، وعن ورش الوجهان، والإظهار هو الاختيار، لأنه الأصل في الحروف المقطوعة، إذ الوجه الوقف على كل حرف منها، والوقف يمنع من الإدغام، وقد تقدّم ذكر هذا في غير موضع (١). «٢» قوله: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ﴾ قرأه أبو بكر وحمزة بهمزتين محققتين مفتوحتين، وقرأ ابن عامر بهمزة ومدة، وقرأ الباقون بهمزة واحدة مفتوحة. وحجة من قرأ بهمزتين أنه أدخل فيه الاستفهام على معنى التوبيخ والتقدير للمخبر عنه، أنه يقول في آيات الله أساطير الأولين، فهو أبين في توبيخه وتقريره على كفره، وكذلك من مدّه، إلاّ أنه استثقل الجمع بين همزتين محقّقتين، فخفّف الثانية بين بين، وأدخل بينهما ألفا للفصل بين الهمزتين، لأن المخفّفة بزنتها محقّقة كما فعل في (أأنذرتهم) وشبهه. «٣» وحجة من قرأ بهمزة واحدة أنه لمّا علم أن الكلام ليس باستخبار لم يأت بلفظ يدلّ على الاستخبار، ف «أن» في موضع نصب بفعل مضمر، دلّ عليه الكلام تقديره الجحد: لأن كان، أو أتكفر لأن كان. ولا يعمل في «أن» «تتلى» ولا «قال»، لأن «إذا» مضافة إلى «تتلى»، ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، ولأن «قال» جواب الشرط، ولا يعمل الجواب فيما قبل الشرط، لأن حكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، وحكم جواب الشرط أن يكون بعده، والشيء إذا كان في رتبته [وموضعه] (٢) لم ينو به غير موضعه،

стр. 915

لو قلت: القتال زيدا حين يضرب، فنصبت «زيدا» ب «يضرب» لم يجز، لأن «حين» مضافة إلى «يضرب» ولا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف، لأنه في موضعه ورتبته، فلا ينوى به غير موضعه (١). «٤» قوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ قرأه نافع بفتح الياء، من «زلق»، وقرأ الباقون بضمّ الياء، من «أزلق»، وهذا فعل يتعدّى إذا استعملته على «فعل يفعل» بفتح العين في الماضي، فإن استعملته بلغة أخرى وهي «زلق يزلق» بكسر العين في الماضي لم يتعدّ، كما يقال: شترت عينه وشترتها، وحزن الرجل وحزنته، كذلك تقول: زلق الرجل وزلقته. وإذا كان من «أزلق» فهو متعدّ بلا اختلاف، والخليل يذهب إلى أن معنى «شترته وحزنته» جعلت له شترا وحزنا، كقولك: دهنته وكحلته، إذا جعلت ذلك فيه. ومعنى «لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ» ليصيبونك بالعين، وقيل: معناه «لينظرون إليك نظر البغضاء». قيل: كانوا ينظرون [إلى] (٢) النبي ﷺ بالعداوة (٣) والبغضاء حتى كادوا يشقّونه بنظرهم (٤). وقد ذكرنا (أن يبدلنا) «٣٢» (٥).

стр. 916

سورة الحاقّة، مكية وهي اثنتان وخمسون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بكسر القاف وفتح الباء، على معنى: ومن معه، أي: ومن تبعه من أصحابه، ويقوّي ذلك أنّ في قراءة أبيّ «ومن معه» وأصل «قبل» أنها تستعمل لما ولي الشيء. وقرأ الباقون بفتح القاف وإسكان الباء، على معنى «ومن تقدّمه من الأمم الماضية الكافرة» (١). «٢» قوله: ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالياء، للتفرقة بين المؤنث وفعله ب «منكم»، ولأنه تأنيث غير حقيقي، ولأنه بمعنى «لا يخفى منكم خاف»، ف «خافية وخاف» سواء، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث لفظ «الخافية». فهو ظاهر اللفظ، وهو الاختيار، وأماله حمزة والكسائي على الأصول المتقدمة والعلل المذكورة (٢). «٣» قوله: ﴿قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾، ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ قرأهما ابن كثير وابن عامر بالياء، على لفظ الغيبة في قوله: ﴿الْخاطِؤُنَ﴾ «٣٧». وقرأهما الباقون بالتاء، على المخاطبة، لتقدّم ذكرها في قوله: ﴿بِما تُبْصِرُونَ. وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ «٣٨، ٣٩» (٣). وقد ذكر (أذن، وماليه، وسلطانيه) وشبهه (٤).

стр. 917

سورة المعارج، مكية وهي أربع وأربعون في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ قرأ نافع وابن عامر «سال» بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، إلا حمزة إذا وقف فإنه يبدل من الهمزة ألفا سماعا في هذا، على غير قياس، وكان القياس أن يجعل الهمزة بين بين، أي بين الهمزة والألف كما يفعل في الوقف على «رأى ونأى»، ولكن ذكر سيبويه في تخفيف الهمزة في «سأل» البدل سماعا، وأنشد على ذلك أبياتا منها قول الشاعر: سالت هذيل رسول الله فاحشة (١) … وقوله: فارعي فزارة لا هناك المرتع (٢) … وعلى ذلك أتت «المنساة» في قراءة نافع وأبي عمرو بالألف أبدلا من الهمزة المفتوحة ألفا، وعلى ذلك كلام العرب في «المنسأة» إذا خففوا. وحجة من ترك الهمز أنه تحتمل قراءته ثلاثة أوجه: الأول أن يكون جعله من «السؤال»، لكن أبدل من الهمزة ألفا، على ما ذكرنا من اللغة المسموعة فيه، وتكون الهمزة في «سائل» أصلية، والثاني أن يكون جعله من «سلت تسال» لغة في «السؤال»، ك «خفت تخاف» فتكون الألف في «سال» بدلا من واو، ك «خاف» وتكون الهمزة في «سائل» بدلا من واو ك «خائف»، والثالث أن يكون [جعله] (٣) من «السيل»، من: سال

стр. 918

يسيل، فتكون الألف في «سال»، بدلا من ياء ك «كال يكيل»، وتكون الهمزة في «سائل» بدلا من ياء (١)، فقد روي أنه واد في جهنم اسمه «سائل»، فالمعنى: سال هذا الوادي الذي في جهنم بعذاب، فالباء في موضعها، وإذا جعلته من «السؤال» فالباء بمعنى «عن». «٢» وحجة من قرأ بالهمز أنه جعله من السؤال، فأتى به على أصله، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه، والمعنى به أمكن (٢)، وأكثر التفسير عليه، لأن الكفار سألوا تعجيل العذاب، وقالوا: متى هو، وقيل: إن الآية نزلت في النضر ابن الحارث (٣) حين علم الله أنه سيقول: ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ «الأنفال ٣٢» (٤). «٣» قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ﴾ قرأه الكسائي بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وقد مضى له نظائر، وهو في العلّة مثل قوله: (فناداه الملائكة، ﴿فَنادَتْهُ﴾ «آل عمران ٣٩» (٥). «٤» قوله: ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ قرأه حفص بالنصب. وفتح الباقون. وحجة من نصب أنه جعله حالا من (لظى) «١٥» لأنها معرفة، وهي حال مؤكدة فلذلك أتت حالا من «لظى»، و «لظى» لا تكون إلا نزاعة للشوى، وقد منع ذلك المبرّد، وهو جائز عند غيره، على ما ذكرنا من التأكيد، والعامل في «نزاعة» ما دلّ عليه الكلام من معنى التلظّي، وقيل: نصبها بإضمار فعل، على معنى: أعنيها نزاعة، فهي حال أيضا من «لظى» لأن الهاء في «أعنيها» ل «لظى».

стр. 919

«٥» وحجة من رفع أنه يحتمل الرفع خمسة أوجه: الأول أن تكون «لظى» خبرا، و «نزّاعة» خبرا ثانيا، كما تقول: إنّ هذا حلو حامض. والثاني أن تكون «لظى» في موضع نصب على البدل من الهاء، في «إنها»، و «نزّاعة» خبر «إن»، كما تقول: إن زيدا أخاك قائم. والثالث أن تكون «لظى» خبر «إن»، و «نزّاعة» بدلا من «لظى» كأنه قال: إنها نزّاعة للشوى. والرابع أن ترفع «نزّاعة» على إضمار مبتدأ، كأنك قلت: هي نزّاعة للشوى. والخامس أن تجعل الهاء في «إنها» للقصة، و «لظى» مبتدأ، و «نزّاعة» خبر الابتداء، والجملة خبر «إن». والرفع الاختيار، لتمكّنه في الإعراب، ولأن الجماعة عليه (١). «٦» قوله: ﴿بِشَهاداتِهِمْ﴾ قرأ حفص بالجمع، لكثرة الشهادات من الناس، ولأنه مضاف إلى جماعة، فحسن أن يكون المضاف أيضا جماعة. وقرأ الباقون بالتوحيد، لأنه مصدر يدلّ على الكثير والقليل، فلفظه موحّد، وقد مضى له نظائر. وقد مضى ذكر (لأماناتهم) «٣٢» وهو في العلة والحجة ك «شهاداتهم» (٢). «٧» قوله: ﴿إِلى نُصُبٍ﴾ قرأه حفص وابن عامر بضم النون والصاد، جعلاه جمع «نصب»، وهو العلم ك «سقف وسقف»، وقيل: النصب الغاية، وقرأ الباقون بفتح النون وإسكان الصاد، جعلوه واحدا، وهو العلم والغاية. فالمعنى: كأنهم إلى غاية يسرعون (٣).

стр. 920

سورة نوح ﵇ مكية وهي ثلاثون آية في المدني، وثمان وعشرون في الكوفي «١» قوله: ﴿وَدًّا﴾ قرأه نافع بضم الواو، وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان، وهو [اسم] (١) صنم كانوا يعبدونه في الجاهلية على عهد نوح ﵇، يقال: إن كلبا (٢) كانت تعبده. «٢» قوله: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ قرأ أبو عمرو ﴿مِمّا﴾، فهو بمنزلة: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ «النساء ١٥٥»، وقد قال ابن كيسان: «ما» نكرة في موضع خفض ب «من»، و «خطيئاتهم» بدل من «ما»، كأنه قال: من عمل خطيئاتهم (٥). وقد ذكرنا (ولده) وعلته في سورة مريم (٦).

стр. 921

«٣» فيها ثلاث ياءات إضافة قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَنْتُ﴾ «٩» فتحها الحرميان وأبو عمرو. [قوله] (١): ﴿دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ «٦» قرأها الكوفيون بالإسكان. قوله: ﴿بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ «٢٨» قرأها حفص وهشام بالفتح (٢). ***

стр. 922

سورة قل أوحي، مكية وهي ثمان وعشرون [آية] (١) في المدني والكوفي «١» كل القراء فتح (أن) في هذه السورة في أربعة مواضع وهي قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾، وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾، وقوله: ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾. «٢» وكل القراء كسر (إن) في هذه السورة، إذا جاءت بعد فاء الجزاء، وبعد القول نحو: ﴿فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ «٢٣»، ونحو: ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا﴾ «١»، و ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا﴾ «٢٠». واختلفوا بعد ما ذكرنا في فتح (إن) وكسرها في هذه السورة في ثلاثة عشر موضعا: وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى﴾ «٣»، و ﴿أَنَّهُ كانَ يَقُولُ﴾ «٤»، و ﴿أَنّا ظَنَنّا﴾ «٥»، و ﴿أَنَّهُ كانَ رِجالٌ﴾ «٦»، و ﴿أَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ «٧»، و ﴿أَنّا لَمَسْنَا﴾ «٨»، و ﴿أَنّا كُنّا نَقْعُدُ﴾ «٩»، و ﴿أَنّا لا نَدْرِي﴾ «١٠»، و ﴿أَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ «١٤»، و ﴿أَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ﴾ «١١»، و ﴿أَنّا ظَنَنّا﴾ «١٢»، و ﴿أَنّا لَمّا سَمِعْنَا﴾ «١٣»، فهذه اثنا عشر موضعا أولها: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى﴾ وآخرها على التوالي (وأنّا منّا المسلمون) والثالث عشر قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾ «١٩»، فقرأ جميع ذلك الحرميان، وأبو بكر وأبو عمرو بالكسر، غير أن أبا عمرو وابن كثير فتحا (وأنّه لمّا قام) هذا وحده، وقرأ الباقون بالفتح في جميعها.

стр. 923

وحجة إجماعهم على الفتح في الأربعة المواضع المذكورة أن «أن» في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ قد عمل فيها (أوحي)، فتعدّى إلى «أن» فانفتحت، لتعدّي الفعل إليها، فهي في موضع رفع مفعول لم يسمّ فاعله، و «أن» في قوله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ فتحت لأنها مخفّفة من الثقيلة، معطوفة على (أنه استمع)، والتقدير: أوحي إليّ أنه استمع وأنه لو استقاموا، ففتحت لأنها مخففة من الثقيلة معطوفة على (أنه تعالى)، ويجوز أن تكون «أن» زائدة ك «أن» في قوله: ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ «يوسف ٩٦»، و ﴿لَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً﴾ «العنكبوت ٣٣»، فإذا كانت زائدة فحقّها الفتح، لأن المكسورة لا تكون زائدة. وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ﴾ هو عطف على (أنّه استمع) والتقدير: وأوحي إليّ أن المساجد لله، وقيل: فتحت على تقدير اللام، أي: ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا. وهو مذهب الخليل في حكاية سيبويه [عنه] (١). والمعنى: لا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله. وقوله ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ فتحت لتعدّي «يعلم» إليها. «٣» وحجة من كسر جميع الثلاثة عشر موضعا المذكورة أنه قطعها ممّا قبلها، وابتدأ بقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾، عطف عليه ما بعده من «إن»، فكسرها كلها كحال المعطوف عليه. «٤» وحجة من فتح الثلاثة عشر أنه عطفه كله على ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾. فلما عطف على ما عمل فيه الفعل فتحه كلّه. وقيل: فتحت (أن) في ذلك كله على العطف على الهاء في (آمنّا به)، وفيه قبح للعطف على المضمر المخفوض بغير إعادة الخافض وهو في (أن) أجود منه مع غيرها، لكثرة حذف حرف الجر مع (أن)، والمعنى في فتح (أن) على العطف على الهاء أتمّ وأبين منه،

стр. 924

إذا عطفت على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، وقد بيّنا هذا في كتاب [تفسير] (١) «مشكل الإعراب» بأبين من هذا. «٥» وحجة من فتح (وأنّه لمّا قام) أنه عطفه على ما قبله من قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، تقديره: وأوحي إليّ أنّه لمّا قام. ومن كسره استأنفه. فأما وجه الكسر فيما بعد القول وفاء الجزاء فإنّما ذلك لأنه في موضع ابتداء، فكسرت (إن) لوقوعها موقع الابتداء، ولأن حقّها إذا دخلت على الابتداء أن تكسر، لأنها حرف مبتدأ به للتأكيد، ولا يحسن فتح «إن» إذا ابتدأت بها، فتقول: أنّ زيدا منطلق، فتكسر، ولا يحسن [فتحها] (٢) فكذلك تكون مكسورة إذا وقعت موقع الابتداء، لأنه لو وقع موضعها اسم لم يكن إلا (٣) مرفوعا بالابتداء، فصارت في وقوعها موضع الابتداء كأنها داخلة في الابتداء، وما بعد القول محكي برفع الابتداء، فكسرت «إن» بعد القول لوقوعها موقع الابتداء أيضا. وقد يجوز الفتح في ذلك في غير القرآن على معان يطول ذكرها. والكسر في ذلك الاختيار، [ولصحة] معناه (٤) في حمله على ما قبله، والفتح ينقص معناه، ويتغير إذا حمله كله على ما قبله من قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾، ألا ترى أنه لا يحسن: وأوحي إلي أنه [أنه لمّا قام عبد الله ولا يحسن وأوحي إلى أنه] (١) كان يقول سفيهنا على الله شططا. وكذلك كثير منه لا يحسن عطفه على (أن) في قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ﴾ (٥).

стр. 925

«٦» قوله: ﴿يَسْلُكْهُ﴾ قرأه الكوفيون بالياء على لفظ الغيبة، ردّوه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾، وقرأ الباقون بالنون على الإخبار من الله جلّ ذكره عن نفسه، فهو خروج من غيبة إلى إخبار، كما قال: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ «الإسراء ١»، فأتى بلفظ الغيبة ثم قال بعد: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا﴾، وقال: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ «٢»، وقال: ﴿وَجَعَلْناهُ﴾، فرجع إلى الإخبار (١). «٧» قوله: ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا﴾ قرأه عاصم وحمزة «قل» بغير ألف على الأمر، حملا على ما أتى بعده من لفظ الأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ﴾ «٢١»، ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ «٢٢»، ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ «٢٥» فلمّا تتابع لفظ الأمر فيما بعده حملاه على ذلك، فردّا صدر الكلام على مثال أوسطه وآخره. وقرأ الباقون بألف على لفظ الخبر والغيبة حملا على ما قبله من الخبر والغيبة من قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ﴾، [والتقدير: لمّا قام عبد الله] (٢) قال إنّما أدعو. وأيضا فإن قبله شرطا يحتاج إلى جواب، ف «قال» جوابه، ولا يكون جوابه «قل»، وهو الاختيار، لأن الأكثر عليه (٣). «٨» قوله: ﴿لِبَداً﴾ قرأه هشام بضمّ اللام، على معنى الكثرة، من قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ «البلد ٦»، فحمله على معنى: كادت الجن إذا سمعت النبيّ ﷺ يتلو القرآن يركب بعضهم بعضا [ويلصق بعضهم بعضا] (٢) لشدة دنوّهم منه للإصغاء والاستماع. ف «لبد» بالضم واحد، يدل على الكثرة. وقرأ الباقون بكسر اللام جعلوه جمع «لبدة» وهي الجماعة، فالمعنى: كادوا يكونون عليه جماعات، وقد فسّره قتادة على غير هذا المعنى، قال: تلبّد الجن والإنس على هذا الأمر

стр. 926

ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره. وروي أنها نزلت في اجتماع الجن إلى النبي ﷺ ببطن نخلة (١) يستمعون القرآن، كادوا يسقطون عليه لتزاحمهم عليه، وقد قيل: إنما عنى به أنّ الجن أخبرت من غاب منهم، فقال (٢): إن محمدا لمّا قام يدعو الله كاد (٣) أصحابه يكونون عليه لبدا، أي: يتراكبون عليه طوعا له، فيكون ذلك إخبارا عن قول الجن لأصحابهم تعجّبا ممّا رأوا من طاعة أصحاب محمد له واتباعهم له (٤). فيها ياء إضافة قوله: ﴿رَبِّي أَمَداً﴾ «٢٥» فتحها الحرميان وأبو عمرو (٥). ***

стр. 927

سورة المزّمل، مكية، سوى آية نزلت بالمدينة قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ «٢٠» الى آخر السورة، وهي ثماني عشرة آية في المدني، وعشرون في الكوفي «١» قوله: ﴿وَطْئاً﴾ قرأه أبو عمرو وابن عامر بكسر الواو، وفتح الطاء، والمد، وقرأ الباقون بفتح الواو، وإسكان الطاء، من غير مدّ، وكلّهم همز. وحجة من مدّه أنه جعله مصدر «واطأ وطاء» على معنى: يواطئ السمع القلب في الليل، لأنهما لا يشتغلان (١) في الليل بمسموع ولا بمبصر وقيل: معناه أشد موافقة من السمع للقلب. وقال الفراء في معنى هذه القراءة: هي أشد علاجا، فهي أعظم أجرا لصعوبة مفارقة الراحة بالنوم. «٢» وحجة من لم يمده أنه جعله مصدر «وطئ يطأ وطأ» على معنى: هي (٢) أشد على الإنسان من القيام بالنهار، لأن الليل للدّعة والسكون. وهذا في (٣) المعنى كقول الفراء في القراءة الأولى. وقيل معناه: هي أثبت قياما. قال المفسرون: قيام الليل أثبت (٤) في الخير، وأحفظ للقلب من قيام النهار، لأن النهار يضطرب فيه الناس بمعايشهم، والليل أخلى للقلب، وأثبت في القيام. فالمعنى: إن قيام الليل، وإن كان أصعب على القائم لتركه الراحة والنوم، فهي أقوم قولا، أي: أقوم (٥) قراءة، لأن المصلّي يفهم ما يقرأ، ويسلم من كثير من الخطأ إذ ليس في الليل ما يشغل قلبه. وكثير من المفسّرين على أنّ

стр. 928

معنى «أشد وطأ» أشد مكابدة واحتمالا من قول النبيّ ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» (١). فهو من قولهم: وطئت وطأ، مثل شربت شربا (٢). «٣» قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ﴾ قرأه الحرميان وأبو عمرو وحفص بالرفع على الابتداء والقطع ممّا قبله، والجملة التي هي: لا إله إلا هو، الخبر، ويجوز رفعه على إضمار «هو»، وهو الاختيار، لأن فيه معنى التأكيد والإيجاب، وقرأ الباقون بالخفض على النعت ل «ربك» في قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ «٨»، ويجوز أن يكون بدلا من ربك (٣). «٤» قوله: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ قرأ ذلك الكوفيون وابن كثير بالنصب فيهما، عطفوهما على (أدنى)، الذي هو منصوب ب (تقوم)، والتقدير: وتقوم نصفه وثلثه، وقرأ الباقون بالخفض فيهما، على العطف على (ثلثيّ الليل)، أي: وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه. وكلا القراءتين حسن، غير أن النصب أقوى، لأن الفرض كان على النبي ﷺ [قيام] (٤) ثلث الليل، فإذا نصبت (ثلثه) أخبرت أنه كان يقوم [بما فرض الله عليه وأكثر، فإذا خفضت «ثلثه» أخبرت أنه كان يقوم] (٥) أقل من الفرض، لكن قوله: ونصفه، بالخفض يجوز أن يكون معناه الثلث وأكثر منه، فيكون قد قام ما فرض الله عليه في القراءة بالخفض أيضا. ويجوز أن يكون قوله: ونصفه، بالخفض،

стр. 929

معناه أقل من الثلث، فيكون لم يقم ما (١) فرض الله عليه. فالقراءة بالنصب أقوى لهذا المعنى، لأن فيها بيانا أنه ﷺ قام ما فرض عليه، وأكثر منه بقوله: ﴿وَنِصْفَهُ﴾، بالنصب، وقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾. ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ «٢، ٣» يدلّ على نصب (وثلثه) في آخر السورة، على أنّ الذي نقص من النصف ثلث النصف، وهو السدس، وأن الفرض عليه كان قيام ثلث الليل، ويدلّ أيضا على أن الثلث داخل في خبر القليل، إذا أضفته إلى «الكل»، لقوله: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾، فسمى المنقوص، وهو ثلث النصف، قليلا (٢). «٥» قوله: ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ قرأه هشام بإسكان اللام على التخفيف ك «الرسل والرسل»، وقرأ الباقون بالضمّ على الأصل. ***

стр. 930

سورة المدّثر، مكيّة، وهي خمس وخمسون آية في المدني، وست في الكوفي «١» قوله: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ قرأه حفص بضم الراء، وكسرها الباقون. وحجة من ضمّ أنه جعله اسم صنم، وقيل: هما صنمان كانا عند البيت «إساف ونائلة» (١). «٢» وحجة من كسر أنه جعل «الرجز» العذاب، والمعنى أنه أمر أن يهجر ما يحلّ العذاب من أجله، والتقدير: وذا الرجز فاهجر، وهو الصنم، وحسن إضافة الصنم إلى العذاب، لأن عبادته تؤدي إلى العذاب، وقيل: هما لغتان في العذاب ك «الذّكر والذكر» (٢). «٣» قوله: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ قرأه نافع وحفص وحمزة «إذ» بإسكان الذال، وبهمزة قبل الدال، وورش يلقي حركة الهمزة على الذال، على أصله، جعلوه أمرا قد مضى. فالمعنى: والليل إذا تولى، يقال: دبر وأدبر، إذا ولّى. وقرأ الباقون «إذا» بألف بعد الذال، «دبر» بغير همز قبل الدال على معنى «انقضى»، فهو أمر لم يمض، لأن «إذا» لما يستقبل، و «إذ» لما مضى (٣). «٤» قوله: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح الفاء، على معنى أنها استدعيت للنّفار من القسورة، فهي مفعول بها في المعنى، كأن النفار شيء

стр. 931

دخل عليها. وقرأ الباقون بكسر الفاء، جعلوها فاعلة لقوله: ﴿فَرَّتْ﴾ يقال: نفر واستنفر بمعنى، مثل: سخر واستسخر، وعجب واستعجب، كلّه بمعنى، أي: نافرة. وقال أبو عبيدة: مستنفرة مذعورة، والقسورة الأسد، وقيل: الرامي (١). «٥» قوله: ﴿وَما يَذْكُرُونَ﴾ قرأه نافع وحده بالتاء على الخطاب، أي: وما تذكّرون وما تتّعظون به فتنتفعون بذلك إلا بمشيئة الله ذلك، أي: قل لهم يا محمد: ما تذكرون. وقرأ الباقون بالياء على لفظ الغيبة، ردّوه على الغيبة التي قبله في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ «٥٢»، وقوله: ﴿يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ «٥٣» (٢). ***

стр. 932

سورة القيامة، مكيّة، وهي تسع وثلاثون آية في المدني، وأربعون في الكوفي «١» قوله: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ قرأه قنبل بهمزة بعد اللام، من غير ألف. وقرأ الباقون بألف بعد اللام، وبهمزة قبل القاف. وحجة من قرأ بغير ألف بعد اللام أنه جعل اللام لام قسم دخلت على «أقسم»، وجعل «أقسم» حالا، وإذا كان حالا (١) لم تلزمه النون، لأن النون المشددة إنما تدخل لتأكيد القسم، ولتؤذن بالاستقبال، فإذا لم يكن الفعل للاستقبال جاز ترك دخول النون فيه، ويجوز أن يكون الفعل للاستقبال، لكن جاز حذف النون، وإبقاء اللام كما أجازوا حذف اللام، وإبقاء النون كما قال: وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه … فرغ وإنّ أخاكم لم يثأر (٢) وأكثر ما يجوز هذا في الشعر، وقد أجاز سيبويه حذف النون التي تصحب اللام في القسم، وهو قليل. «٢» وحجة من قرأ بإثبات الألف بعد اللام أنه جعل «لا» زائدة صلة، كزيادتها في قوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ﴾ «الأعراف ١٢»، وفي قوله: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ «الحديد ٢٩». فالمعنى: أقسم بيوم القيامة ولا أقسم، ف «لا» الثانية للنفي غير زائدة، والأولى زائدة صلة، وفي زيادة «لا» في أول الكلام نظر، لكن يجوز، على تأويل، أنّ القرآن كله كالسورة الواحدة، ألا ترى أن الشيء يذكر (٣) في سورة ويأتي الجواب عنه في سورة أخرى، ألا ترى أن قوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾

стр. 933

«الحجر ٦» جوابه: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ «القلم ٢». ف «لا» كالمتوسطة، وقيل: لا، في أول هذه السورة ردّ لكلام متقدّم في سورة أخرى، و «أقسم» مبتدأ به غير منفي (١). «٣» قوله: ﴿فَإِذا بَرِقَ﴾ قرأه نافع بفتح الراء على معنى «لمع وشخص» عند الموت أو عند البعث، وقرأ الباقون بكسر الراء، على معنى «حار وفزع البصر عند البعث» وقيل: عند الموت. وقوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ «٨ - ١٠» وما بعده يدلّ على أن ذلك يكون يوم القيامة، وقيل: هما لغتان بمعنى «حار» (٢). «٤» قوله: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ﴾ قرأهما الكوفيون ونافع بالتاء على الخطاب، على معنى: قل لهم يا محمد: بل تحبون العاجلة وتذرون. وقرأ الباقون بالياء فيهما، على الغيبة، ردّوه على لفظ الغيبة المتقدّم الذكر، وهو قوله: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ﴾ «١٣»، و «الإنسان» في هذه اللفظة واحد يراد به الجمع، لأنه اسم للجنس. وروى أبو سلمة (٣) أنّ النبي ﷺ قرأ: «يحبون ويذرون ويحبون المال ويأكلون التراث ويحضون»

стр. 934

كلها بالياء (١). وقد ذكرنا (من راق) «٢٧» (٢). «٥» قوله: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾ قرأه حفص بالياء، ردّه على تذكير «المني» فجعل الفعل ل «المني»، وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث «النطفة» جعلوا الفعل ل «النطفة» (٣). ***

стр. 935

سورة الإنسان، مكيّة، وهي احدى وثلاثون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿سَلاسِلَ﴾ قرأه نافع وأبو بكر وهشام والكسائي بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين، وكلهم وقف عليه بالألف، إلاّ حمزة وقنبلا فإنهما وقفا بغير ألف. وحجة من نوّنه أنه حمله على لغة لبعض العرب، حكى الكسائي أن بعض العرب يصرفون كلّ ما لا ينصرف إلاّ «أفعل منك»، قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف هذا، ويصرف جميع ما لا ينصرف. قال أبو محمد: وأكثر ما ينصرف (١) هذا وشبهه في الشعر، فأما في الكلام فهو قليل، ومن صرفه في الكلام فحجته أنه لمّا رأى هذه الجموع تشبه الآحاد، لأنها تجمع كما تجمع الآحاد، قالوا: هؤلاء صواحب يوسف، حكاه الأخفش والمازني، وجاء ذلك في لفظ النبيّ ﷺ وفي حديثه (٢). وحكى الأخفش: مواليات، يريد جمع الموالي، وأنشد الفرزدق (٣): وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم … خضع الرقاب نواكسي الأبصار (٤) يريد: نواكسين، فجمع بالياء (٥) والنون، وحذف النون للإضافة، فلمّا جمعوا هذا الجمع كما يجمع الواحد أجروه مجرى الواحد في الصرف والتنوين. وقوي ذلك لثبات الألف فيه في الخط، ولأن الصرف والتنوين هو الأصل في

стр. 936

جميع الأسماء، وإنما امتنع منها أشياء من الصرف لعلل دخلت عليها، فمنعتها من الصرف. «٢» وحجة من لم ينوّنه أنه أتى به على الأصول المستعملة في هذه الجموع المشهورة في الاستعمال لأن هذا الجمع نهاية الجمع المكسّر (١) ولا تجده مجموعا على التكسير ألبتة، فلمّا لم يحسن تكسيره شابه الحروف التي لا يجوز جمعها، فثقل لذلك وزاده ثقلا كونه جمعا، لأن الجمع أثقل من الواحد، فاجتمع فيه علتان: أنه جمع، وأنه (٢) شابه الحروف، إذ لا يجمع، كما لا تجمع الحروف، فمنع من الصرف لذلك. «٣» وحجة من وقف بالألف أنه اتّبع خطّ المصحف، لأن الألف فيه ثابتة في المصحف، وأيضا فإنه إن كان ممّن (٣) ينوّنه في الوصل فإنه أجراه مجرى سائر المنوّنات المنصوبات، سوى ما فيه هاء التأنيث، فطابق بين وصله ووقفه، فوقف بالألف كما يقف على المنون المنصوب. وإن كان ممّن قرأ بغير تنوين فإنه وقف بالألف اتباعا للمصحف، وأجراه في الوصل على سنن العربية في حذف التنوين من هذا الجمع، وأيضا فإنه شبهه [بالفواصل] والقوافي (٤) التي تشبع فيها الفتحة حتى تصير ألفا ك «الظنونا والرسولا والسبيلا». «٤» وحجة من وقف بغير ألف أنه لمّا لم يثبت فيه في الوصل تنوين لم يثبت [فيه] (٥) في الوقف ألف كما فعل ب «أباريق» وشبهه (٦).

стр. 937

«٥» قوله: ﴿قَوارِيرَا﴾ ﴿. قَوارِيرَ﴾ قرأه نافع وأبو بكر والكسائي بالتنوين فيهما، وقرأ ابن كثير بالتنوين في الأول وبغير تنوين في الثاني، وقرأ الباقون بغير تنوين فيهما، وكلهم وقف على الأول بألف، إلاّ حمزة فإنه وقف عليه بغير ألف، إذ لا تنوين فيه في الوصل. ووقف نافع وأبو بكر وهشام والكسائي على الثاني بألف، ووقف الباقون بغير ألف، والحجة في تنوين ذلك، وترك تنوينه، والوقف بالألف، وبغير ألف كالحجة في «سلاسل» فقسه عليه فهو مثله في العلل كلّها، غير أن الذين خصّوا الأول من «قواريرا» بالتنوين في الأول، وبالألف في الوقف، إنما فعلوا ذلك لأنه رأس آية، ففرّقوا بينه وبين الثاني بذلك، لأن رؤوس الآي يحسن الوقف عليها، مع ما يتأتى في ذلك من العلل المذكورة في «سلاسل»، مع شبه رؤوس الآي بالقوافي لأنهما (١) تمام الكلام (٢). «٦» قوله: ﴿عالِيَهُمْ﴾ قرأه نافع وحمزة بإسكان الياء، وقرأ الباقون بالفتح. وحجة من أسكن أنه جعله مبتدأ، و ﴿ثِيابُ سُندُسٍ﴾ خبره، و (عاليهم) بمعنى الجمع، كما كان الخبر جمعا. ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون (عاليهم) مبتدأ، و (ثياب سندس) رفع بفعله، وهو العلو، وسدّ مسدّ الخبر، فيكون على هذا (عاليهم) مفردا، لأنه بمنزلة الفعل المتقدّم على الفاعل، و (عاليهم) نكرة، لأنه يراد به الانفصال، لأنه أمر يكون، فمن ههنا يدخله الضعف، لأنه ابتدأ بنكرة، لكن حسن ذلك لأنه قد اختص إذ (٣) صار في ظاهر اللفظ كلفظ المعرفة. «٧» وحجة من نصب أنه جعله ظرفا، كأنه قال: فوقهم ثياب سندس.

стр. 938

ويجوز نصبه على الحال من الضمير المنصوب في (ولقّاهم)، أو حالا من الضمير المنصوب في (وجزاهم)، كما جاز ذلك في (متّكئين)، ويكون (ثياب سندس) مبتدأ، والظرف الخبر، ويجوز رفع (ثياب) ب «عال» إذا جعلته حالا، أو بالاستقرار إذا جعلت «عاليا» ظرفا، فإذا رفعت (ثياب) بالابتداء كان في (عاليهم) ضمير مرفوع، وإن رفعته بالاستقرار لم يكن في (عاليهم) ضمير، لأنه كالفعل المتقدّم، وكذلك إن رفعت (ثياب سندس) بالحال لم يكن في الحال ضمير، فافهمه، وقد بيّنا هذه الأصول في كتاب «تفسير مشكل الإعراب» (١). «٨» قوله: ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ قرأه ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي بالخفض في «خضر»، ورفعه الباقون، وقرأ الحرميان وعاصم بالرفع في «إستبرق»، وخفضه الباقون. وحجة من رفع «خضر» أنه جعله نعتا ل (الثياب)، وحسن ذلك لأن «الخضر» جمع، و «الثياب» جمع، فوصف جمعا بجمع، مع أن وصف «الثياب» ب «الخضرة» مجمع عليه في قوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً﴾ «الكهف ٣١». «٩» وحجة من خفض «خضرا» أنه جعله وصفا ل «سندس»، وبعّده بعض النحويين، لأن «الخضر» جمع و «السندس» واحد. وقد قيل: إن «السندس» جمع «سندسة» فتحسن صفته ب «خضر» على هذا، وقيل: إنه إنما جاز لأن «السندس» اسم جنس، فهو من معنى الجمع، وقد أجاز الأخفش وصف الواحد، الذي يدل على الجنس بالجمع، فأجاز: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض، وهو عنده وعند غيره قبيح من جهة اللفظ، وحسن من جهة المعنى.

стр. 939

«١٠» وحجة من رفع «الإستبرق» أنه عطفه على «الثياب»، أي: عاليهم إستبرق، أي: ثياب إستبرق، لكنه حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فهو مثل قولك: على زيد ثوب خزّ وكتان، أي: وثوب كتان، ثم حذف المضاف. «١١» وحجة من خفض «وإستبرق» أنه عطفه على «سندس»، لأنه جنس من الثياب مثله، فلا يكون في الكلام حذف، فهو بمنزلة قولك: عندي ثياب خزّ وكتان، أي: من هذين النوعين. فالمعنى: فوقهم ثياب من هذين النوعين، أي: من السندس ومن الإستبرق، ولا يحسن عطف «وإستبرق» على «خضر» في قراءة من خفضهما جميعا، لأنك توجب أن يكون «الإستبرق» من صفة «السندس»، والجنس لا يكون صفة لجنس آخر، لأنه يلزم منه أن يكونا جنسا واحدا، وليسا كذلك، هما جنسان: السندس مارقّ من الدّيباج، والإستبرق ما غلظ منه (١). «١٢» قوله: ﴿وَما تَشاؤُنَ﴾ قرأه نافع والكوفيون بالتاء، على الخطاب العام لكافة الخلق، لأنهم لا يشاؤون شيئا إلاّ بمشيئة الله. فإذا شاء شيئا، وأراد أن يشاءه خلقه شاءه، إذ لا يكون شيء إلاّ بمشيئة الله، ولو جرت (٢) الحوادث على غير مشيئة الله لفسدت السماوات والأرض، ولوجب العجز والغلبة، ولبطل التوحيد، فما أضل من يجيز حدوث شيء من جميع الأشياء بغير مشيئة الله، وهم المعتزلة. وقرأ الباقون بالياء على الغيبة، ردّوه على قوله: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ «٢٩» وعلى قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ﴾ «٢٨» (٣).

стр. 940

سورة والمرسلات، مكيّة، وهي خمسون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿أَوْ نُذْراً﴾ قرأه الحرميان وأبو بكر وابن عامر بضمّ الذال، وقرأ الباقون بإسكان الذال، وهما لغتان، والضمّ الأصل، والإسكان للتخفيف، كما أجمع على الإسكان في قوله: ﴿عُذْراً﴾، فهو حجة لمن أسكن «نذرا»، لأنه (١) أجرى اللفظين على سنن واحد، وأصلهما مصدران بمعنى «الإعذار والإنذار». ويجوز نصب قوله: ﴿عُذْراً﴾ على البدل من (ذكرا) ويكون [مفعولا به للذكر، ويجوز أن يكون] (٢) مفعولا من أجله و «نذرا» معطوفا عليه في كلّ وجه، ويجوز أن يكون «عذرا أو نذرا» جمع «عاذر وناذر»، كما قالوا «سارق وسرق»، ويجوز أن يكون «نذرا» جمع «نذير» ك «رغيف ورغف»، ومنه قوله: ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ «النجم ٥٦» وهو جمع «نذير»، فإذا جعلته جمع «فاعل» أو جمع «فعيل» كان النصب فيه على الحال من الإلقاء، كأنهم يلقون الذّكر في حال العذر والنذر (٣). «٢» قوله: ﴿أُقِّتَتْ﴾ قرأه أبو عمرو بالواو، لأنه من الوقت، فهو الأصل، إذ فاء الفعل واو، وقرأ الباقون بهمزة مضمومة، بدل من الواو لانضمامها، وهي لغة فاشية، فالواو إذا انضمت أولا أو ثالثة، وبعدها حرف أو حرفان. فالبدل فيها مطرد، وذلك نحو: أجوه وأدؤر، وقد حكي همزها متطرفة، نحو: لا تنسؤا الرجل، وهو مكروه، لأن الضمة فيه عارضة، وإنما يقع الهمز في الواو إذا كانت ضمتها أو كسرتها لازمة أصلية، نحو: وجوه ووشاح، ومعنى «إذا الرسل أقّتت» جعل لها يوم القيامة وقتا، كما قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ﴾ «الدخان ٤٠»، وقال: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ «الحجر ٣٨» (٤).

стр. 941

«٣» قوله: ﴿فَقَدَرْنا﴾ قرأه نافع والكسائي بالتشديد من التقدير، كأنه مرة بعد مرة، وقد أجمعوا على التشديد في قوله: ﴿خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ «عبس ١٩»، أي: فقدّره نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثمّ، ثمّ. وقرأ الباقون بالتخفيف من القدرة، ويقوّي التخفيف قوله: ﴿فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾، ولم يقل «المقدّرون» ويقوّي التشديد أن كون اللفظين بمعنيين وفائدتين، يدلاّن على التقدير، والقدرة أولى من كونهما بمعنى واحد، وهو القدرة فقط (١). «٤» قوله: ﴿جِمالَتٌ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي «جمالت»، على وزن «فعالة» جعلوه جمع جمل، كأنه جمع على «فعال» على «جمال»، ثم لحقته هاء التأنيث لتأنيث الجمع، كما قالوا: «فحل وفحال وفحالة»، فالوقف عليه بالهاء، لأنه ك «قائمة وضاحكة»، وقرأ الباقون «جمالات» بالألف والتاء، جعلوه جمع «جمالة» على حد التثنية [فهو جمع الجمع، وجاز جمع جمالة جمع السلامة] (٢) كما جاز تكسيره في قولهم «جمال، وجمائل» (٣).

стр. 942

سورة التساؤل، مكيّة، وهي أربعون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿لابِثِينَ﴾ قرأه حمزة بغير ألف، على وزن «فعلين»، جعله من باب «فرق، وحذر»، فهو «فرق، وحذر» جعلوه كالخلقة والطبيعة فيهم. وقرأ الباقون بألف، على وزن «فاعلين» (١)، جعلوه من باب «شرب، ولقم»، من قولهم في المصدر «اللّبث»، فهو أمر مقدّر وقوعه فاسم الفاعل فاعل (٢). «٢» قوله: ﴿كِذّاباً﴾ قرأه الكسائي بالتخفيف، جعله مصدر «كذب» ك «الكتاب» مصدر «كتب». وقرأ الباقون بالتشديد، أتوا به على قياس مصدر «كذّب» المشدد، لأن الأصل في مصدر ما زاد على ثلاثة أحرف أن يأتي (٣) بلفظ الفعل منونا مكسور الأول، بزيادة ألف رابعة، فتقول: كذّب كذابا، وأكرم إكراما، ودحرج دحراجا، فحروف المصدر هي حروف الفعل الماضي، لا زيادة فيها سوى الألف الرابعة، فأما قولهم: التكذيب فسيبويه يقول: إن التاء عوض من زوال لفظ التضعيف من المصدر، والياء التي قبل الآخر عوض من الألف الرابعة في «كذابا» (٤). «٣» قوله: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ﴾ قرأ الكوفيون وابن عامر بخفض «رب»، ورفعه الباقون، وقرأ عاصم وابن عامر بخفض «الرحمن»، ورفعه الباقون.

стр. 943

وحجة من رفع الاسمين أنه قطع الكلام ممّا قبله، ورفع «ربّا» على الابتداء و «الرحمن» الخبر، ثم استأنف، «لا يملكون منه». «٤» وحجة من خفض الاسمين أنه أتبع الاسمين المخفوض قبلهما، وهو قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ «٣٦» على البدل. «٥» وحجة من خفض «رَبِّ السَّماواتِ» ورفع «الرحمن» أنه أتبع «رَبِّ السَّماواتِ» قوله «مِنْ رَبِّكَ» على البدل، ثم استأنف «الرحمن» فرفعه على الابتداء، و [جعل] (١) «لا يَمْلِكُونَ» الخبر (٢)، وقد ذكرنا (فتحت) «١٩» و (غسّاقا) «٢٥» فيما تقدّم (٣). ***

стр. 944

سورة والنّازعات، مكيّة، وهي أربعون وخمس في المدني، وست في الكوفي «١» قوله: ﴿نَخِرَةً﴾ قرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بألف، على وزن «فاعلة»، وقرأ الباقون بغير ألف، على وزن «فعلة». وروي عن الكسائي أنه خيّر فيه، وهما لغتان بمعنى «بالية»، كأنّ الريح تنخر فيها، أي يسمع لها صوت. ويجوز أن تكون «نخرة» بمنزلة أنها صارت خلقا (١) فيها تنخر الريح فيها أبدا، فهو من باب «فرق وحذر»، واسم الفاعل على «فعل»، وتكون «ناخرة» على معنى: صارت الريح تنخر فيها بعد أن لم تكن كذلك. وقد قيل: إن الناخرة البالية، و «النخرة» المتآكلة، وقيل: النخرة البالية، والناخرة العظام المجوّفة التي تدخل الريح فيها فتنخره، وأكثر الناس على أنهما سواء بمعنى البالية التي قد خوت، فدخلت الريح فيها، فيسمع لها فيها نخير، وهو صوت يحدث فيها من جريان الريح فيها (٢). وقد ذكرنا (طوى) «١٦» في طه (٣). «٢» قوله: ﴿إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ قرأه الحرميان بالتشديد للزاي، على أن أصله «تتزكى»، ثم أدغمت (٤) التاء في الزاي، وذلك حسن قوي، لأنك تنقل التاء بالإدغام إلى لفظ الزاي، والزاي أقوى من التاء بكثير، فأنت بالإدغام تنقل الأضعف إلى الأقوى، وقرأ الباقون بتخفيف الزاي، على حذف التاء الثانية، لاجتماع تاءين بحركة واحدة استخفافا، وهو مثل «تظاهرون، وتساءلون» وشبهه. ومعنى «تزكى» تنهى نفسك بالتطهير من الشرك بالله، وقد أجمعوا على التشديد في قوله: ﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ «عبس ٧». ولا

стр. 945

يجوز تخفيف الزاي في هذا، إذ لم يجتمع فيه تاءان (١)، ومثله الاختلاف والحجة في قوله: ﴿تَصَدّى﴾ في عبس «٦». سورة عبس، مكية، وهي اثنتان وأربعون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ قرأه عاصم بالنصب على الجواب بالفاء ل «لعل» والنصب على إضمار «أن»، فهو تعليله، وحجته كالذي ذكرنا من الحجة في البقرة والحديد في نصب «فيضاعفه له» من ردّ الثاني على مصدر الأول حين امتنع العطف على اللفظ، فلم يكن بدّ من إضمار «أن» ليكون مع الفعل مصدرا، فتعطف مصدرا على مصدر الأول، لأن صدر الكلام غير واجب، كأن تقديره: وما يدريك لعله يكون منه تذكّر فانتفاع بالتذكّر، فلمّا أضمرت «أن» نصبت الفعل. وقد مضى هذا بأبين من هذا الكلام، وقرأ الباقون بالرفع على العطف على «يزكّى، ويذكّر»، والتقدير: فلعله تنفعه الذكرى (٢). «٢» قوله: ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ﴾ قرأه الكوفيون بفتح الهمزة، على بدل الاشتمال من الطعام، لأن «انصباب الماء وانشقاق (٣) الأرض» سبب لحدوث الطعام، ومعنى «إلى طعامه» إلى كون طعامه، أو إلى حدوث طعامه، فهو موضع الاعتبار، وليس النظر إلى الطعام اعتبارا، إنما الاعتبار في النظر إلى الأشياء التي يتكون منها الطعام، وهي (٤) صبّ الماء وانشقاق (٥) الأرض والإنبات، ثم حدوثه وانتقاله من حال إلى حال، ولا يكمل إلا بذلك، فهذا ممّا اشتمل فيه الثاني على الأول في البدل، وهو كثير في الكلام، فأتى في موضع خفض، وأجاز بعضهم أن يكون «أنا» في موضع رفع، على معنى: هو أنا صببنا، أي: هو صبّنا الماء،

стр. 946

والأول أحسن وأقوى، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، جعلوا الجملة تفسيرا للنظر، أي إلى حدوث الطعام كيف يكون (١). سورة التكوير، مكيّة، وهي سبع وعشرون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿سُجِّرَتْ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف على [معنى] (٢) إرادة وقوعه للقليل والكثير، ويدلّ على قوة التخفيف إجماعهم على قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ «الطور ٦»، ولم يقل «المسجّر»، ومعنى «المسجور» الممتلئ، وقيل: الفارغ. وقرأ الباقون بالتشديد على معنى التكثير، لأنها بحار كثيرة (٣). «٢» قوله: ﴿نُشِرَتْ﴾ قرأه نافع وعاصم وابن عامر بالتخفيف، لإجماعهم على قوله: ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ «الطور ٣» ولم يقل «منشّر»، وقرأ الباقون بالتشديد، لكثرة الصحف، ولإجماعهم على قوله: ﴿صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ «المدثر ٥٢»، ولم يقل منشورة، وعلته كعلة «سجرت» (٤). «٣» قوله: ﴿سُعِّرَتْ﴾ قرأه نافع وحفص وابن ذكوان بالتشديد، على التكثير لإيقاد جهنم مرة بعد مرة، أعاذنا الله منها، ولقوله: ﴿زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾ «الإسراء ٩٧» فأتى بلفظ الزيادة، فهذا يدلّ على كثرة تسعيرها مرة بعد مرة، وهو اتقادها، وقرأ الباقون بالتخفيف لإجماعهم على قوله: ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ﴾

стр. 947

﴿سَعِيراً﴾ «النساء ٥٥»، ولم يقل «تسعيرا»، وعلته كعلة «سجّرت» (١). «٤» قوله: ﴿بِضَنِينٍ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء، على معنى «متهم»، أي: ليس محمد بمتهم في أن يأتي من عند نفسه بزيادة فيما أوحي إليه، أو ينقص منه شيئا، ودل على ذلك أنه لم يتعدّ إلاّ إلى مفعول واحد، قام مقام الفاعل، وهو مضمر فيه، و «ظننت» إذا كانت بمعنى «اتهمت» لم تتعدّ إلاّ إلى مفعول (٢) واحد، وقرأ الباقون بالضاد على معنى «ببخيل»، أي: ليس محمد ببخيل في بيان ما أوحي إليه وكتمانه، بل يبثه ويبيّنه للناس، وقد روت عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ كان يقرأ: «بظنين» تعني بالظاء (٣). سورة الانفطار، مكيّة، وهي تسع عشرة آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ قرأه الكوفيون بالتخفيف، على معنى «عدل بعضك ببعض فصرت معتدل الخلق متناسبه، فلا تفاوت في خلقك» وقيل: معناه: عدلك أي شبه أبيك أو خالك أو عمك، أي: صرفك إلى شبه من شاء من قرابتك. وقرأ الباقون بالتشديد على معنى سوّى خلقك في أحسن صورة وأكمل تقويم، فجعلك قائما، ولم يجعلك كالبهائم متطأطئا، والتشديد مروي عن النبي ﷺ (٤). «٢» قوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالرفع، على إضمار مبتدأ، أي: هو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، أي نفعا ولا ضرّا. ويجوز

стр. 948

رفعه على البدل من (يوم الدّين) قبله «١٨» (١)، أي: يوم الدين يوم لا تملك. وقرأ الباقون بالنصب على الظرف ل «الدين»، وهو الجزاء، أي: في يوم لا تملك. فهو خبر للجزاء المضمر، لأنه مصدر، وظروف الزمان تكون أخبارا للمصادر، تقول: القتال اليوم، والخروج يوم الجمعة، ويجوز أن يكون تقدير النصب في «يوم» على أنه مرفوع في المعنى، كالقراءة الأولى، لكن لمّا جرى (٢) النصب فيه في أكثر الكلام ترك منصوبا في موضع الرفع، وهو مذهب الأخفش في قوله: ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ «الجن ١١» [وقد مضى له نظائر] (٣)، ويجوز نصبه عند البصريين على البدل من «يوم الدين» الأول «١٥» (٤). ***

стр. 949

سورة المطففين، مكيّة، وقيل مدنية، وهي ست وثلاثون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ قرأه الكسائي بألف قبل التاء وفتح الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء، وألف بعد التاء. وحجة من قرأ بألف بعد التاء أنه حمله على معنى «آخره مسك»، كما قال: ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ «الأحزاب ٤٠»، أي: آخرهم. والمعنى: «أنه لذيذ (١) الآخر، ذكي الرائحة في آخره»، فإذا كان آخره في طيبه وذكاء رائحته بمنزلة المسك فأوله أذكى وأطيب رائحة، لأن الأول من الشراب أصفى وألذ، وهو مصدر «ختم ختاما». «٢» وحجة من قرأ بألف قبل التاء أنه جعله اسما لما يختم به الكأس، بدلالة قوله: ﴿مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ «٢٥»، فأخبر أنه مختوم، ثم بيّن هيئة الخاتم، فقال «خاتمه مسك»، وبذلك قرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعلقمة والنخعي وقتادة والضحاك (٢). «٣» قوله: ﴿فَكِهِينَ﴾ قرأه حفص بغير ألف، جعله من «فكه، فهو فكه» مثل: حذر فهو حذر '‘، ومعناه فيما روى أبو عبيد عن أبي زيد: ضاحكين طيبي (٣) الأنفس. وقرأ الباقون بألف على معنى: ذوي فواكه، وقيل: معناه: معجبين. وقيل ناعمين. وقال الفراء: فكهين وفاكهين بمعنى واحد (٤)، وقد ذكرنا ﴿بَلْ رانَ﴾ «١٤» في الوقف على اللام والإمالة (٥).

стр. 950

سورة الانشقاق، مكيّة، وهي خمس وعشرون آية في المدني والكوفي «١» قوله: ﴿يَصْلى﴾ قرأه أبو عمرو وحمزة وعاصم بالفتح في الياء، وإسكان الصاد مخففا، أضافوا الفعل إلى الداخل في النار، فهو الفاعل، وهو مضمر في الفعل، وجعلوا الفعل ثلاثيا يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو «سعيرا»، ودليلهم إجماعهم على قوله: ﴿سَيَصْلى ناراً﴾ «المسد ٣»، وقوله: ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ «الصافات ١٦٣»، وقوله: ﴿اصْلَوْهَا﴾ «يس ٦٤»، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ «المطففين ١٦» فكله أضيف الفعل فيه إلى الداخلين في النار، فكذلك هذا، وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح الصاد مشدّدا، أضافوا الفعل إلى المفعول، فهو فعل لم يسمّ فاعله، والمفعول الذي قام مقام الفاعل مضمر في الفعل، لكنهم عدّوا الفعل إلى المفعول بالتضعيف إلى مفعولين: أحدهما قام مقام الفاعل، وهو مضمر في «يصلى»، والثاني «سعيرا» (١). «٢» قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء، على الخطاب للنبي ﷺ ، على معنى: لتركبن يا محمد حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر. وقد قيل: معناه: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وقيل: هو خبر عن السماء، وليس بخطاب للنبي ﷺ ، [والمعنى] (٢) لتركبن السماء في تشقّقها وتلونها عند قيام الساعة حالا بعد حال، وهو قول ابن مسعود، وقيل: معناه أنه خطاب للنبي ﷺ ، ومعناه: لتركبن يا محمد الآخرة بعد الأولى. وقيل: هو خطاب للإنسان، على معنى: لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من مرض وصحة وشباب وهرم. وقرأ
следующие страницы →