← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سكرت من صوته لما أشار به ... ما لست أسكر من صهباء جريال ما رمت أمسك نفسي عند رؤيته ... إلا تغيرت من حال إلى حال يا ليلتي بفناء الدير لست كمن ... يقول يا ليلتي بالشيح والضال قد صرت أنشد بيتاً صار لي مثلاً ... لولا وصالك لم يخطر على بالي لو اشتريت بعمري ساعة سلفت ... من عيشتي معكم ما كان بالغال وقال أيضاً: مرحباً بالخيال إذ زار وهناً ... وشفى لوعة المحب المعنى وقضى حاجة تسر وسرى ... همم القلب عن لبانا ولبنى كلما قلت قد تسليت عنه ... عادني طيفه وعن ... فعسى شادن لو بدا يفاخر بدراً ... خجل البدر بالملاحة حسناً وإذا ما انثنى رأيت كثيباً ... بند القبا يحمل غصناً ترك الرمح والحسام وأبدى ... سيف لحظ وهز بالقد لدنا ليلة الدير حيث نسمع لحناً ... حسن النظم ما يقارب لحنا سعدت ليلة رأيت بها الشم ... س وجنح الظلام ينجاب عنا بين صرعى محاجر وعيون ... بات بحيهم إذا ما تغنا أيها الشمس من يقل فيك معنى ... لم يصب فيك أنت كلك معنى قد نمت جوارح الناس طراً ... أنها صيرت لأجلك أدنا وله أيضاً: لحظات طرفك أم شفار مهند ... هزمت جيوش تصبري وتجلدي

стр. 107

ما رنقت عيناك من سنة الكرى ... إلا لشقوة عاشق لم يرقد عجباً لطرفي لا يزال يعوم في ... ماء الملاحة وهو كالعطش الصدي ولنور وجهك وهو قد هتك الدجى ... بضيائه إذ ضل فيه المهتدي يا قاسم العشاق من متقلقل ... سكن الفناء وساكن مستسعد ١٥ب - ته كيف شئت فحسن وجهك قد غدامتودداً فينا بغير تودد وكأن خط عذاره في خده ... سيح أذيب على صفيحة عسجد قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي رحمه الله تعالى أنشدني موفق الدين المذكور له: قمر عدمت عواذلي في عشقه ... بل ما عدمت تزاحم العشاق يبدو فتسبقه العيون وإنها ... مأمورة بالغض والإطراق عيناي قد شهدا بعشقك إنما ... لك أن تقول هما من الفساق قال وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له استعمل خاتماً يمينك تبغض أموالها ... وتهوى شبا القلب الذابل فكيف استقر بها خاتم ... على كثرة الجود والنائل لقد كاد يغرق في بحرها ... ولكنه كان في الساحل أراني جبلت على حبكم ... وتأبى الطباع على الناقل وقلت لمن كان لي عاذلاً ... الأم الطماعة للعاذل

стр. 108

وقال موفق الدين: لو يعلمون كما علمت لما لحوا ... في حبه ولأقصروا إقصارا هلا أحدثكم بسر لطيفة ... دقت إلى أن فاتت الأبصار حاذت صقال خدوده أصداغه ... فتمثلت الناظرين عذارا وله أيضاً: بيت من الشعر في تشبيه وجنته ... لما أحاط به شطر من الشعر كالظل في النور أو كالشمس عارضها ... خط من الغيم أو كالمحو في القمر وقال الصاحب جمال الدين عمر بن العديم في تاريخه أنشدني موفق الدين لنفسه على ليال حلب بعدنا ... مني سلام رائح باكر وكيف أنسى حاضراً زارني ... فيها وقد طاب لنا الخاطر قال وأنشدني لنفسه: تقاسمت بي أقطار البلاد فقد ... أصبحت مجتمعاً في زي منشعب في القدس عزمي وجسمي في دمشق بلا ... قلب وقلبي مع الأحباب في حلب وقال يمدح تاج الدين محمد بن حسين الأرموي: أردد لثامك حتى يستر اللعس ... وقف ليبعد عن أعطافك الميس أني أغار على حسن حبيت به ... أصابه العين إن العين تختلس

стр. 109

يا غاصب الخشف أوصافاً مكملة ... لم يبق للخشف إلا السوق والخنس وفاضح البدر إن البدر مقتبس ... في الدهن من خديك يقتبس معدل الخلق لا طول ولا قصر ... مكمل الخلق لا هين ولا شرس يصحني حبه طوراً ويمرضني ... فكم أبل من الهوى وأنتكس حموه عن كل ما يشفي العليل به ... حتى على طيفه من شكله حرس قد كنت أبصر صبحاً في محبته ... فعاد وهو بعينين كله غلس ٥٢ - مالي وللحب يلهو القلب عن مدحأوصافها فصح أضدادها خرس كيف الذهول وتاج الدين خير فتى ... خير المديح بخير الناس يلتمس حبر تفيض به نفس بهمتها ... لم يبق للشر لا روح ولا نفس نور تلقته نفس منك طاهرة ... لولاه لم يبد فينا ذلك القبس شاركت في الروح عيسى ما استبد بها ... كلاكما في البرايا روحه قدس حكمت في العالم العلوي عن نظر ... صاف من الشك ما فكره دنس ولو رأى منك جالينوس معجزةً ... ما قال في الكل إن الأمر ملتبس وكاد يؤمن بقراط الحكيم بما ... يلقى إليه ولا يرتاب برقلس وحومة مزجت شكا جوانبها ... فما درى الحبر فيها كيف ينغمس أعيي الخواطر فيها حادث جلل ... وأستعبد النطق في أرجائها الخرس حتى إذا جاء تاج الدين فرجها ... يغضى البيادق مهما عدت الفرس وله في رجل جعل عارض الجيش بغداد وخرج من دار الوزير وعليه خلعة جديدة فعانقه موفق الدين وقبله وأنشده:

стр. 110

لما بدا رائق التثني ... وهو بأثوابه يميد قبلته باعتبار معنى ... لأنه عارض جديد وقال: يا هاجري لما رأى شغفي به ... ما كان حق متيم أن يهجرا إن الذي خلق الغرام هو الذي ... خلق السلو فلا يغرك ما ترى وقال: أفدي الذي زارني والخوف يقلقه ... يمشي ويكمن في العطفات والطرق قبلت أطراف كفيه على ثقة ... من منّه وخديه على فرق وكان في أخريات السمر مضطرباً ... إذا أراد انتظام اللفظ لم يطق لله ما أحسن الصهباء منعمةً ... علي إذا علمته طيبة الخلق أهدت إليه سروراً نلت معظمه ... كالفعل ينصب مفعولين في نسق وقال: لو عاد وصلك لي لما عد الزمن ... واحسرتا مضت الشبيبة والسكن لم ألق إلا من يذم زمانه ... قبل الممات فهذه الدنيا لمن وقال: معقل الحسن في محياك لا يطم ... ع فيه والثغر ثغر محصن قد حماه عن الوصول إليه ... حاجب مقفل وصدغ مزرفن وقال: اللؤم فيك لجاجة من عاشق ... وافى يخادعني بلفظ العاذل

стр. 111

٥٣ - ب ما كنت مجهولا لديه فلم أقلأمط اللثام عن العذار السائل تولى موفق الدين المذكور قضاء المداين في أيام الإمام الظاهر بأمر الله ﵀ ثم أنتقل إلى بغداد وصنف كتاباً سماه الحاكم في اصطلاح الخراسانيين والعراقيين في معرفة الجدل والمناظرة وتولي كتابة الإنشاء وغير ذلك ﵀. أسعد بن إبراهيم بن حسن بن علي أبو المجد مجد الدين الشيباني الأربلي النشابي ولد بأربل في صفر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة كان في أول أمره يعمل النشاب فنسب إليه وبقيت النسبة عليه ولما كبر سافر من أربل وتنقل في بلاد الجزيرة الفراتية والشامية ثم عاد إلى أربل وتولى كتابة الإنشاء لملكها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكنوري ابن الأمير زين الدين علي بن بكتكين والظاهر أن ذلك كان في حدود سنة ثمان وعشرين وستمائة ولما توجه مظفر الدين إلى بغداد في سنة ثمان وعشرين وستمائة كان في خدمته ودخل مظفر الدين على الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ابن الإمام الظاهر بأمر الله وهو بين يديه في نفر يسير من خاصته في يوم دخولهم بغداد ولما رفع الحجاب وقبلوا الأرض بين يديه تقدم المجد وقال: جلالة هيبة هذا المقام ... تحير عالم علم الكلام كأن المناجي به قائماً ... يناجي النبي ﵇ ولو كشف الخطا لرأينا الملائكة بك حافة ووجدنا الروح الأمين يجدد تلاوة الوحي المنزل على أبن عم النبي المرسل ويقول هذا أكرم

стр. 112

الخلفاء وصلاة الله وسلامه يخصان الأكرم الأفضل. ولو جمع الأئمة في مكان ... وأنت به لكنت لهم إماماً فالله تعالى يؤيد هذه الدولة الشريفة بنصره ويرد كيد عدوها في نحره، ولما تولى وزارة أربل شرف الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن حرب عرف بابن الموالي الموصلي وغالب الظن أن ذلك كان في سنة ثلاث وعشرين وستمائة أو ما يقاربها عمل فيها المجد المذكور وكان إذا حضر إلى الديوان يصبح الجاويش له فرحنا وقلنا تولى الوزير ... وأفلح ديواننا بالوزارة فما زادنا غير جاويشه ... وفي كتابنا كتب بالإشارة وكان قد وقع اختلاف بين الأخوين البدر الكامل محمد والملك الأشرف موسى بن الملك العادل والكامل يومئذ صاحب مصر والأشرف صاحب بلاد الشرق وخلاط فمال ملوك الشام والشرق إلى الكامل وتحاملوا على الأشرف فقال المجد المذكور في ذلك: صاحب مصر ثنى الملوك عن الأش ... رف من كل مسعد عون واحتج كل به فقلت وهل يؤ ... خذ موسى بذنب فرعون وعمل المجد المذكور في شرف الدين أبي البركات المبارك بن أحمد بن موهوب وزير اربل وصاحب تاريخها المكين ويعرف في اربل بابن المستوفي قال: إن المبارك فيه توقف ولجاجه ... صديقه أنت ما لم تعرض إليه بحاجة وأهدى المجد المذكور إلى شرف الدين المذكور في بعض الليالي

стр. 113

طبقاً فيه تفاح مخضب وسفرجل على يد غلام وكان جميل الصورة فوصل إليه وعنده جماعة منهم الحسام عيسى بن سنجر الدين بهرام الحاجري فعمل كل واحد من الحاضرين في ذلك شعراً فعمل الحاجري: أهدى لنا المجد تفاحاً وأحمره ... من خد من حمل التفاح مسترق وللسفرجل من أعلاه رائحةً ... يضوع منها لمهديه ثنى وعبق فظلت أعجب من حالين كيف حوى ... وصف الغلام ووصف السيد الطبق ولم يزل المجد على رياسته وكتابته إلى أن نقم عليه مخدومه مظفر الدين فأخذه واعتقله في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستمائة في قلعة يقال لها الكرخيني من أعمال أربل بينها وبين بغداد ولم يزل محبوساً بها إلى أن مات مظفر الدين ﵀ في شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة وأرسل الخليفة عسكره فأخذوا أربل وأفرجوا عن المحابيس فكان المجد في جملة من خلص وذلك في شوال من السنة فخرج وتوجه إلى بغداد وتنقل في خدمها إلى أن استولى التتار عليها في صفر هذه السنة وقتلوا من ظفروا به وكان المجد في جملة من استخفى فسلم وخرج بعد سكون الفتنة ومات في بقية سنة سبع وخمسين وستمائة ﵀. ومن شعره: ولما رأى بالترك هتكى ورام أن ... يكتم منه بهجة لم تكتم تشبه بالأعراب عند التثامه ... بعارضه يا طيب لثم الملثم شكا خصره من ردفه فتراضيا ... بفصلهما بند القباء المكتم

стр. 114

ورد جيوش العاشقين لأنه ... أتاهم بخط العارض المتحكم وقال: تقلد أمر الحسن فاستبعد الورى ... وراحت له الأفكار تنظم ديوانا وعامله ولي على القلب ناظراً ... فأصبح لما حل بالقلب سلطانا غدا باحمرار الخد للحسن مالكاً ... ومن فيه أبدى للتبسم رضوانا فأبدى لنا من ثغره ورضا به ... وعارضه راحاً وروحاً وريحانا ٥٥ - برأى خده ميدان حسن وخاله به كرة فأستعطف الصدغ جوكانا أجل نظرا في خده يا معنفي ... تجد فيه من إنسان عينك إنساناً وقل لأسيلات الخدود أتيتنا ... تخاد عننا في الحب كان الذي كانا وقال: والأفق روض زهره ... يفتح لي كمامه قبضت به كف الثريا ... فالهلال لها قلامه والقلب من طعن الشمال ... برمحه فيه علامه وأغن يشهد أن ريق ... ته الطلى عود البشامه يصمى القلوب إذا رمى ... باللحظ يا رب السلامه وقال من أبيات: والبرق يخفق في خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعد من زائر وقال من أبيات أيضاً: كأن ائتلاف البرق من جنباتها ... سلاسل تبر أو سيوف قواضب وكان مجد الدين المذكور من الفضلاء الرؤساء الأعيان غير أنه كان مذموم المعاملة لأهل بلده ومعارفه لا ينصفهم في الوداد ويتكبر عليهم

стр. 115

فهجاه غير واحد بأهاجي قبيحة أضربنا عن ذكرها كان صدر الدين بن نبهان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى صديق عارض الجيش ببغداد فعزل - ٥٦ ألف - ثم صار صدر الدين صورة وزير الأمير شجاع الدين العزي فتوفي العزي فاتصل الصدر بعده بالملك فتح الدين ذكري ﵀ فخرج فتح الدين من بغداد مغاضباً فعمل مجد الدين النشابي في ذلك. رجل ابن نبهان الأعيرج شؤمها معلوم ... ما دار قط بأحد الألقي المحتوم قلع ملك وعزل عارض بهذا الشؤم ... وعاد جرر زعيمه مبعراخت البوم وله يمدح الملك المنصور زنكي ابن أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود ابن زنكي ﵀. يا لقومي قد جئتكم مستجيراً ... لا أرى منكم ولياً نصيرا أنا ما بين عاذل ورقيب ... منهما خلت منكراً ونكيرا بابي شادن تبدي فأبدي ... من محياه بهجةً وسرورً وعذار في ذلك الخد أبدى ... ببها الحسن جنةً وحريرا وثنايا كأنها من لجين ... قدروها في ثغره تقديراً لا رعى الله يوم زموا المطايا ... أنه كان شره مستطيراً أودعوا حين ودعوا الصب وجدا ... وتناءوا والقلب يصلي سعيراً واسألوا الدموع من نرجس غض على الخد لؤلؤاً منثورا فغدا الصب يرتضى الحب ديناً ... ويرى ناظر السلو حسيراً

стр. 116

وهدى قلبه السبيل فإما ... صابراً شاكراً وإما كفورا صم سمعي عن الكلام كما ص ... رت بمدحي زنكي سميعاً بصيرا ملك أشرقت به ظلم الده ... ر فأضحى لنا سراجاً منيرا وأرانا نواله وسطاه ... فرأينا منه بشيراً نذيرا كل ساع داع له بدوام ال ... ملك ما زال سعيه مشكورا كم سقى سيفه شراباً حميماً ... وسقى سيبه شراباً طهورا سرح الطرف في ذراه ترى ث ... م نعماء وملكاً كبيرا لم ير النازلون في ظله المغمو ... ر شمساً يوماً ولا زمهريرا ويبيح الطعام والمال كم ع ... م يتيماً بزاده وأسيرا قسم الدهر بين بأس وبذل ... فدعوناه سيداً وحصورا إذ يعفى العفاة منه أجوراً ... يقذفون العداة منه دحوراً وله في أصحاب الديوان: قد قسمنا الديوان خمسة أقسا ... م عليها لكل قول دليل رب حق فلا يطاع ومنسو ... ب إلى الظلم قوله مقبول ثم شخص كأنه الحرف في النح ... ووفلا فاعل ولا مفعول ومصر على التحيف والظلم ... بعيد عن الصواب جهول وأخو حاجة يمشي أحوا ... لاً لديه أن جاءه البرطيل أتراهم لم يعلموا أن كلاً ... منهم عن فعاله مسؤل وله وقد حبس وزير أربل جماعة الديوان لعمل الحساب.

стр. 117

جماعة الديوان في ... ليلة شحط مظلمه وقد غدت أيدي الوز ... ير منهم منتقمه لا رحم الله الذي ... يرحم قوماً ظلمه وقال في المعنى: جماعة ديواننا أصبحوا ... وهم في العذاب لسوء الحساب فإن يرجو الوزير الثواب ... فقتلهم من جزيل الثواب وقال لما حبس يعقوب النصراني مشرف ديوان أربل وتولى المختص النصراني مكانه. فرحنا بيعقوب اللعين وحبسه ... وقلنا أتانا ما يطيب به القلب فلما ولي المختص فالشر واحد ... إذا ما مضى كلب أتى بعده كلب وكتب إلى مؤيد الدين وزير بغداد هذه نهاية أقدام على غاية أنعام وهداية أقلام إلى أعلام، أعلام. وفاتحة حمد. إلى خاتمة مجد، يتشعب منها شعب الإرجاء، إلى ابنة شعيب الرجاء، وقد جاءت تمشي على استيحاء، إلى عصم تأوى الطريدة، يبتغي غضارة عيدان السماحة، والمجد عرض يعرضها عارض مستمطر ألوية، وحامل ألوية، وكافل أدعية، لا يلوى إلى طمع، ولايأوى إلى طبع، يعتصم من طوفان الحرض لجودي العفاف، ويرهب الخشع بسطوة الكفاف. إذا قيل هذا منهل قيل قد رأى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظمأ وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل سقم دليل

стр. 118

اللهم غفرا من دعوة تفقر إلى برهان وقول لا يترجح له ميزان إلا بعيار الامتحان زنى القوم حتى تعلمي عند وزنهم ... إذا رفع الميزان كيف أميل فلا لا بعدها أن والت قريحة عاثرة أو تأولت بصحة قاصرة وهاهو مستدرك فارط ما أخره من حقوق خدم لو قدمتها لأضاءت شاكلة الصواب ومستغفر من زلة قهره إقدام مدح يرجو أن يدخل عليه مليكه العذر به من كل باب ولئن بقيت وإن بقيت لتسمعن مدحا تخب بها الرواة وتوجف حتى يقال صام نهار أدبه وغسق ليل هيدبه ولسعسع فم طرسه وجاء في عسه وبسه لتعدو أنفاسه علة مضغة من أرض الفلا وألوية مقاصده في الإطراء على تلك الآلاء كالعقاب العسراء يتلقى كل رائة منها عرابة مجد بيمين حمد يحف بذلك الموكب المؤيدي والنادي الندي ما لها كتيبة ثناء يقال معها جاء محمد والخميس وجحفل إطراء ينادي به الآن حمي الوطيس واعتذاري إليك فرض وإن ك ... نت بريئاً لعظم قدرك عندي وقد كان يجب على هذا العبد المقصر أن يرفعه في كل يوم بل في كل ساعة حدبه يقف بها كوقوف ابن حجر الكندي وطرفة العبدي وعمرو بن معد والنابغة في السؤال والأعشى بالأطلال والطائي ومديح للانه والشحيح الذي ضاع في الترب خاتمه بل كوقوف عبد المسيح على سطيح ووقوف وفد العرب باليمن على سيف ابن

стр. 119

ذي يزن وكنت جديراً حين أعرف منزلاً ... لآل سليمى أن يعنفني صحبي وما صده عن مخاطرة الخاطر واقتحام حومة أقوال العواذل والعواذر سوى التحرز من الأستمهان والتهجم بنفاق ما قد كسد في هذا الزمان. ولما تمادى قلت خذها عريقة ... فإنك من قوم جحاجة زهر ولقد ناجاه فكره بهذه المناجاة وثقة ظنه بسلوك سبيل هذا النجاة متيقناً أن تلك الألمعية التي تدرك الأشياء بعين التحقيق وتنظر المغيبات من وراء ستر رقيق لا يخفى عنها لمن أولى من ولى وجه صدق يعيده إلى شطر تلك القبلة واستمسك بالعروة الوثقى من تلك الكعبة ودخل في زمرة الداخلين للسلام وزاحم في تلك الكتاب الكريم؟ لا يكاد يخلص من كثرة الزحام ولو ظفرت بلقياه لشاهدي وكل حاجة لي في الثناء فم لكنه علم أن ظاهر أمره يغنيه عن اعتذاره وإيثاره سد باب القول يبعث ذوي المكارم على المسامحة بهذا الإيثار ومن يغو في امرأتاه فإنه ... إلى أن يصيب الرشد في الأمر جاهد وهو كالطبيب الذي يرى حفظ الصحة على وجهين أحدهما ما يوافق الإنسان والثاني ما يضر بالأبدان وكمال الطب هو العلم بحفظ الصلاح وموضوعه التحرز من الخلل قبل وقوعه وأن آخره قدر عن مثوله بجسمه فإنه يرسل كل يوم قلبه إلى ذاك الباب العالي فيعود على بينة من علمه وربما سمع النداء أو وجد على النور هدىً

стр. 120

ولولا أن القلوب تنتقل من مكان إلى مكان لما قيل أنها بين إصبعين من أصابع الرحمن وهذا قول له عند أخوان الصفا مثل معروف وكذلك قيل لسارية الجبل حتى كشف ما لم يكن لغيره بمكشوف وهاهو العبد يحافظ على شريعة تلك المحامل التي هي غير منسوخة ولا مبدلة ولا مستعارة ولا مهملة إذ لابد لكل شريعة من حافظ إما أن يكون معصوماً أو غير معصوم فإن كان معصوماً فهو المطلوب وإن لم يكن معصوما كان عنده القوة وأمانة وحفظ قام مقام العصمة وبيان ذلك بالامتحان والتكلف لإثبات الحكمة فإن قيل ما الواسطة أيها المدعي في إقامة البرهان على أقدار هذا الصاحب الألمعي والصدر اللوذعي حتى تعاطيت ولاء الولاء ونصبت على التمييز والإغراء ورفعت الخبر والابتداء وشاركت حمزة والكسائي في إعدام اللام في الراء ولم تواط على الإيطاء ولا أسندت إلى النادي رواية الأكفاء ولا نكلت قوة وقيل عن الإقواء ولهجت بعروض شكره في كل مكان كأنه الضرب الكامل في الأوزان هذا ولم يخرجوا ذا ملك في مضار فضله ولا ضربت معلا قداحك لدى وارف ظله ولو نسي لك ذلك لكانت حياض بلاغتك بمر لهجة مترعة ورياض فصاحتك بأوصافه بمرعة وقد وجدت مكان القول ذا سعة. وما على مادح أطراه من تعب ... فمدحه قبل نظم الشعر ينتظم وقال يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور ويشير إلى ذكر الخلفاء:

стр. 121

الجد يرتع في المقام الأفخر ... والعز يرتع في الجانب الأخضر والدهر من بعض القطوب بدا لنا ... يزهو كوجه الضاحك المستبشر وتجلت الدنيا على أبنائها ... تدعو بحي على الفلاح الأكبر وغدا بها الإسلام يحمل رايةً ... سوداء راية منذر ومبشر أعلى الأئمة من سلالة هاشم ... قدراً وأشرف محتداً من عنصر ورث النبوة طاهراً عن طاهر ... إرثاً ينزه عن مقالة مفتري وبحقه أرث اللواء وبرده ... وحسامه وقضيبه والمنبر وإذا رأى الراؤن نور جلاله ... لم تلق غير مهلل ومكبر أعطى إلى أن قالت الدنيا قد ... وحبا إلى أن قال سائله اقصر جمعت مكارمه الشراق جميع أو ... صاف الخلائق مفخراً عن مفخر فبكل وصف منه نعت خليفة ... كالفعل شق ثنائه عن مصدر فنوا له السفاح والمنصور كالمن ... صور سيدنا الإمام الأنور مهدي هذا العصر والهادي إلى ال ... أمر الرشيد بنور هدى مبصر وأمين أمة أحمد وإمامها ... حقاً ومأمون لها في المحشر لو بي بمعتصم به من واثق ... من فضله بأواصر لم تخفر كم مقتر أضحى على أنعامه ... متوكلاً أمسى بمال مكثر لم يرض منتصر ببعض عبيده ... أن شبهوه بتبع في حمير ما بات غير المستعين بعزه ... في جنة من جوده أوعبقري

стр. 122

لو شاء معتز به أن يملك ال ... دنيا رأها خاتماً في خنصر نصب الصراط المستقيم لمهتد ... وأفاض نائله العميم لمعتر ولكل معتمد يداً لم تقتر ... ولكل معتضد يداً لم تقهر والمكتفى بعزيمة من بأسه ... يطأ البلاد بكل ليث مخدر مازال مقتدر المرامي وقاهرال ... أعداء بالجد السعيد الأطهر فالله راض بالذي يرضى به ... إن قال خلق غير هذا يكفر فرضاه تقوى المتقي ولكل مس ... تكف بنائله كنور الأبجر فاز المطيع له فطائع أمره ... يوماً متى أصفى السريرة يؤجر ملك البلاد فكان اقدر قادر ... وبحكمه قد دان كل مقدر ما شأنه إذ كان قائم هديه ... متقدما في عصره المتأخر فالمحتذى من وجوده المتوفر ... كالمقتدي بعلائه المستظهر وإذا استقل بقوة مسترشد ... وجد الهداية مثل لمحة منظر هو راشد للمقتفي ومساعد للمعتفي ... ومعاند للمجتري هذا الذي أضحى الزمان بعزمه ... مستنجداً في الحادث المستكبر وإذا ادلهم الخطب كان مناره ... للمستضيء ضياء صبح مقمر لله سيف منه ناصر دينه ... وبغيره دين الهدى لم ينصر فاليوم برهان النبوة ظاهر ... بخلافة المستنصر المستبصر ومنها في ذكر الوزير مؤيد الدين:

стр. 123

سلطان كل معمم ومطيلس ... ومليك كل متوج ومسور ورد مجد الدين المذكور دمشق سنة أربع وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى ذكر عز الدين محمد بن أبي الهيجاء رحمه الله تعالى أنه شيباني ورأيت بخط كمال الدين أحمد بن العطار أنه أنصاري والله أعلم. إسماعيل بن محمد بن يوسف بن عبد الله أبو إبراهيم برهان الدين الأنصاري الأندلسي إمام الصخرة كان رجلاً صالحاً كثير الخير والعبادة أخبر عن بعض الأولياء المجاورين بيت المقدس أنه سمع هاتفاً يقول لما خرب القدس. إن يكن بالشآم قل نصيري ... ثم خربت واستمر هلوكي فلقد أتيت الغداة خرابي ... سمر العار في حياة الملوك توفي البرهان إسماعيل المذكور ليلة الخميس الثالث والعشرين من المحرم بالقدس رحمه الله تعالى. بكتوت بن عبد الله الأمير سيف الدين العزيزي أستاذ دار الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ كان من أكبر الأمراء بالدولة الناصرية وله الحرمة الوافرة والمكانة العالية والمهابة الشديدة ويده مبسوطة وآمره نافذ في المملكة وبيده الإقطاعات العظيمة وله الأموال الجمة والخيول والجمال والمواشي الكثيرة وغير ذلك ظاهر التجمل شجاعاً حسن السياسة والتدبير مليح الصورة بهي الشكل وكان مجرداً في الجهات التي قبلي دمشق فتوفي هناك ودخل غلمانه وحاشيته دمشق

стр. 124

بالأعلام المنكسة والسروج المقلبة على الخيول المهلبة ومماليكه وقد قطعوا شعورهم ولبسوا المسوح السود فكانت صورة مؤلمة مبكية ووجد له من الحواصل ما لا يوصف وسمعت أنه سم وأن الذي تولى ذلك عز الدين عبد العزيز بن وداعة وأنه سمه في بطيخة خضراء وكان سيف الدين المذكور يحب البطيخ الخضر ويجلي إليه حيث كان فاتفق أني سألت حسام الدين اتش العزي ﵀ أستاذ دار ابن وداعة إذ كان متولياً قلعة بعلبك عن ذلك فأنكر أن يكون أستاذه فعله بل قال أن الملك الناصر سير أستاذي في بعض المهمات فلما أجتاز بالعسكر قصد خدمة الأمير سيف الدين السلام عليه فقال له الأمير سيف الدين معك بطيخ أخضر؟ قال فعاد إلى خيمته وجهز له بطيخاً أخضر وغيره من هدية دمشق فأكل البطيخ وأمعن واتفق تغير مزاجه ومرضه ووفاته فقال الناس ما قالوا والله أعلم بالجملة فكان الأمير سيف الدين جليل المقدار من أركان الدولة ومنذ توفي حصل الخلل وتغير أحوال الدولة الناصرية رحمه الله تعالى. الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك وهو عمرو بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن القاسم بن علقمة بن نصر بن معاذ بن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه أبو علي صدر الدين القريشي التيمي البكري النيسابوري الأصل الدمشقي المولد والمنشأ مولده بدمشق بكرة الحادي والعشرين من المحرم سنة أربع وسبعين وخمسمائة سمع من خلق كثير في بلاد متعددة وحصل كثيراً من الكتب

стр. 125

وكتب العالي والنازل وكان حافظاً مغرماً بهذا الشأن وخرج تخاريج عدة وشرع في جميع ذيل التاريخ الذي بدمشق وحصل منه أشياء حسنة ولم يتمه وعدم بعده وكان عنده رياسة وفضيلة تامة وولي حسبة دمشق وسيره الملك المعظم عيسى بن الملك العادل إلى الشرق برسالة إلى السلطان جلال الدين خوارزم شاه ملك العجم باطناً وأظهر أن توجه ليحضر ماء من عين من تلك البلاد منن خاصية ذلك الماء أنه إذا حمل في قوارير زجاج وحمل على الرماح تبعه نوع من الطير يفني الجراد وكان قد حصل بالشام جراد كثير لم يعهد مثله فتوجه وصحبه جماعة صوفية واجتمع بجلال الدين منكيرني خوارزم شاه وقرر معه الاتفاق مع الملك المعظم وتعاضد به واستحلفه له وكان سبب ذلك أن الملك الكامل والملك الأشرف اتفقا على الملك المعظم فأراد أن يحصل له من يعتضد به وكان السلطان جلال الدين مجاوراً لخلاط وبلاد الملك الأشرف في الشرق فلما أبرم صدر الدين ما توجه بسببه أحضر الماء المطلوب على الصورة المقترحة وعاد إلى دمشق وكان الجراد قد قل فلما عاد البكري كثر فعمل الناس في ذلك الأشعار وظهر الناس ما توجه بسببه في الأمر وعلم الملك الكامل والملك الأشرف ذلك ولما عاد البكري ولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ مضافا إلى الحسبة ولهذا صدر الدين خانكاه بدمشق تعرف قيسارية الصرف وكانت وفاته في ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة ودفن بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم رحمه الله تعالى. الحسين الدين إبراهيم بن الحسين بن يوسف أبو عبد الله شرف الدين

стр. 126

الهذباني الكوراني الأربلي الشافعي الصوفي اللغوي مولده في يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسمائة قرأ الأدب عن جماعة منهم الشيخ تاج الدين الكندي وسمع من أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي وعمر بن محمد بن طبرزد وحنبل بن عبد الله المهرواني اليميني الكندي وآخرين وحدث بدمشق وغيرها وكان من الفضلاء المشهورين وأهل الأدب المذكورين عارفاً بما يروم حسن الأخلاق لطيف الشمائل كثير المحاضرة بالحكايات والنوادر والأشعار وسمعت عليه كثيراً من مروياته بدمشق وبعلبك وكانت وفاته ﵀ عصر يوم الجمعة بدمشق ثاني ذي القعدة ودفن من الغد بمقابر الصوفية ظاهر دمشق رحمه الله تعالى. داود بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل بن يوسف بن يحيى بن قابس بن حابس بدمشق مالك بن عمرو بن معد يكرب أبو المعالي عماد الدين زبيدي المقدسي الأصل الدمشقي الدار والوفاة الشافعي مولده بدمشق في ثاني عشر شوال سنة ثمانين وخمسمائة سمع من الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وغيرهم وحدث وخطب بجامع دمشق مدة وأم الناس وخطب بجامع بيت الآبار وكان معروفاً بالإصلاح والتعبد وتوفي في حادي عشر شعبان ودفن من الغد رحمه الله تعالى. داود بن عيسى بن أبي بكر بن محمد بن أيوب بن شادي أبو المظفر وقيل أبو المفاخر الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المعظم شرف الدين بن الملك العادل سيف الدين ولد الملك الناصر المذكور في

стр. 127

جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة ولما ولد سماه الملك المعظم إبراهيم وأخبر والده الملك العادل بذلك فقال أخوك اسمه إبراهيم يشر إلى الملك الفائز فقال ما ترسم إن اسميه فقال سمه داود فسماه فلما حج الملك المعظم في سنة إحدى عشر وستمائة واجتاز بالمدينة صلوات الله وسلامه على ساكنها تلقاه أمير المدينة وخدمه خدمة بالغة وقال له يا خوند أريد أن افتح لك الحجر الشريفة لتزور زيارة خاصة لم ينلها غيرك فقال معاذ الله أن أتهجم وأقدم على هذا والله إني في طرف المسجد وأنا رجل من أساة الأدب فإني أخبر بنفسي ومثلي لا ينبغي له أن يداني هذا المقام الشريف إجلالاً له وتعظيما فرأى بعض الصلحاء النبي ﷺ في المنام وهو يقول له قل لعيسى إن الله قد قبل حجه وزيارته وغفر له ولام إبراهيم لتأدبه معي واحترامه لي وأما هذا معناه فحضر ذاك الرجل إلى الملك المعظم وقص عليه الرؤيا بمحضر من خواصه فبكى الملك المعظم لفرط السرور فلما قام من عنده قال ما أشك في صدق هذه الرؤيا إن شاء الله تعالى فقال له خواصه لكن ما يعرف لك ولد اسمه إبراهيم وحكى لهم صورة تسمية الملك الناصر أولا بإبراهيم وأنه هو الاسم الذي وقع عليه أولاً ونشأ الملك الناصر في حياة أبيه ملازماً للاشتغال بالعلوم على اختلافها وشارك في كثير منها وحصل منها طرفاً جيداً وسمع بالشام والعراق من جماعة منهم محمد بن أحمد القطيعي وغيره وكانت له إجازة من أبي الحسن المؤيد ابن محمد الطوسي

стр. 128

وغيره وحدث وسأذكر من أحواله وأخباره وأشعاره وترسله ما يعلم به معظم أمره إن شاء الله كان الملك المعظم عيسى ﵀ خلف من الولد عدة بنات وثلاثة بنين الملك الناصر أكبرهم فملك دمشق وسائر مملكة أبيه في عشر ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمائة واستقل بذلك. وفي سنة خمس وعشرين وصل عماد الدين بن الشيخ من مصر إلى دمشق ومعه ابن جلدك بالخلع والتغايير على الملك المعظم من الملك الكامل. وفي سنة ست وعشرين خرج الملك الكامل لقصده وانتزاع دمشق منه فسير الملك الناصر فخر القضاة بن بصاقة إلى الملك الأشرف يستصرخ به فحضر الملك الأشرف إلى دمشق لنصرته ونزل في بستانه بالنيرب فجرت أمور يطول شرحها لأن الملك الأشرف تغير عليه ومال إلى الملك الكامل وفارق الملك الناصر وتوجه إلى الملك الكامل ووصل إلى بيسان فلما بلغه وصول الملك الأشرف رجع إلى غزة وقال أنا ما خرجت على أن أقاتل أخي الملك الأشرف فلما بلغ ذلك الملك الأشرف قال للملك الناصر داود الملك الكامل قد رجع حردان والمصلحة أنني ألحقه وأسترضيه وأقرر القواعد معه وأما الملك الكامل فإنه نزل غزة وكان الأنبرور قد نزل الساحل بمقتضى مراسلة قديمة كانت من الملك الكامل إليه في حياة الملك المعظم فلما حضر على تلك القاعدة بجموعه بعد موت المعظم سير إلى الملك الكامل

стр. 129

وقال له أنا قد حضرت بقولك وعرفت أن غرضك قد فات ومعي عساكر عظيمة وخلق كثير وما بقي يمكنني الرجوع على غير شيء فحدثني حديث العقال حتى أرجع إلى بلادي فقال الملك الكامل إيش تريد قال تعطينا القدس وترددت المراسلات بينهما أشهراً فاقتضى رأي الملك الكامل تسليم القدس - ٦٤ألف - دون عمله وحصل الرضا بذلك فلما تردد الفرنج للزيارة اغتيل منهم في الطريق من انفرد فشكوا ذلك إلى الملك الكامل فأعطاهم القرايا التي على طريقهم من عكا إلى القدس ووقع الصلح والاتفاق على ذلك وحضر بعد إبرام الصلح مع الفرنج على هذه القاعدة لحصار دمشق فحصرها وأخذها على ما سنذكر إن شاء الله تعالى ولما اجتمع الملك الأشرف والملك الكامل اتفقا على انتزاع دمشق من الملك الناصر وأن يأخذها الملك الأشرف وينزل عن بلاد في الشرق عينها الملك الكامل ووقع الاتفاق عليها فحضرا لحصاره بعساكرهما وحصراه مدة أربعة شهور وتسلما دمشق في غرة شعبان سنة ست وعشرين وأبقى عليه قطعة كثيرة من الشام منها الكرك وعجلون والصلت ونابلس والخليل وأعمال القدس لأن القدس كان سلم إلى الأنبرور قبل ذلك سوى عشر قرى على الطريق من عكا إلى القدس فإنها سلمت إلى الفرنج مع مدينة القدس وأخذ منه الشوبك فبكى بين يدي الملك الكامل عليها فقال الملك الكامل أنا مالي حصن يحمي رأسي وأفرض أنك وهبتني إياه فسكت

стр. 130

وخرج الملك الناصر بأمواله وذخائره جميعها وتوجه إلى الكرك والبلاد التي أبقيت عليه وعقد على عاشوراء خاتون ابنة الملك الكامل شقيقة العادل بن الكامل سنة تسع وعشرين وبقي على ذلك مدة ثم تغير عليه الملك الكامل تغيراً مفرطاً وأعرض عنه إعراضاً كلياً ووالزمه طلاق ابنته ففارقها قبل الدخول بها في سنة إحدى وثلاثين وكان سبب تغيره عليه أن الملك الكامل قصد دخول الروم والاستيلاء على ممالكه وكان ملك الروم إذ ذاك السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو فنوجه الملك الكامل وصحبته الملوك بستة عشر دهليزاً الملك الأشرف مظفر الدين موسى والملك المظفر شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين والملك الصالح عماد الدين إسماعيل والملك الحافظ نور الدين رسلان شاه ابن صلاح الدين بعسكر حلب والملك الزاهد محيي الدين داود بن صلاح الدين صاحب البيرة وأخوه الملك المفضل قطب الدين صاحب سميساط والملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازي صاحب عين تاب والملك المظفر تقي الدين - ٦٥ ألف - محمود صاحب حماة والملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص وغيرهم وسير صاحب الروم إلى الملك العزيز صاحب حلب يقول أنا راض بأن تمده بالرجال ولا تنزل إليه أبداً وأعفاه الملك الكامل من النزول فرضي الملكان بفعله ثم تقدم الملك الكامل بالعساكر إلى الدربند فوجد السلطان علاء الدين قد حفظ طرقاته بالرجال وهي طرق صعبة متوترة يشق سلوكها على العساكر فنزل

стр. 131

الملك الكامل على النهر الأزرق وهو في أوائل بلد الروم وجاءت عساكر صاحب الروم وصعدت رجالاته إلى فم الدربند وبنوا عليه سوراً وقاتلوا منه وقلت الأقوات في عسكر الملك الكامل جداً ثم نمى إلى الملك الأشرف والملك المجاهد صاحب حمص أن الملك الكامل ذكر في الباطن أنه أن ملك بلاد الروم نقل سائر الملوك من أهل بيته إليها وانفرد بملك الشام مع الديار المصرية فاستوحشا من ذلك وإطلاعاً ملوك البيت الأيوبي فتغيرت نيات الجميع واتفقوا على التخاذل وعدم النصح فلما أحس الملك الكامل منهم بذلك مع كثرة الغلاء وامتناع الدربند رحل بالعساكر إلى أطراف بلاد بهنسا وجهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدمه ووصل إلى خدمته صاحب - ٦٥ ب - خرتبرت داخلاً في طاعته وأشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت فجهز معه الملك المظفر صاحب حماة والطواشي شمس الدين صواب العادلي وكان من أكبر الأمراء وفخر الدين البانياسي في ألفين وخمسمائة فارس فوصلوها جرائد بغير خيم فعند طلوع الفجر أقبلت عساكر الروم في اثني عشر ألف فارس مقدمهم القيمري وضربوا معهم مصافاً من أول النهار إلى آخره وظهر عسكر الروم ودخل الملك المظفر وشمس الدين صواب وفخر الدين البانياسي قلعة خرتبرت مع صحابها ونزل باقي العسكر في الربض فزحف عسكر الروم وملكوا الربض عنوة وأسروا أكثر من كان فيه من العسكر الكاملي ثم وصل السلطان علاء الدين في بقية عساكره وأحدقوا بالقلعة ونصبوا عليها تسعة عشر منجنيقاً وحصروها أربعة وعشرين يوماً وقل الماء والزاد من عندهم فطلبوا الأمان فأمنهم صاحب الروم وتسلم القلعة وما معها من القلاع وكانت سبعاً وتلقى الملك المظفر ومن معه أحسن ملتقى ونادمهم وخلع عليهم وقدم لهم التحف الجليلة وكان نزولهم من القلعة يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين فكان ذلك من أكد مقدمات الوحشة بين الملك الكامل والناصر وغيره من الملوك وكثر استشعار الملك الناصر من عمه الملك الكامل، فلما دخلت سنة ثلاث وثلاثين قوي عزم الملك الناصر على قصد الخليفة وهو المستنصر بالله والاستجارة به فحصل النجب والروايا وما يحتاج إليه لسفر البرية ثم توجه وصحبته فخر القضاة نصر الله بن بزاقة والشيخ شمس الدين عبد الحميد الخروشاهي والخواص من ممالكيه وإلزامه فلما قرب من بغداد أمر الخليفة بتلقيه وإكرامه ودخل بغداد ونزل بها مكرماً معظماً وقدم للخليفة ما كان استصحبه معه من الجواهر النفيسة والتحف والهدايا الجليلة وأمر الخليفة له بالإقامات الكثيرة ولأصحابه بالعطايا والخلع وكان آثر أن يأذن له الخليفة بالحضور بين يديه فيقبل يده ومشاهدة وجهه كما فعل بمظفر الدين كوكيري ابن بهاء الدين صاحب إربل فإنه كان قدم بغداد فطال الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك فحضر وبرز له الخليفة فشاهده فرغب الملك الناصر أن يعامل بتلك المعاملة فإنه أكبر بيتاً من مظفر الدين وأعرق منه في الملك وسأل ذلك فلم يقع في الإجابة رعاية لخاطر الملك الكامل فعمل الملك الناصر قصيدة يعرض فيها بمطلوبه وبمظفر الدين وازن فيها قصيدة أبي تمام الطائي التي منها. ناع الدربند رحل بالعساكر إلى أطراف بلاد بهنسا وجهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدمه ووصل إلى خدمته صاحب - ٦٥ ب - خرتبرت داخلاً في طاعته وأشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت فجهز معه الملك المظفر صاحب حماة والطواشي شمس الدين صواب العادلي وكان من أكبر الأمراء وفخر الدين البانياسي في ألفين وخمسمائة فارس فوصلوها جرائد بغير خيم فعند طلوع الفجر أقبلت عساكر الروم في اثني عشر ألف فارس مقدمهم القيمري وضربوا معهم مصافاً من أول النهار إلى آخره وظهر عسكر الروم ودخل الملك المظفر وشمس الدين صواب وفخر الدين البانياسي قلعة خرتبرت مع صحابها ونزل باقي العسكر في الربض فزحف عسكر الروم وملكوا الربض عنوة وأسروا أكثر من كان فيه من العسكر الكاملي ثم وصل السلطان علاء الدين في بقية عساكره

стр. 132

وأحدقوا بالقلعة ونصبوا عليها تسعة عشر منجنيقاً وحصروها أربعة وعشرين يوماً وقل الماء والزاد من عندهم فطلبوا الأمان فأمنهم صاحب الروم وتسلم القلعة وما معها من القلاع وكانت سبعاً وتلقى الملك المظفر ومن معه أحسن ملتقى ونادمهم وخلع عليهم وقدم لهم التحف الجليلة وكان نزولهم من القلعة يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين فكان ذلك من أكد مقدمات الوحشة بين الملك الكامل والناصر وغيره من الملوك وكثر استشعار الملك الناصر من عمه الملك الكامل، فلما دخلت سنة ثلاث وثلاثين قوي عزم الملك الناصر على قصد الخليفة وهو المستنصر بالله والاستجارة به فحصل النجب والروايا وما يحتاج إليه لسفر البرية ثم توجه وصحبته فخر القضاة نصر الله بن بزاقة والشيخ شمس الدين عبد الحميد الخروشاهي والخواص من ممالكيه وإلزامه فلما قرب من بغداد أمر الخليفة بتلقيه وإكرامه ودخل بغداد ونزل بها مكرماً معظماً وقدم للخليفة ما كان استصحبه معه من الجواهر النفيسة والتحف والهدايا الجليلة وأمر الخليفة له بالإقامات الكثيرة ولأصحابه بالعطايا والخلع وكان آثر أن يأذن له الخليفة بالحضور بين يديه فيقبل يده ومشاهدة وجهه كما فعل بمظفر الدين كوكيري ابن بهاء الدين صاحب إربل فإنه كان قدم بغداد فطال الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك فحضر وبرز له الخليفة فشاهده فرغب

стр. 133

الملك الناصر أن يعامل بتلك المعاملة فإنه أكبر بيتاً من مظفر الدين وأعرق منه في الملك وسأل ذلك فلم يقع في الإجابة رعاية لخاطر الملك الكامل فعمل الملك الناصر قصيدة يعرض فيها بمطلوبه وبمظفر الدين وازن فيها قصيدة أبي تمام الطائي التي منها. ٦٦ - ب لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه والقصيدة الناصرية مطلعها. ودانٍ ألمت بالكثيب ذوائبه ... وجنح الدجى وحف تجول غيابهه تقهقه في تلك الربوع رعوده ... وتبكي على تلك الطلول سحائبه أرقت به لما توالت بروقه ... وحلت عزاليه وأسبل ساكبه إلى أن بدا من أشقر الصبح قادم ... يراع له من أدهم الليل هاربه وأصبح ثغر الأقحوانة حالكاً ... تدغدغه ريح الصبا وتداعبه تمر على نبت الرياض بليله ... تحمشه طوراً وطوراً تلا عبه فأقبل وجه الأرض طلقاً وطالما ... غدا مكفهراً موحشاة جوانبه كساه الحيا وشياً من النبت فاخراً ... فعاد قشيباً غوره وغوار به كما عاد بالمستنصر بن محمد ... نظام المعالي حين قلت كتائبه أمام تجلي الدين منه بماجد ... تحلت آثار النبي مناكبه هو العارض الهتان لا البرق مخلف ... لديه ولا أنواره وكواكبه إذا السنة الشهبا شحت بطلها ... شجن وابل منه وسحت سواكبه

стр. 134

فاخبأ ضياء البرق ضوء جينه ... كما نحلت جود الغوادي مواهبه له العزمات اللائي لولا نضالها ... تزعزع ركن الدين وأنهد جانبه بصير بأحوال الزمان وأهله ... حذور فما يخشى عليه نوائبه حوى قصبات السبق مذ كان يافعاً ... وأربت على زهر النجوم مناقبه تزينت الدنيا به وتشرفت ... بنوها فأضحى خافض العيش ناصبه لإن نوهت باسم الإمام خلافة ... ورفعت الزاكي النجار مناسبه فإن الإمام العدل والمعرق الذي ... به شرفت أنسابه ومناصبه جمعت شتيت المجد بعد افتراقه ... وفرقت جمع المال فانهال كتابه وأغنيت حتى ليس في الأرض معدم ... يجور عليه دهره ويحاربه ألا يا أمير المؤمنين ومن غدت ... على كاهل الجوزاء تعلو مراتبه ومن جده عم النبي وخدمه ... إذ صار منه أهله وأقاربه أيحسن في شرع المعالي ودينها ... وأنت الذي تعزى إليه مذاهبه وأنت الذي يعني حبيب بقوله ... ألا هكذا فليسكب المجد كاسبه بأني أخوض الدوّ والدوّ مقفر ... سباريته مغبرة وسباسبه وارتكب الهول المخوف مخاطراً ... بنفسي ولا أعي بما أنا راكبه وقد رصد الأعداء لي كل مرصد ... فكلهم نحوي تدب عقاربه وأتيك والعضب المهند مصلت ... طرير شباه فانيات ذوائبه ٦٧ - ب وأنزل آمالي ببابك راجياًبواهر جاه يبهر النجم ثاقبه

стр. 135

فتقبل مني عبد رق فيغتدي له ... الدهر عبداً طائعاً لا يغالبه وتلبسني من نسج ظلك ملبسا ... يشرف قدر النيرين من جلائبه وتنعم في حقي ما أنت أهله ... وتعلى محلي فالسها لا يقاربه وتركبني نعماء أياديك مركباً ... على الفلك الأعلى تسير مواكبه وتسمح لي بالمال والجاه بغيتي ... وما الجاه إلا بعض ما أنت واهبه ويأتيك غيري من بلاد قريبة ... له الأمن فيها صاحب لا يجانبه وما اغتر من جوب الفلا حر وجهه ... ولا أنضيت بالسير فيها ركائبه فيلقى دنوا من لم ألق مثله ... ويحظى ولا أحظى بما أنا طالبه وينظر من آلاء قدسك نظرة ... فيرجع والنور الأمامي صاحبه ولو كان يعلوني بنفس ورتبة ... وصدق ولاء لست فيه أصاقبه لكنت أسلي النفس عما ترومه ... وكنت أذود العين عما تراقبه ولكنه مثلي ولو قلت إنني ... أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه وما أنا ممن يملأ المال عينه ... ولا بسوى التقريب تقضى مأربه ولا بالذي يرضيه دفن نظيره ... ولو أنعلت بالنيرات مراكبه وبي ظمأ رؤياك منهل رئيه ... ولا غرو أن تصفو لدى مشاربه ومن عجب أني لدى البحر واقف ... وأشكو الظمأ والبحر جم عجائبه وغير ملوم من يأتيك قاصدا ... إذا عظمت أغراضه ومذاهبه. فلما وقف الخليفة المستنصر بالله على هذه القصيدة أعجبته إعجاباً

стр. 136

كثيراً وقصد الجمع بين المصلحتين فاستدعاه سراً إجابة لسؤاله ورعاية في عدم الجهر للملك الكامل فحكى الملك الناصر قال واستدعاني الخليفة بعد شطر من الليل فدخلت من باب السر إلى إيوان فيه ستر مضروب والخليفة من ورائه فقبلت الأرض من بين يديه فأمرني بالجلوس فجلست ثم أخذ الخليفة يدثني من خلف الستر ويؤنسني ثم أمر الخدم فرفعوا الستر فقبلت الأرض ثانية وتقدمت فقبلت يده فأمرني بالجلوس فجلست بين يديه وجاراني في أنواع من العلوم وأساليب من الشعر ثم خرجت من عنده وعدت إلى منزلي ليلاً ثم حضر الملك الناصر بعد ذلك بالمدرسة المستنصرية على شاطئ دجلة وكان الخليفة في روشن ينظر ويسمع الكلام وحضر جماعة من الفقهاء المرتبين بالمدرسة وغيرهم من المذاهب الأربعة وبحث الملك الناصر واستدل واعترض وناظر الفقهاء مناظرة حسنة وكان جيد المناظرة صحيح الذهن له في كل فن مشاركة جيدة فقام يومئذ رجل من الفقهاء يقال له وجيه الدين اليرواني ومدح الخليفة بقصيدة يقول فيها مخاطباً للخليفة. لو كنت في يوم السقيفة حاضراً ... كنت المقدم والإمام الأروعا فغضب الملك الناصر لله تعالى لكون ذلك الفقيه لأجل سحت الدنيا أساء الأدب على أبى بكر الصديق رضوان الله عليه والخلفاء الراشدين وسادات المهاجرين والأنصار ﵃ حاضرين يوم السقيفة وجعل المستنصر بالله مقدماً عليهم فقال لذلك الفقيه أخطأت فيما قلت كان ذلك اليوم جد سيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله العباس بن عبد المطلب

стр. 137

رضي الله عنه عم رسول الله ﷺ حاضراً فلم يكن مقدماً ولا الإمام الأروع إلا أبي بكر الصديق ﵁ فخرج المرسوم في ذلك الوقت بنفي ذلك الفقيه فنفي ثم وصل إلى القاهرة وولي بها تدريس مدرسة الصاحب صفي الدين بن شكر ثم أن المستنصر بالله خلع على الملك الناصر خلعة سنيّة عمامة سوداء وفرجية سوداء مذهبه وخلع على أصحابه ومماليكه خلعاً سنية وأعطاه مالاً جليلاً وبعث في خدمته رسولاً من أكبر خواصه إلى الملك الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته له - ٦٩ألف - وإبقاء بلاده عليه فوصل الملك الناصر والرسول إلى دمشق وبها الملك الكامل فخرج لتلقيهما إلى القصير وأقبل على الملك الناصر إقبالاً كثيراً وقبل شفاعة الخليفة وألبسه الخلعة هناك وكان قد قدم من بغداد ومعه أعلام سود وكان الخليفة لقبه الولي المهاجر مضافاً إلى لقبه فأمر الخطباء بلاده أن يذكروا في الدعاء له ذلك ثم خلع على الرسول وأعطاه شيئا كثيرا ورجع إلى بغداد وأقام الملك الناصر مطمئناً لانتسابه إلى الخليفة فلما حصلت المباينة بين الملك الكامل والملك الأشرف وعزما على المحاربة وانضم إلى الملك الأشرف جميع ملوك الشام سير إلى الملك الناصر داود يدعوه إلى موافقته على أن يحضر إليه ليزوجه ابنته ويجعله ولي عهده ويملكه البلاد بعده وسير الملك الكامل إلى الملك الناصر أيضاً رسولاً يدعوه إلى الاتفاق معه وأنه يجدد عقده على ابنته ويفعل معه كل ما اختار وتوافى الرسولان عند الملك الناصر

стр. 138

بالكرك فرجع الميل إلى الملك الكامل وصرح لرسول الملك الأشرف بجواب إقناع فسير رسول الملك الكامل إليه يعرفه ميل الملك الناصر إلى جهته وكان قد حضر عند الملك الكامل بعض الأمراء الأكابر الذين مرت بهم التجارب - ٦٩ب - ومارسوا الحروب وشهدوا المصافاة والوقائع فقال له الملك الكامل أشتهي أن تعرفني ما عندك في أمري وأمر أخي الملك الأشرف ومن يظهر لك أنه ينتصر ومن أقوى منا على لقاء صاحبه ولا تخفي ما في ضميرك من ذلك فقال أنت الآن وأخوك مثل الميزان لا يرجح عليك ولا ترجح عليه وقد بقي بينكما الملك الناصر داود فإلى أي جهة مال ترجحت وكان قد وصل الملك الكامل كتاب رسوله وهو القاضي الأشرف بن القاضي الفاضل يخبره بموافقة الملك الناصر له على ما قدمنا ذكره ولم يطلع عليه أحد فسر الملك الكامل بذلك ووقع منه قول ذلك الأمير أجمل موقع ثم أن الملك الناصر حضر بنفسه إلى الملك الكامل فتلقاه وبالغ في إكرامه وأعطاه الأموال وقدم له التحف واتفق موت الملك الأشرف ﵀ واستيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على بلاده التي بالشام وخروج الملك الكامل لانتزاعها منه فخرج الملك الناصر وصحبته وأخذ دمشق على الصورة المشهورة واتفق موت الملك الكامل عقيب ذلك والملك الناصر بدمشق نازل في داره المعروفة بدار أسامة فتشوف إلى مملكة دمشق فوافقه جماعة من المعضمية وغيرهم وجاءه الركن الهيجاوي والركن في الليل وبينا له وجه الصواب

стр. 139

وأرسل له الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد يقول أخرج المال وفرقه في مماليك أيبك والعوام معك تملك البلد ويبقوا في القلعة محصورين فما فعل ثم أن الأمراء والأعيان أرباب الحل والعقد اجتمعوا بالقلعة وذكروا الملك الناصر والملك الجواد يونس بن داود بن الملك العادل فرجح عماد الدين بن شيخ الشيوخ الملك الجواد يونس بن داود بن الملك العادل وكان منحرفاً عن الملك الناصر لأنه كان يجري بينه وبينه في مجلس الملك الكامل مباحثات فيخطئه الملك الناصر فيها ويستجهله فبقي في قلبه من ذلك أثر كثير كان أقوى الأسباب في صرف السلطنة عنه وأما الأمير فخر الدين بن الشيخ فلم يكن في ذلك رأي وكان ميله إلى الملك الناصر أكثر من الجواد وأرسلوا إلى الملك الناصر الهيجاوي ليخرجه من دمشق فدخل عليه بدار أسامة وقال له أيش قعودك في بلد القوم فقام وركب وجميع من في دمشق من باب دار أسامة إلى القلعة وما شك أحد أن الملك الناصر طالع إلى القلعة وساق فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب وخرج من باب الزقاق عرج إلى باب الفرج صاحت العامة لا لا لا وانقلبت دمشق ونزل الملك الناصر بالقابون وفتح الجواد خزائن الكامل وفرق المال والخلع واستقر قدمه وأقام الملك الناصر أياماً بالقابون فعزم الجواد على مسكه وسير الأمير عز الدين أيبك الأشرفي ليمسكه وكان قد علم الأمير عماد الدين بن موسك بذلك فبعث إليه في السر من عرفه فسار في الليل إلى عجلون فوصل عز الدين أيبك إلى قصر أم حكيم وعاد إلى دمشق وأما الملك الناصر فإنه سار إلى الكرك وجمع وحشد ونزل إلى السواحل فاستولى عليها وخيم بعزمة طالباً للاستيلاء على مملكة والده فرحل الجواد فيمن بقي من العساكر المصرية مقدمهم عماد الدين بن شيخ الشيوخ وفي عساكر دمشق والمماليك الأشرفية وتوجه نحو الملك الناصر فرحل الملك الناصر غليه ليلقاه فوقع المصاف على ظهر حمار بين نابلس وجينين فانكسر الملك الناصر كسرة قبيحة ومضى منهزماً واحتوى الجواد على خزائنه وأثقاله على سبع مائة جمل فأخذت بأحمالها وأخذوا فيها من الأموال والجواهر والجنائب ما لا يحصى واستغنوا غنى الأبد وافتقر الملك الناصر فقرا الملك يفتقره أحد ووقع عماد الدين بن الشيخ بسفط صغير فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر وفصوص ليس لها قيمة فطلبها من الجواد فأعطاه إياها وهذه الأموال هي التي كان الملك المعظم جهز بها دار مرشد ابنته لما زوجها بخوارزم شاه أخذها الملك الناصر ظناً منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد ونزل الجواد في دار المعظم بنابلس داخل البلاد واحتوى على ما فيها وولي فيها وفي أعمال القدس والأغوار من قبله ورحل عماد الدين بن الشيخ ومن معه من عسكر مصر إلى الديار المصرية ولم تعجب هذه الواقعة الملك العادل خوفاً من تمكن الجواد واستيلائه على البلاد فأرسل إليه يأمره بالرجوع إلى دمشق ورد بلاد الملك الناصر إليه ففعل ورحل عائداً وفي هذه الواقعة يقول به جمال الدين بن عسل. أن الملك الناصر طالع إلى القلعة وساق فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب وخرج من باب الزقاق عرج إلى باب الفرج صاحت العامة لا لا لا وانقلبت دمشق ونزل الملك الناصر بالقابون وفتح الجواد خزائن الكامل وفرق المال والخلع واستقر قدمه وأقام الملك الناصر أياماً بالقابون فعزم الجواد على مسكه وسير الأمير عز الدين أيبك الأشرفي ليمسكه وكان قد علم الأمير عماد الدين بن موسك بذلك

стр. 140

فبعث إليه في السر من عرفه فسار في الليل إلى عجلون فوصل عز الدين أيبك إلى قصر أم حكيم وعاد إلى دمشق وأما الملك الناصر فإنه سار إلى الكرك وجمع وحشد ونزل إلى السواحل فاستولى عليها وخيم بعزمة طالباً للاستيلاء على مملكة والده فرحل الجواد فيمن بقي من العساكر المصرية مقدمهم عماد الدين بن شيخ الشيوخ وفي عساكر دمشق والمماليك الأشرفية وتوجه نحو الملك الناصر فرحل الملك الناصر غليه ليلقاه فوقع المصاف على ظهر حمار بين نابلس وجينين فانكسر الملك الناصر كسرة قبيحة ومضى منهزماً واحتوى الجواد على خزائنه وأثقاله على سبع مائة جمل فأخذت بأحمالها وأخذوا فيها من الأموال والجواهر والجنائب ما لا يحصى واستغنوا غنى الأبد وافتقر الملك الناصر فقرا الملك يفتقره أحد ووقع عماد الدين بن الشيخ بسفط صغير فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر وفصوص ليس لها قيمة فطلبها من الجواد فأعطاه إياها وهذه الأموال هي التي كان الملك المعظم جهز بها دار مرشد ابنته لما زوجها بخوارزم شاه أخذها الملك الناصر ظناً منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد ونزل الجواد في دار المعظم بنابلس داخل البلاد واحتوى على ما فيها وولي فيها وفي أعمال القدس والأغوار من قبله ورحل عماد الدين بن الشيخ ومن معه من عسكر مصر إلى الديار المصرية ولم تعجب هذه الواقعة الملك العادل خوفاً من تمكن الجواد واستيلائه على البلاد فأرسل إليه يأمره بالرجوع إلى دمشق

стр. 141

ورد بلاد الملك الناصر إليه ففعل ورحل عائداً وفي هذه الواقعة يقول به جمال الدين بن عسل. يا فقيهاً قد ضل سبل الرشاد ... ليس يغني الجدال يوم الجلاد كيف ينحني ظهر الحمار هزيماً ... من جواد يكر فوق الجواد ثم لما ملك الملك الصالح نجم الدين دمشق بعد الجواد ورد عليه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رسولاً من الملك الناصر يعده بمساعدته ومعاضدته على أخذ مصر له من العادل ويطلب منه تسليم دمشق وجميع البلاد التي كانت بيد أبيه فوعده الملك الصالح بذلك إذا ملك مصر فأبى الملك الناصر إلا أن ينجز له ذلك فلم يتفق بينهما أمر ثم أن الملك الصالح نجم الدين خرج لقصد الديار المصرية فاستولى الملك الصالح إسماعيل على دمشق وتعلل عسكر الملك الصالح نجم الدين عنه وبقي بنابلس فسير إليه الملك الناصر داود من أمسكه وطلع به إلى قلعة الكرك فاعتقله بها مكرماً على ما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه وكان الملك الكامل سلم القدس إلى الفرنج سنة ست وعشرين على أن يكون الحرم الشريف بما فيه من المزارات للمسلمين وكذا جميع أعمال القدس ما خلا عشر ضياع على طريق الفرنج من عكا إلى القدس وشرط أن يكون القدس خراباً ولا يجدد فيه عمارة البتة فلما مات الملك الكامل وجرى ما ذكرناه من الاختلاف بين الملوك عمر الفرنج في غربيه قلعة جعلوا برج داود ﵇ من أبراجها وكان بقي هذا البرج لم يخرب لما خرب الملك المعظم أسوار القدس ولما اعتقل الملك الناصر داود

стр. 142

الملك الصالح نجم الدين بالكرك توجه الملك الناصر بعسكره ومن معه من أصحاب الملك الصالح نجم الدين إلى القدس ونازل القلعة التي بناها الفرنج ونصب عليها المجانيق ولم يزل مصابراً لها حتى سلمت إليه بالأمان فهدمها وهدم برج داود ﵇ واستولى على القدس ومضى من كان فيه من الفرنج إلى بلادهم واتفق وصول محي الدين يوسف بن الجوزي وصحبته جمال الدين يحيى بن مطروح فقال جمال الدين المذكور. المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلاً سائرا إذا غدا بالكفر مستوطناً ... أن يبعث الله له ناصرا فناصر طهره أولاً ... وناصر طهره آخرا وكتب عن الملك الناصر داود ﵀ بالبشائر بذلك فمن كتاب كتبه عنه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رحمه الله تعالى إلى الديوان المستنصري فصل منه وقابلهم العبد بصليب من الرأي لا يعجم عوده وقاتلهم بجيش المصابرة لا تفل جنوده وجرد إليهم جماعة من عسكر الديوان تشهر عليهم الصواعق من نصالها وترسل عليهم البوائق من نبالها ونصب عليهم المجانيق التي تزاحم الحصون بمناكبها وتحرق شياطينها برجوم حجارتها بدلاً من نجوم كواكبها ومن شأنها أنها إذا قابلت بلدة أخذت بكضمها وفضت برغمها وأنزلها حكمها وأزتها أن السبق للمنجنيق وصخرها لا للقوس وسهمها فرمتها بثالثة الأثافي من جبالها وسحرت

стр. 143

أعينهم إلا أن الله ما أبطل سحر عصبها ولا سحر حبالها وتقريبه لهم وإحسانه إليهم وإلى كل من تقدم إليه أوحد زمانه جواداً كريماً كثير العطاء ممدحاً وشعره في نهاية الجودة والفصاحة وكان في البيت الأيوبي جماعة ينظمون الشعر لم يكن فيهم من يتقدمه فيه إلا أن كان الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه صاحب بعلبك فإنه شاعر مجيد مكثر وكان قد أدركته حرمة الأدب كما أدركت عبد الله بن المعتز وغيره من الملوك الفضلاء ولم يزل منذ توفي والده ﵀ في سنة أربع وعشرين وستمائة وإلى أن أدركته منيته في نكد وتعب ونصب لم يصف له من عمره سنة واحدة وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ولم يكن له رأي حازم في تدبير المملكة فإنه مع تقدير الله تعالى لما مات والده لو دارى الملك الكامل ونزل له عن بعض البلاد كان أبقى عليه دمشق ثم لما طلبه الملك الأشرف ليزوجه ابنته ويجعله ولي عهده على ما ذكرنا لو أجابه حضر إليه لاستقل بعد الملك الأشرف بالشام والتفت عليه المماليك الأشرفية مع المعظمية وكان قد دنا أجل الملك الكامل فاستقام أمره لما مات الملك الكامل لو قبل من رأي الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد - ٧٣ ألف - وأنفق في المعظمية واستمالهم لملك دمشق ولم يلتفت على من بالقلعة ثم لما ضرب المصاف مع الجواد لو أحرز خزائنه وأمواله ببعض قلاعه لبقيت له وكانت عظيمة جليلة المقدار يمكنه أن يستخدم بها من العساكر جملة كثيرة ثم لما حصل الملك الصالح نجم الدين في قبضته لو أراد به أخذ الشام لأخذه وسلمه لأخيه العادل أو إلى عمه الصالح

стр. 144

إسماعيل ثم اعتقله لم يحسن عشرته من كل وجه وكان يبد ومنه في بعض الأوقات أمور أثرت في قلب الملك الصالح نجم الدين ولم يحرج منه وكان الملك الصالح باطن والملك الناصر سليم الصدر ثم اقتضى رائه إطلاقه ومساعدته على تمليك الديار المصرية واشترط عليه أموراً لا يمكنه القيام بها ولا تسمح بها نفس بشر لو أمكنت واستحلفه على ذلك فلما تحقق الملك الصالح نجم الدين أنه لابد له من الحنث ضرورة في البعض حنث في المجموع قال الملك الصالح حلفني على أمور لا يقدر عليها ملوك الأرض منها أنني آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر وغيرها ونصف ديار مصر وما في الخزائن من المال والجواهر والثياب والخيول والآلات وغيرها فحلفت له - ٧٣ب - من تحت السيف ﵀. قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان كنت أسمعه يقول كثيراً إذا طلب منه حاجة تتعذر عليه إذا شئت أن تطاع، فامتثل ما يستطاع ثم معاملة الملك الصالح نجم الدين بعد أن تملك بما كان يعامله به وهو عنده معتقل بقلعة الكرك إلى أن حصل من الوحشة والمباينة بينهما ما آل به إلى انتزاع بلاده منه ثم لما توجه إلى حلب واستنابته لولده المعظم دون أخوته مع تميزهم عليه حتى أوغر صدورهم فكان ذلك من أسباب خروج الكرك عنه ثم لما توجه إلى حلب ترك بالكرك إسحاق المقدم ذكره مع إفراط ميله إليه ومحبته له فلو استصحبه لأمن مما

стр. 145

ترتب على تركه من السبب الموجب لأخذ الكرك وحصول الوحشة والمنافرة بينه وبين ولده الملك الأمجد وكان يتسلى برؤيته وخفف عنه من أثقال همومه ثم إيداع تلك الجواهر النفيسة عند الخليفة فآل الأمر إلى كثرة تعبه ونصبه وتبذله وسفره ولم تعد إليه إلى غير ذلك من الأمور التي فارق فيها الحزم وذلك تقدير العزيز العليم وكان الملك الناصر داود ﵀ معتنياً بالكتب النفيسة حصل منها جملة كثيرة ذهبت بعد وفاته وكان يجيز الشعراء بالجوائز السنية قدم عليه شرف الدين راجح الحلى شاعر الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين ﵀ ومدحه بعدة قصائد فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم وأجازه على قصيدة واحدة امتدحه بها وهو بنابلس بألف دينار مصرية والقصيدة من غرر القصائد وهي: أمنكم عبقت مسكية النفس ... صبا تبسمت منها برء منتكس تمت بما استودعت والفجر حمرته ... ما ذنب إيقادها من فحمة الغلس ردت على مقلتي طيب الرقاد فها ... أنسانها بلذيذ النوم في أنس فيا لها نفحة خالست نسمتها ... لما تيقنت أن العيش في الخلس وللنسيم إشارات إذا التبست ... فسرها عند مثلى غير ملتبس فما قعودك بي عن بيت وسكرة ... يغنيك آلاؤها في الليل عن قبس يديرها ثمل الأعطاف قامته ... لو مثلت لغصون البان لم تمس يسعى بها والدجى من حلى أنجمهعار ولكن بأنوار الكؤس كسى ٧٤ ب
следующие страницы →