← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ورد بلاد الملك الناصر إليه ففعل ورحل عائداً وفي هذه الواقعة يقول به جمال الدين بن عسل. يا فقيهاً قد ضل سبل الرشاد ... ليس يغني الجدال يوم الجلاد كيف ينحني ظهر الحمار هزيماً ... من جواد يكر فوق الجواد ثم لما ملك الملك الصالح نجم الدين دمشق بعد الجواد ورد عليه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رسولاً من الملك الناصر يعده بمساعدته ومعاضدته على أخذ مصر له من العادل ويطلب منه تسليم دمشق وجميع البلاد التي كانت بيد أبيه فوعده الملك الصالح بذلك إذا ملك مصر فأبى الملك الناصر إلا أن ينجز له ذلك فلم يتفق بينهما أمر ثم أن الملك الصالح نجم الدين خرج لقصد الديار المصرية فاستولى الملك الصالح إسماعيل على دمشق وتعلل عسكر الملك الصالح نجم الدين عنه وبقي بنابلس فسير إليه الملك الناصر داود من أمسكه وطلع به إلى قلعة الكرك فاعتقله بها مكرماً على ما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه وكان الملك الكامل سلم القدس إلى الفرنج سنة ست وعشرين على أن يكون الحرم الشريف بما فيه من المزارات للمسلمين وكذا جميع أعمال القدس ما خلا عشر ضياع على طريق الفرنج من عكا إلى القدس وشرط أن يكون القدس خراباً ولا يجدد فيه عمارة البتة فلما مات الملك الكامل وجرى ما ذكرناه من الاختلاف بين الملوك عمر الفرنج في غربيه قلعة جعلوا برج داود ﵇ من أبراجها وكان بقي هذا البرج لم يخرب لما خرب الملك المعظم أسوار القدس ولما اعتقل الملك الناصر داود

стр. 142

الملك الصالح نجم الدين بالكرك توجه الملك الناصر بعسكره ومن معه من أصحاب الملك الصالح نجم الدين إلى القدس ونازل القلعة التي بناها الفرنج ونصب عليها المجانيق ولم يزل مصابراً لها حتى سلمت إليه بالأمان فهدمها وهدم برج داود ﵇ واستولى على القدس ومضى من كان فيه من الفرنج إلى بلادهم واتفق وصول محي الدين يوسف بن الجوزي وصحبته جمال الدين يحيى بن مطروح فقال جمال الدين المذكور. المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلاً سائرا إذا غدا بالكفر مستوطناً ... أن يبعث الله له ناصرا فناصر طهره أولاً ... وناصر طهره آخرا وكتب عن الملك الناصر داود ﵀ بالبشائر بذلك فمن كتاب كتبه عنه فخر القضاة نصر الله بن بصاقة رحمه الله تعالى إلى الديوان المستنصري فصل منه وقابلهم العبد بصليب من الرأي لا يعجم عوده وقاتلهم بجيش المصابرة لا تفل جنوده وجرد إليهم جماعة من عسكر الديوان تشهر عليهم الصواعق من نصالها وترسل عليهم البوائق من نبالها ونصب عليهم المجانيق التي تزاحم الحصون بمناكبها وتحرق شياطينها برجوم حجارتها بدلاً من نجوم كواكبها ومن شأنها أنها إذا قابلت بلدة أخذت بكضمها وفضت برغمها وأنزلها حكمها وأزتها أن السبق للمنجنيق وصخرها لا للقوس وسهمها فرمتها بثالثة الأثافي من جبالها وسحرت

стр. 143

أعينهم إلا أن الله ما أبطل سحر عصبها ولا سحر حبالها وتقريبه لهم وإحسانه إليهم وإلى كل من تقدم إليه أوحد زمانه جواداً كريماً كثير العطاء ممدحاً وشعره في نهاية الجودة والفصاحة وكان في البيت الأيوبي جماعة ينظمون الشعر لم يكن فيهم من يتقدمه فيه إلا أن كان الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه صاحب بعلبك فإنه شاعر مجيد مكثر وكان قد أدركته حرمة الأدب كما أدركت عبد الله بن المعتز وغيره من الملوك الفضلاء ولم يزل منذ توفي والده ﵀ في سنة أربع وعشرين وستمائة وإلى أن أدركته منيته في نكد وتعب ونصب لم يصف له من عمره سنة واحدة وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ولم يكن له رأي حازم في تدبير المملكة فإنه مع تقدير الله تعالى لما مات والده لو دارى الملك الكامل ونزل له عن بعض البلاد كان أبقى عليه دمشق ثم لما طلبه الملك الأشرف ليزوجه ابنته ويجعله ولي عهده على ما ذكرنا لو أجابه حضر إليه لاستقل بعد الملك الأشرف بالشام والتفت عليه المماليك الأشرفية مع المعظمية وكان قد دنا أجل الملك الكامل فاستقام أمره لما مات الملك الكامل لو قبل من رأي الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد - ٧٣ ألف - وأنفق في المعظمية واستمالهم لملك دمشق ولم يلتفت على من بالقلعة ثم لما ضرب المصاف مع الجواد لو أحرز خزائنه وأمواله ببعض قلاعه لبقيت له وكانت عظيمة جليلة المقدار يمكنه أن يستخدم بها من العساكر جملة كثيرة ثم لما حصل الملك الصالح نجم الدين في قبضته لو أراد به أخذ الشام لأخذه وسلمه لأخيه العادل أو إلى عمه الصالح

стр. 144

إسماعيل ثم اعتقله لم يحسن عشرته من كل وجه وكان يبد ومنه في بعض الأوقات أمور أثرت في قلب الملك الصالح نجم الدين ولم يحرج منه وكان الملك الصالح باطن والملك الناصر سليم الصدر ثم اقتضى رائه إطلاقه ومساعدته على تمليك الديار المصرية واشترط عليه أموراً لا يمكنه القيام بها ولا تسمح بها نفس بشر لو أمكنت واستحلفه على ذلك فلما تحقق الملك الصالح نجم الدين أنه لابد له من الحنث ضرورة في البعض حنث في المجموع قال الملك الصالح حلفني على أمور لا يقدر عليها ملوك الأرض منها أنني آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر وغيرها ونصف ديار مصر وما في الخزائن من المال والجواهر والثياب والخيول والآلات وغيرها فحلفت له - ٧٣ب - من تحت السيف ﵀. قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان كنت أسمعه يقول كثيراً إذا طلب منه حاجة تتعذر عليه إذا شئت أن تطاع، فامتثل ما يستطاع ثم معاملة الملك الصالح نجم الدين بعد أن تملك بما كان يعامله به وهو عنده معتقل بقلعة الكرك إلى أن حصل من الوحشة والمباينة بينهما ما آل به إلى انتزاع بلاده منه ثم لما توجه إلى حلب واستنابته لولده المعظم دون أخوته مع تميزهم عليه حتى أوغر صدورهم فكان ذلك من أسباب خروج الكرك عنه ثم لما توجه إلى حلب ترك بالكرك إسحاق المقدم ذكره مع إفراط ميله إليه ومحبته له فلو استصحبه لأمن مما

стр. 145

ترتب على تركه من السبب الموجب لأخذ الكرك وحصول الوحشة والمنافرة بينه وبين ولده الملك الأمجد وكان يتسلى برؤيته وخفف عنه من أثقال همومه ثم إيداع تلك الجواهر النفيسة عند الخليفة فآل الأمر إلى كثرة تعبه ونصبه وتبذله وسفره ولم تعد إليه إلى غير ذلك من الأمور التي فارق فيها الحزم وذلك تقدير العزيز العليم وكان الملك الناصر داود ﵀ معتنياً بالكتب النفيسة حصل منها جملة كثيرة ذهبت بعد وفاته وكان يجيز الشعراء بالجوائز السنية قدم عليه شرف الدين راجح الحلى شاعر الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين ﵀ ومدحه بعدة قصائد فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم وأجازه على قصيدة واحدة امتدحه بها وهو بنابلس بألف دينار مصرية والقصيدة من غرر القصائد وهي: أمنكم عبقت مسكية النفس ... صبا تبسمت منها برء منتكس تمت بما استودعت والفجر حمرته ... ما ذنب إيقادها من فحمة الغلس ردت على مقلتي طيب الرقاد فها ... أنسانها بلذيذ النوم في أنس فيا لها نفحة خالست نسمتها ... لما تيقنت أن العيش في الخلس وللنسيم إشارات إذا التبست ... فسرها عند مثلى غير ملتبس فما قعودك بي عن بيت وسكرة ... يغنيك آلاؤها في الليل عن قبس يديرها ثمل الأعطاف قامته ... لو مثلت لغصون البان لم تمس يسعى بها والدجى من حلى أنجمهعار ولكن بأنوار الكؤس كسى ٧٤ ب

стр. 146

والسحب تضحك بغر النور أدمعها ... والجوفى مآتم والأرض في عرس بدر وقائع قلبي في محبته ... بين اللمى وفتور الجفن واللمس نبهته ونجوم الأفق تسبح في ... بحر الظلام فمن طاف ومنغمس فقام يمسح ما في الطرف من سنة ... وقد تمشى الكرى في الأعين النعس فسكنت سورة الصهباء شرته ... واستودعت بعض ما في الخلق من شرس فما ضممت الذي في العطف من هيف ... حتى استكف الذي في الطرف من شوس فلا عدمت طلا صادته كأس طُلى ... فما ثنى عطفه عن نيل ملتمس هذا وركب عفاة قد عدلت بهم ... إلى مغاني الغنى عن أربع درس عافوا وردوا عود الباخلين فما ... أجروا مطالبهم منها على يبس فقلت نصو راكاب الحمد واحدة ... إلى مقر العلى في رأرض نابلس إلى مقر تناجيني جلالته ... كأني واقف في حضرة القدس لوذوا بداود محيى الجود وانتجعوا ... عرائس على نعماه من حرس نصوا إلى الناصر السلطان عيسكم ... فهو ملك الأيادي غير منبجس لا تعدلوا عن ندى بدر أغريد ... طلق الأسرة مرهوب السطا تدمر

стр. 147

إن خاب فادح ملث الغيث منهمراً ... أوصال فاخش وثوب الضيغم الشرس ذو العلم يشرف والألباب مظلمة ... فاسلك مساقط ذاك النور واقتبس فارضه تلق عباب اليم ملتطماً ... والعي قد ألجم الأفواه بالخرس يضيء في ظلمات الشك مكرمة ... كما أضاء ظلام الليل بالقبس ابان من كرم ملآن من همم ... ترفعت فهي لا تدنوا إلى دنس حفت إلى بابه عيسى فأثقلها ... بأنعم أنقذت من جدبي التعس أحلني ذروة العلياء مقترعاً ... والعزا وطال من صهوة الفرس وردعني صروف الدهر حين طغت ... لها وقائع من أيامها الحمس يهمى نداه إذا استصحبت ديمته ... كأنني قلت يا أمواهه انبجسي لبيك يارئ آمالي التي ظمئت ... ويحسن الصنع عندي والزمان مُسى لبيك فالعبد ما حالت مودته ... عما عهدت ولا عاهدته فنسى تفديك نفسي وأبكار القريض وما ... مقدار نفسي وما أهديه من نفسي أنت الذي رشني إذ خصني زمني ... بالأمس وأبيسى والدهر مفترسي غرستني فاجتنيت الحمد من مدحي ... وليس يجني ثماري غير مغترسي ٧٥ - ب فدم دوام الثريا فهي خالدةوطأ بنعليك أرقاب العدى ودس فتلك قوم متى عاينُت أوجههم ... بكيت فاغتسلت عيني من النجس

стр. 148

وانقطع إليه الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسرو شاهى تلميذ فخر الدين الرازي فوصل إليه منه أموال جمة وكذلك كل من انتمى إليه استفاد من ماله ومن علمه فكانوا معه كما قيل فأخذ من ماله ومن أدبه ومن نظمه ﵀ أعني الملك الناصر داود رحمه الله تعالى. لما بدا في مروزى قبائه ... وعليه من درب النضار تبهرج مثلته قمراً عليه سحابة ... مزرورةً فيها البروق ترجرج وله أيضاً: إلى كم أخفى الوجد والدمع بائح ... وكم ارتجى صبراً وصبري نازح خلعت عناني وانطلقت مع الصبي ... وشمرت عن ساق الهوى لا أبارح وبي ظبية كحلاء قلبي كنا سها ... لذا جنحت منى إليها الجوانح ولو لم يكن ظبياً نفاراً ومقلة ... وجيداً لما تاقت إليها الجوارح على لين غصن البان منها مخايل ... وشمس الضحى منها عليها ملامح ولولا سناها ما تألق بارق ... ولولا هواها ما ترنم صادح حننت إليها والغزام يحثنى ... وقد ساقني شوق إليها يكافح ولما أتاني طيفها يخبر الهوى ... ويوهمني بالكر أني مصالح تذكرت ربع الأنس عن أيمن الحمى ... وأغصان بانٍ دونه تتناوح فكادت بظهر النفس من فرط شوقها ... إلى عالم فيه النفوس سوانح مقربة الأرواح في عالم البقا ... مقربة من ربها لا تبارح

стр. 149

يطاف عليهم من رحيق ختامه ... من المسك ما تحييك منه الروائح جنان عليهم دانيات قطافها ... وفي ظلها ما لا تمنى القرائح هنالك من لم يأته فهو خاسر ... ومن حل فيه فهو لا شك رابح وقال: زار الحبيب وذيل الليل منسدل ... فانجاب عن وجهه داجى غياهبه فقال لي صاحبي والضوء قد رفعت ... يداه من ليلنا مرخى جلا ببه أما ترى الضوء في ليل المحاق لقد ... جاء الزمان بضرب من عجائبه فقلت يا عاذلاً من نور طلعته ... أما ترى البدر يبدو في عقاربه وقال: لئن عاينت عيناي أعلام جلق ... وبان من القصر المشيد قبابه تيقنت أن البين قد بان والنوى ... نأى شحطها والعيش عاد شبابه - ٧٦ ب - وقال: طرفي وقلبي قاتل وشهيد ... ودمعي على خديك منه شهيد يا أيها الرشأ الذي لحظاته ... كم دونهن صوارم وأسود من لي بطيفك بعد ما منع الكر ... عن ناظريّ البعد والتسهيد أما وحبك لست أضمر سلوة ... عن صبوتي ودع الفؤاد يئيد والذ مالا قيت فيك منيتي ... وأقل ما بالنفس فيك أجود ومن العجائب أن قلبك لم يلن ... لي والحديد الآنه داود

стр. 150

وقال: ما استصرخ الصبر قلبي وهو مذعور ... إلا وقد سلبته الأعين الحور ولا سبأ عن خاطري جفن له غنج ... إلا وصارمه بالسحر مشهور أفدي التي صيرت قلبي بها دنفاً ... فرق السوالف يلقى وهو مأسور وردية الخد فيها معتقة ... من سكرها نرجس الأجفان مخمور قد خيم السحر في أجفان ناظرها ... والسحر فما له في القلب تأثير يجلو هواها وان أجرت دمي عبثاً ... ولا أبالي فإن الموت مقدور لولا سناها وخداها لما عبدت ... كما تعبدتها نار ولا نور وله من جملة قصيدة: وإذا الملوك تكثرت بعد يدها ... للمقتنين بسواك لا أتكثر وإذا طغت وبغت بما خولتها ... أقبلت نحوك خاضعاً أستغفر مالي مراد في جنان زخرفت ... كلا ولا أخشى جحيماً تسعر لكنني أبغي رضاك وخشيتي ... أني تخبط بي الذنوب فاهجر وكتب إلى الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص يستدعيه إلى مجلس أنس وذلك لما كانا نازلين ببيسان حين كانا متفقين على حرب الملك الصالح نجم الدين وهما إذ ذاك معاضد أن الملك الصالح عماد الدين وذلك يوم العيد في زمن الربيع.

стр. 151

يا ملكاً قد جلا العصرا ... وفاق أملاك الورى طرا وفاق في نائله حاتما ... وبذ في أقدامه عمروا وباكر العلياء فاقبضها ... وكانت الناهدة البكرا أما ترى الدهر وقد جاءنا ... مستقبلا بالبشر والبشرى تجري الدنيا ما أتانا به ... أحسن وأكرم بالذي أجرى العيد والنيروز في حالة ... وطلعة المنصور والنصرا والأرض قد تاهت به واغتدت ... تختال في جدتها الحضرا عبّست السحب على نورها ... فراح ثغر النور مفترا الصوم قد ولى بالأمة وال ... فطر باللذات قد كرا فانهض بلا مطل ولا فترة ... ترتشف المشمولة الحمرا حبرية قد عتقت حقبة ... فأقبلت تخبر عن كسرى واستجلها صفراء قدسية ... تحسبها في كأسها تبرا اوذوب جمر حل في جامد ال ... سماء فألقى فوقه درا وبادر اللذة في حينها ... وقم بنا ننتهب العمرا في دوحة أترجها يانع ... يلوح في الأغصان مصفرا كأنه إذ لاح في دوحها ... وجه سماء اطلعت زهرا وأسلم ودم في عيشة رغدة ... تُبلى على جدتها الدهرا وقال: أحب الغادة الحسناء ترنو ... بمقلة جؤذر فيها فتور

стр. 152

ولا أصبو إلى رشأ غرير ... وإن فتن الرشأ الغرير وإني يستوى شمس وبدر ... ومنها يستمد ويستنير وهل تبدو الغزالة في سماء ... فيظهر عندها للبدر نور وقال: وإني إذا ما الغرا بدى مودتي ... خداعاً وأخفى الغل بين الأضالع لا ظهر جملاً بالذي أنا عالم ... بمكنونه فعل اللبيب المخادع وأغدو إذا ما أمكنتني فرصة ... عليه بماضي الحد أبيض قاطع بضربة مقدام ثبوت مجرب ... نعسه بين اللها والأخادع وقال في معنى قصيدة المسك بعض دم الغزال فلا ... تضع دم من بلحاظه الآراما فلعله إما يحاول نجدة ... ورداً وإما في لماه مداما وقال: صنم من الكافور بات معانقي ... في حلتين تعفف وتكرم فكرت ليلة وصله في هجره ... فجرت سوابق عبرتي كالعندم فجعلت أمسح ناظري بسحره ... إذ شيمة الكافور إمساك الدم وقال: عيون عن السحر المبين ... لها عند تحريك القلوب سكون تصول ببيض وهي سود فريدها ... ذبول فتور والجفون جفون

стр. 153

إذا ما رأت قلباً خلياً من الهوى ... تقول له كن مغرماً فيكون فقال: جميعي حين أذكركم شجون ... وكلى حين أبكيكم عيون وأنتم غاية الآمال عندي ... وإن بخلت تقربكم ظنون وصالكم حياة الروح مني ... وهجركم الأليم لي المنون أرى الأشواق تجذبني إليكم ... وسائقها الصبابة والحنين بذلت لكم دموع العين لكن ... هواكم في حشاشتي المصون يعز عليّ بعدكم ولكم ... مماتي في محبتكم يهون أحبتنا أذيتم بالتنائ ... فؤادي فهو مكتئب حزين هواكم لا تغيره الليالي ... وصبري عنكم قل لا يكون - ٧٨ ب - ومن إنشائه رسالة كتبها إلى المستعصم بالله بعثها على يد فخر القضاة بن بصاقة وهي. أعز الله سلطان الديوان العزيز النبوي لا زال عزمه الشريف يستدرك فائة الأمور، وهممه العالية تصلح ما. . . الدهور، وسعيه الميمون في مصالح المسلمين هو السعي المشكور - العبد المملوك يقبل العتبة الشريفة الديوانية تقبيلاً يتقرب به إلى خالقه وخليقته ويتشرف به في حلية المساجلة على أهله وعشيرته، ويجعله في يوم المعاد من أسباب وسيلته وينهى أنه سير إلى الخدمة من ينوب عنه في آدابها، ويستنزل من كرمها مثعجر سمائها، وهو

стр. 154

عبد الديوان نصر الله بن بصاقة وحمله من المشافهة ما هو مليء بإعادته، ومن الأدعية الصالحة ما هو من وظائف العبد وعادته، والمسؤول من صدقات الديوان العزيز الإقبال عليه بوجه القبول، والإصغاء إليه بالسمع الذي إليه يباح مصونات الأسرار إذا عومل غيره بالإحجام والنكول، وستر ما ينهيه في الخدمة ثبوت كرمه المسدول الذيول، لا زال كرم الديوان عالماً بخدمات عبيده، فخذا من محض النصيحة منهم بعدده وعديده إن شاء الله تعالى. وكتب إلى الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم صاحب حمص أيا ملكاً يفلي الفلاة جواده ... تأيد على قلب لقاك مراده رحلت به ثم انثنيت مكلفاً ... جواب بليغ لا يرام انتقاده أتطلب أبكار المعاني وعونها ... لذي جسد قد سار عنه فؤاده ألم بجسمي مذ رحلت نحوله ... وفارق جفني مذ نأيت رقاده ولا عجب ممن نأت عنك داره ... إن اقتربت أسقامه وسهاده أيا راحلاً ولى وخلّى بمهجتي ... أجيجاً يلاقى زنده وزناده أسلت شؤون المقلتين فغادرت ... غدير دموعي لا يرجّى نفاده وخلفتني كالوحش غير مؤانس ... خليلاً ولا يلقى إليه قياده أعز الله أنصار السلطان المقام العالي الملكي المنصوري الناصري ولا أوحش مماليكه من خدمته، وأعاد لهم مشاهدته، ومن عانهم بعد

стр. 155

عينيه بطلوع طلعته، المملوك يقبل الأرض خدمة متى تذكرها فاضت عبراته، وتوالت حسراته، ويشكو إلى مولاه ما لقي بعده من بعده من توالي أرقه، وتواتر قلقه، وتوحشه حتى من الصديق الحميم، ونفوره حتى من الملك العقيم، فلو نزل بسير ما نزل به لزلزل حتى استوت هضابه بوهاده، أوحلّ بثبير ما حلّ به أسف كما يتأسف في معاده، فالله تعالى يجمع له بمولانا بين الجسد وقلبه ويعيد أيام الأنس بعودة قريبة. واتفقت له وقعة بالساحل مع الفرنج انتصر فيها فكتب في جملة كتاب كتب هذه الخدمة بعلمه بما من الله تعالى به من النصر والظفر ومهنيئة، باستعلاء الفئة المؤمنة على من حاد وكفر. ومن كتاب آخر كتبت حيث أثرت مدادها، بمثار نقع جيادها، وبالمكان الذي صرعت فيه كماة أمجادها، بضرب صفاحها، وطعن صعادها، وكلمتهم السن الصفاح بفصيح أقوالها، وأشارت إليهم أنامل الرماح بسلاميات نصالها، فأصبحوا شارة لما أشار إليهم آنفاً وامتطوا أنف الحرب حتى صار أنف الخطى بهم راعفاً. وكان الأمير سيف الدين علي بن فليح قد سار في خدمته واقطعه عجلون وأعمالها وكان أخوه عماد الدين قد قتل بالشرق في وقعة جرت بين الحلبيين وصاحب ماردين وصاحب الموصل في سنة سبع وأربعين

стр. 156

فكتب إلى الملك الناصر يعرفه بمقتله فكتب إليه الملك الناصر وفي الجواب يقول الذي إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون كتب الله اسم المولى الأمير سيف الدين في جريدة المهتدين الذي هم بهذه الأخلاق يتخلقون وصيّره من الذين هم لهذه الآيات يتدبرون وأنزل عليه عند حدوث الحوادث صبراً، وأعظم له في الدارين أجراً، وأبقاه بعد معمري زمنه دهراً، وجعل من يتقدمه منهم له ذخراً، وهجم عل الأسماع والألباب فأصمها، وأصماها، بمصاب الأمير عماد الدين أفاض الله عليه ملابس رضوانه، وبوأه دار تجاوزه وغفرانه، ثبت الله عزائمه، وأقام ببقائه من بيته الكريم دعائمه، أهدى ممن يهدى إلى محجة الصبر، وإن يعرف ما فيه من جزيل الأجر، لأنه يعلم أن هذه الدنيا دار خسران، ومنزل أتراح وأحزان، لا يصفى لأحد عيشاً إلا كدرته، ولا تعاهده عهداً إلا نقضته ألا ترى أن المرء إذا متع بحياته كثرت مصائبه في أحبابه ولذاته وإن سبقهم إلى حلول رحمته كانت مصيبته في نفسه. كن المعزى لا المعزي به ... إن كان لا بد من الواحد والله تعالى يجعل المولى وارثاً لأعمارهم معمّراً من بعدهم ربوع ديارهم وليعلم أطال الله له مدة البقاء وأفاض عليه سابغ النعماء، إن العاقل كما يختار لنفسه خير الخيرين فكذلك يشكر إذ كُفى شر الشرين

стр. 157

وهو ثبته الله وعمره، ووفقه للصبر الجميل وقدّره، أولى الناس أن يتصف بهذه الصفات، ويتسم بهذه السمات، ليكتب مع الصابرين، ويدّخر له إن شاء الله في أعلى عليين وعلى كل حال فالحمد لله رب العالمين ولما ملك الملك الصالح الديار المصرية وحصل بينه وبين الملك الناصر داود من الوحشة ما ذكرنا ورجع الملك الناصر إلى بلاده وأقام بالساحل مرابطاً للفرنج وقوي بسبب الخلف بين الملوك شأن العدو واهتمّوا في عمارة عسقلان وتشييد أسوارها وشنّ الغارات على ما حولها كتب الملك إلى ابن عمه الملك الصالح نجم الدين يستنجد به عليهم فلم ينجده وجمعت الفرنج جمعاً كثيراً وقصدوا نابلس فهجموها وبذلوا السيف في أهلها وأسروا من وجده بها من النساء والولدان وأقاموا بها ثلاثة أيام يسفكون وينهبون ونصبوا على المساجد صلبانهم وأعلنوا بكفرهم ومن سلم من أهلها تعلق برؤوس الجبال وبلغ الملك الناصر ذلك فقدم مسرعاً في عسكره فلما تحققت الفرنج إقباله رجعوا إلى حصونهم وقد فازوا بما استولوا عليه من القتل والأسر والنهب فكتب الملك الناصر إلى الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ وكان الملك الصالح نجم الدين قد قلده بمصر القضاء والخطابة كتاباً مضمونه أحسن الله عزاء المجلس السامي القضوى العزى في مصابه بالمسلمين وصبّرنا وإياه على ما ذهى به حوزة الدين وأثاب الذين استشهدوا بما وعد به الشهداء من رضوانه، عوضهم عن منازلهم بمنازل الأمن من قصور جنانه، وسامحنا وإياه بما أهملناه من حمية الدين وحفظ أركانه، وبما

стр. 158

اعتدناه من إغفاله، وخذلانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قول معترف بتقصيره، عن جهاد أعداء الله وأعداء دينه، جهراً بلسانه وسراً بيقينه، وذلك لمصيبة المسلمين بمدينة نابلس التي قتلت فيها المشايخ والشبان وسبيت الحلائل والصبيان، واستولت أيدي الكفار على ما كان فيها من خزائن الأموال، والغلال، وما جمعه المسلمون لازمتهم في السنين الطوال، فهو يوم ضرب الكفر بحرابه وتبختر بين أنصاره وأعوانه، وتزهى على الإسلام برونق زمانه، وهو اليوم الذي تقاتلا فيه فأحجم الإسلام ثم تولى، واقتسما فيه بالسهمان فكان سهم الكفر هو السهم المعلى، فيالها من فجيعة أبكت العيون، وأبكت الجفون، وهجمت على القلوب فودت لو أنها فودت لو أنها سقت بالمنون، فيا ليتني نبذت قبل سماعها مكاناً قصياً، أوليت ربي لم يجعلني بعباده حفيّا، أوليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيّاً، ألا ليت أمي أيّم طول عمرها فلم يقضها ربي لمولى ولا بعل، وياليتها لما قضاها لسيد لبيب أريب طيب الفرع والأصل، قضاها من اللاتي خلقن عواقر فما بشرت يوماً بأنثى ولا قحل، - ٨١ ب - ويا ليتها لما غدت بي حاملاً أصليت بما احتفت عليه من الحمل، ويا ليتني لما ولدت وأصبحت لشد إلى الشد فبات بالرجل. لحقت باسلاً في فلمت ضجيعهم ... ولم أر في الإسلام ما فيه من خبل فيا أيها العز الذي كنا نظن أن الإسلام يتزيد بسعيه غداً، وأن رقّى عزائمة تكون عليه من سحر الكفار حرزاً، تيقن أن قد عمّ بالشام النفير، ووجبت

стр. 159

الغزاة على الحدث الطرير، والشيخ الكبير، وجاز للحرة أن تبرز للقتال بغير إذن بعلها وللأمة أن تبارز برمحها ونصلها، ووجب على المجاهدين الإسعاد، والإنجاد، وتعين في طاعة الله الجهاد، فيالسان الشريعة أين الجدال فيه وأين الجلاد، وأين مهند لسانك الماضي، إذا كلّت المهندة الحداد، بعد سيف لسانك في غمده وقد هجرت سيوف الكفار جفونها، وأجرت عيون الأنام على الإسلام شؤونها، إلا وأن الإسلام بدا غريباً وسيرجع كما بدا، وتقاصرت الهمم عن إسعاده حتى لا يرى له مسعداً فأنا لله قول من عز عزاؤه في الإسلام وذويه، وبذل في الدفاع عنه ما تملكه يده وتحويه، وصبر في الله على احتمال الأذى وعدم دونه محاميه والله يتلا في الإسلام بتلافيه، ويحميه بحمايته، وحسن نظره فيه، أنه قريب مجيب ونظم الملك الناصر أبياتاً وسيرها إلى وزيره فخر القضاة أبي الفتح نصر الله بن هبة الله بن عبد الله بن عبد الباقي الغفاري المعروف بابن بصاقة لينظر فيها وهي: يا ليلة قطّعت عمر ظلامها ... بمدامة صفراء ذات تأجج بالساحل النائب روائح نشره ... عن روضة المتروح المتأرج واليمّ زاه قد هدا تياره ... من بعد طول تقلقل وتموج طوراً يدغدغه النسيم وتارةً ... يكرى فيوقظه بنان الخزرج

стр. 160

والبدر قد ألقى سنا أنواره ... في لجه المتجعد المتدبج فكأنه أذمدّ صفحة متنه ... بشعاعه المتوقد المتوهج نهر تكون من نضار مائع ... يجري على أرض من الفيروزج فوقف عليها فخر القضاة المذكور وكتب إليه وأما الأبيات الجيمية الجمة المعاني، المحكمة المباني، المعوذة بالسبع المثاني، فإنها والله حسنة النظام بعيدة المرام، متقدمة على شعراء من تقدمها في الجاهلية وعارضها في الإسلام، قد أخذت بمجامع القلوب في الإبداع، واستولت على المحاسن فهي نزهة الأبصار والأسماع، ولعبت بالعقول لعب الشمول إلا ان تلك خرقاء وهذه صناع، - ٨٢ ب -. ثم أن الملك الناصر أخرج الملك الصالح نجم الدين وتوجه معه إلى الديار المصرية فملكها وكان حصل الاتفاق بينهما قبل ذلك على أمور اشترطها الملك الناصر وحلف عليها الملك الصالح وهو عنده معتقل بالكرك وكانت مشقة يتعذر الوفاء بها لكثرتها من الأموال والبلاد فلما ملك الملك الصالح الديار المصرية حصل التسويف والمغالطة فيما حصل الاتفاق عليهم فحصلت الوحشة وتأكدت وعاد الملك الناصر إلى بلاده على غضب وشرع النفور يتزايد من الجهتين وتمادى الأمر على ذلك إلى أن حصلت المباينة الكلية فقصدت عساكر الملك الصالح جمع ما وصلت إليه أيديهم من بلاد الملك الناصر فاستولوا عليه ثم توفي الأمير

стр. 161

سيف الدين قليج سنة أربع وأربعين وهو من أعيان الأمراء الأكابر. وكان الملك الناصر أقطعه قلعة عجلون وعملها فتسلمها عمه الملك الصالح عماد الدين واستنزل أولاده من قلعتها وكان قد سير الأمير فخر الدين بن الشيخ لقصد الملك الناصر داود فقصده وأخذ منه القدس ونابلس وبيت جبريل والصلت والبلقاء وخرب ما حول الكرك والملك الناصر بها في حكم المحصور ثم نازلها الأمير فخر الدين وحاصرها أياماً ثم رحل عنها وقل ما عند الملك الناصر من المال والذخائر واشتد عليه الأمر فنظم معاتب الملك الناصر نجم الدين ابن عمه: قولوا لمن قاسمته ملك اليد ... ونهضت فيه نهضة المستأسد واقعت عليه كل أصيد من ذوي ... رحمي عريق في العلا والسودد لا قيتم بسنان كل مثقف ... صدق الكعوب وحدّ كل مهند غاضبت فيه ذوي الحجى من أسرتي ... وأطعت فيه مكارمي وتوددي يا قاطع الرحم التي صلتي لها ... ألفت على الفلك الأثير بعسجد شددت نحوى بالعتاب مقالة ... جاءت كتبهم للنضال مسدد أتقول فيّ مقالة لك جرها ... إن انصفت أوكلها إذ يعتدى إن كنت تقدح في صريح منابتي ... فاصبر بعرضك في اللهيب الموجد عمي أبوك ووالدي عم به ... يعلو انتسابك كل ملك أصيد صالا وجالا كالأسود ضوارياً ... وأبرير تيار الفرات المزبد ورثا الحماسة والسماحة عن أب ... ورّاد حرب مورد المحتدي

стр. 162

العادل الملك المؤيد بالتقى ... سيف الإله على البغاة محمد دع سيف مقول البليغ يذبّ عن ... أعراضكم بفرنده المتوقد فهو الذي قد صاغ تاج فخاركم ... بمفصل من لؤلؤي وزبرجد وفلئن غدوت بما تقول مخصصي ... لأبرهنن على الصحيح المسند إني الذي اشتهرت جميل خلائقي ... لفعال معروف وقول أحمد ٨٣ - ب الناس أجمع يعلمون بأننيمن آل شادي في صميم المحتد بيتي ونفسي في المعالي آية ... مثل السها ما أن تلامس باليد سمح إذا ما شح موسر معشر ... في حالتي بطار في وبمتلدي إني لأفضل والملوك كثيرة ... في حالتي خوف وعام أجرد بيتي إذا ألف خاف حراً ورجا ... حرم الدخيل وكعبة المسترفد حصن المطرد إن تعذر منعه ... من خوف جماع الجنود مؤيد آوى المشدد لي وأعطى ما نعى ... وأقيل أعدائي وأرحم حسّدي إن الغنى والجود من نفسي الفتى ... ليست بكثرة أنيق أوأعبد ما كل مقلال ضنين يا للمى ... ما كل مكثار بذي كفّ ندى كم من فقير كالغني بفعله ... وأخى غني كالمملق المتجدد قلد الجود ووجهه متهلل ... ولذاك يأخذ وهو كالعاني الصدى ما أمنى العافون إلا عاينوا ... بشراً بوجهى واخضلالاً في يدي ما إن ربيت ولا أرى في مهلتي ... يوماً على أهلي بفظ أنكد

стр. 163

إني لهم في النائبات كخادم ... والخادم الكافي لهم كالسيد وأنا المجيب دعاهم إن أرهفوا ... علناً بصوتي في الحجاج الأربد وأقيهم بحشاشتي متبرعاً ... من كل بؤس رائح أو مغتدي أفديهم أن قوتلوا وأمدهم ... إن أعسروا وارد. . . السوددي يا مخرجي بالقول والله الذي ... خضعت لعزته جبين السجّد لولا مقال الهجر منك لما بدا ... مني افتخار بالقريض المنشد إن كنت قلت خلاف ما هو شيمتي ... فالحاكمون بمسمع وبمشهد والله يا ابن العم لولا خيفتي ... لرميت ثغرك بالعداة المرّد لكنتى ممن يخاف حزامة ... ندماً تجرعني سمام الأسود فأراك ربك بالهدى ما ترتجي ... ليراك تفعل كل فعل أرشد لتعيد وجه الملك طلقاً ضاحكاً ... وترد شمل البيت غير مبدد كيلا ترى الأيام فينا فرصة ... للخارجين وضحكة للحسد لا زال هذا البيت مرتفع البنا ... يزهو بأمجد آخر أمجد يحوى البنون المجد عن آبائهم ... إرثاً على مر الزمان الأطرد حتى يكونوا للمسيح عصابة ... بهم يسوس المعتدي والمهتدي وفي سنة ست وأربعين ورد الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي على الملك الصالح وهو بدمشق رسولاً من الملك الناصر داود ومعه ولده الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر ومضمون الرسالة أن

стр. 164

يتسلم الملك الصالح الكرك ويعوضه عنها الشوبك وخبزاً بالديار المصرية فأجاب الملك الصالح إلى ذلك ثم رحل إلى الديار المصرية في المحفة لمرضه وسير تاج الدين بن المهاجر ليتسلم الكرك منه ويسلم الشوبك عوضها فتوجه لذلك فوجد الملك الناصر قد رجع عنه لما بلغه من حركة الفرنج إلى الديار المصرية ومرض الملك الصالح وتربص الدوائر فلما دخلت سنة سبع وأربعين ضاقت الأمور بالملك الناصر بالكرك فاستناب بها ولده الملك المعظم شرف الدين عيسى وأخذ ما يعز عليه من الجواهر ومضى في البرية إلى حلب مستجيراً بالملك الناصر صلاح الدين يوسف كما فعل عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل فأنزله صاحب حلب وأكرمه وسير الملك الناصر داود ما معه من الجواهر إلى بغداد لتكون وديعه له عند الخليفة المستعصم بالله فلما وصل الجواهر إلى بغداد قبض وسير إلى الملك الناصر داود خط بقبضه وأراد أن يكون آمناً عليه لكونه مودعاً في دار الخلافة فلم ينظره بعد ذلك وكانت قيمته مائة ألف دينار إذا بيع بالهوان وكان المعظم الذي استنابه والده بالكرك أمه أم ولد تركية الملك الناصر يميل إليها ويحب ولدها أكثر من إخوته الباقين وكان للملك الناصر من ابنة عمه الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل أولاد منهم الملك الظاهر شادي أكبر أولاده والملك الأمجد مجد الدين حسن وكان فاضلاً نبيهاً مشاركاً في علوم شتى وكان للملك الناصر أيضاً أولاد أخر من أمهات أولاد شتى فلما قدم المعظم عليهم تعلموا خصوصاً الظاهر والأمجد لكبر سنهما

стр. 165

وتميزهما في أنفسهما ولما كان الملك الصالح نجم الدين بالكرك كانت أمهما تخدمه وتقوم بمصالحه لكونها ابنة عمه وكان والداها المذكوران يأنسان به ويلازمانه في أكثر الأوقات واتفق مع ذلك ضيق الوقت وتطاول مدة الحصر فاتفقا مع أمهما على القبض على أخيهما المعظم فقبضاه واستوليا على الكرك وعزما على تسليمها إلى الملك الصالح نجم الدين وأن يأخذا عوضاً عنها فسار الملك الأمجد إلى العسكر بالمنصورة فوصل يوم السبت لسبع مضين من جمادى الآخرى سنة سبع وأربعين واجتمع بالملك الصالح فأكرمه وأقبل عليه وتحدث مع الملك الصالح في تسليم الكرك وتوثق منه ولنفسه ولأخوته وطلب خبزاً بالديار المصرية يقوم به فأجابه إلى ذلك وسير إلى الكرك الطواشي بدر الدين بدر الصوابي متسلماً لها ونائباً عنه بها ووصل إلى العسكر أولاد الملك الناصر جميعهم وأخواه الملك القاهر عبد الملك والملك المغيث عبد العزيز ونساؤهم وجواريهم وغلمانهم وأتباعهم واقطعوا اقطاعات جليلة ورتب لهم الرواتب الكثيرة وأنزل أولاد الملك الناصر الأكابر وأخواه في الجانب الغربي قبالة المنصورة وفرح الملك الصالح بأخذ الكرك فرحاً عظيماً معما هو فيه من المرض العظيم الذي لا يرجى برؤه وزينت القاهرة ومصر وضربت البشائر بالقلعتين وكان تسلم الكرك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرى سنة سبع وأربعين وستمائة وحكى لي أن آكد الأسباب في تسليم الكرك معماً تقدم ذكره من الأسباب أن الملك الناصر كان يميل إلى شخص من أولاد غلمانه يدعى إسحاق

стр. 166

وكان بارع الجمال مفرط الحسن وله فيه أشعار مشهورة فلما توجه إلى حلب تركه بالكرك فمال إليه الملك الأمجد بن الملك الناصر نيلاً مفرطاً واستحوذ الشاب إلى الملك الأمجد وكلاهما جميل الصورة والأمجد أسن منه بسنين يسيرة وجرى في ذلك فصول يطول شرحها فتخيل الأمجد أن والده متى تمسكن منه فرق بينهما قطعاً وربما أعدم الشاب بالكلية لأنه كان شديد الغيرة عليه ولا يخلو الأمجد من أذية تناله ومكروه يوقعه به فكان هذا آكد الأسباب في تسليمها ولو تأخر تسليمها لبقيت لهم مع تقدير الله تعالى فإن الملك الصالح كان قد اشتغل عنهم وعن غيرهم بنفسه وما به من الأمراض العظيمة المهولة وبما دهمه من قصد الفرنج الديار المصرية واستيلائهم على طرق بلادها وأعقب ذلك موته ثم قدوم الملك المعظم ولده وقتله ثم تفرق المماليك وإنفراد الشام عن مصر وإشتغال الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالمصريين واشتغالهم به ثم قصد التنر البلاد الشامية واستيلاؤهم عليها ثم كسرتهم وقصر مدتهم لله الحمد والمنة لكن إذا أراد الله أمراً بلغه. ها ثم كسرتهم وقصر مدتهم لله الحمد والمنة لكن إذا أراد الله أمراً بلغه. وأما الملك الناصر داود فبقي في حلب عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف وبلغه ما جرى فعظم عليه جداً فمات الملك الصالح وتملك البلاد الملك المعظم ولده وقتل وأخرج الطواشي بدر الدين الصوابي الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل وملكه الكرك والشوبك وملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف دمشق والشام على ما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه فلما أستقر قدم الملك الناصر صلاح الدين يوسف

стр. 167

بدمشق في سنة ثمان وأربعين ومرض بها مرضاً يؤس منه فيه. وكان معه بدمشق في سنة ... الملك الصالح عماد الدين إسماعيل والملك الناصر داود فقيل أن الملك الناصر داود سعى في أيام مرض الملك الناصر يوسف والأرجاف في أن يتملك دمشق فلما عوفي الملك الناصر بلغه ذلك فتقدم بالقبض عليه وسيره تحت الحوطة إلى حمص فاعتقله في قلعتها فقال الملك الناصر داود أبياتناً أولها. إلهي إلهي أنت أعلى وأعلم ... بمحقوق ما تبدي الصدور تكتم وأنت الذي ترجى لكل عظيمة ... وتخشى وأنت الحاكم المتحكم ٨٦ب - إلى علمك الفصل أشكو ظلامتيوهل بسواه ينصف المتظلم أبث جنايات العشيرة معلناً ... إلى من بمكنون السرائر يعلم أتيتهم مستصرخاً مستجرماً ... كما يفعل المستصرخ المتظلم فلما يئسنا نصرهم ونوالهم ... رمونا بإفك القول وهو مرجم وقطع مني ما أمرت بوصله ... وإحلال أبعاد القرابة يحرم مليكي أتعلوني الملوك بقهرها ... وأنت ملاذي منهم وهم هم فحسبي اعتصاماً إنني بك لائذ ... إذا هز خطى وجرد مجرم أغثنا اغثنا من عانا يكن لنا ... بك النصر حتى يخذلوا ثم يهزموا لندركهم من باسنا بكتائب ... تهد صناديد الملوك وتهدم لنسقيهم كأساً سقونا بمثلها ... ونعفو ونسخو إذ سطوا وتلوموا

стр. 168

طلبنا جليلاً من عظيم وإنما ... يجود على المكرمات المعظم يجدد نعماك القديمة عندنا ... حديث إياد لفظها يترنم فنصرك مجعول لنا ومعجل ... وبرك معلوم لنا فهو معلم وبقي في الاعتقال مدة ثم أفرج عنه بشفاعة وردت من الديوان فتوجه إلى العراق فلم يؤذن له في دخول بغداد مراعاة لخاطر الملك الناصر صلاح الدين يوسف وطلب الوديعة فلم تحصل له وجرى له خطوب يطول شرحها وآخر الأمر وقعت شفاعة في حقه على أن يكون في خدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ويطلق له ما يقوم بكفايته فحصلت الإجابة إلى ذلك وورد دمشق وأقام بها فلما وردت سنة ثلاث وخمسين طلب من الملك الناصر دستوراً ليمضي إلى العراق ليأخذ الوديعة ثم يتوجه إلى مكة شرفها الله تعالى لقضاء فريضة الحج فأذن له وطلب منه أن يكتب كتاباً إلى الخليفة يشفع له في رد وديعته إليه ويخبره بالرضا عنه لينقطع بذلك ما يحتج به عليه من جهته فأجابه إلى ذلك وكتب له فسافر إلى العراق وجعل طريقه على كربلاء مشهد الحسين بن علي ﵉ وأقام به وسير إلى الخليفة المستعصم بالله قصيدة يمدحه بها ويتلطف ويمت بقصده وخدمة وهي: مقامك أعلى في الصدور وأعظم ... وحلمك أرجى في النفوس وأكرم فلا عجب أن غص بالقول شاعر ... وفوه مصل اللها بين مفحم وأني يقول والمحل معظم ... ولم لا وما يرجى من الحلم أعظم

стр. 169

إليك أمير المؤمنين توجهي ... بوجه رجاء عنده منه أنعم إلى ماجد يرجوه كل ممجد ... عظيم ولا يغشاه إلا المعظم ركبت إليه ظهر تيماء قفرة ... بما تسرج الأعداء خيلاً وتلجم فأشجارها ينع وأحجارها ظبي ... وأعشابها نبل وأمواهها دم رميت فيافيها بكل نجيبةبنسبتها يعلو الجديل وشذقم ٨٧ ب يجاذبنا فضل الأزمة بعد ما ... براهن موصول من السير مبرم تساقين من خمر الكلال مدامة ... فلا هن أيقاظ ولا هن نوم يطسن الحصى في جمرة القيظ بعد ما ... غدا يتبع الجبار كلب ومرزم تلوح سباريت الفلاة مسطر ... بأخفافها منه فصيح وأعجم تخال ابيضاض القاع تحت احمرارها ... قراطيس وراق علاهن عندم فلما توسطن المساواة واعتدت ... تلفت نحو الدار شوقاً وبرزم وأصبح أصحابي نشاوي من السرى ... يدور عليهم كوبه وهو مفعم تنكر للخريت بالبيد عرفه ... فلا علم يعلو ولا النجم ينجم فظل لا فراط الآسي متندماً ... وإن كان لا يجدي الأسى والتندم لشوف الرغامة صلة لهداية ... ومن بالرغامة يهتدي فهو يرغم يناجي فجاج الدو والدو صامت ... ولا يسمع النجوى ولا يتكلم على حين قال الظبي والظل قالص ... وأوقدت المعزاء فهي جهنم

стр. 170

وجف مزاد القوم فهي أشنة ... وخف لورد الموت كف ومعصم ووسع ميدان المنايا بخيله ... فضاق مجال الريق والتجم الفم فوحش الرزايا للرزية حصر ... وطيرالمنايا بالمنية حوم فلما تبدت كربلا وتبينت ... قباب بها السبط الزكي المكرم ولذت به مستشفعا متحرما ... كما يفعل المستشفع المتحرم وأصبح لي دون البرية شافعاً ... إلى من به معوج أمري يقوم أنخت ركابي حيث أيقنت أنني ... بباب أمير المؤمنين مخيم بباب يلاقي البشر آمال وفده ... بوجه إلى أرفادهم يتبسم بحيث الأماني للأماني قسيمة ... وحيث العطايا بالعواطف تقسم وحيث غصون المجد تهتز للندى ... تزعزج جواداً من سجاياه يثجم عليك أمير المؤمنين تهجمي ... بنففس على الجوزاء لا تتهجم تلوم بأن تغشى الملوك لحاجة ... وللتهابي عنك لا تتلوم تضن بماء الوجه لكن وفدكم ... له شرف ينتابه المتعظم فصن ماء وجهي عن سواك فإنه ... مصون يصوناه الحيا والتكرم الست بعيد حرمتي عن وراثة ... له عندكم عهد تقادم محكم ومثلي يحيى للفتوق ورتقها ... إذا هز خطي وجرد مخذم فلا زلت للآمال تبقى مسلما ... لتنتابك الآمال وهي تسلم فلم يجد شيئاً ثم توجه إلى مكة شرفها الله تعالى وقضى فرائض الحج

стр. 171

وسننه ووقعت فتنة بمكة بين أهلها والركب العراقى فركب أمير الحاج العراقي بمن معه من عسكر الخليفة وكاد يقع بينهم ملحمة عظيمة فقام الملك الناصر داود في الإصلاح حسن قيام واجتمع بالشريف قتادة أمير مكة واخضر إلى أمير الحاج مذعناً له بالطاعة وقد جعل عمامته في عنقه فرضي عنه أمير الحاج وخلع عليه وذاده على ما جرت به العادة من الرسم وقضى الناس مناسكهم وتفرقوا إلى أوطانهم وهم شاكرون لجميل صنع الملك الناصر وإصلاحه لذات البين وحفظه بما فعل لأموالهم وأرواحهم وكثر دعاؤهم له وثناؤهم عليه ثم توجه أمير الحاج العراقي فلما قدم مدينة سيدنا المصطفى ﷺ قام بين يدي الحجرة الشريفة وأنشد مادحاً للنبي ﷺ وفرائصه ترتعد ولسانه من هيبة ذلك المقام تتلجلج عليك سلام الله يا خير مرسل ... أتاه صريح الحي من خير مرسل إليك امتطينا اليعملات رواسما ... يجبن الفلا ما بين رضوى ويذبل إلى خير من أطرته بالمدائح السن ... فصدقها نص الكتاب المنزل إليك رسول الله قمت مجمجماً ... وقد كل عن ثقل البلاغة مقولي وأدهشني نور تألق مشرقاً ... يلوح على سامي ضريحك من على ثنتني عن مدحي لمجدك هيبة ... يراع لها قلبي ويرعد مفصلي وعلمي أن الله أعطاك مدحة ... مفصلها في مجملات المفصل فماذا يقول لمادحون بمدحهم ... بمن مدحه يعلو على كل معتلي ثم أحضر شيخ الحرم وخدامه ووقف بين يدي النبي صلى الله

стр. 172

عليه وسلم متمسكاً بأذيال الحجرة المقدسة وقال بمشهد وإن هذا مقامي من رسول الله ﷺ داخلاً عليه مستشفعاً به إلى ابن عمه الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين في أن يرد علي وديعتي فأعظم الناس هذا المقام الشريف وجرت عبراتهم وكثر بكائهم وكتب في الحال بصورة ما جرى إلى الخليفة وحمل المكتوب إلى أمير الحاج وحدثه الحاضرون بصورة ما جرى في تلك الحضرة المقدسة وكان ذلك يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين ثم توجه الركب العراقي وصحبتهم الملك الناصر فلما صاروا ببعض المنازل خرج عليهم جمع عظيم من العرب يريدون نهبهم وأخذ أموالهم وأشرعوا لهم الأسنة وأخذوا في مقاتلتهم ومحاربتهم واشتد القتال بينهم وكادوا يظفرون بأمير الحاج ومن معه فخرج الملك الناصر وشق الصفوف واستدعى بأمير السرية وهو أحمد بن حجي بن زيد من آل مري وكان أبوه الأمير حجي صاحب الملك الناصر داود وص والده الملك المعظم للناصر عليه أياد عظيمة فدنا أحمد من الملك الناصر فحذره سوء عاقبة فعله وإقدامه على ركب الخليفة وأخذ في محادثته تارة بالترهيب وتارة بالترغيب إلى أن انقاد له وأجاب إلى الكف ولما رجع الحاج وصحبتهم الملك الناصر إلى العراق خرج أمر الخليفة بإنزال الملك الناصر - ٨٩ب - بالمحلة فنزل بها وقرر له راتب لا يكفيه وجرى له ما ذكرنا من محاسبته على ما وصل إليه من الضيافة وغيرها فعاد إلى الشام ولم يحصل له المقصود وأخر أمره أنه وصل

стр. 173

إلى قرقيسياتم عاد منها إلى تيه بني اسرائيل كما ذكرنا وانضم غليه جماعة من العرب ورام فيما قيل أن يتصل بالبحرية وذلك في أوائل سنة ست وخمسين وبلغ الملك المغيت فتح الدين عمر صاحب الكرك فخاف منه أن يكثر جمعه من العرب والترك فيقصده فراسله مخادعاً له بإظهار المودة ثم أرسل إليه عسكر فقبضوا عليه وعلى من معه من أولاده فلما وصلوا بهم إلى اللاجية من غور زغراء أفردوه منهم وأذنوا للأولاد أن ينصرفوا حيث شاؤا ومضى أصحاب الملك المغيث بالملك الناصر داود إلى بلد الشوبك وكان تقدم الملك المغيث بأن يهيئ به مطمورة يحبس فيها لينقطع خبره فلما وصلوا به إلى ذلك المكان وجدوا المطمورة لم يتم عملها فأنزلوه في طور هارون ﵇ فلجأ إليه مستشفعاً به وبأخيه موسى صلى الله عليهما وسلم واتفق أن الخليفة لما قصده التتر في هذه السنة أعني سنة ست وخمسين كما ذكرنا اضطر إلى الانتصار بكل أحد فأرسل إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف يستمده بالرجال ويطلب منه أن يسير إليه الملك الناصر داود مقدماً على من يبعثه من العساكر الذي يستخدمهم لنصرة الإسلام فوصل الرسول من الخليفة بذلك إلى دمشق ثم توجه إلى الكرك لإحضار الملك الناصر داود لهذا المهم فأتاه الفرج من حيث لا يحتسب بعد أن أقام في طور هارون ﵇ ثلاث ليال فقال في ذلك. تبارك الله إخلاصاً وأيماناً ... سبحانه خالقاً بالجود مناما

стр. 174

هو الذي يقاسي من قعر هاوية ... أقمت فيها مطار اللب حيرانا موسى بن عمران بل هارون صاحبه ... تكفلاني إشفاقاً وتحنانا هما إلى الله قاما بالشفاعة لي ... تلطفا فيهما براً وإحسانا فأفرج الملك المغيث عنه وتوجه إلى دمشق ونزل بالبويضاء شرقي دمشق وأقام بها يتجهز لنصرة الخليفة وقصر الصلاة مدة إقامته بالبويضاء وتواترت الأخبار بمضايقة التتر بغداد فأشار عله جماعة من أصحابه أن يتأنى في الحركة فقال إني قد بعت نفسي من الله تعالى وما توجهي لطلب دنيا وإنما مقصودي أن أبذل نفسي في سبيل الله لعل الله تعالى يجعل على يدي نفعاً للمسلمين - ٩٠ب - أو تحصل لي الشهادة في سبيله وبينما هو على هذه النية وردت الأخبار بأن التتر ملكوا بغداد وشاع أيضاً خبر لا حقيقة له وهو أن الخليفة لحق بالعرب فقال لا بد لي من اللحاق به فله في عنقي بيعة وقد لزمني الوصول إليه وأخذ بغداد منه لا يسقط وجوب اتباع أمره والذي يخشاه الناس القتل وأنا لا أخشاه وعرض في هذه السنة عم الشام وديار مصر وغيرها وحكى عبد الله بن فضل أحد من كان في خدمته قال لما اشتد الوباء والطاعون عقيب أخذ التتر بغداد تسخطنا به فقال لنا الملك الناصر لا تتسخطوا به فإن الطاعون لما وقع بعمواس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ قال بعض الناس هذا وجه هذا الطاعون الذي بعث على بني إسرائيل فبلغ ذلك معاذ بن جبل ﵁ فقام في

стр. 175

الناس خطيباً وقال أيها الناس لا تجعلوا دعوة نبيكم ﷺ ورحمة ربكم عذاباً وتزعمون أن الطاعون هو الطوفان الذي بعث على بني اسرئيل إن الطاعون رحمة ربكم رحمكم بها ودعوة من نبيكم لكم اللهم أدخل على معاذ منه النصيب الأوفى قال ثم افيض علينا موت معاذ وابنه وأهل بيته بالطاعون ثم ابتهل وقال اللهم اجعلنا منهم وارزقنا ما رزقتهم وأصبح من الغد أو بعده مطعونا فلما سمعت بمرضه جئت إليه وهو يشكو ألماً مثل الطعن بالسيف في جنبه الأيسر بحيث يمنعه من الأضطجاع وحكى ولده شهاب الدين غازي عنه أنه نام بين الصلاتين ثم انتبه فقال إني رأيت جنبي الأيسر يقول لجنبي الأيمن أنا قد جاءت نوبتي والليلة نوبتك فاصبر كما صبرت فلما كان عشية النهار شكى ألماً خفيفاً تحت جنبه الأيمن وأخذ في التزايد وتحققنا أن ذلك الطاعون فبينما أنا عنده بين الصلاتين وقد سقطت قواه إذ أخذته سنة فانتبه وفرائصه ترتعد فأشار إلي فدنوت منه فقال رأيت النبي ﷺ والخضر ﵇ قد جاءا إلى عندي ثم انصرفا فلما كان آخر النهار قال ما في رجاء فتهيئ في تجهيزي فبكيت وبكى الحاضرون فقال لا تكن إلا رجلاً ولا تعمل عمل النساء ولا تغير هيئتك وأوصاني بأهله وأولاده ثم اشتد به الضعف ليلاً وقمت في حاجة فحدثني بعض من كان عنده من أهله أنه افاق مرعوباً وقال بالله تقدموا إلى جانبي فإني أجد وحشة فسئل لما ذلك فقال أرى صفاً عن يميني - ٩١ب -

стр. 176

وصورهم جميلة وعليهم ثياب حسنة وصفاً عن يساري وصورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس وهؤلاء يطلبوني وهؤلاء يطلبوني وأنا أريد أن أروح إلى أهل اليمين وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت ما أجيئ إليكم خلوني من أيديكم ثم أغفى إغفاءة ثم استيقظ وقال الحمد لله خلصت منهم وكانت وفاته رحمه الله تعالى صباح تلك الليلة وهي ليلة السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى هذه السنة وعمره نحو ثلاث وخمسين وقد استولى عليه الشيب استيلاء كثيرا وفي صبيحة موته جاء الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ في أقاربه وعساكره إلى البويضاء وأظهر التأسف والحزن عليه ورأى على بعض أقاربه ملبوسا ملونا فأنكر عليه ذلك غاية الإنكار وقال هذا يوم تلبس فيه هذه الثياب وقد مات كبيرنا وشيخنا وأجلنا قدرا ومكانة ثم حمل إلى الصالحية فدفن هناك في تربة والده الملك المعظم رحمهما الله تعالى وكانت والدة الملك الناصر داود رحمه الله تعالى أم ولد خوارزميه وعمرت بعد وفاته دهراً حكى لي عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ ما معناه أنه قال خرج الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ إلى البويضاء؟ لشهود جنازة الملك الناصر داود ﵀ وكنت في من خرج في خدمته فلما وصل السلطان خرجت والدة الملك الناصر داود حاسرة وقالت اشتفيت بولدي أو هذا معناه من كلام النساء في حال الحزن وسفههن فقال الملك الناصر يا مرة مسلمة والله لقد عز علي فقده وتألمت لوفاته وهو ابن عمي وقطعة من لحمي فكيف

стр. 177

تقولين هذا القول ثم قعد وتأسف عليه وبكى ولم يتأثر لمقالها وعذرها لما نزل بها ولم يحضر أحد من أعيان الدمشقيين سوى قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سني الدولة وولده القاضي نجم الدين رحمهم الله تعالى لا غير فالتفت السلطان إلى القاضي صدر الدين وقال ما أقل وفائكم يا دمشقيين يموت مثل الملك الناصر وهو سلطانكم وأبوه سلطانكم وجده سلطانكم وما يخرج أحد إلا أنت وولدك والله كان الواجب على أهل دمشق أن يكونوا من المدينة إلى هنا مكشفي الرؤوس يندبونه ويبكون عليه وشرع في توبيخ الدمشقيين ولومهم على ذلك بما هذا معناه وكان في الملك الناصر داود ﵀ فضيلة وبقية في الآداب والعلوم ومحبة في العلماء فإذا اعتبرت ألفاظها كانت دراً منظوماً وإن اختبرت معانيها كانت رحيقاً مختوماً جلت بعلوها عن المعاني المطروقة والألفاظ المسروقة ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة فلو وجدها بان المعتز لاجرى زورقة الفضة في نهرها وألقى حمولة العنبر في بحرها وألقى تشبيهاته باسرها في أسرها ولو لقيها ابن حمدان لاعتم في موسى الغمام وانبرى بري السهام وتغطى من أذبال الغلائل المصبغة بذيل الظلام ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة وكرته خاسرة وأيقن أن وحوشه غير مكسورة وعقابه غير كاسرة فأين الجزع الذي لم يثقب من الذي قد تنظم وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة ويشفي القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة. الدمشقيين سوى قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سني الدولة وولده القاضي نجم الدين رحمهم الله تعالى لا غير فالتفت السلطان إلى القاضي صدر الدين وقال ما أقل وفائكم يا دمشقيين يموت مثل الملك الناصر وهو سلطانكم وأبوه سلطانكم وجده سلطانكم وما يخرج أحد إلا أنت وولدك والله كان الواجب على أهل دمشق أن يكونوا من المدينة إلى هنا مكشفي الرؤوس يندبونه ويبكون عليه وشرع في توبيخ الدمشقيين ولومهم على ذلك بما هذا معناه وكان في الملك الناصر داود ﵀ فضيلة وبقية في الآداب والعلوم ومحبة في العلماء فإذا اعتبرت ألفاظها كانت دراً منظوماً وإن اختبرت معانيها كانت رحيقاً مختوماً جلت بعلوها عن المعاني المطروقة والألفاظ المسروقة ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة فلو وجدها بان المعتز لاجرى زورقة الفضة في نهرها وألقى حمولة العنبر في بحرها وألقى تشبيهاته باسرها في أسرها ولو لقيها ابن حمدان لاعتم في موسى الغمام وانبرى بري السهام وتغطى من أذبال الغلائل المصبغة بذيل الظلام ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة وكرته خاسرة وأيقن أن وحوشه غير مكسورة وعقابه غير كاسرة فأين الجزع الذي لم يثقب من الذي قد تنظم وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة ويشفي

стр. 178

القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة. قلت كان فخر القضاة صاحب هذا الكلام من أعيان الفضلاء مستقلاً بالعلم والأدب والترسل وله النظم الحسن ومشاركة في كثير من العلوم مع ما عنده من الرياسة والمكارم وحسن العشرة ودماثة الأخلاق خدم الملك المعظم ابن الملك العادل ثم ولده الملك الناصر المذكور ووزر له وترسل عنه إلى دار الخلافة وإلى جماعة من الملوك بالديار المصرية وغيرها من البلاد وسمع وحدث وجالس المشايخ والعلماء واعترفوا بغزارة علمه وكثرة فضله وتوفي في منزله بسفح قاسيون ظاهر دمشق يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة سنة خمس وستمائة ودفن هناك ﵀ وأظنه قد نيف على الستين. ومن كلامه: قتيل الجفون الفواتر في سبيل حبه كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربه إلا أن هذا يغسل بدموعه وهذا يزمل بنجيعه وهذا في حال حياته حتى يرمق وهذا في مماته حتى يرزق وقد الّم ابن الأثير الجزري بهذا المعنى فقال: دمع المحب ودمع القتيل متساويان، في التشبيه والتمثيل إلا أن بينهما بوناً، لأنهما يخلفان لوناً. ولفخر القضاة: له الراية السوداء يشرق نورها ... وتكحل عين النصر منها بأثمد وله في الملك المعظم عيسى بن العادل: غبت عن القدس فأوحشته ... وقد غدا باسمك مأنوسا

стр. 179

فكيف لا تلحقه وحشة ... وأنت روح القدس يا عيسى وله أيضاً: لقد عدم الفضل والمفضلون ... وأمسى مريدهما مستريحا فلا شاعر يستحق النوال ... ولا باذل يستحق المديحا وقال ملغزاً في الرمح: ولي صاحب قد كمل الله خلقه ... فليس به نقص يعاب فيذكر عصي صقيل إن أطيل عنانه ... مطيع خفيف الكل حين يقصر يسابقني يوم النزال إلى العدى ... فإن لم أؤخره فما يتأخر ويؤمن منه الشر ما دام قائماً ... ولكن إذا ما نام يخشى ويحذر أنال به في الروع مهما اعتقلته ... مراما إذا أطلقته يتعذر تعدى إلى أعدائه متنصلاً ... إليهم وما أبدى اعتذارا فيعذر ترى منه دمياً إلى الخط ينتمي ... ومغرى بغزو الروم وهو مزنر عجبت له من صامت وهو أجوف ... ومن مستطيل الشكل وهو مدور ومن طاعن في السن ليس بمنحنى ... ومن أرعن مذ عاش وهو موقر ففكر إذا ما رمت إفشاء سره ... فها أنا قد أظهرته وهو مضمر وكتب إلى شمس الدين بن النعماني كاتب الجيوش ببغداد لغزا في جميل: ولي صاحب مازال يحسن صحبتي ... وليس له في المخبتين عديل

стр. 180

تساوى اسمه بين الأنام وفعله ... فكل إذا فكرت فيه جميل متى تلقى حرفاً أولاً تلقه ... منيعاً يرد الطرف وهو كليل وإن تلقى منه ثانياً فهو أمة ... مقيم يقضي عمرها ويزول وإن تلق منك ثالثاً فهو صابر ... لما لد من ثقل الرجال حمول وإن تلق منه رابعاُ فارتحل إذا ... تصحف عنه ليس فيه نزول وقد رضته حتى طفا وهو راسب ... بلحج وغصّ فالبحر منه طويل فأجابه ابن النعماني والغز في اسم سعيد: أمولاي يا من فضله وبيانه ... وصاحبه كل يقال جميل ومن حاز أفكار المعاني وفضله ... لسودده بالمكرمات كفيل إنا ذلك المومى إليه ومجدكم ... يبين قياسا لي عليه دليل ولي صاحب من كان في الناس كاسمه ... يقول بحد صارم ويصول متى تلق حرفاً أولاً منه تلقه ... يهني به كل الورى ويزول وإن عد حرفاً واحد من حروفه ... فللنجم منه منزل وحلول وإن يكن المحذوف حرف انتهى به ... فليس لإنسان سواه عديل كذا جاء في التنزيل يا قوم فاعلموا ... لتأويل ما قد قلته وأقول فأجابه فخر القضاة: أمولاي شمس الدين لازلت هكذا ... تفيد الصديق والعدو تبيد ولا برحت يمناك في كل عزمة ... تجود على الراجي وأنت تسود
следующие страницы →