Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
مسلم نفس في يد حنينه ... راهب دير فان من كمينه
مستوحش كالليث في عرينه ... ألهاه عن تسبيحه ودينه
تأنيسها حتى تراه قد صبى
وخشية ألفه لعربها ... إذا حدا في الليل حادي ركبها
أسكرني وهل نسيم قربها ... كأنما الصهباء مقطوب بها
ماء جنى ورد إذا الليل عسا
يخالها النعمان أو شقيقها ... يا زيد أنعمت في حريقها
كالكأس تجلى في جلي رحيقها ... يمتاحها راشف برد ريقها
بين بياض الظلم منها واللمى
يا معجباً من دمع عيني مهملاً ... يذكر روضا بالحمى ومنهلا
ومنزلاً إلى العقيق قد خلا ... سقى العقيق فالحزيز فالملا
إلى النحيت فالقريان الدنا
ربع العلا أفقر من أربابه ... وسورة الفتح على أبوابه
ومبسم الأفواه الأمير يترابه ... فالمربد إلا على الذي تلقى به
مصارع الأسد بألحاظ المها
ربع على منزله بقربه ... وأشرقت أنواره بغربه
وقد زها نوارها بتربه ... محله كل مقرم سمت به
مآثر الآباء في فرع العلا
стр. 1262
لئن زرد يوماً مقدماً فما رزوا
أكم خلق الله حوراً وحوز ... من الأولى جوهرهم إذا اعتزوا
من جوهر منه النبي المصطفى
فهم بحار العلم أو سفن النجا ... أطواد حلم لم يخب فيه الرجا
وثبت وحي لهداه الملتجى ... صلى عليه الله ما جنّ الدجى
وما جرت في فلك شمس الضحى
عين يزيل الغيم منها حاجباً ... فيشيم البرق العبور قاضبا
ويرسل الغيث لدمعي ساكباً ... جون أغارته الجنوب جانبا
منها وواصت صوبه يد الصبا
الشمس في غيوبه قد كورت ... والوحش من بريمه قد حشرت
ينظم وهرا كالنجوم انثرت ... نأي يمانياً فلما انتشرت
أحضانه وامتد كسراه غطا
صفا بها شاباً من الشوائب ... بكل لطف شابت الذوائب
ممدودة الأطناب في المضارب ... فجلل الأفق فكل جانب
منها كأن من قطريه المزن حبا
стр. 1263
حار على السرح وما أعدله ... لما حمى السبل لما سبله
وأطفا النور بما أشعله ... إذا خبت بروقه عنّت له
ريح الصبا تشب منها ما خبا
قنطارة توسع في إغرابها ... فيبعد المحل من اقترابها
هذا مع الإسراع في إيابها ... وإن ونت رعوده حدابها
راعى الجنوب فحدت كما حدا
إن نثرت جواهر من سلكه ... وانحل عقد خيطه وفركه
هبت صبا تجمع شعل هتكه ... كان في أحضانه وبركه
بركاً تداعى بين سجر ووحى
طاهره يبدو لمن تأملاً ... ركب يوالي أولا فأولا
ولو تراه طالعاً يا ابن جلا ... لم تر كالمزن سوا ما بهلا
تحسبها مرعية وهي سدى
رأى حمولاً قد تأمن رفعة ... وأقبلت أنواره من دفعه
فاعرف البلدة نور هقعة ... فطبق الأرض فكل بقعة
منها تقول الغيث في هاتا ثوى
ما نافعي منها بفلك أو سقت ... من بعد قتلى الطف لطمت أو سقت
هل من سواء أنجزهم إن استقت ... تقول للأجراز لما استوسقت
بسوقه تسقي بريّ وحيا
стр. 1264
فأخرج الحب به بعد الجبا ... وأطلق السبت ما ها للحبا
وفرق اللطف به كف الصبا ... فأوسع الأحداب سيبا محسبا
وطبق البطنان بالماء الروى
وطالما استخرجه من عيبه ... مستسقياً غمامه بسيبه
فأضحك العباس فضل شيبه ... كأنما البيداء غبّ صوبه
بحر طما تياره ثم سجا
إذا أناخ في الثرى بركبه ... اطلع تبراً زاهراً من تربه
يعرب في النادي بداً عن عربه ... ذاك الجدا لا زال مخصوصاً به
قوم هم للأرض غيث وجدا
سقتني الاخلاص منه درة ... وبالرضا قد حيلت لي قطرة
فلي على الصبر بذاك فطرة ... لست إذا ما بهظتني غمرة
ممن يقول بلغ السيل الزبى
كم وقفة للرمح فيها خطرة ... لم يجر فيها من دموعي قطرة
كفكفها وتلك نفس حرة ... وإن ثوت تحت ضلوعي زفرة
تملأ ما بين الرجا إلى الرجا
стр. 1265
لمتها بعفتي تسترا ... أو يرجع المظهر منه مظهرا
وإن دهتني أزمة كما ترى ... نهنهتها مكظومة كما يرى
مخضوضعاً منها الذي كان طغى
لست وإن أرب حيا في كربة ... وأعوزتني لمساغي شربة
يخضع يوماً من تناهي هضبة ... ولا أقول إن عرتني نكبة
قول القنوط انقدّ في الحرب السلا
أنا الذي طود حياتي قد رسا ... فلا ألين للعدو إن قسا
ابسم والخطب يرى معبساً ... قد مارست مني الخطوب مارسا
يساور الهول إذا الهول عسا
واعتدلت أفعال بطشي في القوى ... وصح ميزاني فخلاني سوا
فلا أميل لهواء وهوى ... لي التواء إن معادي التوى
ولي استواء إن موالي استوى
خلائق قد جبلت طهارة ... خذ عن عبير عيرها عبارة
في الذي يخشى ويرجى عارة ... طمعي شريّ للعدو تارة
والأري والراح لمن ودي ابتغى
ساءني الأضداد في تألفي ... أبدع في تركيبها مؤلفي
تنكرا ضمّ إلى تعرفي ... لدن اذ لوينت سهل معطفي
ألوى إذا خوشنت مرهوب الشدا
стр. 1266
لم يتقلقل الرزايا ربتي ... ولا دنت طوع لدينا همتي
وكل فضل راسخ من فضلتي ... يعتصم الحلم بجنبي حبوتي
إذا رياح الطيش طارت بالحبي
شيطان دنياي لا يوسوس ... وباطني كظاهري مقدس
عفة طهر حرها لا تنجس ... لا يطبئني طمع مدنس
إذا استمال طمع أو اطبى
إن شرفت فلم يشنع شاربي ... إذا شرقت من الدماء معاربي
فطا لما أدنى المنى مآربي ... وقد علت بي رتبا تجاربي
أشفين بي منها على سبل النهى
صفوت أخلاقاً فذا ... معوداً من صغري معوذا
من كل ما يخشى الفتى إلا إذا ... إن امرؤ خيف لافراط الأذى
لم يخش مني نزق ولا أذى
سجية في غير دأبي لم يكن ... إن خانني دهر ظلوم لم أخن
أو هزّ خل..حقاً أحن ... من غير ما وهن ولكني امرؤ
أصون عرضاً لم يدنسه الطخا
стр. 1267
كم ليلة بت بها أحمي الحما ... أرعى بها نجمي سنان وسما
صوناً وبذلاً لدمي أو دما ... وصون عرض المرء أن يبذل ما
ضنّ به مما حواه وانتصى
إن أسمعت قوس الرزايا رنّه ... وأرسلت رسماً أصاب مجنّه
تلقه بالشكر تلق منّه ... والحمد خير ما اتخذت جنه
وأنفس الاذخار من بعد التقى
إن قعدت في كبوة من زمني ... وقام في العلياء منكوس دني
خلف الدنيا بالميل الدون مني ... وكل قرن ناجم في زمن
فهو شبيه زمن فيه بدا
لم تبد لي من مبسم بوارق ... إلا انجلت لي تحتها بوائق
يعرفها من هو مثلي ذائق ... والناس كالنبت فمنهم رائق
غض نضير عوده مرّ الجني
وكلما نجني على طرف الفطن ... بظاهر ببطن سرا؟ ً مكتمن
فمنه ما بان بمعنى لم يبن ... ومنه ما تقتحم العين فإن
ذقت جناه انساغ عذباً في اللها
رمى الذي أكفيت في طعانه ... قد كفت الأيام من سنانه
فليت لي عوداً إلى إبانه ... يقوم الشارخ من زيغانه
فيبستوي ما انعاج منه وانحنى
стр. 1268
هيهات إن يرجعه لهيفه ... يبعثه على الدماء وبيغه
وهو عليه قد قضى نبيغه ... والشيخ إن قومته من زيغه
لم يقم التثقيف منه ما التوى
قد كان والنصر به يحفه ... يشقى دماء فيميل عطفه
أعطشه الدهر وهان قصفه ... كذلك الغصن يصير عطفه
لدناً شديد غمزه إذا عسا
هو الذي أطمع حلماً خصمه ... حتى استباح السيف ظلماً قسمه
لو حارب القوم يبوء سلمه ... من أظلم الناس تحاموا ظلمه
وعزّ منهم جانباه واحتمى
هذا الزمان لا يرى ناجبه ... أو ليحيل للادى واجبه
وكلما أسند انتهى عاصبه ... وهم لمن لان لهم جانبه
أظلم من حيات أنباث السفا
ان اسمعوا داعي الهدى لم يسمعوا ... وحركوا إلى الضلال أزمعوا
لهم على العين عيون تدمع ... عبيد ذي المال وإن لم يطمعوا
من غمره في جرعة تشفي الصدى
لا يغترر منهم بوجه قد دهن ... ما نفاف من نفاق قد حزن
ما حبهم إلا لمهزول سمن ... وهم لمن أملق أعداء وإن
شاركهم فيما أفاد وحوى
стр. 1269
خالطت أرباب العصور والدمن ... وذقت من حال هزال وسمن
فما ثنى عن ناب الزمن ... عاجمت أيامي وما الغر كمن
تأزد الدهر عليه واعتدى
على الحظوظ فليكن معولاً ... وبعد ها كن معزلاً او معولا
من سلبت حطت ومن أعطت علا ... لا ينفع اللب بلا جد ولا
يحطك الجهل إذا الجد علا
كم ساقط علمت به إعلامه ... ولم تزل في الوغى أقدامه
وسائق آجره أقدامه ... من لم تفده عبراً أيامه
كان العمى أولى به من الهدى
وفي الليالي عبر فاعجب لما ... يأتي به في الأرض عن رب السما
ما فيه شك والمقال قلّما ... من لم يعظه الدهر لم ينفعه ما
راح به الواعظ يوماً أو غدا
ما زال مني دانياً من انثنى ... يخطو فكر كلما شاء شأي
وطرف رأي في العيون لا رأى ... من قاس ما لم يره بما رأى
أراه ما يدنو إليه ما نأى
فأعتق فديت النفس من رق الأمل ... وحيّ في الزهد على خير العمل
وأقنع من المهل وتاب لعل ... من ملك الحرص القياد لم يزل
يكرع في ماء من الذل سرى
стр. 1270
لي نفس حر الدنايا ما دنت ... وهمة على العلا قد أمنت
من أجلها عين الجنان لي عنت ... من عارض الأطماع باليأس رنت
إليه عين العز من حيث ما رنا
وكم لطمت الخيل في شدوهها ... فصدمه عراء في وجوهها
والحرب لم تعقل على معتوهها ... من عطف النفس على مكروهها
كلان الغنى قرينه حيث انتوى
عذر جوادي ما انتهى عن كرّه ... حتى التقى حد الظبا بنحره
وآل بعد مدة لحرزه ... من لم يقف عند انتهاء قدره
تقاصرت عنه فسيحات الخطا
السهم إن أطلقه من حبسه ... قوس شعيف النبض عند خبسه
أخطأ راميه مكان حدسه ... من ضيع الحزم جنى لنفسه
ندامة الذع من سفع الذكا
لم يحبس العنان في رباقه ... إلا الذي أطلق من وثاقه
فأسرع الإعداء في إلحاقه ... من ناط بالعجب عرى أخلاقه
نيطت عرى المقت إلى تلك العرى
стр. 1271
إن قصر الخطى في خطواته ... فلم يكد يخرج عن خطته
فطالما بالغ في رفعته ... من طال فوق منتهى بسطته
أعجزه نيل الدني بله القصا
وصارم قلل منه توقه ... لمورد من الوريد ذوقه
فلم ينل منه دروع شوقه ... من رام ما يعجز عنه طوقه
ملعبء يوماً آض مجزول المطا
لما تجلى ساعد المساعد ... ولم أجد لي صلة من عائد
لقيت وحدي جمعهم عوائدي ... والناس ألف منهم كواحد
وواحد كالألف إن أمر عني
نفس ترد غلانه لا سلمت ... في بذلها صون لها لو علمت
ستجمع الحمد إذا ما اقتسمت ... وللفتى من ماله ما قدمت
يداه قبل موته لا ما اقتنى
ولي سنان في الجلاد لسن ... كما لساني في الجدال ألسن
كلاهما تكليمه مستحسن ... وإنما المرء حديث حسن
فكن حديثاً حسناً لمن وعى
قل للذي أيقظن حرى ورقد ... فلا انطفا من حقده ما قد رقد
ولا أحذر الموت أحال أو فقد ... إني حلبت الدهر شطريه فقد
أمرّ لي حيناً وأحياناً حلا
стр. 1272
نشطت للحرب فسلى عن العقل ... وقمت فيها مستخفاً ما ثقل
وبالقرار فأولت فلم أقل ... وفرّ عن تجربة نابي فقل
في بازل راض الخطوب وامتطى
إن أصولاً الأمير يالتراب غرسهم ... عرائس يوم الممات عرسهم
سل عنهم الأقران هل يجسّهم ... والناس للموت خلا يلسّهم
وقلّما يبقى على اللّس الخل
يا من غدا في حربنا ثم اعتدى ... ما قد لقينا اليوم نلقاه غدا
أفق لما أنشأ الزمان منشدا ... عجبت من مستيقن إن الردى
إذا أتاه لا يداوي بالرقى
وذاهل عن سير مرويّة ... مفصحة عن عبر علوية
يوقع في أنشوطة ملويّة ... وهو من الغفلة في أهويّة
كخابط بين ظلام وعشا
ومعشر بعدي بكوا تندماً ... ظنوا أن يرووا إذا متّ ظما
حلواً فأجروا مثلاً تلوّما ... نحن ولا كفران لله كما
قد قيل للسارب أخلى فارتعي
والثابت الأروع والقلب الفطن ... من عثرات ما يخاف قد أمن
والحائر الجأش الذي إذا امتحن ... إذا أحسّ نبأة ريع وإن
تطامنت عنه تمادى ولها
стр. 1273
إنا وإن تقللت جموعنا ... ومزقت يوم اللقاء دروعنا
..... ... نهال للمسير الذي يروعنا
ونرتعي في غفلة إذا انقضى
وإن قضيت والقضاء لا يدفع ... فلي بجنات النعيم موضع
وقاتلي في قعر الجحيم موضّع ... إن الشقاء بالشقي مولع
لا يملك الردّ له إذا أتى
مع الكرام تصنع الصنائع ... وللملام عندهم مسامع
وفي اللئام ما غرست ضائع ... واللوم للحرّ مقيم رادع
والعبد لا يردعه إلا العصا
ما خاب سعياً في الرجا من عقلا ... ولم يزل بالعقل نجحا معقلا
ومن علا بالجهل يوماً سفلا ... وآفة العقل الهوى فمن علا
على هواه عقله فقد نجا
لي خلق زكية أعراقه ... راق لمن قد شمنى مذاقه
تجمع لي فاروقه فراقه ... كم من أخ مسخوطة أخلاقه
أصفيته الود لخلق مرتضى
وصاحب بعد الولا تململا ... وصارم بعد الوفا تقلقلا
حفظت للثاني الزمان والأولا ... إذا بلوت السيف محموداً فلا
تذممه يوماً تراه قد نبا
стр. 1274
ولئن أصاب الدهر مني صلدما ... فعاد بالى ثراه مقدما
وطال ما حليتها وقلما ... والطرف يجتاز المدى وربما
عنّ لمعداه عثار فكبا
اسمع أخي نصح قد غذى ... من فاطم صفو رضاع ما قذى
قائل بفضل المديح وااللفظ البذى ... من لك بالمهذب الندب الذي
لا يجد العيب إليه مختطى
وإن عصيت الحق مع خلّ ظلم ... كما اقتضى العلم وأجراه القلم
صفحاً فذو النقص بفضل لم يلم ... إذا تصفحت أمور الناس لم
تلف امرءاً حاز الكمال فاكتفى
وابك على ربع من الأهل خلا ... مطلع بدر صار بعدي منزلا
وناد في النادي به تمثلا ... إن نجوم المجد أمست افلا
وظله القالص أضحى قد أزى
ربع العلا والفضل والتكرم ... يبكي له الركن بدمع زمزم
ما فيه للسائر المسلم ... إلا بقايا من الناس بهم
إلى سبيل المكرمات يقتدى
стр. 1275
أرى النسيم يعتل في حماهم ... وغار في الروض على خلاهم
كأنما هواهم لهواهم ... إذا للأحاديث انتضت أنباهم
كانت كنشر الروض غاداه السدى
أبكي لشمل منهم مشتتاً ... وغنه المسك غدا مفتتا
من لي بطيب راح قد أتى ... ما أنعم العيشة لو أن الفتى
يقبل منه الموت أسناء الرشا
ولم يزل يجلو الليالي بدره ... ولم يخف من بعد وصل هجره
فكان يقضي في نشاط دهره ... أو لو تحلى بالشباب عمره
لم يستلبه الشيب هاتيك الحلى
ترى لأيام الشباب مرجع ... أم في البقا مع داء المصاب مطمع
أم لي خلع منهما تخلع ... هيهات مهما تشعبه يسترجع
وفي خطوب الدهر للناس أسى
وليلة كنت بها نجم السرى ... وكان فيها النصل سنخاً مسفرا
أيقظت طرفاً بات عنه مبصراً ... وفتية سامرهم طيف الكرى
فسامروا النوم وهم غيد الطلى
стр. 1276
والسير يطوى ويمد عركه ... وهنا وخيط الصبح وقت فركه
وستره ما حان بعد هتكه ... والليل ماق بالموامى بركه
والعيس ينبثن أفاحيص القطا
أهدت لعيني طيف ليلى هدأة ... حفت لها على الجفون وطأة
سرى فعادت من هيامى ندأة ... بحيث لا تهدى لسمع نبأة
إلا نئيم البوم أو صوت الصدى
وصحبتي من كل من تنبذا ... خمراً حلا لا من نعاس وشذا
قد أخذ النوم عليهم مأخذاً ... شايعتهم على السرى حتى إذا
مالت أداة الرحل بالجبس الدوى
مالت بهم تعريسه بحبها ... من هون البعد عليه قربها
فعند ما راق إليهم سربها ... قلت لهم إن الهوينا غبّها
وهن فجدّوا تحمد واغب السرى
إذا الرجا سالت بهم بطحاؤه ... في مهمه أسنة حصباؤه
إنسه مع الضنا ضناؤه ... وموحش الأرجاء طام ماؤه
مد عثر الآعضاد مهزوم الجبا
стр. 1277
لا يتأتى وارد لمائه ... في الأرض ما لم يأت من سمائه
أما ترى الطير من ارتمائه ... كأنما الريش على أرجائه
زرق نصال أرهفت لتمتهى
يستهول الخائض فيه هوله ... حيث الصدى فيه يعيد قوله
ويومه يحسب طولاً حوله ... وردته والذئب يعوي حوله
مستك سمّ السمع من طول الطوى
اعددت لليل الطويل همه ... عوناً أخوه إن نسيت عمّه
إذ كان منه جسمه وقسمه ... ومنتج أم أبيه أمه
لم يتخون جسمه مسّ الضوى
عنت له في الفرعين أو عنت ... أن يتوطا مع القرين أو طنت
فعند ما أسرّ ما قد أعلنت ... أفرشته بنت أخيه فانثنت
عن ولد يورى به ويشتوى
ورب واد كمنت أحشاؤه ... أفاعياً دانت له حصباؤه
سلكته ليلاً إذ ردى أرداؤه ... ومرقب مخلولق أرجاؤه
مستصعب الأقذاف وعر المرتقى
стр. 1278
في شقة قد اطلعت شقيقها ... وما عرب فارقت فريقها
لا عقّ أن يودى الندا عقيقها ... أوفيت والشمس تمج ريقها
والظل من تحت الحذاء محتذى
كم خائف أوسعه الدهر إذا ... ملّ على الذل البقا فانتبذا
رأى طريق الصبر وعراً فاحتذى ... وطارق يؤنسه الذئب إذا
تضوّر الذئب عشاء وعوى
دارت به في الليل طرف يقنف ... جرت عليه الليل ريح صفصف
حتى إذا لاح منار يعرف ... أوى إلى ناري وهي مألف
يدعو العفاة ضوءها إلى القرى
في ليلة طافت بنشر عابق ... فأسكرت بصائح وعائق
أدنت فأنشدت بها مفارقي ... لله ما طيف خيال طارق
تزفه للقلب أحلام الردى
عجبت منه كيف أهداه السرى ... والنجم قد بات به محيرا
وبيننا بحر وبرّ أقفرا ... يجولها جواز الفلا محتقرا
هول دجى الليل إذا الليل انبرى
يا ناظراً متع في إعفائه ... لئلا يطيف ضامن لألائه
ها قد بلغت السول من لقائه ... سائله إن أفصح عن انبائه
أنىّ تسدى الليل أم أنى اهتدى
стр. 1279
وهل ترى تخيل الوساوس ... ونفسه في مثلها ينافس
إن غزال حاجرى آنس ... أو كان يدرى قبلها ما فارس
وما مواميها القفار والقرى
ومجتنىً ذاق لذوق مجتن ... فارقته من سكن ومسكن
وأحزنني لفقد من حزن ... وسائلي بمزعجي عن وطني
ما ضاق بي جنابه ولا نبا
يسائلني وحقه أن يسكتا ... لم ولما وكيف حتى ومتى
كان له عند الجواب مسكتاً ... قلت القضاء مالك أمر الفتى
من حيث لا يدري ومن حيث درى
يا عاذلاً عن شرعه الحق عذل ... دع عنك عذلاً سبق السيف العذل
يسائلني لم أعتصم من الزلل ... لا تسألني واسأل المقدار هل
يعصم منه وزر ومذدرى
سعى الفتى بتعلّي قسطه ... أبداً رضاه عنده أو سخطه
فلا تطيل قبضه أو بسطه ... لا بد أن يلقى امرؤ ما خطّه
ذو العرش مما هو لاق ووحى
стр. 1280
إذ عاد نفع الدهر وهو ضائر ... فانفطرت من دونه مرائر
وراح بعد الجبر وهو كاسر ... لا غرو إن لجّ زمان جائر
فاعترق العظم الممخ وانتقى
فلا يغرنك انطفاء نور قد وقد ... يوماً لا نور إذا الحلّ انعقد
في كل عين لو نظرت منتقد ... فقد يرى القاحل مخضراً وقد
تلقى أخا الاقتار يوماً قد نما
قل للذين قد أباحوا قتلنا ... واستحسنوا على الرماح حملنا
في السبي سرب ظبية أصلنا ... يا هؤلي هل نشدتن لنا
رافعة البرقع عن عيني طلا
راحت بخشفين مما بحشرتي ... فراح بعضي معها بل جملتي
لامت من ريقها بغضتي ... ما انصفت أم الصبيين التي
أصبت أخا الحلم ولما يصطبي
يا صاحبي ومن له سرى علن ... كم بيع حر في الهوى بلا ثمن
وانقاد طوعاً جامح كالممتهن ... استحى بيضاً بين أفوادك أن
يقتادك البيض اقتياد المهتدي
стр. 1281
لئن جلوت للشباب حلة ... يحتمل العاقل فيها جهلة
فخذ بذا التفصيل مني جملة ... هيهات ما أشنع هاتا زلة
أطربا بعد المشيب والجلا
رجعت في الغزلان عن تغزلي ... إلى رثاء السيد الطهر الولي
به مستشفعاً توسلي ... يا رب ليل جمعت قطريه لي
بنت ثمانين عروساً تجتلي
عذراً في قتلي قبلت عذرها ... شمطاً لكن ما تعد عمرها
بشيعة الأكباد وقعاً حرها ... لم يملك الماء عليها أمرها
ولم يدنسها الضرام المحتضى
بكر إذا ما شق عن جذورها ... يستتر الأنوار من ظهورها
أما ترى البدر اختفى من نورها ... كأن قرن الشمس في ذرورها
بفعلها في الصحن والكأس اقتدى
من كأسها الملآن ما الدهر حلا ... من عدها بأول فأولا
قد شبه يثرب مع اهل الولا ... نازعتها أروع لا تسطو على
نديمه شرّته إذا انتشى
بات يراعى خاطري بلحظه ... حتى أفاد ذا الرقى من حظه
غيث ندى في ندبه ووعظه ... كأن نور الروض نظم لفظه
مرتجلاً أو منشداً أو إن شدا
стр. 1282
أمطرت وادي الحزن وأسبلته ... فحطّ عني بعض ما حملته
مقالة فانقضت ما نقلته ... من كل ما نال الفتى قد نلته
والمرء يبقى بعده حسن النثا
لا تجز عن بصري رفقتي ... إني فرحت راضياً بقتلتي
خذوا تفاصيل النهى من جملتي ... فإن أمت فقد تناهت لذتي
وكل شيء بلغ الحد انتهى
ما إثمي قد رجعت مواسماً ... وذا بلى قد اهتز غصناً ناعما
بجنّة فيها البقاء دائماً ... وإن أعش صاحبت دهري عالما
بما انطوى من صرفه وما انتشى
أليس من قربي أعلام الهدى ... الطاهرين مولداً ومشهدا
فكيف أرضى بأضاليل العدى ... حاشا لما سأره فيّ الحجا
والحلم أن أتبع روّاد الخنا
لا تحسبن دهر قضى بغربة ... إني إليه شاكياً من كربه
أو شاكراً لرفعه في ركبه ... أو أن أرى مختضعاً لنكبه
أو لابتهاج فرحاً ومزدهى
تمت بحمد الله
стр. 1283
علي بن محمد بن سليم أبو الحسن بهاء الدين الصاحب الوزير المعروف بابن حنّاء وزير الملك الظاهر ركن الدين وولده بعده إلى حين وفاته. مولده بمصر في سنة ثلاث وست مائة، وتوفي بها وقت العصر نهار الخميس سلخ ذي القعدة، وصلي عليه يوم الجمعة قبل الصلاة، ودفن بتربته بالقرافة الصغرى ﵀ ومات وهو جد كان من رجالة الدهر حزماً وعزماً ورأياً وتدبيراً، تنقلت به الأحوال، وتنقل في المناصب الجليلة، وظهرت كفايته ودرايته وحسن تأنّيه، فاستوزره الملك الظاهر ﵀ في أوائل دولته، وفوّض إليه أمور مملكته مما يتعلق بالأموال والولايات والعدل لا يعارض في ذلك، ولا يشارك بل هو المتصل بأعباء ذلك، والمرجع إليه فيه، ولم يزل مستمراً على ذلك إلى حين وفاة الملك الظاهر ﵀ فدبّر الأمور أحسن تدبير، وساس الأحوال في سائر المملكة، واحمل خلقاً كثيراً ممن ناوله، وكان عنده حسن ظن بالفقراء والمشايخ يحسن إليهم - نفع الله بهم - ويقضي حوائجهم ويبالغ في إكرامهم وكان أرباب الحوائج يتوسلون بهم إليه فلا يرد لهم شفاعة. حكي لي أن بعض الصلحاء المتورعين قدم القاهرة في أواخر شعبان فكلف بالاجتماع به لسبب شخص مصادر فاجتمع به وحدثه في ذلك فأجابه ثم قال له: هذا شهر رمضان قد أقبل، واشتهى أن تصومه هنا وتفطر عندي وأقضي لك في كل ليلة عشر حوائج كائنة ما كانت، فنظر ذلك الرجل على ما يترتب في إجابته من المصالح فصام عنده شهر رمضان وأفطر عنده فوفى له بوعده، وكان كلّ ليلة يقضي
стр. 1284
له عشر حوائج من إطلاق محبوس وولاية بطال ومسامحة من عليه ماله وهو عاجز عنه إلى غير ذلك. وكان واسع الصدر لا يدري مقدار ما يلزمه من الكلف للأمراء والرؤساء ومن يلوذ بخدمته، وأما عفته من الأموال فإليها المنتهى لا يقبل لأحد هدية إلا أن يكون من المشايخ الصلحاء، ويهدي له ما لا قيمة له فقبله تبركاً ويبرّ الذي سيّره إليه، وقصده جماعة من أكابر الأمراء وغيرهم من أرباب الدولة فلم يبلغوا منه مقصودهم، ولم يجدوا ما يتعلقوا عليه به، ولما توفي الملك الظاهر استمرّ به ولده الملك السعيد ﵀ وبالغ في إكرامه وإعظامه ولم تزل حرمته وافرة تامة ومكانته عالية، وكلمته نافذة، وأوامره مطاعة إلى حين وفاته، وله برّ وأوقاف وكان يتصدق بالجمل الكثيرة سراً وجهراً، وله متاجر تعود نفقتها إليه فمنها معظم نفقاته وصدقاته، ولما ابتلاه الله تعالى بفقد ولديه الصاحب فخر الدين والصاحب محيي الدين - رحمهما الله تعالى، وقد تقدم ذكرهما وحاز لأجر فقدهما، عوضه الله من ذريتهما بأولاد نجباء صدور رؤساء تقرّ بهم عينه وبهم في المعروف وفعل الخير طرائق لم يسبقوا إليها، وفيهم الأهلية التامة والوزارة وغيرها، غير أنهم كانوا يختارون العزلة، وكان الصاحب بهاء الدين ﵀ ممدّحاً مدحه جماعة كثيرة من الشعراء بغرر القصائد، وكان يهش لذلك، ويجزيهم الجوائز السنية، عمل فيه الحاج رشيد الدين الفارقي الآتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله.
стр. 1285
وقائل قال لي نبّه لها عمراً ... فقلت إن علي قدر تنبه لي
مالي إذا كنت محتاجاً إلى عمر ... من حاجة فليتم حتى انتباه علي
ولسعد الدين سعد الله بن مروان الفارقي كاتب الدرج المختص بملازمته فيه:
يمّم علياً فإنه يمّ الندى ... وناده في المضلع المعظل
فرفده مجد على مجدب ... ووفده مفض إلى مفضل
يسرع أن سيل نداه وهل ... أسرع من سيل أتى من علي
محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر أبو عبد الله مجد الدين. ولد سنة اثنتين وست مائة بإربل وتوفي بدمشق القيمازية ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر، ودفن يوم الجمعة بمقابر الصوفية - رحمه الله تعالى. كان إماماً في علم الأدب ونقد الشعر ومعرفته، وله اليد الطويلة في النظم، فاق به نظراءه، وكان فقيهاً جيداً، درّس بالمدرسة القيمازية بدمشق مدة سنين، وكان وافر الديانة، كريم الأخلاق، واسع الصدر، محتملاً للأذى، يتصدق دائماً، يحسن إلى معارفه وتلامذته، ويكارم أصحابه وإخوانه. صحبته في طريق الحجاز في سنة ثلاث وسبعين، ورأيت من مكارمه وحسن عشرته وجميل أوصافه ما لم يجمع في غيره - رحمه الله تعالى ورضي عنه، وكان رقيق الحاشية دمث الأخلاق علوّ النادرة، قال شهاب الدين محمود كاتب الدرج أنشدني الشيخ مجد الدين لنفسه:
أواصل فيه لوعتي وهو هاجر ... ويؤنسني تذكاره وهو نافر
стр. 1286
ويعدى هواه ناظري بأدمع ... يوردها ورد بخديه ناضر
ويغتر في تيه الملاحة خاطراً ... فكلّ خليّ في هواه مخاطر
ويزوّر سخطاً ثاني العطف معرضاً ... فلا عطفه يرجى ولا الطيف زائر
محياه زاه بالمحاسن زاهر ... فقلبي فيه ساهر وساهر
يحيل على القد المهفهف معجباً ... جبالة شعركم بها صيد شاعر
غزال منيع الحذر دون مزاره ... مطللة بالبيض قدّ جؤاذر
جلا طلعة كالروض دبجه الحيا ... ترفّ بماء الحسن فيها أزاهر
وشهّر خدّا بالعذار مطرزاً ... فما لفؤاد لم يهم فيه غادر
فإن صاد قلبي طرفه فهو جارح ... وإن فتنت آياته فهو ساحر
وكم راح دلّ في الهوى لي شافعاً ... فعوضت عما ارتجى ما أحاذر
إذا كان صبري في الصبابة خاذلاً ... فما لي سوى دمعي على الشوق ناصر
على أن فيض الدمع لم يرو غلة ... من الوجد إذ كتمها العيون الفواتر
وقال - رحمه الله تعالى:
لولا الهوى اعدوا أصالي هاجر ... بسؤول منّاع ومرضى مسخط
ألف الجفاء وباع ودي مرخصاً ... فكتبت منه بمفرّط ومفرط
стр. 1287
وقال أيضاً ﵀:
كل حي إلى الممات مآبه ... ومدى عمره سريع ذهابه
معه سائق له وشهيد ... وعلى الحرص ويحه أكبابه
تخرب الدار وهي دار بقاء ... وهو يثني ما عن قليل خرابه
هو ضرب من الطيب كالخلوق كي ... ف يلّهيه طيبه وملابه
كل يوم يزيد نقصاً وإن عمّ ... ر خلت أو صابه وأصابه
والورى في مراحل الدهر ركب ... دائم السير لا يرجي إيابه
فتزود إن التقى خير زاد ... ويصيب اللبيب منه لبابه
وأخو العقل من يقضي يصدق ... شيبه في صلاحه وشبابه
وأخو الجهل يستلذ هوى الن ... فس فيغدو شهداً لديه أصابه
كم سلبت مني عقولاً وكم أو ... جب نقضاً لفاضل إعجابه
وأحال الهوى الحقائق حتى ... صار عذباً عند المحب عذابه
أجمل الفكر في الزمان وأهله ... اعتباراً في الكون جماً عجابه
وتحام الأقدار نطقاً وفكراً ... فهي في شاهق يشق عقابه
وإذا ما الجهول أغرق فيها ... أغرقته بالسيل فيه شعابه
رب أمر يريب العقل صعب ... بالتروي فيه يزول ارتيابه
لا تكن حاكماً بأول رأى ... فكثير بين الأمور التشابه
رب كأس من الجمال كما يؤ ... ثر عار من الجميل إهابه
стр. 1288
وعزيز بمنع ضيم حتى ... أصبحت كالوهاد ذلاً هضابه
ودني علا به الجد حتى ... أوطئت هامة الثريا ركابه
وسعيد يحظى بكسب سواه ... وشقي لغيره اكسابه
وغني صلاحه في غناه ... وفقير إعطاؤه أعطا به
وجواد بماله نال ذكراً ... كان ذاك الذكر الجميل ثوابه
وكريم يقتر للرزق من ك ... ف لئيم أمواله أربابه
وعدو يفيدك القرب منه ... وصديق من الصواب اجتنابه
وملولة بحاضر مثمن ... لخيال من غائب تنتابه
لا يغرنك قرب خلّ ولا يؤ ... نسك من خلة العدو جنابه
فلكم مصحب عزاه حزان ... وحزون أتى له أصحابه
وجهول مع الرضى وحكيم ... ليس يغني أعضاؤه أعضابه
ومقيم في السوق غير حريص ... وإمام شوق له محرابه
ومحل ثوى به غير بانيه ... وعلم أضاعه أربابه
وغريق في الجهل مستحسن ... اللحن وخير مستهجن أعرابه
موجز القول من أخي الفقر مملو ... ك وذو الجد مؤثر انتهابه
لا يضع قدر ذي النباهة إن ... قدّر إعساره ورثّت ثيابه
وتأمل فالبدر لانقص بعدوة ... إذا كان بالسحاب احتجابه
стр. 1289
زين ذي الفضل فضله وهو عار ... وأخو النقص زينه أثوابه
ومعاداة كل حر كريم ... ديدن الأخرق اللئيم ودابه
وإذا صادف الوضيع وضيعاً ... ليس يلقى إلا إليه أنصابه
ليس بدعا فوز الأراذل بالما ... ل وفوت الغنى الكريم نصابه
وبعيد من التوسع في الرز ... ق أذيبت من رزقه إذا به
كن قنوعاً بما تيسر فالطا ... مع عند ما ينقضي أرا به
وغنياً وأنت في غاية الف ... قر برب طاعاته أبوابه
وإذا كان خوفه لك دأباً ... لم تجد في الوجود شيئاً تهابه
إن رزقاً طلابه لك مكتوب ... من العجز والشقاة طلابه
ولقد يرزق المقيم ويكدي ... من سعي دهره وطال اغترابه
ولكم فارق الدنيّة مثر ... ووفى عرض مملق أحدابه
إن امرءاً لم يمضه القدر الما ... ضي لتعدو عوائقاً أسبابه
إن طول الحياة داء وما نف ... ع حياة لمن قضت أترابه
إذا المرء طال عمره أذاقه ... المنايا بفقدها أصحابه
وانتهى نقصه وعشش بازي ... المشيب في رأسه وطار غرابه
وإذا كان آخر الأمر هذا ... فلماذا على الحياة اكتئابه
أيها السائر المقيم على حرص ... مقيم ما يستقل ركابه
إن حيل الأعمال والحرص كالأعم ... ار طولاً فبالغنا انقضابه
стр. 1290
بالفاقد أوبق النفس لم يكثر ... عليها عويله وانتحابه
أمامنا موقف الحساب ولا أح ... سابه جنة ولا أنسابه
ولملك أمد في العمر والرز ... ق ومدت من ملكه أطنابه
يوسع الخطو في الخطاب أوا ... ن ضاق عليه ضاقت عليه رحابه
هل لعبت لاه على ظهر أرض ... وطويل في بطنها ألبابه
وغريق من لم يوفق لإقلا ... ع وبحر الذنوب طام عبابه
لم لا يعتدي بقلب سليم ... من إلى حضرة يحول انقلابه
لم لا تجزع النفوس منها ... رهينة رمس بيد المشفقين يحثى ترابه
وبأمر يخلو به كل دار ... من دونها يخلو من الليث غابه
يا مطيلاً آفال عمر قصير ... وخطيب الردى فصيح خطابه
مغرب معرب وليس بمجد ... فيه إغرابه ولا إعرابه
أنت ضعيف في الأهل فارتقب ... الرحلة والصيف لا يدوم سحابه
نحن في دار قلعة فاز منها ... من كان لدار المقام اكتسابه
دار حزن مريض عقل فتى ... عادته فيها مسرة أطرابه
لا تضيقن ذرعاً بعاجل مكرو ... هـ توافي حميدة أعقابه
وإذا علمت عاقبة الصب ... ر عليه هانت عليك صعابه
ولكم قرب البعيد لك الصب ... ر وكم بعد القريب ارتقابه
وإذا لم يكن من الأمر بد ... فارتكبه ولا يرعك ارتكابه
стр. 1291
ينصب الذلة الجبان ولا يد ... فع عنه المقدار استصعابه
يفرج الضيق باللطف في الأمر ويؤ ... دي بالعمر فيه اضطرابه
أومأ الماء وهو في باطن الصخ ... رة باللطف رشحه وانسيابه
وإذا ما أحس بالشرك الصي ... د دهاه نفوره وانجذابه
ومن الحزم أن يشاور في الأم ... ر فكم فات ذا صواب صوابه
ولقد يخرق اللبيب وقد يح ... سن من قد أخرق جهول مثابه
وينال الضعيف بالعجز أمراً ... يئست من حصوله أخطابه
وعسى أن يجر يوماً إليك ال ... رفع من طال العناد انتصابه
ولقد تحسن المجاور صنعاً ... وهو يؤذي من زاد منه اقترابه
أو ما النصل كافل لك بالنص ... ر شقي بالحد منه قرابه
والسر في الطباع ولي ولا ... عنه عز في الورى أعبابه
ومن الناس عاد بالشم والش ... مخ حزماً نسر الملا وعقابه
ومن الناس من يرضى بأوشا ... ل مياه من القطا أسرابه
ومن الناس مشبه الليث لا ير ... ضيه إلا عدوانه واغتصابه
ومن الناس عاقر الضيف كالكل ... ب ومنهم من لا تهر كلابه
حكم قدر......... عدلاً ... عم معروفه فخل جنابه
стр. 1292
فاستعذ بالإله من شر عاف ... في حبال الشيطان طال اختطابه
لم يرعه الإرهاب شرعاً ولا ... ألبسه ثوب طاعة أرغابه
يوحش الجاهل الإقامة في الأه ... ل ولا يوحش اللبيب اغترابه
والحليم الرشيد يخجله العت ... ب ولا يخجل السفيه سبابه
ويجد الفتى يعود وداداً ... وولاء من العدو ضبابه
وإذا ولت السعادة خانت ... هـ وصارت أعداؤه أحبابه
وإذا ما القضاء عاند عبداً ... حاربته سيوفه وحرابه
وغدا شمله شتيتاً واحزا ... ناً عليه لضده أحزابه
يعجل المنفى ويبقى سليباً ... من توالي طعناته وضرابه
لا يغرنك الوجوه فما كل ... سحاب يروق يرجى ذهابه
وتجنب عتب الملوك فما يج ... لب أعتابه إليك عتابه
وأصحب نصحاً من استشا ... ر فما أنكر في مشروع قلة إيجابه
وإذا قابل النصيحة بالعس ... ر فدعه فما عليك حسابه
وإذا اغتابك اللئيم فشكراً ... حيث أضحى جهل اللئيم اغتيابه
وإذا سال السفيه بما شا ... ء فترك الجواب عنه جوابه
وإذا الخطب ناب فاصبر فقد ... يفرج غماؤه ويكهم نابه
وافعل الخير ما استطعت فقد يع ... جز عن فعله ويغلق بابه
واخشين كاتب الشمال فيا خس ... ر امرئ في الشمال منه كتابه
стр. 1293
واغتنم لذة الخمول اختياراً ... فهنئ طعامه وشرابه
واجعل البأس للمطامع شرباً ... فكفيل برئهن شرابه
عش وحيداً ولو دعاك إلى صح ... بته مخلص الدعاء مجابه
وانظر الجمر وهو يطفي بالما ... أتجده به يزيد التهابه
وانتسب طائعاً إلى باب مولا ... ك فما خاب من إليه انتسابه
كيف يرجو الوفاء من أهل دهر ... قد تساوت أبناؤه وذبابه
طاف فيه العدول عن سنن العد ... ل وطالت رؤوسه أذنابه
كم قرب بإتيانه الهم قلباً ... وفرّت همام أهله أنيابه
وأباحت ملكاً منيعاً حماه ... وأذلت ملكاً عزيزاً جنابه
وأعادت حسن الثناء أخا قب ... ح ملاء من العيوب عتابه
وأعادت سعوده لاثم الت ... رب مهيباً ملثومه أعتابه
هذه سنّة الزمان قديماً ... وعلى مثلها مضت أحقابه
فقرين التوفيق من ذاته في ... كل ما شاء صبره واحتسابه
يا أسير الذنوب بت عائداً من ... ها بغفّارها المخوف عقابه
وخليق بعاجل الفوز من كا ... ن إلى الخالق الكريم مثابه
وقال رحمه الله تعالى: وكتب بها من العلاء عند عوده من الحجاز الشريف في سنة أربع وسبعين وستمائة إلى المولى شهاب الدين محمود كاتب الدرج رحمه الله تعالى:
стр. 1294
بلغنا العلى والشوق يحدو ركابنا ... وذكركم زاد لنا وسمير
لعل النوى ينجاب عنا ظلامها ... فيدنو ويبدو للعيون ستير
وتروى أحاديث الغرام صحيحة ... وتروى بكم بعد القليل صدور
ويحدث في اللقيا أمور عجيبة ... ويحدث من بعد الأمور أمور
وكتب إلى شهاب الدين محمود ملغزاً:
أيها العالم الذي يهز العا ... لم فضلاً وفاق طبعاً وذهنا
ابن أسماء مؤنثاً مفرداً وض ... عا ويعدو مذكراً إذا يثنى
وإذا شئت حال فعلاً وحرفاً ... وعن الجملتين في اللفظ أعني
وإذا ما تركته كان لفظاً ... وإذا ما عكسته صار معنى
فأجابه شهاب الدين رحمه الله تعالى:
يا إماماً أضحى حماه لأهل ال ... فضل مأوى من الضلال وحصنا
كلما قلت قد سلوت هوى الش ... عر بدت لي بروق نظمك وهنا
أنا من معشر إذا ما حبا الفك ... ر استبقنا إليك ثم اقتبسنا
لم يكن مغرماً بنعم فإني ... بمعانيك مستهام معنّى
أنت لغزت في اسم زنة حذر ... خذها مثل ما حماه المثنى
وأجبنا عما ذكرت سريعاً ... غير أنا على الأمور اقتصرنا
ولمجد الدين بن الظهير ﵀ يقول:
أما والمطايا في الأزمة تمرح ... وقد شفها طول السرى فهي طلّح
стр. 1295
تيمم من أرض الحجاز منازلاً ... لها دونها مسرىً فسيح ومسرح
قسى عليها كالسهام سواهم ال ... وجوه كما أمسوا على النوق أصبحوا
يحجون من بطحاء كعبة مكة ... تحط بها الأوزار عنهم وتطرح
يميل بهم سكر السهاد....... ... على كل كور غصن بان مرنح
أضاء لهم من بارق لمع بارق ... فألحاظهم تدنو إليه وتطمح
لاسم منى الصب الكثيب وأنتم ... ملكتم أبيّاً من قيادي فاسجحوا
فصيح لساني أعجم جيرة بكم ... وأعجم دمعي بالصبابة مفصح
فإن لك بالشكوى إليكم معرضاً ... فشأني بشأني في هواكم مصرح
إذا لم يكن ذنباً سوى الحب فاعذروا ... وإن كان ذنباً فرط حي فأصفحوا
بمرتاح قلبي لوعة مطمئنة ... وأعلاق وجد برحها ليس يبرح
يلح عزيم في غرامي كلما ... لحاني عليكم عادل مستنصح
ومن بإخفاء الهوى مذيعة صبىً ... لنائلكم بالحزن يقرى ويفرح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
غش المفند كامل في نصحه ... فاطلب وقوفك بالغوير وسفحه
واخلع عذارك في محل رأيه ... يزداد دمع العاشقين وشحه
وإذا أسرى سحراً طليع نسيمه ... مالت به سكراً ذوائب طلحه
ودع الوقار بحب ساكنه ولا ... تحفل بذم أخي الوقار ومدحه
стр. 1296
ما صادق في الحب من هو عالم ... فيه بحسن صنيعه أو قبحه
جهل الهوى قوم فراموا شرحه ... حل الهوى وحبابه عن شرحه
وبي الذي يغنيه فاتر طرفه ... عن سيفه وقوامه عن رمحه
صب يؤنس بالغرام نفاره ... ويجد في نهب القلوب بمدحه
ذو حبة شرقت بماء نعيمها ... كالورد أشرقه نداه برشحه
وكأن طرته ونور جبينه ... ليل تألق فيه بارق صبحه
استعذب التعذيب من كلفي به ... والحب لذة طعمه في برحه
يا ساهياً من جفنه غصناً غدا ... ماء المنية بادياً في صفحه
ومعربداً في صبحه ومباعداً ... في قربه ومحارباً في صلحه
ثم لا جناح عليك في سهري وما ... ألقاه في ليلي الطويل وجنحه
وسعى إليك بي العذول وإنني ... لأجيب أن ظفر العذول بنجحه
طرفي وقلبي ذا يفيض دماً وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه
وهنا يحبك شاهدان وإنما ... تعديل كل منهما في جرحه
والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام لفتحه
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
إذا حان من شمس النهار غروب ... تذكر مشتاق وحن غريب
وإن صدعت أبكيه صدعت حبيباً ... بها من تباريح الغرام يذوب
أأحبابنا والدار منكم قريبة ... هل الوصل يوماً إن دعوت مجيب
стр. 1297
وهل عندكم حفظ بعهد متيم ... حليفاه منكم لوعة ونحيب
يحنّ إليكم والخطوب تنوشه ... ويشتاقكم والنائبات تنوب
لم أنه لا يملك الحلم ردهاً ... إذا هب من ذاك الجناب جنوب
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
طاف بدر الدجى بشمس النهار ... في رياض أنيقة الأزهار
مشرقات يضم شمل الأماني ... في رباها بفتحة النوار
وأتانا بها يقد أديم الل ... يل منها صوارم الأنوار
بنت كرم حفت بكأس زجاج ... ثم زفّت بنغمة الأوتار
جاء يسعى بها إلينا وقد حا ... طت يد النوم أعين السمار
وكأن النجوم نور رياض ... وكأن المريخ شعلة نار
ذو دلال ما زال يحيى ويجني ... زهر الحسن منه بالأبصار
رقّ جسماً حتى لقد كان يدمي ... هـ هبوب النسيم بالأسحار
خاف ألحاظنا فحط سباجاً ... حول ورد الخدين أس العذار
شنآن راضته لي سورة الرا ... ح وقد كان آنساً بالثغار
لابس حلتي جمال وتيه ... في هواه خلقت ثوب الوقار
كنت ذا عفة ونسك فآثر ... ت افتضاحي في حبه واشتهاري
وإذا رمت سلوة عن هواه ... خل عزمي بعقدة الزنار
مسكر باللحاظ يحسب في عين ... يه كأنها حانة الخمار
стр. 1298
ما رأينا من قبله بدر تم ... بادياً نوره من الأزرار
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أنس الطرف بالرقاد مآقناً ... وأطعت العذول واللواما
وتناسيتكم وأقصر قلب ... لم يزل مغرماً بكم مستهاما
هدأت مني الضلوع فلا أت ... لف وجداً ولا أذوب غراما
والمحب الذي عهدتم جزوعاً ... خيّم الصبر عنده وأقاما
كم جنيتم وكم تجنيتم ظلماً ... وحلّلتم الدماء الحراما
لا دنا نازح الديار ولا ... قدّر الطيف أن يزور لماما
كان قربي بكم يزيد أوامي ... فغدا بعدكم يزيل الأواما
وقال من أبيات:
ما شأنه الألم الملم ولم يزل ... لأليم أدواء القلوب طبيبا
فالريح تزداد اعتلالاً كلما ... هبّت ولا تزداد إلا طيبا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قلة الحصن مانعي قصد أرض ... أنت فيها وكثرة الإفلاس
ولو أني ملكت أمري لوافي ... تك سعياً على قدمي وراسي
لو ترق بعدكم دمشق ولا ... ما يزيد كلاّ ولا بانياس
ولو أن النسيم يحمل شكري ... لأتاكم معطر الأنفاس
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قد دفعنا إلى زمان لئيم ... لم تنل منه غير غلّ الصدور
стр. 1299
وبلينا من الورى بأناس ... تركتهم أعجازهم في الصدور
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أكثر اللوم في الحبيب أناس ... عيّروني ببذله بعد منع
قلت شمس الضحى أشد ابتذالا ... وهي محبوبة إلى كل طبع
وكان مجد الدين المذكور قد كتب إلى محي الدين بن زيلاق قصيدة رأئقة صدر كتاب فأجابه على وزنها يقول:
يا أيها المولى الذي ما ونى ... عن حبه القلب ولا قصرا
ومن صحبنا العيش في قربه ... طلق المحيا ضاحكاً مسفرا
وافى كتاب منك وفيته ... غاية الفضل جلّ أن يحصرا
حلّ محل الوصل من عاشق ... شرّد عنه الهجر طيب الكرا
يميل في إنشاد ألفاظه ... كأنما ضمنته مسكرا
زيد من التقبيل حتى غدت ... شفاهنا مرقومة أسطرا
إذا أحال الشيء تكراره ... أعطاك حسناً كلما كررا
كأنه روض سقاه الندى ... ريّاً فأضحى بيته مزهرا
وما رأينا قبله روضة ... نمقها الحبر ولا خبرا
يخبرنا عن مثل أشواقنا ... أكرم به مستخبراً مخبرا
يذكرنا والعهد لم ننسه ... فيوجب النسيان أن يذكرا
стр. 1300
وكيف لا يرعى عهود امرئ ... ما شأنها شين ولا كدرا
لله أيام تدان غدا ... ليل المنى في ظلها مقمرا
أيام تدنو بك أفراحنا ... إذ اتقاها الهم أو نفرا
إذا وردنا مورداً للضنى ... لم يرض إلا مثله مصدرا
ما ينسى لا ينسى حمى جلّق ... مطرد إلا مواه رطب الثرى
كأنما الأسباط حلّوا بها ... ففجروا أحجاره أنهرا
في أي فصل زرت أوطانها ... قلت الربيع الطلق قد أخضرا
يقصر الواصف عن حسنها ... وإن غدا في وصفه مكثرا
ترى صباها نشراًعطرها ... كأنما قد ضمّنت عنبرا
والطير في مزهر عيدانها ... تحسب في ترجيعها مزهرا
يا حبذا الربوة من موطن ... الأنس ما أبهى وما أنضرا
وحبذا أخضر ميدانها ... حبت بصيد الصبي أسد الشرا
والشرف العلى الذي حسنه ... مستوقف ناظر من أبصرا
أرض دمشق لا أعب الحيا ... رياك إن راح وإن بكرا
لولا صروف الدهر ما خلتني ... للبعد عن أوطانها مؤثرا
يا مجدنا إن قيل مجد ويا ... سيدنا المستعظم الأكبرا
أمتى أخذ الدهر أمنية ... كنت المنى الصادق دون الورى
следующие страницы →