Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
لولاك لم أشم لبرق الشآم ولم ... أودّ بالمنحنى أثلاً ولا بانا
ولا تمنيت من بطحاء خيف منى ... حزن الديار الذي غربي نجرانا
ولم يبق لي في نوى نعماك من أمل ... ففيم أستوثق الركبان نشدانا
الكلّ أنت وبرّ الأرض أجمعها ... وكأس فضلك لا يجتاز حمانا
فهب لتفرقتي جمعاً أعيش بها ... حباً لديك وهب لي منك رضوانا
أنت السلام فإن يهدي السلام إلى ... مهدي السلام مجازا صار مهدانا
كان نجم الدين، ناظم هذا القطع لا شك في جودة شعره ومعرفته بالأدب، لكنه أطلق لسانه في هذه القصيدة النونية بما ينبو عنه السمع، ورده الشرع، ولا يحتمل التأويل. والعجب أن مدحه بما لا ينبغي في حق بشر، ثم قال:
مصداق قولي أن قد صرت محتجباً ... في عزنا وكفاني ذاك عنوانا
وكان الشيخ عليّ الممدوح - رحمه الله تعالى - صاحب دمشق في ذلك الوقت بحصن عزتا قريب وادي بردا وبقي محبوساً به مدة سنين، فجعل الدليل على صحة ما ذكره من الصفات العظيمة المنسوبة إلى حبسه، وهذا في غاية التناقض والقبح، والعجب منه كونه خفي عنه ذلك، وإنه استشهاد ساقط لا مناسبة له ولا في غير هذه القصيدة ألفاظه ينقد عليه فيها غير أنها محتملة لها تأويل يحمل عليه، وكان مع هذه المبالغة يقول عنه، إذا ذكره صاحبنا كأنه يترفع أن يقول شيخنا ماذا قيل له في ذلك يقول: شيخي شهاب الدين السهروردي وإنما الشيخ صحبته بعد ذلك مدة زمانية إلى حين وفاته، هذا سمع منه وما هو في معناه غير مرة في آخر عمره ﵀ أجمعين.
стр. 1332
محمد بن عبد القادر بن عبد الكريم بن عطايا أبو عبد الله شرف الدين القرشي الزمري المصري الشافعي الفقيه العدل. كان من أعيان المصريين وهو ناظر الخزانة بالديار المصرية، وكان عنده ديانة وافرة وعبادة وتعاني الرياضة والمجاهدة، والذكر، ومحبة الفقراء وبرّهم ومخالطتهم، فتوفي في هذه السنة ودفن بالقرافة الصغرى، وقد نيف على ثمانين سنة - رحمه الله تعالى.
محمد بن عربشاه بن أبي بكر أبو عبد الله ناصر الدين الهمداني الدمشقي. كان رجلاً فاضلاً له معرفة بالحديث، سمع الكثير على مشائخ عصره، واسمع وكتب من كتب الحديث شيئاً كثيراً، وكان متقناً متفنّناً محرراً لما يكتبه. كتب صحيح البخاري في ثلاث مجلدات، وقابلها، وحررها، وسمعها على المشائخ، وصارت من الأصول المعتمد عليها بعد وفاته إلى الشيخ علاء الدين علي بن غانم - أعزه الله - فوقفها بدار الحديث المعيدية ببعلبك المحروسة على الشرط المكتوب بخطه عليها. وكانت وفاة ناصر الدين المذكور يوم الجمعة رابع جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن يوسف بن شاهنشاه المنعوت بالتاج المعروف بابن المصري. كان فاضلاً، صنف تاريخاً للقضاة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر المحرم بمصر، ودفن بسفح المقطم ﵀.
محمد بن محمد بن بيدار أبو الثناء عز الدين المعروف بابن النوري. كان فقيهاً فاضلاً، دمث الأخلاق، عنده كرم وسعة صدر، واحتمال، وحسن
стр. 1333
عشرة، وحسن المحاضرة، ناب عن القاضي صدر الدين ببعلبك مدة طويلة إلى حين وفاة صدر الدين، فتولى الحكم بعجلون وغيرها، وتوفي ببعض بلاد الاسماعيلية، وقد تولى الحكم بها بحصن الكريف وهو في عشر الثمانين - رحمه الله تعالى.
أبو بكر بن عبد الله بن مسعود جمال الدين اليزدي البغدادي التاجر المقيم بدمشق. يعرف بالأمير جمال الدين أقوش النجيبي ﵀ إذ كان نائب السلطنة بالشام المحروس، فولاه نظر الجامع الأموي، والمارستان النوري، والخوانك بدمشق، وجعله شيخ الشيوخ، ورفع من قدره فبقي على ذلك مدة. وفي مباشرته للجامع أذهب رؤوس العمد ورخّم الحائط الشمالي، وأعجله العزل فلم يتمه، وأصلح كثيراً من المواضع المتشعثة. وكذلك فعل في غيره، وكان عنده نهضة في ذلك، ثم صرف بعد عزل الأمير جمال الدين وسفره إلى الديار المصرية، وغرم مبلغاً، ولزم بيته إلى أن توفي ليلة الخميس سابع صفر، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون، وهو في عشر الثمانين - رحمه الله تعالى.
أبو القاسم بن الحسين بن العود نجيب الدين الأسدي الحنبلي الفقيه على مذهب الشيعة. كان إماماً يقتدى به في مذهبهم، ويرجع إلى قوله عندهم، وعنده فضيلة ومشاركة في علوم شتى، وحسن عشرة، ومحاضرة بالأشعار والحكايات والنوادر، رافقته من ظاهر بعلبك إلى ظاهر دمشق فوجدته نعم الرجل، يقوم كثيراً من الليل في السفر على صعبه، وصار بيني وبينه إنسة شديدة، وكانت وفاته ليلة الاثنين نصف شعبان بقرية جزين،
стр. 1334
وبها دفن في المجلس الذي كان يجلس فيه بداره، وجدت بخط الفقيه شمس الدين محمد الأنصاري المقيم بنحوسية ما كتب به إلى أن وفاة المذكور كانت ليلة الاثنين سادس عشر شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة، ومولده في سنة إحدى وثمانين وخمس مائة، ورثاه الفقيه جمال الدين إبراهيم بن الحسام أبي الغيث العاملي بقوله:
عرس بجزين يا مستعبد النجف ... ففضل من حلها يا صاح غير خفي
نور ثوى في ثراها فاستنار به ... وأصبح الترب فيها معدن الشرف
نجل الحسين الذي فاق العلى شرفا ... وطود علم هوى من حيرة السلف
حتى إذا عبثت أيدي المنون به ... فأوردته سريعاً مورد التلف
لا تلزموني وإن خفتم على كبدي ... صبراً ولو أنها ذابت من الكهف
لمثل يومك كان الدمع مدخراً ... بالله يا مقلتي سحي لا تقف
لا تحسبن جود عيني بالبكا سرفا ... بل سحّ عيني محسوب من السرف
سارى مصابك بين الناس في حزن ... كان يساق له قسط من الأسف
ما زلت تهدي لهم ما عشت مجتهداً ... نوراً فما لك من فضل لمعترف
فأظلمت بعدك الأيام قاطبة ... لما اعترى شمسها خطب من الكسف
وقد يبقى لنا من بعده خلف ... يا حبذا لك من أصل ومن خلف
كأنهم حين طافوا حول تربته ... بدور تم بدت من مطلع السدف
صلى الإله على ترب تضمنه ... لقد تبوأ أنواعاً من التحف
стр. 1335
ترب تناكره الآمال زائرة ... من وارد نحوه يهوى ومنصرف
ولما بلغت هذه الأبيات جمال الدين محمد بن يحيى بن مبارك بن مقبل الغساني الحمصي قال:
لقد تجاوز حل الكفر والسحب ... من قاس مقبرة ابن العود بالتحف
ما راقب الله أن يرمي بصاعقة ... من السموات أو يهوي بمنسخف
واعجب بجزين ما ساحت بساكنها ... مجاهل لعظيم الوزر مقترف
وقد تحيرت فيما فاه من سفه ... ومن ضلال وإلحاد ومن سرف
أتيت ويك يقول لا يفارقه ... مقال مفترش الحراء ملتحف
جهلت مقدار ما فاقت فضائله ... على النبيين والأملاك في الصحف
وقال ما ازددت إتقاناً ولو كشف ... الغطاء ورفع مسدول من السجف
وما أنت إلا كمن قد قاس منطقه ... البيت المحرم ذا الأستار بالكنف
ولا أقول لمن قاست جهالته ... الدر الثمين بمكسور من الخزف
أو من يقيس الجبال الشامخات بمن ... حط الحضيض وعرف المسك للجيف
أو من يقيس النجوم الزاهرات إذا ... سمت إلى أوجها والسعد بالحرف
ودون ذا قست نفسي قول مبتهج ... أراه فوق محلي غير ذي أنف
إني وكيف ومن أين القياس إلى ... ضوء الذي كان للرب الودود صفي
هو الذي شرفت رجلاه إذ علتا ... كيف البناء فبالله من شرف
وكان وعده خوض الحروب وقد ... ألقاه فيها بحمد الله حدّ وفيّ
стр. 1336
وأي ما بطل لاقاه في رهج ... عنه تولى جباناً غير منتصف
أم أي ما.. قد حل في يده ... ما راح منقصفاً في صدر مقتصف
يعان طعن المولّى عنه مزدلفاً ... وليس يطعن غير المقبل الدلف
ليوم صفين نجا عمرو حين هوى ... عن الجواد بدبر منه منكشف
وكان إن زاد فقر ومسكنة ... يحنو عليه حنوّ الوالد الترف
وهو الذي إذا دعى يوماً إليها سما ... الأنام من منكر منهم ومعترف
فتب إلى الله وأسرع وابتهل لعسى ... تنال منه الرضى في عرصة النجف
ولم أوقك ما استوجبت من فزع ... ولست أجمع سوء الكيل والخشف
وما أردت بهذا العض من رجل ... بمثله خلف من غابر السلف
ما كان مجرىً له إلا ليقطع عن ... تكفير أهل التقى والدين والصلف
وإن عتبت عليه وهو يسمعني ... لقد بكيت عليه وهو في الحذف
ومن يكن بينا من أخيه يبحث عن ... التنازع في الأموال والتحف
وكان صاحبنا بالأمس في حلب ... صدقاً وكنت به بالله حدّ خفي
كم مجلس جمعتنا فيه مسألته ... ثم افترقنا بشمل غير مؤتلف
وكان يحملني طوراً وأحمله ... طوراً وأكرمه بالبرّ واللطف
فلا عدت قبره في رحمة سمحت ... تجود تربته بالوابل الذرف
ما كان إلا كمصباح أضاء وخبا ... صاف ذبالته ما عاش ثم طفى
стр. 1337
وقد أتيت بها شنعاء منكرة ... في أخريات القوافي بغتة السلف
وكان من خلفه عن نفيه عوضاً ... لو كنت تفرّق بين الباء والألف
وإن حملتم على ما قلته غرضي ... فقد يحام من الحنيّ إلى كنفي
وإن ظننتم بي السوء فلست إذا ... أرضيت جيرة الهادي بذي أسف
وقال الجمال إبراهيم المذكور المشار إليه يرثي نجيب الدين المشار إليه بقول:
جد بالدموع فلست تلقى مثله ... خطباً فتدّخر الدموع لأجله
لا تلجأن إلى التصبر إنما ... كان التصبر ملجأ من قبله
تبغي السلوّ به وتلك شريعة ... نخت وغير حكمها من أصله
هذا نجيب الدين أصبح ثاوياً ... في لحده منفرداً من أهله
مات الهدي وتهدمت أركانه ... إذ مات واندرست معالم فضله
فالآن قد طاب البكاء ولذّ لي ... ما كنت أحرس مقلتي من مثله
فلأبكينك ما حييت بكاء من ... قرحت حشاشته بحرقة ثكله
متسربلاً جلباب حزن لم يزل ... ولهان لم يحفل بوافر عدله
من للضعيف أتاك مقتبساً هدىً ... يشكو العناية هارباً من جهله
حتى إذا ما حلّ ربعك غلّة ... في ريقه فأرحته من غله
من للدروس مبيناً أشكالها ... تبدو غوامضها بواضح فضله
ما زلت للدين الحنيف مكابداً ... حتى استبان حرامه من حلّه
فجزيت خيراً من إمام عصابة ... وضح السبيل بقوله وبفعله
стр. 1338
جعلوك سبلهم إلى باريهم ... فأريتهم حقاً معالم سبله
ومقسماً لحظاته ما بينهم ... كل يرى ما يرضى من عدله
ومراقباً حال الضعيف معاهداً ... لا يزدريه لضعفه ولعلّه
جعلوك ظهرهم فكلّ منهم ... يرجو قواك بأن تقوم بحمله
فازت مصابيح الهداية بعد ما ... ركض الضلال بخيله ورجله
فالآن قد صار الزمان جميعه ... ليلاً يحير في يسير بطله
كذباً يموت صبابة في شؤمه ... لولاه لترجى في أفاضل نسله
حاشى علاه أن يموت وإنما ... علم الإله نعيمه في نقله
ودّت قلوب العارفين بأنها ... دون التراب مجله لمحله
صلى الإله على قرى حلب ... صلواته من فرضه ونفله
كلاّ ولا برح الغمام مداوماً ... يهمى عليه بطلّه وبوبله
وحكى لي أن الشيخ النجيب ﵀ لما كان بحلب كان يكشر غشيان السيد عز الدين المرتضى ﵀ نقيب الأشراف، وكان من سادات الأشراف، له رياسة، وجلالة، وديانة، وفضيلة، وعظم محل، فاسترسل مع الشيخ النجيب يوماً، وذكر أبا بكر الصديق، وعمر، وعثمان - رضوان الله عليهم - بما نبى عنه سمع المرتضى وأكبره، فأمر بالشيخ النجيب فجرّ من بين يديه وركب حماراً مقلوباً، وطيف به شوارع حلب وأسواقها،
стр. 1339
وهو يضرب بالدرة، فعظم محل المرتضى في صدور الناس، وتحققوا ماكان ينطوي عليه من حب الصحابة ﵃ ومعرفته بمحلهم، وكان ذلك من آكد أسباب انتقال الشيخ النجيب عن حلب، وعمل في هذه الوقعة أشعار كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها، وكان هذا الشريف عز الدين له المكانة العالية، والمنزلة الرفيعة عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز - رحمه الله تعالى - ويحضر عز الدين محمد بن القيسراني - رحمه الله تعالى - المقدم ذكره في هذا الكتاب سنة ست وخمسين فيروم للترفع على المرتضى، فيتمعض المرتضى من ذلك، ويشق عليه، فلما كان في بعض الأيام حضر مجلس الملك العزيز أحفل ما كان، فسلك عز الدين ابن القيسراني ذلك، وقعد أعلى منه قال عز الدين المرتضى للسلطان: يا مولانا هذا يقعد أعلى منّي، وأنا رجل شريف من سلالة النبي ﷺ ، وجدّي علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - وفي أحد أجدادي يقول أبو العلاء ابن سليمان المعري:
يا ابن مستعرض الصفوف ببدر ... ومبيد الجموع من غطفان
أحد الخمسة الذين هم الأغ ... راض في كل منطق والمعاني
والشخوص الذين خلقن طيباً ... قبل خلق المريخ والميزان
وقبل أن تخلق السموات أو تؤ ... مر أفلاكهن بالدوران
стр. 1340
وفي جدّ هذا يقول ابن منير الطرابلسي:
أتراني أكلت جور عيالي ... مثل ما كان يفعل القيسراني
أو.. الفلوس من خالد ... أنى قادت عليه أمّ سنان
فخجل ابن القيسراني، وأمر السلطان أن لا يترفع على الشريف في مجلس. والأبيات الأولى من قصيدة طويلة مدح بها أبو العلاء الشريف أبا إبراهيم محمد بن أحمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو جدّ النقيب عز الدين، مجيباً له عن أبيات نظمها الشريف أبو إبراهيم المذكور، وسيرها إلى أبي العلاء يقول:
غير مستحسن وصال الغواني ... لابن ستين حجة وثمان
وكان الشريف أبو إبراهيم محمد بن أحمد يعرف بالحراني، وهو من سادات أهل بيته في عصره، وبينه وبين أبي العلاء مكاتبات، ومراسلات، وهو معدود من الفضلاء ﵀، توفي يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة. وأما ابن القيسراني الشاعر، فذكره قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان - رحمه الله تعالى - في وفيات الأعيان ونسبته فقال هو أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير بن داغر بن نصر بن داعر
стр. 1341
بن محمد بن خالد بن نصر بن داغر بن عبد الرحمن بن المهاجر بن خالد بن الوليد، المخزومي، الخالدي، الحلبي، الملقب شرف الدين أبو المعالي عدة الدين المعروف بابن القيسراني، ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بعكاً وتوفي ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بمدينة دمشق، ودفن من الغد بمقبرة باب الفراديس ﵀ هكذا ذكر بعض حفدته في نسبه، وأكثر المؤرخين وعلماء النسب يقولون: إن خالد بن الوليد ﵁ لم يتصل نسبه، بل انقطع من زمان، والله أعلم. والقيسراني نسبة إلى قيسارية. بليدة بالشام على ساحل البحر. وذكر أيضاً ابن منير في الوفيات وهو أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي، الملقب مهذب الدين، عين الزمان، الشاعر المشهور، وكان بينه وبين ابن القيسراني مكاتبات، وأجوبة، ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب، ومتنافسين في صناعتهما، ومولد ابن منير سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن في جبل جوشن بقرب المشهد الذي هناك، وقيل إنه توفي بدمشق، ونقل إلى حلب فدفن بها - والله أعلم - انتهى كلام قاضي القضاة ﵀. وعز الدين هو أبو حامد محمد بن خالد بن محمد بن نصر بن نصير بن داغر ﵀، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب، والشريف عز الدين فهو أبو الفتوح المرتضى بن أبي طالب أحمد بن محمد بن جعفر
стр. 1342
بن أبي إبراهيم محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين السبط الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
توفي عز الدين بحلب فجاءة ليلة السادس عشر منشهر شوال سنة ثلاث وخمسين وستمائة، ودفن بعد ثلاثة أيام بجبل جوشن، ومولده سنة تسع وسبعين وخمسمائة بحلب، سمع من ابن النقيب أبي علي محمد بن أسعد النسابة والشريف أبي هاشم بن الفضل الهاشمي والشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان والقاضي أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم وغيرهم - رحمهم الله تعالى.
стр. 1343
//بسم الله الرحمن الرحيم
السنة الثامنة والسبعون وستمائة
استهلت هذه السنة يوم الأحد، والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة في السنة الخالية والملك السعيد بدمشق ففي شهر المحرم منها ترتب بدمشق حاكم مالكي المذهب بعد خلوها منه مدة، فإن الشيخ زين الدين الزواوي ﵀ كان يباشر الاحكام بها ثم استعفى فأعفى.
وفي العشر الأوسط من ربيع الأول وقع بين المماليك الخاصكية الملازمين بخدمة السعيد عن تلاقي ذلك، وخرج عن طاعته سيف الدين كوكندك الظاهري نائب السلطنة بالمماليك، ومقدم العساكر مغاضباً له،
стр. 1344
ومعه أربعمائة من الظاهرية، منهم جماعة كثيرة أمراء مشهورين بالشجاعة ونزلوا بمنزلة القطيفة في نظرة العساكر التي ببلاد سيس.
ففي العشر الآخر منه عادت العساكر إلى جهة دمشق من بلاد سيس، فنزلوا بمرج عذراء إلى القصير، وكان قد اتصل بهم سيف الدين كوكندك ومن معه ولم يدخل العسكر دمشق، وأرسلوا إلى الملك السعيد في معنى الخلف الذي حصل، وكان كوكندك مائلاً إلى البيسرى، ولما اجتمع بالأمير سيف الدين قلاوون الالفي، والأمير بدر الدين بيسرى، والأمراء الكبار، وأوحى إليهم ما غلت صدورهم، وخوفهم من الخاصكية، وعرفهم أن نيتهم له غير جميلة، وأن الملك السعيد موافق لهم على ذلك، وكثر من القول المختلق بما يعديهم وينفرهم، وكان من جملة ما اقترح الأمراء الكبار على الملك السعيد إبعاد الخاصكية عنه وتفرقهم، وأن لايكون لهم في الدولة والتدبير حديث، بل يكون على ذلك أخيارهم ووظائفهم مقيمين فلم يجب الملك السعيد إلى ذلك، ولا اقدر عليه، اتوه شوكتهم، واجتماع كلمتهم. فرحل العسكر من مرج عذراء إلى ذيل عقبة سحوراء بأسرهم، ولم يعبروا على المدينة، بل جعلوا طريقهم من المرج، وأقاموا بهذه المنزلة ثلاثة أيام، والرسل تتردد إليهم، وبينهم وبين الملك السعيد؛ ثم رحلوا من هناك، ونزلوا بمرج الصفر، وعند رحيلهم رجع الأمير عز الدين ايدمر الظاهري نائب السلطنة بالشام، وأكثر عسكر دمشق، ودخلوا البلد من وقتهم في طاعة الملك السعيد. وفي رحيلهم إلى مرج الصفر سير الملك السعيد والدته
стр. 1345
ابنة بركة خان في محفة، وفي خدمتها الأمير شمس الدين قرا سنقر الأشقر فإنه كان مقيماً عند الملك السعيد بدمشق، لم يتوجه إلى بلاد سيس، ولحقوا العسكر، فلما سمعوا بوصولها، خرج الأمراء الأكابر المقدمون لملتقاها، وقبلوا الأرض أمام المحفة وبسطوا العتابى وغيره تحت حوافر البغال كما جرت العادة، فلما استقرت بالمنزلة تحدثت معهم في الصلح، والانقياد، واجتماع الكلمة فذكروا ما بلغهم من تغريبة الملك السعيد فيهم، وموافقته الخاصكية على ما يرمونه من ابعادهم، وامساكهم وغير ذلك، فحلفت لهم على بطلان ما نقل إليهم من ذلك، وعدم صحته فاشترطوا شروطاً كثيرة ألزمت لهم بها، وعادت إلى ولدها، وعرفته الصورة، فمنعه من حوله من الخاصكية من الدخول تحت تلك الشروط، وقالوا له: ما القصد إلا إبعادنا عنك ليتمكنوا منك، وينزعوك من الملك فأبى قبول تلك الشروط، فرحل العسكر من مرج الصفر قاصداً إلى الديار المصرية، فخرج الملك السعيد بنفسه جريدة، وساق في طلب اللحاق بهم، ويلاقي الأمراء في معناهم إلى أن بلغ رأس الماء، فوجدهم قد عبروه وبعدوا، فعاد من يومه، ودخل قلعة دمشق في الليل، وذلك ليلة الخميس سلخ ربيع الأول.
وفي يوم الجمعة بعد الصلاة مستهل ربيع الآخر، خرج الملك السعيد بجميع من يخلف عنده من العساكر المصرية والشاميين إلى جهة الديار المصرية في طلب العساكر المتقدمة، وجهز والدته وخزانته إلى الكرك،
стр. 1346
ووصل الملك السعيد بلبيس يوم الجمعة خامس عشرة فوجد العسكر المتقدم ذكره قد سبقه إلى القاهرة، فلما رحل من بلبيس بعد العصر من النهار المذكور فارقه الأمير عز الدين ايدمر الظاهري نائب السلطنة بدمشق، وصحبته أكثر أمراء دمشق.
وفي ربيع الأول وربيع الآخر من هذه السنة جرى بين صاحب طرابلس وصاحب جبيل والداوية اختلاف، وأغار بعضهم على بلد بعض، وقتل بينهم جماعة كثيرة، وكذلك التتار اختلفوا، وقتل بينهم ما لا يحصى عدده إلا الله. وفي داخل البحر اختلفت الفرنج وقتل بينهم خلق كثير. واختلفوا في عكا، والكرج، وفي سائر الأطراف، واختلفوا في العراق واختلف العرب، والقبائل والفلاحون؛ وقتل بين هذه الطوائف خلق كثير. وأما الملك السعيد فوصل بمن معه إلى ظاهر قلعة الجبل، ونائبه بها وبالديار المصرية الأمير عز الدين ايبك الأفرم. وهو بالقلعة فوجد العساكر محدقة بها فحصل بينهم مقاتلة يسيرة، وكان الذين مع الملك السعيد جماعة قليلة بالنسبة إلى من في مقاتلته فحمل الأمير علم الدين سنجر الحلبي بدمشق، وشق الأطلاب، ودخل إلى قلعة الجبل بعد أن قتل الفريقين نفر يسير. فلما استقر بها، ورفع علمه عليها انضاف جميع من بقي ظاهر القلعة ممن كان معه اليهم، وأما الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بقي في المطر لم يدخل معه إلى القلعة، ولا انضاف إلى العسكر المباين له، وأحاطت العساكر بالقلعة، وضايقوها، وقطعوا الماء الذي يطلع إليها في المرارات عنها
стр. 1347
ورجعوا إليها وجدوا في ذلك السعيد يخلى من كان يرجو نصره عنه، وتخاذل من بقي من الخاصكية، وأنه لا طاقة له بهم، وكان المشار إليه في هذه الأمور والمخاطب إنما هو الأمير سيف الدين قلاوون فجرت المراسلات بأنهم ينصبوا في السلطنة أخاه بدر الدين سلامش، ويعطون للملك السعيد وأخيه نجم الدين خضر الحلبي، الكرك، والشوبك، واعمالها فسير الأمير علم الدين سنجر الحلبي والمولى تاج الدين أحمد بن الأثير رحمهما الله تعالى إلى الأمير سيف الدين قلاوون وأعيان الأمراء ليستوثق منهم فحلفوا له على الوفاء بما التزموه. ونزل من قلعة الجبل يوم الأحد سابع عشر الشهر المذكور إلى دار العدل التي على باب القلعة. وكانت مركز الأمير سيف الدين قلاوون حال المضايقة للقلعة فلما نزل حضر أعيان الأمراء والقضاة والمفتيين وخلعوه من السلطنة، ورتبوا مكانه أخاه لأبيه بدر الدين سلامش ونعتوه بالملك العادل، وتقدير عمره يوم ذاك سبع سنين، وجعلوا اتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الالفي الصالحي، وهو حمو الملك السعيد، وحلف الأمراء، والعسكر له، ولأتابكه بعده في اليمين وضربت السكة أحد الوجهين باسم العادل، والآخر باسم اتابكه، وذكر الاتابك في الخطبة، ودعى له على المنابر، واستقر الأمر على هذه الصورة، وتصرف الاتابك في المملكة والعساكر، والخزائن، وعامله الأمراء، وجميع الجيش بما يعاملون به السلطان وعمل بخلع الملك السعيد مكتوب شرعي متصل باستفتاء، ووضع الأمراء خطوطهم، وشهادتهم فيه، وكتب فيه المفتيون، والقضاة، وجعلوا نسخاً
стр. 1348
عدة وعوضوا الملك السعيد الكرك، وعملها، وأعطوا أخاه نجم الدين خضر الشوبك وعملها.
وفي ليلة الاثنين ثامن عشرة خرج الملك السعيد إلى بركة الحجاج ونزل بها متوجهاً إلى الكرك، ومعه جماعة من العسكر، صورة ترسيم مقدمهم سيف الدين بيدغان الركني ثم أعيد إلى القلعة نهار الاثنين لأمر أرادوه وقدروه، ثم توجه ليلة الثلاثاء إلى الكرك بمن معه فوصلوها يوم الاثنين خامس عشرين منه، ودخلوها، وتسلم أخوه الأمير نجم الدين خضر الشوبك وكان بيدغان، ومن معه قد فارقه من غزة، ورجع إلى الديار المصرية.
وأما الأمير شمس الدين سنقر الأشقر فإنه اجتمع بخشداشيته الاتابك سيف الدين قلاوون وصار في جملته. وأما الأمير عز الدين ايدمر فإنه وصل بمن معه إلى ظاهر دمشق يوم الأحد مستهل جمادى الأولى فخرج لملتقاهم من كان تخلف بدمشق من الأمراء والجند، والمقدم عليهم، والمشار إليه فيهم الأمير جمال الدين اقوش الشمسي فلما وصلوا إلى مصلى العيد بقصر حجاج، احتاط بالأمير عز الدين ايدمر الأمير جمال الدين الشمسي، والأمراء الذين معه، وأخذوه بينهم، وفصلوه عن العسكر الذي حضروا معه، ودخلوا به من باب الجابية، وحملوه إلى الدار المعروفة باستاد دار الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ بقرب ماذنة فيروز، واستمروا عليه بها إلى آخر النهار ثم نقلوه إلى قلعة دمشق تحت الحوطة، واعتقلوه بها، وكان الملك السعيد لما خرج من قلعة دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية، سلمها إلى
стр. 1349
الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وجعله النائب عنه بالبلد وبها، فاستمر الحال على هذه الغاية، ولما اعتقلوه طلبوا التضييق عليه، فلم يوافق الأمير علم الدين على ذلك، ثم طلبوه منه فلم يسلمه إليهم، وقال: أنتم حبستموه بيد الاتابك وهو في حبسه لا أسلمه إلا بأمره ودفعهم بذلك.
وفي العشر الأوسط منه وصل إلى دمشق من الديار المصرية جمال الدين اقوش الباخلي، وشمس الدين سنقر حاالكجي، وعلى ايديهما نسخة الأيمان بالصورة التي استقر الحال عليها بمصر، وأحضروا الأمراء والجند والقضاة والعلماء وأكابر البلد للحلف، وكان مع القادمين من الديار المصرية نسخة بالمكتوب المتضمن خلع الملك السعيد وكتبه إلى الأمراء وغيرهم من الاتابك بصورة الحال فقرئ ذلك على الناس، وحلفوا واستمر التحليف أياماً.
وفي هذا الشهر عزل قضاة الديار المصرية الثلاثة دفعة واحدة، وهم تقي الدين محمد بن رزين، ونفيس الدين بن شكر المالكي، ومعز الدين الحنفي؛ وباشر الأحكام عوض تقي الدين القاضي صدر الدين عمر بن القاضي تاج الدين عبد الوهاب المعروف بابن بنت الأعز.
وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة صار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى دمشق نائب السلطنة بها وبأعمالها وما أضيف إليها من البلاد، ومعه جماعة من الأمراء والعسكر خرجوا في خدمته من القاهرة، فخرج الناس من الشام لتلقيه احتفالاً عظيماً وعاملوه قريباً من معاملة الملوك،
стр. 1350
ونزل بدار السعادة، وكانت له بسطة عظيمة في الخزائن والقلاع والعساكر والأموال خلاف من تقدمه، وتقدم عند وصوله إلى الأمير علم الدين الدواداري بالنزول من القلعة فنزل إلى داره، وأقام بها مباشراً لتنفيذ الأشغال، وتدبير الأحوال، وشد الدواوين وبدار المملكة بأسرها عليه، وقرأ تقليد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بمقصورة الخطابة عقيب الفراغ من الجمعة، وحضروا أعيان الدولة، ولم يحضر هو قراءته.
وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رجب اجتمع الأمراء والأعيان بقلعة الجبل من الديار المصرية، وخلعوا الملك العادل بدر الدين سلامش بن الملك الظاهر من السلطنة ورتب عوضه اتابكه سيف الدين قلاوون الصالحي ونعت بالملك المنصور، وحلفوا له بأسرهم، ولم يكن لسلامش في مدة سلطنته غير الاسم وكان السبب في توليته أولاً تسكين ثورة الظاهرية، فإنهم كانوا معظم عسكر الديار المصرية، وأيضاً فكانت بعض القلاع في نواب الملك السعيد فأرادوا استنزالهم منها، فلما تم معظم المقصود خلعوه واستقل الملك المنصور بالسلطنة، ووصلت البرد إلى دمشق يوم الأحد سادس وعشرين منه، ومعهم نسخة يمين لتحليف الأمراء والجند وأرباب الدولة وأعيان الرعايا فأحضروا إلى دار السعادة بدمشق، وحلفوا، وقيل أن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر لم يحلف، ولم يرضه ما جرى.
وفي يوم الجمعة ثاني شعبان خطب الملك المنصور سيف الدين قلاوون
стр. 1351
بجامع دمشق، وجوامع الشام بأسرها، خلا مواضع يسيرة جداً توقفوا ثم خطبوا بعد ذلك، وكان الكتاب الوارد من الملك المنصور على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بخط المولى تاج الدين أحمد بن الأثير ﵀ وفيه: " لا زالت أيامه عجابها. تهتنى وترى من النصر ما كانت تتمنى. ويتأمل آثارها. فيملأها حسناً. ويشاهد من أمائر الظفر ما يوسع العباد أمناً. ويستزيد الحمد على ما وهب من الملك الذي أولى كلاً منا مناً. المملوك يهدي من لطيف أنبائه، ووظائف دعائه. وما استقر من عوارف الله لديه. وما جناه من النعم التي ملأت يديه ما يستروح به، ويستفتح لسان الحمد بتقديمه، ويزداد به مسرة نفسه ابتهاجاً وتزدان به عقود السعود، وإنما تزين انسلاك في العقود ازدواجها، ويقوى به قوى الغرائم وبمثله الأعدء في أوكارها. فيكاد يتجرد ذيول الهزائم. وتبعث الآمال على تمسكها بالنصر، ويظهر منه المحاب التي لو قصدت الأقلام بحصرها، لعجزت عن الحصر، وهو أن العلم الكريم قد أحاط بالصورة التي استقرت من دخول الناس في طاعة المملوك، واجتماع الكلمة عليه، واستقلاله بأمر السلطنة المعظمة ".
ولما كان يوم السبت الثالث من شعبان المبارك سنة ثمان وسبعين وستمائة ركب المملوك بشعار السلطنة وأبهة المملكة، وسلك المجالس العالية والأمراء الأكابر، والمقدمون، والمفاردة والعساكر المنصورة من آداب الخدمة، واخلاص النية، وحسن الطاعة كل ما دل على انتظام الأمر واتساق عقد النصر، ولما قضينا من أمر الركوب وطراً وأنجزنا
стр. 1352
الأولياء وعداً من السعادة منتظراً، عدنا إلى قلعة الجبل المحروسة والأيدي بالأدعية الصالحة لنا مرتفعة، والقلوب على محبة أيامنا محترمة، والآمال قد توسعت بالعدل واستمراره، والأبصار قد استشرق من التأييد مطلع أنواره، وشرعنا من الآن في أسباب الجهاد، وأخذنا في كل ما يؤذن ان شاء الله تعالى بفتح ما في أيدي العدو من البلاد، ولم يبق إلا أن نثنى الأعنة ونسدد الأسنة. ونظهر ما في النفوس من مضمرات المقاصد المسكنة، والمولى أدام الله نصرته يأخذ بحظه من هذه المسرة، وهذه المواهب التي ظهرت منها خفايا الاقبال المستسرة، ويتقدم بأن يزين دمشق المحروسة، ويضرب البشائر في البلاد. وأن يسمعها كل حاضر وباد. والله يجعل أوقاته بالتهاني مفتتحة، وبشكر مساعيه التي ما زالت في كل موقف ممتدحة إن شاء الله تعالى.
وفي السادس والعشرين من شهر رمضان عزل الصاحب برهان الدين السنجاري عن الوزارة بالديار المصرية، ولزم مدرسة أخيه قاضي القضاة بدر الدين بالقرافة الصغرى، ورتب مكانه في الوزارة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الانشاء الشريف.
وفي يوم الخميس حادي عشر ذى القعدة توفي بالكرك الملك السعيد ﵀ وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشرة حمل الأمير عز الدين ايدمر الظاهري
стр. 1353
من قلعة دمشق في محفة إلى الديار المصرية لمرض لحقه في أطرافه منعه من الركوب بمرسوم ورد من هناك، وعند وصوله إلى الديار المصرية اعتقل بقلعة الجبل بالديار المصرية، وحضره الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وهو لابس البياض، وحضرت القضاة والعلماء وأرباب الدولة والوعاظ والمقربون على ما جرت العادة.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين ركب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من دار السعادة بدمشق بعد صلاة العصر، ومعه جماعة من الأمراء والجند، وهم رجالة وهو راكب وحده، وقصد القلعة من الباب الذي يلي المدينة فهجمها بمن كان معه راكباً، وجلس بها من ساعته، فحلف الأمراء والجند ومن حضر وتسلطن، ولقب بالملك الكامل. وفي آخر النهار المذكور نادت المنادية بالمدينة بسلطنته واستقلاله. وفي بكرة السبت خامس وعشرين منه طلب القضاة والعلماء ورؤساء البلد واكابره واعيانه إلى مسجدأبى الدرداء رضى الله عنه بقلعة دمشق، وحلف بقية الأمراء والعسكر.
وفي يوم الأربعاء سبع وعشرين منه توجهت العساكر إلى غزة لحفظ البلاد ومنعها، ودفع من يتطرق إليها من الديار المصرية.
وفي هذه السنة جدد في قبة النسر بجامع دمشق خمسة أضلاع من الجهة الغربية بشمال.
وفيها تسلم نواب الملك المنصور سيف الدين قلاوون قلعة الشوبك من أربابها بالأمان، وهدموها، وذلك بعد أن حاصروها مدة، وكان
стр. 1354
انتقل منها الأمير نجم الدين خضر إلى عند أخيه الملك السعيد إلى حصن الكرك قبل منازلة على الملك المنصور لها من حين أحس بقصدهم بها ولم يحصن نفسه فيها.
وفيها توفى أحمد بن سلامة بن إبراهيم أبو العباس الحنبلي، وكان شيخاً صالحاً سمع الكثير، واسمع وروى بالاجازه من اصحاب الحداد وحدث بالكثير عن الكندي وغيره، واضر في آخر عمره، وكانت وفاته في عاشر المحرم، ودفن بسفح قاسيون ﵀.
إسحاق بن إبراهيم بن يحيى صفي الدين الشقراوي الحنبلي الفقيه المحدث. مولده بشقراء من ضياع برزاء من عمل دمشق سنة خمس وست مائة، وتوفى بدمشق يوم السبت تاسع عشر ذى الحجة، ودفن بسفح قاسيون، وكان عالماً فاضلاً دمث الأخلاق عنده كرم وسعة صدر، وقوة نفس، سمع الكثير وحدث، وكان ثقة رحمه الله تعالى.
اقوش بن عبد الله جمال الدين الركني المعروف بالبطاج. أحد أمراء دمشق، كان جرد مع العساكر إلى بلاد سيس، فتوجه صحبتهم، فلما عاد تمرض وتوفي بحلب يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول، ونقل إلى حمص، فدفن بظاهرها بالقرب من قبر خالد بن الوليد ﵁، وهو في عشر الخمسين سنة من العمر رحمة الله عليه. والركني نسبة إلى الأمير الكبير الذي لقى الفرنج بأرض غزة، وكسرهم الكسرة المشهورة، وكان من أعيان الأمراء، وله عدة مماليك يعرفون به، منهم الأمير عز الدين أبغان المعروف
стр. 1355
بسم الموت، وعلاء الدين الركني الذي أضر في آخر عمره صاحب العمائر المشهورة بالقدس والخليل والحجاز الشريف وغيره رحمه الله تعالى.
اقوش بن عبد الله جمال الدين الشهابي السلحدار. أحد أمراء دمشق الأعيان كان صحبة العسكر بسيس، فتمرض وانقطع بحماة، فتوفي بها في تاسع وعشرين ربيع الآخر، ونقل إلى دمشق، ودفن عند خشداشه علاء الدين ايدكين الشهابي نسبة إلى الطواشي شهاب الدين رشيد الخادم الكبير الصالحي النجمي.
بلبان بن عبد الله الأمير ناصر الدين النوفلي العزيزي. أحد أمراء دمشق، كان من أعيان العزيزية، وافر الديانة، كثير البر والخير، عنده حشمة ورياسة، ولين جانب، وحسن عشرة، وتواضع، ومحبة في الفقراء والعلماء، وكان صحبة العساكر بسيس، فلما عاد إلى حلب، تمرض، وتوفي إلى رحمة الله تعالى بها يوم الجمعة رابع وعشرين ربيع الأول وعمره خمس وستون سنة ﵀. والعزيزي نسبة إلى الملك العزيز بن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الكبير رحمهم الله تعالى.
حبق بن صون بن إيل الأمير جمال الدين. أحد أمراء دمشق، وتوفي بها ليلة الأحد سادس جمادى الآخرة، ودفن من الغد، وعمره مقدار خمسين سنة ﵀. ويقال أنه من أولاد صول التركي ملك جرجان الذي أسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة لما حاصره بها، وأخذ بها منه، والله أعلم.
عبد السلام بن أحمد بن غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين
стр. 1356
أبو محمد عز الدين الأنصاري المقدسي المولد، المصري الدار والوفاة، الواعظ المشهور. كان شاباً فاضلاً عالماً، اشتغل أول عمره بالكتاب العزيز، ثم بالعلم، فحصلت له مشاركة جيدة، ثم بعد ذلك لازم كلام جده الشيخ غانم ﵀ فانتفع به، وكان مبدأ شروعه في الواعظ أنه طلب منه مجلس تذكير في حال الخلوة ابن عمه أبو الحسن في حياة عمه الشيخ عبد الله فأطربه، وبلغ الشيخ عبد القادر ذلك فطلبه إليه، وسأله الجلوس، فجلس واشتهر وقصد لسماع كلامه لا عن قصد منه، ثم توجه إلى الديار المصرية، فطلب منه الجلوس بها فجلس وحصل له قبول، فأقام بالقاهرة، وبنى له زاوية وبالغ جماعة في الناس في الاحسان إليه، فأقام بالديار المصرية على كره لفراق والده وأهله، وعقد بها مجالس، وفتح عليه في ذلك، قيل: إنه كان يعمل خطب المواعيد ارتجالاً، ولا يثبت شيئاً يقوله، وكان يتردد إلى القدس لزيارة والده وأهله، ويتردد من القدس إلى دمشق فيجلس بها في الجامع الأموي، ويحضر مجلسه جماعة من العلماء والفضلاء والزهاد وغيرهم، ويستحسنون كلامه، وينتفعون به، وعمل بدمشق مجلساً في حدود السبعين والستمائة فارتجل فيه خطبة، أولها:
" الحمد لله الذي ملأ الوجود جوداً وإحساناً. وأسبغ على كل موجود من سوابغ نعمه سراً وإعلاناً. وجعل السجود لقربان حضرته قرباناً. وأوفر القلوب بتحقيق شهوده اتقاناً. نور بصائر أوليائه، فشاهدوه بعين اليقين عياناً. كلما جليت عليهم صفاته، هاموا إليها ولهاناً. وإذا تليت عليهم آياته زادتهم
стр. 1357
إيماناً. زفت عليهم عروس محبته، فجعلوا النفوس عليها سكراناً. واستبدلوا من الملبوس أشجاناً وأحزاناً. ونثروا الدموع على الخدود فسالت غدرانها.
فلما وثقوا العقود وحفظوا العهود، أعطوا من الصدود أماناً. فلو رأيتهم وقد جن عليهم الليل، لحسبتهم في ثياب الخشوع رهباناً. وفي مصابرة الولوع فرساناً. صفوا على سرير الصفا إخواناً. لا تجد فيهم خواناً. وأصبحوا في خلوة الوفاء ندماناً. لا تعرف فيهم ندماناً. نصبوا للنصب أشباحهم، ورفعوا للرعب نواحهم. وخفضوا من الرهب جباهم، وفيهم نائح باك، وصائح شاك. يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. قد تجلى لهم الجليل، ونادى يا جبريل! أنم فلاناً وأقم فلانا.
وقل يا طالبي وصلى هلموا ... فإنا لا نخيب من أتانا
حمانا للذي نهواه رحيب ... إذا ما جاءنا يبغي لقانا
يراق له شراب من وصال ... يمازجه رضاب من رضانا
هوانا للذي نهوى نعيماً ... فلا كان الذي يهوى سوانا
فلو كشفت الحجاب لعاشقينا ... وأيدينا الجمال لهم عيانا
لهاموا عند رؤيتنا وطابوا ... وطاشوا من تخلينا زمانا
ولكنا جعلنا الوصف سراً ... نصون بسره حسناً مصانا
يا جبريل! أكحل بالنوم أجفان من جفانا. فإنا لا نرضى لهوانا. من رضى لنفسه هوانا. ولا يدخل إلى حمانا. إلا من وقف على أبوابنا زمانا. ولا يفوز
стр. 1358
بلقانا. إلا من صرف وجهه تلقانا. فمن كان بالمحبة عنانا. أطلق في ميدان المحبة عنانا. ومن تفرد لهوانا. تجرد عمن سوانا. يا جبريل! ما ضر من فرقه الشوق ألوانا. إذا ما حشر تحت لوانا. ولا ضل من فتنة الوحد أفنانا. إذا ما انتهى إلى فنانا. يا جبريل! بعينا يعمل المتجملون سراً وإعلانا. وبسمعي ما لاقى المحبوب شيباً وشبانا. فمن بات بما قضيت له فرحانا. أهديت له روحاً وريحانا. ومن جعل قلبه لمحبتي ميدانا. ملأته عرفاً وعرفانا. ومن هجر في هواي أهلاً وأوطانا. أمنتهم عند لقائي صداً وهجرانا. ومن تحمل بالافتراق عصيانا. أنزلته بالاعتراف عفواً وغفرانا. ومن أبحته النظر إلى جمالي عيانا. فقد وجب الشكر عليه شكراً وسكرانا.
قم يا نديمي فإن الوقت قد حانا ... واسمع إذا ما دخلت الخان ألحانا
فثم ساقي الحميا في خصيرته ... يدنى إليك من الراووق نشوانا
واتلوا المثانى ووجدان عزمت ... على ذكر الحبيب فحبي ذاك قرآنا
وادخل إذا ما دخلت الخان منفرداً ... عن كل فرد وقف مسلوب عريانا
وسلم فؤادك للخمار مرتهماً ... واخلع ذلوقك للندمان شكرانا
وقل لمن كاس هات الكأس مصطحباً ... واسقني كي يراني الناس سكرانا
ان ظمآن لا الورى على عذل ... نشوان ولهان ما بقيت حيرانا
وقل لمن لا منى في حبها غلطاً ... قل ما تشاء فيها قد كان ما كانا
لو كنت تعرف ما أصبحت تنكره ... من سرها فجعلت السر إعلانا
стр. 1359
هي المدام التي في دنها قدمت ... وعتقت فيه أحياناً وأزمانا
هي التي في دياجي ليلها جليت ... في كأسها فاهتدى موسى بن عمرانا
هي التي جعلت نار الخليل له ... نوراً وقد أخطأت نمرود كنعانا
صهباء لما دنت من قلب شاربها ... ألفت أشعتها نوراً ونيرانا
ومن شعره:
سادتي لو وصلتم ... مغرماً قد قطعتم
قلبه قد أذبتم ... حبذا لو رحمتم
في يديكم قياده ... فاحكموا قد ملكتم
أنا راض وحقكم ... بالذي فيه تحكم
كيف لا أبتغي رضى ... بالذي قد رضيتم
ما رضائي ومن أنا ... أنتم الكل أنتم
إن يكن با أحبتي ... بعذابي قضيتم
فعلى كل ما جاء في الحكم منكم
يا عذولي عليهم ... حل مني ومنهم
يا صاحبي وجيرتي ... سلموا الأمر تسلموا
وقال أيضاً أثناء كلامه في مجلس وعظ ارتجالاً:
يا عذولي سلم إلى قيادي ... ثم دعني فما عليك رشادي
وفؤادي إذا لقيت فلمه ... قل لي بالله أين فؤادي
لا تلمني إذا سكرت فحبي ... قد سقاني صرفاً بكأس ودادي
стр. 1360
وحبيبي مواعدي بوصال ... فخماري من نشوة الميعاد
واستماعي لأمره إذ دعاني ... ما استماعي لنغمة الانشاد
حبه راحتي وروحي وراحي ... وكذا ذكره بلاغي وزادي
وإذا ما مرضت فهو طبيبي ... كلما عادني بلغت مرادي
وإذا ما طلت أو طل ركب ... عن حماه فوجهه لي هادي
يا عذولي فكن عليه عذيراً ... أو افعل لي ما حيلتي واعتمادي
إن تلمني أو لا تلمني فإني ... حبه مذهبي وأصل اعتقادي
وقدم مرة بدمشق، وبلغ قدومه قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ فكتب إليه:
لله در مبشري بقدومه ... فلقد أتى بأطائب المسموع
لو كان يقنع بالخليع وهبته ... قلباً يقطع ساعة التوديع
فأجابه ﵀ بقوله:
حاشاك يا قاضي القضاة بأمرتي ... حكماً تخالف سنة التشريع
أهل القضية إنني عبد لكم ... والاصل لا ينفك بالتفريع
القلب يعمى كيف أملك رده ... من بعد ما ملك الغرام جميعي
وقال أيضاً ﵀:
زودزني بنظرة ... قبل يوم التفرق
هذه ساعة الفراق مهجتي ... في مطاياك فارفقي
стр. 1361
قف قليلاً على الحمى ... يشتكي الصب ما لقي
أودعوا حين ودعوا ... في فؤادي تحرقي
من جفاهم وصدهم ... شاب رأسي ومفرقي
سادتي بالذي قضى ... إن حظي هو الشقي
سامحوا في الذي مضى ... وارفقوا بالذي بقي
فأنا المغرم الذي ... دمعه في تدفق
يا عذولي فخلني ... لست عندي بمشفق
إن تردد تعرف الهوى ... ومعانيه فاعشق
وأجل في الكأس جمرة من شراب المعتق
بين ندمان حضره ... كل من خانهم شقي
بات ساقي مدامهم ... من محياه يستقي
وينادي عليهم ... بأنك أماني من بقي
وحكى الشيخ شرف الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن سباع ابن ضياء الفزاري ﵀ قال: حججت في سنة خمس وسبعين وست مائة، واجتمع في الحج من علماء الأقطار ابن العجيل من اليمن، وتقي الدين بن دقيق العيد من الديار المصرية، والشيخ تاج الدين الفزاري من الشام، وغيرهم، واجتمعوا في الحرم الشريف، وكان عز الدين عبد السلام المذكور قد حج من مصر، فجلس تجاه الكعبة المعظمة، وحضر أمير مكة
стр. 1362
وغيره، فارتجل خطبة أولها:
" الحمد لله ذى القدرة التي لا تضاهى. والحكمة التي لا تتناهى. والقسمة لا يطيق خلق أن يتعداها. الذي تعزز في أزليته. فلا يعرف الأول أولها. تسرمد في أبديته، فلا يدرك الآخر أخراها. وتقدس في أحديته فلا تتحيل العقول خلاها. كيف تعرفه العقول، وقد عقلها عن بلوغ مناها. وكيف تنكره النفوس، وقد ألهمها فجورها وتقواها. وكيف يمثله الجهول، وقد أعجزه عن معرفة نفسه كيف سواها. وكيف يعطله العطول، وقد أغطش ليلها وأخرج ضحاها. من ذا الذي سمك السماء، وعلى غير عمد بناها. من ذا الذي دور أفلاكها، وفي قضاء بيد مشيئته مشاها. ومن ذا الذي سخر أفلاكها وفي حمى حمايته حماها. من ذا الذي قال للسماوات ائتينا طوعاً وكرها، فأتت طائعة حين دعاها. من ذا الذي يعلم خفايا الغيوب وما في طواياها. من ذا الذي يبصر طوايا القلوب وما في رؤياها. من ذا الذي يسمع أنه العليل إذا هو في علته أبداها. من ذا الذي ينقع غلة الغليل إذا اشتكت ظماها. من ذا الذي يرحم ذلة الذليل إذا الخطب الجليل وافاها. من ذا الذي يستر زلة الخاطي وغطاها. من ذا الذي يغفر زلة العاصي، وفي صحائف السيئات محاها. من ذا الذي تجلى على قلوب أوليائه، ومن دون الشك جلاها. ومن ذا الذي أدار كؤوس محبته على ندمان حضرته يستقاها. من ذا الذي جعل خليقته في قبضتين،
стр. 1363
فهذه أسعدها وهذه أشقاها. من ذا الذي صورك. فأحسن صورك. وفتق سمعك، وخرق بصرك. ثم برحمته شملك. وعلى أكف رأفته حملك. وجعل عن يمينك ملك، وعن شمالك ملك، ينقلان عملك إلى من ملك. في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. انظر إلى الرياض، كيف أخباها. فاستخرج منها ماءها ومرعاها. وانظر إلى الغياض، كيف اهتزت رباها. إذ هو بلطيف حكمته رباها. انظر إلى الأرض، كيف دحاها. ونشرها من تحت هذه البقعة الشريفة بعد ما طواها. فسبحان من شرف هذه البنية واصطفاها. وجعلها حمى لمن حام حول حماها، وحرما امنا لمن وفى ما عليه حين وافاها. ووجهه لمن واجهها الجاها. وأراد عندها جاها. فهي التي هاجر منها الحبيب، ما هجرها ولا قلاها. وما انقلب قلبه سواها. حتى أنزل عليه جبريل في آيات تلاها: " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها "
فول بوجهك الحسن المفدى ... إليها حيث وجهت اتجاها
فإن ابك إبراهيم قدما ... لأجل رضاك عنا قد بناها
وإسماعيل طاف بها ولبى ... وطهرها لمشتاق أتاها
هي البلد الأمين وأنت حل ... فطأها يا أمين فأنت طه
ولولا أنت حل في ذراها ... لما شرفت ولا حميت حماها
فوجه حيث كنت لها وكبر ... ولا تعدل إلى شيء سواها
ووجه الله قبلة كل قلب ... لمن شهد الحقيقة واجتلاها
هذا البيت قبلة كل قلب ... لمن شهد الحقيقة واجتلاها
هذا البيت بيت الله بشرى ... لنفس فيه قد بلغت مناها
стр. 1364
فهلل عند مشهد كفاحاً ... وزمزم عند زمزمه سقاها
فيا حجاج بيت الله طوفوا ... بكعبتها ولبوا في ذراها
فهذا الفخر إن حاولت فخراً ... وهذا الجاه إن حاولت جاها
وسئل عن السماع فأجاب بكلام طويل ليس هذا موضع ذكره، ثم أنشد لنفسه يقول:
ان يسكن عارفاً بشرح غرامي ... هات حدث عن سكرتي وهيامي
أو فقل لي إن كنت تعرف خمري ... أين خمار خمرتي ومدامي
يا فقيها إن كنت تفقه قولي ... هات قل لي ما سرد من كلامي
أنا اقرءيت بالمحبة حرفاً ... معرباً معجماً على الأفهام
هو معنى ليس في كل معنى ... بصلاة وقيام وصيام
هو سر وأنت عنه حجاب ... فهو نور مستر بظلام
فانخلع عنك وانتزع منك تشهد ... ثم معنى اعنى جميع الأنام
وتجرد عن الوجود وجاهد ... كي تشاهد سرائر الأحكام
قل لعراعرى بتلذيذ حالي ... ما لحالي من مشية ومقامي
قم فردد في الخان الحان ذكرى ... فسماع الألحان غير حرام
واسقني من مدامة الحب صرفاً ... تمح عني كبائر الآثام
واصطبح واغتبق بها وتهتك ... وتمرد تيها على اللوام
وإذا قيل من أباحك هذا ... قل بفتوى الفقير عبد السلام
стр. 1365
وخطر له قبل موته فصل أنشأه وهو: " إلهي أنت قلت، وقولك الحق: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. فأنت على لطفك دللتني. وفي جنب جودك أطعمتني. وإلى كرم حرمك أوصلتني. فقد حسن بك ظني. على ما كان مني. فحاشاك عن بوارد أوليائك تمنعني. وعن موارد نعمائك تدفعني. سيدي ان أقلعني تخليطي فعفوك ينهضني. وإن رماني تفريطي فجودك ينعشني. إلهي أنا في أسر نفسي، ولو شئت خلصتني. وفي حبس هواي، ولو شئت عتقتني. وفي رقدة غفلتي، ولو شئت أيقظتني. إلهي فهل لي منك توفيق يسعفني. وإلى طاعتك يعطفني. ومن هذه الأوزار ينقذني. إلهي أسألك رحمة تشملني. وأسبلك مغفرة تعتقني.
فخوفي منك يؤنسني ... وظني فيك يطعمني
وديني عنك يقعدني ... وسوء الفعل يقطعني
فلولا الفضل يعتقني ... لكان العذل يحرقني
وحقك أن تعذبني ... فعدلك ليس تظلمني
ولكني بتوحيدي ... أرتجي منك ترحمني
إلهي إنك أمرتنا بالوصية عند حلول المنية. وقد تهجمت عليك، وجعلت وصيتي إليك. عند قدومي لديك. فأول ما يبدأ به من أمري إذا نزلت قبري وخلوت بوزري. وأسلمني أهلي أن تؤنس وحشتي. وتوسع حفرتي. وتلهمني جواب مسألتي. ثم تكتب علي منصوب نصيبي. في لوح صحيفتي
стр. 1366
بقلم؛ يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فإذا جمعت رفاتي وحشرتني يوم ميقاتي ونشرت صحيفة سيئاتي وحسناتي. انظر عملي فما كان من حسن فاصرفه في زمرة أوليائك وما كان من قبيح فمد به إلى ساحل عتقائك واغفره في بحر عفوك وغفرانك. ثم إذا وقف عبدك بين يديك، ولم يبق إلا افتقاره إليك، واعتماده عليك. فقس مني بين عفوك ودينه، وبين غناك وفقره. بين حلمك وجهله، وبين عزك وذله. ثم افعل فيه ما أنت أهله. فهذه وصيتي إليك. تطفلاً بفضلك عليك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وأن الموت حق، وأن الحياة باطل، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ".
وله رحمه الله تعالى:
يا من أناجيه في سري وفي علني ... ومن أرجيه في بؤسي وفي حزني
أفردتني عن جميع الناس يا سكني ... وأنت أنى إذا استوحشت من سكني
وأنت روحي إذا جردت عن بدني
وأنت راحة قلبي في تقلبه ... وأنت غاية قصدي في تطلبه
من لي من مغيث أستغيث به ... إذا تضايق أمر في تكربه
ومن أرجو إذا أدرجت في كفني
إذا ذكرتك زال الهم من فكري ... وإن شهدتك عاد الكل عن نظري
وإن حضرتك لا ألوي على بشر ... وإن مررت على شيء من السمر
فغير ذكرك لا يصغى له أذني
стр. 1367
ما لي وحقك عن جدواك منصرف ... ولا عناني إلى الأغيار منحرف
فامنى فإني بما قدمت معترف ... فإن عطفت فكل الناس منعطف
وإن وصلت فكل الناس يسعدني
وبحق حبك ما قلبي بمنقلب ... إلى سواك ولا حبلي بمنجذب
ولا أراك بدمع فيك منسكب ... حتى أراك بطرف غير محتجب
في حضرة القدس لا في حضرة الدمن
وقال:
إن كان أطماع قلبي فيك قد قطعت ... والعين عن حفظ ذاك العهد ما رجعت
وفي سواك فلا والله ما طمعت ... والاذن ما سمعت والعين لا هجعت
حتى أرى بارقاً للوصل يؤنسني
توفي إلى رحمة الله تعالى ورضى عنه شهيداً، لأنه وقع من موضع مرتفع، فتوجع قليلاً، ومات يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة ثمان وسبعين وست مائة بالقاهرة، ودفن بمقبرة باب النصر، ولم يبلغ الخمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى ورضي عنه وعن سلفه. ومن لطائفه:
أيا حادي العيس قف لي قليلا ... أطيب النجيب وأندى العليلا
على جيرة أودعوا في الحشا ... لهيباً يشب وحزناً طويلا
فيا ليتني يوم حد الرحيل ... لزمت الركاب حقيراً ذليلا
فيا جيرة الحي نوحوا معي ... فإن الخليل يواسي الخليلا
ويندب بكل شج شجوة ... فحادي الرحيل ينادي الرحيلا
стр. 1368
وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه:
أأحبابنا إن جرتم أو هجرتم ... وحقكم لا حل عقد ولا كم
ولا استحسنت عيني جمالاً رأيته ... سواكم ولا سرت بغير لقاكم
قضيتم بوشك البين بيني وبينكم ... فما حيلتي إلا الرضا بقضاكم
وإن مناي أن يدوم لي الصفا ... وكان الجفا والهجر كل مناكم
ولي حرمة الجار القديم ومن له ... لحاظ ومن والاكم واصطفاكم
والله لا أنسى وقد مر لي بكم ... زمان رضي في ظلكم وحماكم
أتيه على الأكوان عجباً بحبكم ... وأغدو وقلبي آمن من جفاكم
وما كان ظني أنني بعد صفوتي ... أعد على حكم الهوى من عداكم
على شؤم بحتي كان عنوان شقوتي ... صدودكم عني ومالي سواكم
وكان رضاكم في رضائي وسخطكم ... علي فأهلا في الهوى برضاكم
وما حيلتي إلا وقوفي ببابكم ... لعلكم إن تعطفوا وعساكم
أمد إلى إحسان حسنكم يدي ... أرجي عن فقري بفضل غناكم
دعاني إليكم جودكم فأجبته ... وعادتكم أن تجيروا من أتاكم
فإن تحرموني نظرة من جمالكم ... فلا تحرموني عقبة من سراكم
وإني لآت أرضكم لا لحاجة ... لعلي أراكم أو أرى من يراكم
ومن تصانيفه: تفسير القرآن العظيم مجلد. خطب مجلد، ديوان شعر مجلدان، مختصر الشفا للقاضي عياض مجلد، الأثمار والأطيار مجلد،
стр. 1369
تفليس إبليس بما معه مجلد، شرح أحاديث المصطفى ﷺ مجلد، وعظ مجلدان، حل الكنوز مجلد، اعتذارات مجلد، مسائل في علم الطريق وأجوبة، ومجاميع مختلفة، وتفسير آيات كل آية بمجلس يتنبه عليها ولا يخرج عن حكمها في أول المجلس إلى آخر مجلد؛ وله غير ذلك مما أوقفه بزاوية مصر وكفى بالله حسيبا.
عبد الله بن عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه أبو بكر شرف الدين شيخ الشيوخ بن شيخ الشيوخ تاج الدين بن شيخ الشيوخ عماد الدين الجويني، وامه عالى النسب ابنة الامام عز الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الماجد القشيري. توفي الشيخ شرف الدين المذكور رحمه الله تعالى يوم الأحد ثامن شوال بجبل الصالحية. ودفن يوم الاثنين بسفح قاسيون بتربة الشيخ عبد الله البطائحي رحمة الله تعالى عليه، ومولده في المحرم سنة ثمان وست مائة. كان عنده فضيلة ورياضة، وحسن خلق ورياسة، وشرف نفس، ومعرفة بأخبار الناس والتواريخ، وعنده احتمال وصبر، وله نظم متوسط وإن لم يكن براكب، فمنه ما كتبه إلى أخيه سعد الدين مسعود:
أرى بك أفكاراً وأنت مروع ... وسرك مشغول وقلبك موجع
فاشرك أخاك اليوم فيمن تحبه ... من الأمر واعلم بأنه لك يطبع
ألم تسمع البيت الذي سار ذكره ... وقيت الردى والخوف والهم أجمع
ولابد من شكوى إلى ذى حفيظة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
стр. 1370
فأجابه سعد الدين:
سواك الذي ودي إليه مضيع ... وغيرك في حسن الوفا يتضيع
ومثلك من يرجى لكل ملمة ... ويدرأ عن قلبي الهموم ويدفع
وحقك لو أبديت ما أنا كاتم ... لكان به صم الجبال تصدع
ولكنني رفهت سرك عالماً ... بأنك فيما مسني تتوجع
وكتب شرف الدين في صدر كتاب إلى أخيه سعد الدين:
فهبكم تباعدتم وآثرتم الجفا ... وملتم مع الواشي وما كان ذا ظني
فهلا حفظتم بعض ما كان بيننا ... من الود وفيتم صروف الردى أنى
أحبكم لا أبتغي بدلاً بكم ... فأنتم إلى قلبي ألذ من الأمن
وقال الشيخ شرف الدين في صنعة البساتين بدمشق، سنة ست وستين وست مائة:
قالت الأشجار يا قوم اسمعوا ... فكلامي كله صدق وحق
خلفنا أعد منا أحبابنا ... من غصون وثمار وورق
إنما الناس مع السلطان في ... كل ما يأمر أمراً تحت رق
فاجتهد يا صاحبي واسمع وطع ... فمتى خالفت يوماً تحترق
عبد الله بن محمد بن علي بن كرب أبو محمد زين الدين القرشي الزبيري الحنفي. كان إماماً عالماً فاضلاً محدثاً، سمع من الافتخار الهاشمي وغيره، ومولده في يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة سنة ثلاث وست مائة بدمشق، وتوفى يوم الأربعاء رابع شوال، ودفن بباب الفراديس رحمه الله تعالى.
следующие страницы →