← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

بقلم؛ يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فإذا جمعت رفاتي وحشرتني يوم ميقاتي ونشرت صحيفة سيئاتي وحسناتي. انظر عملي فما كان من حسن فاصرفه في زمرة أوليائك وما كان من قبيح فمد به إلى ساحل عتقائك واغفره في بحر عفوك وغفرانك. ثم إذا وقف عبدك بين يديك، ولم يبق إلا افتقاره إليك، واعتماده عليك. فقس مني بين عفوك ودينه، وبين غناك وفقره. بين حلمك وجهله، وبين عزك وذله. ثم افعل فيه ما أنت أهله. فهذه وصيتي إليك. تطفلاً بفضلك عليك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وأن الموت حق، وأن الحياة باطل، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ". وله رحمه الله تعالى: يا من أناجيه في سري وفي علني ... ومن أرجيه في بؤسي وفي حزني أفردتني عن جميع الناس يا سكني ... وأنت أنى إذا استوحشت من سكني وأنت روحي إذا جردت عن بدني وأنت راحة قلبي في تقلبه ... وأنت غاية قصدي في تطلبه من لي من مغيث أستغيث به ... إذا تضايق أمر في تكربه ومن أرجو إذا أدرجت في كفني إذا ذكرتك زال الهم من فكري ... وإن شهدتك عاد الكل عن نظري وإن حضرتك لا ألوي على بشر ... وإن مررت على شيء من السمر فغير ذكرك لا يصغى له أذني

стр. 1367

ما لي وحقك عن جدواك منصرف ... ولا عناني إلى الأغيار منحرف فامنى فإني بما قدمت معترف ... فإن عطفت فكل الناس منعطف وإن وصلت فكل الناس يسعدني وبحق حبك ما قلبي بمنقلب ... إلى سواك ولا حبلي بمنجذب ولا أراك بدمع فيك منسكب ... حتى أراك بطرف غير محتجب في حضرة القدس لا في حضرة الدمن وقال: إن كان أطماع قلبي فيك قد قطعت ... والعين عن حفظ ذاك العهد ما رجعت وفي سواك فلا والله ما طمعت ... والاذن ما سمعت والعين لا هجعت حتى أرى بارقاً للوصل يؤنسني توفي إلى رحمة الله تعالى ورضى عنه شهيداً، لأنه وقع من موضع مرتفع، فتوجع قليلاً، ومات يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة ثمان وسبعين وست مائة بالقاهرة، ودفن بمقبرة باب النصر، ولم يبلغ الخمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى ورضي عنه وعن سلفه. ومن لطائفه: أيا حادي العيس قف لي قليلا ... أطيب النجيب وأندى العليلا على جيرة أودعوا في الحشا ... لهيباً يشب وحزناً طويلا فيا ليتني يوم حد الرحيل ... لزمت الركاب حقيراً ذليلا فيا جيرة الحي نوحوا معي ... فإن الخليل يواسي الخليلا ويندب بكل شج شجوة ... فحادي الرحيل ينادي الرحيلا

стр. 1368

وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه: أأحبابنا إن جرتم أو هجرتم ... وحقكم لا حل عقد ولا كم ولا استحسنت عيني جمالاً رأيته ... سواكم ولا سرت بغير لقاكم قضيتم بوشك البين بيني وبينكم ... فما حيلتي إلا الرضا بقضاكم وإن مناي أن يدوم لي الصفا ... وكان الجفا والهجر كل مناكم ولي حرمة الجار القديم ومن له ... لحاظ ومن والاكم واصطفاكم والله لا أنسى وقد مر لي بكم ... زمان رضي في ظلكم وحماكم أتيه على الأكوان عجباً بحبكم ... وأغدو وقلبي آمن من جفاكم وما كان ظني أنني بعد صفوتي ... أعد على حكم الهوى من عداكم على شؤم بحتي كان عنوان شقوتي ... صدودكم عني ومالي سواكم وكان رضاكم في رضائي وسخطكم ... علي فأهلا في الهوى برضاكم وما حيلتي إلا وقوفي ببابكم ... لعلكم إن تعطفوا وعساكم أمد إلى إحسان حسنكم يدي ... أرجي عن فقري بفضل غناكم دعاني إليكم جودكم فأجبته ... وعادتكم أن تجيروا من أتاكم فإن تحرموني نظرة من جمالكم ... فلا تحرموني عقبة من سراكم وإني لآت أرضكم لا لحاجة ... لعلي أراكم أو أرى من يراكم ومن تصانيفه: تفسير القرآن العظيم مجلد. خطب مجلد، ديوان شعر مجلدان، مختصر الشفا للقاضي عياض مجلد، الأثمار والأطيار مجلد،

стр. 1369

تفليس إبليس بما معه مجلد، شرح أحاديث المصطفى ﷺ مجلد، وعظ مجلدان، حل الكنوز مجلد، اعتذارات مجلد، مسائل في علم الطريق وأجوبة، ومجاميع مختلفة، وتفسير آيات كل آية بمجلس يتنبه عليها ولا يخرج عن حكمها في أول المجلس إلى آخر مجلد؛ وله غير ذلك مما أوقفه بزاوية مصر وكفى بالله حسيبا. عبد الله بن عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه أبو بكر شرف الدين شيخ الشيوخ بن شيخ الشيوخ تاج الدين بن شيخ الشيوخ عماد الدين الجويني، وامه عالى النسب ابنة الامام عز الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الماجد القشيري. توفي الشيخ شرف الدين المذكور رحمه الله تعالى يوم الأحد ثامن شوال بجبل الصالحية. ودفن يوم الاثنين بسفح قاسيون بتربة الشيخ عبد الله البطائحي رحمة الله تعالى عليه، ومولده في المحرم سنة ثمان وست مائة. كان عنده فضيلة ورياضة، وحسن خلق ورياسة، وشرف نفس، ومعرفة بأخبار الناس والتواريخ، وعنده احتمال وصبر، وله نظم متوسط وإن لم يكن براكب، فمنه ما كتبه إلى أخيه سعد الدين مسعود: أرى بك أفكاراً وأنت مروع ... وسرك مشغول وقلبك موجع فاشرك أخاك اليوم فيمن تحبه ... من الأمر واعلم بأنه لك يطبع ألم تسمع البيت الذي سار ذكره ... وقيت الردى والخوف والهم أجمع ولابد من شكوى إلى ذى حفيظة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع

стр. 1370

فأجابه سعد الدين: سواك الذي ودي إليه مضيع ... وغيرك في حسن الوفا يتضيع ومثلك من يرجى لكل ملمة ... ويدرأ عن قلبي الهموم ويدفع وحقك لو أبديت ما أنا كاتم ... لكان به صم الجبال تصدع ولكنني رفهت سرك عالماً ... بأنك فيما مسني تتوجع وكتب شرف الدين في صدر كتاب إلى أخيه سعد الدين: فهبكم تباعدتم وآثرتم الجفا ... وملتم مع الواشي وما كان ذا ظني فهلا حفظتم بعض ما كان بيننا ... من الود وفيتم صروف الردى أنى أحبكم لا أبتغي بدلاً بكم ... فأنتم إلى قلبي ألذ من الأمن وقال الشيخ شرف الدين في صنعة البساتين بدمشق، سنة ست وستين وست مائة: قالت الأشجار يا قوم اسمعوا ... فكلامي كله صدق وحق خلفنا أعد منا أحبابنا ... من غصون وثمار وورق إنما الناس مع السلطان في ... كل ما يأمر أمراً تحت رق فاجتهد يا صاحبي واسمع وطع ... فمتى خالفت يوماً تحترق عبد الله بن محمد بن علي بن كرب أبو محمد زين الدين القرشي الزبيري الحنفي. كان إماماً عالماً فاضلاً محدثاً، سمع من الافتخار الهاشمي وغيره، ومولده في يوم الثلاثاء ثالث ذى الحجة سنة ثلاث وست مائة بدمشق، وتوفى يوم الأربعاء رابع شوال، ودفن بباب الفراديس رحمه الله تعالى.

стр. 1371

عبد الله بن محمد أبو الصلاح محيي الدين قاضي قضاة مصر ويعرف بابن عين الدولة الصفراوي الاسكندراني الأصل المصري الشافعي. باشر الحكم بمدينة مصر الوجه القبلي عقيب وفاة قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب المعروف بابن بنت الأعز ﵀ مدة سنين، ولحقه الفالج وأقعد وعجز عن الكتابة، وأقام على هذا الحال مستمراً في الأحكام نحو خمس سنين، وكاتب الحكم يعلم عنه، ثم عزل في سنة ست وسبعين، فأقام بطالاً في بيته إلى حين توفي في احدى الجمادين، ودفن بالقرافة الصغرى، ومولده في سنة سبع وتسعين وخمس مائة. وكان عنده فضيلة ورياسة، ولطف أخلاق، وديانة كبيرة، وحسن مجالسة ومكارم. ووالده قاضي القضاة شرف الدين المشهور بالديانة والصلابة في الأحكام وتحرى الحق، ومعناه الذائد والنوادر الحسنة. قال له بعض العدول وهو في بيت قليل الهواء كثير البق، وهو البرغش، ويسمونه الناموس ما أقل الهواء في هذا البيت وأكثر الناموس فقال: هكذا ينبغي أن تكون مجالس الأحكام. ودخلت إليه امرأة في محاكمة فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: ست من يراها، فوضع كمه على عينيه وكان ينشد، وقد بلغ ثمانين سنة: إن الثمانين وبلغتها ... ما احوجت سمعي إلى ترجمان الرواية إنما هي احوجت وإنما قال ذلك لئلا يؤخذ بقوله، والطرش قادح

стр. 1372

في ولاية الحكم عن بعض العلماء. ومن شعره أعني القاضي شرف الدين: وليت القضاء وليت القضاء لم يل شيئا توليته فأوقعني في القضاء القضا ... وما كنت قدما تمنيته ومدح الشهاب محمد بن عبد المنعم الخيمي للقاضي محي الدين بقصيدة أولها: سلام على معنى الجلالة والهدى ... وبادي الحجي والعلم والحلم والندى أحن إليه معظم الود والولا ... ويمنعني الاخلاص أن أتوددا وما زال عندي مضمر الشوق نحوه ... بظاهر وصف الحال منى موكدا وقلبي محضور التسلي واجب ... مباح كبدت الحب فيه تعبدا ويروي حديث الوجد عني بحبه ... بمتصل من مرسل الدمع مسندا أحاول منه القرب زلفاً لعلني ... أفوز به الفوز المبين أسعدا ومنها: واعلم أني لست أهلاً لقربه ... ولكنني لا أستطيع التجلدا ولولا ألتقي صبرت بابك قبلة ... وتربته استغفر الله مسجدا وعفواً ففي كاف الخطاب تعلل ... لقلبي المعنى إن لي منك مشهدا أدام لك السعادة والرضى ... عليك وعزا في المحلين سرمدا ونوراً من العرفان بالله من رأى ... مخائله في حسن وجهك اهتدى عبد الله بن محمد بن أبي الحسين أبو الفرج نجم الدين الشيخ الزاهد العارف المعروف بابن الحكيم. مولده سنة ثلاث وست مائة، وتوفى في ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة بحماة رحمه الله تعالى، ويعرف

стр. 1373

بابن سطيح، ويقال أنه من ذرية سطيح الكاهن، وله فضيلة بطريق القوم، وكان له حرمة وافرة عند الملك المنصور، وصاحب حماة بحيث إذا صادفه في طريق ترجل وسلم عليه راجلاً ولا يركب حتى يبعد عنه، وله زاوية مشهورة بحماة يردها الفقراء وغيرهم رحمه الله تعالى. علي بن عمر بن محمد أبو محمد بن مجلى أبو الحسن الأمير نور الدين الهكاري. ولى نيابة السلطنة بحلب، وأعمالها في سنة تسع وخمسين وست مائة إلى سنة ثمان وسبعين وست مائة، وكان حسن السيرة، عالي الهمة، لين الكلمة، كريم الأخلاق، كثير التواضع للعلماء والفقراء، والأصحاب محسناً إليهم. وعزل عنها قبل موته بالأمير علاء الدين ايدغدى الكبكي، وكانت وفاته بحلب بعد عزله بقليل يوم الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الآخر، ودفن بها، وقد نيف على سبعين سنة من العمر، وكان والده الأمير عز الدين من أكابر الأمراء بحلب وأعيانهم، وشهرته تغني عن الأطناب في وصفه رحمه الله تعالى. قالاجا بن عبد الله الركني الأمير سيف الدين أحد أمراء دمشق. كان توجه صحبة العساكر إلى مسيس، وتوفى بحلب عند عود العساكر في الرابع والعشرين من ربيع الأول، ودفن بالأنصاري، وقد نيف على أربعين سنة من العمر رحمه الله تعالى. والركني نسبة إلى الأمير ركن الدين بيبرس العلائي وقد تقدم البينة عليه. لولو بن عبد الله حسام الدين. أحد كتاب الجيوش بالشام، وهو عتيق

стр. 1374

بدر الدين جعفر بن محمد الآمدي أو عتيق أخيه موفق الدين علي بن محمد وهو ممن استفاد صناعة الكتابة والتصرف وبرع في ذلك، وخدم الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص، وتوفه عنده حتى كانت مداراة أموره عليه وهو في رتبة وزير صغير، فلما توفى الملك الأشرف انتقل من حمص إلى دمشق، واستوطنها، واستخدم في مشارفة ديوان الجيش بها، وكان الديوان بأسره عبارة عنه والرفقة تبعاً له، وكان غزير المروءة طاهر اللسان، متفضلاً على معارفه وأصحابه، كثير البر لمن يقصده في حاجة والمسارعة إليها حسبما يمكنه، وكان شيعياً متغالياً في التشيع داعية إليه، ركناً لأهل مذهبه، يلجأون إليه في أمورهم ولم يسمع عنه ملاعنة كلمة يؤخذ عليها فيما بلغني عنه، وكنت أسمعه إذا ذكر أحداً من الصحابة ﵃ يترضى عنه، ويذكره بأجمل ذكر، وأما أهل البيت ﵈ فيوفيهم حقهم من الموالاة والمبالغة في ذلك. وتوفي بدمشق يوم الأحد سادس وعشرين ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون ﵀، وهو في عشر الستين. محمد بن بركة بن دولة خان الأمير بدر الدين. هو خال الملك السعيد ومن أعيان الأمراء بالديار المصرية، وحصل له عند ما أوصى الملك السعيد إلى ابن أخيه تقدم كثير في الدولة، ومكانة عالية، وقدم معه إلى دمشق، فتمرض بها، وكان نزوله في دار صاحب حماة داخل باب الفراديس

стр. 1375

المجاورة لمدرسة ابن المقدم، وبها توفي في ليلة الخميس تاسع ربيع الأول، وصلى عليه يوم الخميس الثالثة من النهار بالمصلى خارج باب الفرج، ودفن بسفح قاسيون بالتربة المجاورة لرباط الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد ﵀ بعد أن جعل في تابوت لينقل وقعدا معمره يومئذ خمسون سنة، وعمل له في هذا الشهر عدة اعزية وقرى بالتربة التي دفن بها عدة ختمات حضر احداها الملك السعيد ﵀ ومد خوان فيه من عظيم فاخر الأطعمة والحلاوات فأكل من حضر وتناهبه الفقراء وغيرهم، وخلع السلطان على والدته ومماليكه وخواصه، وهو في العزاء، فلبسوا الخلع وقبلوا الأرض، ثم نقل تابوته إلى القدس الشريف في العشر الأول سنة تسع وسبعين، فدفن عند قبر والده رحمهما الله تعالى. محمد بن بيبرس بن عبد الله أبو المعالي الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة ابن الملك الظاهر ركن الدين رحمهما الله تعالى. قد تقدم في هذا الكتاب نبذة من أخباره، وما جرى له وآل أمره إليه، ولما استقر بالكرك قصده أجناد من الناس، وكان ينعم على من يقصده ويعطيه ويستخدمه، فتكاثروا عليه بحيث نفذ كثير مما كان عنده، ولما بلغ ذلك الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ تأثر منه، فقيل أنه سم، وقيل غير ذلك، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه يوم الجمعة حادي عشر ذى القعدة بقلعة الكرك، ودفن من يومه بأرض موته عند قبر جعفر بن أبي طالب ﵁، ثم نقل بعد ذلك إلى دمشق في سنة ثمانين وست مائة فدفن إلى جانب والده بالتربة التي أنشأها قبالة المدرسة العادلية السيفية، وألحده قاضي

стр. 1376

القضاة عز الدين محمد بن الصائغ رحمه الله تعالى. ولما توفى ترتب مكانه في مملكة الكرك أخوه لابنه نجم الدين خضر ولقب بالملك المسعود. ومولد الملك السعيد ﵀ بالعر من ضواحي القاهرة سنة ثمان وخمسين وست مائة، وكان ملكاً جليلاً كريماً، سخي الكف، كثير العدل، محسناً إلى الخاص والعام، لا يرد سائلاً، ولا يخيب آملاً، ولا في خلقه عسف ولا ظلم، كثير الشفقة والرحمة للرعية، لين الكلمة، محباً لفعل الخير رحمه الله تعالى وقيل أنه ولد له مولود ذكر يوم دخوله قلعة الجبل على الصورة المذكورة في شهر ربيع الآخر من هذه السنة وابن أم ولد، وكانت ابنة المنصور سيف الدين قلاوون زوجته فوجدت لفقده ولمأتم عليه وجداً شديداً، ولم تزل باكية حزينة إلى أن توفيت إلى رحمة الله تعالى بعده بمدة في مستهل شهر رجب سنة سبع وثمانين وست مائة، وكانت شقيقة الملك الأشرف صلاح الدين خليل، ودفنت في تربة معروفة بوالدها بين مصر والقاهرة. ولما مات الملك السعيد بالكرك، صلى عليه بجامع دمشق يوم الجمعة رابع وعشرين ذى الحجة سنة ثمان وسبعين رحمه الله تعالى. يحيى بن أبي المنصور بن أبي الفتح بن رافع بن علي أبو زكرياء الحراني الحنبلي المنعوت بجمال الدين المعروف بابن الصيرفي. كان إماماً عالماً فاضلاً مفتياً عارفاً بالفقه متبحراً فيه، كثير الافادة والأشغال، وللطلبة به نفع كثير، روى عن الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر بن علي بن عبد الدائم المعروف بابن الغزال الحنبلي وغيره، وحصل العلوم، كان كثير

стр. 1377

الديانة والتعبد، عارفاً بالحديث وعلومه، وسمع منه الكثير وحدث واشتغل وأفاد، وانتفع به الناس وأخذوا عنه، ومولده بحران سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، وتوفي بدمشق آخر نهار الجمعة رابع صفر، ودفن يوم السبت بمقابر باب الفراديس رحمه الله تعالى، وكانت له جنازة حفلة مشهودة جداً. السنة التاسعة وسبعون وستمائة استهلت يوم الخميس وافق ذلك ثالث أيار والخليفة الامام الحاكم بأمر الله وهو بقلعة الجبل من الديار المصرية، وصاحب الديار المصرية وبعض الشام الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ودمشق وما والاها بيد الملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر، وصاحب الكرك الملك المسعود نجم الدين الخضر بن الملك الظاهر وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وصاحب مكة شرفها الله تعالى الشريف نجم الدين أبو نمى الحسني، وصاحب المدينة الشريفة صلوات الله وسلامه على ساكنيها الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسيني وصاحب حماه والمعره الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمود، والعراق والجزيرة والموصل وأربل وآذربيجان وديار بكر وخلاط وخراسان والعجم وما وراء ذلك بيد التتر، والروم بيدهم أيضاً قربة غياث الدين بن السلطان ركن الدين ولا حكم له. وفي يوم الخميس مستهل السنة في الساعة السادسة منه ركب الملك

стр. 1378

الكامل شمس الدين سنقر الأشقر نائب السلطنة من قلعة دمشق، ودخل الميدان الأخضر وبين يديه الأمراء ومقدمي الحلقة رجاله بالخلع يحملون الغاشية، والقضاة والأعيان ركاب بالخلع، وسير في الميدان لحظة يسيرة، وعاد إلى القلعة. وقد ذكرنا في أواخر حوادث السنة الخالية تجريده بعض عسكر دمشق إلى غزة، وكان بها طائفة من عسكر الديار المصرية مقيمين بها لمطابقة الكرك، وعند وصول العسكر الشامي إليها في أوائل شهر المحرم من هذه السنة اندفع عسكر الديار المصرية من بين أيديهم، ودخلوا الرمل، فنزل الشاميون غزة واطمأنوا بها ساعة من النهار، وكان فيهم قلة فكر عليهم عسكر الديار المصرية وكبسوهم ونالوا منهم منالاً كثيراً، ورجع عسكر الشام منهزماً إلى مدينة الرملة. وفي يوم الاثنين خامسه وصل إلى خدمته في طاعة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب بالبلاد الشرقية والشمالية، ودخل عليه وهو على السماط، فقام له الملك الكامل، فقبل الأرض وجلس على يمينه فوق الحاضرين. وفي يوم السبت عاشره وصل الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد ملك العرب بالبلاد الحجازية إلى طاعة الملك الكامل، فأكرمه غاية الاكرام، وكان وصوله من جهة العراق، وذكر أنه كان انتهى في يقظته هذه إلى بلاد البصرة وأغار وانتهب.

стр. 1379

وفي العشر الآخر منه تقدم الملك الكامل بإضافة الأعمال الحلبية إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان، وأن يعطي تدريس المدرسة الأمينية بدمشق، وكان ذلك بيد قاضي القضاة نجم الدين محمد بن سنا الدولة، وكتب له بالمدرسة الأمينية تقليد من إنشاء كمال الدين أحمد بن العطار نسخة، مضمونة: " الحمد لله الذي اطلع في فلك ساداتنا شمس الدين بازغة الأنوار. وأقام بنا بناء الحق، مشيد الأركان على المنار. وجعل روض الفضل في أيامنا زاهراً. تصبو إليه الأبصار. وقلوب ونفوس فيما يحف منه نجم إلا نشف من بعده سناء نجوم وأقمار. وشموس ولا يذوى منه عود إلا يروى بماء الرعاية منه أصول وفروع وغروس. يبر بها لأيامنا أن يبذل فيها الحسنات. أو يتعطل فيها مدارس آيات. والصلاة على سيدنا محمد ذى الحسيب الصميم. والدين القويم. والشرع الهادي إلى الصراط المستقيم. صلاة يحلى اللسان تكرارها. ويملأ سواد القلب أنوارها. وبعد فإن أحق من عمرت به ربوع العلوم الدارسة. وطلعت شموس فضله، فتجلت بها كلمات الجهل الدايسة. من كانت آية فضله شمسية، إذا طلعت حجب النجم سناها. وإذا تناهى في إشادة عليائه أعربها بمساعيه، وحسن بناها. وإذا تسابقت جياد الأفكار في حلبة جدال عطف اعنتها إلى الصواب وثناها. طالما حل الرتب العالية بجليل مقداره ودقيق أفكاره. وجلا الرتب العالية بخفي تدبيره وجلى أنواره. وماضت على معاطف مناقبه

стр. 1380

ذوائب فخاره. وهامت الأفكار في أودية محامده، وما بلغت وصف محله ومقداره. وافتخر قلم الفتيا براحته وتباعد السيف عن قربه خوفاً من مهابه. وسدد الحق سهام أحكامه. فأصابت الأغراض، وشيد الصدق نظام كلامه. فشفى صحيحه الأمراض، فإن شرع في علم الشرع شفى إنسان عن الجهل الارمداء. روى الحديث النبوية بإسناده، فيما يصل أحد إلى مسند أحمد، وإن صال في الأصول فإليه منتهى فخار الفخر الرازي. أو حكم في الحكمة، فابن سينا غير مساو له ولا موارى له، وإن نطق في المنطق، فهو أنير زمانه وسراجه المنير، أو يحدث في علم العربية، فهو أبو العباس تحقيقاً غير تقدير، أو تكلم في علم الخلاف، فهو الأوحد على الحقيقة، وكم له إلى الحق من طريق وطريقه، وإن قص أبناء السلف والخلف، وكل خطيب يثني عليه، وابن عساكر لا تتخذه عساكر معلوماته لو كان بين يديه ". ولما كان المجلس العالي القضائي الأجلي الصدري الكبيري الأوحدي الرئيسي الأفضلي العالمي العاملي الكاملي الناسكي العارفي الأثري الحافظي الشيخي الامامي الحاكمي الشمسي، شرف الإسلام فخر الأنام زين العلماء أوحد الفضلاء وارث الأنبياء محبة العرب العرباء بقية السلف مفتي الفرق صدر الحفاظ شمس الشريعة قاضي القضاة سيد الحكام صفي الملوك والسلاطين ولي أمير المؤمنين أبو العباس أحمد بن الشيخ الامام أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن أبي بكر بن خلكان البرمكي الشافعي ضاعف الله جلاله، وحقق في الدارين آماله، نظام هذا العقد المليح. ومعنى هذا اللفظ الفصيح.

стр. 1381

وثمرة هذه الدوحة النضرة. ونشر هذه الروضة الخضرة. رسم الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الكاملي الشمسي لا زال يقر الحق في يد مستحقه، ويوضع لسالكه في سبيله. وطرفه أن يفوض إليه تدريس المدرسة الامينية. ويجري باسمه العلوم الشاهد به كتاب وقفها المبرور، وذلك لما تعين سرف مباشرها عند تبين إجلاله بشروط واقفها، فتقدم على خيرة الله تعالى، ويذكر بها دروس فضله التي لا تدرس للأنام آثارها. ويغرس في قلوب طلبتها حب فرائده، ليجتني ساعة غرسها ثمارها. ويحلو وجوه معارفه على خطابها، ليبلى بمحاسنها، ويتمتع، ويغذى أطفال الأذهان الرضع بلبان فضله إلى أن يتسنى بين يديه، ويترعرع، ويعمر معناها بالعلم الذي تنكرت فيها معالمه، وخفى سناه، حتى لا يدركه شاتمه، ليجني بها فضله الحسن السهل خالداً ويغذو كل ظام من جعفره المعروف، ومعروف جعفره وارداً، وتصبح هذه المدرسة كنيفاً ملئ علماً وقليباً حشي فهماً وفلكاً يبدى شمساً، ويخفى نجماً وكنانة يخرج من طلبتها في كل حين سهماً يراه متأمله شهماً. والله تعالى يحيى ببقاء علمه ما أماته الجهل، ويؤنس بأنفاسه ما استوحش من معاهد الخير والفضل ان شاء الله تعالى. كتب في ثالث عشرين المحرم سنة تسع وسبعين وست مائة، وذكر الدرس بها في هذا الوقت وكان القاضي نجم الدين مدرسها بحلب وقد استناب ولده بها ولم يكن تام الأهلية لمباشرة مثلها.

стр. 1382

وفي أواخر شهر المحرم وردت الأخبار أن الملك المنصور أرسل جيشاً كثيفاً إلى دمشق، ومقدمه الأمير علم الدين سنجر الحلبي، ولما اتصل ذلك العسكر بعسكر الملك الكامل الذين بالرملة تأخروا قليلاً ولما تقدم المصري تأخر الشامي لقلته إلى أن وصل أوائلهم دمشق في أوائل صفر. وفي يوم الأربعاء ثاني عشر صفر خرج الملك الكامل بنفسه وبجميع من عنده من العساكر، وضرب دهليزه بالجسورة وخيم هناك بجميع الجيش، واستخدم وأنفق هو جمع خلقاً عظيماً، وحضر عنده عرب الأميرين شرف الدين عيسى بن مهنا، وشهاب الدين أحمد بن حجي، ونجدة حلب، ونجدة حماة، مقدمها الملك الأفضل نور الدين علي أخو صاحب حماة، ورجالة كثيرة من جبال بعلبك. وفي يوم الأحد سادس عشره وقت طلوع الشمس، التقى الجيشان في المكان المذكور وتقاتلا أشد قتال، وثبت الملك الكامل، وقاتل قتالاً كثيراً، واستمر المصاف إلى الرابعة من النهار، ولم يقتل من الفريقين إلا نفر يسير جداً، وخامر أكثر عسكر دمشق، وانهزموا من أنضاف إلى العسكر المصري وعند ما وقعت العين في العين قبل أن يلتحم القتال انهزم الحمويون، وتخاذل عسكر الشام وتفرقوا، فمنهم من دخل بساتين دمشق واختفى بها، ومنها من دخل خواطر دمشق، ومنهم من ذهب إلى بعلبك، ومنهم من سلك طريق المرج والقطيفة وعذراء والدرب الكبير إلى القطيفة، واجتمع جميع العسكر على القصب من عمل حمص، ثم عاد أكثر

стр. 1383

الأمراء إلى دمشق، وطلبوا الأمان من الأمير علم الدين الحلبي، فأمنهم ودخلوا في أيام متفرقة، ثم حضر الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي إلى دمشق بالأمان، ودخل في طاعة الملك المنصور، وأما الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا فإنه توجه صحبة سنقر الأشقر، ولازم خدمته ونزل به وبمن معه من الأمراء والعسكر في نوبة رحبة مالك بن طوق ونصب لهم بيوت شعر وأقام بهم، وبدوابهم مدة مقامهم عنده، وأما الجيش المصري، فإنه ساق من ساعته إلى المدينة وأحاط بها، ونزلوا في الخيم ولم يتعرضوا إلى زحف، وراسلوا من بالقلعة إلى العصر من ذلك النهار، ففتح من المدينة باب الفرج، ودخل منه بعض مقدمي الجيش، وفتحت القلعة فدخلوا إليها من الباب الذي داخل المدينة، وكان التسليم بالأمان وأفرج عن جماعة كان اعتقلهم سنقر الأشقر، منهم الأمير ركن الدين بيبرس العجمي المعروف بالجالق، وتقي الدين توبة التكريتي، والأمير حسام الدين لاجين المنصوري وغيرهم، وكتبت المطالعات إلى الملك المنصور بصورة ما جرى وسيرت على البريد. وفي بكرة يوم الاثنين سابع عشرة جهز الأمير علم الدين الحلبي قطعة جيدة من الجيش المصري

стр. 1384

تقارب ثلاثة آلاف فارس في طلب شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء والجند. وفي هذا اليوم ركب قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان للسلام على الأمير علم الدين الحلبي، فقبض عليه واعتقله بعلو الخانكاة النجيبة.

стр. 1385

وفي يوم الخميس العشرين منه صرفه عن قضاء الشام كله، وتقدم إلى القاضي نجم الدين محمد بن سنى الدولة، وكان قدم من حلب بمباشرة الحكم بدمشق فباشره. وفي يوم الخميس سابع عشرين منه أعادت الأجوبة من الملك المنصور فجلس الأمير علم الدين الحلبي في دهليز ضرب له بالميدان الأخضر الصغير، وحضر عنده الأمراء، والأعيان من عسكر الشام ومصر، وأعيان الناس، وقرئ عليهم كتاب الملك المنصور، ومضمونه: " التهنئة للإسلام بدفع هذا الضرر والعتب على كل طائفة بما يليق بهم ". وفي آخره: " وإنا قد عفونا عن جميع الناس الخاص والعام، أرباب السيف والقلم، ولم نؤاخذ أحداً منهم، وأمناهم على أنفسهم وأهلهم وأموالهم، ورسمنا أن لا نغير على أحد منهم وظيفته إلا إن ورد في حقه تخصيص ". فارتفعت الأصوات بالدعاء وانصراف الناس مسرورين. وفي أوائل ربيع الاول، ترتب في نيابة السلطنة بالشام الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصوري، ودخل دار السعادة ودخل معه الأمير علم الدين الحلبي ورتبه بها، وفي خدمته سائر أمراء مصر والشام، وهذا الأمير حسام الدين كان الملك المنصور سيره إلى دمشق أميراً ونائباً لقلعتها في أواخر السنة الخالية، فبقي بالقلعة مدة يسيرة وجرى ما جرى من سلطنة شمس الدين ينقر الأشقر واعتقله، وبقي في الاعتقال إلى أن حضر الأمير علم الدين الحلبي، واستولى على المدينة والقلعة، فأفرج عنه وبقي في خدمته

стр. 1386

إلى أن ورد المرسوم بمباشرة نيابة السلطنة فباشرها، وهو شاب له خير كثير، الدين والكرم والشجاعة، محب للعلماء والصلحاء، مؤثر للعدل في الرعية. وفي يوم الثلاثاء تاسع ربيع الأول أفرج عن قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان وضرب إلى منزله، ثم تقدم إليه الأمير علم الدين الحلبي بعد أيام بالانتقال من المدرسة العادلية الكبيرة، وتسليمها إلى قاضي القضاة نجم الدين، فشق عليه ذلك وتكرر عليه القول بسرعة النقلة فبينا هو في ذلك قد أحضر جمالاً لنقل قماشه إلى جبل الصالحية، وإذا بكتاب الملك المنصور قد ورد على الأمير علم الدين الحلبي، ومن مضمونه: " إن عفونا قد شمل الخاص والعام، وما يليق أن تخصص بسخطنا أحداً على انفراده، وغير خاف مما يتعين من حق المجلس السامي القضائي شمس الدين أحمد بن خلكان أعزه الله تعالى وقديم صحبته لها وحدته عليها، وأنه من بقايا الدولة الصالحية سقى الله عهدها، وقد رسمنا بإعادته إلى ما كان عليه بقضاء القضاة بالشام، وبسطنا يديه في القبض والإبرام وما هذا معناه ". فركب القاضي شمس الدين من ساعته، وطلع إلى الأمراء وسلم عليهم، ونزل وقت الظهر باشر الأحكام وأحضر له تشريفه لنسبه، وصلى به الجمعة، وكتب مطالعة إلى الملك المنصور يدعو له ويتنصل بما نسب إليه ويعتذر؛ فورد عليه الجواب بالشكر وقبول العذر. وفي أوائل ربيع الآخر خرج من دمشق عسكر من الجيش المصري، مقدمهم الأمير عز الدين الأفرم، ولحق بالذين كانوا توجهوا قبل ذلك في طلب سنقر الأشقر، فأدركوهم على حمص، ورحلوا بأسرهم طالبين المذكور ومن معه، فلما بلغه ذلك فارق الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وتوجه بمن معه في البرية إلى الحصون التي كانت بقيت بيد نوابه فتحصن هو ومن معه بها في أواخر الشهر المذكور وهي: صهيون، وكان بها أولاده وخزائنه ودخلها هو أيضاً، وبلاطنس وحصن برزية وحصن عكار وجبلة واللاذقية والشعر وبكاش وشيزر. وكان يوم المصاف قد انهزم الأمير عز الدين ازدمر إلى جبل الحرديين، وأقام عندهم هذه المدة كلها تحصن بهم وحموه، فلما بلغه وصول سنقر الأشقر إلى القلاع المذكورة وصل إليه بجماعة من الجبليين، وأقام شيزر يحفظها، ولما بلغ العسكر دخولهم القلاع واعتصامهم بها، نازلوا شيزر مضائقة لأبقية العسكر المنازلين لشيزر مصممين على حضرتها، وترددت الرسل بينهم وبين شمس الدين سنقر الأشقر في تسليمها، فبينا هم في ذلك، وردت الأخبار في أوائل جمادى الآخرة أن التتار خذلهم الله تعالى قد قصدوا بلاد الشام، فخرج من كان بدمشق من العسكر المصري والشامي، ومقدمهم الأمير ركن الدين أباجي، ولحق بقية العساكر التي على شيزر وكانوا قد تأخروا عنها، ونزلوا بظاهر حماة، ووصل من الديار المصرية عسكر مقدمه الأمير بدر الدين بكتاش النجمي فلحق بهم، واجتمع الجميع على حماة وأرسلوا كشافة إلى بلاد التتر في العشر الأوسط منه، ووصل

стр. 1387

إلى دمشق وبعلبك خلق عظيم من الجفال من حلب وبلادها وحماة وحمص والبلاد الشمالية جافلين من التتر، ولم يتخلف في تلك البلاد إلا من عجز عن السفر، وأخليت حلب من العساكر التي لها والتجؤا إلى حماة، وعزمكثير من أهل دمشق والبلاد الشامية أن يتوجهوا إلى الديار المصرية، واضطرب الناس لذلك اضطراباً شديداً، وكان سبب حركة التتر لما بلغهم من اختلاف الكلمة، وظنوا أن نقر الأشقر ومن معه يتفقون معهم وأن يكونوا جميعاً على العسكر المصري، فأرسل أمراء العسكر المصري إلى سنقر الأشقر يقولون: هذا العدو قد دهمنا وما سببه إلا الخلف بيننا، وما ينبغي أن نهلك الاسلام في الوسط، والمصلحة أن نجتمع على دفعه. فنزل عسكر شمس الدين سنقر الأشقر من صهيون والحاج ازدمر من شيزر، وخيمت طائفة تحت قلعتها، ولم يجتمعوا بالمصريين، واتفقوا على اجتماع الكلمة ودفع العدو عن الشام. وفي يوم الجمعة حادي وعشرين منه وصل طائفة عظيمة من عساكر التتار، وأحرقوا الجامع والمدارس المعتبرة ودار السلطنة ودور الأمراء الكبار، وأفسدوا فساداً كثيراً، وكان أكثر من تخلف بها قد استتر في المغائر وغيرها، وأقاموا بحلب يومين على هذه الصورة. وفي يوم الأحد ثالث وعشرين منه رحلوا منها راجعين إلى بلادهم بعد أن تقدمهم الغنائم التي كسبوها ونقلوا من الغلال شيئاً كثيراً إلى أماكنهم، وكان سبب رجوعهم إلى بلادهم لما بلغهم من اتفاق الطائفتين

стр. 1388

على دفعهم، وحكى أن سبب خروجهم من حلب أن بعض من استتر بها يئس من الحياة، فطلع منارة الجامع وكبر بأعلى صوته على التتر، وقال: جاء النصر من عند الله، وأشار بمنديل كانمعه إلى ظاهر البلد، وأوهم أن إشارته إلى عسكر المسلمين، وجعل يقول في خلال ذلك: اقبضوهم من بيت البيوت مثل النساء، فتوهم التتر من ذلك وخرجوا من البلد على وجوههم، وسلم الذي فعل ذلك، ولما رجعوا عن حلب ظهر من كان مستتراً بها، ورجع من كان يجفل عنها، وحصلت الطمأنينة للناس. وفي هذه الأيام هرب من عند شمس الدين سنقر الأشقر جماعة من الأمراء ودخلوا في طاعة الملك المنصور وتوجهوا إلى خدمته. وفي أواخر هذا الشهر خرج الملك المنصور بجميع العساكر لنصرة الإسلام ودفع العدو عن البلاد. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين منه قرئ على المنبر بجامع دمشق بعد صلاة الجمعة مثال سلطاني ورد على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بدمشق، مضمونه: أن الملك المنصور جعل ولده علاء الدين علياً ولي عهده، ولقبه الملك الصالح، وخطب له على المنبر، وعقيب الفراغ من قراءة هذا المثال وردت البشائر برجوع التتر من حلب، وخلوا البلاد منهم، فاستبشر الناس بعزة ولي العهد. ولما وصل الخبر برجع التتر تفرقت العساكر في طلبهم، فمنهم من توجه إلى عين تاب وتلك النواحي، ومنهم من توجه إلى جهة الفرات والبيرة، وجاسوا خلال الديار في تلك الجهات، ثم رجعوا. وكان الملك المنصور

стр. 1389

لما رجع ولده ولي العهد، كتب له تقليد بخط محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر من انشائه، مضمونه: " الحمد لله الذي شرف سور الملك بعلية. وحاطه منه بوصية. وعضد منصوره بولاية عهد مهدية، واسمى حاتم جوده بمكارم حازها بسبق عدية. وأبهج خير الآباء من خير الأبناء عن سموا أبيه منه، ومسارعة وليه بحمده على نعمه التي جمعت إلى الزهر الثمر، وأضافت إلى نور الشمس هداية القمر، وداركت بالبحر، وباركت في النهر، وأجملت المبتدأ وأجنت الخبر، وجمعت في لذاذة الأوقات وطيها بين رونق الأصائل، ورقة البكر. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تلبس الألسنة منها كل ساعة جديداً، ويتفيأ ظلاً مديداً، ويستقرب من الآمال ما يراه سوانا بعيداً. ونصلي على سيدنا محمد الذي طهر الله به هذه الأمة من الأدناس. وجعلها بهداية زاكية الغراس. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه بالأمر له بالصلاة بالناس. ومنهم من بنى الله به قواعد الدين، وجعله موطد الآساس. ومنهم من جهز جيش العسرة، وواسى بما له حين الطراء والباس. ومنهم من قاله عنه ﷺ لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فحسن الالتماس بذلك الاقتباس. وزاد في شرفه بأن طهر أهل بيته، وأذهب عنهم الأرجاس. صلاة لا تزال

стр. 1390

تتردد الأنفاس. ولا تبرح في الابناء حسنة الأنباس. وبعد، فإن خير من شرفت مراتب السلطنة بحلوله. وفوقت ملابس التحكيم لقبوله. ومن تزهى مطالع الملك باشراقه. وتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه. ومن يزدهى ملك منصوره، نصرة الله موطدة وولي عهده مكنه الله بأبيه. ومن يتشرف ايوان عظمة أن غاب والده في مصلحة الاسلام فهو صدره. وان حضر فهو ثانية. ومن يتحمل عاب الابالة منه بحيرسل كفيل لثناء. ويتكمل غوث الأمة بخير وابل خلف..... ومن الهم الاخلاق الملوكية وأوفى حكمها صبياً. ومن خصصته أدعية الأبوة الشريفة بصالحها. ولم يكن بدعائها شقياً. ومن رفعت به هضبة الملك حتى أمسى مكانها علياً. ومن هو أحق بأن يبحث للأمل وينجح. وأولى بأن تبلى له أخلفني في قومي وأصلح. ومن هو بكل خير ملى. ومن إذا فوضت أمور المسلمين كان أشرف من لا نورهم بلى. ومن يتحقق من والده الماضي الغزار. ومن اسمه عالي المنار. ان لا سيف إلا ذو الفقار ... ولا فتى إلا علي ". ولما كان المقام العالي الولدي السلطاني الملكي الصالحي العلائي عضد الله به الدين، وجمع إذعان كل مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين حتى يصبح وهو صالح المؤمنين. هو المرجو لتدبير الأمور والمأمول لمصالح البلاد والثغور. والمدخر من النصر لشفاء ما في الصدور. والذي تشهد الفراسة لأبيه، وله بالتحكم أليس الحاكم أبو علي هو المنصور. فلذلك

стр. 1391

افضيت الرحمة والشفقة على الأمة أن ينصب لهم ولي عهد يتمسكون من الفضل بعروة كرمه. ويسعون بعد الطواف بكعبة أبيه لحرمه. ويقطفون أزهار العدل وثمار الجود من علمه وقلبه. ويستشعر الأمة منه بالملك الصالح الذي يقسم الأنوار بجبينه، وتقسم المبار بكراماته وكرمه. فذلك خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي أخدمه الله القدر. ولا زالت الممالك تتناهى منه، ومن ولى عهده بالشمس والقمر. أن يفوض إليه ولاية العهد وكفالة السلطنة الشريفة ولاية تامة عامة شاملة. كافلة جامعة وارعة قاطعة ساطعة شريفة منيفة. عطوفة رؤوفة لطيفة عفيفة. في سائر أقاليم الممالك الشريفة. وعساكرها، وجندها، وعربها، وتركمانها، وأكرادها، ونوابها، وولاتها، وأكابرها، وأصاغرها، ورعايتها، وحكامها، وقضاتها، وسارحها، وسائحها بالديار المصرية، وثغورها، وأقاليمها، وبلادها وما احتوت عليه؛ ومملكة الحجازية، وما احتوت عليه، ومملكة النوبة، وما احتوت عليه؛ والفتوحات الصفدية، والفتوحات الاسلامية الساحلية، وما احتوت عليه؛ والممالك الشامية، وحصونها، وقلاعها، ومدنها، وأقاليمها، وبلادها، والمملكة الحمصية، والمملكة الحصنية، والأكرادية، والجبلية وفتوحاتها، والمملكة الحلبية وثغورها، وبلادها وما احتوت عليه؛ وسائر القلاع الاسلامية براً وبحراً سهلاً ووعراً. شاماً ومصراً ويمناً وحجازاً. شرقاً وغرباً بعداً وقرباً. وأن يلقى إليه مقاليد الأمور في هذه الممالك الشريفة.

стр. 1392

وأن يستخلفه سلطنة والده خلد الله دولته ليشاهد الأمر منه في وقت واحد سلطاناً وخليفة وولاية واستخلافاً، يسندها الرواة، ويترنم بها الحداة وتفهمها الاسماع. وتنطق بها الأفواه. وتفويضها يعلن لكافة الأمم. ولكل رب سيف وقلم. ولكل ذى علم وعمل بما قاله ﷺ لسمية ﵁ حين أولاه من الفخار ما أولاه. من كنت مولاه فعلي مولاه. فلا ملك اقليم إلا وهذا الخطاب يصله، ويوصله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله. ولا اقليم إلا وكل به يقبله ويقبله. ويتمثل بين يديه ويمثله. ولا منبر إلا وخطيبه يتلو فرقان هذا التقدم ويرتله. وأما الوصايا فقد لقنا ولدنا. وولي عهدنا منها انطبع في صفاء ذهنه وسرت تعديته في سماء غصنه. ولابد من لوامع الوصايا للتبرك بها في هذا التقليد الشريف تنير. وجوامع يصير الخير بها حيث يصير. وودائع سك بها ولدنا أعزنا الله ببقائك، ولا ينبئك مثل خبير، فاتق الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وانصر الشرع فإنك إذا نصرته، نصرك الله على أعداء الدين وعداك. واقض العدل مخاطباً وكاتباً حتى تستبق إلى إلا يغازيه لسانك ويمناك. وأمر بالمعروف وانه عن المنكر عالماً أنه ليس يخاطب غداً بين يدي الله تعالى عن ذلك سوانا وسواك. وأنه عن نيل الهوى حتى لا يراك حيث نهاك، وحط الرعية ومر النواب تحملهم على القضايا المرعية، وأقم الحدود

стр. 1393

وجند الجنود، وابعثها براً وبحراً من الغزو إلى كل مقام محمود، واحفظ الثغور ولاحظ للأمور. وازدد باسترشاد بأرائنا نوراً على نور. وأمر للإسلام للأكابر وزعماؤه فيهم بالجهاد. والذب عن العباد، وأصفياء الله وأحباؤه فضاعف لهم الحرمة والاحسان، واعلم أن الله قد اصطفانا على العالمين وإلا فالقوم إخوان. لا سيما أولى السعي الناجح والرأي الراجح ومن إذا فخروا بنبسة صالحة قيل لهم: نعم السلف الصالح. فشاورهم في الأمر وجاورهم في مهمات البلاد كل سر وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين هم نحايا الدول وذخائر الملوك الاول، اجرهم هذه المجرى. واشرح لهم بالاحسان صدراً. وجيوش الاسلام هم البنان البنيان فوال إليهم الامتنان، واجعل محبتك في قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المدى وطاعتك في عقائدهم وقد شغفها حباً ليصبحوا لك بحسن نظرك إليهم طوعاً، وليحصل كل جنس منهم من التقرب إليك بالمناصحة نوعاً والبلاد وأهلها فهي وهم عندك الوديعة فاجعل أوامرك بها بصيرة، ومنهم سميعة. وأما غير ذلك من الوصايا فستنجو لك منها ما ينشأ معك يوماً ويلقنك من آياتها محكماً فمحكماً والله تعالى ينهى هلالك حتى توصله إلى درج الابدار ويغذى غصتك حتى تراه قد انبع بأحسن الأزهار وأطيب الثمار، ويرزقك سعادة سلطاننا الذي نعت بنعته تبركاً، ويلهمك الاعتضاد بشيعته، والاستنان بسنته حتى تصبح كتمسكنا بذلك متمسكاً، ويجعل الرعية بك في أمن وأمان، وعدل وإحسان، حتى لا يخشى سوءاً ولا تخاف دركاً إن شاء الله تعالى. يعة فاجعل أوامرك بها بصيرة، ومنهم سميعة. وأما غير ذلك من الوصايا فستنجو لك منها ما ينشأ معك يوماً ويلقنك من آياتها محكماً فمحكماً والله تعالى ينهى هلالك حتى توصله إلى درج الابدار ويغذى غصتك حتى تراه قد انبع بأحسن الأزهار وأطيب الثمار، ويرزقك سعادة سلطاننا الذي نعت بنعته تبركاً، ويلهمك الاعتضاد بشيعته، والاستنان بسنته حتى تصبح كتمسكنا بذلك متمسكاً، ويجعل الرعية بك في أمن وأمان، وعدل وإحسان، حتى لا يخشى سوءاً ولا تخاف

стр. 1394

دركاً إن شاء الله تعالى. وفي أواخر هذا الشهر أعيد الصاحب برهان الدين السنجارى إلى الوزارة بالديار المصرية على عادته الأولى، ورجع فخر الدين إبراهيم بن لقمان إلى ديوان الانشاء على عادته. وفي العشر الأوسط من شهر رجب وصلت العساكر المصرية والشامية من حلب، والبلاد الشمالية من تطلب التتر والسير في آثارهم، وتوجه الجيش المصري إلى خدمة الملك المنصور بغزة، وأقام عسكر الشام بدمشق. وفي حدود منتصف الشهر وصل الملك المنصور غزة، وكان بلغه رجوع العدو وهو بالرمل فأقام بها، وتوقف عن الوصول إلى دمشق لعدم الحاجة إلى ذلك وقصد تخفيف الوطأة عن بلاد الشام. وفي يوم الخميس عاشر شعبان رحل الملك المنصور عن غزة راجعاً إلى الديار المصرية. وفي أواخر شهر رمضان المعظم أعيد القاضي تقي الدين محمد بن رزين الشافعي إلى القضاء بالديار المصرية وصرف القاضي صدر الدين عمر بن بنت الأعز عن ذلك وكان قبل ذلك قد أعيد القاضي نفيس الدين بن شكر المالكي، ومعز الدين الحنفي، ورتب معهما حاكم حنبلي وهو عز الدين المقدسي فاستمر البلد مع القاضي تقي الدين كل منهم يباشر الحكم استقلالاً على مذهبه. وفي شهر ذى القعدة كان طائفة من عسكر الشام نازلين بمرج المرقب

стр. 1395

الحصن المعروف مضائقين لمن فيه، وداخلهم طمع فيه، فركبوا من الليل وصبحوا المرقب صباحاً للغارة إليه فأحس الفرنج المقيمون به بهم، وكان قد وصلهم نجدة في البحر المالح فخرجوا بأجمعهم، وكروا على عسكر المسلمين فانهزموا بين أيديهم في أودية وعرة لا خبرة لهم بها، فنالوا منهم منالاً عظيماً، وأسروا خلقاً كثيراً، وغنموا غنائم عظيمة، وعندما انبرم الصلح بين الملك المنصور وبين الفرنج في شهر المحرم سنة ثمانين وست مائة، استنقذ أكثر من حصل بالمرقب من أسرى المسلمين في هذه الواقعة، وأخفوا من أمكنهم إخفاءه، وسفروهم إلى الجزائر. وفي يوم الأحد مستهل ذى الحجة خرج الملك المنصور من الديار المصرية بالعساكر كلها قاصدا الشام، وترك ولده الملك الصالح يباشر الأمور عنه بالديار المصرية. وفي يوم الأحد ثامنه أضيف إلى قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ﵀ الحكم بمدينة حلب وأعمالها معها بنده، وأذن له أن يستنيب عنه في ذلك. وفي يوم عرفة منه وقع بالديار المصرية برد من كبار الحجم فأهلك من الغلال والزراعات ما لا يحصى، وكان معظم ذلك بالوجه البحري، ووقع بظاهر القاهرة تحت الجبل الأحمر صاعقة على حجر فأحرقته فأخذ من ذلك الحجر قطعة وسبكت فاستخرج منها قطعة حديد بلغت زنتها أربع أواقي من المصري، ووقع في ذلك اليوم بعينه صاعقة بثغر الاسكندرية.

стр. 1396

وفي يوم الثلاثاء سابع عشره نزل الملك المنصور بجميع عساكره على منزلة الروحاء من عمل الساحل، قبالة عكا في معنى تجديد الهدنة، فراسله الفرنج من عكا في معنى تجديد الهدنة، فإنها كانت قد انقضت مدتها، وأقام بهذه المنزلة حتى استهلت سنة ثمانين وست مائة. وفي هذا الشهر قدم من جهة العراق الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب بالبلاد الشمالية وبرية العراق، داخلاً في الطاعة ووصل إلى خدمة الملك بمنزلة الروحاء. فركب السلطان في موكبه وتلقاه على بعد، وبالغ في إكرامه وإحترامه، وعامله بالصفح والاحسان. وفيها توفي أحمد بن عبد الواحد بن السابق أبو العباس محيي الدين الحلبي العدل. من أكابر بيوت حلب. كان رجلاً كثير التحري في شهاداته، وعنده ديانة وعقل وسداد، وكتب لحكام حلب مدة، ولحكام دمشق أيضاً مدة أخرى. ومولده بدمشق سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وتوفي بها يوم الأربعاء بعد العصر ثامن ذى الحجة، ودفن من الغد بجبل قاسيون، وكان صلى العصر من يوم الأربعاء، ولحقه قولنج فمات من ساعته ﵀. ازبك بن عبد الله صارم الدين الحلبي كان من أعيان أمراء دمشق وهو منسوب إلى الامير عز الدين الحلبي الكبير، وقد ذكرناه في سنة ست وخمسين وخمس مائة، وكان جرد هذا صارم الدين إلى بعلبك، فتمرض بها، وحمل منها في محفة على بغال إلى دمشق، فوصلها، وأقام بها أياماً، وتوفي في تاريخ ليلة الأحد الرابع والعشرين من شوال، ودفن يوم الأحد بسفح قاسيون، وقد نيف على خمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى.

стр. 1397

اقوش بن عبد الله الأمير جمال الدين الشمسي. كان من أعيان الأمراء وأماثلهم وشجعانهم، وهو الذي أمسك الأمير عز الدين ايدمر الظاهري وهو الذي باشر قتل كتبغانوين مقدم عساكر التتر بعين جالوت، وقد تقدم ذكر ذلك كله، وولى نيابة السلطنة بحلب في السنة الخالية، فأدركته وفاته يوم الاثنين خامس شهر المحرم من هذه السنة، ودفن هناك، وهو في عشر الخمسين رحمه الله تعالى. والشمسي نسبة إلى الأمير بدر الدين بيسرى وغيره من الشمسية ﵏. داوود بن حاتم بن عمر بن الحبال. كان شيخاً صالحاً، وله كرامات وأحوال وأخبار صادقة. قال أخي ﵀ أخبرني مراراً عديدة بأشياء تأتي، فكان الأمر كما أخبر. ولما توفي عمه بكر بن الحبال، طلب إلى دمشق، فنزل واجتمع بالصاحب بهاء الدين، فأقبل عليه إقبالاً كثيراً، وأحسن به الظن، ولم يزل بعد ذلك يكاتبه، ويقضي حوائجه، ويقبل إشاراته إلى أن توفى الصاحب بهاء الدين ﵀ وهو على ذلك. وكان الحاج داود حنبلي المذهب، وأصل أجداده من حران. وتوفي ليلة الأربعاء بين المغرب والعشاء في شهر ذى الحجة من هذه السنة، وعمره يومئذ خمس أو ست وتسعون سنة، ودفن في قبر حفره لنفسه في عقبة عمشكا شرقي بعلبك. قال أخي رحمه الله تعالى: ذكر لي أنه أمر أن يحفره هناك رحمه الله تعالى. حدثني ابن عمه الحاج أبو بكر، قال: كنت معه في بستانه باللجوج، وجرى ذكر التتر وما الناس فيه من أمرهم، فقال لي: متى نثرت هذه الفستقة إنكسروا قال: ونحن تحت شجرة فستق. قال:

стр. 1398

فطلعت إلى ذلك البستان، وتذكرت قوله، وجئت إلى تحت تلك الشجرة، فوجدت ثمرها قد قاربت أن تنثر فلم يبق بعد ذلك إلا دون أسبوع، وكسروا بعين جالوت، وصح قوله رحمه الله تعالى. عبد الرحمن بن محمد بن عطاء أبو محمد كمال الدين الحنفي. كان من أعيان العدول، كثير الديانة والخير والتعبد، وعنده مكارمه، وحسن عشرة، صحبته في طريق الحجاز الشريف، فوجدته نعم الرجل، وهو أخو قاضي القضاة شمس الدين الحنفي رحمه الله تعالى. علي بن عمر أبو الحسن الأمير نور الدين الطوري. كان من أبطال المسلمين وشجعانهم المشهورين وفرسانهم المعدودين، وله صيت عظيم عند الفرنج، وله فيهم بالبلاد الساحلية نكايات كثيرة، وآثار جميلة، ومواقف محمودة، جمع الله له بين قوة البدن والقلب، كان.... من حديد، ثقيل الوزن، عظيم القدر، يعجز كثير من الشبان عن حمله، وكان يقاتل به بلا كلنه، وما برح هو وعشيرته مرابطين ببلاد الساحل في وجه العدو سنين كثيرة، وكان من كرماء الناس، ونقل في الولايات الجبلية في عدة جهات من بلاد الشام، ونيف على تسعين سنة، ولم يزل محترماً في الدول، مكرماً عند الملوك يعرفون مقداره، وحضر المصاف الذي بين سنقر الأشقر وعسكر مصر، فجرح في المصاف المذكور ووقع بين حوافر

стр. 1399

الخليل، وبقي إلى أواخر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول، فتوفى بجبل الصالحية، ظاهر دمشق، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى. عمر بن موسى بن عمر بن محمد بن جعفر أبو حفص محي الدين قاضي غزة وما جمع إليها. مولده سنة ثمان وست مائة، توفي بغزة ليلة الثلاثاء ثالث ذى الحجة، ونقل إلى القدس، ودفن به يوم الخميس خامسه بالمقبرة المعروفة بساهرة، الشمالي القدس رحمه الله تعالى. كان والده حاكماً بغزة مدة سنين، وتولاها محي الدين، واضيف إليه عدة أماكن يستنيب فيها من جهته، وهي: لد، والرملة، وفاقون، وبيت جبرين وغيرها. سمع وحدث ودرس بالمدرسة الصلاحية بالقدس، وكان وافر الديانة، كثير الكرم، لا يكاد يمر بغزة أحد يعرفه إلا ويكارمه، ويضيفه حسبما يمكن، وهو مشهور بالشجاعة والاقدام، وقوة النفس، وله حرمة وافرة في الدولة وكلمة مسموعة، وكان نزهاً عفيفاً حسن السيرة، وعنده تورع كثير. فمن ذلك أني سافرت مع أخي ﵀ إلى الديار المصرية وأجزنا بالقدس في شهر رمضان المعظم سنة تسع وخمسين وست مائة وهو بالقدس الشريف إذ ذاك. فنزلنا عنده؛ فلما كان وقت الفطر أحضر شيئاً كثيراً من أنواع المأكول، ولم يكن فيه لحم، واعتذر عن ذلك بما معناه أن الشهرزورية لما مر في هذه البلاد في السنة الخالية نهبوا أغنام الناس ومواشيهم، ثم باعوا لأهل البلاد فاختلطت، وتعذر تمييز الحلال من الحرام

стр. 1400

في ذلك، فتركت اللحم لهذا السبب، وهذا غاية الورع، فقلت له: المولى قد قارب بفعله ما يروى عن أمير المؤمنين، لم نعهد لي بخيلاً. فقال: ما أفعل هذا بخلاً، لكنني منذ قتل عثمان ﵁ ونهبت داره وما فيها لا آكل شيئاً إلا أتحقق حله، وأعلم أصله أو ما هذا معناه. وكان القاضي محي الدين المشار إليه من أصحاب والدي ﵀. سمع عليه الكثير ولازمه لما نزل دمشق في أواخر سنة خمس وخمسين، وكان والدي يكرمه ويحبه ويثني عليه. وكان أهلاً لذلك، وحضر عدة مصافات مع الفرنج وحصارات لبلادهم، وله المواقف المشهورة والآثار المذكورة في ذلك رحمه الله تعالى. حكى لي أخي ﵀ عنه ما معناه، قال: لما قصد الفرنج غزة، جهز إليهم الملك الصالح نجم الدين عسكراً، مقدمه ركن الدين بيبرس الصالحي، وهو من أكابر الأمراء وأعيانهم، ثم بلغه أنهم في كثرة لا يقاومهم العسكر المسير إليهم، فكتب بطاقة إلى ركن الدين مقدم العسكر يأمره بالتأخر، وأنه لا يلقاهم بمن معه إلى حين يصله مدد يقوى به عليهم، وحضر الفرنج، وركب الأمير ركن الدين ومن معه لملتقاهم، ووقف العين في العين، وبقي بين العسكرين مقدار شوط فرس، فحضرت البطاقة إلى ركن الدين في ذلك الوقت، وأنا إلى جانبه فقال لي: تقف على هذه البطاقة وتعرفني مضمونها، فلما وقعت عليها، قلت في نفسي: متى عرفته اندفع، وطمعوا فيه وفيمن معه، والكذب في مثل هذا الموطن

стр. 1401

فيه مصالح، فقلت له: مضمونها، أنك تجتهد وتفعل ما تصل قدرتك إليه، ولا يهولك كثرتهم. وقلة من معك. وأنتم بين الظفر والجنة، وقلت ما أمكنني في هذا المعنى، فقوى قلبه والتقاهم، وكسرهم الكسرة المشهورة، بحيث أتى على معظمهم قتلاً وأسراً، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا الوفا كثيرة فلما انقضى المصاف، هنأته بالنصر، وقلت: لو كان في البطاقة أنك تتأخر عنهم بعد وقوع العين، قال: كنت أتأخر، فأخرجت البطاقة، وقرأتها عليه، فوجم وقال: ما كان يؤمنك والعياذ بالله إن هم كسرونا أين كنت تروح من السلطان؟ قلت: والله والعياذ بالله إن هم كسرونا ما كان يراني السلطان ولا غيره يعني أنني كنت أقتل. وهذا ركن الدين هو أستاذ الأمير عز الدين سم الموت، وعلاء الدين ايدغدى الأعمى، وبيدغان، وقلاجا، وعدة أمراء أكابر رحمهم الله تعالى. محمد بن أيوب بن أبي رحلة أبو عبد الله شمس الدين الحمصي مولداً ومسكناً، البعلبكي وفاة. كان يحضر بالأشياء اللطيفة، والأشعار الحسنة. قال أخي ﵀: أنشدني المشار إليه يوم الجمعة ثالث وعشرين شهر شوال سنة تسع وسبعين وست مائة ببعلبك: والدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم لا تسأل الدهر في البأساء يكشفها ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم توفى بكرة السبت تاسع وعشرين ذى القعدة من هذه السنة، ودفن من يومه خارج باب القفاعة في مقبرة برتيا ﵀. محمد بن داود بن الياس أبو عبد الله البعلبكي المنعوت بالشمس. سمع

стр. 1402

الكثير من الشيخ موفق الدين وطبقته، والشيخ تاج الدين الكردي وابن الزبيدي، وحنبل وغيرهم، وخدم وادي رحمه الله تعالى ولازمه واشتغل عليه، وسمع على المشايخ الكبار ما لا يحصى كثرة واسمع، وكان عنده ديانة وافرة وتحر في الشهادات والأقوال، كثير الأمانة والعدالة والعبادة وقيام الليل بالقرآن العزيز. خدم والدي ﵀ فوق أربعين سنة، وانتفع به دنيا واخرى، وحفظ المقنع، وعرف الفرائض، ورحل في طلب الحديث، وحدث بكثير من مسموعاته. ومولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وتوفى ببعلبك يوم السبت حادي عشر شهر رمضان المعظم، ودفن بالجبل قريباً من قبر سيدنا عبد الله اليونيني رحمه الله تعالى. محمد بن سالم أبو عبد الله نجم الدين المعروف بقاضي نابلس. كان صدراً رئيساً كاملاً حسن المثاني كريم الأخلاق، مبسوط اليد، له وجاهة عند الملوك، وتقدم في الدول، ترسل عن الملوك وعن الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دار الخلافة، وكانت منزلته كبيرة عنده، وحرمته وافرة لديه. وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة الشيخ نجم الدين عبد الله البادرائي ﵀. سمع نجم الدين هذا الحديث واسمعه، وأقعد في آخر عمره، وانقطع عن ولده جمال الدين أحمد قاضي نابلس بها إلى أن توفي في ثالث وعشرين ربيع الآخر، ودفن بنابلس؛ ومولده سنة تسعين وخمس مائة. ووالده القاضي شمس الدين، كان كبير القدر، له مكانة عند الملك الكامل، ولما سلم القدس إلى الأنبرتور

стр. 1403

سيره معه ليسلم إليه ما وقع الاتفاق عليه بينهم، وبيتهم بيت كبير مشهور بالحشمة والمكارم، ولما ترك قاضي نابلس بأيديهم من سنين متطاولة وإلى الآن، وكان هذا القاضي نجم الدين قد اشتغل، وعنده فضيلة حسنة رحمه الله تعالى. يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي أبو الحسين جمال الدين المصري المعروف بابن الجزار. ذكر أن مولده سنة إحدى وست مائة والله أعلم، وتوفى يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال بمصر، ودفن بإحدى القرافتين رحمه الله تعالى. سمع أبا الفضل أحمد بن محمد بن الحباب، وروى عنه، وسمع من غيره أيضاً، كان إماماً أديباً فاضلاً، جيد البديهة، حلو المجون، دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، وله أشعار كثيرة مدح الملوك والأمراء والوزراء والأعيان وغيرهم، وكان من محاسن الديار المصرية، وله نوادر مستطرفة، ووقائع مستملحة، ومداعبات ظريفة، ومكاتبات إلى الأدباء وغيرهم. كتب إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان في عيد النحر: مولاي شمس الدين يا من سمت ... با خمصيه الرتب العاليه يا منعماً راجيه بالندى ... لم يبق في أمواله باقيه قد أصبع الملوك لا تشتهي ... شيئاً سوى لقياك والعافيه والعيد عيد النحر قد جاءه ... وهو من الأمرين في ناحيه لم يلف جزاراً ولا شاعراً ... ولا الحرفة الأولى ولا الثانيه

стр. 1404

قال أبو الحسن الجزار المذكور: لما قدم الصاحب كمال الدين عمر بن العديم رحمه الله تعالى إلى الديار المصرية، نخبت شيئاً من أشعار أجداده ومضيت به إليه، فصادفت الأمير ناصر الدين حسن بن شاور الكناني، فأخذني وأدخلني الدار، فوجدت عنده السراج عمر الوراق، فتذاكرنا ما كتب من ذلك فقلت: للصاحب ان في جرادة معشر ... فضلوا الورى في السلم والهيجاء ببراعة ويراعة ودراسة ... ودراية وخطابة وقضاء فقال السراج الوراق: لم يهجو بالشعر إلا حيلة ... منهم على الاحسان للشعراء يتواضعون لكي يفدى منهم ... حتى كأنهم من الأكفاء فقلت: حاكت فزوعهم الكرام أصولهم ... ما أشبه الأبناء والآباء لهم الفتوة والفتوى إذ هم ... خير الكرام وجلة الأدباء فقال ناصر الدين حسن بن شاور الكناني: فاصغ بسمعك حين تتلى أنهم ... ان كنت ذا فهم وذا إصغاء واسمع لما يوحى هناك من العلى ... وثناء أفعال وطيب ثناء فقال السراج الوراق: يصلون بالأدب إحساناً لهم ... كالفجر متصلاً بنور ذكاء هم دوحة مخضرة الأفنان إن ... حف النداء مخضل الأفناء

стр. 1405

فقال ناصر الدين حسن بن شاور: بيت تسامى قدره ومحله ... عن أن يسامى في ندى وغلاء فيه المواطن والزواهر منهم ... وسل الحيا وكواكب الجوزاء وللجزار أيضاً من أبيات: أدركوني فبي من البرد هم ... ليس ينسى وفي حشائي التهاب ألبستني الأطماع وهماً فها ... جسمي عار ولى قرى وثياب كلما ازرق لون جسمي من البرد تخيلت أنه سنجاب وقال أيضاً: من منصفي من معشر ... كثروا علي وكشروا صادقتهم وارى الخروج من الصداقة يعسر كالخط يسهل في الطروس ومحوه يعتذر ومتى أردت كشطته ... لكن ذاك يؤثر وقال أيضاً رحمه الله تعالى: ألا أيها السائل عن قومي وعن أهلي لقد سائلت عن قوم ... كرام الفرع والأصل يريقون دماء الأنعام في الحزن والسهل يرجيهم بنو كلب ... ويخشاهم بنو عجل
следующие страницы →