Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
فيه مصالح، فقلت له: مضمونها، أنك تجتهد وتفعل ما تصل قدرتك إليه، ولا يهولك كثرتهم. وقلة من معك. وأنتم بين الظفر والجنة، وقلت ما أمكنني في هذا المعنى، فقوى قلبه والتقاهم، وكسرهم الكسرة المشهورة، بحيث أتى على معظمهم قتلاً وأسراً، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا الوفا كثيرة فلما انقضى المصاف، هنأته بالنصر، وقلت: لو كان في البطاقة أنك تتأخر عنهم بعد وقوع العين، قال: كنت أتأخر، فأخرجت البطاقة، وقرأتها عليه، فوجم وقال: ما كان يؤمنك والعياذ بالله إن هم كسرونا أين كنت تروح من السلطان؟ قلت: والله والعياذ بالله إن هم كسرونا ما كان يراني السلطان ولا غيره يعني أنني كنت أقتل. وهذا ركن الدين هو أستاذ الأمير عز الدين سم الموت، وعلاء الدين ايدغدى الأعمى، وبيدغان، وقلاجا، وعدة أمراء أكابر رحمهم الله تعالى.
محمد بن أيوب بن أبي رحلة أبو عبد الله شمس الدين الحمصي مولداً ومسكناً، البعلبكي وفاة. كان يحضر بالأشياء اللطيفة، والأشعار الحسنة. قال أخي ﵀: أنشدني المشار إليه يوم الجمعة ثالث وعشرين شهر شوال سنة تسع وسبعين وست مائة ببعلبك:
والدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم
لا تسأل الدهر في البأساء يكشفها ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم
توفى بكرة السبت تاسع وعشرين ذى القعدة من هذه السنة، ودفن من يومه خارج باب القفاعة في مقبرة برتيا ﵀.
محمد بن داود بن الياس أبو عبد الله البعلبكي المنعوت بالشمس. سمع
стр. 1402
الكثير من الشيخ موفق الدين وطبقته، والشيخ تاج الدين الكردي وابن الزبيدي، وحنبل وغيرهم، وخدم وادي رحمه الله تعالى ولازمه واشتغل عليه، وسمع على المشايخ الكبار ما لا يحصى كثرة واسمع، وكان عنده ديانة وافرة وتحر في الشهادات والأقوال، كثير الأمانة والعدالة والعبادة وقيام الليل بالقرآن العزيز. خدم والدي ﵀ فوق أربعين سنة، وانتفع به دنيا واخرى، وحفظ المقنع، وعرف الفرائض، ورحل في طلب الحديث، وحدث بكثير من مسموعاته. ومولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وتوفى ببعلبك يوم السبت حادي عشر شهر رمضان المعظم، ودفن بالجبل قريباً من قبر سيدنا عبد الله اليونيني رحمه الله تعالى.
محمد بن سالم أبو عبد الله نجم الدين المعروف بقاضي نابلس. كان صدراً رئيساً كاملاً حسن المثاني كريم الأخلاق، مبسوط اليد، له وجاهة عند الملوك، وتقدم في الدول، ترسل عن الملوك وعن الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دار الخلافة، وكانت منزلته كبيرة عنده، وحرمته وافرة لديه. وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة الشيخ نجم الدين عبد الله البادرائي ﵀. سمع نجم الدين هذا الحديث واسمعه، وأقعد في آخر عمره، وانقطع عن ولده جمال الدين أحمد قاضي نابلس بها إلى أن توفي في ثالث وعشرين ربيع الآخر، ودفن بنابلس؛ ومولده سنة تسعين وخمس مائة. ووالده القاضي شمس الدين، كان كبير القدر، له مكانة عند الملك الكامل، ولما سلم القدس إلى الأنبرتور
стр. 1403
سيره معه ليسلم إليه ما وقع الاتفاق عليه بينهم، وبيتهم بيت كبير مشهور بالحشمة والمكارم، ولما ترك قاضي نابلس بأيديهم من سنين متطاولة وإلى الآن، وكان هذا القاضي نجم الدين قد اشتغل، وعنده فضيلة حسنة رحمه الله تعالى.
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي أبو الحسين جمال الدين المصري المعروف بابن الجزار. ذكر أن مولده سنة إحدى وست مائة والله أعلم، وتوفى يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال بمصر، ودفن بإحدى القرافتين رحمه الله تعالى. سمع أبا الفضل أحمد بن محمد بن الحباب، وروى عنه، وسمع من غيره أيضاً، كان إماماً أديباً فاضلاً، جيد البديهة، حلو المجون، دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، وله أشعار كثيرة مدح الملوك والأمراء والوزراء والأعيان وغيرهم، وكان من محاسن الديار المصرية، وله نوادر مستطرفة، ووقائع مستملحة، ومداعبات ظريفة، ومكاتبات إلى الأدباء وغيرهم. كتب إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان في عيد النحر:
مولاي شمس الدين يا من سمت ... با خمصيه الرتب العاليه
يا منعماً راجيه بالندى ... لم يبق في أمواله باقيه
قد أصبع الملوك لا تشتهي ... شيئاً سوى لقياك والعافيه
والعيد عيد النحر قد جاءه ... وهو من الأمرين في ناحيه
لم يلف جزاراً ولا شاعراً ... ولا الحرفة الأولى ولا الثانيه
стр. 1404
قال أبو الحسن الجزار المذكور: لما قدم الصاحب كمال الدين عمر بن العديم رحمه الله تعالى إلى الديار المصرية، نخبت شيئاً من أشعار أجداده ومضيت به إليه، فصادفت الأمير ناصر الدين حسن بن شاور الكناني، فأخذني وأدخلني الدار، فوجدت عنده السراج عمر الوراق، فتذاكرنا ما كتب من ذلك فقلت:
للصاحب ان في جرادة معشر ... فضلوا الورى في السلم والهيجاء
ببراعة ويراعة ودراسة ... ودراية وخطابة وقضاء
فقال السراج الوراق:
لم يهجو بالشعر إلا حيلة ... منهم على الاحسان للشعراء
يتواضعون لكي يفدى منهم ... حتى كأنهم من الأكفاء
فقلت:
حاكت فزوعهم الكرام أصولهم ... ما أشبه الأبناء والآباء
لهم الفتوة والفتوى إذ هم ... خير الكرام وجلة الأدباء
فقال ناصر الدين حسن بن شاور الكناني:
فاصغ بسمعك حين تتلى أنهم ... ان كنت ذا فهم وذا إصغاء
واسمع لما يوحى هناك من العلى ... وثناء أفعال وطيب ثناء
فقال السراج الوراق:
يصلون بالأدب إحساناً لهم ... كالفجر متصلاً بنور ذكاء
هم دوحة مخضرة الأفنان إن ... حف النداء مخضل الأفناء
стр. 1405
فقال ناصر الدين حسن بن شاور:
بيت تسامى قدره ومحله ... عن أن يسامى في ندى وغلاء
فيه المواطن والزواهر منهم ... وسل الحيا وكواكب الجوزاء
وللجزار أيضاً من أبيات:
أدركوني فبي من البرد هم ... ليس ينسى وفي حشائي التهاب
ألبستني الأطماع وهماً فها ... جسمي عار ولى قرى وثياب
كلما ازرق لون جسمي من البرد تخيلت أنه سنجاب
وقال أيضاً:
من منصفي من معشر ... كثروا علي وكشروا
صادقتهم وارى الخروج من الصداقة يعسر
كالخط يسهل في الطروس ومحوه يعتذر
ومتى أردت كشطته ... لكن ذاك يؤثر
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ألا أيها السائل عن قومي وعن أهلي
لقد سائلت عن قوم ... كرام الفرع والأصل
يريقون دماء الأنعام في الحزن والسهل
يرجيهم بنو كلب ... ويخشاهم بنو عجل
стр. 1406
وقال من أبيات:
تزداد بالذم إسرافاً عراضهم ... وكل أيامهم تشريق
وكتب إلى شرف الدين صاحب ديوان البيوت:
لا تلمني يا سيدي شرف الدين إذا ما رأيتني قصابا
كيف لا أشكر الجزارة ما عشت زماناً وأهجر الآدابا
فيها كانت الكلاب ترجيني ... وبالشعر صرت أرجو الكلابا
وقال أيضاً ﵀:
أكلف نفسي كل يوم وليلة ... سروراً على من لا أفوز بخيره
كما سود القصار بالشمس وجهه ... ليجهد في تبييض أثواب غيره
وقال أيضاً وقد ذكر الشواء الشاعر:
إن النجوم وإن تكامل ضوءها ... ليست كشمس الأفق في الأضواء
ومحاسن الجزار في أقواله ... نسيت بذكر محاسن الشواء
وقال أيضاً:
تزوج الشيخ إلى شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن
كأنها في فرشها ورمة ... وشعرها من حولها قطن
وقائل قال لي كم سنها ... فقلت ما في فمها سن
لو سفرت غرتها في الدجى ... ما حسرت تبصرها الجن
стр. 1407
وقال: وقد توجه إلى عند الأمير شهاب الدين أحمد بن يغمور رحمه الله تعالى يتقاضاه برسم له عليه، وأخذ معه هدية سمك:
لي تهيأت أمور قط ما اتفقت ... قبلي لسوقة مثلي ولا ملك
بالخير يصطاد أسماك البحار وقد ... أصبحت وحدي أصيد الخير بالسمك
وقال: وكتب بها إلى ضياء الدين القرطبي، وأهدى له ابلوجين سكر في قدر نحاس:
وأبيات تسامح حين تلقى القدر نهدين
ففي العربة والعربة ... ما يهدى كهاذين
وبات ليلة في شهر رمضان عند الصاحب بهاء الدين أحمد بن حناء ﵀، فصلى عنده التراويح، وقرأ الامام في تلك الليلة سورة الأنعام في ركعة واحدة؛ فقال:
ما لي على الأنعام قدرة ... لا سيما في ركعة واحده
فلا تسوموني حضورا سوى ... في ليلة الأنفال والمائده
وجلس السراج الوراق في باذهنج ينظم فقال الجزار:
إن السراج نسيم الريح يوقظه ... إلى فوائد كالابريز ينتقد
يزيده الريح ايقادا لخاطره ... وما رأينا سراجاً في الهوى يقد
стр. 1408
وقال يمدح جمال الدين يحيى بن مطروح ﵀ بقصيدة أولها:
هو ذا الربع ولى نفس مشوقه ... فاحبس الركب عسى أقضي حقوقه
فقبيح بي في شرع الهوى ... بعد ذاك البر أن أرضى عقوقه
لست أنسى فيه ليلات مضت ... مع من أهوى وساعات أنيقه
ولئن أضحى مجازاً بعدهم ... فغرامي فيه ما زال حقيقه
يا صديقي والكريم الحر في ... مثل هذا الوقت لا ينسى صديقه
صبح بدا منك على قلبي عسى ... أن يهدى بين جنبي خفوقه
فاض دمعي مذ رأى ربع الهوى ... ولم فاض وقد شام بروقه
يقد اللؤلؤ من أدمعه ... فغدا ينثر في الترب عقيقه
قف معي واستوقف الركب فإن ... لم يقف فاتركه يمضي طريقه
فهي أرض قلما يلحقها ... آمل والركب لم أعدم لحوقه
طالما استجريت في أرجائها ... من بيته البدر إذ يدعى شقيقه
يفضح الورد احمراراً خده ... ويود الخمر لو يسبقه ريقه
فيه الحسن خليق لم يزل ... والمعالي بابن مطروح خليقه
ولما ورد فخر القضاة ابن بصاقة رسولاً إلى مصر من الملك الناصر داود ﵀، دخل عليه وأنشده في قصة جرت له مع صاحب كان يألفه:
стр. 1409
لمثلها كان رجائي انصرك ... فأدرك فتى من الخطوب في درك
لم أخش خذلاناً وأنت ناصري ... وإنما يخذل من لا استنصرك
عليك يا فخر القضاة عمدتي ... فانظر إلي لا عدمت نظرك
واسأل كما عودتني عن خبري ... بلطفك المعهود حتى أخبرك
هيهات أن أشرح ما قد حل بي ... أن لم يقل حلك لا تخش درك
مثلك من قام بنصر عاشق ... مثلي أن العشق أمر مشترك
فقل من قام بنصر عاشق ... مثلي أن العشق أمر مشترك
فقل لطرف بات مثلي هاجعاً ... يا طرف لا تنس قديماً سهرك
ونار قلبي قد تناسى وجده ... يا قلب خف ذاك الجوى أن يذكرك
ولا يغرنك امهال الهوى ... فالحب قد يأخذ بعد ما ترك
إياك أن تهزأ بالعشق فقد ... أعذرك الآن به من أنذرك
جار على الدهر في أحكامه ... فليته في العذل يقفو إثرك
تم على العبد وأنت هاهنا ... ما لا يتم لو تكون في الكرك
وقال في بعض مشايخ الأدب، وقد أدهن بالكبريت لجرب ظهر به:
أيها السيد الأديب دعاء ... من محب خال من التسكيت
أنت شيخ قد قربت من النار فكيف إذا دهنت بالكبريت
وقال أيضاً:
سر الجفون بديعة الأجفان ... هيهات ينفع مغرماً كتمان
طرف المحب فم يذاع به الجوى ... والدمع إن صمت اللسان لسان
تبكي الجفون على الكرى فأعجب لمن ... يبكي عليه إذا نأى الأوطان
стр. 1410
أتلفت روحي في رضاك وأنني ... راض بذلك أيها الغضبان
يا مسقمي مهلاً على جسد الذي ... لم يبق فيه للسقام مكان
حاشى معاليك التي أنا عبدها ... أن لا يكون لحسنها إحسان
وقال أيضاً:
أقاموا بأرحاء الحشا عندما ساروا ... فكيف يضام القلب وهو لهم جار
بروحي من ودعتم وبمقلتي ... لتوديعهم ماء وفي كبدي نار
ولست بناسيهم وللقلب نحوهم ... حنين على بعد المزار وتذكار
أيا عاذلي إني وإن بعد المدى ... على عهدكم باق فدعهم وما اختاروا
إذا وصولوا حبلى فبالفضل منهم ... وإن أعرضوا عني فللناس أعذار
ترى ترجع الأيام تجمع بيننا ... وللنفس حاجات إليهم وأوطار
بذكر منهم كل غصن مهفهف ... وكل هلال أشرقت منه أنوار
ولولا تثنيهم وحسن وجوههم ... لما خدعت عيني غصون وأقمار
وقال أيضاً:
بهذا الفتور وهذا الصلف ... يهون على عاشقيك التلف
أطرف قلبي بهذا الجمال ... وأوقعتها في الأسى والأسف
يكلف بدر الدجى إن حكى ... محياك لو لم يشنه الكلف
وقام بعذري فيك العدى ... وأجرى دموعي لما وقف
وقالوا به صلف زائد ... فقلت رضيت بذاك الصلف
стр. 1411
بجوهر ثغرك ماء الحياة ... فماذا يضرك لو يرتشف
أكاتم وجدي حتى أراك ... فيعرف بالحال من لا عرف
وقال أيضاً:
عاقبتني بالصد من غير جرم ... ومهاجرها بقية رسمي
وشكوت الظمأ من ريقها العذب فجادت ظلماً بمنع الظلم
ورأتني أصبو إلى ذلك الخصر فاهدت منه السقام لجسمي
أنا حكمتها فجارت وشرع الحب يقتضي أن أحكم خصمي
ذات ثغر نحميه من طرفها الفتاك سحر يصبى الفؤاد ويصمي
حدت عنها لما انتضت صارم اللحظ حذاراً من تبوء باثمي
يا زماني أراك من بخلك المفرط وفرت من خطوبك سهم قسمي
لست ممن يرى بذم بني الدهر لمعى والدهر أولى بذمي
قصدتني أيامه ولياليه ... بشهب تعدو على ودهم
وقال منها في المدح:
يا أميراً يرجى ويخشى لبأس ... ونوال في يوم حرب وسلم
أنت موسى وقد تفر عن ذا الخطب فغرقه من نداك بسيم
стр. 1412
وقال أيضاً:
يا مالك القلب رفقاً ان ثاركفي ... أضالع الصب لا تبقى ولا تذر
فضحت غصن النقا لينا فراح إذا ... ما ماس قدك الأغصان تستر
ما أنكر الطرف أن الشعر منك دجى ... وإنما عزه من وجهك القمر
إني لأعجب من جفن يدير به ... على ندامك خمر وهو منكسر
سمح إذا خل معناه أخا أدب ... فالمدح ينظم والأموال تنتثر
يثنى على فعله أخلاقه وكذا ... يثنى على حسن أفعال الندى الزهر
وقال أيضاً:
وأهيف يحكي الغصن لين قوامه ... ويفعل أفعال الشمول شمائله
يلين إلى أن يخرج الوهم جسمه ... ويعرف في ماء النسيم غلائله
إذا ما بدا من شعره ذوائب ... رأيت غزالاً لا ترعه حبائله
وقال منها أيضاً:
وإن علياً إن أردت مديحه ... لاأعظم قدراً أن تعد فضائله
أقول لشعري مرحباً ليبقيني ... بأن علياً بالمكارم قاتله
وقال يهجو كحالاً رجع صيرفيا:
عهدت أبا البشر الحكيم بطبه ... مدى الدهر ما بين الورى طالب الرزق
فأصبح ذا شغل جديد لأنه ... غدا صيرفياً يصرف العين بالورق
وقال أيضاً:
قفا نبك من ذكرى قميص وسروال ... ودراعة قد عفا رسمهما البالي
стр. 1413
وما أنا من يبكي لأسماء أن نأت ... ولكنني أبكي على فقر أسمالي
لو أن امرء القيس بن حجر رأى الذي ... أكابده من فرط هم وبلبال
لما مال نحو الخدر خدر عنيزة ... ولا يأت إلا وهو عن حبها سالي
ولي من هوى سكنى القياس عن الهوى ... بتوضح فالمقراة أعظم أشغالي
ولا سيما بالبرد وافى يزيده ... وحالي على ما اعتدت من عسرة خالي
ترى هل تراني الناس في فرجية ... أجربها تيهاً على الأرض أذيالي
ويمشي عدوي غير خال عن الاسى ... إذا بات من أمثالها بيته خالي
وإني قد أسعى لتفصيل جبة ... كفاني ولو أطلب قليل من المال
ولكنني أسعى لمجد يحوجه ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقال منها أيضاً:
وكم ليلة أستغفر الله منها ... بحد وريق بين ورد وجريال
تبطنت فيها بدر تم مسنف ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
وقال يمدح الصاحب تاج الدين محمد بن حناء ﵀ من أبيات:
ذو همة يفتخر النجم إذا ... ما لاح من تحت حضيض تربها
وعزمه حين حكته في الوغى ... بيض الصباء تباعدت عن قربها
стр. 1414
وقال في المداعبات:
حسبي حرافاً يحرفني حسبي ... أصبحت منها معذب القلب
موسخ الثوب والصحيفة من ... طول القسابى ذنباً على ذنب
أعمل في اللحم العشاء ولا ... أنال منه العشاء فما ذنبي
ذاب فؤادي وجسمي قد وسخ ... كأنني في حراري كلبي
وقال في محتجب عنه:
ماذا يفيدك أن تكون محجباً ... ولعبد بات للكريم يلوذ
إن أنت إلا في الحصار معي فلا ... تعب فكل ما حاصره مأخوذ
وأراد الدخول على الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ فضربه البرددار وأخرجه لعدم معرفته به فعمل أبياتاً مزحاً بها:
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته الخمول
وجئت لبابك أبغي الغنى ... فأخرجني الضرب قبل الدخول
وقال القاضي جمال الدين محمد بن واصل: اجتمعت بالجمال بن عبيد وكنت سمعت أنه دخل دار بعض الأكابر فأخرجه البرددار فقال:
معن ويخرج بعد الدخول ... وأقبح شيء خروج المعنى
ذلك فأنشدته بيت الجزار فأعجبه وقال إلا أنا
أخرجت وما ضربت. وللجزار:
إن كنت ممن راعه هجركم ... أو ضقت ذرعاً بتجنيكم
فلا أدام الله لي سلوة ... ورد قلبي عاشقاً فيكم
стр. 1415
وأنشدني أيضاً:
لقد رضى الرحمن عن كل منفق ... فما بالنا نلقى رضا الله بالسخط
قبيح على الانسان يعطيه ربه ... بغير حساب وهو يحسب ما يعطي
وقال يمدح الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ ﵀:
بذل وجهي إلا لمثلك بذله ... واغتراري إلا بجاهك ذله
يا جواد سحاب كفيه بالجود على كل قاصد مستهله
والذي لو حكاه في دسته ... الفضل بن يحيى سخا يطلب فضله
لي نصفيه تعد من العمر شيئاً غسلتها ألف غسله
لا تسألني عن مشتراها ففيها ... منذ فصلتها نشا يحمله
كل يوم يحوطها العصر والدف ... مراراً وتقر بعمله
نسف الريح صدرها والمرازب ... فباتت تشكو هزاء نزله
أين عيشي بها القديم وذاك التيه فيها وخضرتي والشمله
قال لي الناس حين أطنبت فيها ... بس أكثرت حلها فهي تقله
وأطلق بعض الرؤساء قمحاً مترباً مسوساً فقال:
أتاني برك المقبول براً ... وقصداً للثناء وللثواب
فكدر صفوه الكتال حتى ... عذرنا منه في أمر عجاب
رضيناه وقد وافى عتيقاً ... إلينا فاستحال أبا تراب
وأهدى إلى سراج الدين عمر الوراق تفاحاً وكمثرى ونرجساً، وكان أرمد
стр. 1416
وبينهما مداعبة وكتب إليه:
أكافيك عن بعض الذي قد فعلته ... لأن لمولانا على حقوقا
بعثت خدوداً مع نهود وأعينا ... ولا غرو أن يحرى الصديق صديقا
وإن حال عنك البعض عما عهدته ... فما حال يوماً عن ولاك وثوقا
بنفسج تلك العين صار شقائقا ... ولؤلؤ ذاك الدمع عاد عقيقا
وكم عاشقاً يشكو انقطاعك عندما ... قطعت على المزار منه طريقا
فلا عدمتك العاشقون فطال ما ... أقمت لأوقات المسرة سوقا
يقبل الأرض، ويسأل بسط عذره في التهجم على مولانا بما هو من وظائفه. والبحث في العلم الذي هو من معارفه. وأنه قد فاق الأصاغر والأكابر، وأنسى الأوائل والأواخر. وعجيب كون مولانا يبدي عند من يباسطه ويداعبه. ويماجنه ويلاعبه. ويصبح متعجباً من هذا السبب المقيل. وهو المتقن لعلم الجليل. وما أظنه عافاه الله بذهيل. عن أن الشباب قد قوضت خيامه. وانقضت أيامه. ومضى ذلك الزمان. ونقص ذلك الادمان. والذي يشكوه مولانا في العين، يشكوه المملوك في الأثر. وما برح المملوك يتكرم به، والله آخذ بيد الكريم إذا عثر. ومولانا يحرض أن لا يتكلف الجواب عن هذه الخدمة خال. ورودها عليه، ولا يجيب المملوك عليها سفاهاً عند مثوله بين يديه، بل إذا صلح مزاجه وتم سروره وابتهاجه. حمى على العباد فيها لعادته، وألقى على المملوك أشعة
стр. 1417
سعادته. فأجابه سراج الدين المذكور:
أعيني يا بشراكما هجعتما ... وزاد كما طيف الخيال طروقا
وجاء بأمثال الخدود تصرحت ... تذوب نفوس العاشقين خلوقا
يعار بها مثل النهود تحققت ... وكان باهداء النهود حقوقا
ونرجس روض كاللحاظ نواعسا ... وكان جديراً بالنعاس خليقا
وقد جاءنا من جامع الشمل والذي ... بداكم من وجدنا للوصال طريقا
فكم راض من صعب وذلك جامحا ... ولين قاس ورد مروقا
يقبل الأرض وينهي ورود الملجئين من فاكهة، والمتحيين من هديته وهدايته وقد سقاهما در بنابه، وأبدى فيهما عزائم إحسانه. من يده ولسانه. فلثمت تلك الخدود. وضممت تلك النهود. وهممت بالأعين لو أنهن سود. وقد كانت النفوس صدفت عن هذه اللذات. ووقعت بمعزل عن الشهوات، وأنشد:
فانتهى طبه.... عارفه ... يخلط الجد مراراً باللعب
يغلظ القول إذا لانت.... ... ويراجي عند سورات الغضب
رسالة تقود السمع بغير خطام. ويدعوك بالسحر الحلال إلى الأمر، ذلك سهمه. وأعلى في درجات المؤلهين اسمه. ومحا أهل هذه الصناعة، وأثبت رسمه، والعجب أن يتفرس في سبب الرمد. ويعتقد أني وجدت ما وجد. كلا أن الأسباب لتخلف. وإنما لكل أمر ما ألف. والناس تعرف. من أين توكل الكتف. ولا ينجو أحد مع الأوراق مثل هذه الأنحاء
стр. 1418
ولا يقول له ما أريد إلا من الالجاء أرشد. وفق الله الشيخ للصواب وسدد رأيه تسديد هذا الجواب:
أعانتنا لهذا يا فلان ... تأمل ليس كالخبر العيان
أماني بالنفوس لها خداع ... وليس من الحتوف لها أمان
ومن بعد الحراك لها سكون ... وصمت بعد ما مرج اللسان
أيا من حبذ الآمال ركضا ... بأمن قفي به الأجل العنان
تزوفد زاهر الدنيا ومنها ... جنى ثمر الردى إنس وجان
ويخدع لامس منها بلين ... أيؤمن إذ تميس الاقحوان
محاذر مكرهاً حلا تحاذر ... فما يبقى الشجاع ولا الجبان
لو وضع الزمان لو اتعظنا ... وبالغ في نصائحه الزمان
ونحن على اغترار من هوانا ... وليس مع الهوى إلا هوان
بلغت أبا الحسين مدى إليه ... لمستبق ومستبق رهان
وكنت وطالما قد كنت أيضاً ... تقول ... سيقول كانوا
الأعز القوا في اليوم عمن ... بكته البكر منها والعوان
وسقت بما منعناه حبيباً ... عليه والبيان لها بنان
لها أيضاً لحزن بعد حزن ... وألفنا لدمع لا يصان
واقذاء برفع فوق نعش ... وخفض في اللحود له مكان
стр. 1419
وناح النحو بعده والمعاني ... لها مع كل نائحة حنان
ولا بذل بحل عنك يرجى ... ولا عطف لمن غدروا وخانوا
فلا تحتج إلى تمييز حال ... لنا حفظت فقد سخن الزمان
ولو رقت بحور الشعر دمعاً ... وكان على الخليل لها الضمان
لما أدت ولا وأبيه حقاً ... ولو بسلوكها نظم الجمان
كفاها ذوقة التقطيع فيما ... يجوزه ويأباه الوزان
ولجج سالكاً في كل بحر ... تعين به الرفاق ولا تعان
فنالت منه فاصلة الرزايا ... ودائرة الحمام ولا اعتنان
ويا أسف البديع على بديع ... وكل فنونه منه افتنان
إذا التفت استطال على جرير ... وأخرس من فرزدقه اللسان
ويستعر استعارته بنار ... وغيلان اسعار به دخان
فلا تنسى به سحبان يوماً ... ولا قسا إذا ذكر البيان
ولو هرم رآه سلا زهيراً ... وكان له عليه ثم شان
وكم عادت محافلنا عكاظاً ... به وله بها ذاك الجنان
فأذنته الملوك فكان منها ... بحيث السمع ينصت والعيان
واسنت من جوائزه فلولا ... غناه غدا نداه يستعان
стр. 1420
له بالله حالفه وفوق ... يعز به ودرهمه يهان
وفي خير الورى أبيات مدح ... جوائزه عليهن الجنان
وكل بديعة الالفاظ تعزى ... لحسان بدائعها الحسان
جمال الدين أنت جميل ظن ... بربك جل ديا يدان
وعفو الله أكثر من ذنوب ... لنا وعلى الشفيع لنا الضمان
يوسف بن نجاح بن موهوب أبو الحجاج الزبيري المعروف بالفقاعي. هو من أهل عقربا قرية من أعمال نابلس، وله بها زاوية، وكان يتردد إليها في كثير من الاوقات، وله زاوية ورباط بسفح قاسيون. بناه له الامير جمال الدين موسى بن يغمور ﵀. كان كثير العبادة والزهد، وحسن التربية، كريم الأخلاق، لطيف الحركات. كثير التواضع، لين الكلمة من المشايخ المشهورين بالعرفان، ولكثير من الناس فيه عقيدة صالحة. وتوفى ليلة الأربعاء بجامع الجبل، واعيد إلى زاويته، فدفن بتربته التي أنشأها جوار زاويته، وقد نيف على ثمانين سنة رحمه الله تعالى. قال الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري رحمه الله تعالى: اجتمعت به فسمعته يقول: الطالب المشيخة جاهل بحقيقة. الأمر مستور عليه، إن أهل الله تعالى يكرمون بها، فيسألون الله تعالى الاقالة. قال: وسمعته يقول: ليس أبناء المشايخ كغيرهم فإن الحاصل للطالب المريد من غيرهم أكثر وأجل فإن أولاد المشايخ عندهم اذلال بآبائهم، فلا تزال نفوسهم مرتفعة، وغيرهم يطلب بالذل
стр. 1421
والانكسار، وإنما حصل الناس على الخير بهما. قال: وسمعته يقول: لقد جرى لهؤلاء الذين عندي وقت اجتهدت على ادخال أولادي فيه بكل طريق فلم أقدر. قال: وسمعته يقول: إنما نهى الشيخ الشخص من صحبة غيره إذا كان مريداً مشتغلاً قد سلكه. وعرف مزاجه، لأنه ربما لاذ بجاهل لحاله ففسد عليه امره، ومثال هذا كالمريض الذي له طبيب قد خبر عليه، وعرف دواءها، وعالجها مدة، ولو شاركه في تعليله طبيب آخر، ربما أدى إلى هلاك المريض. وقال: وسمعته يقول: كان ابن محمد يرى الغنم مدة طويلة لم يأخذ الذئب له شيئاً قط، فلما كان بعد تلك المدة أخذ الذئب منه سخلة، فقلت له: قد أخذت شيئاً فأنكر، فكشفت عن حاله فإذا به قد أكل طعاماً من وقائع بعض الصبيان الرعيان، فقلت بهذا أخذ الذئب منك ما أخذ.
أبو بكر بن محمد بن إبراهيم عرش الدين الاربلي. كاد ديناً خيراً صالحاً، حسن العقيدة، كثير الذكر والتلاوة، عنده فضيلة تامة، ومعرفة بالنحو والعربية. وحل المترجم، مقتدر على نظم الشعر، وعمل الألغاز. ومن نظمه الألفية في الألغاز المخفية. وهي ألف لغز في ألف اسم. توفى بدمشق ليلة الجمعة ثالث عشر ذى القعدة سنة تسع وسبعين وست مائة، وصلى عليه بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة، ودفن بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى.
وله أشعار كثيرة، فمنها:
قلت لما بدا بيته كبدر ... فوق غصن على كثيب مهيل
стр. 1422
عجباً من سقام حصر نحيل ... كيف يقوى لحمل ردف ثقيل
ومريض الأجفان بلبل عقلي ... بعذار من فوق خد أسيل
جؤذري اللحاظ حلو الثنايا ... طاب سقمي في حبه ونحولي
مقلة الروم من بني الروم رام ... بسهام تصمى قلوب الفحول
ما عليه لو جاد لي برضاب ... من لماه عساه يشفى غليلي
أو عساه يرد قلباً رهيناً ... في يديه من وقت يوم الرحيل
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ولى رشأ أحوى حوى الحسن كله ... بمشرف صدغيه بمائل قده
تبدى فخلنا البدر تحت لثامه ... وماس فخلنا الغصن في طي برده
وقفت له أشكو إليه توجهي ... وما نال قلبي من مرارة صده
وسعرت الأنفاس نار صبابتي ... فمن حرها أثر الحريق بخده
ولولا ارتشافي من برود رضابه ... لأحرقت نبت الآس من حول ورده
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ما زال يرميني بكل بلية ... ويتحفني من هجره بالعظائم
إلى أن رماه الله بالحب بغتة ... وأصغر ممشاه إلى غير راحم
وقفت له كالمشفى في طريقه ... وأنشدته بيتاً كضرب الصوارم
وقد كنت أرجو ان أراك معذباً ... بنار الهوى يشجيك نوح الحمائم
وقلبك ملآن من الهم والأسى ... وطرفك مسلوب الكرى غير نائم
بليت بما قد كنت لي مبتلى به ... ولا ظالماً إلا سيبلى بظالم
стр. 1423
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
لا تائسي يا نفس إن عتبت بنا ... أيدي الخطوب وخانت الأيام
وتضايقت أوقاتنا فلربما انفرجت شدائدنا ونحن نيام
كم قد رأينا من مريض فصلوا ... أكفانه حر عليه همام
يشفى وقام ومات من قد فصلوا ... أثوابه للعيد وهو مهام
والدهر يرفع الفتى ويحطه ... والعمر فيه صحة وسقام
والبدر يكمل بعد نقصان به ... ويحل فيه النقص وهو تمام
والموت يأتي بعد ذاك وتخرب الدنيا ويذهب بعدها الأقوام
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
شبت وجزت السبعين وارتحل ... الصبى فصبحي من بعده غلس
لا معدتي تقطع الطعام ولا ... الوسيط فيه روح ولا نفس
فكيف يرجو طيب الحياة أخو ... شيب بيوت السقام يلتمس
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أقول إذا عزى جزع لقلبي ... لبعدكم وضاق بي الفضاء
ولم أملك لوقع البين صبراً ... أعيش به إذا غلب الهواء
تصبر أيها القلب المعنى ... وكن راض بما حكم القضاء
وقال أيضاً في السلو:
ها أنت قد سلوت ولد طرفي بالكرى ... وسمعت من قول العواذل ما جرى
وأجابني قلبي إلى سلوانكم ... وأبت جفوني بعدكم ان تسهرا
стр. 1424
بناكم بنتم وخنا مثلما ... خنتم وها حبل الوداد انبرا
كذب الذي قال البعاد مرارة ... ما ذقت طعم البعد إلا سكرا
إني لأبغض من يمر بذكركم ... متعرضاً وأراه شيئاً منكرا
ما في فؤادي موضع لعتابكم ... كلا ولا بحديثكم أن يذكرا
أنا قد سلوتكم وكنتم أضلعي ... فيعلم العادي ويدري من درا
وقال أيضاً في هذا المعنى:
سطا جيش السلو على غرامي ... وكنتم بعد فترتها عظامي
أناس كنت اعشقهم قديماً ... وأهجر فيهم سمع الملام
تناسوا بعد وصل واتفاق ... وبانوا بعد قرب والتيام
وطنوا بعد حسن الظن فيهم ... على الصب المتيم بالسلام
ولما أن نأوا عني عنادا ... بلا جرم ولم يرعوا ذمامي
رفضت هواهم وسلوت عنهم ... بلا جزع كذا فعل الكرام
وها أنا قد هجرت النوم كيلا ... أرى منهم خيالاً في المنام
ولو أن الليالي ساعدتني ... جعلت بغير أرضهم مقامي
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ومورد الوجنات معسول اللمى ... يزهو كغصن الثاية المياس
ريان من ماء الشباب معقرب ... الصدغين قد جعل السقام لباسي
ساجي اللحاظ مريضة أجفانه ... عذب المراشف طيب الأنفاس
لما رأى ورد الملاحة تجتني ... باللحظ سبح خده بالآس
стр. 1425
عجباً له حمل الثياب وجسمه ... كالماء كيف يضمر قلباً قاسي
ما زال يعذلني عليه عاذلي ... ويزيد في عذلي وينقب رأسي
حتى رآه فصار من عشاقه ... فأقام عذري فيه بين الناس
فإذا انثنى خلناه غصن اراكة ... وإذا دنا خلناه ظبي كناس
أنا من هواه من الصبابة في غنى ... ومن التصبر عنه في إفلاس
يبدو فتحسبه هلالاً مشرفاً ... من تحت طرة شعره الدعاس
وقال أيضاً في الشيب:
قل للذي لبس السواد والبس الشعر السوادا
ضيعت عمرك في المحال ولم تنل أبداً مرادا
لو مت في رجع الشباب ولو فرشت له الرمادا
وزمان لهوك والصبا ... ولى وارائك الكسادا
أفسدت صنعتها وما ... حب الفساد فنى فسادا
فافعل بنفسك ما تشا ... واجعل لك الاحزان زادا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
بنفسي حبيب كامل الحسن وافر ... الجمال سريع السخط عند عقوقه
إذا ماس حار الغصن من شرف به ... وإن لاح غار البدر عند شروقه
فما السحر إلا من نفاثة طرفه ... وما الخمر إلا من سلافة ريقه
لقد عمه بالحسن خال بخده ... تحامى عن الازهاء فوق شقيقه
على مثله يرض أخو الشكر هتكه ... ويجفو الصديق المرتضى لصديقه
стр. 1426
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا كامل الحسن الذي ... حزني طويل فيه وافر
أمرضتني بجفونك المرضى الصحيحات الفواتر
وقبلتني بالحال وهو سواد عيني فيه حائر
وأسلت بالخد الأسيل الدمع من أنف النواظر
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
الحمد لله إني في مجاهدة ... مما أقاسي وحسبي ذاك يكفاني
إني لأعجب من حال ولا عجب ... من أمروي فليت الله عافاني
أموت في الليل من داء يكابده ... قلبي واحيى إذا ما الصبح وافاني
والعمر ينقص والآمال زائدة ... والحرص يأمرني والشيب ينهاني
ولست أبغي سوى عفو ومغفرة ... من الاله إذا ما الموت فاجأني
فإن بلغت الذي أرجو وآمله ... زالت همومي وأوجاعي وأحزاني
وقال وذكر أسماء جماعة من الخدام:
قد مضى عنبر وولى ... وتولى من بعده كافور
وغدا جوهر الصبا ورشيق القد مني انحنى وعيش مرير
فصديقي بكى لذاك عفيف ... لما رأى ومسرور
كدر العيش بعد ما كان صافي مذ أتاني من المشيب نذير
فانحرافي عن الملاهي صواب ... وانصرافي عن الغرور سرور
واكترافي بخالص العمل المرضي فمثقال ذرة مسطور
стр. 1427
والهدايا تهدى لم شكر ... الله ومسعاة صالح مسرور
ويجازي في الحشر روح وريحان فذو العرش منصف وغفور
يا صبيح الوجه اتعظ بمقالي إن اقبالاً فضله مشهور
ما يفي ما أقول إلا رشيد ... فهو هاد ومرشد ونذير
وقال رحمه الله تعالى:
رنا نافراً عنا كخشف غزال ... وماس فخلنا الغصن تحت هلال
وأسبل ليلاً من غدائر شعره ... وأبدى بذاك الشعر نور كمال
رب الجمال قد حاز في الحسن خده ... ورب جمال فاق كل جمال
يزيد سواد العين في صحن خده ... فتحسبه خالاً فليس يخال
واعجب من ذا أن من رقة به ... يؤثر فيه وهو طيف خيال
أبو بكر بن هلال بن عباد عماد الدين الحنبلي الحنفي، معيد المدرسة الشبلية. كان عالماً صالحاً منقطعاً عن الناس، مشتغلاً بنفسه وأشغاله، ونفع لمن يقرأ عليه، ومولده في العشرين من شهر رجب سنة خمس وسبعين وخمس مائة، وتوفى في تاسع عشر رجب من هذه السنة أعني سنة تسع وسبعين وست مائة، وكمل له مائة سنة وأربع سنين. روى عن ابن الزبيدي وروى بالاجازة العامة عن السفلي، وحدث رحمه الله تعالى.
أبو القاسم بن محمد صفي الدين الحنفي والد قاضي القضاة صدر الدين علي قاضي دمشق، كان كبير السن خيراً صالحاً، منقطعاً ببصرى، وكانت وفاته بها ليلة نصف شعبان رحمه الله تعالى.
стр. 1428
أبو بكر سيف الدين المعروف بابن اسباسلار. ولى مصر مدة سنين ثم ولى القاهرة في آخر عمره، وكان عنده فتوة، ومروءة، تعصب، وكرم مفرط، ومحبة للفقراء، واعتقاد في المشايخ، وبر لهذه الطائفة، وله في تكرمه غرائب تفرد بها في وقته، وكان حصل له سمن مفرط جداً، وعانى شدة، وأشار عليه الأطباء بعدم النساء متى استعرف النساء ولى عليه التلف فبقي مدة لم يقربها، وتوفى في شهر ربيع الأول بمصر، ودفن بإحدى القرافتين، وهو في عشر الستين رحمه الله تعالى.
السنة الثمانون وستمائة
استهلت يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من نيسان، والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة في السنة الخالية، والملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ نازل على منزلة البروحا من عمل الساحل بعساكره.
وفي يوم الخميس عاشر المحرم رحل منها ونزل اللجون، وعاد رسوله من عكا صحبه من صحبه من رسل الفرنج من عكا والمرقب، فاستحضرهم يوم الجمعة حادي عشره بمنزلة اللجون بحضور الأمراء، وسمع رسالتهم، وحصل الاتفاق، وحلف الملك المنصور على الصورة التي وقع الاختيار عليها، واقتضتها المصلحة، وانبرم الصلح، وانعقدت الهدنة.
وفي يوم الأحد ثالث عشره قبض الملك المنصور على سيف الدين كوندك الظاهري وعلى جماعة من الأمراء الظاهرية لمصلحة اقتضاها بمنزلة
стр. 1429
حمراة بيسان وقت الظهر بالدهليز، وعند قبضهم هرب الأمير سيف الدين بلبان الهاروني، ومعه جماعة، وقصدوا صهيون، وركبت الخيل في طلبهم فلم يدركوهم.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشره هرب الأمير سيف الدين ايتمش السعدي، ومعه جماعة إلى صهيون من منزلة خربة اللصوص، وركبت في طلبهم جماعة من الأمراء، منهم الأمير ركن الدين بيبرس الناصري المعروف بطقصو، فأدركه، وجرح طقصو، ولم يقدر على رده فعاد عنه.
وفي يوم السبت تاسع عشره دخل الملك المنصور سيف الدين قلاوون دمشق ونزل بقلعتها، وخرج الناس كافة إلا من قل لتلقيه.
وفي عشية يوم الاثنين تاسع وعشرين منه صرف قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ عما كان يباشره من الحكم بالبلاد الشامية، وولى القضاء عز الدين محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصائغ عوضه.
وفي العشر الأول من صفر ترتب بدمشق حاكم على مذهب الامام أحمد ابن حنبل رحمة الله عليه بعد خلوها منه مدة، والذي ولى القضاء نجم الدين أحمد بن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي.
وفيه خرج قطعة جيدة من العسكر، مقدمهم الأمير علاء الدين كشتغدى الشمسي، وأعقبهم مجانيق عدة جهزت على العجل لحصار شيزر.
وفي العشر المذكور من صفر أيضاً ولى بحلب وأعمالها القاضي تاج الدين يحيى بن محمد الشافعي مستقلاً من جهة الملك المنصور.
стр. 1430
وفي هذا الشهر جاء الملك المنصور صاحب حماة إلى دمشق لخدمة السلطان الملك المنصور والسلام عليه، فخرج لتلقيه في موكبه، ونزل بداره المعروفة بابن المقدم داخل باب الفراديس، وترددت الرسائل بين الملك المنصور وشمس الدين سنقر الأشقر في تقرير قواعد الصلح، فلما كان يوم الأحد رابع ربيع الأول، وصل من جهة سنقر الأشقر الأمير علم الدين الدويداري، ومعه خزندار سنقر الأشقر في معنى إبرام الصلح والوقوف على اليمين، فحلف الملك المنصور يوم الاثنين خامسه، ونادت المنادية في دمشق بانتظام الصلح واجتماع الكلمة، فرجع الذين حضروا من جهة سنقر الأشقر، وصحبتهم الأمير فخر الدين اياز المقرى ليحضر يمين شمس الدين سنقر الأشقر، فحلفه، وعاد إلى دمشق يوم الاثنين ثاني عشره فضربت البشائر بالقلعة، وسر الناس بذلك غاية السرور، وصورة ما انتظم عليه الصلح: أن سنقر الأشقر يرفع يده عن شيزر، ويسلمها إلى نواب الملك المنصور وعوضه عنها فامية، وكفرطاب، وأنطاكية، والسويدية، ولا سفر، وبكاس، ودركوش بأعمالها كلها، وعدة ضياع معروفة، وأن يقيم على ذلك، وعلى ما كان استقر بيده عند الصلح، وهو: صهيون وبلاطنس، وحصن مرزية، وجبلة واللاذقية، وست مائة فارس، وخوطب بالمقر العالي المولوي السيدي العادلي الشمسي، ولم يصرح في مخاطباته بالملك ولا بالأمير، وكان يخاطب قبل ذلك في مكاتباته من الملك المنصور بالجناب العالي الأميري الشمسي.
стр. 1431
وفي العشر الأوسط منه دارت الجهة المفردة بدمشق وأعمالها، وضمنت، وأقام لها ديوان، ومشد، وكانت أبطلت من الشام في الأيام الظاهرية من مدة تزيد على خمس عشرة سنة، وأعيدت هذه الحالة في الديار المصرية قبل هذا التاريخ بمدة، فلما كان يوم الأحد الخامس والعشرين منه، خرج مرسوم السلطان بإبطال الجهة المفردة من دمشق، والبلاد الشامية، وباراقة الخمور، وإقامة الحدود على مرتكب ذلك، وبتعظيم الانكار في ذلك، فركب الولاة، وطافوا على مظان ذلك بدمشق وظاهرها، وأراقوا الخمور، وأزالوا ما يناسب ذلك، وشددوا غاية التشديد في ذلك، وتضاعفت الأدعية للسلطان على ذلك.
وفي بكرة يوم الأحد تاسع وعشرين منه عادت العساكر الشامية بكمالها، ويسير من العساكر المصرية من جهة سيزر إلى دمشق للاستغناء عنهم بالصلح. وفي اليوم المذكور انبرم الصلح بين الملك المنصور سيف الدين قلاوون والملك المسعود نجم الدين خضر بن الملك الظاهر صاحب الكرك، وحلف الملك المنصور على الصلح بما استقر عليه الحال، ونادت المنادية بذلك، ففرح الناس باجتماع الكلمة، ولله الحمد.
وفي الشهر المذكور قبض بالديار المصرية على وزيرها برهان الدين السنجاري، وصرف عن الوزارة، واعتقل بقلعة الجبل، وكان قد تقدم بأيام قلائل، قبض ولده وحاشيته، وخواصه، وأتباعه، وغلمانه، وحبسوا عن آخرهم، وطولب برهان الدين بمال كثير.
стр. 1432
وفي العشر الوسط منه عاد الملك المنصور ناصر الدين صاحب حماة إلى حماة، وخرج السلطان لوداعه إلى القابون.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر وصل إلى ظاهر دمشق زوجة الملك الظاهر ابنة بركة خان الخوارزمي من الكرك، وصحبتها تابوت ولدها الملك السعيد ناصر الدين محمد ﵀ نقل من مشهد جعفر الطيار ﵁، فلما كان ثلث الليل من ليلة الخميس العشرين منه استبقى تابوته بالحبال من الصور الذي لباب الفرج، وحمل إلى تربة أبيه الملك الظاهر، أنزلوه من ساعته على ضريح والده بالتربة المذكورة رحمهما الله تعالى، ونزلت والدته بدار صاحب حمص تجاه المدرسة العزيزية، وأكرمت غاية الاكرام، وأجرى لها الاقامات الوافرة.
وفي بكرة الجمعة حادي وعشرين منه عقد عزاءه بالتربة المذكورة وحضر الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وأعيان الأمراء وأرباب الدولة، والوعاظ والقراء.
وفي يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى أحضر إلى الملك المنصور سيف الدين، وهو بالميدان الأخضر أمير منكوتمر بن هولاكو أسير تحت الحوطة، وأخبر أن التتر على عزم الحركة والركوب، فخرج أمر السلطان من ساعته بعرض الجيوش والاهتمام بأمر الجهاد، وملتقاهم، وكان المذكور أسره الكشافة الذي للسلطان من كينوك.
وفي يوم السبت ثامن عشر جمادى الآخرة وصل إلى دمشق خلق عظيم
стр. 1433
من العربان صحبة الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي ملك العرب ببرية الشام والحجاز، وعبر معهم نجدة الملك المسعود صاحب الكرك في تجمل عظيم، وكان الملك المنصور ققد تقدم إلى جميع الأطراف بالحضور إلى دمشق بسبب قرب العدو من أطراف البلاد، وحضر في هذا الشهر أيضاً من تأخر من العساكر بالديار المصرية، ولم يتأخر أحد من العربان والتركمان وسائر الطوائف وكثرت الأراجيف بقرب العدو، وخرجت العساكر في هذا الشهر كل يوم طائفة بالعدد.
وفي العشر الوسط منه تقدم العدو إلى أطراف حلب، فخلت حلب من أهلها وجندها، ونزحوا إلى جهة حماة وحمص، وتركوا الغلال، والحواصل، والأمتعة، وخرجوا جرائد على وجوههم، وترادف لذلك خروج العساكر من دمشق.
وفي العشر الآخر منه وصل منكوتمر بن هولاكو إلى عين تاب وما جاورها من المرج، ونازلت طائفة منهم قلعة الرحبة يوم الأحد سادس وعشرين منه نحو ثلاثة آلاف فارس. وكان ابغا ملك التتر معهم مستخفياً بنواحي الرحبة على شاطئ الفرات ينتظر ما يكون من الملتقى.
وفي يوم الأحد سادس وعشرين منه خرج الملك المنصور سيف الديت قلاوون بنفسه من دمشق، وخيم بالمرج، ولم يتخلف أحد من العساكر والجموع بدمشق، ووصل العدو إلى بغراس، وقنب الخطيب بجامع دمشق، وسائر الأئمة في الصلوات.
стр. 1434
وفي يوم الخميس سابعه رحل السلطان من المرج لاحقاً بالعساكر المتقدمة إلى ظاهر حمص.
وفي هذا الشهر وهو جمادى الآخرة خرج مرسوم الملك المنصور سيف الدين قلاوون بأن يعرض على أهل الذمة من المستوفيين والدواوين الاسلام، فان أبوا صلبوا، فجمع جماعة من ديوان الجيش والمستوفيين نصارى وسامرة، وعرض عليهم الاسلام فأبوا، فأخرجوا إلى سوق الخيل ظاهر دمشق، ونصبت لهم المشانق، وجعلت الحبال في أعناقهم فأسلموا، وأحضروا إلى الحاكم بدمشق، فجددوا إسلامهم على يده.
وفي يوم الأحد ثالث شهر رجب نزل السلطان وجميع العساكر والجموع على حمص، وراسل سنقر الأشقر بالحضور إليه بمن عنده من الأمراء والعسكر، وكذلك الأمير سيف الدين ايتمش السعدي ومن معه، فوصل سنقر الأشقر أولاً واجتمع بالسلطان، واستحلفه لسيف الدين ايتمش يميناً ثانية ليزداد طمأنينة، ثم أحضره، وتكامل حضورهم يوم الجمعة ثامن رجب، وحصل الاجتماع والاتفاق على العدو المخذول، وعومل سنقر الأشقر ومن معه بالاحترام التام، والخدمة البالغة، والاقامات العظيمة والرواتب.
وفي بكرة الأربعاء ثالث عشره فزع الناس كافة إلى جامع دمشق بالضعفاء والصغار والشيوخ متضرعين إلى الله تعالى في نصرة الاسلام وهلاك عدوهم، وأخرج المصحف الكريم العثماني وغيره من المصاحف العظيمة على رؤوس الناس، وصحبتها الخطيب والقراء والمؤذنون إلى المصلى
стр. 1435
بقصر حجاج يسألون الله تعالى النصر والظفر، وكذلك فعل أهل بعلبك وصعدوا إلى ضريح الشيخ عبد الله اليونيني ﵀.
وفي هذه الأيام ما برحت التتار تتقدم قليلاً قليلاً على خلاف عادتهم، فلما وصلوا إلى حماة فسدوا في ضواحيها، وشعثوا وأحرقوا بستان الملك المنصور صاحبها، وجوسقه، وما به من الأبنية، وعسكر المسلمين بظاهر حمص على حاله، فلما كان يوم الخميس رابع عشره التقى الجمعان عند طلوع الشمس، وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون، وعسكر المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل، وتواقعوا من ضحوة النهار إلى آخره، وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان، ولا من سنين كثيرة، وكان الملتقى ما بين مشهد خالد بن الوليد ﵁ إلى الرستين والعاصي، واضطربت ميمنة المسلمين، وحمل التتار على ميسرة المسلمين، فكسروها وانهزم من بها، وكذلك جناح القلب الأيسر، وثبت الملك المنصور سيف الدين قلاوون في جمع قليل بالقلب ثباتاً عظيماً، ووصل جماعة كثيرة من التتر خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة حمص، وأحدق جماعة من التتر بحمص، وهي مغلقة الأبواب، وبذلوا نفوسهم وسيوفهم في من وجدوه من العوام، والسوقة، والغلمان، والرجالة المجاهدين ظاهرها، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأشرف الاسلام على خطة صعبة، ثم أن أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم؛ مثل شمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى، وعلم الدين الدويداري، وعلاء الدين طيبرس الوزيري، وبدر الدين
стр. 1436
أمير سلاح، وسيف الدين ايتمش السعدي، وحسام الدين لاجين المنصوري، والأمير حسام الدين طرنطاى وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا فيهم عدة حملات فكسروهم كسرة عظيمة، وجرح منكوتمر مقدمهم، وجاءهم شرف الدين عيسى بن مهنا في عربة عرضا، فتمت هزيمتهم، وقتلوا مقتلة عظيمة تجاوز الوصف، واتفق أن ميسرة المسلمين انكسرت كما ذكرنا والميمنة ساقت على العدو، ولم يبق مع السلطان إلا النفر اليسير، والأمير حسام الدين طرنطاى قدامه بالسنجقية، فعادت الميمنة الذين كسروا الميسرة في خلق عظيم، ومروا به وهو في ذلك النفر اليسير تحت السناجق، والكوسات تضرب، ولقد مررت به في ذلك الوقت، وما حوله من المقاتلة ألف فارس إلا دون ذلك، فلما مروا به ثبت لهم ثباتاً عظيماً، فلما بعدوا قليلاً ساق عليهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وكان ذلك تمام النصر، واكن انهزامهم عن آخرهم قبل الغروب، وافترقوا فرقتين، ففرقة أخذت جهة سلمية والبرية، وفرقة جهة حلب والفرات. فلما انقضى الحرب في ذلك النهار عاد السلطان إلى منزلته.
وفي بكرة يوم الجمعة خامس عشره جهز السلطان وراءهم جماعة كثيرة من العسكر والعربان، مقدمهم الأمير بيليك الايدمري؛ ولما ماج الناس نهب المسلمون من الأقمشة، والأمتعة، والخزائن، والسلاح ما لا يحصى كثرة، وذهب ذلك كله، أخذه الحرافشة والغلمان وغيرهم.
وبعد صلاة الجمعة خامس عشره جاءت بطاقة إلى دمشق من القريتين
стр. 1437
يتضمن الظفر والنصر وانهزام العدو، فضربت البشائر على قلعة دمشق وسر الناس، وزينت القلعة والمدنية، وأوقدت الشموع. فلما كان ليلة السبت سادس عشره بعد منتصف الليل وصل إلى ظاهر دمشق جماعة كثيرة من جيش المسلمين منهم جماعة من الأمراء الأعيان، وأخبروا بما شاهدوه في أول الأمر وأن الكسرة كانت عليهم، ولم يعلموا ما تجدد بعدهم بعدهم، فحصل لأهل البلد قلق عظيم وخوف شديد، وتجهز منهم خلق للهزيمة، وفتح بعض أبواب الميدنة، ولم يبق إلا الشروع في الانتزاح، فوصل في تلك الساعة بريدي من جهة السلطان يخبر بالنصر، وكان وصوله عند آذان الصبح، فقرئ كتاب السلطان المتضمن البشارة في تلك الساعة بالجامع، فطابت قلوب الناس، ثم ورد بريدى آخر موكداً لما جاء به الأول فتكامل السرور، وتم الأمن، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الزينة، ومضمون بعض الكتب الواردة: نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين، صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس، نعلمه أننا صربنا مصافاً مع العدو المخذول على ظاهر حمص في يوم الخميس رابع عشر رجب الفرد سنة ثمانين وست مائة، وكان العدو المخذول على ظاهر حمص في مائة ألف فارس أو يزيدون، والتحم القتال من ضحوة النهار إلى غروب الشمس، ففتح الله ونصر، وساعدنا بمساعفة القدر، ونصرنا، والحمد لله على أن أذل الأعداء وكسرهم، وظفر المسلمون ونصرهم، وكتابنا هذا والنصر قد ضربت بشائره، وحلق طائره وامتلأت القلوب سروراً، وأولى الله الاسلام من تفضله علينا وعليهم
стр. 1438
خيراً كثيراً، والمجلس فيأخذ حظه من هذه البشرى العظيمة، ويتقلد عقودها النظيمة، والله تعالى يخصه بنعمه العميمة إن شاء الله تعالى، وأجلت هذه الوقعة عن قتل جم غفير من التتر لا يحصون كثرة، واستشهد من عسكر المسلمين دون المائتين على ما قيل. منهم الحاج ازدمر، وسيف الدين الرومي، وشهاب الدين بويل الشهرزورى، وعز الدين بن النضر، من بيت اتابك صاحب الموصل المشهور بالسيرة المفرطة، والبأس الشديد والصرامة، وكان يسكن جبل الصالحية، وغيرهم ﵏ أجمعين وسنذكر أعيانهم إن شاء الله تعالى.
ثم إن السلطان انتقل من منزلته بظاهر حمص إلى البحيرة التي لها ليبعد عن الجيف ثم توجه عائداً إلى دمشق، فدخلها يوم الجمعة الثاني والعشرين منه قبل الصلاة، وخرج الناس إلى ظاهر البلد للقائه، ودخل بين يديه جماعة من أسرى التتار، وبأيديهم رماح، عليها شعف رؤوس القتلى منهم، وكان يوماً مشهوداً، ودخل في خدمته جماعة، منهم: سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين التميش السعدي والامير علم الدين سنجر الدواداري وسيف الدبن بلبان الهاروني وغيرهم، ودخل قلعة دمشق، وكان سنقر قد ودعه من حمص، وعاد إلى صهيون. ولما استقر الملك المنصور بدمشق. جرد عسكراً عظيماً إلى الرحبة لدفع من عليها من التتر. فلما كان يوم الاثنين خامس وعشرين منه وصلت قصاد الرحبة، وأخبروا برحيلهم عنها في يوم الجمعة ثاني وعشرين منه، ووصل الأمير بدر الدين الايدمرى
стр. 1439
دمشق بمن معه من العسكر عائداً من تتبع التتار. وقد أنكى فيها نكاية عظيمة، ووصل إلى حلب وأقام بها وسير أكثر من معه فتبعوهم إلى الفرات فهلك منهم خلق عظيم، غرقوا بها عند عبورهم، وأنكوا فيهم نكاية عظيمة، وتفرقت شملهم، وما برحت الأسرى في هذه الأيام متواصلة إلى دمشق، والأخبار مترادفة بما نالهم من الضعف والمشقة، وهلاك خيولهم، وتخطف أهل البلاد لهم، وأنهم تمزقوا في البراري والجبال وهلكوا جوعاً وعطشاً.
وفي يوم الأحد ثاني شعبان خرج الملك المنصور من دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية، وخرج الناس لوداعه مبتهلين بالدعاء له، ودخل الديار المصرية يوم السبت ثاني وعشرين منه، وعقيب وصوله اعتقل الأمير ركن الدين اباجى الحاجب، وبهاء الدين يعقوب مقدم الشهروزورية بقلعة الجبل.
وفي سلخه باشر الأحكام بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية القاضي وجيه الدين البهنسي الفقيه الشافعي.
وفي هذا الشهر بعد سفر السلطان ترتب الأمير علم الدين سنجر الدوادارى مشدا على الدواوين بالشام منطلق في المهام، والمصالح، والأموال، والاستخدام والعزل، وله مشاركة في الجيش، وكان خرج مع السلطان، ووصل معه إلى قريب غزة، ثم عاد من خدمته على هذه الصورة، وعين له خبز سبعين فارساً.
стр. 1440
وفي يوم الأحد سابع شهر رمضان المعظم فتحت المدرسة الجوهرية وذكر بها الدرس قاضي القضاة حسام الدين الحنفي وذلك في حياة منشئها وواقفها نجم الدين محمد بن عباس بن مكارم التميمي الجوهري وهو بقرب المدرسة الريحانية بدمشق.
وفي سحر يوم الأربعاء عاشره وقع بدمشق ثلج كثير بهواء عاصف، وبقى إلى ضحى يوم الخميس مستمراً بحيث بقى على الأرض منه في بعض الأماكن قريب نصف ذراع، وكان قارنه برد مفرط يلبس، وجليد، وطالت مدة بقائه على الأرض وضعفت الخضروات، وفسدت الفواكه من الجليد في المخازن، وأما بعبلك فجمد فيها كيزان الفقاع، وذلك غير منكر بها، وأما دمشق فقل أن يقع بها الثلج على هذه الصورة.
وفي شوال وصل إلى دمشق صاحب سنجار مقفراً من جهة التتر في طاعة الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وكان وصوله بأهله وحريمه وأمواله، فخرج نائب السلطنة لتلقيه، واحترمه، ثم جهزه إلى الديار المصرية.
وفي شوال أيضاً استفتى أهل الكتاب الذين أسلموا على ما تقدم شرحه بأنهم أسلموا مكرهين، وعقد لهم مجلس، ورسم القاضي جمال الدين المالكي أن يسمع كلامهم، ويحكم فيهم بما يوافق مذهبه، فكتب لهم محضر، وشهد فيه جماعة من المسلمين بأنهم كانوا مكرهين، وأثبت المحضر، وعاد أكثرهم إلى دينه، وضربت على من عاد الجزية، وقيل إنهم غرموا
следующие страницы →