← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أمير سلاح، وسيف الدين ايتمش السعدي، وحسام الدين لاجين المنصوري، والأمير حسام الدين طرنطاى وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا على التتار وحملوا فيهم عدة حملات فكسروهم كسرة عظيمة، وجرح منكوتمر مقدمهم، وجاءهم شرف الدين عيسى بن مهنا في عربة عرضا، فتمت هزيمتهم، وقتلوا مقتلة عظيمة تجاوز الوصف، واتفق أن ميسرة المسلمين انكسرت كما ذكرنا والميمنة ساقت على العدو، ولم يبق مع السلطان إلا النفر اليسير، والأمير حسام الدين طرنطاى قدامه بالسنجقية، فعادت الميمنة الذين كسروا الميسرة في خلق عظيم، ومروا به وهو في ذلك النفر اليسير تحت السناجق، والكوسات تضرب، ولقد مررت به في ذلك الوقت، وما حوله من المقاتلة ألف فارس إلا دون ذلك، فلما مروا به ثبت لهم ثباتاً عظيماً، فلما بعدوا قليلاً ساق عليهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وكان ذلك تمام النصر، واكن انهزامهم عن آخرهم قبل الغروب، وافترقوا فرقتين، ففرقة أخذت جهة سلمية والبرية، وفرقة جهة حلب والفرات. فلما انقضى الحرب في ذلك النهار عاد السلطان إلى منزلته. وفي بكرة يوم الجمعة خامس عشره جهز السلطان وراءهم جماعة كثيرة من العسكر والعربان، مقدمهم الأمير بيليك الايدمري؛ ولما ماج الناس نهب المسلمون من الأقمشة، والأمتعة، والخزائن، والسلاح ما لا يحصى كثرة، وذهب ذلك كله، أخذه الحرافشة والغلمان وغيرهم. وبعد صلاة الجمعة خامس عشره جاءت بطاقة إلى دمشق من القريتين

стр. 1437

يتضمن الظفر والنصر وانهزام العدو، فضربت البشائر على قلعة دمشق وسر الناس، وزينت القلعة والمدنية، وأوقدت الشموع. فلما كان ليلة السبت سادس عشره بعد منتصف الليل وصل إلى ظاهر دمشق جماعة كثيرة من جيش المسلمين منهم جماعة من الأمراء الأعيان، وأخبروا بما شاهدوه في أول الأمر وأن الكسرة كانت عليهم، ولم يعلموا ما تجدد بعدهم بعدهم، فحصل لأهل البلد قلق عظيم وخوف شديد، وتجهز منهم خلق للهزيمة، وفتح بعض أبواب الميدنة، ولم يبق إلا الشروع في الانتزاح، فوصل في تلك الساعة بريدي من جهة السلطان يخبر بالنصر، وكان وصوله عند آذان الصبح، فقرئ كتاب السلطان المتضمن البشارة في تلك الساعة بالجامع، فطابت قلوب الناس، ثم ورد بريدى آخر موكداً لما جاء به الأول فتكامل السرور، وتم الأمن، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الزينة، ومضمون بعض الكتب الواردة: نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين، صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس، نعلمه أننا صربنا مصافاً مع العدو المخذول على ظاهر حمص في يوم الخميس رابع عشر رجب الفرد سنة ثمانين وست مائة، وكان العدو المخذول على ظاهر حمص في مائة ألف فارس أو يزيدون، والتحم القتال من ضحوة النهار إلى غروب الشمس، ففتح الله ونصر، وساعدنا بمساعفة القدر، ونصرنا، والحمد لله على أن أذل الأعداء وكسرهم، وظفر المسلمون ونصرهم، وكتابنا هذا والنصر قد ضربت بشائره، وحلق طائره وامتلأت القلوب سروراً، وأولى الله الاسلام من تفضله علينا وعليهم

стр. 1438

خيراً كثيراً، والمجلس فيأخذ حظه من هذه البشرى العظيمة، ويتقلد عقودها النظيمة، والله تعالى يخصه بنعمه العميمة إن شاء الله تعالى، وأجلت هذه الوقعة عن قتل جم غفير من التتر لا يحصون كثرة، واستشهد من عسكر المسلمين دون المائتين على ما قيل. منهم الحاج ازدمر، وسيف الدين الرومي، وشهاب الدين بويل الشهرزورى، وعز الدين بن النضر، من بيت اتابك صاحب الموصل المشهور بالسيرة المفرطة، والبأس الشديد والصرامة، وكان يسكن جبل الصالحية، وغيرهم ﵏ أجمعين وسنذكر أعيانهم إن شاء الله تعالى. ثم إن السلطان انتقل من منزلته بظاهر حمص إلى البحيرة التي لها ليبعد عن الجيف ثم توجه عائداً إلى دمشق، فدخلها يوم الجمعة الثاني والعشرين منه قبل الصلاة، وخرج الناس إلى ظاهر البلد للقائه، ودخل بين يديه جماعة من أسرى التتار، وبأيديهم رماح، عليها شعف رؤوس القتلى منهم، وكان يوماً مشهوداً، ودخل في خدمته جماعة، منهم: سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين التميش السعدي والامير علم الدين سنجر الدواداري وسيف الدبن بلبان الهاروني وغيرهم، ودخل قلعة دمشق، وكان سنقر قد ودعه من حمص، وعاد إلى صهيون. ولما استقر الملك المنصور بدمشق. جرد عسكراً عظيماً إلى الرحبة لدفع من عليها من التتر. فلما كان يوم الاثنين خامس وعشرين منه وصلت قصاد الرحبة، وأخبروا برحيلهم عنها في يوم الجمعة ثاني وعشرين منه، ووصل الأمير بدر الدين الايدمرى

стр. 1439

دمشق بمن معه من العسكر عائداً من تتبع التتار. وقد أنكى فيها نكاية عظيمة، ووصل إلى حلب وأقام بها وسير أكثر من معه فتبعوهم إلى الفرات فهلك منهم خلق عظيم، غرقوا بها عند عبورهم، وأنكوا فيهم نكاية عظيمة، وتفرقت شملهم، وما برحت الأسرى في هذه الأيام متواصلة إلى دمشق، والأخبار مترادفة بما نالهم من الضعف والمشقة، وهلاك خيولهم، وتخطف أهل البلاد لهم، وأنهم تمزقوا في البراري والجبال وهلكوا جوعاً وعطشاً. وفي يوم الأحد ثاني شعبان خرج الملك المنصور من دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية، وخرج الناس لوداعه مبتهلين بالدعاء له، ودخل الديار المصرية يوم السبت ثاني وعشرين منه، وعقيب وصوله اعتقل الأمير ركن الدين اباجى الحاجب، وبهاء الدين يعقوب مقدم الشهروزورية بقلعة الجبل. وفي سلخه باشر الأحكام بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية القاضي وجيه الدين البهنسي الفقيه الشافعي. وفي هذا الشهر بعد سفر السلطان ترتب الأمير علم الدين سنجر الدوادارى مشدا على الدواوين بالشام منطلق في المهام، والمصالح، والأموال، والاستخدام والعزل، وله مشاركة في الجيش، وكان خرج مع السلطان، ووصل معه إلى قريب غزة، ثم عاد من خدمته على هذه الصورة، وعين له خبز سبعين فارساً.

стр. 1440

وفي يوم الأحد سابع شهر رمضان المعظم فتحت المدرسة الجوهرية وذكر بها الدرس قاضي القضاة حسام الدين الحنفي وذلك في حياة منشئها وواقفها نجم الدين محمد بن عباس بن مكارم التميمي الجوهري وهو بقرب المدرسة الريحانية بدمشق. وفي سحر يوم الأربعاء عاشره وقع بدمشق ثلج كثير بهواء عاصف، وبقى إلى ضحى يوم الخميس مستمراً بحيث بقى على الأرض منه في بعض الأماكن قريب نصف ذراع، وكان قارنه برد مفرط يلبس، وجليد، وطالت مدة بقائه على الأرض وضعفت الخضروات، وفسدت الفواكه من الجليد في المخازن، وأما بعبلك فجمد فيها كيزان الفقاع، وذلك غير منكر بها، وأما دمشق فقل أن يقع بها الثلج على هذه الصورة. وفي شوال وصل إلى دمشق صاحب سنجار مقفراً من جهة التتر في طاعة الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وكان وصوله بأهله وحريمه وأمواله، فخرج نائب السلطنة لتلقيه، واحترمه، ثم جهزه إلى الديار المصرية. وفي شوال أيضاً استفتى أهل الكتاب الذين أسلموا على ما تقدم شرحه بأنهم أسلموا مكرهين، وعقد لهم مجلس، ورسم القاضي جمال الدين المالكي أن يسمع كلامهم، ويحكم فيهم بما يوافق مذهبه، فكتب لهم محضر، وشهد فيه جماعة من المسلمين بأنهم كانوا مكرهين، وأثبت المحضر، وعاد أكثرهم إلى دينه، وضربت على من عاد الجزية، وقيل إنهم غرموا

стр. 1441

جملة كثيرة حتى تم مقصودهم من ذلك. وفي يوم الاثنين خامس ذى القعدة قبض السلطان الملك المنصور على سيف الدين ايتمش السعدي بقلعة الجبل وحبسه. وفي يوم السبت عاشره قبض نائب السلطنة بدمشق على سيف الدين بلبان الهاروني بمرسوم ورد عليه بذلك، وكان في الصيد مع نائب السلطنة بمرج دمشق فقيده، وحمله إلى قلعة دمشق. وفي بكرة يوم الخميس ثامن وعشرين منه خرج أهل دمشق إلى المصلى، ونائب السلطنة، والأمراء، والجند، رجاله جميعهم، وصلوا صلاة الاستسقاء، وحضروا الخطبة، وابتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء، وطلب الغيث، وذلك بعد أن صام كثير من الناس ثلاثة أيام عملاً بالسنة، وكان هذا اليوم الثاني عشر من آذار، وسبب ذلك انقطاع الغيث، وعوزان المياه واستمرار الضحو. وفي شهر ذى القعدة أخرج السلطان الملك المنصور لبدر الدين سلامش مملوك الظاهر، وجميع العترة الظاهرية من النساء، والأتباع لهم من الخدام وغيرهم من الديار المصرية، وجهزهم إلى عند الملك المسعود نجم الدين الخضر بالكرك. وفي يوم السبت ثاني ذى القعدة وقع الغيث بدمشق ولله الحمد. وفي عشية عرفة أفرج عن برهان الدين السنجاري من الانتقال، ولزم بيته بعد مكابدة مشاق كثيرة.

стр. 1442

وفي هذه السنة تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل تجاه قرية بولاق واللوق، وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المقس، وساحل باب البحر، والرملة، وبين جزيرة النيل الوقف على الشافعي رحمه الله تعالى وهو المار تحت منية الشيرج، وانسد ونشف بالكلية، واتصل ما بين المقس وجزيرة النيل، ولم يعهد هذا فيما تقدم، وحصل لأهل القاهرة مشقة يسيرة من نقل الماء الحلو لبعد البحر عنهم. وفيها توفى إبراهيم بن سعيد الشيخ الصالح المولد الشاغوري المعروف بجيفانة، وكانت وفاته يوم الأحد سابع جمادى الأولى بدمشق، ودفن من يومه بمقبرة المولهين بسفح قاسيون، وله من العمر نحو سبعين سنة، وكانت له جنازة حفلة، ولجماعة من أهل البلد فيه عقيدة حسنة، ويذكرون عنه كرامات، ومكاشفات، مع تولهه، وعدم صلاته وصيامه رحمه الله تعالى. إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى شرف الدين بن القاضي محي الدين بن الزكى القرشي الأموي العثماني. كان شاباً فاضلاً عالماً من بيت العلم والدين والرياسة، توفى يوم الجمعة رابع عشر شعبان المبارك رحمه الله تعالى. ابغا بن هولاكو. كان ملكاً عظيماً، جليل المقدار، عالي الهمة، شجاعاً، مقداماً، خبيراً بالحروب، لم يكن بعد والده مثله، وهو على مذهب التتار، واعتقادهم، ومملكته متسعة جداً، وعساكره جمة، وأمواله غزيرة، وكلمته

стр. 1443

في جنده مع كثرتهم مسموعة. وله رأي وحزم وتدبير. ولما توجه أخوه منكوتمر إلى الشام بالعساكر، لم يكن ذلك عن رأيه بل أشير عليه به، فوافق ونزل في ذلك الوقت بالقرب من الرحبة في جماعة من خواصه المغل ينتظر ما يكون، فلما تحقق الكسرة رجع على عقبه إلى همذان، فمات غماً وكمداً بين العيدين، ووصل الخبر إلى دمشق بموته في أوائل سنة احدى وثمانين، وله من العمر نحو من خمسين سنة، وكان سبب موته أنه دخل الحمام، وخرج منه فسمع أصوات جملة من الغربان، وهي تنعق. فقال: هذه الغربان تقول مات ابغا، وركب من الحمام، فإذا كلاب صيد قد صادفها في طريقه، فعوت كلها في وجهه فتشاءم بذلك، وبلغه أنه خزانته وخزانة أبيه وكانتا في برج على البحر، وأنه قد خسف بالبرج، وغار في الأرض بجميع ما فيه، فلم يسلم سوى قطعة منه، فمات في نصف ذى الحجة سنة ثمانين وستمائة في قرية من قرى همذان إسمها بابل، وقيل: في بلدة إسمها كرمانشهان من بلاد همذان، ودفن في قلعة تلا عند أبيه، ومات بعده بيومين أخوه اجاى. أحمد بن عبد الصمد بن عبد الله بن أحمد أبو العباس محيي الدين المصري الأصل الشافعي المعروف بقاضي عجلون ويعرف والده برشيد الدين قاضي قليوب. وكان فقيهاً فاضلاً. رئيساً، كثير الكرم، واسع الصدر، حسن الخلق، أقام حاكماً بعجلون وما أضيف إليها مدة طويلة، يكرم المجتازين به، ويضيفهم ويزودهم، ويتنوع في المكارم، وله شهرة بالكرم، وعلو الهمة، وكان له عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد

стр. 1444

رحمه الله مكانة كبيرة، ولما ملك الشام أقطعه عدة قرى، وكذلك كانت حرمته عند أكابر أمراء الدولة، وأعيانها من أرباب السيوف والأقلام، وخدم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس في الدولة الناصرية كثيراً عند تردده في تلك الأرض، فلما ملك ترجى محي الدين أن يجازيه على خدمته، ومعرفته له، فلم ينل في أيامه ما أمله، وقد قيل لا تتمنوا الدول فتحرموها، ولما ملك الملك الظاهر جعل محيي الدين المذكور وكيل بيت المال بالشام في أول الدولة، وأعطاه تدريس الشامية البرانية على قاعدة الشيخ تقي الدين محمد ابن رزين وكيل بيت المال في الأيام الناصرية، ثم صرف عن ذلك سريعاً، وطلبه إلى الديار المصرية، ومنعه من العود إلى الشام، وحصل له في إقامته هناك ضرر عظيم، وربما عوق في بعض تلك المدة، ثم جلس مع الشهود بين القصرين، وميز عليهم بأن فوض إليه عقد الأنكحة ثم ولى في آخر عمره قضاء دمياط، وكانت وفاته بها في شهر ذى القعدة، ودفن بها، وقد نيف على الستين ﵀. أحمد بن علي بن المظفر أبو العباس نجم الدين المعروف بابن الحلى التاجر. كان ذا نعمة ضخمة وثروة ظاهرة ومتاجرة متسعة ومعاملات كثيرة وأموال جمة، وله التقدم في الدول، والوجاهة عند الملوك، ويكثر من خدمتهم، ومعاملتهم، وكانت وفاته في أواخر شهر رمضان بالقاهرة سنة ثلاث وست مائة، وخلف تركة عظيمة، حمل منها جملة كثيرة إلى بيت المال، وكان شيخاً لطيف الشمائل، حسن العشرة، كثير المواددة، وعنده تشيع،

стр. 1445

وإليه أو إلى والده ينسب الأمير عز الدين ايدمر الحلى رحمه الله تعالى. وكان الصاحب بهاء الدين ﵀ يتمغص منه لعدم تمكنه من الوصول إليه مع وجود الأمير عز الدين الحلى، فلما توفى الأمير عز الدين تمكن منه، فحدث الملك الظاهر في معناه، وعرفه كثرة أمواله ومتاجره وأنه لم يكن يقوم بما جرت العادة من الحقوق الديوانية والمكوس بطريق الأمير عز الدين، فأطلق يده فيه فغرمه مائة ألف دينار، فلما مرض الصاحب بهاء الدين بمرض الموت طلبه، فلما حضر قال: سيدي، وأخي، وصاحبي، واعتنقه وقبل ما بين عينيه، وقال له: يا سيدي نجم الدين، قد ترى ما أنا فيه، واشتهى أن تحاللني، فربما توهمت أن ما أخذ منك الملك الظاهر كان بإشارتي فتحاللني لطيب قلبي، فقال: أعيذك بالله يا مولانا من هذا القول، أنا رجل على تبعات كثيرة، ولي غريم ملى مولانا فإذا طولبت بما علي أحلت عليك، فلو أبريتك كنت تقول لهم أبراني، وما بقي له عندي حق فيعودون إلى مطالبتي والله! هذا لا فعلته أبداً، وخرج من عنده فعظم ذلك على الصاحب. وحصل له كمد كبير، وفكر عظيم إلى حيث فارق الدنيا والله يعفو عنا وعنهم وعن جميع المسلمين بكرمه ورحمته. أحمد بن النعمان بن أحمد أبو العباس فخر الدين المعروف بابن المنذر الحلبي ناظر الجيوش بالشام. كان رئيساً عنده مكارم، وحسن عشرة، وهو من أعيان الحلبيين، ولى المناصب الجليلة، وله الوجاهة التامة مشكور السيرة بين الناس، لا يصدر منه في حق أحد إلا الخير، وكان عنده تشيع، ولم يسمع

стр. 1446

منه ما يؤخذ عليه، وكان ظاهر حمص وقت المصاف. واتفق وقوفه في الميسرة، فلما كسرت على ما تقدم شرحه، كان في جملة المنهزمين، ووصل إلى بعلبك وقد خامره الرعب، والتاث مزاجه من السوق، وشدة الحركة مع الخوف، فتوفى بدمشق ليلة الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان المعظم، ودفن يوم الثلاثاء بسفح قاسيون، وقد ناهز ستين سنة من العمر ﵀. أحمد بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن الحسين بن محمد أبو العباس علاء الدين القرشي الأموي العثماني. كان رئيساً عالماً فاضلاً في علوم شتى، يعرف الفقه معرفة حسنة، واشتغل بالأصول، وعلم الأدب، وكتب الانشاء في الدولة الظاهرية بدمشق، وفي الدولة الناصرية، ودرس بالمدرسة العزيزية والتقوية بدمشق، ومولده بدمشق سنة اثنتين وثلاثين وست مائة، وكانت وفاته بها في ليلة الجمعة الثامن وعشرين شعبان، ودفن يوم الجمعة بسفح قاسيون بالتربة المعروفة بهم ﵀. أحمد بن يوسف أبو العباس موفق الدين المعروف بالكواشي. الشيخ العالم صاحب التفسير الكبير والتفسير الصغير، وقد أجاد فيهما، وأحسن ما شاء وغير ذلك. كانت له اليد الطولى في التفسير والقرآآت، ومشاركة في غير ذلك من العلوم، وعمر مقدار تسعين سنة، وكان مقيماً بالجامع العتيق بالموصل منقطعاً عن الناس، مجتهداً في العبادة، قائماً بوظائفها، لا يقبل لأحد شيئاً، ويزوره الملك فمن دونه، فلا يقوم لهم. ولا يعبأ بهم، وله مجاهدات، وكشوف، وكرامات، ولأهل تلك البلاد فيه عقيدة عظيمة،

стр. 1447

وعمى قبل وفاته بأكثر من عشر سنين، وهو يتلقى ذلك بالرضى والتسليم، وكانت وفاته في سابع شهر رجب بالموصل، ودفن بها ﵀ ورضي عنه. كواشة قلعة من عمل الموصل. الحاج ازدمر بن عبد الله الجمدار الأمير عز الدين. وهو من أعيان الأمراء وأماثلهم، وعنده فضيلة ومعرفة وحسن تدبير، وفيه مكارم كثيرة، ومراعاة لمعارفه، وتفقد لأحوالهم، وبر لهم، ولم يزل محترماً في الدول، ولما تملك الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ زاد اقطاعه، فلما قدم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى دمشق لازمه واختص به، وكان لا يصدر إلا عن رأيه، فلما تسلطن بدمشق، جعله نائب السلطنة عنه، ولما ضرب المصاف مع المصريين وحصلت الكسرة، قصد الأمير عز الدين الجبل، وأقام به مدة، ثم اتصل بسنقر الأشقر، وأقام بقلعة شيزر وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب، وبقى عند سنقر الأشقر وفي حضر مصاف التتار، وقاتل قتالاً شديداً، وأبلى بلاء حسناً، وقتل مقبلاً غير مدبر شهيداً يوم المصاف، وهو رابع عشر رجب من هذه السنة بظاهر حمص، ودفن في جوار مشهد خالد بن الوليد ﵁، وعمره نحو ستين سنة، وكانت نفسه تحدثه عن أمور قصر عنها أجله، وكان يزعم أنه شريف النسب والله أعلم ﵀. ليبك بن عبد الله الأمير عز الدين الشجاعي الصالحي العمادي، والي الولاة بالجهات القبلية. كان ديناً خيراً أميناً صارماً عفيفاً، حسن السيرة

стр. 1448

لين الجانب، شديداً على أهل الريب، وجيهاً عند الملوك. ولى في حال شبابه استاد دارية الملك الصالح عماد الدين اسماعيل ﵀ وتنقلت به الأحوال، وكان الملك الظاهر ركن الدين ﵀ يتعمد عليه ويتحقق أمانته وهو مسموع الكلمة عنده، وعزل وقطع خبره بسؤاله اختياراً منه في أول هذه السنة، فلزم بيته إلى أن أدركته منيته بدمشق في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وقد بلغ من العمر خمساً وثمانين سنة ﵀. بكتون بن عبد الله الخزنداري الأمير بدر الدين. كان نائب الأمير بدر الدين الخزندار الظاهري ﵀ بالشام، وتقدم الطلب الذي له بدمشق، واستولى على اقطاعاته، وأملاكه، وسائر تعلقاته بالشام، وأمره على قلعة الصبيبة، وبانياس، وتلك الأعمال، وكان مشكور السيرة، حسن المعاملة، لين الكلمة، كثير البر والصدقة، كريم الأخلاق، حسن الشكل، وقاتل يوم المصاف الذي ضربه المسلمون مع التتر، وأبلى بلاءً حسناً. وقاتل، وفقد، ولم يقع له أحد والظاهر: أنه استشهد والله أعلم وهو في عشر الخمسين ﵀. بلبان بن عبد الله الرومي الأمير سيف الدين الدوادار. كان من أعيان الأمراء وأجلائهم، عمده معرفة، وحزم، ورياسة، ومكارم أخلاق، وإحسان لمن خدمه ويتصل به، وكان الملك الظاهر ركن الدين ﵀ يعتمد عليه، ويثق به، ويسكن إليه، وهو المطلع على أسراره، وتدبير

стр. 1449

أمور القصاد، والجواسيس، والمكاتبات، وغير ذلك، لا يتركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين الايدمرى المعروف بالدرفيل، فلما توفى حسام الدين في التاريخ المقدم ذكره انفرد الأمير سيف الدين بذلك، وأضيف إليه عز الدين ايدمر الدوادار الظاهري تبعاً له، ولم يزل على ذلك إلى أن انقضت الدولة الظاهرية. ولم يؤمر فيه بطبلخاناة، فلما أفضى الملك إلى الملك السعيد ﵀ أمره وأعطاه خمسين أو ستين فارساً بالشام، وهو ملازم خدمته، فلما انقضت الأيام السعيدية، بقى على خبزه وحرمته إلى أن حصل المصاف بين المسلمين والتتار في هذه السنة ظاهر حمص، حضر المذكور، وقاتل فيه قتالاً كبيراً، واستشهد إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، ودفن ظاهر حمص جوار مشهد خالد بن الوليد ﵁، وقد نيف على خمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى. بهادر بن بيجار بن بختيار الأمير بهاء الدين. كان من أعيان الأمراء وأكابرهم مشهوراً بالشجاعة والنجدة، وله مواقف معروفة، وهو الذي كان سبب حضور والده الأمير حسام الدين بيجار ومن معه إلى بلاد المسلمين وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. توفى بهادر المذكور بغزة. وهو متوجه صحبة العساكر إلى الديار المصرية في يوم الجمعة رابع عشر شعبان، ودفن من يومه بها، وهو في عشر السبعين تقريباً رحمه الله تعالى. ووالده الأمير حسام الدين بيجار في قيد الحياة يومئذ، وهو مقيم بالقاهرة، وقد كف بصره.

стр. 1450

بويل بن الأمير بهاء الدين الشهرزورى. من أمراء دمشق، كان من الأبطال الشجعان والفرسان المعدودين، استشهد يوم المصاف ظاهر حمص، وهو يوم الخميس رابع عشر شهر رجب من هذه السنة بعد أن قاتل قتالاً شديداً، وأنكى في العدو نكايات كثيرة، وقتل منهم عدة وافرة بيده رحمه الله تعالى وقد نيف على ستين سنة من العمر. خضر بن محاسن موفق الدين الرحبي. كان من رجال الدهر شجاعة وإقداماً وحزماً وتدبيراً، ومكراً وحيلاً، ومداراة وسياسة، وتيقظاً وفطنة وذكاء، وكان في بدايته جماساً بالرحبة لشخص من أهلها فاتفقت وفاة ذلك الشخص، فتزوج زوجته، وكفل ولده منها، فحاز موجوده، فصلح حاله يسيراً، فتوصل إلى أن صار قزل غلام بالرحبة في حياة الملك الأشرف صاحبها، فلما توفى وانتقلت إلى الملك الظاهر ركن الدين، خدم نوابه فقربوه ووجدوا عنده كفاية تامة، وخبرة بالبلاد وأهلها، فزادوا معلومه، وتوفى عندهم، ويعرف بالأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، واعتضد به، فلما ولى النيابة بتلك الناحية الأمير عز الدين ايبك الاسكندري رحمه الله تعالى زاد في معلومه، وأكرمه ورأى أنه مفتقر إلى مثله لما هو بصدده، فلما أخذ الأمير عز الدين قرقيسيا من نواب التتر، وأخربها، وكانت كثيرة الأذية والضرر لبلاد المسلمين، فسير التتر إلى الملك الظاهر ﵀ لأخذها وعزمه أن الموفق سعى في ذلك، وطلب خبزاً فأعطى له خبزاً جيداً..... وعظم شأنه،

стр. 1451

وانبسطت يده، وكثر أتباعه، وزاد تمكنه، فلما توفى الأمير عز الدين ﵀ وتولى عز الدين ايبك الموصلى من البحيرة الصالحية، وكان أصله قبجاقا تضاعف تمكنه، فلم تطل مدة المتولى، وتوفى فرتب الموفق مكانه مستقلاً، وأعطى خبزه فدبر الأمور، وجهز القصاد إلى بلاد العدو، وتضاعف اجتهاده، وظهرت ثمرت ثمرة ولايته، فلما تملك الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀، أقره على ذلك، وطيب قلبه، فلما كان المصاف بين سنقر الأشقر والأمير علم الدين الحلبي، وانكسر سنقر الأشقر لحق بالرحبة، ومعه جماعة كبيرة من أعيان الأمراء والأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، فطلب منه تسليم القلعة، فجعل يخادعه، ويماطله، ويرسل في كل وقت الاقامات، وما يطلبه مما هو عنده، وهو في غضون ذلك يطالع الملك المنصور بأحواله، وأموره، ويرد عليه الأجوبة بما يعتمد، وأنه يسعى في افساد من عنده من الأمراء، واتصالهم ملاطفات ترد عليهم من الملك المنصور وأمانات، وهو يسعى في ذلك بتأني إلى أن حصل المقصود، وفارق سنقر الأشقر معظم من عنده من الأمراء، ووردت كتب الملك المنصور إلى الموفق يشكر سعيه، ويعده مواعيد جميلة، وأمره بطبلخاناة وغير ذلك، فلما حضر الملك المنصور إلى دمشق في هذه السنة سير الموفق يطلب الاذن في الحضور، فأذن له فحضر بتقدمه سنية وآماله تحدثه بنبيل نهاية مناه، فلما وصل أقبل عليه الملك المنصور، واتفق حضور تجار أخذوا في ذلك البر ووجدوا بعض قماشهم عنده، فشكوه، وعضدهم الأمير علم الدين الحلبي، فرسم

стр. 1452

عليه، وكان غاية الانعام عليه خلاصه من تبعتهم، فحصل له غم شديد، وتمرض بدمشق، ومات بها كمداً، ودفن بمقابر باب الصغير، وقد قارب سبعين سنة من العمر لم يستكملها، وكانت وفاته في أحد الربيعين من هذه السنة رحمه الله تعالى. سلامة بن سليمان بن سلامة بهاء الدين الرقى الشيخ العالم. كان فاضلاً في علم العربية والتصريف، اشتغل عليه جماعة كثيرة، وانتفعوا به، وكانت وفاته في العشر الأوسط من صفر بالمقس ظاهر القاهرة، ودفن هناك، وقد ناهز ثمانين سنة من العمر رحمه الله تعالى. سنقر بن عبد الله الأمير شمس الدين الألفي. كان من أعيان الأمراء الظاهرية، وممن له عنده مكانة مكينة، ومحل لطيف، وهو ممن ارتجع عن الملك المظفر سيف الدين قطز ﵀، وكان في بداية أمره أول دخوله البلاد قد اشتراه الشمس العذار، ثم باعه فتنقل عنه إلى أن اتصل بالملك المظفر قطز ﵀ وهو صغير السن، وكان الملك الظاهر يوليه الولايات الكبار، لكنه لم يكن يؤثر مفارقته، ولما افضت السلطنة إلى الملك السعيد ﵀، ومات الأمير بدر الدين الخزندار ﵀، وأمسك الأمير شمس الدين الفارقاني ﵀ على ما تقدم شرحه، رتب المذكور في نيابة السلطنة بالديار المصرية وسائر الممالك، وبقى على ذلك مدة، وكان حسن السيرة في مباشرته لذلك محبوباً إلى الجند والرعية، ثم استعفى فأعفى، ورتب عوضه الأمير سيف الدين كوندك، فكان ذهاب الدولة على يده، وكان شمس الدين هذا ديناً، عنده فضيلة

стр. 1453

ومعرفة بالأدب والكتابة، وتوفى معتقلاً بالاسكندرية، وقيل: بقلعة الجبل في هذه السنة، وله من العمر نحو من أربعين سنة رحمه الله تعالى. عبد الرحمن بن عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قدامة أبو محمد سبط الشيخ أبي عمر الزاهد. كان شيخاً جليلاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً، نير الوجه، ملحوظاً بالصلاح، مشهوراً بالعبادة والديانة، حضر على ابن خليل الرصافي، وسمع من ابن طبرزد، والكندى، وابن الحرستاني، والخضر ابن كامل، وداود بن ملاعب، وجماعة كثيرة، وأجاز له جماعة من العجم والعراق، منهم أبو جعفر الصيدلاني، وحدث بالكثير. مولده سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وتوفى يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى سنة ثمانين وست مائة، ودفن بسفح قاسيون ﵀. عبد العزيز بن الحسين بن الحسن أبو محمد مجد الدين الرازي عرف بابن الخليلي من ولد تميم الدارى الصحابي ﵁. كان رجلاً مباركاً كثير الدين والتعبد، وقصد المزارات، حسن الظن بالفقراء والصالحين، فيبرهم ويحسن إليهم ويخدمهم بنفسه، وله وجاهة في الدول وثروة، وعنده مكارم وحسن محاضرة بالكتابات والحكايات والنوادر، وعلى ذهنه من التواريخ وأيام الناس قطعة صالحة، ومولده سنة تسع وتسعين وخمس مائة بمصر، وتوفى ليلة الخميس ثالث عشر ربيع الآخر بدمشق، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون رحمه الله تعالى. الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عثمان بن القاسم بن جعفر

стр. 1454

أبو محمد اليونيني السيخ الصالح شيخ الاسلام وأسد الشام. أما مناقب أبيه وجده رحمهما الله فأشهر من أن تذكر، وأما هو فكان رجلاً كثير التعبد، سليم الصدر، لين الكلمة، متواضعاً خير حسن الملتقى، كريم الأخلاق، واسع الصدر، عنده احتمال كثير وصبر ومروءة غزيرة وشجاعة وإقدام، وحضر مصاف حمص بين المسلمين والتتر، وقاتل قتالاً شديداً، واستشهد فيه رحمه الله تعالى، ودفن بقرب مشهد خالد بن الوليد ﵁. مولده ظاهر بعلبك سنة أربع وست مائة. علي بن أحمد بن بدر أبو الحسن بن أبي القاسم ولي الدين الدين الشيخ الصالح الزاهد العابد الرباني العارف. أصله من بلد الجزيرة العمرية، اشتغل بالفقه في الموصل، ثم بحلب وبدمشق وبالديار المصرية، ثم أقبل على العبادة والتبتل لها، وبنى له معبد في جامع بيت لهيا من غوطة دمشق، وانقطع فيه سنين كثيرة وهو على قدم التوكل والتجرد من الدنيا، وللناس فيه عقيدة عظيمة، وتوفى إلى رحمة الله تعالى ورضوانه ليلة الخميس ثالث شوال بالمدرسة القيمرية الناصرية بدمشق، وقد نيف على خمسين سنة، ودفن يوم الخميس بعد الصلاة بجامع دمشق بسفح قاسيون بالقرب من مغارة الجوع، وهو كردي الأصل، قيل: أنه عباسي النسب لكنه لم يدع ذلك رحمه الله تعالى. علي بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذى الأمير مجير الدين ولد الملك الظاهر بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى. كان شاباً جميل الصوورة والأوصاف، تام الخلقة بارع الحسن،

стр. 1455

عنده عقل وسكون، ورياسة وكرم، وأخلاق ملوكية، ووالدته يومئذ زوجة الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، وكانت وفاته بالقاهرة فيشهر شوال، وله جنازة مشهودة لم يتخلف عنها من يعتبر حضوره، وحزن الناس كافة لفقده، وعمره يوم مات يقارب ستاً وعشرين سنة رحمه الله تعالى. علي بن محمود بن الحسن بن نبهان بن سيد بشير أبو الحسن علاء الدين اليشكري ثم الربعي. مولده في مستهل ذى القعدة سنة خمس وتسعين وخمس مائة، وتوفى يوم السبت سابع وعشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة بدمشق. وصلى عليه بجامعهما، ودفن بسفح قاسيون، وكانت له اليد الطولى في علم الفلك وتفرد بحل الأزياج، وعمل التقاويم، وغلب ذلك عليه مع فضيلته التامة في علم الأدب وجودة النظم وحسن الخط رحمه الله تعالى. قال المولى شهاب الدين محمود أنشدني علاء الدين المذكور لنفسه في مفتصد: لا تضع بالفصاد من دمك الطيب واستبقه فما ذاك رشد فهو إن حال ريقه كان خمرا ... وإذا جال في الخدود فورد قال وأنشدني لنفسه: إني أغار من النسيم إذا سرى ... بأريج عرفك خيفة من ناشق وأود لو سهدت جفوني في الكرى ... حذراً عليك من الخيال الطارق وله أيضاً يمدح الأمير مظفر الدين عثمان صاحب صهيون: ما لليلي ما له سحرا ... أتراهم فقدهم مقلتي سحروا غدروا ولا ذقت فقدهم ... فدموعي بعدهم عذروا

стр. 1456

همو أحبابي فديتهم ... وصلوا المشتاق أو هجروا لا أبالي مذ كلفت بهم ... عذل العذال أم غدروا وحفاظي والوفاء فما ... غيرته فيهم الغير طاعتي فرض لحكمهم ... إن نهوا في الحب أو أمروا حكموا في مهجتي فجنوا ... غير أني بت اعتذروا هكذا حكم الهوى فما ... لك في العشاق معتبر من عذيري من هوى قمر ... بات يحكي حسنه القمر ماس في برد الشباب كما ... ماس خوط البانة النضر ريقه ماء الحياة لمن ... ذاقه والشارب الخضر حربي إذ راح مبتسماً ... من عقيق حشوه درر وكحيل بات يفتك بي ... حين يرنو وهو منكسر ظالمي هجرانه فمتى ... بوصال منه انتصر أترى يحنو على دنف ... موارده السقم والسهر فإذا ما الشوق أقلقني ... واعتراني الوجد والفكر ليس لي غير الصبا رسل ... وهو لي من نحوه خبر فإذا أجذبت منتجعاً ... فندى عثمان والمطر فهو إن ضن الغمام على ... كل عاف بات ينهمر من يد تولى ندى وردى ... فلذ بها الأرى والصبر لأمير لا يساجله ... في الفخار البدو والحضر

стр. 1457

إن روى عن غيره خبر ... صح منه العين والأثر فالندى والعدل ما رويا ... عنه لا عمرو ولا عمر ليث غاب والفتى اجم ... بدر تم جوده بدر كسيا من نور وجنته ... النيران الشمس والقمر حار فكري فيه هل ملك ... ما أرى في الدست أم بشر صدق المداح فاتفق ... السائران الخبر والخبر فتحلت من فضائله ... بالصفات الكتب والسير جللا أعداء نعمته ... المزعجان الخوف والحذر أنفذا طوعاً أوامره ... الماضيان السيف والقدر وإذا ما هم أنجده ... السعدان النصر والظفر فهم شمس الجود لا أفلت ... وبنوه الأنجم الزهر كل فياض اليدين له ... في العلى التحجيل والغرر تحسد الأرض السماء بهم ... فتكاد السمت تنتثر فلديهم منك شنشنة ... ظهرت بالجود إذ ظهروا دوحة للمجد مورقة ... طاب منها الفرع والثمر ليس إلا بابكم وطن ... للندى وجودكم وطر أعين الحساد دونكم ... بضياء السعد تنحسر دمتم للدين فهو له ... بكم دون الورى وزر ما شدت ورقاء في فنن ... أو سرى برق له شرر

стр. 1458

وقال يمدح أيضاً: يا برق عج بالحمى واستخبر السبانا ... هل خيم الحي بالجرعاء أم بانا ويا نسيم الصبا عرج بحيهم ... واجرر على الربع أذيالاً وأردانا ثم ائتني بشذى من طينهم عبق ... يكون رياه لي روحاً وريحانا فبي تباريح وجد لو نقص على الواشي لرق لما ألقاه أولانا قلب تقسمه أيدي الجوى فرقاً ... ومدمع الأسى ينهل ألوانا وذات شجو عدت بالبان باكية ... مثلي واردفنا للدمع أجفانا وذات شجو دعوى الحب ما لبست ... طوقاً ولا رجعت في الدوح ألحانا أشكو إلى الله من بانوا بودهم ... عنى وإن أصبحوا بالسفح جيرانا كأنما كان طيفاً حسن عهدهم ... أو هاتفاً قولهم لا كان من خانا يا نافرين ولا والله ما ألفت ... روحي سواهم ولا أنست إنسانا خذوا بقية ما أفناه حبكم ... أو فارددوه علينا مثل ما كانا لا تحسبوا أن ما ظهرت من جلدي ... صبراً وأن الذي أظهرت سلوانا سلوا عن الدمع إذ يهمى ووجدي ... إذ ينمى وحبكم بالسقم عنوانا لا خير في العيش ما لم تسمحون به ... أو ترفقون بنا منا وإحسانا كم أكتم الناس أشجاني ويظهرها ... دمع يغادر سر الحب إعلانا وربما رمت أن أطفي بساجمة ... جمر الصبابة زاد القلب نيرانا ردوا علينا ليالينا بكاظمة ... يا حبذا هي أوطاراً وأوطانا

стр. 1459

إذ نجتني ثمرات العيش يانعة ... ندنو ونعطف غصن الوصل ريانا فغيرتنا الليالي في تلونها ... بنا وما زال هذا الدهر خوانا أخشى الزمان وأرجو في تقلبه ... مظفر الدين رب الجود عثمانا من بأسه يطرد اللاواء إن نزلت ... بنا ويصرف صرف الدهر إن آنا فذاك معتصم اللاجي ومفترح ... الراجي وحسبي بما يوليه برهانا يمنه نحو الأماني في ذرى ملك ... ومالك تلق من نعمان رضوانا محجب لم يحجب عنك نائله ... يوليك منا ولا يوليك منانا أجرى الندى بعد أن ملت مطامعنا ... من الكرام فأحياها وأحيانا المبتدى بالعطايا قبل مسألة ... ما أن يشوب بها مطلاً وليانا غيث إذا أخلف العيث الشحوح همت ... يمناه جوداً على العارفين هنانا ما إن يخف له حلم يزينه ... ولو وزنت به رضوى وثهلانا مهابة تذر الأكباد راجفة ... رعباً وتذهل ألباناً وأذهانا خلائق كالصبا هبت معطرة ... فأرجت بشذاها الرند والبانا ورأفة تمنح الجاني وإن عظمت ... منه جنايته عفواً وغفرانا قد رام من رتب العلياء منزلة ... غدت تريك حضيضاً أوج كيوانا هيهات يدرك من رام اللحاق به ... شأواً وقد جعل العلياء ميدانا راموا مداه وما نالوا لأنهم ... ناموا عن المجد لما بات يقظانا

стр. 1460

مطعام جدب ومطعان بيوم وغى ... حبذا هو مطعاماً ومطعانا كالسيل مدفقاً والسيف منصلتاً ... والغيث منسجماً والليث غضبانا ورب يوم وغى كالليل عنترة ... تريك أنجمه في النقع خرصانا أضحت كؤوس المنايا فينه دائرة ... فكم بها من كمى راح نشوانا ترى النفوس رخاصاً في تلاحمها ... وربما قد علت في السلم إثمانا وافى به أسد للحرب متخذ ... من الذوابل لا للخوف خفانا أبدى البديع ولا بدع كسلوته ... فيهم ففارقت الأرواح أبدانا راح ينثرهم بالضرب آونة ... بأساً وينظمهم بالطعن أحيانا في فتية قد غذوا محصن الندى وسقوا ... من المكارم والعلياء البانا وهذبته على فضل خلائقه ... حتى اغتدوا في اكتساب المجد أعوانا قوم إذا سمعوا صوت الصريخ بهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا مظفر الدين كم ظفرت ذا أمل ... فرداً فعاد عزيزاً بعد ما هانا تكفي العفاة لدى ناديك إذ نزلوا ... سعداً ونزعوا قلاص الركب سعدانا أرى مديح سوى عليك مختلفاً ... ميناً ومدحك لي أمناً وإيمانا وقال أيضاً رحمه الله تعالى: أحن شوقاً والنياق رزم ... لها من الوجد لسان أعجم حنينها ترجم عن غرامها ... وعبرتي عن لوعتي تترجم دعها تبيد البيدا عناقاً فقد ... لاح لها من الغوير علم

стр. 1461

وقد عداها طربي فأصبحت ... بنجد إن عن البريق المتهم ريح الصبا إذا تحياني إلى ... حمى على ما التقيت خيموا من كل بيضاء إذا ما نظرت ... كانت لها البيض الرقاق خدم واسمر إذا بدا قوامه ... يحار منه الأسمر المقوم كم من بها في تلك الخيام غارم ... وكم بذياك الغزال مغرم وبي هوى من لو بدا جماله ... قال الأنام ملك لا صنم يميل عطفيه الدلال مثل ما ... يميل غصن البانة المقوم لا تعجبوا إني سليم حبه ... وقد بدا في الخد منه أرقم يا عاذلي في حبه جهالة ... في أذني عما تقول صمم دعه على ضعفي به تعمدا ... فإنه في مهجتي محكم إن كان قتلي في الهوى مراده ... فإنني لأمره مستسلم أو كان دهر قد طغا فرعونه ... فإن موسى الملك المعظم وقال أيضاً: ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمى قارض وقد بهتوا لما رأوني شاحباً ... وقالوا به عين فقلت وعارض عمر بن عبد الوهاب بن خلف بن أبي القاسم أبو حفص صدر الدين عرف والده قاضي القضاة تاج الدين بابن بنت الأعز العلامي المصري الشافعي. تولى الحكم بالديار المصرية في سنة ثمان وسبعين وست مائة، وعزل

стр. 1462

في أواخر شهر رمضان سنة تسع وسبعين، وبقى بطالاً إلى حين وفاته، وكان فاضلاً عارفاً بالمذهب، يسلك طريقة والده في الصلابة في الأحكام، وتحرى الحق وأتباعه، ودرس بالمدرسة الصالحية بين القصرين بالقاهرة للطائفة الشافعية، وأفتى وسمع الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، وأبا الحسين محمد بن علي المقرئ، وأبا الكرم لاحق الاتارحي، وغيرهم، وحدث. ومولده في سنة خمس وعشرين وست مائة بالقاهرة، وكانت وفاته بها يوم الخميس عاشر المحرم، ودفن بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى. عمر بن مظفر جمال الدين الهكارى الحاجب. كان من أعيان مفاردة الحلقة بدمشق وأكابرهم كثير الديانة، والمروءة، والشجاعة، ومكارم الأخلاق، والترصد لقضاء حوائج الناس، والمثابرة على راحتهم، والبر بالفقراء والضعفاء، وحسن الظن بالصلحاء، مشكور السيرة، محمود الطريقة، سديد الأفعال والأقوال، ختم الله أفعاله بالشهادة، فقتل في المصاف بسيوف التتار في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب ظاهر حمص، وقد نيف على الخمسين سنة رحمه الله تعالى. القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد التميمي الدارمى البصراوي الحنفي أبو محمد صفي الدين. كان من أعيان فقهاء الحنفية، ودرس بالمدرسة الأمينية ببصرى سنين متطاولة إلى حين وفاته، وكان فاضلاً، فيه مكارم ورياسة، ومولده ليلة السبت منتصف شعبان سنة ثمان وست مائة ببصرى، ودفن بها.

стр. 1463

القاسم بن أبي بكر بن القاسم الاربلي التاجر المنعوت بأمين الدين المعروف بالمقرئ. مولده سنة أربع وتسعين وخمس مائة باربل، وكان من أعيان التجار، وتردد إلى الديار المصرية وبلاد العجم مراراً، وانتهى إلى خوارزم، وسمع صحيح مسلم على المؤيد بن محمد بن علي الطوسي بنيسابور، وتوفى بالمدرسة العادلية الكبيرة بدمشق يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى، ودفن بمقابر الصوفية ظاهر دمشق، وكان قد رق حاله، وقل ما بيده رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد بن مكتوم أبو عبد الله شمس الدين البعلبكي المعروف بابن أبي الحسين رحمه الله تعالى. كان فاضلاً مشاركاً في علوم كثيرة، مستقلاً بعلم الأدب والنظم، وحفظ القرآن العزيز، وأتقنه واشتغل بالفقه على مذهب الامام الشافعي رحمة الله عليه، وكان أولاً حنبلي المذهب ثم صار شافعياً وحفظ التنبيه، وكان معيداً بمدرسة أمين الدولة على بن العقيب ﵀ بجامع بعلبك، وحفظ المقامات الحريرية، وأتقنها دراية، وكان يحفظ من الأشعار شيئاً كثيراً، وعلى ذهنه قطعة صالحة من التاريخ وأيام الناس، وأما حسن محاضرته، ودماثة أخلاقه، وشرف نفسه، وكثرة قنعه، فقل من يضاهيه فيه، وكان ﵀ كثير الملازمة لي، لا يكاد يفارقني ليلاً ولا نهاراً إلا في النادر، وإذا عرض لي سفر صحبني فيه، فلما كان المصاف ظاهر حمص بين الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ وبين التتار في شهر رجب هذه السنة، توجهت لحضوره، وهو صحبتي فاستشهد إلى رحمة الله تعالى في ذلك اليوم، وهو يوم الخميس

стр. 1464

رابع عشر رجب، ولم يستكمل أربعين سنة من العمر. وله أشعار كثيرة فمن ذلك قصيدة كتبها في صدر كتاب وأنا بدمشق، أولها: رام أن يترك الهوى فبدا له ... فرأى حسن وجهه فبدا له كلما لمته على الجهل يزداد ضلالاً فخله والجهالة كيف يرجى الشفاء وما لصب ... لم يخلى السقام إلا خياله ناقص صبره كثير بكاءه ... لو رآه عدوه لرثى له دنف ظل مستهاماً ببدر ... عمه الوجد حين عاين خاله فاتر الطرف فاتن الوصف ألمى ... يفضح البدر حسنه والغزاله يخجل الأسمر المثقف إن رأى ... حسن قده واعتداله ويغير الغصن المهفهف ليناً ... كلما راح ينثني في الغلاله يتجنى تدللاً صانه الله ... فما أحلاه وأحلى دلاله قلت لما عاينته يا منى النفس إلى كم هذا الجفا والملاله أي يوم أنال منك به الوصل فولى وقال لي لن تناله أنا صب به وإن حال عني ... وعبيد له على كل حاله فاق كل الورى جمالاً وحسناً ... ضاعف الله حسنه وجماله وقال أيضاً رحمه الله تعالى: فديتك لا تعجب لطرفك إن كبا ... وخامره ضعف وليس له ذنب ومن فوقه طود وبحر سماحة ... ويعقل عن شامخ كيف لا يكبو

стр. 1465

محمد بن أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي أبو بكر نجم الدين الثعلبي الشافعي ابن قاضي القضاة صدر الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين بن أبي البركات المعروف بابن سنى الدولة. كان فقيهاً عارفاً بمذهب الشافعي رحمة الله عليه عالماً بأصوله وفروعه، متبحراً فيه، ناب عن والده بدمشق سنين كثيرة، وكان شديداً في أحكامه، يتحرى الحق ويقوم به، وشكرت سيرته في ذلك، ثم ولى في أول الدولة المظفرية، وهو بالديار المصرية، وقدم دمشق بعد سفر الملك المظفر قطز ﵀ منها، وباشر الأحكام بها قريب سنة واحدة، ثم صرف، ورسم له بالتوجه إلى الديار المصرية، فتوجه إليها، وأقام بها سنين عديدة، وتولى بها تدريس الزاوية التي كان الشافعي رحمة الله عليه يذكر بها الدرس بجامع عمرو بن العاص ﵁ بمصر، وحصل له نكد كثير، ومصادرات استوعبت معظم ما يملكه، ثم قدم الشام وباشر به تدريس المدرسة الأمينية بدمشق مدة، ثم ولى قضاء القضاة بحلب وأعمالها يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وست مائة، فتوجه إليها، وأقام بها مدة يسيرة، ثم عاد إلى دمشق، وقارن ذلك كسرة سنقر الأشقر. وصرف الأمير علم الدين الحلبي قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ فرسم له بمباشرة الحكم، فباشر مدة أيام دون شهر، ثم أعيد قاضي القضاة شمس الدين، ونفى القاضي نجم الدين مقتصراً على تدريس الأمينية بدمشق، وكان معه تدريس الركنية أيضاً إلى أن توفى

стр. 1466

إلى رحمة الله بجبل الصالحية في يوم الثلاثاء ثامن المحرم. ودفن يوم الأربعاء بسفح قاسيون بعد الصلاة عليه بالجامع المظفري بالجبل في التربة المعروفة بجده جوار المدرسة الصاحبية، ومولده سنة ست عشرة وست مائة رحمه الله تعالى. محمد بن الحسين أبو عبد الله تقي الدين الحموي الشافعي. كان فقيهاً إماماً عالماً عارفاً بمذهب الشافعي رحمة الله عليه، اشتغل على الشيخ تقي الدين عثمان ابن الصلاح، وتميز في حياته، وأفتى ودرس وتولى وكالة بيت المال بالشام في الأيام الناصرية، وتدريس الشامية البرانية ظاهر دمشق وغير ذلك، ثم سافر إلى الديار المصرية في حفل التتار سنة ثمان وخمسين وست مائة، واستوطنها، وتولى بها جهات جليلة دينية من تدريس، وكا جرى مجراه، ثم ولى الحكم بالقاهرة وأعمالها، ثم أضيف إليه مع ذلك في شهور سنة ست وسبعين مصر وأعمالها، فكمل له ولاية الاقليم، وولى تدريس الشافعي رحمة الله عليه مدة، وتدريس المدرسة الصالحية للطائفة الشافعية مدة أخرى، وتولى تدريس الظاهرية التي بين القصرين أيضاً، وتوفى بالقاهرة يوم الأحد ثالث شهر رجب من هذه السنة، ودفن بالقرافة الصغرى، ومولده سادس شعبان سنة ثلاث وست مائة رحمه الله تعالى. روى عن السخاوي، وكريمة، وابن الصلاح، والصريفيني وغيرهم، وحدث ﵀.

стр. 1467

محمد بن علي بن علون المنعوت بالشمس المزى مفسر الرؤيا. حفظ الكتاب العزيز وأتقنه، واشتغل بشيء من الفقه، وسمع الحديث، وتفرد بعلم تعبير الرؤيا، وبهر فيه، وفاق أهل عصره في ذلك، صحبته في طريق الحجاز الشريف، ورأيت منه في ذلك ما يحكى عن ابن سيرين واضرابه، وكان ضرير البصر، وتوفى بدمشق ليلة الأحد سابع عشر ذى الحجة، ودفن يوم الأحد بمقابر باب الصغير، وقد ناهز خمسين سنة رحمه الله تعالى. محمد بن علي بن محمود أبو عبد الله جمال الدين المحمودي الصابوني الدمشقي المحدث. سمع الكثير وأسمع، وأفاد، وانتفع الناس به، وكان فاضلاً في فنه، نبيهاً عارفاً بالشيوخ، وتولى دار الحديث النورية بدمشق، وبها مات في ليلة الخميس خامس عشر ذى القعدة، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون، ومولده منتصف رمضان المعظم سنة أربع وست مائة رحمه الله تعالى. المسلم بن محمد بن المسلم بن مكي بن خلف بن المسلم بن أحمد بن محمد بن علان أبو محمد شمس الدين القيسي الدمشقي. أحد أعيان دمشق، وكبرائها وأرباب البيوت المشهورة بها، كان من كرماء الناس، رئيساً، أصيلاً، وجيهاً في الدول وما أضيف إلى ذلك مدة، ونظر الجهات القبلية مدة أخرى، ونظر بعلبك وأعمالها غير مرة، وانفصل في آخر ذلك عنها، وترك الخدمة، وأقام بدمشق، ورتب بدار الأشرفية سمعاً للحديث، ولازمه الطلبة

стр. 1468

يسمعون عليه في منزله، وفي دار الحديث وغيرها؛ وكان له مسموعات كثيرة بسند عليه، وروى تاريخ بغداد عن الشيخ تاج الدين الكندي، وروى مسند الامام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وسمعه منه جماعة كثيرة. مولده بدمشق ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وخمس مائة، وتوفى بدمشق في يوم الاثنين خامس عشرين ذى الحجة من هذه السنة، وصلى عليه بعد العصر بجامع دمشق، ودفن من يومه بسفح قاسيون رحمه الله تعالى. حكى لي الشمس محمد بن خالد ﵀ قال: كنت بدمشق في عيد النحر، ومعي جماعة من بعلبك فوق العشرة، فصلينا في صحن جامع دمشق، فلما قضينا الصلاة صادفنا شمس الدين المذكور، فدعانا إلى منزله، فلما حضرنا منزله، وجدنا من الأطعمة الفاخرة والحلوى ما لا مزيد عليه، فلما فرغنا من الأكل أمر بإحضار غنم على عددنا فأحضرت وقال: تضحوا على هذه، فامتنعنا فحلف أنه لابد من أخذها، فسقناها إلى المكان الذي كنا به وتصرفنا فيها. وحكى لي ناصر الدين بن قرقين ﵀ ما معناه أنه اشترى تبن بعض القرى الكبار، وأظنها عذراء بمبلغ عشرين ألف درهم، وكان في مشتراه غبطة ظاهرة قال: ولم يكن معي من الثمن إلا مقدار يسير جداً، فصادفته في الطريق، فتسالمنا وسألني عن قصدي، فحكيت له الصورة، وأنني أسعى إلى من أستدين منه ذلك، فأخذني إلى داره، وأعطاني المبلغ بكماله، وتوقف بيعه، وهو يلقاني ولا يذكر الدراهم، فشرعت له مرة في الاعتذار من التأخير فقال: والله!

стр. 1469

ما لي عزم أن آخذها بالكلية، واتفق بيع التبن، وكسبت فيه أكثر من مقدار ثمنه، وأحضرت له الدراهم فامتنع من أخذها فحلفت بمغالظات الأيمان أنه لا بد من أخذها فأخذها، وهو كاره ﵀. وسافرت مع أخي ﵀ إلى الديار المصرية في سنة تسع وخمسين وست مائة، فاجتزنا بغزة في شهر رمضان المعظم، وهو ناظر تلك الأعمال، وكنت أنا مفطر لرخصة السفر، ونزلنا عنده أياماً فكان في كل نهار يتقدم إلى طباخه أن يطبخ في النهار طعاماً لأجلي، فكان يطبخ من الألوان الفاخرة ما يكفي جماعة كثيرة، وكنت أسأله اختصار ذلك فيأبى إلا كرماً وتفضلاً ﵀. ونسخ في آخر عمره من كتب الأحاديث الشريفة النبوية صلوات الله وسلامه على قائلها وغير ذلك شيئاً كثيراً، وكان يكتب في يومه الكراستين والثلاثة، وكان ينظم الشعر. وليس بذاك. فمن شعره ما نقلته من خط سبطه قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن محمد بن سالم ابن صصرى الثعلبي أيده الله تعالى. قال: أنشدني جدي يشير إليه ﵀ لنفسه: يا شامتاً بمصاب من هو ضده ... كأس الردى من بعده هو عنده لا تشمتن فقد مضى لسبيله ... وبقيت أنت تخافه وتعده قال وأنشدني لنفسه، وقد سافر في شهر رمضان وكان زمن الخريف: قالوا أتى شهر الصيام فصمه تنج من العقاب

стр. 1470

فأجبتهم قد صمته ... فوقعت في وسط العذاب هذا وهو في زمن الخريف فكيف لو في شهر آب قال وأنشدني لنفسه أيضاً: خان دهري عند احتياجي إليه ... وجفاني من كنت أحنو عليه ناظري ثم عقلي وفؤادي ... وكذا خلى الذي اعتمادي عليه أذكر الشيء ثم أنسى لوقتي ... ما تذكرته وما أرتجيه قد تجاوزت تسعة ثم سبعين ولم أرعوى لما أنا فيه فالاله الكريم يعفو عني ... من ذنوب أسلفت بين يديه لا تضره الذنوب مني ولا ... ينقصه العفو إذا تبت إليه قال وأنشدني أيضاً لنفسه: يا مليح القد والوجه الحسن ... بان لما بنت عن جفني الوسن صل محباً مستهاماً مغرماً ... حائراً يسأل سكان الدمن هل أهيل الحي أنا ارتحلوا ... ففؤادي بهواهم مرتهن ليت دهراً جار في فرقتهم ... عادلاً بالوصل يوماً في الزمن يا أصحابي أعينوني على ... صرف الأيام تقضت في المحن مازجت روحي غادة فاغتدى ... حبه يا صاح روحاً للبدن ليس لي عنهم خروج أبداً ... لا ولا أدرجت في طي الكفن موسى بن داود بن شيركوه بن شاذى أبو الفتح الملك الأشرف

стр. 1471

مظفر الدين بن الملك الزاهر محي الدين بن الملك المجاهد أسد الدين. كان شاباً حسناً بهياً، جميل الصورة، واسع الصدر، كريم الأخلاق، حسن العشرة، لين الجانب، شديد الحب للفقراء، كثير الاحسان إليهم بنفسه وماله، وكان عنده رياسة وحشمة، وأخلاق ملوكية، وأمه بنت الملك العظيم شرف الدين عيسى بن الملك العادل، واقتبس هذه الصفات الجميلة منها، ولما توفى حزن عليه والده حزناً مفرطاً، وكانت وفاته يوم السبت العشرين من ذى القعدة، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون ﵀ وخلف ولداً ذكراً، وكان يعاشره المولى علاء الدين بن غانم حرسه الله تعالى فرثاه، يقول: لو أستطيع قضيت حقك منصفاً ... وقضيت لما أن قضيت تأسفاً ولو أن في إتلاف روحي فدية ... نفديك كنت لها بودي متلفا بالرغم من أن أراك محجباً ... في الترب والفى جنابك قد عفا من للعفاة وقد تقلص عنهم ... ظل النوال وطالما بك قد صفا من للملوك ولم يزل بك مجدهم ... في العالمين مؤثلاً ومشرفا من للعدى يوم الجلاد ولم تزل ... تروى المثقف منهم والمرهفا كم من عدو من سطاك قد اغتدى ... في ليله ونهاره متخوفا يخشاك في اليقظات منه وفي الكرى ... فإذا انتبه رعته وإذا غفا ما عم رزؤ مثل رزءك قادح ... أضحى به كل الأنام على شفا لا الدمع غار والتصبر منصف ... أسفاً عليك ولا التجلد لي وفا

стр. 1472

يا دهر كف فقد كفى ما قد جرى ... ما أدمعي ولقد جرى ما قد كفى لم يبق في قوس الرزايا منزعا ... من ذا تركت وقد أصبت الأشرفا ملكاً كان على الأنام فضائلا ... وفواضلا وتورعاً وتعففا من سادة ورثوا المكارم كابرا ... عن كابر لم يخف منها ما خفا ما زال ربعهم مآل مؤمل ... ومآل من وفاهم مستسعفا كل تفرد بالمعالي منهم ... كلفا يرى بالمجد لا متكلفا فالحلم منهم يهتدي والفضل منهم يقتدي والهدى منهم يعتفى أبني المجاهد لا رأيتم بعدها ... خطبا تجوز ولا زماناً محجفا لا تجزعوا وتثبتوا وتصبروا ... فلكم تأس بالنبي المصطفى رحم الإله فقيدهم واحله ... الفردوس منه تحية وتعطفا وكان يصحبه المولى شهاب الدين أحمد بن غانم أعزه الله تعالى فرثاه بقوله: قد بنت بيناً لا لقاء بعده ... يا نائنا لو أن دنا مزاره يا وارداً بالرغم مني مورداً ... عز على كل الورى اصداره فالأرض قد أوحشها وأهلها ... كأنها جميعها دياره فكل قلب بعده من جزع ... لفقده خفوقه شعاره وكل طرف قد غدا من دمعه ... أنهاره وليله ونهاره يا غصن لما تثنى ما يشا ... ء أتاه عند زهوره انكساره

стр. 1473

بكلى الحيا عليك والبرق غدت ... مشقوقة من الأسى أطماره ومزقت ريح الصبا جيوبها ... والجو من دموعه أمطاره وانشق قلب الأرض يوم دفنه ... وانصدعت من حزنه أعشاره أعزز على أن أراك ثاوياً ... ببطن لحد نصبت أحجاره لو كنت تفدى لفداك ناظري ... بكل ما يروقه ادخاره أو كان يعني المدمع عنك لارتوى ... من كل مذروب الظبا غراره أما وقد فارقت دار محنة ... وزمناً لم تصفه أكداره وصرت جار الله والجار له ... رعاية أوجبها جواره فلا عدا قبرك صوب رحمة ... وجاده من الرضى مدراره هبة الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن جرير لأيو محمد نفيس الدين الحارثي الشافعي قاضي الزبداني. كان صدراً، رئيساً، عالماً، فاضلاً، كثير الكرم، واسع الصدر، دمث الأخلاق، له وجاهة عند الخاص والعام، وحرمة وافرة عند أرباب الدول، وكان يختار الزبداني لكونها وطنه، وله بها ملك يعود نفعه إليه. ولما توفى القاضي صدر الدين عبد الرحيم قاضي بعلبك ﵀ عرضت عليه بعلبك ويترك الزبداني فأبى وامتنع، وبالجملة فكان من حسنات الزمان مع وفور الديانة والتقوى، وتوفى ليلة الخميس تاسع صفر بدمشق فجاءة، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون، وقد نيف على سبعين سنة رحمه الله تعالى. حكى عنه ما معناه أنه احتاج إلى ثمان مائة درهم في أوائل فصل الشتاء، وكان له بالزبداني بستان، عادته أن

стр. 1474

يبيع ثمره في السنة بمبلغ ألف درهم أو ما يقاربها، فطلب بعض أهل الزبداني، وقال له: قد احتجت إلى ثمان مائة درهم تعطيني إياها، وهذا البستان ثمرته في هذه السنة لك، فأعطاه المبلغ؛ واتفق أن بساتين الزبداني ضعفت في تلك السنة سوى أماكن يسيرة من جملتها ذلك البستان، فلما أدرك مغله، حرص من دفع ثمرته ثلاثة آلاف درهم، فقال القاضي: ثمرته لفلان، وأما الشخص فإنه يئس منه لعلمه بفساد البيع، وأن ما قاله القاضي له لا يلزمه الوفاء به، وقنع بعود الدراهم إليه فحضر إلى القاضي وخاطبه في ذلك، فقال: البستان ثمرته لك كما وعدتك، بل لو صقع أعدت إليه دراهيمك فحرض به كل الحرض على أن يعطيه الدراهم ويتصرف في البستان، فأبى ذلك، فأباع ذلك البستان بما ينيف عن ثلاثة آلاف درهم وأخذها. فانظر إلى هذه النفس الشريفة واحتقارها للدنيا فرحمه الله ورضى عنه. ولقد أذكر في ذلك شيئاً وقع وهو أن بعض من ولى القضاء ببعلبك طلب خبازاً في فرن المدرسة النورية بها، وقال له: قد أستحق لي جراية شهر تشتريها وتقبضها من القلعة وفاصلها عليها بمبلغ ثلاثين درهماً، وقبضها منه، وطلع الخباز إلى القلعة وتسلمها، فوجدها رديئة لا توافقها فباعها في العرضة بثلاثة وثلاثين درهماً، وبلغ القاضي فطلبه وقال له: البيع لم يصح، فإني ما رأيت القمح؛ وأخذ منه الثلاثة الدراهم، فانظر إلى ما بين الرجلين رحمهما الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.

стр. 1475

يحيى بن عبد المنعم أبو زكريا جمال الدين الفقيه الشافعي المصري المعروف بقاضي الغربية. ناب في الحكم بمصر سنين عديدة، وتولى التدريس بمشهد الحسن ﵁ بالقاهرة سنين كثيرة، وكان من أعيان القدماء الفقهاء المكثرين من النقل، المحققين في المذهب، ولم يزل محمود السيرة، وتوفى بمصر يوم الأحد عاشر شهر رجب، ودفن بإحدى القرافتين، وقد ناهز ثمانين سنة رحمه الله تعالى. يحيى بن محمد بن إسماعيل أبو زكريا تاج الدين الكردي الاربلي الشافعي. كان فقيهاً فاضلاً ديناً، باشر الحكم ببلاطنس وحمص وبعلبك وغيرها من البلاد، وناب في الحكم بدمشق مدة عن القاضي عز الدين محمد بن الصائغ ﵀، ثم ولى القضاء بحلب وأعمالها بتقليد سلطاني في أوائل هذه السنة، وتوجه إليها وباشر أحكامها مدة شهرين فلما جفل الناس من حلب، انتزح إلى حمص، وخرج يوم الخميس بكرة النهار من البلد للاجتماع بالقاضي عز الدين محمد بن الصائغ بمشهد خالد بن الوليد ﵁، والتحم القتال وهو هناك، فقتل يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، وقد نيف على الستين من العمر، ودفن بمقابر حمص جوار مشهد خالد بن الوليد ﵁ ورحمة الله تعالى. يوسف بن إبراهيم بن قريش أبو المحاسن شمس الدين المصري. أحد كتاب الدرج بالديار المصرية وهو من قدمائهم، كتب للملك الصالح نجم الدين فمن بعده من الملوك، وكان وافر الرحمة كثير النعمة، وله صلة
следующие страницы →