← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وصورهم جميلة وعليهم ثياب حسنة وصفاً عن يساري وصورهم قبيحة فيهم أبدان بلا رؤوس وهؤلاء يطلبوني وهؤلاء يطلبوني وأنا أريد أن أروح إلى أهل اليمين وكلما قال لي أهل الشمال مقالتهم قلت ما أجيئ إليكم خلوني من أيديكم ثم أغفى إغفاءة ثم استيقظ وقال الحمد لله خلصت منهم وكانت وفاته رحمه الله تعالى صباح تلك الليلة وهي ليلة السبت السادس والعشرين من جمادى الأولى هذه السنة وعمره نحو ثلاث وخمسين وقد استولى عليه الشيب استيلاء كثيرا وفي صبيحة موته جاء الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ في أقاربه وعساكره إلى البويضاء وأظهر التأسف والحزن عليه ورأى على بعض أقاربه ملبوسا ملونا فأنكر عليه ذلك غاية الإنكار وقال هذا يوم تلبس فيه هذه الثياب وقد مات كبيرنا وشيخنا وأجلنا قدرا ومكانة ثم حمل إلى الصالحية فدفن هناك في تربة والده الملك المعظم رحمهما الله تعالى وكانت والدة الملك الناصر داود رحمه الله تعالى أم ولد خوارزميه وعمرت بعد وفاته دهراً حكى لي عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ ما معناه أنه قال خرج الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ إلى البويضاء؟ لشهود جنازة الملك الناصر داود ﵀ وكنت في من خرج في خدمته فلما وصل السلطان خرجت والدة الملك الناصر داود حاسرة وقالت اشتفيت بولدي أو هذا معناه من كلام النساء في حال الحزن وسفههن فقال الملك الناصر يا مرة مسلمة والله لقد عز علي فقده وتألمت لوفاته وهو ابن عمي وقطعة من لحمي فكيف

стр. 177

تقولين هذا القول ثم قعد وتأسف عليه وبكى ولم يتأثر لمقالها وعذرها لما نزل بها ولم يحضر أحد من أعيان الدمشقيين سوى قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سني الدولة وولده القاضي نجم الدين رحمهم الله تعالى لا غير فالتفت السلطان إلى القاضي صدر الدين وقال ما أقل وفائكم يا دمشقيين يموت مثل الملك الناصر وهو سلطانكم وأبوه سلطانكم وجده سلطانكم وما يخرج أحد إلا أنت وولدك والله كان الواجب على أهل دمشق أن يكونوا من المدينة إلى هنا مكشفي الرؤوس يندبونه ويبكون عليه وشرع في توبيخ الدمشقيين ولومهم على ذلك بما هذا معناه وكان في الملك الناصر داود ﵀ فضيلة وبقية في الآداب والعلوم ومحبة في العلماء فإذا اعتبرت ألفاظها كانت دراً منظوماً وإن اختبرت معانيها كانت رحيقاً مختوماً جلت بعلوها عن المعاني المطروقة والألفاظ المسروقة ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة فلو وجدها بان المعتز لاجرى زورقة الفضة في نهرها وألقى حمولة العنبر في بحرها وألقى تشبيهاته باسرها في أسرها ولو لقيها ابن حمدان لاعتم في موسى الغمام وانبرى بري السهام وتغطى من أذبال الغلائل المصبغة بذيل الظلام ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة وكرته خاسرة وأيقن أن وحوشه غير مكسورة وعقابه غير كاسرة فأين الجزع الذي لم يثقب من الذي قد تنظم وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة ويشفي القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة. الدمشقيين سوى قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سني الدولة وولده القاضي نجم الدين رحمهم الله تعالى لا غير فالتفت السلطان إلى القاضي صدر الدين وقال ما أقل وفائكم يا دمشقيين يموت مثل الملك الناصر وهو سلطانكم وأبوه سلطانكم وجده سلطانكم وما يخرج أحد إلا أنت وولدك والله كان الواجب على أهل دمشق أن يكونوا من المدينة إلى هنا مكشفي الرؤوس يندبونه ويبكون عليه وشرع في توبيخ الدمشقيين ولومهم على ذلك بما هذا معناه وكان في الملك الناصر داود ﵀ فضيلة وبقية في الآداب والعلوم ومحبة في العلماء فإذا اعتبرت ألفاظها كانت دراً منظوماً وإن اختبرت معانيها كانت رحيقاً مختوماً جلت بعلوها عن المعاني المطروقة والألفاظ المسروقة ودلت بعلوها على أنها من نظم الملوك لا السوقة فلو وجدها بان المعتز لاجرى زورقة الفضة في نهرها وألقى حمولة العنبر في بحرها وألقى تشبيهاته باسرها في أسرها ولو لقيها ابن حمدان لاعتم في موسى الغمام وانبرى بري السهام وتغطى من أذبال الغلائل المصبغة بذيل الظلام ولو سمعها امرؤ القيس لعلم أن فكرته قاصرة وكرته خاسرة وأيقن أن وحوشه غير مكسورة وعقابه غير كاسرة فأين الجزع الذي لم يثقب من الذي قد تنظم وأين ذلك الحشف البالي من هذا الشرف العالي فالله يكفي الخاطر الذي سمح بها عين الكمال الشحيحة ويشفي

стр. 178

القلوب العليلة بأدوية هذه الأنفاس الصحيحة. قلت كان فخر القضاة صاحب هذا الكلام من أعيان الفضلاء مستقلاً بالعلم والأدب والترسل وله النظم الحسن ومشاركة في كثير من العلوم مع ما عنده من الرياسة والمكارم وحسن العشرة ودماثة الأخلاق خدم الملك المعظم ابن الملك العادل ثم ولده الملك الناصر المذكور ووزر له وترسل عنه إلى دار الخلافة وإلى جماعة من الملوك بالديار المصرية وغيرها من البلاد وسمع وحدث وجالس المشايخ والعلماء واعترفوا بغزارة علمه وكثرة فضله وتوفي في منزله بسفح قاسيون ظاهر دمشق يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة سنة خمس وستمائة ودفن هناك ﵀ وأظنه قد نيف على الستين. ومن كلامه: قتيل الجفون الفواتر في سبيل حبه كقتيل السيوف البواتر في سبيل ربه إلا أن هذا يغسل بدموعه وهذا يزمل بنجيعه وهذا في حال حياته حتى يرمق وهذا في مماته حتى يرزق وقد الّم ابن الأثير الجزري بهذا المعنى فقال: دمع المحب ودمع القتيل متساويان، في التشبيه والتمثيل إلا أن بينهما بوناً، لأنهما يخلفان لوناً. ولفخر القضاة: له الراية السوداء يشرق نورها ... وتكحل عين النصر منها بأثمد وله في الملك المعظم عيسى بن العادل: غبت عن القدس فأوحشته ... وقد غدا باسمك مأنوسا

стр. 179

فكيف لا تلحقه وحشة ... وأنت روح القدس يا عيسى وله أيضاً: لقد عدم الفضل والمفضلون ... وأمسى مريدهما مستريحا فلا شاعر يستحق النوال ... ولا باذل يستحق المديحا وقال ملغزاً في الرمح: ولي صاحب قد كمل الله خلقه ... فليس به نقص يعاب فيذكر عصي صقيل إن أطيل عنانه ... مطيع خفيف الكل حين يقصر يسابقني يوم النزال إلى العدى ... فإن لم أؤخره فما يتأخر ويؤمن منه الشر ما دام قائماً ... ولكن إذا ما نام يخشى ويحذر أنال به في الروع مهما اعتقلته ... مراما إذا أطلقته يتعذر تعدى إلى أعدائه متنصلاً ... إليهم وما أبدى اعتذارا فيعذر ترى منه دمياً إلى الخط ينتمي ... ومغرى بغزو الروم وهو مزنر عجبت له من صامت وهو أجوف ... ومن مستطيل الشكل وهو مدور ومن طاعن في السن ليس بمنحنى ... ومن أرعن مذ عاش وهو موقر ففكر إذا ما رمت إفشاء سره ... فها أنا قد أظهرته وهو مضمر وكتب إلى شمس الدين بن النعماني كاتب الجيوش ببغداد لغزا في جميل: ولي صاحب مازال يحسن صحبتي ... وليس له في المخبتين عديل

стр. 180

تساوى اسمه بين الأنام وفعله ... فكل إذا فكرت فيه جميل متى تلقى حرفاً أولاً تلقه ... منيعاً يرد الطرف وهو كليل وإن تلقى منه ثانياً فهو أمة ... مقيم يقضي عمرها ويزول وإن تلق منك ثالثاً فهو صابر ... لما لد من ثقل الرجال حمول وإن تلق منه رابعاُ فارتحل إذا ... تصحف عنه ليس فيه نزول وقد رضته حتى طفا وهو راسب ... بلحج وغصّ فالبحر منه طويل فأجابه ابن النعماني والغز في اسم سعيد: أمولاي يا من فضله وبيانه ... وصاحبه كل يقال جميل ومن حاز أفكار المعاني وفضله ... لسودده بالمكرمات كفيل إنا ذلك المومى إليه ومجدكم ... يبين قياسا لي عليه دليل ولي صاحب من كان في الناس كاسمه ... يقول بحد صارم ويصول متى تلق حرفاً أولاً منه تلقه ... يهني به كل الورى ويزول وإن عد حرفاً واحد من حروفه ... فللنجم منه منزل وحلول وإن يكن المحذوف حرف انتهى به ... فليس لإنسان سواه عديل كذا جاء في التنزيل يا قوم فاعلموا ... لتأويل ما قد قلته وأقول فأجابه فخر القضاة: أمولاي شمس الدين لازلت هكذا ... تفيد الصديق والعدو تبيد ولا برحت يمناك في كل عزمة ... تجود على الراجي وأنت تسود

стр. 181

أبى الله أن يشقى بمثلك صاحب ... ولكنه مهما يراك سعيد فدامت ذلك النعماء في ظل مالك ... له الخلد دار والملوك عبيد سمع فخر القضاة وحدث وأجازه الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي ويحيى بن سعد بن بؤس وأبو الفرج عبد المنعم بن كليب الحراني وغيرهم وكتب فخر القضاة إلى الشيخ جمال الدين بن الجوزي ﵀ لغزاً في مقصورة ابن دريد وهو ما يقول سيدنا إمام أئمة الأنصار وصدر صدور الأقطار، وجامع مسانيد السير والأخبار، والعالي كعبه في تحبير العلوم على كعب الأحبار، في عروس جليت في ساعة على بغلين وزفت في ليلة إلى محلين خطباها بظهور السماح لا بصدور الرماح وملكاها بحل الصحاح لا بعقد النكاح وافترعاها في الملأ فلم يكن عليها ولا على أبيها من عيب ولا جناح وهي من المشهورات بين الأنام والمقصورات لا في الخيام باسقة الفرع ثابتة الأصل فائزة عند النضال بالخصل، جامعة المناقب والفضائل ساحبة ذيل الفصاحة على سحبان وائل. وكتب إلى جمال الدين يوسف بن العنائفي مشرف ديوان بغداد ما يقول سيدنا واصل جناح قاصديه وقاطع جماح معانديه في مطية صامتة جوفاء تارة بدينة وتارة هيفاء إذا كانت ضئيلة صغيرة فهي قائمة على ثلاث متنقلة تنقل الأثاث وإذا كانت عظيمة كبيرة فهي عادية الأرجل والإنبعاث دائمة الإقامة واللباث فإن قصرت وصغرت

стр. 182

كانت مطية صامت جاهل وإن طالت وكبرت كانت مطية ناطق فاضل على أن الصغيرة تباع وتشترى والكبيرة يحرم فيها ذلك ويمتنع ربها بأن يمتطيها ويقتنع وقد خشينا الجمع بين هاتين مع أنه حلال وظمئنا إلى رشف جوابك في ذلك لأنه زلال، فإن أسأنا في السؤال فتجاوز عنا وأحسن إلينا وإن جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وكتب إلى ابن النعماني. ومنصوبة مرفوعة عند نصبها ... ولكنه رفع يؤول إلى خفض تعين على حر الزمان وبرده ... بلا حسب ذاك ولا كرم محض ويصبح للاجي إليها وقاية ... لبعض الأذى الطاري على الجسم لا العرض تقوم على رجلين طوراً وتارةً ... تقوم على رجل بلا غرض منض إذا حضرت كانت عقيلة خدرها ... وإن تبد لم تلزم مكاناً من الأرض قصدت كريماً خيمه ليبينها ... وقصد الكريم الخيم من جملة الفرض يا رافع لواء الأدباء ودافع لأواء الغرباء هذا اللغز ممهد موطأ مكشوف لا مغطأ وقد سطر مفرداً ومجموعاً وذكر مقيساً ومرفوعاً إلا أنه

стр. 183

قد استخفى وهو مظهر وأستسر وهو مجهر وتعامى وهو بصير وتطاول وهو قصير وتصامم وهو سميع وتعاصى وهو مطيع ومثل مولاي من عرف وكره ولم يعمل فيه فكره والآمر له على أمره وأطال للأولياء عمره إن شاء الله تعالى. كان فخر القضاة ﵀ كثير المباسطة لأصحابه واحتمال تبسطهم عليه طلب منه التاج عثمان الدمشقي حمارة فاشتراها له فكتب إليه يتشكر ويقول: اشترى لي فخر القضاة حماره ... ذات حسن وبهج ونضاره صان عرضي بها وعمر داري ... عمر الله بالحمير دياره فأجابه على ذلك: قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ﵀ هو أبو الفتح نصر الله بن أبي العز هبة الله بن عبد الباقي بن أبي البركات بن الحسين بن يحيى بن علي المعروف بابن بصاقة الغفاري من كنانة المصري الملقب فخر القضاة ﵀. قلت قد بسطت القول في هذه الترجمة واستوفيت معظم مقاصدها وذكرت بعض المقاطيع بكمالها وذلك لتعذر حصول ديوانه فإنه قليل الوجود أما رسائله فليست كذلك لكنها مليحة من مثله

стр. 184

وفيها أشياء حسنة ومعاني جيدة وخلف الملك الناصر عدة أولاد ذكوراً وإناثاً وسنذكر أعيان من درج منهم إلى ﵀ إن شاء الله تعالى. زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم أبو الفضل وقيل أبو العلاء بهاء الدين الأزدي المولد القوصي المنشأ القاهري الدار الكاتب المشهور والشاعر المجيد مولده بوادي نخلة بقرب مكة شرفها الله تعالى لخمس مضين من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وربى بصعيد مصر وقوص قرأ الأدب وسمع وحدث وله النظم الفائق والنثر الرائق وكان رئيساً فاضلاً كريم الأخلاق حسن العشرة جميل الأوصاف واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين بالقاهرة في حياة أبيه الملك الكامل فلما توجه الملك الصالح إلى الشرق سافر في خدمته وأقام معه فلما مات الملك الكامل وتسلم الملك الصالح نجم الدين دمشق من الملك الجواد كان بهاء الدين المذكور صحبته فلما اعتقل الملك الصالح بالكرك أقام بهاء الدين بنابلس عبد الملك الناصر داود فلما خرج الملك الصالح من الأعتقال وسار إلىالديار المصرية كان بهاء الدين المذكور في صحبته وأقام عنده في أعلى المنازل وأجل المراتب هو المشار إليه في كتاب الدرج والمتقدم عليهم وأكثرهم اختصاصاً بالملك الصالح واجتماعاً به وسيره رسولاً في سنة خمس وأربعين إلى الملك الصالح يوسف ﵀ صاحب حلب يطلب منه إنقاذ الملك الصالح عماد الدين اسماعيل إليه فلم يجب الملك الناصر رحمه الله

стр. 185

إلى ذلك وأنكر هذه الرسالة غاية الإنكار وأعظمها واستفضعها وقال كيف يسعني أن أسير عمه إليه وهو خال أبي وكبير البيت الأيوبي ليقتله وقد استجار بي والله هذا شيء لا أفعله أبداً ورجع بهاء الدين إلى الملك الصالح نجم الدين بهذا الجواب فعظم عليه وسكت على ما في نفسه من الحنق وقبل موت الملك الصالح نجم الدين بمدة يسيرة وهو نازل بالمنصورة تغير على بهاء الدين وأبعده لأمر لم يطلع على فحواه حكى لي أنه سبب تغيره عليه أنه كتب عن الملك الصالح كتابا إلى الملك الناصر داود فلما وقف عليه الملك الصالح كتب بخطه بين الأسطر أنت تعرف قلة عقل ابن عمي وهو يحب من يعظمه ويعطيه من يده فاكتب له ما يعجبه من ذلك وسير الكتاب إليه وهو مشغول فأعطاه لفخر الدين إبراهيم بن لقمان وأمر بختمه فخيمه وجهزه ولم يتأمله وأعطاه للنجاب فسافر به لوقته ولما استبطأ الملك الصالح عود الكتاب إليه ليلم عليه سأل عنه بهاء الدين وقال ما وقفت على ما كتبت بخطي بين الأسطر قال ومن يجسر أن يقف على ما كتبه السلطان بخط يده إلى ابن عمه وأخبره أنه سيره مع النجاب فسيروا في طلبه فلم يدركوه ووصل الكتاب إلى الملك الناصر بالكرك فعظم عليه وتألم له وكتب إلى الملك الصالح يعتبه العتب المؤلم ويقول له والله ما بي ما يصدر منك في حقي وإنما بي أطلاع كتابك على مثل ذلك فعز على الملك الصالح وغضب على بهاء الدين زهير وبهاء الدين لكثرة مرؤته نسب ذلك إلى نفسه ولم

стр. 186

ينسبه إلى فخر الدين إبراهيم بن لقمان رحمه الله تعالى وكان الملك الصالح كثير التخيل والغضب والمؤاخذة على الذنب الصغير والمعاتبة على الوهم لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يرعى سالف خدمة والسيئة عنده لا تغفر والتوسل إليه لا يقبل والشفائع لديه لا تؤثر ولا يزداد بهذه الأمور التي تسل سخائم الصدور إلا حقداً وانتقاماً وكان ملكاً جباراً متكبراً شديد السطوة كثير التجبر والتعاظم يتكبر على أصحابه وندمائه وخواصه ثقيل الوطأة لا جرم أن الله تعالى قصر مدة مملكته وابتلاه بأمراض عدم فيها صبره وقتل مماليكه ولده توران شاه من بعده لكنه كان عنده سياسة حسنة ومهابة عظيمة وسعة صدرفي إعطاء العساكر والإنفاق في مهمات الدولة لا يتوقف فيما يخرجه في هذا الوجه وكانت همته عاليةً جداً وآماله بعيدة ونفسه تحدثه بالإستيلاء على الدنيا بأسرها والتغلب عليها وانتزاعها من يد ملوكها حتى لقد حدثته نفسه بالإستيلاء على بغداد والعراق وكان لا يمكن القوي من الضعيف وينصف المشروف من الشريف وهو أول من استكثر من المماليك من ملوك البيت الأيوبي ثم أقتدوا به لما آل الملك إليهم فاقتنى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ﵀ أكثر منه ثم اقتنى الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ منهم أكثر من الملك الظاهر ولما مات الملك الصالح نجم الدين لم يحزن لموته إلا القليل مع ما كان الناس فيه من قصد الفرنج الديار المصرية واستيلائهم على قطعة منها وسر معظم الناس

стр. 187

بموته حتى خواصه فإنهم لم يكونوا يأمنون سطوته ولا يقدرون على الاحتراز من كل ما ينتقده عليهم ويؤاخذهم به فإنه كان يؤاخذ على أيسر هفوة بأعظم عقوبة ولم يكن في خلقه الميل إلى أحد من أصحابه ولا أهله ولا أولاده ولا المحبة لهم والحنو عليهم على ما جرت به العادة وكان يلازم في خلواته ومجالس أنسه من الناموس ما يلازمه إذا كان جالسا في دست السلطنة وكان عفيف الذيل طاهر اللسان قليل الفحش في حال غضبه ينتقم بالفعل لا بالقول ﵀ وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود ونعود إليه إن شاء الله تعالى. ونوا يأمنون سطوته ولا يقدرون على الاحتراز من كل ما ينتقده عليهم ويؤاخذهم به فإنه كان يؤاخذ على أيسر هفوة بأعظم عقوبة ولم يكن في خلقه الميل إلى أحد من أصحابه ولا أهله ولا أولاده ولا المحبة لهم والحنو عليهم على ما جرت به العادة وكان يلازم في خلواته ومجالس أنسه من الناموس ما يلازمه إذا كان جالسا في دست السلطنة وكان عفيف الذيل طاهر اللسان قليل الفحش في حال غضبه ينتقم بالفعل لا بالقول ﵀ وبالجملة فقد خرجنا عن المقصود ونعود إليه إن شاء الله تعالى. وأما بهاء الدين زهير ﵀ فاتصل بعد موت الملك الصالح بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وله فيها مدايح حسنة يتضمنها ديوانه ثم فارقه ورجع إلى الديار المصرية ولزم بيته يبيع كتبه وموجوده وينفقه وانكشف حاله بالكلية ولما عرض بالبلاد الوباء العام عقيب أخذ التتر بغداد مرض أياماً ثم توفي إلى رحمة الله تعالى قبل المغرب من يوم الأحد رابع ذي القعدة وقيل خامسه هذه السنة عن خمس وسبعين سنة غير شهر واحد ودفن بالقرافة الصغرى وفضيلته أشهر من أن تحتاج إلى الأطناب في ذكرها وأما مروئته وكرم طباعه وعصبيته لكل من يلوذ به ويقصده فذلك أمر مشهور وكان في أول أمره كاتباً عند المكرم بن اللمطي متولي قوص والصعيد في الأيام الكاملية وله فيها مدايح حسنة منها من قصيدة:

стр. 188

يا منسك المعروف احرم منطقي ... زمناً وقد لباك من ميقاته هذا زهيرك لا زهير مزينة ... وافاك لا هرماً على علاته دعه وحولياته ثم استمع ... لزهير عصرك حسن ليلياه لو أنشدت في آل جفنة اضربوا ... عن ذكر حسان وعن جفناته قلت وهذه الأبيات قد يقف عليها من لا يعرف مقصوده فيها فينبغي أن نشرح ما ينبهم على بعض الناس منها قوله: زهير مزينة يعني زهير بن أبي سلمى المزني وكان يمدح كثيراً هرم بن سنان المدايح المشهورة وكان زهير أحد الشعراء الأربعة الذين فضلوا في الجاهلية على سائر الشعراء زهير إذا رغب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب وامرؤ القيس إذا ركب وكان هرم الدين سنان من المشهورين بالكرم وقوله: دعه وحولياته يعني بها القصائد التي كان زهير المزني ينظمها في سنة فقصد زهير هذا ما ينظمه في ليلة على ما كان ينظمه زهير في سنة وهذا على سبيل التجوز واللغة على عادة الشعراء لا الحقيقة فإن بهاء الدين لم يكن ممن يغالط نفسه وسره أنه أجود شعراً من زهير بن ابي سلمى، وقوله لا هرماً على علاته يشير إلى قول زهير بن أبي سلمى ﵀. من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة والندى خلقا معناه أن يلقه عديم المال والجدة يلقه سمحاً خلقاً لا تحلقاً فكيف إذا لقيه على غير تلك الحال، وقوله: لو أنشد ت في آل جفنة البيت معناه أن حسان بن ثابت الأنصاري ﵁ كان يمدح آل

стр. 189

جفنة ملوك الشام القصائد المشهورة ويذكر عظم جفانهم على ما كانت العرب تمدح به في ذلك الزمان فأراد بهاء الدين بهذا البيت لو سمع آل جفنة شعره لأعرضوا عن حسان ووصفه جنفاتهم هذا خطر لي في معنى البيت ثم وثق بعض الفضلاء على ذلك فقال إنما أراد بقوله اضربوا عن ذكر حسان وعن جفناته إشارة إلى قول حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ورثنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا أبنما وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وكان بهاء الدين في خدمة الملك الصالح نجم الدين بالشرق فأرسله مرة إلى الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فلما قدمها حضر عنده شعراؤها ومدحوه ومن جملتهم شرف الدين أبو الطيب أحمد بن الحلاوي فلما عاد بهاء الدين إلى مخدومه حضر عنده أصحابه مسلمين عليه وسألوه عن شعراء الموصل فأخبرهم بما جرى وأنشدهم البيت وكان من جملة الحاضرين جمال الدين يحيى بن مطروح ﵀ فلما خرجوا من عنده أرسلوا إلى كل واحد مما استصحبه من الهدية نصيباً فكتب جمال الدين مع الرسول الذي أحضر نصيبه من الهدية ورقة فيها. أقول وقد تتابع منه بر ... وأهلاً ما برحت لكل خير ألا لا تذكروا هرماً يجود ... فما هرم بأكرم من زهير وكتب إليه جمال الدين المذكور مرة يستدعي منه درج ورق.

стр. 190

أفلست يا سيدي من الورق ... فابعث بدرج كعرضك اليقق وإن أتى بالمداد مقترنا ... فمرحبا بالخدود والحدق فأجابه بهاء الدين: مولاي سيرت ما رسمت به ... وهو يسير المداد والورق وعز عندي تسير ذاك وقد ... شبهته بالخدود والحدق وسنذكر طرفاً من أخبار جمال الدين بعد الفراغ من هذه الترجمة إن شاء الله وإن كانت وفاته ﵀ متقدمة لكن إذ قد جرى ذكره فلا بأس بالتنبيه عليه ولبهاء الدين أشعار كثيرة وديوان مشهور وترسل فمن شعره ملغزاً في مدينة يافا. بعيشك خبرني عن اسم مدينة ... يكون رباعياً إذا ما كتبته على أنه حرفان حين تقوله ... ويرجع حرفاً واحداً إن عكسته وله يقول حبذا نفحة من ريح ... فرجت عني غمه ضربت ثوب فتاة ... أكثرت تيها وحشمه فرأيت البطن وال ... رة والخصر وثمه وقال: أيا معشر الأصحاب ما لي أراكم ... على مذهب والله غير حميد

стр. 191

فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم ... فما قوم لوط منكم ببعيد فهل أنتم من قوم لوط بقية ... فما فيكم من فعله برشيد وقال: يا روضة الحسن صلي ... فما عليك ضير فهل رأيت روضةً ... ليس بها زهير وقال: كيف خلاصي من هوى ... مازج روحي فأختلط وتائه أقبض في ... حبي له وما أنبسط يا بدر إن رمت به ... تشبهاً رمت الشطط ودعه يا غصن النقا ... ما أنت من ذلك النمط قام بعذري وجهه ... عند عذولي وبسط لله أي قلم ... لواو ذاك الصدغ خط ويا له من عجب ... في خده كيف نقط يمر بي ملتفتاً ... فهل رأيت الظبي قط ما فيه من عيب سوى ... فتور عينيه فقط يا قمر السعد الذي ... لديه نجمي قد هبط يا ما نعي حلو الرضا ... ومانحي السخط

стр. 192

حاشاك أن ترضى بأن ... أموت في الحب غلط وقال: أغصن النقا لولا القوام المهفهف ... لما كان يهواك المعنى المعنف أيا ظبي لولا أن فيك محاسناً ... حين الذي أهوى لما كنت توصف كلفت بغصن وهو غصن ممنطق ... وهمت بظبي وهو ظبي مشنف ومما دهاني أنه من حيائه ... أقول كليل طرفه وهو مرهف وذلك أيضاً مثل بستان خده ... به الورد يدعى مضعفاً وهو مضعف فيا ظبي هلا كان فيك التفاته ... ويا غصن هلا كان فيك عطف ويا حرم الحسن الذي هو آمن ... وألبابنا من حوله تتخطف عسى عطفة للوصل يا واو صدغه ... وحقك أني أعرف الواو تعطف وقال يمدح الملك الصالح نجم الدين أيوب وعد الزيارة طيفه المتملق ... وبلاء قلبي من جفون تنطق إني لأهوى الحسن أين وجدته ... وأهيم بالقد الرشيق وأعشق وبليتي كفل عليه ذؤابة ... مثل الكثيب عليه صل مطرق يا عاذلي أنا من سمعت حديثه ... فعساك تحنو أو لعلك ترفق لو كنت منا حيث تسمع أو ترى ... لرأيت ثوب الصبر كيف يمزق ورأيت ألطف عاشقين تشاكيا ... وعجبت ممن لا يحب ويعشق أيسوموني العذال عنه تصبراً ... وحياته قلبي أرق وأشفق إن عنفوا إن سوفوا إن خوفوا ... لا أنتهي لا أنتهي لا أفرق

стр. 193

أبداً أزيد مع الوصال تلهفاً ... كالعقد في جيد المليحة يقلق يا قاتلي إني عليك لمشفق ... يا هاجري إني عليك لشيق وأذاع أني قد سلوتك معشر ... يا رب لا عاشوا لذاك ولا بقوا ما أطمع العذال إلا انني ... خوفا عليك إليهم أتملق وإذا وعدت الطيف منك بهجعة ... فاشهد علي بأنني لا أصدق فعلام قلبك ليس بالقلب الذي ... قد كان لي منه المحب المشفق وأظن خدك شامتا بفراقنا ... فلقد نظرت إليه وهو مخلق ولقد سعيت إلى العلى بعزيمة ... تقضي لسعيي أنه لا يخفق وسريت في ليل كأن نجومه ... من فرط غيرتها إلي تحدق حتى وصلت سرادق الملك الذي ... تقف الملوك ببابه تسترزق ووقفت من ملك الزمان بموقف ... ألفيت قلب الدهر منه يخفق فإليك يا نجم السماء فإنني ... قد لاح نجم الدين لي يتألق الصالح الملك الذي لزمانه ... حسن يتيه به الزمان ورونق

стр. 194

ملك يحدث عن أبيه وجده ... نسب لعمري في العلى لا يلحق سجدت له حتى العيون مهابة ... أوما تراها حين يقبل تطرق رحب الجناب خصيبة أكنافه ... فلكم سدير عنده وخورنق فالعيش إلا في ذراه منكد ... والرزق إلا من نداه مضيق يا عز من أضحى إليه ينتمي ... وعلو من أمسى به يتعلق أقسمت ما الصنع الجميل بضائع ... فيه ولا الخلق الكريم تخلق يدعو الوفود لما له فكأنما ... يدعو عليه فشمله يتفرق أبداً تحن إلى الطراد جياده ... فلها إليه تشوف وتشوق يندى لسطوته الخميس تطرباً ... فالسمر ترقص والسيوف تصفق في ثني لامته هزبر باسل ... تحت التريكة منه بدر مشرق يروي القنا بدم الأعادي في الوغى ... فلذاك تثمر بالرؤس وتورق يمضي فيقدم جيشه من هيبة ... جيش يغص به الزمان ويشرق ملأ القلوب مخافة ومحبة ... فالبأس يرهب والمكارم تعشق ستجوب آفاق البلاد جياده ... ويرى له في كل فج فيلق لبيك يا من لا مرد لأمره ... فإذا دعا العيوق لا يتعوق لبيك يا خير الملوك بأسرهم ... وأعز من تحدى إليه الأنيق

стр. 195

لبقيك ألفاً أيها الملك الذي ... جمع القلوب نواله المتفرق فعدلت حتى ما بها متظلم ... وأنلت حتى ما بها مسترزق أنا من دعوت وقد أجابك مسرعاً ... هذا الثناء له وهذا المنطق ألفيت سوقاً للمكارم والعلى ... فعلمت أن الفضل فيها ينفق يا من إذا وعد المنى قصاده ... قالت مواهبه يقول ويصدق يا من رفضت الناس حين لقيته ... حتى ظننت بأنهم لم يخلقوا ؟ قيدت في مصر لديك ركائبي غيري يغرب تارة ويشرق وحللت عندك إذ حللت بمعقل ... يلفي إليه مارد والأبلق وتيقن الأعداء أني بعدها ... ابداً إلى رتب العلى لا أسبق فرزقت ما لم يرزقوا ولحقت ما ... لم يلحقوا ونطقت ما لم ينطقوا وقال من أبيات: وأنت يا نرجس عينيه كم ... تشرب من قلبي وما أذبلك مالك في حسنك من مشبه ... ما تم للعالم ما تم ذلك وقال: يا من لعبت به شمول ... ما أحسن هذه الشمائل نشوان يهزه دلال ... كالغصن مع النسيم مائل لا يمكنه الكلام لكن ... قد حمل طرفه رسائل مولا ي يحق لي بأني ... عن حبك في الهوى أقاتل

стр. 196

لي فيك كما علمت وجد ... لا يعلم سره العواذل ذا العام مضى فليت شعري ... هل يحصل لي رضاك قابل وقال وكتب بها إلى الصاحب كمال الدين عمر بن العديم رحمه الله تعالى دعوتك لما أن بدت لي حاجة ... وقلت رئيس مثله من تفضلا لعلك للفضل الذي أنت ربه ... تغار فلا ترضى بأن تتبدلا إذا لم يكن إلا تحمل منة ... فمنك وأما من سواك فلا ولا ومن خلقي المشهور في الناس أنني ... لغير حبيب قط لن أتذللا وقد عشت دهراً ما شكوت لحادث ... بلى كنت أشكو الأغيد المتدللا وما هنت إلا للصبابة والهوى ... ولا خفت إلا سطوة الهجر والقلا أحب من الظبي الغرير تلفتا ... وأهوى من الغصن النضير تفتلا أروح وألفاظي تذوب حلاوة ... وأغدو وأعطافي تسيل تغزلا ويا رب داع قد دعاني لحاجة ... فعلت له فوق الذي كان أملا سبقت صداه باهتمامي بكلما ... أراد ولم أحوجه أن يتمهلا سبقت له وجها حيياً ومنطفاً ... وفياً ومعروفاً هنيئاً معجلا ورحت أراه منعماً متفضلاً ... وراح يراني المنعم المتفضل وله أيضاً:

стр. 197

أنا ذا زهيرك ليس إلا ... جود كفك لي مزينه أهوى جميل الذكر ع ... ك كأنما هو لي بثينه وأما جمال الدين عيسى بن يحيى بن إبراهيم بن مطروح ﵀ المقدم ذكره فكان من حسنات الدهر تام الفضيلة متنوعاً في العلوم متفنناً في الآداب مع مكارم كثيرة ودماثة أخلاق ولين جانب وحسن عشرة وكان كثير السعي في مصالح إخوانه وأصحابه ومن يلوذ به متلطفاً في قضاء حوائج الناس على الإطلاق لا يرى التوقف في صلة رزق وكان كثير الصحبة والصداقة لبهاء الدين زهير وبينهما مودة عظيمة واشتراك في الفضيلة ومكارم الأخلاق وخدمة الملك الصالح وشاركه أيضاً في تغيير الملك الصالح عليه وانحرافه عنه فإنه تغير عليه تغيراً مفرطاً قبل وفاته وأبعده إبعاداً كلياً وسبب ذلك علمه بموت الملك الصالح نجم الدين فإن الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ كان يعرف محل جمال الدين وما هو عليه من الأهلية لكل شيء وأن الدول تفتقر إلى تدبيره فلما اتفق موت الملك الصالح وبقي الأمير فخر الدين يدبر الأمور وهو في مقابلة الإفرنج قرب جمال الدين المذكور وجعله في محل الوزارة وكان يستشيره في الأمور ولا يكاد يفارقه فعلم الناس بهذه القرينة موت الملك الصالح وأنه لو كان في قيد الحياة لم يقدم الأمير فخر الدين على تقريب من أبعده وكان جمال الدين اتصل بخدمة الملك الصالح حين كان ولي عهد أبيه ولما سافر إلى الشرق سافر معه ثم قدم معه دمشق حين ملكها بعد الجواد وكان ناظر

стр. 198

جيشه فلما أعتقل بالكرك مضى أبن مطروح إلى الخوارزمية وحرضهم على القيام بنصرة مخدومه ثم توجه إلى حماة وأقام بها لعلمه بميل صاحبها إلى الملك الصالح نجم الدين فلما خرج الملك الصالح من الاعتقال وملك الديار المصرية توجهه جمال الدين إلى خدمته وولي الخزانة ثم استنابه الملك الصالح بدمشق مع الطواشي شهاب الدين رشيد الكبير وجعله صورة وزير ثم تغير عليه في سنة ست وأربعين لما قدم الشام وعزله واستصحبه معه إلى الديار المصرية في أوائل سنة سبع وأربعين فأقام بالمنصورة إلى أن توفي الملك الصالح وهو متغير عليه معرض عنه بالكلية فلما قام الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بتقدمة العساكر صحبه وقربه غاية التقريب وكان لا يصدر إلا عن رأيه في غالب الأمور فلما استشهد الأمير فخر الدين ﵀ انتقل جمال الدين إلى مصر ونزل بدار كان بناها على النيل وكتب على بابها. دار بنيناها بإحسان من ... لم تخل دار قط من رفده الملك الصالح رب العلى ... أيوب زاد الله في مجده اليمن والتوفيق من حزبه ... والنصر والتأييد من جنده أغنى وأقنى فالذي عندنا ... من نعمة الله ومن عنده فقل لحسادي ألا هكذا ... فليصنع السيد من عبده وقد سبق جمال الدين إلى ذلك أبو الفتيان بن حيوس شاعر

стр. 199

بني مرداس فإنه بنى دار بحلب وكتب إلى بابها هذه الأبيات. دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا ... علي في الأيام من بأس قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس هذا كان على خاطري أن الأبيات لابن حيوس ثم وقفت على المجلد الثالث من تاريخ حلب للصاحب كمال الدين عمر بن العديم ﵀ فوجدته قد قال وجدت في كتاب نزهة الناظر وروضة الخاطر لقاضي معرة مصرين الكمال بن عبد القادر بن علوي المعري قيل امتدح أبو الفتح بن حصين المعري نصر بن صالح بحلب فقال له تمن فقال له أتمنى أن أكون أميراً فجعله أميراً يجلس مع الأمراء ويخاطب بالأمير وقربه وصار يحضر في مجلسه في زمرة الأمراء ثم وهبه أرضاً بحلب قبلي حمام الواساني فعمرها دراً وزخرفها وقرنصها وتمم بنيانها وكمل زخارفها ثم نقش على دائر الدار بزين. دار بنيناها وعشنا بها ... في دعة من آل مرداس قوم محوا بؤسي ولم يتركوا ... علي في الأيام من بأس قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليفعل الناس مع الناس فلما أنهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح بن

стр. 200

مرداس فلما أكل الطعام رأى الدار وحسنها وحسن بنيانها ونقوشها ورأى الأبيات فقرأها فقال يا أمير كم خسرت على بناء الدار فقال والله يا مولانا ما للمملوك علم بل هذا الرجل تولى عمارتها فأحضر معمارها وقال له كم لحقكم غرامة على بناء هذه الدار فقال ألفا دينار مصرية فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصاناً بطوق ذهب وسرج ذهب وسرفشار ذهب ودفع ذلك جميعه إلى الأمير أبي الفتح وقال له. قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليفعل الناس مع الناس قال وبعد أيام حضر رجل من أهل المعرة يلقب بالزقوم وكان من أراذلها وفيه رحلة فطلب خبز جندي فأعطوه وجعلوه من أجناد حصن المعرة فلما وصل عمل الشيخ أبي الحسسن أحمد بن محمد بن الدويدة أهل المعرة تحت أقبح خطة ... وبهم أناخ الخطب وهو جسيم لم يكفهم أن أمر ابن الحصين ... حتى تجند بعده الزقوم يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا ... يا قوم أين الترك أين الروم واشتهرت الأبيات بالمعرة وحلب فسمعها الأمير أبو الفتح ابن حصينة فعبر على باب ابن الدويدة فسلم عليه أبو الحسين فقال له الأمير

стр. 201

ويلك يا ابن الدويدة هجوتني والله ما بي من الهجو مثل ما بي من كونك تقربني إلى الزقوم وتذكرني معه فضحك ابن الدويدة وقال والله الآن كان عندي الزقوم وقال والله ما بي من الهجو ما بي تذكرني مع ابن الحصينة وتقربني إليه فقال له ابن الحصينة قاتلك الله وهذا هجو ثان. ولجمال الدين المذكور ترسل حسن وديوان مشهور وكان لطيف الشعر جيد المعاني ومولد جمال الدين المذكور بأسيوط صعيد مصر يوم الإثنين ثامن شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وتوفي بالديار المصرية يوم الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة ودفن بسفح المقطم رحمه الله تعالى. ومن شعره: يا من إليه اتكالي ... في العسر والإملاق سؤال غيرك عندي ... شرك على الإطلاق لا تسأل الرزق إلا ... من قاسم الأرزاق وله رحمه الله تعالى: يا ملاذ المستجير به ... لا تؤاخذني بما سلفا

стр. 202

وله أيضا قد اثقلت ظهري أوزاري ... لي الويل إن ناقشني الباري كم ليلة أسرعت منها الخطا ... إلى الخطايا حلف إصراري وكم تجرأت على فاحش ... ولا أجير الأسد الضاري كيف يكون العذر في موقف ... يذلّ فيه كل جبار وتشخص الأبصار في حيث لا ... دار سوى الجنة والنار يا رب عفوا عن ذنوبي فما ... سألت إلا عفو غفار وقال عند قبر ابراهيم الخليل صلوات الله عليه خليل الله قد جئناك نرجو ... شفاعتك التي ليست ترد أنلنا دعوة واشفع تشفّع ... إلا من لا يخيب لديه قصد وقل يا رب أضياف ووفد ... لهم بمحمد صلة وعهد أتوا يستغفرونك من ذنوب ... عظام لا تعد ولا تحد ولكن لا يضيق العفو عنهم ... وكيف يضيق وهو لهم معد وقد سألوا رضاك على لساني ... ألهي ما أجيب وما أرد فيا مولاهم عطفاً عليهم ... فهم جمع أتوك وأنت فرد وله ﵀: يا مالك الملك يا من لا شبيه له ... عطفا على عبد سوء قد أساء الأدبا أحسنت مدة أيام الحياة له ... فما قضى ذلك يوما بعض ما وجبا

стр. 203

وله ﵀: ذكر الصبا فصبا وكان قد ارعوى ... صب على عرش الغرام قد استوى تجري مدامعه ويخفق قلبه ... فترى العقيق على الحقيقة واللوى وإذا تألق بارق من بارق ... طفقت تنم عليه أسرار الجوى لا يستطيع إذا جرى ذكر اللوى ... أن يطمئن فلا سقى الله اللوى وأنا نذير العاشقين فمن يرد ... طول الحياة فلا يذوقن الهوى فخذوا أحاديث الهوى عن صادق ... ما ضل في شرع الغرام ولا غوى وبمهجتي رشأ أطالت عذلى ... فيه الملام وقد حوى ما قد حوى ما أبصرته الشمس إلا واكتست ... خجلاً ولا غصن النقا إلا التوى قالوا فعيه سوى رشاقة قده ... وفتور عينيه وهل موتى سوى وروى الأراك محاسناً عن ثغره ... يا طيب ما نقل الأراك وما روى ولقد يعز علي موتي ضامياً ... لمقبل منه الأراك قد التوى وله ﵀: قد رأيناك والغزالة تسنح ... فرأينا حلاك أحلى واملح وترنحت والقضيب ولكن ... لم يدع ناظراً إلى الغصن يطمح ولقد غض ناظر النرجس الغض ... حياء من مقلتيك وأفلح أي عين ترى له عيني ... ك فترنو من بعد ذاك وتفتح وادعى الورد أنه لون خدي ... ك ولا شك أنه كان يمزح

стр. 204

فلهذا صبا بحسنك قلب ... كان يدعى إلى الغرام فيجمح وعهدت الرقاد يألف جسمي ... فرأى جفنك المليح فرجح وله أيضاً ﵀: عانقته فسكرت من طيب الشذا ... غصن رطيب بالنسيم قد اغتذى نشوان ما شرب المدام وإنما ... أضحى بخمر رضابه متنبذا يا ناظري أما وقد عاينته ... والله لا رمدا تخاف ولا قذا مهما اكتحلت بخده وعذاره ... لم تلق إلا عسجدا وزمردا جاء العذول يلومني من بعد ما ... أخذ الغرام علي فيه مأخذا لا أرعوى لا انثنى لا انتهى ... عن حبه فليهذ فيه من هذا والله لا خطر السلو بخاطري ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا إن عشت عشت على هواه وأن أمت ... وجدا به وصبابة ياحبذا وقصد جمال الدين المذكور الأجتماع بالصاحب معين الدين ابن الشيخ فقيل له أنه يزور الشافعي رحمة الله عليه فقصده واجتمع به في قبة الشافعي فقال. زرت الإمام الشافعي ولم أكن ... لزيارتي يوماً له بالتارك فوجدت مولانا الوزير يزوره ... فظفرت عند الشافعي بمالك وقال حلفتم لنا أن لا تخونوا فخنتم ... وأن لا تميلوا للوشاة فملتم فإن كان هذا الغدر فيكم سجية ... فمن كان الجأكم إلى أن حلفتم

стр. 205

عفا الله عنكم ما أقل وفاكم ... ومن كرمى قولي عفا الله عنكم فيا ساكني قلبي المعنى بحبهم ... أما لكم قلب يرق ويرحم بحقكم ألا جنحتم إلى الرضا ... وقد طال هذا العتب منا ومنكم أحبكم في حالة السخط والرضا ... وأهواكم أحسنتم أو أسأتم ولي عاذل في حبكم ليس ينثني ... ولكنني عنه أصم وأبكم وله أيضا ﵀: ولما جفاني من أحب وخانني ... حفظت له الود الذي كان ضيعا ولو شئت قابلت الصدود بمثله ... ولكنني أبقيت للصلح موضعا وقد كان ما قد كان بيني وبينه ... أكيداً وكنت رعيت وما رعى سعى بيننا الواشي ففرق بيننا ... ذلك الذنب يا من خانني لا لمن سعى وله أيضا ﵀: يا قلب جاءك من تحبه ... وحنا ورقّ عليك قلبه فاغفر له ما قد جنا ... هـ وإن تعاظم منه ذنبه حب الحبيب إذا متفضلا ... يا قلب حسبه مستسلما بيساره ... كفن وفي يمناه عضبه أرضى وزاد على الرضا ... فحسيب من أغراه ربه وكتب إلى بهاء الدين زهير ﵀ من آمد وهو محصور بها يقول سطرتها والسمهرية شرع ... من حولنا والمشرفية تلمع وعلى مكافحة العدو ففي الحشى ... شوق إليك تضيق عنه الأضلع

стр. 206

ومن الصبا وهلم جرا شيمتي هذا الوفاء فكيف عنه أرجع وله في المعنى: أصدرتها والعو إلى شرع ترد ... في موقف فيه ينسى الوالد الولد وما نسيتك والأرواح سائلة ... على السيوف ونار الحرب تتقد وله أيضاً:؟ هي رامة فخذوا يمين الوادي وذروا السيوف تقر في الأغماد وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الآساد من كان منكم واثق بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادي ياصاحبي ولي بجرعاء الحمى ... قلب أسير ماله من فادي سلبته من يوم رامة مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد وبحي من أنا في هواه ميت ... عين على العشاق بالمرصاد وأغن مسكي اللمى معسوله ... لولا الرقيب بلغت منه مرادي كيف السبيل إلى وصال محجب ... ما بين بيض قنا وسمر صعاد في بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف في بادي حرسوا مهفهف قده بمثقف ... فتاشبه المياس بالمياد قالت لنا ألف العذار بخده ... في ميم مبسمه شفاء الصادي

стр. 207

وله أيضاً: علقته من آل يعرب لحظه ... أمضى وأفتك من سيوف عريبه أسكنته بالمنحني من أضلعي ... شوقا لبارق ثغره وعذيبه يا عائبي ذاك الفتور بلحظه ... خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه لدن وما مر النسيم بعطفه ... أرج وما نفح العبير نجيبه وقال وهو متمرض يا رب إن عجز الطبيب فداوني ... بلطيف صنعك واشفني يا شافي أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من ... شيم الكرام البر بالأضياف وله أيضا ﵀: من لي بغصن باللحاظ ممنطق ... حلو الشمائل واللمى والمنطق مثرى الروادف مملق من خصره ... أسمعت في الدنيا بمثر مملق وغريرة زارت على بخل بها ... لما بعثت لها زيارة مشفق لم أدر ما قالت وقد لمست يدي ... ماذا لقينا منه أو ماذا لقي خافت عواقب محنتي من أجلها ... فبكت لشمل دموعي المتفرق لا شيء أكتم من دجنة شعرها ... لو أن صامت حليها لم ينطق حتى الحنى لحسنها متوسوس ... فاعجب لحنى الجماد المنطق خد توقد إذ ترقرق ماؤه ... لهفي على المتوقد المترقرق ويروقني منها أخضرار خضابها ... والغصن ليس يروق ما لم يورق

стр. 208

فبحسنها هي زهرة للمشتري ... وبطيبها هي زهرة المستنشق ونظيرها الغصن النضير إذا انثنت ... في حلة حضراء من استبرق تعصى العذول عن الهوى وتطيعني ... فأنا السعيد بها وعاذلي الشقي فلكم بها من حلوه كرضا بها ... كعتا بها كتملقي وأقول يا أخت الغزالة ملاحة ... فتقول لا عاش الغزال ولا بقي يا شمس قلبي في هواك عطارد ... لولا تعلقه بها لم تحرق وأجل ذنبي عندها عدم الغنى ... فكأنه شيب ألم بمفرقي قالت سل الأملاك قلت أنا امرؤ ... يأبى السؤال خلائقي وتخلقي وإذا سألت سألت رباً رازقاً ... قطعت يد مدت إلى مسترزق لا كلفن الجرد ما لم تستطع ... صبراً عليه بيعملات الأنيق من كل ضامرة إذا سرت الصبا ... في إثرها عادت بسعي مخفق إن لم أنل بالمغرب الأقصى المنى ... حاولت ذلك ولو بأرض المشرق وكيف وكفى يسيرا من حسامك أن يرى ... قدم الفوارس وهو جد مخلق من معشر نسقوا سطوراً في العلى ... وغدا سواهم مثل دف ملحق وإذا الحديد حمي عليهم أبردوا ... بالمسح في بحر الحديد الأزرق لولا تكذبني قوائم بيضهم ... أقسمت أن أكفهم لم تطبق لم تقتطع يد السارق من مالهم ... إذ كان بيت المال ليس بمغلق

стр. 209

وقال وأمر أن تكتب على قبره أصبحت بعقر حفرة مرتهنا ... لا أملك من دنياي إلا كفنا يا من وسعت عباده رحمته ... من بعض عبادك المسيئين أنا وقال يمدح الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل ﵀. وافي وأقبل في الغلالة ينثني ... فأراك خط المجتلى والمجتنى ورنا فما تغنى التمائم والرقي ... وأبيك من فتكات تلك الأعين رشأ من الإعراب مسكنه الفلا ... ولكم له في مهجتي من موطن أغناه ذابل قده عن ذابل ... وبشعره عن بيت شعر قد غنى قل للعواذل في هواه ألا انتهوا ... لاأرعوى لا انتهى لاانثنى يا لائمي في العشق غير مجرب ... أنا في الصبابة قدوة فاستفتني لا يخدعنك لفظ طرف فاتر ... أبداً ولا تأمن لعطف لين فالخمر وهي كما علمت لطيفة ... ولها من الألباب أي تمكن وبليتي من صائد لي نافر ... ومتى ينال الوصل من متلون ألبستني يا سالبي ثوب الضنى ... وأخذتني يا تاركي من مأمني حتى فؤادي خانني ووفى له ... وكذا الرقاد صبا إليه وملني سيا قلب ماآنست بعدك راحة ... فمتى أراك ويا كرى أوحشتني عهدي به ويدي مكان وشاحه ... والوجد باق والتجلد قد فنى

стр. 210

وشدا بشعري فافتتنت ويالها ... من فتنة شنعاء لو لم افتن شعري ومحبوبي يعنيني به ... فهناك تحسن صبوة المتدين لا شيء يطرب سامعاً لحديثه ... إلا الثناء على علام شاه أرمن الأشرف الملك الكريم المصطفى ... موسى وتمم بالكريم المحسن ملك إذا أنفقت عمرك كله ... في نظرة من وجهه لم تغبن ومتى انتخبت له دعاء صالحاً ... لم تلق غير مشارك ومؤمن يا أيها الملك الذي من فاته ... نظرإليه فما أراه بمؤمن أفنيت خيلك والصوارم والقنا ... وعداك والآمال ماذا تقتني أبقت ذلك الذكر الجميل مخلداً ... شيم لها الأملاك لم تتفطن وشجاعة رجف العدو لذكرها ... وشهامةً وبلاد عبد المؤمن ولى الخوادذمي منها هارباً ... وخلم جراً قلبه لم يسكن ودعاؤه في ليله ونهاره ... يا رب من سطوات موسى نجني ما كان أشوقني للثم بنانه ... ولقد ظفرت بلثمها فليهنني ودخلت من أبوابه في جنة ... يا ليت قومي يعلمون بأنني يا مكثري الدعوى أخفضوا أصواتكم ... ما كل رافع صوته بمؤذن أنا من تحدث عنه في أقطارها ... من كان في شك فليتقن هذا مقام لا الفرزدق ماهر ... فيه ولا نظراؤه لكنني إن شئت نظماً فالذي أمليته ... أو شئت نثراً فاقترح واستمحن

стр. 211

عاشت عداك ولا أشح عليهم ... عمى النواظر عنك خرس الألسن وله قصيدة يمدحه بها رحمهما الله تعالى يا شمس قلبي في هوا ... ك عطارد وقد احترق يثنى عليه عدو ... هـ فيقول حاسده صدق وقال عند اجتماعه بشمس الدين صواب العادلي بحران. ولماتيممناك قال رفاقنا ... إلىأين تبغي قلت خير جناب وقلت لصبحي شرقوا تبلغوا المنى ... فغير صواب قصد غير صواب وقال أيضاً في كتاب ورد عليه من أبيات. ولم ترى عيناي من قبله ... كتاباً حوى بعض ما قد حوى كأن المباسم ميماته ... ولاماته الصدغ لما التوى وأعينه كعيون الحسان ... تغازلنا عند ذكر الهوى كتاب نسينا بألفاظه ... زود وذكر الحمى واللوى وقال في دارا والشهاب ابن قاضيها المشهور ولا سقيت داراً ولا أهلها ... ولا ابن قاضيها الوقاح البذي ولا رعى الله له ذمة ... أعنى شهاب الدين ذاك الذي وقال وقد أمر بالسفر من دمشق. يقولون سلفر من دمشق ولا تقم ... وذلك أمر ما علي به بأس

стр. 212

فقلت على عيني وسمعا وطاعة ... فما جلق الدنيا ولا أنتم الناس وقال من جملة أبيات. فنعم فتى الأحيا ومستنبط الندى ... ومفرغ محزون وملجأ لاهث عباد بن عمرو بن الحليس بن صالح بن ... زيد بن منظور بن زيد بن وارث وله أيضاً ﵀ خذوا قودى من أسير الكلل ... ويا عجبا لاسير قتل وقولوا على إذا نحتم ... طعين القدود جريح المقل وما كان يعلم أن العيون ... وأن القدود الظبا والاسل ولي جلد عند بيض الظبا ... وبالأعين السود مالي قبل وبي قمر ما بدا في الدجى ... وقابله البدر إلا أفل يضل بطرته من يشا ... ويهدي بغرّته من أضل وقد أخجل الشمس من حسنه ... ألم تر فيها اصفرار الخجل ويا فرحة الظبي لما غدا ... شبيهاً له في اللّمى والكحل لقد عدل الحسن في خلقه ... على أنه جار لما عدل فعمّ معاطفه بالنشاط ... وخص روادفه بالكسل وجاد الزمان به ليلة ... وعما جرى بيننا لا تسل فانحلت قامته بالعنا ... ق وذبلت مرشفه بالقبل وما أثرالمسك في راحتي ... وهذا فمي فيه طعم العسل وكم تهت في غور خصر له ... وأشرفت في نجد ذاك الكفل

стр. 213

وأذنت حين تجلّى الصبا ... ح بحى على خير هذا العمل وقد علم الناس أني امرؤ ... أحب الغزال وأهوى الغزل على. . قدرة الله سبحانه ... بإيجاد مثلك فليُستدل وله ﵀ أجبتكم من قبل رؤياكم ... لطيب ذكر عنكم قد جرى كذلك الجنة محبوبة ... بوصفها من قبل أن تبصرا وله أيضاً بابي غزال تائه متصلف ... لانت معاطفه ولا يتعطف حلو الشمائل والتثنى واللمى ... من يجتلى من يجتنى من يرشف سكران لا يصحو وليس بمنكر ... قد صح أن الريق منه قرقف شاكي السلاح وما تكلف حمله ... اللحظ سيف والقوام مثقف هجر الكرى جفنى وواصل جفنه ... يا قوم حتى النوم لي يستضعف وسرى إلى جسدي ضنى أجفانه ... لا ياضنى جسدي أرق وأضعف لما بدا للغانيات وقد بدا ... من حسنه للعين ما لا يوصف قطعن أيديهن حين رأينه ... لما افتتن وقلن هذا يوسف اشكو إليه وما عسى أن اشتكي ... هو بالذي ألقاه مني أعرف كبد يفيض نجيعها من أدمعي ... حتى كأني من جفوني أرعف ووحقه لم يبق في بقية ... ولقلما يلقى الكئيب المدنف ولربما أخلو به متعففاً ... والنفس من وجد به تتلهف

стр. 214

وإذا سمعت بعاشق متعفف ... فاعلم باني العاشق المتعفف وله أيضاً ما زلت نحو لقا ... ئه متشوفا اذكى العيون عليه ... حتى زارني متخوفا فظفرت منه بزورة ... يوماً وقد برح الخفا وشكوت ما ألقى إل ... يه فرقّ لي وتعطّفا وعتبته حتى استقال ... وقال مثلك من عفا وغدا يلاطفني ولم ... أر مثله متلطفا يومى الى بخده ... فإذا هممت تصلّفا ويهز نحوى عطفه ... فإذا عزمت تأففا إني لعف في هوا ... هـ وأعشق المتعففا وقال في غرض عرض سمعتها تشتكي لدايتها شكوى ... تذيب القلوب والمهجا تقول يا دايتي بليت به ... وما أرى من هواه لي فرجا ومثل ما بي به ولا عجب ... هوى بقلبي وقلبه امتزجا أهل سبيل إلى الوصول له ... ولو ركبت القفار واللججا وان درى والدي بقصتنا ... أراق يا دايتي دمى حرجا فُرحت بما سمعت في طرب ... كشارب الراح راح مبتهجا

стр. 215

وله ﵀ أهواه أسمر في اعتدال الأسمر ... يختال في روق الشباب الأخضر مترنح كالغض أو متألق ... كالبدر أو متلفت كالجؤذر من لم يشاهد شعره وجبينه ... ما فاز ناظره بليل مقمر لعبت ذوائبه على أردافه ... كالأقحوان على كثيب أعفر صدقت أن بوجنية جنة ... لما وجدت رضا به من كوثر ولقد غنيت بخده وبثغره ... ما شئت من ذهب وقل من جوهر ويقال أن الطرف مني فاسق ... صدقوا ولكني عفيف المئزر وقال واظنها في الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح. يا بعيد الليل من سحره ... دائماً يبكي على قمره خل ذا واندب معي ملكاً ... ولّت الدنيا على أثره كانت الدنيا تطيب لنا ... بين باديه ومحتضره سلبته الملك أسرته ... واستووا غدراً على سُرره حسدوه حين فاتهم ... في الشباب الغض من عمره وله أيضاً سيف بجفنيك إذا ما انتضى ... فلّ شبا الأسمر والأبيض قتلاه من أكبر عشاقه ... والحب من أعجب شتى قضى
следующие страницы →