← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

حادي عشري الشهر وسار إلى عكا فصادف ابن أخت زيتون قد خرج فالتقى به فكسره واستأسره وجماعة من أصحابه وقتل منهم خلقاً وذلك في يوم الأربعاء ثاني وعشرين الشهر، ثم قصد الغارة على المرقب فوجد من الأمطار والثلوج ما منعه فرجع إلى حمص وأقام بها نحو عشرين يوماً ثم خرج إلى تحت حصن الأكراد وأقام يركب كل يوم ويعود من غير قتال إلى الثامن والعشرين من شهر رجب فبلغه أن مراكب الفرنج دخلت ميناء الإسكندرية وأخذت منه مركبين للمسلمين فرحل من فوره إلى الديار المصرية فوصلها ثاني عشر شعبان. وفيها قدم على الملك الظاهر صارم الدين مبارك بن الرضى مقدم الإسماعيلية بهدية وشفع فيه صاحب حماة فكتب له منشوراً بالحصون كلها ليكون نائباً عنه بها وكتب له بأملاكه التي بالشام جميعها على أن يكون مصباث وبلدها خاصاً للملك الظاهر وبعث معه نائباً فيها عز الدين العديمي فلما وصلا إليها عصى أهلها وقالوا لا نسلمها فإنه كاتب الاسبتار ونحن نسلمها لنائب الملك الظاهر فقال لهم عز الدين أنا نائب السلطان فقالوا له تأتينا من جهة الباب الشرقي فيما جاءهم وفتحوه هجمه الصارم وقتل منهم خلقاً وتسلم هو وعز الدين القلعة ثم غلب الصارم على البلد وأزال عنه حكم عز الدين فاتصل ذلك بالملك الظاهر واتفق إن ورد عليه نجم الدين حسن بن الشعراني وهو نازل على حصن الأكراد

стр. 842

ومعه هدية سنية فقبلها وكتب له منشوراً بالقلاع التي كتب بها لصارم الدين وهي الكهف والخوابي والعليقة والرصافة والقدموس والمينقة والقليعة ونصف أملاك الشام من جبل السماق وقرر عليه يحمل كل سنة مائة وعشرين ألف درهم، ولما عاد الملك الظاهر إلى مصر وتحقق صارم الدين إقباله على نجم الدين أخرج عز الدين من مصباث فوصل إلى دمشق فسير الملك الظاهر الجمال معالي بن قدوس على خيل البريد ومعه ونجم الدين الكنجي إلى حماة فأخرجا صاحبها في عسكره ومعهم عز الدين العديمي وتوجهوا إلى مصباث فخرج منها الصارم وقصد العليقة فتسلموا مصباث في شهر رجب وحكم بها عز الدين واستخدم أجناداً ورجالة ولما اتصل بالملك الظاهر سلامة الصارم كتب إلى صاحب حماة يلومه وألزمه بإحضاره فتحيل عليه حتى نزل من العليقة فقبض عليه وحمله إلى الملك الظاهر فحبسه في برج من أبراج سور القاهرة في ذي القعدة. وفيها عمرت القناطر على بحر ابن منحا وفي يوم الخميس رابع عشري شعبان فوض إلى الصاحب تاج الدين وزارة الصحبة على ما كان عليه والده فخر الدين. وفي شعبان لعبت الشواني في نيل مصر وحضرها الملك السعيد في الحراقة ولما دخلت البر ازدحم الناس في مركب منها فغرق ثم سافروا في الشهر إلى دمياط ووافاهم من الإسكندرية أربعة أخرى وخرجوا إلى الغزاة جميعاً فوجدوا بطشة هائلة وبها شجعان حموها وعلقوا من

стр. 843

مراكب المسلمين مركباً فقاسوا الجهد فأطلقوه وقتل منهم خمس وعشرون رجلاً ثم عادوا ولم يظفر بطائل. وفي العشرين من شوال ورد البريد من الشام مخبراً أن الفرنج قاصدون البلاد والمقدم عليهم شرون أخو ريدا فرنس وربما كان محطهم عكا فتقدم إلى العسكر بالتجهز إلى الشام وورد الخبر من الإسكندرية بأن اثني عشر مركباً للفرنج عبروا على الإسكندرية ودخلوا ميناءها وأخذوا مركباً للتجار واستأصلوا ما فيه وأحرقوه ولم يجسر الوالي أن يخرج الشواني من الصناعة لغيبة رئيسها في مهم استدعاه الملك الظاهر بسببه ولما بلغ الملك الظاهر ذلك بعث فأمر الملك الظاهر بقتل الكلاب في الإسكندرية وأن لا يفتح أحد حانوتاً بعد المغرب ولا توقد نار في البلد ليلاً ثم تجهز وخرج نحو دمياط يوم الخميس خامس ذي القعدة في البحر. وفي ذي الحجة أمر بعمل جسرين أحدهما من مصر إلى الجزيرة والآخر من الجزيرة إلى الجيزة على مراكب لتجوز العساكر عليها إلى الإسكندرية إن دهمها عدو وبقي منصوباً إلى أن تواترات الأخبار بقصدهم تونس ونزولهم عليها. وفي المحرم قتل أبو العلاء إدريس بن عبد الله بن محمد بن يوسف صاحب مراكش في حرب كانت بينه وبين أبي مرين على مراكش

стр. 844

والذي يرجعون إليه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق بن حمامة وانقرضت دولة بني عبد المؤمن. وفيها سير الدرابزين للحجرة الشريفة صلوات الله على ساكنها من الديار المصرية صحبة الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلي فمرض وحصل له طرف فالج فتعلق بالحجرة الشريفة بعد أن تصدق بجميع ما معه وتشفع بالنبي ﷺ فعوفي في المدينة وصحب الركب إلى مكة ناقته. ذكر كسرة أبغا لبرق قد تقدم القول بتسيير رسل تبشير إلى أبغا يستصرخ به من برق فلما وصلت الرسل جمع أبغا أمراء دولته واتفقوا أن يقصدوا برق فجمع عساكره ونزل بموغان فأكلت خيولهم الزرع خمسة عشر يوماً ثم ساروا فوصلوا أردول فأمر عساكره بإخفائه وكل من ذكر ذلك قتل ورحلوا وساروا مدة خمس وخمسين يوماً وخيولهم ترعى الزراعات ونزلوا حخحخان وبينهم وبين برق خمسة أيام فحملوا زادهم مطبوخاً لأن لا يشعلوا ناراً وعينوا من كل عشرة فارس يتقدموهم بنصف نهار يتحفظوا لهم الأخبار فكانت عدتهم خمسة آلاف فارس فساروا في واد بين جبلين وقتلوا من وجدوه في طريقهم إلى أن أشرفوا على يزك برق فكبسوه سحراً واستأصلوهم عن آخرهم فلما وصل إليهم أبغا فرح بذلك وعرفوه

стр. 845

أنه بقي لهم يوم ونصف ويصلون إلى عسكر برق فساروا ليلاً فلما أصبحوا لم يشعروا إلا وعسكر برق قدامهم وكان في طرفه مرغول مقدم ثلاثة آلاف فارس فكسر وهرب ناجياً بنفسه واتصل ببرق فأخبره وسار أبغا فنزل على مدينة هرى فأقاموا اثني عشر يوماً يطعمون خيولهم الزرع وهرب شخص من عسكر برق ووصل إلى أبغا وعرفه أن سبب هروبه أنه رأى في لوح الغنم أن أبغا يضرب مصافاً مع برق ويكسره فقال أبغا إن صح ذلك ملكتك قرية تعيش فيها أنت وعقبك وأقبل عليه إقبالاً عظيماً ولما كسر برق وفي له. ذكر المصاف لما بلغ برق رجوع أبغا طمع في لقائه وعبر النهر الأسود على الجسر والتقيا فخرج مرغول من عسكر برق بألف فارس وحمل في عسكر أبغا فكسر منه تقدير ثلاثة آلاف فارس ومكان مقدمهم شكتو بن ألكانوين وأرغون بن جرماغون وعبد الله النصراني وكان يصحب العساكر ومعه الكنائس والنواقيس فوقع فيه سهم قتله وجاء إلى أبغا من عسكره أباطي وتبشير بن هولاكو وقالا نحن نلقى عسكر برق فأذن لهما فالتقياه وكسراه كسرة عظيمة وما زالا في عسكره بالسيف إلى الجسر وعجزوا عن العبور لكثرة الزحام فرموا أنفسهم في البحر فغاض الماء لكثرة عددهم وكان كل من تخلص ينزل عن فرسه ويعرقبه

стр. 846

على البر ويقصد الجبل هارباً ولحقهم عسكر أبغا بعد أن بعدوا عن الجسر بيوم فأما أبغا فنزل عن جحشران وأمر أن تكتب ورقة بعدة من عدم من عسكره فكانوا ثلاثمائة وسبعين فارساً ورجع عائداً إلى بلاده وكان يموت من عسكره في كل منزلة جماعة كثيرة وتدعق خيول كثيرة فعدم من الرجال والخيول ما لا يحصى كثرة. فصل وفيها توفي أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن بكير أبو العباس زين الدين المقدسي الحنبلي الناسخ بدمشق ودفن بسفح قاسيون ومولده سنة خمس وسبعين وخمسمائة بفندق الشيوخ من أرض نابلس سمع الكثير بدمشق من يحيى بن محمود الثقفي وأبي محمد عبد الرحمن بن علي وغيرهما وببغداد من أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي وأبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب ابن كليب وغيرهما وكتب الكثير بخطه من الكتب الكبار والأجزاء المنثورة وكان سريع الكتابة كتب الخرقي في ليلة وحدث بالكثير مدة وبقي حتى احتيج إلى ما عنده وتفرد بالرواية عن جماعة من شيوخه وكان فاضلاً متنبهاً وإليه انتهت الرحلة ببلده وسمعت عليه صحيح مسلم وغيره رحمه الله تعالى، وكانت وفاته في السابع من شهر رجب ورأيت بخط أخي ﵀ أنه توفي يوم الاثنين تاسع شهر رجب

стр. 847

والله أعلم وقال سمع من الحافظ عبد الغني ﵀ وروى عن السلفي بالإجازة العامة وقال كتبت بإصبعي هاتين أكثر من ألفي مجلدة روى عنه الناس وألحق الأصاغر بالأكابر وكان ديناً فهماً يحفظ كثيراً ويرد في غالب الأوقات على من يقرأ عليه وسمع صحيح مسلم عن ابن صدقة الحراني بسماعه من الفراوي غير شيء يسير من أوله فإنه أجازه رحمه الله تعالى. أحمد بن القاسم بن خليفة أبو العباس موفق الدين الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة الحكيم الفاضل له مصنفات منها كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء توفي بضرخد في جمادى الأولى وقد نيف على سبعين سنة ﵀. أيبك بن عبد الله الصالحي الأمير عز الدين المعروف بالزراد كان متولي قلعة دمشق وكان المذكور من المماليك الصالحية النجمية وحرمته وافرة في الدولة الظاهرية وسيرته جميلة وله مهابة وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة بقلعة دمشق المحروسة ﵀. أيبك بن عبد الله الأمير عز الدين الظاهري النائب بحمص كانت عنده نهضة كبيرة وصرامة مفرطة موصوف بالعسف والظلم وكان آحاد المماليك الظاهرية فأمره الملك الظاهر وولاه حمص وأعمالها فضبط عمله وساسه ولم يزل على ذلك إلى أن توفي بحمص في صفر من هذه السنة وكان عنده تشيع وجور على الرعية فسر أهل ولايته

стр. 848

بموته والراحة منه. أيوب بن محمود بن نصر الله بن محمود بن كامل أبو الفرج البعلبكي الأصل كان من المعدلين بدمشق سمع من ابن اللتي وغيره ودخل بغداد وسمع بها من جماعة وحدث وكانت وفاته بصفد في العشر الأول من ربيع الآخر رحمه الله تعالى. حسن بن محمد بن أحمد الصوفي العجمي الأصل الفارسي المعروف بالبرسي كان يتزيد في حديثه ويدعي كبر السن وأنه قد تعدى تسعين سنة فسأل هل أدرك القاضي الزنجاني الذي قتل ببعلبك فقال نعم وكان عمري عند قتله عشرين سنة أو ما يزيد عليه والزنجاني قتل سنة ثلاث وستين وخمسمائة وتوفي حسن المذكور ببعلبك ليلة الجمعة سابع وعشرين شهر رجب ودفن في منزله داخل باب دمشق من مدينة بعلبك. صالح بن الحسين بن طلحة بن الحسين بن محمد بن الحسين أبو البقاء تقي الدين الهاشمي الجعفري الزينبي مولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة سمع وحدث وكان أحد الفضلاء العارفين بالأدب وغيره والرؤساء المذكورين بالفضل والنبل وتولى قضاء قوص مدة ونظرها أيضاً مدة أخرى وله خطب حسنة ونظم جيد وتصانيف عدة مفيدة وكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي القعدة ودفن من الغد بسفح المقطم رحمه الله تعالى. علي بن الحسن بن الفرج بن النعمان بن محبوب أبو الحسن تقي الدين

стр. 849

المعري الأصل البعلبكي المولد والدار كان فقيهاً شافعي المذهب حسن العشرة كريم الأخلاق توفي بدمشق ليلة الجمعة رابع عشري ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون ﵀ وقد ناهز الستين سنة من العمر. علي بن أبي طالب بن محمد أبو الحسن علاء الدين الحسيني الموسوي كان شيخاً حسن الشكل من المعدلين بدمشق ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة سمع من الكندي وغيره وحدث وكانت وفاته بدمشق في الثامن والعشرين من ذي القعدة رحمه الله تعالى. محسن بن عبد الله أبو الخير الطواشي الصالحي النجمي سمع الكثير من جماعة من أصحاب أبي طاهر السلفي وغيره وحصل الأصول وحدث وتقدم عند الملك الصالح نجم الدين أيوب ﵀ وبعد موت الملك الصالح سافر إلى مدينة رسول الله ﷺ وتقدم على خدام الضريح النبوي صلوات الله وسلامه على ساكنه ورجع إلى الديار المصرية فتوفي بها في العشرين من شعبان ﵀. محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين أبو عبد الله الدمشقي الشافعي المعروف بالشمس بن عساكر مولده في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة سمع الكثير وحدث وهو من بيت الحفظ والعلم والحديث وجده الحافظ أبو القاسم أحد حفاظ الشام ﵀ وتوفي في ليلة السابع من صفر هذه السنة ﵀. محمد بن علي بن محمد بن سليم أبو عبد الله فخر الدين الوزير بن الوزير

стр. 850

المصري الشافعي سمع بمصر من أبي الحسن علي بن أبي عبد الله البغدادي وغيره وبدمشق من أبي العباس أحمد بن عبد الدائم وغيره وحدث فسمع منه جماعة وكان محباً لأهل الخير والصلاح مؤثراً لهم متفقداً لأحوالهم وعمر رباطاً حسناً بقرافة مصر الكبرى ورتب فيه جماعة من الفقراء وجعل لهم ما يقوم بهم ودرس في مدرسة والده بمصر مدة وكان كثير البر والصدقة وتوفي بمصر في الحادي والعشرين من شعبان ودفن من الغد بسفح المقطم رحمه الله تعالى. يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن أمير المؤمنين عثمان رضوان الله عليه بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو الفضل محي الدين القرشي الأموي العثماني الدمشقي الشافعي الإمام العالم قاضي قضاة الشام ورئيس عصره، ولد بدمشق في ليلة الخامس والعشرين من شعبان سنة ست وتسعين وخمسمائة سمع من ابن طبرزد وحنبل وزيد الكندي وعبد الصمد بن الحرستاني وآخرين وحدث بدمشق ومصر وتوفي بمصر في صبيحة الرابع عشر من شهر رجب ودفن من يومه بسفح المقطم ﵀، وكان له عقيدة في الفقراء والصالحين يتلقى ما يحكى عنهم من الكرامات بالتصديق والقبول وصحب الشيخ محي الدين محمد ابن العربي ﵀ وله فيه عقيدة تجاوز الوصف، وكان يحكي عنه أنه يفضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ على أمير المؤمنين

стр. 851

عثمان بن عفان ﵁ مع كون عثمان ﵁ جده فتوهمت أنه اقتدى بالشيخ محي الدين في ذلك فإنه كان يرى هذا على ما حكى عنه. ثم جرى بيني وبين الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ الحديث في مثل ذلك فذكر ما معناه أن قاضي القضاة بهاء الدين يوسف ابن محي الدين المذكور حكى له أن والده أخبره أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في المنام بجامع دمشق وهو مستند إلى عمود من عمد الجامع قال محي الدين فسلمت عليه فأعرض عني فقلت له يا أيمر المؤمنين أنا ابن عمك فقال صدقت ولكنكم ما اتقيتم أو ما هذا معناه فاستيقظ قاضي القضاة محي الدين ﵀ وتلبس بالمغالاة في حب علي رضوان الله عليه وتفضيله ونظم قصيدة طويلة مدحه بها منها: أدين بما دان الوصي ولا أرى ... سواه وإن كانت أمية محتدي ولو شهدت صفين خيلي لأعذرت ... وساء بني حرب هنالك مشهدي لكنت أسن البيض عنهم مواضيا ... وأروى أرماحي ولما تقصد وأجلبها خيلاً ورجلاً عليهم ... وأمنعهم نيل الخلافة باليد يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد بن مالك بن موسى بن عبد الله ابن فضالة بن علي بن عثمان بن محمد بن الحسن بن عيسى بن ثابت بن عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام أبو يوسف

стр. 852

القرشي الأسدي الزبيري المصري الصاحب الوزير زين الدين مولده في سنة ست وثمانين وخمسمائة وقيل غير ذلك وتوفي ليلة الأربعاء المسفرة عن رابع عشر ربيع الآخر هذه السنة ثمان وستين وستمائة بالديار المصرية كان إماماً عالماً فاضلاً ممدحاً كبير الرئاسة وزر للملك المظفر قطز ﵀ ثم وزر للملك الظاهر ركن الدين ﵀ في أوائل دولته مدة ثم صرفه بالصاحب بهاء الدين ﵀ ولزم بيته إلى أن أدركته منيته في التاريخ المذكور وله نظم جيد فمنه: لامني والعذر مشتهر ... عاذل ما عنده خبر في هوى من حسن صورته ... سجدت طوعاً له الصور رشا ما قال واصفه ... أنه بالوصف ينحصر رام غصن البان قامته ... فانثنى من ذاك يعتذر واستعار الظبي مقلته ... واكتسى من نوره القمر أسمر أخبار عاشقه ... بين أخبار الورى سمر وإمام في ملاحته ... واثق بالحسن مقتدر أمروا قلبي بسلوته ... أنا عاص للذي مروا لو بقلبي مثله عشقوا ... أو بعيني حسنه نظروا لرأوا غيي به رشدا ... ولكانوا في الهوى عذروا السنة التاسعة والستون وستمائة دخلت والخليفة والملوك على القاعدة في السنة الخالية خلا أبي حفص عمر بن بي إبراهيم يوسف صاحب مراكش فإنه قتل في حرب

стр. 853

بينه وبين أبي العلاء إدريس بن أبي عبد الله محمد بن يوسف ملك نبي مرين وانقضت دولة بني عبد المؤمن. متجدادت الأحوال كان الملك الظاهر بالديار المصرية وتوجه يوم السبت غرة صفر في جماعة يسيرة من الأمراء والأجناد إلى عسقلان فوصل إليها وهدم سورها ما كان أهمل هدمه في أيام الملك الصالح ووجد فيما هدم كوزان مملوءان ذهباً بقدرة ألفي دينار ففرقها على من في صحبته وورد عليه وهو بعسقلان البشير بأن عسكر ابن أخي بركة كسر عسكر أبغا وعاد إلى القاهرة يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول. وفي أوائل هذه السنة انتهى الجسر الذي عمل على بحر ابن منجا ووقف عليه الملك الظاهر وقفاً يعمر ما دثر منه. وفي أواخر ربيع الأول اتصل بالملك الظاهر أن الفرنج بعكا ضربوا رقاب جماعة من المسلمين الذين في أسرهم ظاهر عكا صبراً فأخذ من أعيان من عنده من أسراهم نحو مائة نفر فغرقهم في النيل ليلاً. وفيها بنى جامع المنشية وأقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة ثامن عشري ربيع الآخر. وفيها قبض الملك الظاهر على العزيز بن الملك المغيث صاحب الكرك وعلى يعقوب بن نور الدين بدل مقدم الشهرزورية وعلى جمال الدين

стр. 854

أغل مقدمهم أيضاً وسببه أنه بلغه وهو على عسقلان أن الشهرزورية عازمون على أن يثبوا على الملك ويسلطنوا ابن المغيث. وفي أواخر جمادى الأولى وصلت النجابون إلى مصر من عند نجم الدين ابن نمي محمد بن أبي سعد بن علي بن قتادة بن الحسن الحسيني صاحب مكة وأخبروا أن الخلف وقع بينه وبين عمه إدريس بن علي بن قتادة وكان شريكه في الأمرة فاستظهر إدريس عليه فخرج فاراً من بين يديه وقصد ينبع فاستنجد بصاحبها وجمع وحشد وقصد مكة فالتقيا وتحاربا فطعن أبو نمى إدريس ألقاه من جواده ونزل إليه وحز رأسه واستبد بمكة. وفي ثاني عشر جمادى الآخرة توجه الملك الظاهر من الديار المصرية لقصد حصن الأكراد وفي صحبته ولده الملك السعيد والصاحب بهاء الدين واستخلف بالديار المصرية الأمير شمس الدين الفارقاني وفي الوزارة الصاحب تاج الدين ودخل السلطان دمشق يوم الخميس ثامن رجب ثم خرج منها يوم السبت عاشره وتوجه بطائفة من العسكر إلى جهة وولده والخازندار بطائفة أخرى إلى جهة وتواعدوا الاجتماع في ويوم واحد بمكان معين ليشنوا الغارة على جبلة واللاذقية والمرقب وعرفة ومرقبة والقليعات وحلباً وصافيثا والمجل وأنطرسوس فلما اجتمعوا وشنوا الغارة فتحوا صافيثا والمجدل ثم ساروا ونزلوا على

стр. 855

حصن الأكراد يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب وأخذوا في نصب المجانيق وعمر الستاير ولهذا الحصن ثلاثة أسوار فاشتد عليه الزحف والقتال وفتحت الباشورة الأولى يوم الخميس حادي عشرين الشهر وفتحت الثانية يوم السبت سابع شعبان وفتحت الثالثة الملاصقة للقلعة يوم الأحد خامس عشره وكان المحاصر لها الملك السعيد والخازندار ويسري ودخلت العساكر البلد بالسيف وأسروا من فيه من الجبلية والفلاحين ثم أطلقهم الملك الظاهر ثم أذعن أهل القلعة بالتسليم وطلبوا الأمان فأمنهم الملك الظاهر وتسلم القلعة يوم الاثنين خامس عشري شعبان وأطلق من كان فيها فرحلوا إلى طرابلس ثم رحل عنه بعد أن رتب الأفرام لعمارته وجعلت كنيسته جامعاً وأقيمت فيه الجمعة ورتب فيه نواب وقاضي. وأنشئت كتب البشائر بفتوحه فيمن ذلك ما كتب عن الملك السعيد ﵀ إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ بخط محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر ﵀ وهو: هذه البشرى إلى المجلس السامي القضائي لا زالت التهاني عنده وثيقة الأواحي حسنة التواخي، عجلة لإرضاء أهل الإيمان فلا يرخى له أعنة التراخي، تعلمه بفتوحات شملت بشائرها، وتعرفت بالنصر إمائرها، واستطعم الإيمان حلاوتها، من أطراف المران، واستنطق الإسلام عبارتها من ألسنة الخرصان، وذلك بفتح حصن الأكراد الذي كان في حلق البلاد الشامية غصة، لم تسغ

стр. 856

بمياه السيوف المجردة، وشجا في صدورها لم تقاومه أدوية العزائم المفردة. طالما اكسبت البلاد رعباً، ورهباً وطالما استمر من أخلاف الاسبتار حلباً، وكم صان كفراً في بلاد الإسلام وحماه، وكم ابتنى منها ببكر أساء صحبتها فما خشي معرة ولا خاف حماده، قد سما في السماء فلا أمل إليه يمتد، وعلا في الهواء فلا بصر يلمحه إلا وينقلب خاسيئاً عنه ويرتد، ما كان بأكثر مما قدمنا الاستخارة، وشننا على البلاد الإغارة، وعللنا بالمكاسرة عنه نفسه الأمارة، وأبحنا العساكر من الغنائم كل ما أربح لهم من التجارة، فكم أحضروا من باد وأبادوا من حاضر، وتخولوا ما يعقد على حسابه أصابع اليدين التي تدخل في جملتها عقد الخناصر، ولساعة نزولنا بساحته، ومصافحتنا بالصفاح مبسوط راحته، إذا صافيثا بذلت نفسها في فدائه، وتعلقت بذيول العسكر المنصور بأخذ الحسب من أمرائه، فقبل فداؤها ولكن بشرط فتوحه وتملكه وتكفل نصر الله على من فيه فوجدت أرباضه جميعها من الذعر خاوية على عروشها، صائلة سخالها على وحوشها مرخصة للمساوم، مرخصة في اغتنام الغنائم، فملكت العساكر محمي تلك الأموال، وحمى تلك القلل العوال، وتفيؤوا من هذه ما يصلح الأحوال، وتبؤوا من هذه ما يغدو مقاعد للقتال، وأخذنا عليها من النقوب كل ساري الجراحة في ذلك الجثمان، سارب في ضمائرها كما يسرب الميل بين الأجفان، ونصبنا عليه من المجانيق كل مثبتة في مستنقع الموت رجلها

стр. 857

حاطة في الهواء رحلها، جائمة جثوم الهزم هادية هداية العلم، تحلق تحليق الصقور، وتحني الصخور، بالصخور وما زالت بها حتى هدمت منها الأركان، وما برح النقابون حتى سروا في ضمائرها سريان الدم في مفاصل الإنسان، وقصدوا بمباضع إقطاعاتهم عروق تلك الأبدان، واستكنوا بها داء معضلاً لا يجد العدو إليه من فتكاته دواء موصلاً، تنموا بتنقيص المواد أخلاطه، ولا يرجى ببحارين الأمطار المرسلة انحطاطه، حتى تجللت من الحصن المذكور قواه، واحترقت حماة من النيران الموقدة بأحشاء حماه، فحينئذ بلغت روحه التراقي، وعجلت عليه المجانيق المذكورة التي أصابته بعين ما لها من راقي، من كل ذات أعضاء وأعضاد وأعصاب من السرياقات وعروق تتخلل تلك الأجساد وذات زمانة كم لها خطوة في الهواء بعيدة المنال، وأمانة كم ردت إلى الحبال، ما عجزت عن حمله الجبال، لها كف متسمحة، وأعطاف لا تبرح حين تجود مترنحة. ما زالا هذا بعويل معاوله وهذا بأنين سهامه ينعيان الكفر مساء صباحاً ويترنمان بما يظنه المسلم له غناء وتحسبه للكفر عليه نواحاً، حتى تسلمناه في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان المبارك فيأخذ حظه من هذه البشارة الحسنة، ويجعل الأصوات بها على الأدعية الصالحة مؤمنة، والله يمتع الشريعة بمساعيه المستحسنة بمنه وكرمه: كتب في التاريخ أعلاه، ولما حصل الاستيلاء على حصن الأكراد كتب صاحب أنطرطوس

стр. 858

إلى الملك الظاهر وهي للداوية يطلب منه المهادنة وبعث إليه مفاتيحها فصالحه على نصف ما يتحصل من غلال بلاده وجعل عندهم نائباً له ووصل رسل الاستبار من المرقب فصالحهم مناصفة أيضاً وذلك يوم الاثنين مستهل شهر رمضان وقررت الهدنة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام ولما رحل نزل مرج صافيثا ثم سار يوم الأحد رابع عشر رمضان فأشرف على حصن بن عكار ثم عاد إلى المرج فأقام به إلى أن سار ونزل على الحصن المذكور يوم الاثنين الثاني والعشرين من الشهر ونصب المجانيق عليه يوم الثلاثاء ثالث عشريه ووصل الصاحب بهاء الدين من دمشق يوم الأربعاء رابع عشريه، وفي يوم الأحد ثامن عشريه رمى المنجنيق الذي قبالة الباب الشرقي رمياً كثير فخسف خسفاً كبيراً إلى جانب البدنة ودامت عليها حجارة المنجنيق إلى الليل فطلبوا الأمان على أنفسهم من القتل وأن يمكنهم من التوجه إلى طرابلس فأجابهم وخرجوا يوم الثلاثاء سلخ الشهر وبعث صحبتهم الأمير بدر الدين يسري فأوصلهم إلى طرابلس. مان على أنفسهم من القتل وأن يمكنهم من التوجه إلى طرابلس فأجابهم وخرجوا يوم الثلاثاء سلخ الشهر وبعث صحبتهم الأمير بدر الدين يسري فأوصلهم إلى طرابلس. وأنشئت كتب البشائر بأخذه فمن ذلك مكاتبة عن الملك السعيد إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان بخط فتح الدين محمد بن عبد الظاهر ومضمونها: هذه المكاتبة إلى المجلس السامي القضائي لا زالت البركات مخيمة بفنائه، والتوفيق منوطاً بجميع آرائه، وقلوب الناس متفقة على محبته وولائه، ولا زالت البشائر إليه تتهادى، وترد على محله مثنى وفرادى،

стр. 859

تنضم ما من الله به علينا وعلى المسلمين من المواهب العظيمة الموقع الجليلة المطلع، وهو أنه لما كان بتاريخ يوم الاثنين تاسع وعشرين من شهر رمضان المعظم سنة تسع وستين وستمائة تسلمنا حصن عكار بعد أن رتبنا عليه المجانيق من كل جانب، وأذقنا من فيه العذاب الواصب، ولم يزل الجاليش بسهامه يرشقهم والمجانيق تجدخهم والمنايا تتخطفهم، فعند ما شاهدوا مصارع بعضهم نزلوا من الحصن المذكور خاضعين، وعفروا جماجمهم بالذل متضرعين، فعند ما شاهدناهم على هذه الصورة رحمناهم لي مناهم على أنفسهم خاصة وتسلمنا الحصن المذكور بحواصله وجميع ما فيه وانتظم في سلك ممالكنا، ودخل في جملة حصوننا وقلاعنا، فليأخذ المجلس بخطه من البشري بأوفر نصيب، ويذيعها بين القضاء والعلماء والفضلاء بين كل بعيد وقريب، فإنها من النعم التي يجب على كل مسلم شكرها، ويتعين بثها بين الأنام وذكرها، فيحيط علمه الكريم بذل والله يؤيده ويعضده ويحرسه في سائر التصرفات والمسالك إن شاء الله تعالى: كتب في التاريخ المذكور أعلاه. ثم دخل الملك الظاهر الحصن ورتب به نواباً وأمر بحمل بعض المجانيق إلى حصن الأكراد فحملها الأجناد وعيد ورحل إلى مرج صافيثا وكان هذا الحصن كثير الضر على المسلمين ولم يكن له كبير ذكر وإنما لما دخل ريدا فرنس إلى الساحل بعد فكاكه من الأسر رآه حصيناً صغيراً فأشار على صاحبه الأبرنس أن يزيد فيه

стр. 860

وهو يساعده فزاد فيه زيادة كبيرة من ناحية الجنوب وهو في واد بين جبال تحيط به من سائر جهاته. وفي يوم السبت رابع شوال خيم الملك الظاهر بعساكره على طرابلس فسير صاحبها إليه يسأل عن سبب قصده فقال لأرعى زرعكم وأخرب بلادكم وأعود في السنة الآتية لحصاركم فبعث إليه يتسعطفه فبعث إليه الملك الظاهر الأتابك وسيف الدين الرومي بمقترحات وهي أن يكون له من مكان عينه من أعمال طرابلس نصفاً بالسوية وأن يكون له دار وكالة فيها وأن يعطي جبلة واللاذقية بخراجهما من يوم خروجهما عن الملك الناصر إلى يوم تاريخه وأن يعطي نفقات العساكر من يوم خروجه فلما علم الرسالة عزم على القتال ونصب المجانيق ثم ترددت الرسائل وتقررت القاعدة أن تكون عرقة والجبيل وأعمالهما للبرنس وأن يكون ساحل أنطرسوس والمرقب وبليناس وبلاد هذه النواحي بينه وبين الدواية والاسبتار والتي كانت خاصاً لهم وهي بارين وحمص القديمة تعود خاصاً للملك الظاهر وشرط أن يكون عرقة وأعمالها وهي ست وخمسون قرية صدقة من الملك الظاهر عليه فتوقف وأنف فلما بلغ لملك الظاهر امتناعه صمم على ما شرط عليه فأجاب وعقد الصلح بينهما مدة عشرة سنين وعشرة اشهر وعشرة أيام أوله يوم الأربعاء

стр. 861

ثامن شوال. ولما كان الملك الظاهر نازلاً على طرابلس بعث إليه أولاد الصارم مبارك بن الرضى ابن المعالي يستعطفونه عليهم وعلى أبيهم فاتفق الحال على أن ينزلوا من العليقة ويسلموها لنوابه ويخرج والدهم من الحبس ويقطع بمصر خبز مائة فارس ويكونوا عنده فلما نزلوا خلع عليهم وبعث بهم إلى مصر فحبسوا وولى الحصن علم الدين سلطان ثم طلب صارم الدين مبارك في محبسه بعد أيام من وصولهم فلم يعلم له خبر فأمر الملك الظاهر بحبس علم الدين المسروري وإلى القاهرة بسببه ثم شفع فيه فأطلق. وفي يوم الأحد ثاني عشر شوال وصل إلى دمشق سيل عظيم خرب كثيراً من العمائر وأخذ كثيراً من الناس منهم معظم الحجاج الروميين وجمالهم وأزوادهم فإنهم كانوا نزلوا بين النهرين وبلغ السور فغلقت الأبواب دونه وطما حتى دخل من المرامي وارتفع حتى بلغ أحد عشر ذراعاً وردم الأنهار بطين أصفر ودخل البلد من باب الفراديس وأخرب خان ابن المقدم وأماكن كثيرة وكان ذلك في زمن الصيف فكأن عز الدين أحمد بن معقل ﵀ أشار إليه بأبياته في سيل مثله وهي: لله أي حياً حنت روائمه ... وهمهمت أسده والشمس في الأسد فصب في أغرب الأوقات صيبه ... غروب محتشك الأخلاق محتشد

стр. 862

وراحت الأرض بحراً فالوهاد إذا ... تعلو الهضاب بمد دائم المدد وأقبل السيل بالأمواج مرتمياً ... مثل القروم إذا تهتاج بالزبد فاعجب له من سحاب جاء يسحب من ... أذياله فوق نار الصحصح الجرد يمده كل واد مزبد لجب ... فيه حطام من الينبوت والحضد أرخى عزاليه ملأن محتفلاً ... فطال شم الربى في أقصر المدد وحين أهدي إلينا الصخر يقذفها ... من السناخيب هدى الضر للبلد فيا لها قدرة من قادر عجزت ... فيها البرية عن حصر وعن عدد وفي يوم السبت حادي عشر شوال رحل الملك الظهر عن مرج صافيثا وأذن لصاحب حماة ولصاحب صهيون ولرسل أولاد الصارم مبارك في العود إلى أماكنهم ودخل دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال وعزل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان عن قضاء دمشق وكان قد وليها عشر سنين محررة وولي القاضي عز الدين محمد ابن عبد القادر بن عبد الخالق المعروف بابن الصائغ وخلع عليه وكان تقليده قد كتب ظاهر طرابلس. وفي يوم الجمعة خامس عشري شوال خرج الملك الظاهر من دمشق قاصداً القرين فنزل عليه يوم الاثنين ثامن عشري الشهر ونصب عليه المجانيق ولم يكن به نساء ولا أطفال بل مقاتلة من اللمان فقاتلوا قتالاً شديداً وأخذت النقوب الحصن من كل جانب فطلب من فيه

стр. 863

الأمان فأمنوا يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة وبعث بهم على الجمال مأمنهم مع بيسري وتسلم الحصن بما فيه من السلاح ثم هدمه وكان بناؤه من الحجر الصلد وبين كل حجرين عمود حديد ملزوم بالرصاص فأقاموا في هدمه اثني عشر يوماً في حصاره خمسة عشر يوماً. وفي يوم الاثنين سادس عشري الشهر نزل الملك الظاهر علي كردانة قرية قريبة من عكا ولبس العسكر وسار إلى عكا وأشرف عليها ثم عاد إلى منزله ثم رحل منها يوم الثلاثاء قاصداً مصر فدخلها يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة وجملة ما صرفه الملك الظاهر في هذه السفرة من حين خروجه إلى عوده ينيف عن ثمانمائة ألف دينار عيناً. وفي اليوم الثاني من وصوله إلى قلعة الجبل قبض على جماعة من الأمراء منهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير والأمير جمال الدين آقوش المحمدي والأمير جمال الدين أيدغدي الحاجبي الناصري والأمير شمس الدين سنقر المساح والأمير سيف الدين بيدغان الركني والأمير علم الدين سنجر طرطج وغيرهم وحبسوا بقلعة الجبل وسبب ذلك أنه بلغه أنهم تآمروا على قبضه لما كان بالشقيف فأسرها في نفسه. وفيها بلغ الملك الظاهر وهو على حصن الأكراد أن صاحب قبرس خرج منها في مراكبه إلى عكا فأراد الملك الظاهر اغتنام خلوها فجهز سبعة عشر شينياً فيها الرئيس ناصر الدين عمر بن منصور بن سليمان

стр. 864

بن سلامة بن إسحاق رئيس مصر وشهاب الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام الهواري رئيس الإسكندرية وشرف الدولة علوي بن أبي المجد علوي العسقلاني رئيس دمياط وجمال الدين مكي بن حسون مقدماً على الجميع فوصلوا الجزيرة ليلاً فهاجت عليهم ريح طردتهم عن المرسي وألقت بعض الشواني على بعض فتحطم منها أحد عشر شينيا وأخذ من فيها من الرجال والصناع أسراء وكانوا زهاء ألف وثمانمائة نفر وسلم الرئيس ناصر الدين وابن حسون في الشواني السالمة وعادت إلى مراكزها. وفي ويوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة تقدم الملك الظاهر باراقة الخمور في سائر بلاده والوعيد لمن يعصرها بالقتل فاريق على الأجناد والعوام منها ما لا يحصى قيمة ومكان ضمان ذلك في ديار مصر خاصة ألف دينار في كل يوم وكتب بذلك توقيع قرئ على منبري مصر والقاهرة. وفي الآخر من ذي الحجة اهتم الملك الظاهر بإنشاء شواني عوضاً عما ذهب على قبرس وفيها نزل الفرنج على تونس وسبب ذلك أن تجاراً منهم قصدوها فألزموا على تجارتهم حقوقاً فضربوا دراهم مغشوشة على سكة صاحب تونس وأخرجوها في الحقوق الموجبة عليهم وظن العمال أن الأمير تقدم بضربها فأخذوها ثم فحصوها فوجدوها ضرب خارج الدار فسأل عن أكثر الفرنج مالاً فقيل له أهل جنوة

стр. 865

فأمر باستيصال أموالهم في سائر بلاده وحبسهم فاستصرخ أهل جنوة بريدا فرنس وأمدوه بالأموال فجمع وحشد وقصد تونس في أربعمائة ألف رجل منها ستة وعشرون ألف فارس ومعه من الملوك صاحب نابرة وابن الفنش وزوجة صاحب صقلية وعدة مراكبهم أربعمائة مركب فأمر صاحب تونس إلى أن يخلي لهم الساحل ولا يقاتلهم أحد فنزلوا في البر في ثامن عشر ذي الحجة سنة ثمان وبعث صاحب تونس إلى قبائل العرب الذين في بلاده وجمع مشايخهم وكبراء دولته من الأجناد والكتاب ليشاورهم فكل أشار برأي ورأت الجماعة الأندلسيون أن يفسح لهم في البر فإن المكان الذي نزلوا به لا يتسع لقتال فنزلت زوجة صاحب صقلية في البرج الذي على طرف المرسي وأخرج صاحب تونس العدد وفرقها في الجند والمطوعة فحملوا من غير أمره وكان معهم جماعة من الفرنج في طاعتهم فأشاروا على من معها أن تنزل من البرج إلى البحر ويلحقوها بالمراكب لئلا تؤخذ ففعلوا ففهم الأندلسيون كلامهم فلما فاتهم مقصودهم منها عادوا إلى البلد وحكموا في نسائهم وأولادهم السيف ونهبوا أموالهم وأمر صاحب تونس الرعية بعدم القتال فأشتد طمع الفرنج وقصدوا المعلقة وقتلوا من أهلها سبعين رجلاً وأخذوا منبرها وبعثوا به إلى بلادهم. وذلك في ثاني عشر ذي الحجة سنة ثمان ثم بعثوا إلى صاحب تونس يطلبونه لمبارزتهم فقال ليس فيكم ملك متوج حتى أخرج

стр. 866

إليه وإنما الذين معكم كنود فأنا أبعث إليهم أكفاءهم ثم أنفق في العربان وأمرهم بالاحتياط بهم فخافت الفرنج وخندقوا على أنفسهم جميع شهر ذي الحجة فلما هل المحرم سنة تسع ومضت منه أيام خرج الفرنج وقاتلوا قتالاً شديداً ولم يكن في المسلمين من الجند أحد إنما هم عربان وبربر وعوام فاستظهر المسلمون عليهم وأخذوا لهم فوق المائتي فرس وقتلوا ابن ريدافرنس وصاحب نابرة وابن صاحب قشتالة ابن الفنش. وعلم ذلك المسلمون في العشرين من ربيع الأول وأخبروا أيضاً أن ريدا فرنس مات في الليلة التي خرجوا في صبيحتها ولم يبق عند الفرنج ملك غير أخيه شرون وطلب الفرنج الصلح فتوقف صحب تونس فقيل له المصلحة الصلح فإن العرب لهم باطن مع الفرنج ولهم عليهم في كل يوم أربعون ألف دينار حتى لا يقاتلونهم فأجاب في ذلك فتمنع الفرنج حينئذ وقالوا كيف نصالح وقد حلفنا أن نموت بعضاً على بعض إلى أن ترد أموال الجنويين عليهم وقال شرون لصاحب تونس تعطيني الذي كان أبوك يعطيه لإنبرطور من حين قطعه وذلك عشرون سنة فقال إن كنت قوياً فاجلس ومني ومنك وإن كنت ضعيفاً مهزوماً فلا تشترط فوقع الصلح على رد مال الجنويين واتفقوا في رابع وعشرين ربيع الآخر ورحلوا بعد ذلك بسبعة عشر يوماً.

стр. 867

ذكر دخول آجاي بن هولاكو وصمغرا صحبته إلى بلاد الروم قد تقدم القول برجوع أبغا إلى أذربيجان بعد كسر برق ووصل إلى ظاهر توريز ثم رحل إلى مدينة رومى وضرب مشورة بسبب صاحب مصر وغيره فاتفقوا أنهم يسيروا آجاي بن هولاكو في ثلاثة آلاف فارس وقال له تأخذ في طريقك عول بألف فارس وابن نايجونوين بألف فارس ودرباي بألف فارس وجمغل بألف فارس ونابجي بثلاثة آلاف فارس وعسكر الروم والبرواناة فوصلوا إلى الروم واجتمعوا وسيأتي ذكر ذلك في حوادث سنة سبعين إن شاء الله تعالى. فصل وفيها توفي إبراهيم بن المسلم بن هبة الله بن البارزي أبو إسحاق شمس الدين الحموي الفقيه الشافعي فقيه فاضل دين ورع وله شعر جيد قرأ على ابن اليمن زيد بن الحسن الكندي وولي التدريس بمعرة النعمان وصحب أبا منصور بن عساكر وأعاد عنده وولي التدريس بدمشق بالمدرسة الرواحية ثم ولي التدريس بحماة ثم ولي القضاء بها فوفق في قضاياه وسلك الطريق المرضي وكانت ولايته في سنة اثنين وخمسين وستمائة ولم يزل على ذلك إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى بحماة في

стр. 868

شعبان ومولده سنة ثمانين وخمسمائة ومن شعره في وصف دمشق: دمشق لها منظر رائق ... فكل إلى وصلها تائق وأني يقاس بها بلدة ... أبى الله والجامع الفارق أحمد بن مقدام بن أحمد بن شكر أبو السعادات كمال الدين ابن القاضي الأعز أبي الفوارس ابن أبي السعادات كان أحد الكبراء المشهورين بالديار المصرية متأهل للوزارة وغيرها معروف بالمناصب الجليلة وله الرأي الصائب والعقل الثاقب والتقدم في الدول وله يد في النظم ومعرفة بالأدب ومشاركة في غيره توفي بالقاهرة في السادس والعشرين من شهر رمضان المعظم ودفن من الغد بسفح المقطم رحمه الله تعالى. حسن بن أبي عبد الله بن صدقة بن أبي الفتوح أبو محمد الأزدي الصقلي المقرئ الشيخ الصلاح العابد الزاهد الورع كان من السادات في تعبده وزهده وإعراضه عن الدنيا وأهلها وتقلله منها مع قدرته على السعي في المناصب وغيرها وكان مثابراً على قضاء حوائج الناس يسعى فيها بنفسه وله الحرمة الوافرة والمهابة في الصدور والكلمة المسموعة والقبول التام من الخاص والعام وكانت وفاته بدمشق في ليلة الثاني والعشرين من ربيع الآخر ودفن من الغد بسفح جبل قاسيون وهو في عشر الثمانين رحمه الله تعالى ورضي عنه. الحسين بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الوليد بن القاسم

стр. 869

ابن الوليد بن عبد الرحمن بن أبان بن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أبو عبد الله زكي الدين القرشي الأموي العثماني الشافعي مولده سنة اثنتين وأربعين وستمائة وتوفي في رابع صفر هذه السنة بدمشق ودفن في تربتهم بسفح قاسيون ﵀ وكان من الفضلاء النبلاء اشتغل بالفقه والأصول والخلاف والعربية وأفتى ودرس وكان له مشاركة في الأدب وهو من بيت الرئاسة والفضيلة ومن شعره من جملة أبيات: حيا وأقبل يمشي مشية الثمل ... يستن في حسن برد ناعم خضل في كفه طاسة يهدي لمغرمه ... رشاً ألذ وأحلى من جنى العسل فقلت هيهات لا خوف ولا جزع ... أنا الغريق فما خوفي من البلل سنجر بن عبد الله الأمير علم الدين الصيرفي كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية وأكابرهم وممن يخشى جانبه ويخاف فلما تملك الملك الظاهر واستقر قدمه أخرجه إلى الشام ليأمن غائلته وأقطعه خبزاً منه عدة قرى في بلد بعلبك فطلع إلى بعلبك وتمرض وأدركته منيته بها فتوفي ليلة الأربعاء سادس صفر ﵀ وهو في عشر الستين. سنجر بن عبد الله المستنصري الأمير قطب الدين البغدادي المعروف بالباغز كان من مماليك الإمام المستنصر بالله ﵀ ولما ملك التتر بغداد في سنة ست وخمسين على ما تقدم شرحه هرب جماعة كان قطب الدين المذكور منهم ووصل إلى الشام وكان محترماً في الدولة الظاهرية وعنده معرفة ونباهة وحسن عشرة ويحاضر الأشعار والحكايات وتوفي

стр. 870

في العشر الأول من صفر ﵀ وهو في عشر الستين. عباس بن محمد بن أيوب بن شاذى أبو الفضل الملك الأمجد تقي الدين الملك العادل الكبير كان محترماً عند الملوك من أهل بيته وعند الملك الظاهر لا يترفع عليه أحد في المجلس ولا في الموكب وهو آخر من مات من أولاد الملك العادل لصلبه وهو كبير البيت الأيوبي غير مدافع وكان دمث الأخلاق حسن العشرة لا تمل مجالسته وكانت وفاته يوم الجمعة ثاني وعشرين جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون ﵀. عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين أبو محمد قطب الدين الشيخ العارف المرسي الزقوطى كان أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم وبعدد المعارف وله تصانيف عدة ومكانة مكينة عند جماعة من الناس وأقام بمكة سنين عديدة إلى أن توفي بها في الثامن والعشرين من شوال هذه السنة ومولده سنة أربع عشرة وستمائة رحمه الله تعالى والزقوطي نسبة إلى حصن من عمل مرسية يقال له زقوطة. عبد الله بن أحمد بن عبد الواحد بن الحسين بن أبي المضاء أبو بكر شمس الدين كان من أعيان أهل بعلبك وصدورها وولي فيها الحسبة مدة زمانية وولي غيرها من المناصب وأصابه خلط يعتريه في بعض الأيام يشبه الصرع وكان له ثروة ووجاهة وحج في سنة سبع وتسعين وخمسمائة وتوفي بمنزله ببعلبك عشية نهار الخميس سادس عشر جمادى

стр. 871

الآخرة ودفن من الغد ظاهر باب حمص من مدينة بعلبك وهو في عشر التسعين ﵀. عبد الواحد بن عبد المؤمن بن سيد بن علوان البعلبكي كان من العدول الأمناء وتوفي في ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الأول وهو في عشر الستين ﵀. عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله أبو المكارم السعدي التميمي المصري العدل المعروف بزين القضاة بن الحباب سمع وحدث وهو من بيت الرياسة والنبل والعدالة والفضل وبيته من البيوت المشهورة بالديار المصرية من حين استوطنوها وهم من ذرية زيادة الله بن الأغلب آخر ملوك إفريقية الذين انتقل عنهم الملك إلى الخلفاء الفاطميين وكانت وفاة زين القضاة في التاسع والعشرين من جمادى الأولى بمصر ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀ ومولده في غرة المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة بمصر. عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى أبو حفص شرف الدين السبكي الفقيه المالكي مولده في عشر ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة تفقه وسمع وحدث وأفتى وتولى الحسبة بالقاهرة مدة ثم تولى الحكم بالديار المصرية حين جعلت القضاة بها من المذاهب الأربعة ودرس بالمدرسة الصالحية بالطائفة المالكية وكان أحد المشايخ المشهورين بالعلم والدين والفضل والخير وتوفي بالقاهرة ليلة الخامس والعشرين من ذي القعدة ودفن من الغد بمقابر باب النصر رحمه الله تعالى والسبكي

стр. 872

نسبة إلى سبك من أعمال الديار المصرية. عمر بن علي بن أبي بكر بن محمد بن بركة بن محمد أبو الرضا رضي الدين الحنفي المعروف بابن الموصلي مولده بميافارقين سنة أربع عشرة وستمائة تفقه ودرس وأفتى وحدث وكان أحد المشايخ المشهورين بالفضل والرياسة والديانة والنبل وله نظم حسن وخط جيد وكانت وفاته في ثاني عشر شهر رمضان المعظم بالقاهرة ودفن من يومه بسفح المقطم رحمه الله تعالى. عيسى بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كامل أبو محمد الكردي الهكاري الأمير شرف الدين سمع بالقدس من الخطيب أبي الحسن على بن جميل المعافري وأجاز له أبو حفص عمر بن محمد ابن طبرزد وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي وحدث ومولده يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالقدس الشريف وكان أحد الأمراء الكبار مشهوراً بالشجاعة معروفاً بالإقدام وله وقائع معروفة مع العدو المخذول بأرض الساحل وغيرها ومواقف مشهورة في المصافات وولي الأعمال الجليلة وتقدم على العساكر في الحروب وكان ممن جمع بين الدين والشجاعة والكرم والمروءة وحاز الأوصاف الجميلة ما فاق به على كثير من أبناء جنسه وتوفي بدمشق في الثامن والعشرين من ربيع الآخر ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀. محمد بن أسعد بن عبد الرحمن بن كنفي بن عبد الرحمن أبو عبد الله

стр. 873

الهمذاني الشيخ الصالح الزاهد العابد كان من الأولياء الأفراد أقام بمشهد ابن عروة بجامع دمشق داخل باب البريد مدة سنين منعكفاً على العبادة إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه بكرة نهار الأربعاء سادس صفر بدمشق ودفن من يومه بسفح قاسيون وهو في عشر الثمانين رحمه الله تعالى. محمد بن إسماعيل بن عثمان بن المظفر بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين أبو عبد الله الدمشقي الشافعي المعروف بالمجد ابن عساكر سمع من الخشوعي والقسم بن علي الدمشقي وأبي المعالي محمد بن علي القرشي وابن طبرزد وحنبل والكندي وغيرهم وحدث ومولد مقارب سنة سبع وثمانين وخمسمائة وتوفي بدمشق في الثامن من ذي القعدة ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀. محمد بن تمام بن يحيى بن عباس بن يحيى بن أبي الفتوح بن تميم أبو بكر فخر الدين الحميري الدمشقي كان من صدور دمشق وأعيانها وعدولها ومولده في خامس ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة سمع من الإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة وغيره وحدث بدمشق والقاهرة وتوفي بدمشق في رابع رجب ودفن من يومه بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى. محمد بن خطلبا بن عبد الله أبو عبد الله ناصر الدين الأمير بن الأمير

стр. 874

صارم الدين التبنيني كان أميراً جليلاً كبير المقدار عالي الهمة واسع الصدر خبيراً بالتصرفات تنقلت به الأحوال وأحكمته التجارب وولي الولايات الجليلة وكان نزهاً عن أموال السلطان وأموال الرعية لا يدنس بذلك هو ولا أحد من حاشيته وكان صارماً ضابطاً لما يتولاه يكف القوى عن الضعيف وله الحرمة الوافرة عند الملوك ووصله من الأموال في عمره ما لا يحصى كثرة وأنفقها جميعها وقل ما بيده في آخر عمره وتوفي إلى رحمة الله تعالى مجرداً في حصن الأكراد بظاهره في شهر ذي الحجة ودفن ظاهر الحصن المذكور وقد نيف على السبعين وكان له إلمام بالأدب والفضيلة ومعرفة تامة بالجوارح ومعالجتها وصنف في ذلك وفي البيطرة ما يحتاج إليه وينتفع به ﵀. محمد بن عبد المنعم بن نصر الله بن جعفر بن أحمد بن حواري أبو المكارم تاج الدين التنوخي المعري الأصل الحنفي المذهب الدمشقي المولد والدار والوفاة المعروف بابن شقير مولده في سنة ست وستمائة سمع وحدث بدمشق والقاهرة وكان أديباً فاضلاً وعنده رئاسة ومكارم أخلاق ودماثة وحسن محاضرة وهو من شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد وله فيه مدائح جمة وكان الملك الناصر يحبه ويقدمه على غيره من الشعراء الذين في خدمته وتوفي تاج الدين المذكور يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر في منزله بسفح قاسيون ودفن في دهليز مغارة الجوع بقاسيون رحمه الله تعالى ومن شعره: لاح وهناً بالأبرقين بروق ... فاعترى قلبي المشوق خفوق

стр. 875

طرق الدمع طرفه وله منه صبوح لا ينقضي وغبوق أنحلته مرضى الجفون فما أن ... يهتدي نحوه الخيال الطروق ريقه رائق السلافة والثغر حباب وخده الراووق حل صدغيه ثم قال أفرقٌ ... بين هذين قلت فرق دقيق فأتى بالنطاق ينطق بالفر ... ق ولولاه أشكل التفريق وله: أسكرتني عيناك يا ابن خمار ... سكرة ما لخمرها من خمار ما رأينا من قبل شعرك ليلاً ... أشرقت في دجاه شمس النهار اطلع الحسن من ثناياك طلعاً ... في عقيق يسقي بصافي العقار ناله في جماله من مصون ... في هواه تهتكت أستاري محمد بن حيدر بن..... كان رجلاً عابداً يقوم معظم الليل ويكثر من الصلاة والتسبيح ويؤذن احتساباً وكانت والدته زوجة شيخنا الشيخ عبد الله الكبير رحمة الله عليه وتوفي ببعلبك في ثاني جمادى الأولى وقد نيف على سبعين سنة ودفن بالقرب من رأس العين ظاهر بعلبك ﵀. مرشد بن عبد الله شجاع الدين المظفري الخادم الأمير الكبير عتيق الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك المنصور صاحب حماة كان من الأبطال الشجعان وله في الحروب مواقف مشهورة وكان الملك الظاهر

стр. 876

ركن الدين ﵀ يحبه ويعتمد عليه لكفايته وشجاعته وكان الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة ﵀ ابن أستاذه هو مخدومه لا يخالفه فيما يشير به يتصرف في مملكته كتصرفه وكان عنده إيثار وبر بالفقراء كثير الصدقة وتوفي إلى رحمة الله تعالى بحماة ودفن في تربته بقرب المدرسة التي أنشاها وهو في عشر السبعين. السنة السبعون وستمائة دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة والملك الظاهر بقلعة الجبل بالقاهرة. متجددات هذه السنة في يوم الأحد رابع عشر المحرم ركب الملك الظاهر إلى الصناعة لإلقاء الشواني في البحر وركب في شينى منها ومعه الأمير بدر الدين الخازندار فلما صار الشيني في الماء مال بمن فيه فوقع الخازندار منه إلى البحر فنهض بعض رجال الشينى ورمى نفسه خلفه فأدركه وأخذ بشعره وخلصه وقد كاد فخلع عليه وأحسن إليه. وفي ليلة السبت السابع والعشرين منه خرج الملك الظاهر إلى الشام في نفر يسير من خواصه وأمرائه ودخل حصن الكرك ثم خرج منه وقد أخذ معه الأمير عز الدين أيدمر النائب كان فيه وسار إلى دمشق فوصلها يوم الجمعة ثاني عشر صفر فعزل عنها الأمير جمال الدين آقوش النجيبي وولى مكانه الأمير عز الدين أيدمر ثم خرج منها إلى

стр. 877

حماة في السادس عشر منه ثم عاد عنها في السادس والعشرين منه. ذكر توجه الملك الظاهر إلى حلب وسببه أن صمغرا ومعين الدين سليمان البرواناة وعساكر المغل والروم لما عادوا من عند أبغا في السنة الخالية وردت عليهم أوامر أبغا بقصد الشام في هذه السنة فحشد وخرج صمغرا والبرواناة بعسكر عدته عشرة آلاف فارس فوصلوا إلى البلستين ثم إلى مرعش وبلغهم أن الملك الظاهر بدمشق فبعثوا ألفاً وخمسمائة فارساً من المغل ليتجسسوا الأخبار ويغيروا على أطراف بلاد حلب وكان مقدمهم إقبال بن بايجونوين فوصلت غارتهم إلى عين تاب ثم إلى قسطون ووقعوا على جماعة تركمان نازلين بين حارم وإنطاكية فاستأصلوهم فتقدم الملك الظاهر بتجفيل البلاد وأهل دمشق ليحمل التتر الطمع فيدخلوا فيتمكن منه وبعث إلى مصر فخرجت العساكر ومقدمها الأمير بدر الدين بيسرى فوصلوا إليه في خامس ربيع الآخر وخرج بهم في السابع منه فسبق إلى التتر خبره فولوا على أعقابهم ولما مر الملك الظاهر بحماة استصحب معه الملك المنصور صاحبها وكذلك الأمير نور الدين بن مجلي بمن عنده من عسكر حلب وسار حتى نزل حلب يوم الاثنين ثامن عشر الشهر المذكور فخيم بالميدان الأخضر ثم جهز الأمير شمس الدين الفارقاني في عسكر وأمره أن يدوخ بلاد حلب الشمالية ولا يتعرض لبلاد صاحب سيس وجهز الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في عسكر وأمره بالتوجه إلى حران

стр. 878

فأما شمس الدين فإنه سار خلف التتر إلى مرعش فلم يجد منهم أحداً ثم عاد إلى حلب فوجد الملك الظاهر مقيماً بها وقد أمر بإنشاء دار شمالي القلعة كانت تعرف بالأمير سيف الدين بكتوت أستاذ درا الملك الناصر وأضاف إليها داراً تعرف بالملك الرشيد شرف الدين هارون ابن الملك المفضل موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ووكل بعمارتها الأمير عز الدين الأفرم. ولما عاد الفارقاني إلى حلب رحل الملك الظاهر منها قاصداً الديار المصرية في ثامن وعشرين ربيع الآخر ودخل مصر في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ولما كان بحلب خرجت طائفة من الفرنج من عثليث وأغارت على قافون وأخذت التركمان على غفلة منهم فلحقهم الأمير جمال الدين أقوش الشمسي ببعض العسكر واسترد بعض الغنيمة ثم أغاروا ثانية على القرين فلحقهم واقتلع منهم عشرين فارساً وعند وصول الملك الظاهر إلى مصر قبض على الأمراء الذين كانوا مجردين على قافون غير الشمسي فشفع فيهم فأطلقهم. وأما الأمير علاء الدين طيبرس فإنه سار ومعه عيسى بن مهنا في جماعة من العرب فخاض الفرات وسار إلى حران فخرج إليه من بها من نواب التتر فالتقاهم عيسى وطاردهم وطاردوه فخرج عليهم العسكر فلما رأوه نزلوا عن خيولهم وقبلوا الأرض وألقوا سلاحهم فقبضوا عن آخرهم وكانوا ستين رجلاً وسار الأمير علاء الدين إلى حران

стр. 879

فأغلقوا أبوابها وتركوا باباً واحداً فخرج منه الشيخ محاسن بن القوال أحد أصحاب الشيخ حياة ومعه جماعة كثيرة وذلك يوم الثلاثاء سادس عشري ربيع الآخر وأخرج له طعاماً تبركا فتلقاه الأمير علاء الدين وترجل له فأخرج له مفاتيح حران وقال له البلد للسلطان ثم عاد علاء الدين ولم يدخل حران فعبر الفرات سباحة وعاد إلى مصر. وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة عبر الملك الظاهر إلى بر الجيزة فأخبر أن ببوصير السدر مغارة بها مطلب فجمع لها خلقاً فخفروا أمداً بعيداً فوجدوا قطاطاً ميتة وكلاب صيد وطيوراً وغير ذلك من الحيوان ملفوفاً في عصائب وخرق فإذا حلت اللفائف ولاقى الهواء ما كان فيها صار هباء وأقام الناس ينقلون ذلك مدة ولم ينفد ما فيها فأمر الملك الظاهر بتركها وعاد من الجيزة يوم الثلاثاء ثالث وعشرين منه. وفي يوم السبت سابع عشر جمادى الآخرة ركب الملك الظاهر إلى الصناعة ليرى الشواني التي عملت وهي أربعون شينياً فسر بها. وفي الشهر المذكور ولدت زرافة بقلعة الجبل وهذا أمر لم يعهد وأرضع ولدها لبن بقرة. وفي ثالث شهر رجب أمر الملك الظاهر جماعة منهم الأمير شرف الدين مختص وبهاء الدين أيوب أمير آخور وركن الدين منكورس الزاهدي وأسد الدين قراصقل وأسد الدين منكورس الحموي وناصر الدين

стр. 880

نصر اللالا وتوجه الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي إلى الساحل في جماعة من الأمراء والأجناد يوم الاثنين سادس شهر رجب. وفي يوم الجمعة ثاني شعبان أمر الملك الظاهر بالحوطة على بيت الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد المقدسي الحنبلي وحمل ما فيه من الودائع فحملت إلى قلعة الجبل وسبب ذلك أنه وقع بينه وبين التقي شبيب الحراني الكحال شنآن كان أصله أن المذكور كان له أخ ينوب عن الشيخ قاضي القضاة في المحلة فعزله لأمر أوجب عزله فحمل شبيب المذكور تعصبه لأخيه أن كتب رقعة إلى الملك الظاهر ذكر فيها أن عند الشيخ شمس الدين ودائع للتجار من أهل بغداد وحران والشام وذكر جملة كبيرة قد مات بعض أهلها واستولى عليها فلما وصلت إليه استدعي الشيخ شمس الدين وسأله فأنكر فحلفه فتأول وحلف فأمر بهجم بيته فوجد فيه كثيراً مما ادعاه شبيب بعضه قد مات أهله ولهم وراث وبعضه أهله أحياء والغبار عليه عاكف لم تمسه يد فأخذ من ذلك زكاته عدة سنين وسلم لأصحابه وحنق الملك الظاهر على الشيخ وحبسه فتسلط عليه شبيب حينئذ وادعى أنه حشوي وأنه يقدح في الدولة وكتب بذلك محضراً فعقد له مجلس يوم الاثنين حادي عشر شعبان بعد سفر الملك الظاهر إلى الشام وكان المجلس بحضرة
следующие страницы →