← Акыда

Акыда · id 12723

رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا

محمد رشيد رضا

Полный текст (359 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كما تقدم شرحه (١) ، وثَبَتَ رسول الله ﷺ كعادته، وثبت معه من كان قريباً منه من أهل بيته وغيرهم من كبار المهاجرين الذين لم يكونوا يفارقونه، كأبي بكر وعمر وابن مسعود ﵃. (٢) وقد صرح ابن مسعود بأن الذين ثبتوا معه ﷺ كانوا ثمانين رجلاً كما تقدم، ومن عدهم أقل من ذلك فإنما عد من رآه بالقرب منه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وليس معنى هذا: أن سائر الجيش قد انهزم جبناً وترك الرسول وهو يعرف مكانه عمداً، بل وَلَّى الجمهور مدبرين بالتبع للطلقاء (٣) والأحداث (٤) الذين فروا من رشق السهام، وأكثر هذه الألوف لا يعرف مكانه ﵊، كما عرف هؤلاء الذين كانوا حوله ﷺ ولما علم سائر المسلمين ولا سيما الأنصار بمكانه ﷺ من نداء العباس ﵁ أسرعوا في العطف والرجوع. هذا ما رواه المحدثون والمؤرخون.

стр. 142

وأما الروافض فأنهم يطعنون كعادتهم في جميع أصحاب رسول الله ﷺ ويزعمون أنهم فروا كلهم جبناً وعصياناً لله وإسلاما لرسوله إلى الهلكة، واستحقوا غضبه تعالى ووعيده الذي تقدم في سورة الأنفال، إلا نفرا قليلا لا يتجاوزون العشرة يزعمون أنهم ثبتوا بالتبع لثبات علي كرم الله وجهه، وأنه هو الذي ثبت وحده بنفسه، وأنه لولاه لقتل النبي ﷺ وزال الإسلام من الأرض!! ذكرنا في آخر تفسير الآيات الأربع الأولى من هذه السورة كتاباً لبعض علماء الشيعة المعاصرين كبر فيه مسألة تلاوة علي أوائل هذه السورة على المشركين سنة تسع، وصغر إمارة أبي بكر على الحج وفندنا شبهه في ذلك. وقد كَبَّرَ صاحب هذا الكتاب ثباتَ علي ﵁ مع النبي ﷺ في حنين أضعاف ذلك التكبير، وحقر سائر الصحابة أقبح التحقير، وزعم أن عمر بن الخطاب قد فر في ذلك اليوم مع الفارين وهم بزعمه جميع المسلمين، وإلا علياً وثلاثة رجال - وقيل: تسعة - ثبتوا بثباته.

стр. 143

أما زعمه أن عمر قد فَرَّ - وهو ما لم يقله أحد من المحدثين ولا أصحاب السير - فقد تأول به رواية لأبي قتادة عند البخاري ذكر فيها هزيمة المسلمين وأنه انهزم معهم، وأنه قال: فإذا عمر بن الخطاب في الناس، فقلت: ما شأن الناس؟ قال أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ . اهـ فوجب أن نبين ما في كلامه من الجهل والافتراء لأنه جعله تفسيراً لهذه الآية لئلا يضل بعض المطلعين على كتابه في فهمها. قال: ((روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي قتادة. . .)) الخ. والمتبادر من قوله: ((روي بإسناده)) أنه رواه مسنداً موصولاً، والصواب أن هذه الرواية فيه معلقة بدأها البخاري بقوله: ((وقال الليث حدثني يحيى بن سعيد. . .)) إلخ. قال الحافظ ابن حجر في شرحه من الفتح [٨ / ٤١] : ((وروايته هذه - يعني يحيى بن سعيد - وصلها المصنف في الأحكام عن قتيبة عنه لكن باختصار)) . اهـ ويريد بهذا الاختصار ذكر الحديث المرفوع منها وهو قوله ﷺ : ((من أقام بينة على قتيل قلته فله سلبه)) وليس فيها ذكر عمر ﵁؛ ولذلك لم يذكرها

стр. 144

الرافضي؛ لأن غرضه محصور في قول أبي قتادة: ((فإذا عمر بن الخطاب في الناس)) ؛ ليفسره بأنه في الناس الفارين؛ فإن العبارة محتملة لو لم يثبت أن عمر كان فيمن ثبتوا، ولذلك فسره القسطلاني بأنه كان في الناس الذين لم ينهزموا (١) ، ومتى كان عمر جباناً يفر من القتال؟! (٢) وهو الذي كان رسول الله ﷺ يدعو الله بأن يعز به الإسلام (٣) ، وفي بعض الروايات: ((يشد به الدين)) (٤) فاستجاب الله دعاءه حتى قال عبد الله بن مسعود: ((ما عُبد الله جهرة حتى أسلم عمر)) . (٥) وقد طعن الرافضي في جميع الصحابة، ولا سيما أصحاب بيعة الرضوان، الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن وأقسم أنه رضي عنهم وجعل ذلك مما يتعبد به المسلمون إلى آخر الزمان، إذ قال ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم فأنزل الله السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ ثم قال فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي

стр. 145

الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) ﴾ . وهذا الكتاب كسائر كتب الروافض يدل على أنهم أشد غيظاً بهم من جميع الكفار (١) ، فإن هذا الرافضي زعم أن جميع المسلمين فروا في أثر المؤلفة قلوبهم من أهل مكة. قال: ((ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا ثلاثة: علي (ع) يضرب بالسيف بين يدي رسول الله ﷺ ، والعباس آخذ بلجام بغلته ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابه. قيل: وابن مسعود إلى جانبه الأيسر، وقيل: ثبت معه تسعة من بني هاشم، وهو الذي اعتمده الشيخ المفيد في الإرشاد)) . اهـ. وهو لم يعتمد على إرشاد مفيده وهو من شيوخهم وكبار مصنفيهم في تأييد نحلتهم، فذكر ما اعتمد بصيغة التمريض بعد جزمه هو بثبات الثلاثة -فقط. ثم زعم أن قو له تعالى ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى

стр. 146

المؤمنين﴾ خاص بهؤلاء الذين ثبتوا معه ﷺ ! فيقال له: ولماذا عطف على ما قبله بـ (ثم) الدالة على التراخي؟ أليس دليلا على أن الرسول والذين ثبتوا معه كانوا قد اضطربوا عند اضطراب الجمهور في تلك الهزيمة؟ أوليس نزول السكينة لازماً أو ملزوماً لعودة المهاجرين والأنصار من أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة إلى القتال؟ وهل عادوا إلا بعد أن زال بذلك الاضطراب واختلاط الأمر الذي عرض لهم بفرار المؤلفة قلوبهم؟ وهل زال ذلك إلا بما أنزل الله عليهم من السكينة لما سمعوا نداء الرسول ﷺ ونداء العباس ﵁ وعلموا مكانه ﷺ ؟ وهل يكون أصحاب هذه الكَرَّة الناهضة بعد تلك الفَرَّة العارضة - وهم أصحاب المواقف السابقة والفتوحات اللاحقة - من الجبناء المستحقين لغضب الجبار، ويكون فرارهم خذلاناً للرسول وتعمداً لإسلامه للكفار، كما افترى الرافضي الكَفَّار (١) ؟

стр. 147

وخلاصة المعنى الذي يدل عليه عطف إنزال السكينة بـ (ثم) الدال على تأخيره عن تولى الأدبار: أن الاضطراب المنافي للسكينة - بانهزام الطلقاء - كان عاماً؛ إذ تبعه انهزام السواد الأعظم على غير هدى، وهو أمر طبيعي في مثل هذه الحال، فإن اختلف سببه فقد اتفق المآل. فالجيش اضطرب لهزيمة عدد كثير منه، والرسول ﷺ اضطرب باله حزنا على المسلمين، ثم بعد أن تمت حكمة الله في ابتلائهم بذلك أنزل سكينته على رسوله، فأمر عمه العباس بنداء المهاجرين والأنصار، فناداهم فاستجابوا لله وللرسول ﷺ إذ أنزل الله السكينة عليهم بدعوته والعلم بمكانه. إن الرافضي عمد بعد أن ذكر مجمل القصة بما وافق هواه من نقل، وما مزجه به من تأويل باطل، إلى تحريف الآيتين في هذه الغزوة، فزعم أنها توبيخ لجميع الصحابة ﵃ ما عدا الذين ثبتوا وهم في زعمه ثلاثة بل واحد في الحقيقة، وخص أصحاب بيعة الرضوان بالذكر، بل بالذم المقتضى للكفر. قال، بعد أن

стр. 148

زعم أنهم أسلموا صاحبَ الدين لجفاة الأعراب وطغام هوازن وثقيف ما نصه: ((فأين ما بايعتم به الله سبحانه وما أعطيتموه من العهد والميثاق يوم بيعة الرضوان على أن لا تفروا عنه، ومن فر فهو في النار، ومن قتل فهو شهيد؟ فما وفيتم ببيعكم الذي بايعتم به سبحانه (كذا) إذ يقول ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً﴾ أنقضتم العهد؟ أم استقلتم البيع؟ ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ غير متحرفين لقتال ولا متحيزين إلى فئة، ومن يفعل ذلك ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ )) . اهـ بحروفه وتحريفه لكلام الله تعالى. إذ جعل ذلك كله تفسيراً لآية يوم حنين - التي لم تكن إلا تذكيراً للمؤمنين بعناية الله تعالى بهم ونصره إياهم على ما وقع فيهم من الاضطراب والتولى في أول المعركة -، وقد أراد بهذا التحريف أن يهدم كل ما للصحابة الكرام من الثناء في كتاب الله، ويجعلهم من شرار الخلق عند الله، ويحول رضوان الله عنهم إلى غضبه، ووعدهم إياهم بالجنة إلى وعيدهم بالنار.

стр. 149

أرأيت هذا الرافضي كيف لم يتم آية الشراء؛ لأنها حجة عليه ومبطلة لتأويله؟ وهو قوله تعالى ﴿ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾ فلو علم الله تعالى أنهم ينقضون العهد أو يستقيلون هذا البيع لما أمرهم بالاستبشار به، ولما عبر عنه بأنه هو الفوز العظيم، أي دون غيره. وقد أشار بقوله: ((أم استقلتم البيع)) ، إلى قول الأنصار ﵃ عند بيعة العقبة للنبي ﷺ على منعه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم، ووعده لهم بالجنة إذ قالوا: ((لا نقيل ولا نستقيل)) . (١) وقد شهد الله ورسوله لهم بالوفاء، وشهد عليهم الرافضي بالخيانة والغدر، واستقالة البيع! وقد أعاد بعد هذا القول ذكر ما زعمه من فرار عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام، وأنزل بموافقته القرآن، وكان أعظم ناشر له في الأرض بعد رسوله ﵊.

стр. 150

ثم فسر السكينة ((بتثبيت القلب وتسكينه وإيداعه الجرأة والبسالة)) وقال: ((وإنما أنزلها الله على رسول ﷺ وعلى المؤمنين وهم الثلاثة أو العشرة الذين مر ذكرهم)) . وقد جهل أن هذا التفسير طعن فيهم لأنه نص على أن هذه المعاني من السكينة لم تكن للرسول ﷺ ولا لهم في أول القتال، لعطف نزولها على تولية الأدبار بـ ((ثم)) المفيدة للتراخي. والصواب اللائق به ﷺ وبأصحابه المؤمنين ﵃ ما ذكرنا. ثم إنه بعد هذا الطعن في جميع الصحابة ﵃ والاستثناء معيار للعموم على أنه حصره بعد في علي وحده - قال: ((فإذا تدبرت حالة المسلمين وما قرعهم فيه وعاتبهم به سبحانه، وكيف باهى الله سبحانه بأمير المؤمنين ذلك العسكر المجر والجحفل الحاشد بأعلام الصحابة وأكابر المهاجرين والأنصار وصناديدهم ومن إليهم الإيماء والإشارة، ظهرت لك عظمته ومكانته من الله ورسوله، ومبلغه من الدفاع عن الدين والدولة. . .)) إلى آخر ما أطال به وأسهب من المعاني الشعرية في تحقير جميع المؤمنين حتى خص بالذكر

стр. 151

الزبير وطلحة وسعد بن وأبي وقاص الذين بشرهم رسول الله ﷺ بالجنة وخالد بن وليد سيف الله ورسوله وفاتح العراق والشام ورافع لواء الإسلام، وأبا دجانة وسهل بن حنيف وسعد بن عبادة والحارث ابن الصمة وأبا أيوب وأمثالهم من صناديد الإسلام الأعلام، فزعم كاذباً مفتريا أن تلك الصدمة ((أطارت أفئدتهم وشردت بهم في كل واد)) ليقول في علي: ((وكيف قام في وجهها وانتدب لصدها وأقدم على ردها بصدر أوسع من الفضاء وقلب أمضى من القضاء)) زعم بل أقسم أنه ((لقد فاز من بين أصحاب رسول الله بأجرها، واستولى على فضلها وطار بفخرها)) كأنه يشعر شعوراً خفياً لا يدركه عقله بأنه لا يتم له إثبات غلوه فيه إلا بافتراء مناقب له مقرونة بتحقير سائر إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ وبالكذب على الله في الأمرين: كزعمه أنه تعالى قرعهم وباهى به، تعالى الله عن ذلك. (١) ثم ذكر أنه يقول هذا غير مزدرٍ لتلك العصبة الهاشمية وهم التسعة الذين ثبتوا معه ﷺ أيضاً - أي كما أزدرى سائر الصحابة -، وإنما استثناهم من الازدراء لنسبهم لا لشجاعتهم وفضلهم، وذلك

стр. 152

تحقير لهم. فقد قال بعده: ((فو الله الذي لا إله غيره ما ثبت أولئك إلا بثباته، ولا ركنوا إلا لدفاعه ومحاماته، علماً منهم بكفايته لحمايتهم والذَّب عنهم؛ فإن كل من ألم بالتاريخ وقرأ اليسير علم أن أولئك الهاشميين لم يكن لهم قبل ذلك موقف مشهور ولا مقام مذكور، ولا دَوَّن لهم التاريخ قتل أحد)) . إلى أن قال غلواً في الاطراد والمدح وإسرافا في الازراء والقدح وتهويلا للأمر: ((بربك دع التكلف وخبرني منصفاً لو فر أمير المؤمنين (ع) من بين أولئك التسعة مع ما يعلمونه من بأسه وشجاعته، أكان يثبت منهم أحد؟ كلا والله. وحينئذ تكون الطامة الكبرى والقارعة العظمى بقتل رسول الله ﷺ ويذهب الدين والدولة، وفي ذلك هلاك الأمم بعد نجاتها، وانقراضها بعد حياتها، فثابت إليه تلك الفئة التي لم تتجاوز مائة (؟) مقاتل هو السبب في حياة الرسول ﷺ وبقاء الدين والدولة، ونجاة الخلق من الهلكة)) . ثم فرع على هذه التخيلات الشعرية، والتهويلات الخطابية

стр. 153

والمفتريات الرافضية، بتخطئة الأمة الإسلامية في تولية أمرها (يعني الإمامة العظمى) غير صاحب هذه المنة عليها وعلى الدين والدولة، وعلى..... من أستغفر الله من الإشارة إليه، وإن كان حاكى الكفر ليس بكفر. ثم قفى على تخطئة الأمة على تخطئة الأمة بتخطئة الشيخين البخاري ومسلم وأمثالهما من رواة صحاح السنة لأنهما لم يفتريا في القصة ما افتراه هو وأمثاله على الله في كتبه، وعلى رسوله في سنته، وعلى خيرة أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقد بدأ طعنه في الشيخين بقصد هدم السنة وصرف المسلمين عنها بقوله: ((وأعجب للشيخين في صحيحيهما كيف لم يذكر الأمير المؤمنين (ع) من ذلك الموقف العظيم والنصر الباهر شيئاً، وقد نطق بذلك الذكر الحكيم؟)) . وسنرد طعنه على الشيخين في نحره في المنار، وإنما غرضنا في التفسير الدفاع عن كتاب الله والكذب عليه. إن الله تعالى لم يذكر في القرآن أن عليا ﵁ هو الذي نصر المؤمنين في حنين لا بمنطوق ولا مفهوم، وإنما أسند

стр. 154

ذلك إلى نفسه ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ وقال ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ ، ولم يقل (وعلى علي) وحده، ولا على الثلاثة أو التسعة الذين زعم الشيعة أنه لم يثبت معه ﷺ غيرهم. وقد مر أنه ثبت معه ثمانون رجلاً (١) عرفوا بأسمائهم، وهو لا ينفى ثبات غيرهم أيضاً؛ لأن العدد لا مفهوم له. وقال ﴿وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا﴾ ولم يقل إن علياً هو الذي عذبهم وهو الذي هزمهم، ولم يقل ذلك أحد من المحدثين ورواة السيرة النبوية. فإن زعم أنهم كتموها لأنهم كانوا يكتمون فضائل على وحده! (قلنا) : إنهم لم يرووا من مناقب أحد من الصحابة بقدر ما رووا من مناقبه ﵁ وعنهم (٢) ، ومما رواه ثباته مع النبي ﷺ وتخصيص الشيخين عباساً وأبا سفيان بن الحارث بالذكر لأنه ثبت عندهما بشروطهما المعروفة، كما أنهما لم يذكر أبا بكر وعمر أيضاً، وهو قد نقل عن البخاري رواية معلقة زعم أنها تدل على أن عمر ﵁ كان من المدبرين. ولم يرو البخاري في

стр. 155

صحيحه حديثاً ما في مناقب معاوية، وروى الأحاديث الكثيرة في مناقب على كرم الله وجهه. وإذا كان البخاري ومسلم قد تركا الرواية عمن لا يثقان بعدالته من الروافض فهل يلامان ونحن نرى مثل هذا المؤلف منهم يفتري الكذب على الله ورسوله، ويحرف كلام الله تعالى غلوا في علي - كرم الله وجهه وأغناه بمناقبه الكثيرة الصحيحة عن ذلك - وإزراءً وقدحاً في خيار أصحاب رسول الله ﷺ وطعناً فيهم بالباطل؟ ليس في التزام الشيخين للصدق مثار للعجب، وإنما العجب من هذا الرافضي كيف لم يستح من الله حيث أسند إلى كتابه ما ليس فيه، بل ما فيه خلافه أيضا من رضاه عن المهاجرين والأنصار وحيث أقسم به أنه ما ثبت أحد في حنين إلا على و ٣ أو ٩ ثبتوا بثباته، والاعتماد على محاماته، لا بشجاعتهم ولا بأيمانهم ولا بحرصهم على حياة رسول الله ﷺ ! ثم كيف لم يستح منه تعالى ومن رسوله وسيد خلقه، الذي

стр. 156

لم يكن لعلي فضلٌ إلا من فضله، حيث زعم أنه لولاه لقتل رسول الله ﷺ وذهب الدين والدولة، وهلكت الأمم وانقرضت؟ فجعل له المنة وحده على رسول الله وعلى دينه وعلى جميع خلقه بما افتراه من ثباته وحده معه! ولو ثَبَتَ ثباتُه وَحْدَه لما اقتضى كل هذه المنن؛ فإن النصر لم يكن بمن كان معه ﷺ أولاً، بل بفضل الله ثم تأييده، وبعود المهاجرين والأنصار إلى القتال (١) ، وإنزال ملائكته لتثبيتهم في مواقف النزال. ألم يؤمن بقول الله تعالى له ﷺ ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (٢) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ فكيف يسلط عليه من يقتله؟ أو لم يعلم بأن أفراداً وجماعات قصدوا قتله ﷺ مراراً فعصمه الله منهم ولم يكن علي معه؟ ألم يؤمن بما ثبت في الكتاب والسنة من وعد الله لرسوله بالنصر وإظهار دينه على الدين كله، ومن إيعاد أعدائه بالخدلان؟ ومن ذلك جزمه ﷺ بأن ما جمعته هوازن لقتاله ﷺ في حنين

стр. 157

غنيمة للمسلمين كيف يقول: ((إنه لولا علي لقتل رسول الله ﷺ وزالت دولة الإسلام وهلكت الأمم)) ؟! وهل كانت هوازن قادرة على ما عجز عنه سائر العرب مع أن المسلمين كانوا أقوى منهم في كل شيء ونصر الله فوق ذلك؟ ألم يكتف بجعل ما جاء به من الغلو والافتراء ذريعة للطعن في جميع أصحاب رسول الله ﷺ حتى الثلاثة أو التسعة الذين اعترف بفضلهم لنسبهم وإنزال السكينة عليهم، وفي أَجَلِّ رواة السنة الصحيحة وممحصيها من الكذب، حتى جعل المنة لعلي على رسول الله وخاتم النبيين في حياته، وبلوغ دعوته، وتأييد الله ونصره له، وبقاء دينه وأمته؟! أبمثل هذا تكون دعاية المسلمين إلى الرفض وتحقير الصحابة ورجال السنة؟! والذي يعلمه بالبداهة كل صحيح العقل مستقل الفكر مطلع على تاريخ الإسلام أن أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ﵃ لم يكونوا جبناء بل كانوا أشجع خلق الله (١) ، وأن

стр. 158

الله تعالى أيد رسوله ﷺ بنصره وبهم في جملتهم لا بعلي وحده، كرم الله وجوههم ووجهه، كما قال ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم﴾ الآية. وإن الذين ثبتوا معه ﷺ في بدر، وهم أذلة جائعون، حفاة راجلون، قليل مستضعفون فنصرهم الله على صناديد قريش وفرسانها الذين هم ثلاثة أضعافهم ما كانوا ليجبنوا عن قتال هوازن وهم على النسبة العكسية من مشركي بدر معهم، ولكن الله تعالى ابتلاهم بما تقدم ذكره مع بيان سببه تمحيصاً ليزدادوا إيمانا به وبعنايته برسوله ﷺ وتأييده بنصره، ولا يغتروا بالكثرة وحدها. ولو أقسم مقسم بالله تعالى على خلاف ما أقسم عليه هذا الشيعي الذي ملك عليه الغلو أمره، وسلب التعصب عقله، فقال: والله الذي لا إله غيره إن الله تعالى ما بعث محمداً خاتماً للنبيين، ومكملاً للدين، ورحمة للعالمين، إلا وهو قد كَفَلَ نَصْرَه على أعدائه الكافرين، وعِصْمَتَه من اغتيال المغتالين، بفضله وحده لا بفضل علي ولا غيره. وأنه لو لم يخلق على بن أبي طالب، أو لم

стр. 159

يكن في جيش رسوله في حنين لما قتل رسول الله (١) ﷺ ولا زال دين الله من الأرض، ولا هلكت الأمم والشعوب، ولوَفَّى الله تعالى بوعده لرسوله بنصره على أعدائه كلهم. لو أقسم السني المحب لجميع أصحاب رسول الله ﷺ هذا القسم الموافق لكتاب الله وسنة رسوله وللتاريخ الصحيح وللمعقول من سنن الاجتماع، لكان قسمه أبر وأصدق وأرضى لله ولرسوله ﷺ ولعلي ﵇ والرضوان من قسم ذلك الشيعي على جهله وتعصبه المخالف لكل ما ذكر ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ . ***

стр. 160

فضائل أبي بكر الصديق ﵁ في آية الغار من القرآن (وأحاديث الهجرة) قد رأيت رأيت أيها القارئ ما اجترحه أحد علماء الشيعة المعاصرين في جبل عامل من تحريف القرآن غلواً في إطراء علي - كرم الله وجهه - والطعن في جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃ وخاصة عمر بن الخطاب فاتح الممالك والأمصار، ومقيم دعائم ملك الإسلام على أمتن أساس. وإنني أذكر لك هنا ما اجترحه سلف هذا الرافضي المتقدمون من تحريف آية الغار - التي فضل الله بها الصديق الأكبر على جميع المؤمنين بعد رسول الله ﷺ وجَعْلِهِمْ إياها مع أحاديث الهجرة الدالة على تفضيل رسول الله إياه على جميع المؤمنين: دالين على القدح والذم. بعد أن أنقل لك جل ما كتبته في تفسير الآية من

стр. 161

تفسير المنار لتعلم ما نشأ عليه هؤلاء الغلاة من الجهل والإلحاد في آيات الله، والعبث بكتاب الله وسيرة رسوله ﷺ وتاريخ الإسلام. وهو: قال ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ أي إلا تنصروا الرسول الذي استنفركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أولياء الشيطان فسينصره الله بقدرته وتأييده كما نصره إذ أجمع المشركون على الفتك به، وأخرجوه من داره وبلده، أي: اضطروه إلى الخروج والهجرة ولولا ذلك لم يخرج. وقد تكرر في التنزيل ذكر إخراج المشركون للرسول وللمؤمنين المهاجرين من ديارهم بغير حق، وليس المراد منه أنهم تولوا طردهم وإخراجهم مجتمعين ولا متفرقين، فإن أكثرهم خرج مستخفياً كما خرج النبي ﷺ مع صاحبه ﵁. أو تقدير الكلام: ﴿إلا تنصروه﴾ فقد أوجب الله له النصر في كل حال وكل وقت، حتى نصره في ذلك الوقت الذي لم يكن معه جيش ولا أنصار منكم، بل حال كونه ﴿ثاني اثنين﴾ أي: أحدهما؛ فإن مثل هذا التعبير لا يعتبر فيه

стр. 162

الأولية الأولوية؛ لأن كل واحد منهما ثان للآخر ومثله ثالث ثلاثة ورابع أربعة، لا معنى له إلا أنه واحد من ثلاثة أو أربعة به تم هذا العدد، على أن الترتيب فيه إنما يكون بالزمان أو المكان وهو لا يدل على تفضيل الأول على الثاني ولا الثالث أو الرابع على من قبله. (١) وسيأتي في حديث الشيخين (ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) ﴿إذ هما في الغار﴾ أي: في ذلك الوقت الذي كان فيه الاثنان في الغار المعروف عندكم، وهو غار جبل ثور ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ أي: إذ كان يقول لصاحبه الذي هو ثانيه وهو أبو بكر الصديق (رض) حين رأى منه أمارة الحزن والجزع؛ أو كلما سمع منه كلمة تدل على الخوف والفزع ﴿لا تحزن﴾ الحزن انفعال نفسي اضطراري يراد بالنهي عنه مجاهدته وعدم توطين النفس عليه، والنهي عن الحزن - وهو تألم النفس مما وقع - يستلزم النهي عن الخوف مما يتوقع. وقد عبر عن الماضي بصيغة الاستقبال ﴿يقول﴾ للدلالة على التكرار المستفاد من بعض الروايات، ولاستحضار صورة ما كان في ذلك والمكان ليتمثل المخاطبون

стр. 163

ما كان لها من عظمة الشأن، وعلل هذا النهي بقوله ﴿إن الله معنا﴾ أي: لا تحزن؛ لأن الله معنا بالنصر والمعونة، والحفظ والعظمة، والتأييد والرحمة، ومن كان الله معه بعزته التي لا تغلب، وقدرته التي لا تقهر، ورحمته التي قام ويقوم بها كل شيء، فهو حَقِيقٌ بأن لا يستسلم لحزن ولا خوف. وهذا النوع من المعية الربانية أعلى من معيته سبحانه للمتقين والمحسنين في قوله ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (١٢٨) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ والفرق بينهما: أن المعية في آية سورة النحل لجماعة المتقين المجتنبين لما يجب تركه والمحسنين لما يجب فعله، فهي معية بوصف مشتق هو مقتضى سنة الله في عالم الأسباب لكل من كان كذلك، وإن كان الخطاب في النهي عن الحزن قبلها للرسول ﷺ . وأما المعية هنا فهي لذات الرسول وذات صاحبه غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، بل هي خاصة برسوله وصاحبه من حيث هو صاحبه، مكفولة بالتأييد بالآيات وخوارق العادات وكبير العنايات، إذ ليس المقام

стр. 164

بمقام سنن الله في الأسباب والمسببات، التي يُوَفِّقُ لها المتقين والمحسنين المتقنين للأعمال. يعلم هذا التفاوت بين النوعين من الحق الواقع - إن لم يعلم من اللفظ وحده -، وهي من قبيل قوله تعالى لموسى وهارون إذ أرسلهما إلى فرعون فأظهرا الخوف من بطشه بهما ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ . وقد كان خاتم النبيين أكمل منهما، إذ لم يخف من قومه الخارجين في طلبه للفتك به كما سنذكره، وكان للصديق الأكبر أسوة حسنة بهما إذ خاف على خليله وصفيه الذي شرفه الله في ذلك اليوم الفذ بصحبته، وإنما نهاه ﷺ عن الحزن لا عن الخوف، ونهى الله موسى وهارون عن الخوف لا عن الحزن؛ لأن الحزن تألم النفس من أمر واقع وقد كان نهيه ﷺ إياه عنه في الوقت الذي أدرك المشركون فيه الغار بالفعل. روى البخاري [٣٦٥٣] ومسلم [٢٣٨١] وغيرهما من حديث أنس قال: حدثني أبو بكر قال: ((كنت مع النبي ﷺ في الغار فرأيت آثار المشركين، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه، فقال عليه الصلاة

стр. 165

والسلام: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)) . وأما الخوف فهو انفعال النفس من أمر متوقع، وقد نهى الله رسوليه عنه قبل وقوع سببه، وهو لقاء فرعون ودعوته إلى ما أمرهما به، والنهى عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف كما تقدم. وقد كان الصديق خائفاً وحزناً كما تدل عليه الروايات، وهو مقتضى طبع الإنسان. (١) وحاصل المعنى: ﴿إلا تنصروه﴾ بالنفر لما استنفركم له فإن الله تعالى قد ضمن له النصر، فهو ينصره كما نصره في ذلك الوقت الذي اضطره المشركون فيه بتألبهم عليه واجتماع كلمتهم على الفتك به، في ذلك الوقت الذي كان فيه ثاني اثنين في الغار، أَعْزَلَيْن غَيْرَ مستعدَّيْن للدفاع؛ وكان صاحبه فيه قد ساوره الحزن والجزع (٢) ، في ذلك الوقت الذي كان يقول له فيه وهو آمن مطمئن بوعد الله وتأييده ومعيته الخاصة ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فنحن غير مكلفين بشيء من الأسباب أكثر مما فعلنا من استخفائنا هنا. وقد بينا في الكلام على غزوة بدر من تفسير سورة الأنفال المقارنة بين حالي الرسول

стр. 166

الأعظم والصديق الأكبر هنالك، إذ كان الرسول ﷺ يستغيث ربه، ويستنجزه وعده، وكان الصديق ﵁ يسليه ويهون الأمر عليه، على خلاف حالهما في الغار، وأثبتنا أن حاله ﷺ في الموضعين كان الأكمل الأفضل؛ إذ أعطى حال الأخذ بسنن الله في الأسباب والمسببات في بدر حقه، وأعطى حال المتوكل المحض في الغار حقه (١) . فتكرار الظرف (إذ) في المواضع الثلاثة مبدلاً بعضها من بعض في غاية البلاغة، به يتجلى تأييده تعالى لرسوله أكمل التجلي (٢) ، فهو يذكرهم بوقت خروجه ﷺ مهاجراً مع صاحبه بما كان من قريش من شدة الضغط والاضطهاد، وقد تقدم تفصيله في تفسير ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ من سورة الأنفال، وسيعاد مختصراً في هذا السياق. ويتلوه تذكيرهم بإيوائه مع صاحبه إلى الغار

стр. 167

لا يملكان من أسباب الدفاع عن أنفسهما شيئاً. ثم يخص بالذكر وقت قوله لصاحبه ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ أي: أنه كان هو الذي يسلي صاحبه ويثبته، لا أنه كان يتثبت به، وهكذا كان شأنه ﷺ مع أصحابه في كل وقت يشتد فيه القتال أيضاً. وكون سبب ذلك وعلته إيمانه الأكمل بمعية الله الخاصة، فالعبرة لهم في هذه الذكريات الثلاث أن الله تعالى غني عن نفرهم مع رسوله بقدرته وعزته، وإن رسوله ﷺ غني عن نصرهم له بنصره وتأييده، وبقدرته على تسخير غيرهم له من جنوده وعباده؛ وقد بين تعالى أثر ذلك وعاقبته بقوله ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ أخرج ابن أبي حاتم [سورة التوبة، رقم: ١٠٩٦] ، وأبو الشيخ وابن مردويه (١) ، والبيهقي في الدلائل [في الدلائل ٢/٤٨٢] ، وابن عساكر في تاريخه [٣٠ / ٨٨] عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ قال: ((على أبي بكر (٢) ، لأن النبي ﷺ لم تزل السكينة معه)) . (٣) وأخرج الخطيب في تاريخه [٤ / ٣٤٥] عن حبيب بن أبي ثابت ﴿فأنزل الله سكينته﴾ قال: ((على أبي بكر (٤) ، فأما النبي فقد كانت عليه السكينة)) .

стр. 168

وقد أخذ بهذه الرواية بعض مفسري اللغة والمعقول (١) ووضحوا ما فيها من التعليل بأنه ﷺ لم يحدث له وقتئذ اضطراب ولا خوف ولا حزن، وقواها بعضهم بأن الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور وهو الصاحب، وليس هذا بشيء. وذهب آخرون إلى أن الضمير يعود إلى النبي ﷺ وإن إنزال السكينة عليه لا يقتضي أن يكون خائفاً أو مضطرباً أو منزعجاً، وهذا ضعيف لعطف إنزال السكينة على ما قبلها بالفاء الدال على وقوعه بعده وترتيبه عليه، وإن نزولها وقع بعد قوله لصاحبه ﴿لا تحزن﴾ ولكنهم قووه بأن ما عطف عليه من قوله ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾ لا يصح إلا للنبي ﷺ والمراد بهؤلاء الجنود الملائكة، لأن الأصل في المعطوفات التعانق وعدم التفكك. (٢) وأجاب عنه الآخذون بقول ابن عباس ومجاهد: أولاً: بأن التأييد بالجنود معطوف على قوله ﴿فقد نصره الله﴾ لا على ﴿فأنزل الله سكينته﴾ . وثانياً: بأن تفكك الضمائر لا يضر إذا كان المراد من كل منها ظاهراً لا اشتباه فيه.

стр. 169

وثالثاً: بأنه لا مانع من جعل التأييد لأبي بكر، نقله الألوسي [روح المعاني ١٠ / ٩٨ ط: التراث] وقال: ((كما يدل عليه ما أخرجه ابن مردويه من حديث أنس أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((إن الله تعالى أنزل سكينته عليك وأيدك..)) إلخ. (١) وقال بعض المفسرين: إن المراد بهذه الجنود ما أيده الله تعالى به يوم بدر والأحزاب وحنين. وقال بعضهم: بل المراد أنه أيده بملائكة في حال الهجرة يسترونه هو وصاحبه عن أعين الكفار ويصرفونها عنهما فقد خرج من داره والشبان المتواطئون على قتله وقوفٌ ولم ينظروه، وإننا نرجع إلى سائر ما في التنزيل من ذكر إنزال السكينة والتأييد بالملائكة لنستمد منها فهم ما في هذه الآية. أما إنزال السكينة فذكر في ثلاث آيات فقط: (أولاها) الآية الرابعة من سورة الفتح. (والثانية) الآية السادسة والعشرون منها. وكان نزول السورة بعد صلح الحديبية الذي فتن فيه المؤمنون واضطربت قلوبهم بما ساءهم من شروطه التي عَدُّوها إهانة لهم وفوزاً للمشركين وأمرها مشهور، فكان

стр. 170

من عناية الله تعالى بهم أن ثبت قلوبهم ومكنهم من فتح خيبر وأنزل سورة الفتح مبيناً فيها حكم ذلك الصلح وفوائده وامتن بذلك على رسوله وعليهم بقوله ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ إلى قوله ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيما﴾ فهذه سكينة خاصة بالمؤمنين، بَيَّنَ حكمتها العليم الحكيم وفيها إشارة إلى جنود الملائكة لا تصريح. ثم قال بعد ما تقدمت الإشارة إليه من حِكَم ذلك الصلح، وما أعقبه من الفتح ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما﴾ . (١) الأشهر في تفسير هذه الحمية أنها ما أباه المشركون في كتاب الصلح من بدئه بكلمة بسم الله الرحمن الرحيم ومن وصف محمد ﷺ فيه برسول الله (٢) وتعصبهم لما كان من عادة الجاهلية، وهو باسمك اللهم، وهذا مما ساء رسول الله

стр. 171

صلى الله عليه وسلم بلا شك، كما ساءه كراهة جمهور المسلمين الأعظم لهذا الصلح، ولكنه لم يكن ليضيع بذلك صلحاً عظيماً كان أول فتح لباب حرية دعوة الإسلام في المشركين، بوضع الحرب عشر سنين، فأنزل الله سكينته عليه وألهمه قبول شروطهم، وأنزلها على المؤمنين بعد أن هموا بمعارضته ﷺ وأمرهم بالتحلل من عمرتهم فتلبثوا حتى خشي عليهم الهلاك واستشار في ذلك زوجه أم سلمة فأشارت عليه بأن يخرج إليهم ويأمر حلاقه بحلق شعره ففعل، فاقتدوا به بما أنزل الله عليهم من سكينته. والآية الثالثة: هي ما تقدم في هذه السورة في سياق غزوة حنين، إذ راع المسلمين رشق المشركين إياهم بالنبل فانهزم المنافقون والمؤلفة قلوبهم واضطرب جمهور المسلمين بهزيمتهم فولوا مدبرين، وثبت رسول الله ﷺ في وجوه الكفار مع عدد قليل صار يكثر بعلمهم بموقفه، وقد حزن قلبه لتوليهم ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها﴾ وما العهد بتفسيرها ببعيد. فهذه سكينة مشتركة

стр. 172

بين الرسول ﷺ والمؤمنين، سكن بها ما عرض له ﷺ من تأثير هزيمتهم، وسكن ما عرض لهم من الاضطراب لهزيمة المنافقين والمؤلفة قلوبهم كما تقدم. وأما ذكر الجنود التي وصفها تعالى بقوله (لم تروها) فقد جاء في هاتين الآيتين من سورة براءة، أي آية غزوة حنين وآية الغار من سياق الهجرة، وجاء في الكلام على غزوة الأحزاب من السورة التي سميت باسمها وهو ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً﴾ وقد كانت هذه الجنود والجنود التي أرسلت في يوم حنين لتخذيل المشركين وتأييد المؤمنين، وفي معناها قوله تعالى في الكلام على غزوة بدر ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ فهذه الملائكة نزلت لإلقاء الرعب في قلوب المشركين وتأييد المؤمنين وتثبيت قلوبهم، كما بينه تعالى بقوله ﴿وما جعله

стр. 173

الله إلى بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم﴾ إلى قوله ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ وراجع تفسير السياق (في ص ٦٠٧ - ٦١٤ ج ٩ تفسير) وفيه ذكر آيات سورة آل عمران التي نزلت في الكلام على غزوة أحد. فإذا كانت الملائكة في هذه المواقع كلها نزلت لتأييد المؤمنين على المشركين وتخذيل هؤلاء، وكان النائبُ عن جميع المؤمنين والحالّ محلهم في خدمة رسوله يوم الهجرة هو صاحبه الأول الذي اختاره عليهم كلهم في ذلك اليوم العظيم، فأي بُعْدٍ في أن يكون التأييدُ المرافقُ لإنزال السكينة له لحلوله محلهم كلهم. ومن المعلوم أنه لم يكن له هذا إلا بالتبع لرسول الله ﷺ ، كما أن جميع ما أيد به تعالى سائر أصحاب رسوله في جميع المواطن كان تأييداً له وتحقيقاً لما وعده الله تعالى من النصر على جميع أعدائه، وإظهار دينه على الدين كله، ولذلك قال

стр. 174

﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾ . في الآية احتمالان: أحدهما: أن يكون المراد بكلمة الذين كفروا كلمة الشرك والكفر. وبكلمة الله كلمة التوحيد، وهو مروي عن ابن عباس ﵄ (١) وعليه أهل التفسير المأثور. ووجهه: أن عداوة المشركين للنبي ﷺ إنما كانت لأجل دعوته إلى التوحيد الخالص من جميع شوائب الشرك وخرافات الوثنية ولذلك قام أبو سفيان عند ظهور المشركين في أحد فقال رافعاً صوته ليسمع المسلمون: (أُعْلُ هُبَل! أُعْلُ هُبَل!) وهبل صنمهم الأكبر، فأمر ﷺ أن يجاب: ((الله أعلى وأجل)) . (٢) وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضى الله عنه أن النبي ﷺ : ((سئل عن الرجل يقاتل غضباً وحمية ويقاتل رياء - وفي رواية: للمغنم وللذكر - أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) . (٣) والاحتمال الثاني: أن يكون المراد بكلمة الذين كفروا ما أجمعوه بعد التشاور في دار الندوة من الفتك به ﷺ والقضاء على دعوته، وهو ما تقدم في سورة الأنفال من قوله تعالى ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ إلخ، ويكون المراد بكلمة الله: ما قضت

стр. 175

به إرادته ومضت به سنته من نصر رسله وبينه في مثل قوله ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون﴾ وقوله ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ فهذه كلمة الله الإرادية القدرية التي كان من مقتضاها وعده لرسوله الأعظم بالنصر. وفسر بعضهم كلمته هنا: بما وعده من إحباط كيدهم، ورد مكرهم في نحورهم، وهو قوله في تتمة الآية ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ . وما قلناه هو الأصل والقول الفصل وهذا مبني عليه. (١) وقد قرأ الجمهور ﴿وكلمةُ الله﴾ بالرفع (٢) لإفادة أنها العليا المرفوعة بذاتها لا بجعل وتصيير، ولا كسب وتدبير، وقرأها يعقوب بالنصب (٣) . والمراد من القراءتين معاً: أنها هي العليا بالذات ثم بما يكون من تأييد الله لأهلها القائمين بحقوقها بجعلهم بها أعلى من غيرهم، كما قال ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ وبجعلها بهم ظاهرة بالعلم والعمل، تعلو كل ما يخالفها عند غيرهم. فإن كان المراد بها ما تعلقت به إرادته تعالى ومضت به سنته من نصر رسله وإظهار دينه (وهي كلمة التكوين) فالأمر ظاهر؛ لأن

стр. 176

ما تتعلق مشيئته تعالى به كائن لا محالة، لا يوجد ما يعارضه فيعلو عليه أو يساويه. وكذلك إن أريد بها الخبر الإلهي بهذا النصر والوعد به - الذي هو بيان لهذه السنة التي هي من متعلقات صفة الإرادة - بناء على أنه مما أوحاه إليهم، ومنه قوله تعالى ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا..﴾ إلخ ﴿قوله الحق..﴾ ، ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ . والخبر والوعد من متعلقات صفة الكلام، فكلمة التكوين الإرادية وكلمة التكليف الخبرية متحدتان في هذا الموضوع. وأما على القول بأن المراد بها كلمة التوحيد أو دينه تعالى المبني على أساس توحيده فالنظر فيها من وجهين: (أحدهما) : مضمون الكلمة في الواقع وهو وحدانيته تعالى، وهذه حقيقة قطعية قامت عليها البراهين، وكذا إن أريد بها هذا الدين عقائده وأحكامه وآدابه - إذ يقال: إنه كلمة التكليف أو كلماته - فهذه من حيث كونها من متعلقات صفة الكلام الإلهية لها صفة (العليا) بياناً وبرهاناً وحكمة ورحمة وفضلاً، ولابد من تمامها صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، كما قال تعالى في سورة الأنعام ﴿وتمت كلمة

стр. 177

ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ . و (الوجه الثاني) : إقامة المكلفين لها بمعنييها، وهي تختلف باختلاف أحوالهم في العلم والإيمان والأخلاق وما يترتب عليها من الأعمال، فمن هذا الوجه قد تخفى علويتها على الناس في بعض الأحيان؛ إذ ينظرون إليها في صفات المدعين لها وأعمالهم، لا في ذاتها، وقد يكون هؤلاء غير قائمين بها ولا مقيمين لها. ومن عجائب ما روي لنا من إدراك بعض الإفرنج لعلوية كتاب الله تعالى بسعة علمه وعقله أن عاهل الألمان الأخير قال لشيخ الإسلام في الحكومة العثمانية لما زار الاستانة في أثناء الحرب الكبرى: يجب عليكم - وأنتم دولة الخلافة الإسلامية - أن تفسروا هذا القرآن تفسيراً تظهر به علويته!! كما أدرك هذه العلوية الوليد بن المغيرة من كبراء مشركي قريش بذكائه ودقة فهمه وبلاغته إذ كان مما قاله فيه: ((وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته)) . (١) وراجع ما قلناه في تفسير ﴿ليظهره على الدين كله﴾ من هذه السورة وما هو ببعيد. وأما كلمة الذين كفروا فقد كانت لا مقابل ولا معارض لها قبل الإسلام من حيث القيام بها لتوصف بالوصف اللائق بها

стр. 178

وهو السفلية. سواء أريد بها كلمة الشرك أو كلمة الحكم، فقد كان لأهلها السيادة في بلاد العرب حتى مكة المكرمة، ودنسوا بيت الله بأوثانهم فأذل الله أهلها وأزال سيادتهم بظهور الإسلام بعد كفاح معروف. وإن أريد بها تقريرهم لقتل النبي ﷺ ، فالأمر ظاهر أيضاً، وكل من الأمرين حصل بجعل الله وتدبيره ثم بكسب المؤمنين وجهادهم. وأما كلمة الكفر في نفسها، وبصرف النظر عن تلبس بعض الشعوب أو القبائل بها، فلا حقيقة لها، أعني أن الشرك لا حقيقة لمضمونه في الوجود وإنما هو دعاوى لفظية صادرة عن وساوس شيطانية خيالية، كما قال تعالى ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ . وقد ضرب الله المثل للكلمتين وأثرهما في الوجود قوله في سورة إبراهيم ﵇ ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (٢٨) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها

стр. 179

من قرار (٢٩) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ . وقد ختم الله هذه الآية بقوله ﴿والله عزيز حكيم﴾ العزيز الممتنع الغالب والله هو الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، وقد نصر رسوله بعزته، وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل كل من ناوأه وناوأ المتقين من أمته. وإننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بياناً، وتزيد الذين آمنوا بالله ورسوله إيماناً، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام الله تعالى خزياً وخذلاناً، ثلاث كلمات: ١ - كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار. ٢ - وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ٣ - وكلمة في دحض شبهات الروافض، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب، وتحريف كلمات الله وأخبار الرسول عن مواضعها ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ . ***

стр. 180

الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد - خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين ومصلحاً للناس أجمعين - أن أعدَّ لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية [الموصوفة] (١) باستقلال الفكر وقوة الإرادة وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين. ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش، كبراً وبغياً وعلواً واستكباراً عن الإعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق، شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش. وكان له ﷺ بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة ﵁ أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي ﷺ وقد آمن في السنة الثانية من بعثته. وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش: (خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه) ، وحسبك
следующие страницы →