ما تتعلق مشيئته تعالى به كائن لا محالة، لا يوجد ما يعارضه فيعلو عليه أو يساويه.
وكذلك إن أريد بها الخبر الإلهي بهذا النصر والوعد به - الذي هو بيان لهذه السنة التي هي من متعلقات صفة الإرادة - بناء على أنه مما أوحاه إليهم، ومنه قوله تعالى ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا..﴾ إلخ ﴿قوله الحق..﴾ ، ﴿ولن يخلف الله وعده﴾ .
والخبر والوعد من متعلقات صفة الكلام، فكلمة التكوين الإرادية وكلمة التكليف الخبرية متحدتان في هذا الموضوع.
وأما على القول بأن المراد بها كلمة التوحيد أو دينه تعالى المبني على أساس توحيده فالنظر فيها من وجهين:
(أحدهما) : مضمون الكلمة في الواقع وهو وحدانيته تعالى، وهذه حقيقة قطعية قامت عليها البراهين، وكذا إن أريد بها هذا الدين عقائده وأحكامه وآدابه - إذ يقال: إنه كلمة التكليف أو كلماته - فهذه من حيث كونها من متعلقات صفة الكلام الإلهية لها صفة (العليا) بياناً وبرهاناً وحكمة ورحمة وفضلاً، ولابد من تمامها صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، كما قال تعالى في سورة الأنعام ﴿وتمت كلمة
стр. 177
ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ .
و (الوجه الثاني) : إقامة المكلفين لها بمعنييها، وهي تختلف باختلاف أحوالهم في العلم والإيمان والأخلاق وما يترتب عليها من الأعمال، فمن هذا الوجه قد تخفى علويتها على الناس في بعض الأحيان؛ إذ ينظرون إليها في صفات المدعين لها وأعمالهم، لا في ذاتها، وقد يكون هؤلاء غير قائمين بها ولا مقيمين لها.
ومن عجائب ما روي لنا من إدراك بعض الإفرنج لعلوية كتاب الله تعالى بسعة علمه وعقله أن عاهل الألمان الأخير قال لشيخ الإسلام في الحكومة العثمانية لما زار الاستانة في أثناء الحرب الكبرى: يجب عليكم - وأنتم دولة الخلافة الإسلامية - أن تفسروا هذا القرآن تفسيراً تظهر به علويته!!
كما أدرك هذه العلوية الوليد بن المغيرة من كبراء مشركي قريش بذكائه ودقة فهمه وبلاغته إذ كان مما قاله فيه: ((وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته)) . (١)
وراجع ما قلناه في تفسير ﴿ليظهره على الدين كله﴾ من هذه السورة وما هو ببعيد.
وأما كلمة الذين كفروا فقد كانت لا مقابل ولا معارض لها قبل الإسلام من حيث القيام بها لتوصف بالوصف اللائق بها
стр. 178
وهو السفلية.
سواء أريد بها كلمة الشرك أو كلمة الحكم، فقد كان لأهلها السيادة في بلاد العرب حتى مكة المكرمة، ودنسوا بيت الله بأوثانهم فأذل الله أهلها وأزال سيادتهم بظهور الإسلام بعد كفاح معروف.
وإن أريد بها تقريرهم لقتل النبي ﷺ ، فالأمر ظاهر أيضاً، وكل من الأمرين حصل بجعل الله وتدبيره ثم بكسب المؤمنين وجهادهم.
وأما كلمة الكفر في نفسها، وبصرف النظر عن تلبس بعض الشعوب أو القبائل بها، فلا حقيقة لها، أعني أن الشرك لا حقيقة لمضمونه في الوجود وإنما هو دعاوى لفظية صادرة عن وساوس شيطانية خيالية، كما قال تعالى ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ .
وقد ضرب الله المثل للكلمتين وأثرهما في الوجود قوله في سورة إبراهيم ﵇ ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (٢٨) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها
стр. 179
من قرار (٢٩) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ .
وقد ختم الله هذه الآية بقوله ﴿والله عزيز حكيم﴾ العزيز الممتنع الغالب والله هو الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، وقد نصر رسوله بعزته، وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل كل من ناوأه وناوأ المتقين من أمته.
وإننا نقفي على تفسير هذه الآيات بكلمات تزيدها بياناً، وتزيد الذين آمنوا بالله ورسوله إيماناً، وتزيد المبتدعين المحرفين لكلام الله تعالى خزياً وخذلاناً، ثلاث كلمات:
١ - كلمة في خلاصة ما صح من خبر الهجرة وصفة الغار.
٢ - وكلمة فيما تضمنته الآية وأخبار الهجرة من مناقب الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
٣ - وكلمة في دحض شبهات الروافض، بل مفترياتهم في تشويه هذه المناقب، وتحريف كلمات الله وأخبار الرسول عن مواضعها ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ .
***
стр. 180
الكلمة الأولى في الهجرة المحمدية
كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد - خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين ومصلحاً للناس أجمعين - أن أعدَّ لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية [الموصوفة] (١) باستقلال الفكر وقوة الإرادة وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين.
ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش، كبراً وبغياً وعلواً واستكباراً عن الإعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق، شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش.
وكان له ﷺ بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة ﵁ أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي ﷺ وقد آمن في السنة الثانية من بعثته.
وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش: (خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه) ، وحسبك
стр. 181
ما أنزل الله فيه وفي امرأته حمالة الحطب.
وكان عمه أبو طالب هو الذي كفله بعد وفاة جده شيبة الحمد عبد المطلب، وإنما كان يحميه ويدافع عنه لعصبية القرابة والتربية.
وكان لزوجه أم المؤمنين خديجة ﵂ مقام كبير في قريش كان له تأثير سلبي كبير في تقليل إيذائه ﷺ ، وقد توفيت هي وأبو طالب في أسبوع واحد، فاشتد إيذاء قريش بعدهما، حتى أجمعوا على قتله قتلة تشترك فيها جميع قبائل قريش بأن يأخذوا من كل قبيلة شاباً نهدا قوياً يعطونه سيفاً فيحمل عليه هؤلاء الشبان ويتعذر على بني هاشم الأخذ بثأره - على حسب عادة العرب - فيرضون بالدية، عند هذا أمره الله تعالى بالهجرة إلى يثرب التي صار اسمها المدينة المنورة بهجرته إليها، وكان قد آمن به وبايعه من أهلها الأنصار في الموسم مَنْ جعلهم الله تعالى مقدمةً لإيمان غيرهم من الأنصار الكرام.
لم يكاشف النبي ﷺ بهجرته أحداً غير صاحبه الأول
стр. 182
أبي بكر الصديق الذي كان أول من آمن به ممن دعاهم إلى الإسلام بعد أهل بيته وهم: زوجه خديجة، وعتيقه زيد بن حارثة، وربيبه علي وكان دون البلوغ.
وهؤلاء قد علموا بنبوته ﷺ وصدقوه قبل أن يأمره الله بالدعوة.
فكان أبو بكر صاحبه الملازم ومستشاره الدائم، ووزيره الأكبر وموضع سره، وإنما كان رضي الله تعالى عنه أول من أسلم؛ لأنه كان أشد هذه الأمة استعداداً لنور الإسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه، وقوة عقله، وعرفانه بفضائل النبي ﷺ قبل النبوة.
وقد كان صديقه من سن الشباب، وروى ابن إسحاق أنه ﷺ لم يعرض الإسلام على أحد إلا وكان له فيه كبوة إلا أبا بكر ﵁. (١)
وإننا نذكر أصح ما أورده نقاد المحدثين من خبر الهجرة، وأوضحه وأبسطه: ما رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري وغيرهم من حديث عائشة ﵂ فنبدأ به، ونقفي عليه بأحاديث أخرى من الجامع الصحيح غير ناظرين إلى روايتها في غيره، ثم نشير إلى غيرها.
قال البخاري في كتاب الهجرة من صحيحه [برقم: ٣٩٠٥] : (حدثنا
стр. 183
يحيي بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل قال ابن شهاب: فأخبرني عروة ابن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة (١) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على
стр. 184
نوائب الحق (١) فأنا لك جارٌ، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فأنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. (٢)
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن
стр. 185
فيتقذف عليه (١) نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله .
стр. 186
والنبي ﷺ يومئذ بمكة، فقال النبي ﷺ للمسلمين: ((إني أُرِيتُ دارَ هجرتكم ذات نخل بين لابتين)) وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة (١) ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله ﷺ ((على رسلك (٢) ؛ فإني أرجو أن يؤذن لي)) فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟
قال: ((نعم)) .
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعَلَفَ راحلتينِ كانتا عنده ورقَ السمر - وهو الخبط (٣) - أربعة أشهر.
قال ابن شهاب (٤) : قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوماً
стр. 187
جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة (١) قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: ((أخرج من عندك)) .
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك (٢) بأبي أنت يا رسول الله.
قال: ((فإني قد أُذن لي في الخروج)) .
فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟
قال رسول الله: ((نعم)) .
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله ﷺ : ((بالثمن)) . (٣)
قالت عائشة:
стр. 188
فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بينت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق.
قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندها بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرًا يُكْتادان به (١) إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر ابن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما (٢)
стр. 189
حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس (١) ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بنى الديل وهو من بني عبد بن عدى هاديا خريتًا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحليتهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحليتهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهير والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
(قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم -: أن أباه أخبره أنه سمع سراقة ابن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء
стр. 190
أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي (١) حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام (٢)
تُقَرِّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت،
стр. 191
فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عثان (١) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية.
وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني (٢) ولم يسألاني إلا أن قال: ((أخفِ عنا)) فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله ﷺ .
(قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ لقي الزُّبيرَ في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام فكسا الزبيرُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة. فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة.
فانقلبوا
стр. 192
يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون.
فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف
стр. 193
بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ ، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.
فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: ((هذا إن شاء الله المنزل)) .
ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله.
فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن:
((هذا الحمال لا حمال خيبر. . هذا أبر ربنا وأطهر))
ويقول:
((اللهم إن الأجر أجر الآخرة. . فارحم الأنصار والمهاجرة))
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي.
قال ابن شهاب:
стр. 194
ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت) .
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام عن أبيه وفاطمة عن أسماء ﵂: صنعتُ سفرة للنبي ﷺ وأبي بكر حين أرادا المدينة، فقلت لأبي ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت فسميت ذات النطاقين.
قال ابن عباس: (أسماء ذات النطاق) .
حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ قال: (لما أقبل النبي ﷺ إلى المدينة تبعه سراقة بن مالك بن جعشم، فدعا عليه النبي ﷺ ، فساخت به فرسه (١) ، قال: ادع الله لي ولا أضرك. فدعا له.
قال: فعطش رسول الله ﷺ فمر براعٍ.
قال أبو بكر: فأخذت قدحا فحلبت فيه كثبة (٢) من لبن، فأتيته فشرب حتى رضيت) . اهـ
стр. 195
(أقول) هذا ما اخترت نقله من صحيح البخاري من خبر الهجرة، وفيه أحاديث أخرى تُراجع في صحيح البخاري وغيره من الصحاح والسنن والسير، وفيها عبر كثيرة، وإنني أُقفي عليه بوصف الغار الذي شرفه الله بإيوائه إليه إتماما للفائدة.
وقد ورد في كتب الحديث والسير أخبار وآثار كثيرة في قصة الهجرة ودخول الغار، فيها كرامات وخوارق يتساهلون بقبول مثلها في المناقب، وإن لم تصح بطرق متصلة يحتج بمثلها في الأحكام العملية، ولا في المسائل الاعتقادية بالأولى.
قال الحافظ في شرح حديث عائشة من الفتح [٧ / ١٦٨] : ((إن الإمام أحمد [١ / ٣٤٨ ط: الميمنية] روى بإسناد حسن (١) من حديث ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾ الآية. قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي ﷺ ، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه.
فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي على فراش رسول الله ﷺ تلك الليلة وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون
стр. 196
عليا يحسبونه النبي ﷺ يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه.
فلما أصبحوا ورأو عليا رد الله مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري.
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال)) . اهـ
وذكر الحافظ روايات بهذا المعنى من مراسيل الزهري والحسن في بعض السير وغيرها، ونقل عن دلائل النبوة للبيهقي [٢ / ٤٧٧] من مرسل محمد بن سيرين: ((أن أبا بكر ليلة انطلق مع رسول الله ﷺ إلى الغار كان يمشي بين يديه ساعة ومن خلفه ساعة فسأله (أي عن سبب ذلك) فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي أمامك، فقال: ((لو كان شيء أحببت أن تقتل دوني؟)) قال: أي والذي بعثك بالحق. (١)
فلما انتهى إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، فاستبرأه. وذكر أبو القاسم البغوي من مرسل ابن أبي مليكه
стр. 197
نحوه (١) ، وذكر ابن هشام [ص٤٨٦ - ٤٨٧] من زياداته عن الحسن البصري بلاغا نحوه)) . اهـ
أقول: فهذه مراسيل عن كبار علماء التابعين يؤيد بعضها بعضا. وفي الموضوع روايات أخرى. منها أن حمامتين عششتا على بابه، وفي بعض الروايات أن أبا بكر سد جحر كان في الغار بقطع من ثوبه، وهذا مراده من استبرائه.
وقال الحافظ قبل ذلك في شرح قول عائشة: ((ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور)) :
((ذكر الواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه ﷺ كان يوم الاثنين ودخوله المدنية كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس.
قلت: يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد وخرج في أثناء ليلة الاثنين)) . اهـ
стр. 198
***
الكلمة الثانية مناقب الصديق في قصة الهجرة:
قد دلت هذه الآية الكريمة وما يفسرها ويشرحها من الأحاديث الصحيحة وما في معناها من الأخبار والآثار مما دونها في الرواية على مناقب وفضائل لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه امتاز بها على جميع أصحاب الرسول ﷺ نذكر منها ما يتبادر إلى الفهم بغير تكلف لبداهته ومن غير مراعاة ترتيب:
(الأولى) : أن رسول الله ﷺ لم يأمن على سره وعلى نفسه في هذه الحادثة التي كانت أهم حوادث رسالته وأشدها خطرا وخيرها عاقبة غير صاحبه الأول أبي بكر الصديق، وإن شئت قلت إنه لم يختر لصحبته وإيناسه فيها غيره.
ويؤيده ما رواه ابن عدي [٢ / ١٦٠ - ١٦١ ط: الفكر] ، وابن عساكر [٣ / ٩٠ - ٩٢ ط: الفكر] من طريق الزهري عن أنس (رض) أن رسول الله ﷺ قال لحسان: ((هل قلت في أبي بكر شيئا؟)) قال: نعم، قال: ((قل وأنا أسمع)) فقال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... . . . طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا. . . من البرية لم يعدل به رجلا
стр. 199
فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: ((صدقت يا حسان، هو كما قلتَ)) . (١)
(الثانية) : أنه ﷺ رضي أن تكون نفقة هذه الرحلة من مال أبي بكر الذي أنفق جميع ماله في خدمته ﷺ ، إلا أنه أحب أن تكون الراحلة التي ركبها بالثمن يدفعه بعد ذلك.
وتقدم ما قاله بعض العلماء في تعليل ذلك، وفي صحيح البخاري [٣٦٦١] أن عمر بن الخطاب غضب من أبي بكر ﵁ في محاورة بينهما، فطلب منه أبو بكر أن يغفر له فأبى، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له النبي ﷺ : ((يغفر الله لك يا أبا بكر)) ثلاثا.
قال الراوي - وهو أبو الدرداء ﵁: ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فقال: أَثَمَّ أبو بكر؟
فقالوا: لا.
فأتى إلى النبي ﷺ فسلم عليه فجعل وجه رسول الله ﷺ يتمعر (٢) حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبته فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم -
стр. 200
مرتين - فقال النبي ﷺ : ((إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟)) مرتين، فما أوذي أبو بكر بعدها.
وقد صرح أيضا بأن أمن الناس عليه في ماله ونفسه أبو بكر، رواه الشيخان وغيرهما. (١)
(الثالثة) : أن الرسول ﷺ لم يختر في ذلك وأمثاله إلا ما اختاره الله تعالى له، فهذا تفضيل من الله للصديق على غيره من أصحاب نبيه.
(الرابعة) : ذكره وحل في كتابه العزيز بهذا الثناء العظيم الذي لم يشاركه فيه أحد من المؤمنين في مقام إطلاق الإنكار عليهم والتوبيخ لهم على تثاقلهم عن إجابة استنفار رسول الله ﷺ إياهم بأمره.
أخرج خيثمة بن سليمان الاطرابلسي في فضائل الصحابة وابن عساكر [٣٠/٢٩١] من طريق الزهري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر ﵁ فقال ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا
стр. 201
ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ )) . (١)
وأخرج ابن عساكر [٣ / ٩٢] عن سفيان بن عيينة قال: ((عاتب الله المسلمين جميعا في نبيه ﷺ غير أبي بكر ﵁ وحده؛ فإنه خرج من المعاتبة)) ، ثم قرأ ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ الآية.
ذكرهما السيوطي في الدرر المنثور [٤/١٩٩ ط: الفكر] .
فهذا ما دل عليه أسلوب الآية والسياق من تفضيله على جميع الصحابة ﵃ بغير استثناء.
وأخرج ابن المنذر (٢) عن الشعبي قال: والذي لا رب غيره لقد عوتب أصحاب محمد ﷺ في نصرته إلا أبا بكر؛ فقد قال تعالى ﴿إلا تنصروه﴾ الآية خرج أبو بكر ﵁ من المعتبة. (٣)
(الخامسة) : أمره ﷺ عليا كرم الله وجهه أن يبلغ الناس في موسم الحج هذه الآية في جملة ما بلغه من أول سورة براءة كما تقدم في أول تفسير السورة.
وفي ذلك حكم بالغة، تقطع كل وتين من قلوب الرافضة، وإن لم تقطع ألسنتهم الكاذبة الخاطئة.
(السادسة) : قوله تعالى في رسوله ﷺ وفيه ﴿ثاني اثنين﴾ فهذا القول من رب العالمين في خطاب جميع المؤمنين في هذا
стр. 202
المقام والسياق فيه دلالة واضحة على فضل هذين الاثنين وكون الصديق هو الثاني في المرتبة بعد رسول الله ﷺ في كل ما يقتضيه المقام للهجرة الشريفة من الفضائل والمزايا.
قال الفخر الرازي عند ذكر هذه المنقبة - وهي كون أبي بكر ثاني رسول الله ﷺ في الغار - ما نصه:
((والعلماء أثبتوا أنه ﵁ كان ثاني رسول الله ﷺ في أكثر المناصب الدينية؛ فإنه ﷺ لما أُرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة ﵃ والكل آمنوا على يديه، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله ﷺ بعد أيام قلائل فكان هو ﵁ ثاني اثنين في الدعوة إلى الله.
وأيضًا كلما وقف رسول الله ﷺ في غزوة كان أبو بكر يقف في خدمته ولا يفارقه، فكان ثاني اثنين في مجلسه.
ولما مرض رسول الله ﷺ قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة، فكان ثاني اثنين.
ولما توفي دفن بجنبه فكان ثاني اثنين هناك
стр. 203
أيضاً)) . (١)
وأخص من هذا كله: أنه كان ثانيه في الشروع في إقامة الشرع في دار الهجرة، فلم يَرَ الأنصارُ معه ﷺ أحداً قبله.
(السابعة) : وهي تؤيد ما تضمنه معنى الاثنينية من رفعة المقام:
قوله ﷺ له: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)) وإنها لمنقبة تتضاءل دونها المناقب، ومرتبة تنحدر عن عليا سمائها المراتب.
أَكْبَرَ أَعْلَمُ رسلِ الله بالله أَمْرَها، وهو أعلم بقدرها؛ فإن قوله ﷺ : ((ما ظنك يا أبا بكر)) بكذا.
يراد به: أنه لا يمكن أن تحوم الظنون أو تنتهي الآراء والأفكار إلى شأن أعلى من شأنها، ومنعة أعز من منعتها الخ.
(الثامنة) : حكاية رب العزة والجلال لقول رسوله الذي ختم به النبيين، وأرسله رحمة للعالمين، لهذا الصاحب الصديق المسكين ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فهي دليل على أنه قال له ذلك بإذنه تعالى ووحيه، لا من حسن ظنه ﷺ بربه واجتهاد رأيه، على أنه لو كان اجتهادا أقره ربه عليه وحكاه عنه، وجعله مما يتعبد به المؤمنين ما دامت السموات والأرض،
стр. 204
لكانت قيمته في غايته، بمعنى ما كان عن الوحي منذ بدايته، وهذا يؤيد كون ما ذكرناه في تفسير المعية من كونها معية خاصة من نوع المعية التي أيد الله تعالى بها موسى وهارون ﵉، إلا أنها أعلى في ذاتها وشخصها من كل أفراد هذا النوع.
ف المعية الإلهية معنى إضافي يختلف باختلاف موضوعه ومتعلقه ، فمعية العلم عامة، كقوله تعالى ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكبر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ وهى لا تشريف فيها لأهلها بل هي تهديد لهم؛ وإنذار بأن الله مطلع على كل ما يصدر عنهم، وأنه سيحاسبهم عليه ويجزيهم به.
وأعلى منها معيته تعالى للمتقين والمحسنين، وهي تتضمن معنى التوفيق واللطف كما تقدم، ففيها شرف عظيم.
وأعلى منها معيته للأنبياء والمرسلين، في مقام التأييد على الأعداء المناوئين وهي أعلى الأنواع كما علمت، ولم يثبت لأحد من غيرهم حظ منها
стр. 205
إلا ما ثبت للصديق هنا. (١)
(التاسعة) : إنزال الله تعالى سكينته عليه - على ما تقدم من التفسير المنقول المعقول - وهي منقبة لم يرد في التنزيل إثباتها لشخص معين قبله ولا بعده إلا الرسول ﷺ ﷺ ، وإنما ورد إثباتها لجماعة المؤمنين كما تقدم.
وقد كان رضي الله تعالى عنه قائما مقام جميع المؤمنين في الغار وسائر رحلة الهجرة الشريفة في خدمة الرسول ﷺ ، وإنما أنزل التنويه بذلك في أواخر مدة الهجرة. أي سنة تسع منها.
وقد روينا لك ما قاله علي المرتضي كرم الله وجهه وغيره من تفضيله على جميع المؤمنين بهذه الآية مِنْ قِبل الله ، وأنه كان المبلغ لها عن الرسول ﷺ في موسم الحج.
(العاشرة) : تأييده بجنود لم يرها المخاطبون من المؤمنين وهي الملائكة بناء على القول بعطف جملة التأييد على جملة إنزال السكينة كما تقدم شرحه، ويأتي في هذا ما ذكرناه فيما قبله من الخصوصية وجعل أبي بكر في مقدم المؤمنين كافة مع تفضيله عليهم.
стр. 206
(الحادية عشرة) : إثبات الله تعالى صحبته لرسول ﷺ في أعظم مواطن بعثته، وأطوار نبوته، فإن كان النبي ﷺ قد سمي أتباعه في عهده أصحاباً، تواضعا منه وتربية لهم على احترام جميع أفراد الأمة ومعاملتهم بالعدل والمساواة، وإزالة لما كان في الجاهلية من احتقار بعض القبائل لبعض، واحتقار الأغنياء والرؤساء لمن دونهم.
وإبطالا لما كان في شعوب أخرى كالهنود من جعل الناس طبقات بعضها فوق بعض بالتحكم والتوارث، وهو ﷺ مبعوث إلى الجميع ولإصلاح الجميع، فإن هذا لا ينافي ما جرت به سنة الله تعالى في خلقه وأقرته شريعة الحق والعدل بخاتم رسله من تفاضل أفراد الناس بعضهم على بعض بالإيمان والعلم والعمل ومعالي الأخلاق ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ، ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة﴾ ، ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل
стр. 207
الله أعظم درجة عند الله﴾ الخ..
وقد أجمع المسلمون (١) على أن المهاجرين السابقين الأولين أفضل من سائر المؤمنين، وورد في فضائل الهجرة آيات وأحاديث كثيرة معروفة، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن أبا بكر ﵁ أول المهاجرين، وأنه امتاز بهجرته مع الرسول نفسه بإذن ربه، ورَغْبَتتُهُ ﷺ من قبل الإذن الإلهي له؛ إذ مَنَعَ أبا بكر من الهجرة، وحَدَّدَ انتظارًا منه لإذن الله تعالى له بهجرته معه، كما تقدم في الحديث الصحيح - فلا غرو أن يكون له كل ما علمنا من المزايا في الهجرة.
وأن يكون بها أفضل المهاجرين بعد سيد المهاجرين ﷺ ، وأن تكون صحبته أفضل وأكمل من صحبة غيره.
وفي قوله ﷺ في حديث مغاضبة عمر له على مسمع من الصحابة: ((فهل أنتم تاركوا لي صاحبي)) إشعار بأنه الصاحب الأكمل له ﷺ ، فهو قد أضافه إلى نفسه كما أضافه الله تعالى إليه في كتابه (٢) ، إذ الإضافة هنا كالإضافة في قوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ إضافة تشريف واختصاص؛
стр. 208
فإن جميع الخلق عبيد الله ﴿إن كل ما في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً﴾ .
وقد قال بعض الفقهاء: إن من أنكر صحبه أبي بكر ﵁ للرسول ﷺ يحكم بردته عن الإسلام لتكذيبه بنص القرآن (١) ، هاتان منقبتان في الصحبة والهجرة جعلناهما واحدة.
وقد يثلثهما أنه لم يكن معه ﷺ حين وصل إلى دار الهجرة والنصرة من أصحابه السابقين الأولين غير أبي بكر ﵁، فهو أول من رآه معه جماعة الأنصار ﵁، وأول من صلى معه من المهاجرين أول جماعة وأول جمعة ظهرت بها شعائر الإسلام.
(الثانية عشرة) : حكاية الله عن نبيه ﷺ أنه قال له ﴿لا تحزن﴾ فكونه ﷺ يعني بتسليته وطمأنينته أمر عظيم.
وإخبار الله بذلك فيما يتعبد به المؤمنين إلى يوم القيامة أمر أعظم. وناهيك بتعليله بما علله به من معية الله لهما.
وهذا النهي عن الحزن لم يرد في غير هذا الموضع من القرآن خطابا من قبله تعالى إلا للنبي الأعظم ﷺ ، وورد خطابا من الملائكة
стр. 209
للوط ﵇.
وقد علل في آخر سورة النحل بمعية الله تعالى للمتقين والمحسنين، وعلل هنا بالمعية التي هي أخص منها وأعلى كما تقدم شرحه.
(الثالثة عشرة) : أن القرآن كلام الله تعالى، وهو أكمل كتاب أنزله الله تعالى على خاتم رسله لهداية البشر كافة، فهو يمدح الإيمان والأعمال الصالحة والصفات الحميدة وأهلها، ويذم الكفر والشرك والأعمال السيئة والصفات القبيحة وأهلها، ولا ترى فيه مدحاً لشخص معين من هذه الأمة غير رسولها ﷺ إلا لصاحبه الأكبر أبي بكر ﵁، ولا ذما لشخص معين من الكفار غير أبي لهب وامرأته.
فاختصاص أبي بكر بالمدح من رب العالمين في هذه الآية منقبة لا يشاركه فيها أحد من هذه الأمة تدل على فضله على كل فرد من أفرادها.
وهذا المعنى - أي الاختصاص - غير موضوع المدح المتقدم تفصيله؛ فهو يجعل قيمته مضاعفة؛ إذ لو كان في التنزيل مدح لغيره كالأحاديث الشريفة الواردة في فضائله وفضائل آخرين من أهل بيته صلى الله عليه وسلم
стр. 210
وأصحابه لما كانت هذه منقبة خاصة بالصديق، وإن كان المدح المفروض لغيره دون مدحه في موضوعه، كما هو شأن أحاديث المناقب. فكيف وقد جاء هذا المدح في سياق توبيخ المؤمنين على التثاقل في إجابة الرسول إلى ما استنفرهم له كما تقدم شرحه والآثار فيه؟
ولا يرِد على هذه الخصوصية أن قصة الأعمى تتضمن ثناء عليه بالخشية وهو شخص معين معروف أنه عبد الله بن أم مكتوم المؤذن رضي الله؛ فإن السياق فيها ليس سياق مدح.
وقوله تعالى ﴿وهو يخشى﴾ لا يدل على أن هذه الخشية خاصة به، ولا أنه ممتاز فيها على غيره، على أن فيها من إثبات الفضل له ما لا يخفى.
ولا يرد أيضا على ذم أبي لهب ما ورد في سورة المدثر في الوليد بن المغيرة، وفي سورة العلق في أبي جهل؛ فإن الذم فيهما متعلق بالوصف لا بالشخص، مع كون الموصوف قد عرف من سبب النزول لا من النص.
وهو غير متواتر كتواتر وصف الصاحب للصديق، ودونه وصف الأعمى لابن أم مكتوم، على أنه لا يضرنا عدم الحصر هنا، وغير مقصود في بحثنا.
стр. 211
الكلمة الثالثة
(تفنيد مراء الروافض ، وتحريفهم وتبديلهم لهذه المناقب) :
قال الفخر الرازي بعد تفسير الآية واستنباط ما فيها من المناقب بدون ما ألهمنا الله تعالى إياه ما نصه: ((واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين:
(فالأول) : قالوا: أنه قال لأبي بكر ﴿لا تحزن﴾ فذلك الحزن إن كان حقًا فكيف نهى الرسول ﵊ عنه، وإن كان خطأ لزم أن يكون أبو بكر مذنبًا وعاصيًا في ذلك الحزن؟!
(والثاني) : قالوا: يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه، فأخذه معه دفعًا لهذا الشر.
(والثالث) : أنه وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليًا بأن يضطجع على فراشه، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله ﷺ في
стр. 212
مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبًا للرسول. (١)
فهذه جملة ما ذكروه في هذا الباب)) . (٢)
هذا ما نقله الرازي بحروفه وقال: إنه ((أخس من شبهات السوفسطائية)) ، ورد عليه.
وذكر في رده ردًا آخر لأبي علي الجبائي إمام المعتزلة في عصره في القرن الثالث (توفي سنة ٣٠٣) فدل هذا على قدم هذا الجهلِ والسخفِ في القوم.
وقد بسط ذلك الشهاب الألوسي في تفسيره [١٠ / ١٠٠ ط: التراث] نقلا عنهم وكان كثير الاحتكاك بعلمائهم في بغداد، فقال ما نصه:
((وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق ﵁.
قالوا: إن الدال على الفضل إن كان ﴿ثاني اثنين﴾ فليس فيه أكثر من كون أبي بكر متمما للعدد.
وإن كان ﴿إذ هما في الغار﴾ فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان، وكثيرًا ما يجتمع فيه الصالح والطالح.
وإن كان ﴿لصاحبه﴾ فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت
стр. 213
بالذي خلقك﴾ وقوله سبحانه ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ و ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، بل قد تكون بين من يعقل وغيره، كقوله:
إن الحمار مع الحمار مطية ... ... وإذا خلوت به فبئس الصاحب (١)
وإن كان ﴿لا تحزن﴾ فيقال: لا يخلو إما أن يكون الحزن طاعة أو معصية، لا جائز أن يكون طاعة، وإلا لما نهى عنه ﷺ فتعين أن يكون معصية لمكان النهي، وذلك مُثْبِتٌ خلاف مقصودكم، على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه.
وإن كان ﴿إن الله معنا﴾ فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله الخاصة له ﷺ وحده، لكن أتى بـ (ـنا) سدًا لباب الايحاش، ونظير ذلك الإتيان بـ (ـأو) في قوله ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ .
وإن كان ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ فالضمير فيه للنبي ﷺ لئلا يلزم تفكيك الضمائر، وحينئذ يكون في تخصيصه ﷺ بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله سبحانه ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ إشارة إلى ضد ما ادعيتموه.
وإن كان
стр. 214
ما دلت عليه الآية من خروجه مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت فهو ﵊ لم يخرجه معه إلا حذرًا من كيده لو بقى مع المشركين بمكة، وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل علياً كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك. (١)
وإن كان شيئًا وراء ذلك، فبينوه لنتكلم عليه. انتهى كلامهم)) .
قال الشهاب الآلوسي إثر نقله: ((ولعمري إنه أشبه شيء بهذيان المحموم، أو عربدة السكران، ولولا أن الله سبحانه حكي في كتابه الجليل عن إخوانهم اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فما، أو نجرى في ميدان تزييفه قلما)) ، ثم رد كل كلمة قالوها ردا علميا أدبيا مفحما.
وما شرحناه في تفسير الآية وما استنبطناه منها بمعونة أحاديث الهجرة من المناقب التي هي نصوص ظاهرة في تفضيل الصديق على جميع الصحابة ﵃ ولعن مبغضيه ومبغضيهم، وما سنزيده على ذلك هنا في إفحامهم يغنينا عن نقل عبارته؛ فإنه أقوى منها في تفنيد هذا التحريف
стр. 215
لكلام الله وكلام رسوله والافتراء المفضوح المعلوم بطلانه بالبداهة.
وإنما أختار من كلام السيد الألوسي قوله في آخره:
((وأيضا إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبي أن يقول - والعياذ بالله تعالى - في على كرم الله وجهه: إن النبي ﷺ لم يأمره بالبيتوتة على فراشه ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون ظنا منهم أنه النبي ﷺ فيستريح منه.
وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي: إن إخراج الصديق إنما كان حذرًا من شره.
فليتق الله من فتح هذا الباب، المستهجن عند أولى الألباب)) . اهـ
أقول: ومن هذا الباب في سورة التأويل، الذي يقوله من لا يعتقد صحته لمحض التضليل، تأويل معاوية لحديث: ((ويح عمار تقتله الفئة الباغية)) ؛ فإنه لما علم أن فئته قتلته قال: ((إنما قتله من أخرجه)) يعني: عليا كرم الله وجهه. (١)
بل هذا التأويل الباطل أقرب إلى اللغة من تأويل الروافض لخروج الصديق مع النبي ﷺ المذكور آنفاً إن صح أن يسمى تأويلا، وإنما هو تضليل لا تأويل؛ فإن هذه القرية التي افتجرها هؤلاء الفجرة ليس لها شبهة لغوية