Полный текст (485 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
روى عنه أبو بكر ابن المُقْرِي والطبراني. وولي قضاء مصر بعد صرف إبراهيم بن محمد الكُرَيْزي خلافة عن هارون بن إبراهيم بن حماد، بعد صرف أبي يحيى بن مكرم. فورد الكتاب من هارون إلى أبي علي الصغير، واسمه أحمد ابن علي بن الحسين، وعلي بن علي الجوهري، فتسلما ذلك من الكريزي، ونظرا في الأمور. ثم استقل عبد الرحمن بن إسحاق، فإنه كتب إلى هارون بذلك يسأله إقراره، فأجاب سؤاله، وارتفعت يد أبي عليّ الصغير، واستقل الصغير بالنظر في الصدقات.
وقال ابن يونس: تسلّم القضاء لأحمد بن إبراهيم بن حماد نحو سنة، إلى أن قدم ابن حماد.
فهذا يدل على أن ولايته من قبل أحمد، ولا من قبل أخيه هارون. وكان أحمد من قبل هارون. فعلى هذا يكون عبد الرحمن نائب نائب القاضي. وظاهر كلام غيره، أنه إنما ناب عن هارون، ثم استناب هارون أخاه أحمد.
قال ابن زولاق: كان عبد الرحمن بن إسحاق عاقلاً فقيهاً حاسياً فهماً، له في الحساب تصنيف وافر، ولم يترك حلقته التي كان يشغِل فيها في الجامع، بل كان يروح كل ليلة. وكان ينفد له بضاعة صوف إلى مكة في كل سنة، وكان عفيفاً. ويقال إن المودع بقي فيه ثمانون ألف دينار مما كان أبو عبيد خلفه فيه وطال العهد بها، ولم يأتِ لها طالب. فلم يتعرض لها عبد الرحمن، حتى جاء الذي بعده فَذِابَت كلها في النفقات والصِّلات والهِبات.
وكان عبد الرحمن يتأدب مع الطحاوي جداً، بحيث لا يركب حتى يركب، ويقول: هو عالمِنا وقُدوتنا، ويقول: هو أسَنُّ مني بإحدى عشرة سنة. والقضاء أقل من أن أفتخر به على أبي جعفر.
وكان ابن الفرات الوزير، غضب من صرف الكريزي، ففوض نظر الأحباس لعلي بن أبي بكر وأفردها على القاضي.
ولم يزل عبد الرحمن ينظر في الحكم إلى ربيع الآخر سنة أربع عشرة. فكانت مدة ولايته سنة واحدة وشهرين. وعاش بعد ذلك إلى سنة عشرين وثلاثمائة.
стр. 212
عبد الرحمن بن حُجيرة بمهملة ثم جيم مصغر. ويقال له ابن حُجيرة الأكبر. روى عن عمر، وأبي ذَر، وابن مسعود، وعُقْبة بن عامر، وعبد الله بن عَمر ابن العاص، وغيرهم. روى عنه ابنه عبد الله، والحراث بن يزيد، وأبو عَقيل زُهْرَة بن مَعْبَد، ودَرّاج أبو السَّمْح وغيرهم.
وَثقة النسائي والعِجْلي والدَّارَقُطني وابن حِبان.
قال خلف بن ربيعة عن أبيه عن جده الوليد بن سليمان، قال: كان ابن حُجيرة من أفقه الناس، فولاه عبد العزيز بن مروان القضاءَ، فسألت سعيد بن السائب بن عبد الرحمن بن حُجيرة، متى ولي جَدك القضاء؟ قال: لا أدري، غير أني رأيتُ له قضية عند آل قيس بن زُبَيْد الخَوْلأاني، تاريخها في شهر رمضان سنة سبعين، لا أعلم أني رأيت أقدمَ منها.
وقال ابن لَهِيعة عن عبيد الله بن المغيرة: إن رجلاً من أهل مصر، سأل ابن عباس عن مسألة، فقال: تسألني وفيكم ابن حُجيرة! وعن موسى بن ورَدان، قال: سألت سعيد بن المُسَيَّب فذكر مثله.
وقال عبد الرحمن بن أبي السمح عن أبي الليث عاصم بن العلاء: إن ابن حُجيرة كان على القضاء والقصص وبيت المال، وكان رزقه في السنة ألف دينار، عن القضاء مائتين، وعن القصص مائتين، وعن بيت المال مائتين، وعطاءه مائتين، وجائزته مائتين. وكان لا يَحُول عليه الحَوْل وعنده منها شيء، بل كان يفضل على أهله وإخوانه.
ومن أقضيته، أنه قضى في امرأة من حِمْيَر جَدَعَت أَمةً لها، فأعتق الأمة، وقضى بولائها للمسلمين.
стр. 213
وكان يرجح في الشهادة بالكثرة، إلا أن يكون هناك صاحب بَدْر، ولكن لا يحجر على سفيه في ماله، لكن ينهى الناس عن معاملته بعد أن يشهره. وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا في الأعياد والمواسم. وكان له عبد يستقي له الماء فمات، فأخذ هو البغل، وتوجه بنفسه ليستقي. كانوا يقتدون به في أشياء كثيرة لورعه وصدقه.
ومن كلامه: إذا قضى القاضي بالهَوَى، احتجبَ الله عنه.
قال ابن يونس: يكنى أبا عبد الله وهو خَولاني من بني يعلى بن مالك. وحكى أبو عمر عن غَوث بن سليمان قال: لما ولي عبد الرحمن بن حجيرة القضاء أخبروا أباه بذلك فقال: هَلَك ابني وأَهْلك. وكان أولاً وَلِي القصص فأخبروا أباه فقال: ذكَر ابني وذكَّر. وقد تقدم هذا لعبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، وهو أليق بها.
وكان السبب في كتابة المصحف المذكور، أن الحجاج استكتب في إمارته على العراق مصاحف، فبعث منها إلى مصر واحداً، فغضب عبد العزيز بن مروان وقال: تبعث إلى جندٍ أنا فيه بمصحف! فأمر مَن كتب له المصحف الذي هو الآن بمصر بالمسجد الجامع. فلما فرغ قال: مَن أخذ فيه حرفاً خطأ، فله رأس أحمر وثلاثون ديناراً. فتداوله القراء فجاء رجل من قراء الكوفة اسمه زُرعة بن سَهل الثقفي، فيما ذكر ابن يونس، لجده خَرَشة بن الحُرَ صُحبة، فقرأه تهجياً. ثم جاء
إلى الأمير عبد العزيز فقال: وجدت فيه حرفاً خطأ. فنظروا فإذا هي (إنَّ هَذَا أخي لهُ تسعٌ وتِسْعُونَ نَعْجةً) فإذا هي مكتوبة (نجعة) بتقديم الجيم على العين. فأمر عبد العزيز بالورقة فأبدلت. ثم أمر له برأس أحمر وثلاثين ديناراً.
وكان يأمر بأن يحمل غَداة كل جمعة من دار عبد العزيز إلى المسجد الجامع فيقرأ فيه. فكان أول مَن قرأ فيه عبد الرحمن بن حُجيرة، كان متولي القضاء والقصص يومئذ، وذلك في سنة ست وسبعين. وكان استكتب عبد الملك بن أبي العوام الخولاني، فهو الذي كان يكتب عنه ما يحتاج إلى كتابته في أقضيته.
فمن أقضيته ما أخرجه أبو عمر بسندٍ صحيح إلى عبد الله بن الوليد أن رجلاً أتى عبد الرحمن بن حُجيرة فقال: إني نذرتُ ألا أكلم أخي أبداً. فقال: إن الشيطان ولد
стр. 214
له ولد فسماه نذراً، وأنه من قطع ما أمر الله به أن يوصل حلّت عليه اللعنة.
وروى عن عَطاء بن دينار: كان ابن حجيرة يقضي في متعة الطلاق بثلاثة دنانير. ومن طريق ابن لَهيعة عن سعيد بن المسيّب، أن ابن حجيرة كان يشرب السوبيا.
وأخرج ابن وهب بسند صحيح أن ابن حجيرة سألته امرأة عن صبي مولود هل يجزى عن رقبة؟ قال: نعم. أعتقيه.
وذكر ابن عبد الحكم من طريق موسى بن وردان: أن سعيد بن المسيب كتب إلى ابن حجيرة، أنْهَ أهل بلدك عن الربا فإِنه فيها كثير.
ومات وهو قاضٍ في إمارة عبد العزيز بن مروان سنة ثلاثٍ وثمانين. فكانت مدة ولايته القضاء ثلاثة عشرة سنة وشهوراً. هذا هو الصحيح.
وحكى ابن عبد الحكم في كتاب (فتوح مصر) أنه مات سنة خمس وثمانين.
عبد الرحمن بن خالد بن ثابت العبسي ويقال الفهمي ويقال: اسمه عبد الله. ويقال: عبد الأعلى. مصري من المائة الأولى ولي القضاء من قِبل عبد الله بن عبد الملك في صَفر سنة تسع وثمانين بعد صرف عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ولم تطل ولايته وولي بعده عبد الرحمن بن معاوية بن خُدَيج ثبت أن ولايته في صفر تسع وثمانين لكن لم يثبت قدر ولايته هذا وقد ثبت أن ولاية عبد الواحد كانت سنة واحدة فتحرر من هذا أن مدة ولاية صاحب الترجمة كانت أياماً فلهذا لم يذكر في القضاة.
عبد الرحمن بن سالم بن أبي سالم الجَيْشَانِيّ، مولاهم. واسم أبي سالم: سفيان بن هانئ بن جبر بن عمرو من المعافر. يكنى أبا سلمة.
стр. 215
قال ابن يونس: روى عن أبيه. روى عنه الليث بن سعد، وابن لَهِيعة. قال: وولي القضاء والقصص معاً، وكانت ولايته من جهة حوثرة بن سهيل أمير مصر في المحرم سنة ثمانٍ وعشرين ومائة.
قال أبو عُمر الكِنْدي: لما ملك بنو العباس مصر أَقَره صالح بن علي، وأجازه فاستمر إلى أن خرَج صالح من مصر في شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وولي مصر
عوضه أبو عون عبد الملك بن يزيد، فرأى في ديوان الجند خلَلاً، فقيل له: إن عبد الرحمن بن سالم مِن أعلم الناس بأمور الديوان، فعزله عن القضاء وجعل إليه الديوان، وأعاد خير بن نعيم في مستهل رمضان منها.
وكانت مدته في القضاء خمس سنين وسبعة أشهر. ويقال: إن أهل مصر طلبوا من أميرهم أن يرد إليهم خير بن نعيم.
وقال أبو سعيد بن يونس: يقال أنه مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وجزم بذلك غيره.
وقال يحيى بن بكير: أهل بن سالم الجيشاني يقولون إنهم من المعافر.
ووجدت في ديوان بني أمية في زمن مروان بن محمد ورقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. من عيسى بن أبي عطاء إلى خُزّان بيت المال، فأعطوا عبد الرحمن بن سالم القاضي رِزقَه لشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين، عشرين ديناراً، واكتبوا بذلك براءة، يعني شهادة عليه.
وكُتب يوم الأربعاء لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأول
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن المُجَبَّر بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري. أُمْه أَمَةُ الحميد بنت حفص ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مظعون الجمحية. مدني الأصل مالكي
المذهب، من المائة الثانية. روى عن مالك.. روى عنه يحيى بن بكير وأبو صالح كاتب الليث، وزكريا بن يحيى الحرسي. قال ابن يونس: يكنى أبا عبد الله.
стр. 216
وقال أبو عمر: تولي من قبل الرشيد فدخل مصر في صفر سنة خمس وثمانين ومائة، فاستكثر من الشهود ودوّن أسمائهم في كتاب، وهو أول من فعل ذلك. واستكتَب أبا داود النحاس، وزكريا بن يحيى، الحَرسي - ولذلك كان يقال له: كاتب العمري - وخالد بن نجيح وإسحاق بن محمد بن نجيح.
قال سعيد بن عفير: كان من أشد الناس في عمارة الأحباس. كان يقف عليها بنفسه ويجلس مع البنّائين أكثر نهاره.
وقال ابن وزير: لما ولي العمري جعل أشْهَب على مسائله، وضم إليه يحيى ابن بُكيْر، ويحيى بن عبد الله بن حَرملة، وأمرهم بإدامة من عرفه منه ستر وفضل.
وقال يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه: كان خَوَاصّ العمري، عبد العزيز ابن مطرف، وسابق بن عيسى، ويحيى بن بكير، وسعيد بن عفير.
وقال أحمد بن يحيى بن وزير: لم يكن في قضاتنا أكثر شهوداً من العمري. كان قد اتخذ نحواً من مائة من أهل المدينة، أكثرهم من موالي قريش والأنصار، وكان رئيسهم عبد العزيز المطَّرفي.
وجرى في ولاية العُمري قصة أهل الحرس، وهو قوم من أهل مصر كان رؤساء المصريين يؤذونهم، كأبي رَحْب الخولاني، وهاشم بن حُديج، وغيرهما من العرب. فاجتمع الحرسيون إلى كاتب العمري زكريا بن يحيى الحرسي فقالوا له: حتى متى نؤذي ونطعن في آبائنا فأشار عليهم أن ليأذن لهم في كتاب سجل بأن لهم أصلاً في العرب. فجمعوا له ستة آلاف دينار. فلما صار المال إلى العمري، لم يجسر أن يسجل لهم. فقال: اركبوا إلى الخليفة. فخرج عبد الرحمن بن زياد الحَرِسي إلى العراق، وأنفق مالاً عظيماً هناك. وادعى أن المفضل بن فَضَالة، كان حَكَم لهم بإثبات أنسابهم إلى الحوتكة بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.
وكان أبو الطاهر ابن السَّرح يقول أقر عندي عبد الكريم القراطيسي، وكان يضع على الخطوط نظيرها، أنه وضع قصة على لسان المفضل بإِثبات أنساب
стр. 217
الحرسيين إلى الحوتكة، وأنه أخذ في وضعها من الحرسيين ألف دينار، وأخذ المتولي لديوان المفضل ألف دينار، حتى يجعلها في الديوان.
قال ابن وزير: فحضر عبد الرحمن بن زياد بكتاب الأمين ابن الرشيد إلى العمري يأمره أن يسجل للحرسيين، فدعاهم العمري بالبَيِّنة، أحضروا أهل الحروف من الشرقية وجماعة من بادية الشام، فشهدوا أنهم عرب فسجل له العمري بذلك.
وكان يحيى بن بكير وسعيد بن عفير يقولان: لم يشهد فيه أحد من أهل مصر، وإنما شهد لهم من أحواف مصر وبادية الشام. وفي ذلك يقول يحيى الخولاني من قصيدة:
ومن عَجب الأشياء أن جماعةً ... من القِبط فينا أصبوا قد تعرَّبوا
وقالوا أبونا حَوتَكٌ أبوهمُ ... من القِبط عِلج حبله يَتَذَبْذَبُ
وجاءوا بأجلافِ من الحُوف فادَّعوا ... بأنهم منهم سفاهاً وأجلَبوا
وكان سعيد بن عُفير بذكر عن مالك، أنه كان لا يرى اشتراط المرمَّة في الوقف. قال: فقال لي العمري: لولا المرمَّة، ما بقيت الأحباس لأهلها.
وقال إن النيل توقف في سنة من السنين، فخرج العمري إلى الرمل وبسط يده، ودَعَى وابتهل، فما عاد إلا والماء يجري في أذياله.
وقال أحمد بن يحيى بن الوزير: كان العمري يشدو بأطراف الغناء على طريقة أهل المدينة. ولم يكن بمصر مُسمِعة إلا وركب إليها وسمع غناءها. وهَجَاه يحيى الخولاني بسبب ذلك عدة أهاجي.
وقال فيه معلي الطائي أو غيره:
كم ذا تُطوِّل في قِرَاتِكْ ... والجورُ يضحكُ من صَلاتِكْ
تقضي نهارك بالهَوَى ... وتبيت بين مُغنِّياتكْ
ليتَ الثلاثين التي ... تجري تقوم بمسمعاتكْ
وأتت على صرف الزما ... ن بما ارتشيت من الحواتكْ
إن كنتَ قد ألحقتهم ... بالعُرب زَوِّجْهم بَنَاتك
стр. 218
فلتكشفن لما أتي ... ت صدور قوم عن مَسَاتِك
وكأنني بَمنِيَّة تَسْ ... عَى إليك بِكف فَاتِكْ
لا تعجلَن أبا النَّدَى ... حتى تصير إلى وفاتكْ
لو قد ملكتُ لسان أَكْثَم ... ما وصلتُ إلى صفاتكْ
قال: وكان أهل مصر يكنونه أبا الندى، يشبهونه بأبي الندى مولى البلويين وكان مشهوراً في اللصوص. وذكر قصة مراد ويحصب في الرهان، وأن فرس مُراد جاءَ سابقاً، فَعَمدَ بعض يحصب فضرب وجهه حتى سبقه فَرَس يحصب، فوقع بينهم القتال بسبب ذلك، فركب أمير مصر حتى حجز بينهم وأرسلهم إلى القاضي فأتته يحصب بأموال عظيمة فقضى لهم بالفرس.
فلما صرف وولي البكري نقض حكمه، وقال: لا يجوز الرهان إلا بمحلل القاضي، ولم يكن بين الفريقين محلل فلم يصح الرهان ورد الفَرس لمراد.
وقال يحيى بن عثمان بن صالح: حدثني أحمد بن أحمد بن عبد المؤمن العدوي قال: كان العمري اشترى من أموال الأيتام ضياعاً ورباعاً وسلّمها إلى يحيى بن بكير، فكان ينفق على الأيتام. فلما بلغوا طالَبوه بأموالهم، ورفعوه إلى العُمري، فقال: أنتم استهلكتم أموالكم. فلما قَدِم البكري خاصَموا يحيى، فكان البكري يربطه إلى سارية ويحله في كل وقت صلاة، فلم يثبت في جهته شيء.
وكان العمري أول من اتخذ لأموال الأيتام تابوتاً توضع فيه، ويوضع فيه مال مَن لا وارِثَ له. فكان هو مودع قضاة مصر.
ورفع جاعل أهل مصر إلى الرشيد ما يقع من العمري من الأحكام والارتشاء عليها، فقال: انظروا إلى الديوان كم ولي والٍ من آل عمر؟ فلم يوجد غيره، فقال: انصرفوا فإني لا أعزله.
فلما مات الرشيد واستخلف الأمين، أشار الفضلُ بن الربيع بعزله، لما كان يسمع من سيرته، فقدم بعزله رجل من فهم، ففرح المصريون وأكرموا الفهمي
стр. 219
فقال بعض المصريين.
بنعمة الله وَرَأي الفَضْل ... نُحِّي عن الحكم عَدُوُّ العدلِ
وكانت مدة ولايته القضاء تسع سنين وشهرين. وصرف في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين.
وقال ابن يونس: ولي من قبل الرشيد سنة خمس وثمانين، وعزل من قبل الأمين سنة خمس وتسعين. ووهم في ذلك.
وذكر صاحب المدارك في معرفة أصحاب مالك، في ترجمة سعيد بن هشام ابن صالح المخزومي المصري، نزيل الفيوم، عن الحارث بن مسكين قال: قدم مصر القاضي العمري، وكان شعلة نار. وكان يجلس للناس من الغداة إلى الليل، وكان حسن الطريقة، مستقيم الأمر. وكان ابن وهب وأشهب وغيرهما يحضرون مجلسه. وكان يقول لهم: أعينوني ودلوني على أقوام من أهل البلد أستعين بهم. قال: وكتب إلي أن أَخْلُفَه بالفيوم. وكتب إليّ أصحابنا يشيرون عليّ بذلك. قال: وكتب إلي، يعني آخرون بخلاف ذلك، فأشكل عَلَي الأمر. ولم أدرِ
ما أصنع، فسمعتُ قائلاً يقول وأنا لا أراه: (وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الذيَنَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) فقلت: لقد بينّ لي ووعظت، وعزمت على أن لا أدخل في شيء فكتبت إلى أصحابي، إن تركتموني وإلا تحولت.
ولما ولي البكري بعده، رفع أهل مصر إليه، أن العمري حصّل مائة ألف دينار، فوكل بالعمري فهرب، وتتبع البكري أحكام العمري ينقضها، وأسقط كل من شهد في سجل أهل الحرس.
وقال أبو عمر: حدثني أبو سَلمة، حدثني أبي عن أبيه قال: أتيتُ العمري بعد قيامه من مجلس الحكم فاستأذنتُ فأذِن لي، فدخلتُ وهو مضطجع وقد تَرَجّل، وصفر يديه وكحّل عينيه، واتشح بإِزار مُعَصْفَر وادهن وهو يضرب بأصابع يديه بعضها على بعض ويقول:
стр. 220
كأني مِن تذُّكرِ أم عَمرِو ... سَرَتْ قَرَقَفٌ صِرف مُدامُ
وقال سعيد بن الهيثم الأيْليّ: لما ولي العمري القضاء بمصر، دخل عليه رجلان فشكيا إليه تخريب مسجد عبد الله، وشهدا عنده أنه مسجد عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال: فأمر ببنائه وَرَاجَ عليه ذلك، وأمر أن يصرف فيه ألف دينار تؤخذ منه تَرِكة محفوظ بن سليمان، وكان مات في ذلك الوقت. فبنى بها وجعل له حوانيت غلة له، وذلك في صفر سنة ثمان وثمانين ومائة. قال: وإنما هو مسجد عبد الله بن عبد الملك بن مروان، بناه لما ولي إِمْرة مصر ليستريح فيه أهل تلك الخطة بحسب سؤالهم. فلما ولي صالح بن علي إمْرة مصر رآه فأعجبه، فسأله عنه فقيل له: بناه عبد الله. فقال: أوَبَقي لبني أمية أثر؟ فأمر بهدمه، ثم رمّمه بعض الجيران، بناءً غير طائل، إلى أن قدم العمري.
عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر العَلامِي، أبو القاسم ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأَعَزّ، تقي الدين الشافعي من المائة السابعة.
ولد في ثاني عشر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة. واشتغل ومَهَر وسمع الحديث من الحافظ رشيد الدين العطار، ومن الحافظ زَكي الدين المنذري وغيرهما. وتعانى الأدب، ونظم الشعر المقبول. روى عنه الحافظ أبو محمد الدمياطي من شعره، وذكره في معجم شيوخه. وروى عنه أيضاً أبو حيان. وتفقه على أبيه وابن عبد السلام وغيرهما. ودرس في عدة مدارس في حياة أبيه. وولي القضاء من قبل المنصور بمصر والوجه القبلي في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين. وكان قد باشر نظر الخزانة ودَرْس الصلاحية المجاورة للشافعي، وبالشريفية وبمشهد الحسين. وولي مشيخة سعيد السعداء، ولقب شيخ الشيوخ. وخطب بالجامع الأزهر، وباشر القضاء بالقاهرة لما نقل الخُوَبّي إلى الشام.
стр. 221
وكان ذا عفة ونزاهة وسؤدد كامل، وعقل وافر، ومهابة زائدة. وكان عارفاً بالأحكام ثبت الجنان يقظاً، كثير التنقيب عن نوابه، ولا سيما في البلاد. وولي الوزارة مرة مضافة إلى القضاء، وذلك في سنة سبع وثمانين، وصرف بعد قليل.
واتفق أن الوزير ابن السَّلْعُوس عاداه، فسعى على عزله، فعزل بالبرهان السنجاري عن مصر والوجه القبلي، فمات البرهان بعد قليل، فأعيد التقي في عاشر صفر
سنة ست وثمانين، فباشر على عادته وتشدد في الأحكام إلى أن رَاسَله الوزير في أمر شخص يقال له نجم الدين ابن عطايا، أن يقرره في بعض الوظائف، وأن يثبت عدالته، وكان غير أهْلِ لذلك، فامتنع. فلما مات المنصور وتولى الأشرف تمكن ابن السلعوس في التحدث في المملكة، فلم يزل إلى أن صرفه عن القضاء، ثم أخرج وظائفه عنه واحدة بعد واحدة. فلما رأى ذلك، رأى مُدَاراته، فمدحه بقصيدة طويلة، وحضر عنده واستأذنه في إنشادها، فأذن له فأنشدها له، فأظهر استحسانها.
ولم يزل ما في نفسه منه حتى رتب عليه شهوداً يشهدون عليه بأمور منكرة حتى قيل إن جملتها كانت خمسين قادحاً. منها الزنا واللواط وشرب الخمر والتَّزَيِّي بالنصارى. وقرر الوزير مع السلطان أن يرفع أمره لبعض الحكام فيسمع البينة عليه، ويمضي حكم الشرع، فأذن له في ذلك. فعقِد له مجلس وادعى عليه، فشهد جماعة عليه بأمور معضلة. فقام فقال: يا معاشر الأمراء والعلماء أنا فلان ابن فلان ابن فلان، وساقَ نَسَبه، ليس في نَسبي بُطرس ولا جرجس، وإذا زعموا أني أشربُ الخمر أو ازني ربما يقبل من اجل شهوة النفس، ولكن شَدّ الزُّنَّار، والتكلم بالكفر، من أي وإلى أين وما الذين لي فيه من اللذة! وأكثر من البكاء والابتهال في حق من كذب عليه. فقام من حضر من الأمراء وهم يبكون، حتى دخلوا على السلطان وعلموا أن لوايح التعصب ظهرت. وأن القاضي بريء من ذلك فأمر بإطلاقه. فلزم بيته إلى أوان الحج فحج. ثم زار المدينة وأنشد تجاه المنبر قصيدة طويلة نبوية، شكى فيها حاله، فذكر أنه رأى في المنام البُشرى بأنه ينتصر وأصبح فرحاً.
واتفق بأنه بلغهم الخبر بقتل السلطان والوزير، وتغيّرت الدولة، فأعيد إلى القضاء في صفر سنة ثلاث وتسعين، وباشر على عادته، وسار سيرته الأولى إلى
стр. 222
أن مات في سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعين. ومن شعره:
وَمَن رَامَ في الدنيا حياة خَلِيَّة ... من الهَمّ والأكْدَار رَامَ مُحَالا.
وهاتيك دعوى قد تركتُ دَليلّها ... على كل أبناء الزمان مُحالا
وله أيضاً:
وإذا المصيبة خيَّمت بك لا تكن ... بقَضَا ربك ضَيِّق الصَّدْرِ
فلعلَّ في طيِّ المصيبة نِعمة ... سِيقَت إليك وأنت لا تَدري
ومما يُحكَى من حُسن سياسته، أنه لما ثار بعض الناس على الشيخ إبراهيم الْجَعَبِريّ، وادعوا عليه بأشياء كان يقولها في أثناء وعظه، وادعى عليها بها، وشهد مَن شهد، وتأخر الحكم بما يجب عليه، لاستيفاء بقية الشروط، أرسل إليه القاضي تقي الدين ليلاً، فحضر إليه جماعة ممن يعتقد صِدقهم. فلما دخل تَلقَّاه وأجلسه، وقال له في جملة ما تكلم معه: قالوا وقلنا وشهدوا وسمعنا، أفما نقول كلنا: أستغفر الله العظيم؟ فقال ابن الجعبري: نعم أستغفر الله العظيم وأتوبُ إليه وأشهد أن لا إليه إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبرئت من كل شيء يخالف دينه، فصافَحه القاضي وتوجَّه، وكان ذلك يعد من جميل تَلَطّف القاضي، بحيث أمكنه الحكم بحقن دمه بهذه الصورة الجميلة.
عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن هاشم زين الدين التَّفَهْنِي، بفتح المثناة والفاء وسكون الهاء، بعدها نون نسبة إلى قرية من أسفل الأرض بالقرب من دمياط.
ولد سنة ثمان وستين، ونشأ يتمياً، فكفله أخوه شمس الدين محمد وكان الأكبر، وهو شافعي المذهب. ثم قدم به القاهرة فنزل في الصَّرْغَتْمشية مع الحنفية، وكان أولاً عريف مكتب الأيتام بها. واشتغل بفقه الحنفية حتى مهر، وحبّب إليه الاشتغال، فقرأ العربية والأصول والمنطق، وكتب الخط الحسن، وفاقَ الأقران.
стр. 223
فلما ولي القاضي بدر الدين الكُلُسْتاني مشيخة الصَّرْغَتْمِشِية، صحِبه واختص به، فنعفه لما ولي كتاب السِّر ونوَّه به، وناب عن أمين الدين الطرابلسي من بعده، ثم صحب ابن العديم وواظَب دروسه بالشيخونية، ونزل في طلبتها، حتى صار ثاني مَن يجلس عن يمين الشيخ في حضور الدرس والتصوف.
ولما شغرت مَشْيَخة الصَّرْغَتْمِشِية، تنازَع فيها هو وشرف الدين ابن التَّباني، وكان السلطان غائباً في الشام، فراح ابن التباني وعمل إجلاساً واستدعى الأعيان، وألقى درساً حافلاً. فلما قم العسكر غلبه التفهني عليها فاستقر فيها. وكان ابن خلدون قبل ذلك قد ولي درس الحديث بها، فنزل عنه للقاضي زين الدين هذا بمال فباشره.
وكان يذكر أنه بحث مع الشيخ جلال الدين البتاني والد شرف الدين في درس الفقه بالصرغتمشية فغضب منه وأقامه، فخرج هو مكسور الخاطر. فدعا الله أن يوليه التدريس مكانه، فحصل له ذلك بعد مدة.
وخطب بالجامع الأقمر لما جدّد السَّالمي فيه الخطبة، ودرس بالأَيْتَمِشِيّة لما ولي الكُلُسْتاني كتاب السر، وأوصى إليه عند موته.
ولم يزل يترقَّى حتى ولي قضاء الحنفية بعد انفصال ابن الديري بتقريره في المدرسة المُؤيَّدِيَّة لما فتحت. وخلع عليه في سادس ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين فسار فيه سيرة محمودة، وخَالَق الناس بخُلقٍ حَسن، مع الصيانة والإفضال والشهامة والإكْباب على العلم والتصوف.
ولما تكلم الظاهر طَطَر في المملكة بعد المؤيد، كان من أخص الناس به، وسافَرَ معه إلى الشام. ولما تخلّف القاضي الشافعي جلال الدين البلقيني بدمشق، استمر هو معه إلى حلب.
قال القاضي علاء الدين في تاريخه: (كان معظماً عند الملك الظاهر واجتمعتُ به فوجدته عالماً ديناً، منصفاً في البحث، حققاً للفقه وللأصول، كيِّس الأخلاق) انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين المقريزي في تاريخه: (حلف مرة أنه لم يرتش قط في الحكم) .
ثم صرف القاضي زين الدين عن القضاء بالشيخ بدر الدين العنتابي في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين ثم أعيد في أوائل سنة ثلاث وثلاثين
стр. 224
وعرض له بعد ذلك مرض طال به، فصرف قبل أن يموت بقليل في شهر رجب، ومات ثامن شوال سنة خمس وثلاثين وثمانمائة.
عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق ابن عبد الحق بن شهاب البلقيني، القضاي جلال الدين، أبو الفضل ابن شيخ الإسلام سراج الدين، الشافعي من المائة التاسعة.
ولد في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وأمه بنت القاضي بهاء الدين ابن عقيل. ونشأ مترفهاً متعززاً، لكنه كان مفرط الذكاء، فحفظ القرآن وصلى به التراويح وهو صغير. ثم حفظ عدة كتب، ومهر في مدة يسيرة.
ولما مات أخوه بدر الدين قرر في وظيفته في قضاء العسكر. ثم باشر وظيفته توقيع الدست في ديوان الإنشاء. ثم سافر مع والده في الركاب السلطاني إلى حلب، فرجع في بأوٍ زائد وصحبته ثلاثة مماليك مردان، فصار يركب بهم للدروس وغيرها. ودعي بقاضي القضاة، لكونه قاضي العسكر، فصار يمقت مَن يخاطبه بغيرها. ووالده في كل ذلك ينوّه به في المجالس، ويستحسن جميع ما يرد منه، ويحرض الطلبة على الاشتغال عليه، إلى أن شَغَر المنصب عن المناوي، ووثب عليه الصالحي، فندم هو على التقصير في ذلك. وسعى إلى أن صرف الصالحي بعد أشهر. واستقر هو، وذلك في رابع جمادى الأولى سنة أربع وثمانمائة، وكان ذلك بعناية سودون طاز وهو يومئذ قد استقر أمير آخور الكبير، وسكن الإصطبل السطاني، ولم يشعر بذل جَكَم الدويدار الكبير، فتغيظ وامتنع من الركوب معه إلى الصالحية على العادة. فأراد أن يتلافاه فركب هو ووالده شيخنا سراج الدين، إلى دار جكم، فواجَهه بالإنكار عليه في بذل المال ليلى القضاء. فعرفه الشيخ أن هذا يجوز لكونه تعينَّ عليه. ثم عزل، وأعيد الصالحي في ثالث عشرين
شوال سنة خمس وثمانمائة، وإلى أن مات عن قرب في المحرم سنة ست. واستقر الإخنائي بعد أن كان المنصب استقر طلال الدين وهُنِّئ به. وبات على أن يطلب ليلبس، فأبطأ القاصد وعنده جمع جَمّ، تهيأوا للركوب معه. فما
стр. 225
يجيئهم إلى الخبر بتقرير الإخنائي، فسعى عليه حتى صرفه في خامس ربيع الأول منها، واستقر في ولايته الثانية. واستمر الإخنائي يسعى فيعزله، ثم يسعى هو فيعزله الآخر. وأقوى حجة الإخنائي عند أهل الدولة، إن شئتم قاض كريم وإن شئتم قاض عالم فكانا كذلك قدر ثلاث سنين. وقد حررها لي القاضي تاج الدين ولد القاضي جلال الدين، ونقلتها من خطه فقال: الولاية الأولى من رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثمانمائة إلى سلخ العشرين من شوال سنة خمس وثمانمائة عوضاً عن الصالحي. والولاية الثانية من استقبال ربيع الأول سنة ست وإلى اثنان شعبان منها عوضاً عن الإخنائي. والولاية الثالثة من ثالث ذي الحجة منها وإلى خامس عشر ربيع الآخر سنة سبع عوضاً عنه. والولاية الرابعة من خامس عشر ذي القعدة سنة سبع إلى النصف من صفر سنة ثمان عوضاً عنه. والولاية الخامسة من رابع ربيع الأول منها وإلى الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر عوضاً عنه - إلا أنه في هذه حصل خَلل بالباعوني بالشام وهو خمسة عشر يوماً لا غير - والولاية السادسة من نصف ربيع الأول سنة عشر، وإلى العاشر من شوال سنة أربع عشرة عوضاً عن الهروي إلى أن تعصب جمال الدين البيري وقد استقر مشير الدولة وأستادار الملك الناصر، فاستصحب الإخنائي صحبة العسكر في سفرة سافرها السلطان
إلى الشام، فقرره في قضاء الشام وخلا وجه القاضي جلال الدين.
واستمر وباشر المنصب بحُرمة وافرة، مع لين الجانب والتواضع، وبذلك المال والجاه. كل ذلك تجدد له من شدة ما قاساه من سعي الإخنائي، لكنه كان كثير الانحراف، قليل الاحتمال، سريع الغضب، لكن يندم ويرجع بسرعة. وقد صَحِبته قدر عشرين سنة، فما أضبط أنه وقعت عنده محاكمة فأتمها، بل يسمع أولها ويفهم شيئاً فيبني عليه، فإذا روجع فيه بخلاف ما فهمه، أكثر النزق والصياح، وأرسل المحاكمة لأحد النواب. وما رأيت أحداً ممّن لقيته أحرص على تحصيل الفائدة منه، بحيث إنه كان إذا طرق سمعه شيء لم يكن يعرفه، لا يَقرُّ ولا يهتدي ولا ينام، حتى يقف عليه، ويحفظه.
وكان مع ذلك مكباً على الاشتغال محباً في العلم حق المحبة. وكان يذكر أنه لم يكن له تقدم اشتغال في العربية، وأنه حج في حياة والده فشرب من ماء زمزم لفهم هذا العلم. فلما رجع، أدمن النظر فيه، فمهر في مدة يسيرة فيه، ولا سيما منذ مات والده.
стр. 226
ودرس في التفسير بعده بالبرقوقية، وكذا درس في التفسير بالجامع الطولوني بعده، وصار يعمل المواعيد بعده بمدرسته، ويقرأ عليه في تفسير البغوي. وكان يكتب على كل ذلك دروساً مفيدة، ويبحث في فنون التفسير في كلام أبي حيان والزَّمَخْشَري ويبدي في كل فن منه ما يدهش الحاضرين.
ولما صار يحضر لسماع البخاري في القلعة، أدمن مطالعة شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقن، وأحبَّ الاطلاع على معرفة أسماء من أبهم في الجامع الصحيح من الرواة، ومن جرى ذكره في الصحيح. فحصل من ذلك شيئاً كثيراً بإدمان المطالعة والمراجعة وخصوصاً أوقات اجتماعي ومذاكراتي له. فجمع كتاب الإفهام بما في البخاري
من الإبهام، وذكر فيه فضلاً يختص بما استفاده من مطالعته، زائداً عما استفاده من الكتب المصنَّفة في المبهمات والشروح، فكان عدداً كثيرا. وكان يتأسف على ما فاته من الاشتغال في الحديث، ويرغب في الازدياد منه، حتى كتب بخطه فصلاً من القصد المتعلق بالعلل من فتح الباري، وقابله معي بقراءته لإعجابه به.
ذكره الشيخ تقي الدين المقريزي في التراجم المفيدة فلم يبسط ترجمته كما بسط ترجمة غيره، وإنما اقتصر على ما يتعلق بولاياته مع إجحاف كثير. ثم قال: وكان ذكياً قوي الحافظة، وقد اشتهر اسمه وطار ذكره بعد موت أبيه وانتهت إليه رياسة الفتوى، ولم يخلف بعده مثله في الاستحضار، وسرعة الكتابة الكثيرة على الفتاوي، والعفة في قضائه.
وذكر صاحبنا الحافظ شمس الدين الدمشقي المعروف بابن ناصر الدين في ذيل طبقات الحفاظ فقال..
وذكره صاحبنا القاضي تقي الدين ابن قاضي شهبة، عالم الإسلام بالشام في تاريخه الذي ذيله على البرزالي فقال..
وذكره القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية في ذيل تاريخ حلب فقال: نشأ في الاشتغال بالعلم وأخذ عن والده ودأب وحصل حتى صار فقيهاً عالماً، ودرس بجامع حلب لما قدم صحبة السلطان..
ولما صرف عن القضاء بالقاضي شمس الدين الهروي تألم لذلك كثيراً واشتد
стр. 227
جَزعه وعظم مَصَابه. فلما قُرئ صحيح البخاري بالقلعة، ساعده القاضي ناصر الدين البارزي كاتب السر، حتى أذِن له السلطان المؤيد في الحضور مع الهروي، فجلس عن يمين الهروي بينه وبين المالكي، وصار يبدي الفوائد الفقهية والحديثية ويجاريه القاضي الحنبلي ابن المُغلي، ولا يبدر من الهروي شيء بعد فائدة مع كلامهما. ثم صار ابن المغلي يدرس قدر ما يقرأ في المجلس ويسرده في حفظه ويتحدى بذلك. فرتّب القاضي جلال الدين أخاه القاضي عَلمَ الدين في أسئلة يبديها مشكلة ويحفّظ أصلها وجوابها ويستشكلها، ويخص الهروي بالسؤال عنها، فيضج الهروي من ذلك. والمراد من كل ذلك إظهار قصور الهروي، والسلطان يشاهد كل ذلك ويسمعه، لأنه كان يجلس أولاً بينهم. ثم لما غلب عليه وجع رجله، صار يجلس في الشباك الذي يطل على المحل الذي هم فيه. ومع ذلك فلم يقَدّر إعادة القاضي جلال الدين إلا بعد نصف سنة أو اكثر من وقت قراءة البخاري. وانتفع أخو القاضي جلال الدين نصف سنة أو أكثر بأن أنعم عليه السلطان بِفَرَجِيَّة لبسها يوم العيد بعد أن كان سأل عنه فقيل له أنه ولد الشيخ سراج الدين، وكان له في الشيخ اعتقاد.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن هبة الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن محمد بن عبد المنعم بن طاهر بن أحمد ابن مسعود بن داود بن يوسف الزبيري، القاضي تقي الدين أبو محمد، نزيل القاهرة الشافعي.
أصله من المحلة
الكبرى، وسمعت شيخنا ابن الملقّن يقول: لجمال الدين عبد الله، ولد القاضي تقي الدين المذكور، لما عرض عليه وكتب له في الإجازة الزبيري، وهو نسبة إلى الزبيرية قرية من قرى المحلة. وكان أبوه يعرف بابن تاج الرياسة. وولد هو بالمحلة في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودخل القاهرة بعد أن حفظ التنبيه، واشتغل وسمع الحديث من عبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي، والصدر أبي الفتح الميدومي وغيرهما، وحدث عن الميدومي.
стр. 228
سمعنا عليه عدة أجزاء، وتعلّم التوقيع، ومهر في الشروط والسجلات، وجلس مع الموقعين مدة طويلة، وسجل على القضاة، وناب فِي الحكم عن بدر الدين ابن أبي البقاء في القاهرة، وفي عدة جهات من الضواحي، واستمر إلى أن غضب السلطان من القاضي صدر الدين المناوي وعزله. فاستدعى به فخلع عليه، وقرره في قضاء الشافعية، في يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. وحضر الصالحية على العادة. ثم صار يلازم الجلوس في قاعة الحكم كل يوم، ويخرج من باب السِّر إلى داره، وهي مجاورة للمدرسة بينهما مسافة يسيرة. وباشر مباشرة حسنة، وكان عفيفاً كثير التأني تام المعرفة.
ولم يزل على حاله إلى أن حَسَّن المناوي لأصيل الدين أن يسعى له في المنصب. فلما سَعَى بالغ في ذلك وأَلَحَّ، وكان السلطان يسمح له بالإِجابة. قال بعض من يتعصب للمناوي: إن كان مولانا السلطان يختار عزل الزبيري، فالمناوي أحق بالعود إلى منصبه. وقرروا معه أن يستقر أصيل الدين في قضاء الشام، فوقع
ذلك، وصرف الزبيري. وعاد المناوي في يوم الاثنين خامس عشر رجب سنة إحدى وثمانمائة.
وكانت مدة ولايته سنتين وشهراً، واستمر بمنزله معطلاً لا يتهيأ له الرجوع إلى نيابة الحكم، وأخرجت جهاته عنه، وتلقفها في ولايته بعض الناس، فاستمر في أيديهم. وصار لا يمكنه أن يتكسَّب في التوقيع. ولم يكن بيده وظائف يتحصّل له منها كفايته. واستمر خاملاً إلى أن قرره القاضي جلال الدين البلقيني في تدريس الصالحية والناصرية فباشرهما. وكان يمشي من بيته فيدخل الصالحية لإلقاء الدرس ثم يخرج من باب سر الصالحية، فيمشي بين القصرين إلى الناصرية فيلقى الدرس ثم يرجع. واستمر على ذلك إلى أن مات.
ولما قبض الملك الناصر فرج على جمال الدين، أراد عزل القاضي جلال الدين البلقيني، لما كان ينسب إليه من موالاة جمال الدين، فعين القاضي تقي الدين للمنصب، وشكروا له مباشرته، وكثر الثناء عليه. فانزعج الجلال من ذلك وسعى حتى استمر.
وكانت وفاة الزبيري، أول يوم من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
وكان أبوه من أكابر أهل المحلة، كان يذكر أن يوسف الأعلى جده، هو ولد عبد الله بن الزبير بن العوام، والله أعلم.
стр. 229
قرأت بخط القاضي تقي الدين - وَقَدْ ذكر أباه وأرَّخ وفاته فِي الطاعون العام - أنه كَانَ كثير العبادة، يؤثر بماله، وقرأ القرآن عَلَى أبيه بقراءته عَلَى أبيه أبي الفرج هبة الله بقراءته عَلَى أبي القاسم الصفراوي.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد العلي بن علي المصري، عماد الدين ابن السُّكَّرِيّ الشافعي، يكنى أبا القاسم من المائة السابعة.
ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وتفقه بالشهاب الطوسي، وظافر بن الحسين. ثُمَّ ولي القضاء يوم الاثنين ثامن شهر رمضان بعد موت صدر الدين ابن درباس، فِي سَلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
وكان قد اشتهر بالزهد والورع ومعرفة الفقه، حَتَّى نقل عنه ابن الرفعة فِي (المَطْلَب) . وجُمع لَهُ من الوظائف مَا لَمْ يجتمع لغيره من أقرانه. وَكَانَتْ لَهُ فِي النفوس عظمة، مع أنه لا يُحَابِي أحداً، ولا يعمل برسالة صاحب جاه.
وكان قَدْ صحب الشيخ القرشي وسمع من علي بن خلف الكوفي، وأبي إسحاق ابن سَماقا وغيرهما.
ومن قضاياه أنه رفعت إِلَيْهِ حكومة بسبب أمير توفي وترك ولداً، فادعى رجل بَدَيْن عَلَى الميت، فشهد عنده جماعة بالدين، فقال: تُزكَّى البينة. فشهدت عنده جماعة فكتب بخطه تُزكى البينة. فزكى السلطان أحد الجماعة، فكتب تَحْتَ حط أحدهما دون الآخر. فقال لَهُ السلطان: والله لقد تحققت مَا شهدت بِهِ. فقال لَهُ: تزكى البينة. فقال: دع عنك هَذِهِ الحكومة حَتَّى أحكم أنا فِيهَا. فقال: وَفِي غيرها وعزل
نفسه. وأقام بالقرافة فتردد إِلَيْهِ ولد السلطان سبع مرات، فصمّم عَلَى الامتناع حَتَّى يئس منه. فاستقر ابنُ عين الدولة، وَكَانَ يخلفه فِي الحكم. وحضر إِلَيْهِ ليسلم عَلَيْهِ عَلَى العادة، وذلك فِي ثاني عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وستمائة. ويقال استمر المنصب بغير قاض مدة، ونوابه يفصلون فِي الأحكام، رجاء أن يجب إِلَى العود، فلم يفعل.
وكان يتولى الأحكام بنفسه غالباً، فاتفق أن تقدم إِلَيْهِ خصمان، فنظر إليهما ثُمَّ أمرهما بالمسير إلى بعض نوابه، فسئل عن ذَلِكَ، فقال: كَانَ أبو أحدهما صاحبي، وأحضر إليَّ هدية فرددتها. فلما رأيته وعرفته خشيت أن أميل بقلبي إِلَيْهِ.
стр. 230
وصنّف حواشي (الوسيط) وهي مفيدة. وَلَهُ كلام فِي مسألة الدَّور. وقصته مع نائبه فِي الحكم الشيخ عبد الرحمن النويري مشهورة. وهو أنه كَانَ استنابه فصار يحكم بعلمه ويحيل عَلَى المكاشفة. فبلَغه ذَلِكَ فنهاه، فلم يرجعْ فعزله. فبلغ ذَلِكَ النُّوَيْرِي فقال: وأنا عزلتُه وعزلت ذريته. ويقال إن سبب عزلِهِ نفْسَه، أنه طلب منه اقتراض أموال اليتامى. فامتنع وقيل غير ذَلِكَ.
وقال الشيخ ظهير الدين التَّزْمَنْتي: زرتُ القاضي عماد الدين ابن السكري بعد موته، فوجدتُ فقيراً عند القبر فقال: تعال يَا فقيه. فجئته فقال: يحشر العلماء وَعَلَى رأس كل واحد منهم لواء، وهذا القاضي منهم. قال: والتفتُّ فطلبت الفقير فَلَمْ أره. حكاه جعفر الأَدْفُوي فِي (البَدْر السَّافِر) .
وَكَانَتْ قصة ابن السكري فِي عزل نفسه فِي ثامن عشر المحرم سنة ثلاث عشرة. وأذن السلطان للنواب أن يستمروا عَلَى عادتهم فِي الحكم، إِلَى أن يوافق القاضي
ويقبل إِلَى مستهل صفر. فاستقر ابن عين الدولة، وتأخرت وفاة ابن السكري إِلَى شوال سنة أربع وعشرين وستمائة، وَلَهُ إحدى وسبعون سنة.
وذكر ابن أبي المنصور فِي رسالته المشهورة بأحوال من رآهم من الأولياء فِي ترجمة الشيخ أبي العباس الجزار أن القاضي عماد الدين المذكور، لما صمّم عَلَى عدم العود بعد العزل عن القضاء، عزل من تدريس المدرسة الصلاحية المجاورة لضريح الشافعي، وتدريس المشهد الحسيني، وخطابة الجامع الحاكمي وتدريس المدرسة المعروفة بمنازل العز. فاجتمع بالشيخ أبي العباس، وتشكَّى إِلَيْهِ أنه شق عَلَيْهِ عزله من المدرسة المذكورة لكونها سكن عائلته، وهم كثير. فقال الشيخ: يكون الخير. فلما أصبح، قال الشيخ لأصحابه اليوم العصر ترد عَلَى أبي القاسم المدرسة فكان كذلك، أحضر لَهُ توقيع جديد بِهَا من غير سعي. قال: وقال لَهُ العماد: يَا سيدي عندي جارية حامل فقال: تضع غلاماً يسمى عبد العزيز، فكان كذلك.
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سليمان بن خَيْر الشقيري الأنصاري الإِسكندراني أبو القاسم جمال الدين ابن فخر الدين ابن زين الدين المالكي من المائة الثامنة.
стр. 231
ولد فِي رابع عشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وسمع من أبيه وابن المصفّى وعلي بن الفرات، والوادي آشي وتقي الدين ابن عرام وغيرهم.
وتفقه بالإِسكندرية وَمَهَر. وأخذ الفقه عن أبيه، وجلس مع الشهود، ووقع عن القضاة، وناب فِي الحكم عن الربعي، واشتهر بالصيانة والديانة والصدق.
ثم قدم القاهرة وكتب فِي التوقيع وناب فِي الحكم. وولي القضاء بعد عزل عَلَم الدين البساطي، فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وباشر مباشرة حسنة.
وكان عفيفاً أميناً، دافئ اللسان، قليل الاغتياب، كثير الزيارة لأهل العلم، وأهل الخير. يلازم الاعتكاف فِي رمضان. ضابطاً لنفسه، ولمنصبه، حازماً فِي أموره. لا يقبل الهدية، متشدداً فِي ذلك، وَفِي قَبول الشهود، مع المعرفة التامة بالشروط والسجلات. وَلَهُ فِي استخراج معانيها عجائب. وَلَمْ يدخل عَلَيْهِ فِي ولايته خَلَل إِلاَّ من جهة الاستكثار من الشهود، حَتَّى عاب الناس عليه ذَلِكَ. فلما بلغه اقتصر عن ذَلِكَ.
وكان من محاسن أهل العصر خصوصاً أهل بلده ومذهبه، وَكَانَ من أتباع أكمل الدين. فلما وقع بينه وبين الركراكي بسبب طلب تدريس المالكية في خانقاه شيخون. وذلك أن الأكمل كَانَ غضب من الركراكي لكلام صدر منه فِي البحث، فعزله من وظيفته. فتشفع ببعض الأمراء فكلم السلطان، فأرسل بعض أكابر الدولة يشفع فِيهِ عند الأكمل، فامتنع وأصر عَلَى الامتناع. فرفع القاضي جمال الدين ابن خير قصة يسأل فِيهَا أن يقرر فِي وظيفة الركراكي. فبلغ ذَلِكَ السلطان، فغضب. وصرف ابن خير عن القضاء، فأقام بمنزله بطالاً، وذلك فِي سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ست وثمانين وسبعمائة. ثُمَّ أعيد إِلَى القضاء بعد
عزل ابن خلدون الآتي ذكره بعده، وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع وثمانين. وَكَانَ للناس بولايته هَذِهِ فرح وسرور لا مزيد عَلَيْهِ، ولا عهد نظيره فِي عصرهم، لشدة كراهيتهم لابن خلدون، فباشرها إِلَى أن مات فِي شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد
стр. 232
ابن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي الإشبيلي الأصل، التونسي المولد، أبو زيد ولي الدين المالكي، من المائة التاسعة.
ولد فِي أول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، واشتغل فِي بلاده وسمع من الوادي آشي وابن عبد السلام وغيرهما وأخذ القراءات عن محمد بن سعد بن بُرَّاد، واعتنى بالأدب وأمور الكتابة والخط، حَتَّى مهر فِي جميع ذَلِكَ. وولي كتابة العلامة عن صاحب تونس. ثُمَّ توجه إِلَى فاس فِي سنة ثلاث وخمسين، فوقع بَيْنَ يدي سلطانها أبي عنان. ثُمَّ حصلت لَهُ نكبة وشدة، واعتقل نحو عامين. وولي كتابة السر لأبي سالم والنظر فِي المظالم.
ثم دخل الأندلس فقدم إِلَى غرناطة فِي سنة أربع وستين، فتلقاه السلطان ابن الأحمر عند قدومه، ونظمه فِي أهل مجلسه. وأرسله إِلَى عظيم الفرنج بإشبيلية، فعظّمه وأكرمَه، وحمَله. وقام بالأمر الَّذِي ندب إِلَيْهِ. ثُمَّ توجه فِي سنة ست وستين إِلَى بجاية ففوض إِلَيْهِ تدبير مملكته مدة.
ثُمَّ نزح إِلَى تِلِمْسَان باستدعاء صاحبها، وأقام بوادي العرب مدة. ثُمَّ توجه إِلَى فاس من بَسْكِرَة فنهب فِي الطريق. ومات صاحب فاس قبل قدومه، فأقام بِهَا قدر سنتين. ثُمَّ توجه إِلَى الأندلس. ثُمَّ رجع إِلَى تلمسان، فأقام مدة أربعة أعوام. ثُمَّ ارتحل عنهم فِي رجب سنة ثمانين إلى تونس، فأقام بِهَا إِلَى أن استأذن فِي الحج فأذن لَهُ. فاجتاز البحر إِلَى أن وصل إِلَى الإسكندرية. ثُمَّ قدم الديار المصرية فِي سنة أربع وثمانين وسبعمائة فِي ذي القعدة. وحج ثُمَّ رجع فلازم أَلْطُنْبُغَا الجوباني، فاعتنى بِهِ إِلَى أن قرره الملك الظاهر برقوق فِي قضاء المالكية بالديار المصرية، فباشرها مباشرة صعبة، وقلب للناس ظهر المِجَن، وصار يعزّز بالصفع ويسميه الزج. فإذا غضب عَلَى إنسان، قال: زجوه، فيصفع حَتَّى تحمر رقبته.
قرأت بخط البشبيشي؛ كَانَ فصيحاً مُفوهاً جميل الصورة وخصوصاً إذَا كَانَ معزولاً. أما إذَا ولي فلا يعاشَر، بل ينبغي ألا يرى.
وقد ذكره لسان الدين ابن الخطيب فِي تاريخ غرناطة وَلَمْ يصفه بعلم، وإنما ذكر لَهُ تصانيف فِي الأدب، وشيئاً من نظمه، وَلَمْ يكن بالماهر فِيهِ. وَكَانَ يبالغ فِي كتمانه، مع أنه كَانَ جيداً لنقد الشعر.
وسئل الركراكي فقال: عَرِيٌّ عن العلوم الشرعية. لَهُ معرفة بالعلوم العقلية
стр. 233
من غير تقدم فِيهَا، ولكن محاضرته إليها المنتهى، وهي أمتع من محاضرة الشيخ شمس الدين الغماري.
ولما دخل الديار المصرية تلقاه أهلها وأكرموه، واكثروا ملازمته والتردد إِلَيْهِ.
فلما ولي المنصب تنكَّر لهم، وفَتَكَ فِي كثير من أعيان الموقعين والشهود. وقيل إن أهل المغرب لما بلغهم أنه ولي القضاء، عجبوا من ذك، ونسبوا المصريين إِلَى قلة المعرفة، حَتَّى إن ابن عرفة قال لما قدم إِلَى الحج: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب. فلما بلغنا أن ابن خلدون ولي القضاء، عددناها بالضدّ من ذَلِكَ.
ولما دخل القضاة للسلام عَلَيْهِ، لَمْ يَقُم لأحدٍ منهم، واعتذر لمن عاتَبه عَلَى ذَلِكَ. وباشَر ابن خلدون بطريقة لَمْ يألفها أهل مصر، حَتَّى حصل بينه وبين الركراكي تنافس، فعقد لَهُ مجلس، فأظهر ابن خلدون فتوى زعم أنها خط الركراكي، وهي تتضمن الحط عَلَى برقوق. فتنصل الركراكي من ذَلِكَ، وتوسل بمن اطلع عَلَى الورقة فوجدت مدلسة. فلما تحقق برقوق ذَلِكَ عزله، وأعاد ابنَ خير. وذلك فِي جمادى الأولى سنة سبع وثمانين. فكانت ولايته الأولى دون سنتين. واستمر معزولاً ثلاثَ عشرة سنة وثلاثة أشهر، وحج فِي سنة تسع وثمانين. ولازَمه كثير من الناس فِي هَذِهِ العطلة وحَسَّنَ خُلقه فِيهَا، ومازح الناس، وباسَطَهم، وتردد إِلَى الأكابر وتواضَع معهم. ومع ذَلِكَ لَمْ يغير زيه المغربي وَلَمْ يلبس زي قضاة هَذِهِ البلاد. وَكَانَ يحب المخالفة فِي كل شيء.
ولما مات ناصر الدين ابن التَّنَسِيّ، طلبه الملك الظاهر، فوجده توجه إِلَى الفيوم بسبب بلد القميحة وَكَانَ لَهُ نصيب فِي تدريسها. فحضر صحبة بريديّ ففوض إِلَيْهِ القضاء فِي خامس عشر شهر رمضان سنة إحدى وثمانمائة. فباشر عَلَى عادته من العسف والجنَف. لكنه استكثر من النواب والشهود والعقاد، عَلَى عكس مَا كَانَ
فِي الأول، فكثرت الشناعة عَلَيْهِ، إِلَى أن صُرِف ببعض نوابه، وهو نور الدين ابن الجلال صرفاً قبيحاً، وذلك فِي ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وثمانمائة. وطلبَ إِلَى الحاجب الكبير فأقامه للخصوم وأساء عَلَيْهِ بالقول. وادعوا عليه بأمور كثيرة أكثرها لا حقيقة لَهُ. وحصل لَهُ من الإِهانة مَا لا مزيد عَلَيْهِ وعزل.
ثم مات ابن الجلال بعد أربعة أشهر فِي جمادى الأولى، فولي جمال الدين الأَقْفَهْسِيّ، ثُمَّ صرف بعد أربعة أشهر أيضاً فِي رمضان. وأعيد ابن خلدون، وذلك
стр. 234
بعد مجيئه من الفتنة العظمى، وخلاَصه منها سالماً. وكانوا استصحبوه معهم معزولاً، فتحيَّل لما حاصر اللَّنكُ دمشق إِلَى أن حضر مجلسه، وعرَّفه بنفسه فأكرمه وقَرَّبه. وَكَانَ غرضه استفساره عن أخبار بلاد المغرب، فتمكن منه، إِلَى أن أَذِنَ لَهُ فِي السفر وزوَّده وأكرمه. فلما وصل، أعيد إِلَى المنصب، فباشره عشرة أشهر. ثُمَّ صرف بجمال الدين البساطي إِلَى آخر السنة. وأعيد ابن خلدون وسار عَلَى عادته. إِلاَّ أنه تبسط بالسكن عَلَى البحر، واكثر من سماع المطربات، ومعاشرة الأحداث، وتزوج لَهَا أخ أَمْرَد يُنسب للتخليط فكثرت الشناعة عَلَيْهِ.
هكذا قرأت بخط جمال الدين البشبيشي فِي كتابه (القضاة) . قال: وَكَانَ مع ذَلِكَ أكثر من الازدراء بالناس، حَتَّى شهد عنده الأستادار الكبير بشهادة فلم تُقبَل شهادته، مع أنه كَانَ من المتعصبين لَهُ. وَلَمْ يشتهر عنه فِي منصبه إِلاَّ الصيانة، إِلَى أن صرف فِي سابع شهر ربيع الأول سنة ست وثمانمائة. ثُمَّ أعيد فِي شعبان سنة سبع، فباشر فِي هَذِهِ المرة الأخيرة بلين مفرط وعَجز وخَور. وَلَمْ يلبث أن عزل فِي أواخر ذي القعدة.
وقرأت بخط البشبيشي؛ أنه كَانَ يوماً بالقرب من الصالحية، فرأى ابن خلدون وهو يريد التوجه إِلَى منزله وبعض نوابه أمامه، وهو تاج الدين بن الظريف. فالتفت فرأى البشبيشي، فتلا قوله تعالى: (وَإذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ) فلما وصل ابن خلدون، عاتب ابن الظُّرَيِّف، فقال: لِمَ تَلوْتَ هَذِهِ الآية؟ فقال: اتفق كذا، فقال: بل أردت أن البشبيشي يبلغ جمال الدين البساطي.
وقرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي فِي وصف تاريخ ابن خلدون: (مقدمته لَمْ يعمل مثالها، وإنه لَعزيز أن ينال مجتهد مَنَالها، إذ هي زُبدة المعارف والعلوم، وبهجة العقول السليمة والفهوم، توقف عَلَى كُنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، وتنبئ عن أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدُّر النَّظيم، وألطفُ من الماء مَرَّ بِهِ النسيم) . انتهى كلامه.
وما وصفها بِهِ فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب بالكلام عَلَى الطريقة الجاحظية مُسَلَّم لَهُ فِيهِ، وأما مَا أطراه بِهِ زيادة عَلَى ذَلِكَ فليس الأمر كما قال، إِلاَّ فِي بعض دون بعض، إِلاَّ أن البلاغة تزين بزخرفها، حَتَّى تُرِي حَسناً مَا لَيْسَ بالحَسَن.
стр. 235
وقد كَانَ شيخنا الحافظ أبو الحسن بن أبي بكر يبالغ فِي الغَضّ منه. فلما سألته عن سبب ذَلِكَ، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين بن علي ﵄ فِي تاريخه فقال: قُتِلَ بسيف جَده. ولما نطق شيخنا بهذه اللفظة، أردفها بلعن ابن خلدون وسبّه وهو يبكي.
قلت: وَلَمْ توجد هَذِهِ الكلمة فِي التاريخ الموجود الآن. وكأنه كَانَ ذكرها فِي النسخة الَّتِي رَجَعَ عنها. والعجب أن صاحبنا المقريزي كَانَ يفرط فِي تعظيم ابن خلدون، لكونه كَانَ يجزم بصحة نسب بني عُبَيد، الذين كانوا خُلفاء بمصر، وشهروا بالفاطميين،
إِلَى عليّ، ويخالف غيره فِي ذَلِكَ، وَيَدْفَع مَا نُقل عن الأئمة فِي الطعن فِي نَسَبهم ويقول: إنما كتبوا ذَلِكَ المحضر مراعاة للخليفة العباسي. وَكَانَ صاحبنا ينتمي إِلَى الفاطميين فأحب ابن خلدون لكون أثبت نسبتهم، وغفل عن مُراد ابن خلدون، فإنه كَانَ لانحرافه عن آل عليّ يثبت نسبة الفاطميين إليهم، لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين، وكون بعضهم نسب إِلَى الزندقة، وادعى الألوهية كالحاكم، وبعضهم فِي الغاية من التعصب لمذهب الرفض، حَتَّى قتل فِي زمانهم جمع من أهل السنة.
وكانوا يصرحون بسبّ الصحابة فِي جوامعهم ومجامعهم، فإذا كانوا بهذه المثابة وصح أنهم من آل عليّ حقيقة، التصق بآل عَلَى العيب، وَكَانَ ذَلِكَ من أسباب النفرة عنهم والله المستعان.
عبد الرحمن بن مُعاوية بن حُدَيْج بن جفنة بن قَتيره بن جفنة بن جارية بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أمامة بن سعد بن أشرس بن شيب ابن السكون السكوني. أبو معاوية من المائة الأولى.
روى عن أبيه - وهو معدود فِي الصحابة - وابن عَمرو، وابن عُمر، وأَبي بَصْرَة الغِفاري.
روى عنه يزيد بن أَبي حَبيب وغيره، وجدّه: بمهملة وآخره جيم مصغر.
стр. 236
ولي الشرطة أولاً، ثُمَّ فوض إِلَيْهِ عبد العزيز بن مروان القضاء، وذلك فِي ربيع الأول سنة ست وثمانين.
وقال سعيد بن عُفَيْر: جمع لَهُ القضاء وخلافة الفسطاط.
وقال ابن لَهِيعَة: كَانَ أول من نظر فِي أموال اليتامى. وضمَّن عريف كل قوم أموال يتامى تِلْكَ القبيلة. وكتب بذلك كتاباً وأشهد فِيهِ، فجرى الأمر عَلَى ذَلِكَ زمان
عبد العزيز بن مروان، بعد تولية عبد الرحمن القضاء بقليل، إِلَى أن توفي عبد العزيز فِي جمادى الأولى من السنة. فقام بأمر مصر أخوه عمر بن مروان. فلما قدم عبد الله بن عبد الملك بن مروان أميراً فِي جمادى الآخرة، أمر أبوه أن يُعَفّى آثار عبد العزيز، لأنه كَانَ ولي العهد بعد عبد الملك. فأقر عبد الرحمن عَلَى القضاء والشرطة إِلَى شهر رمضان، فصرفه عنها وأرسله إِلَى المرابطة بالإِسكندرية، فزاد فِي عطائه. وَكَانَ أول مَا قدم أراد أن يعزله، فلم يجد عَلَيْهِ مقالاً ولا متعلقاً، فأمهله ثُمَّ أخرجه إِلَى المرابطة.
وكان عبد الرحمن فِي أيام ولايته قَدْ أضر بعبد الرحمن بن عمرو بن قَحذم. فلما قدم عبد الله بن عبد الملك، قرَّب عبد الرحمن بن عمرو، فأغراه بعبد الرحمن بن معاوية. فلم يزل حَتَّى استبدل بجميع عمال عبد العزيز عمه. وَكَانَتْ ولايته القضاء ستة أشهر. وعاش بعد ذَلِكَ إِلَى أن مات سنة خمس وتسعين.
عبد السلام بن علي بن منصور الكناني الدمياطي، تاج الدين ابن
стр. 237
الخرَّاط. ولد فِي رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وقرأ القراءات عَلَى عبد السلام بن عُدَيْسَة. ورحل إِلَى بغداد فتفقه بالنظامية بالأمير مظفر بن أبي الخير التبريزي ورحل إِلَى واسط، فقرأ القرآن عَلَى عبد الله بن منصور ابن الباقلاني. وسمع من أبي الفرج ابن كليب، وابن الجوزي وأبي الفتح ابن المندائي وابن المَعْطُوش، وغيرهم.
ورجع إِلَى دمياط ودرس بِهَا، وولي قضاءها. ثُمَّ ولي قضاء مصر والوجه القبلي.
وكان شيخ الشيوخ صدر الدين، أشار عَلَى الكامل بأن يقسم العملين؛ مصر والوجه القبلي لقاض، والقاهرة والوجه البحري لآخر. ففعل ذَلِكَ بعد موت ابن السكري؛ فَوَلِي ابنُ عين الدولة القاهرة، وابن الخراط مصر. وسمع من جماعة من شيوخها وحدّث، وخرج لَهُ المنذري جزءاً وحدث بِهِ، وحدث عنه فِي معجمه.
ولما صرف القضاء فِي رمضان سنة سبع عشرة، رجع إِلَى دمياط قاضياً واستمر عَلَى ذَلِكَ إلى أن مات فِي ربيع الأول سنة تسع عشرة وستمائة.
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن المهَذَّب.. الشيخ الإِمام العلامة عز الدين السُّلَمِيّ، أصله من المغرب.
ولد بدمشق ونشأ بِهَا، وسمع من البهاء ابن عساكر، وحنبل بن عبد الله، وأبي القاسم الحَرَسْتانِي، وعبد اللطيف بن إسماعيل، وأبي طاهر الخُشُوعِيّ وغيرهم.
روى عنه ابن دقيق العيد، وَكَانَ يعظمه جداً، ويقول فِيهِ: شيخ الإسلام، ويقول فِيهِ: كَانَ من سلاطين العلماء.
وروى عنه أيضاً علاء الدين الباجي، والدمياطي وخرَّج لَهُ أربعين حديثاً من عواليه، وأبو الحسن اليُونيني، وخلائق من المصريين والشاميين، وتفقه فمهر.
وَكَانَ عالي الهمة بعيد الغَوْر فِي فهم العلوم. ودرس وأفتى وصنف وبرع، حَتَّى
стр. 238
وصف بأنه بلغ رتبة الاجتهاد، وتخرج بِهِ جماعة. وَكَانَ قائماً بالأمر بالمعروف، لا يخاف فِي ذَلِكَ كبيراً ولا صغيراً، مع الزهد والتقشف، والورع والتفنن فِي العلوم.
وولي خطابة الجامع الأموي مدة. ثُمَّ اتفق أن الصالح إسماعيل ابن العادل، سلّم للفرنج بعض بلاد الساحل، فشق ذَلِكَ عَلَى أهل الخير. وخطب ابن عبد السلام، فلم يذكر الصالح فِي خطبته، وحطَّ عَلَيْهِ. فبلغ ذَلِكَ الصالح فعزله من الخطابة، وضيّق عَلَيْهِ بعد أن كَانَ حبسه مدة. ثُمَّ أفرج عنه بواسطة فرنجي كَانَ رآه وسمع قراءته، وهو فِي خيمة مُرَسَّماً عَلَيْهِ، فسأل عنه فقيل لَهُ: هذا كبير المسلمين. فأنكر أن يعامل مثلُه بمثل ذَلِكَ. فأفرج الصالح عنه. فتوجه إِلَى مصر، فتلقاه الصالح أيوب ابن الكامل ابن العادل، وفوّض إِلَيْهِ خطابة الجامع العُمري، وقضاء مصر والوجه القبلي عوضاً عن ابن عين الدولة بعد وفاته. وَكَانَ قرر فِي قضاء القاهرة والوجه البحري بدر الدين السنجاري. وَكَانَ مرَّ فِي توجهه إِلَى مصر، بالناصر داود ابن المعظم ابن العادل صاحب الكرك وهو بِهَا، فبالَغ فِي إكرامه، وسأله أن يقيم عنده فقال: هَذَا بلد ضيق عن علمي. وَكَانَ فِي قدومه إِلَى مصر رافق ابن الحاجب المالكي. وذكروا أنه لما قدم إِلَى مصر. ترك لحافظ الدين الكتابة عَلَى الفتوى. وَكَانَ كل منهما يحضر مجلس الآخر. وَكَانَ كثير التواضع لا يهتم بأمر مأكول ولا مشروب.
ومما اشتهر من شهامته، أنه حضر مجلس السلطان وَكَانَ اطلع عَلَى حانة يباع فِيهَا الخمر، ويفعل فِيهَا المنكرات. فقال: يَا أيوب كيْفَ يسعك فِي دينك أن تكون الحانة الفلانية فِي سلطانك؟ فقال: يَا مولانا، أنا مَا عملت هَذَا، بل هو من زمان أبي. فقال: أفترضى أن تكون ممن يقول يوم القيامة (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) فما وسعه إِلاَّ أن أمر بإِبطال ذَلِكَ.
وسئل الشيخ بعد أن انفصل المجلس. كيْفَ تجسرت عَلَى هَذَا السلطان مع شدة سطوته؟ قال: رأيته قَدْ تعاظَم فِي موكبه، فأردتُ أن أهينه. فقيل لَهُ: فما خفته؟ فقال: استحضرت هيبة الله فِي قلبي، فصرتُ أراه كالقط. واستمر عَلَى هَذِهِ الطريقة إِلَى أن ترك جميع المناصب والولايات.
стр. 239
واشتهر أمره، وطار ذكره حَتَّى صار يضرب بِهِ المثل فيقال: مَا أنتَ إِلاَّ من العوام، ولو كنتَ ابن عبد السلام.
وكان مع ذَلِكَ حسن المحاضرة، كبير المروءة، عَلَى غاية من صفاء الذهن وفرط الذكاء. وَكَانَ يحضر السماع ويرقص. وَكَانَ يقول: مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حَتَّى أمر أبواب الأحكام عَلَى خاطري.
وكان يقول: مَا احتجتُ فِي شيء من العلوم إِلَى أن أكمله عَلَى الشيخ الَّذِي أقرأه عَلَيْهِ. وَمَا توسطته، حَتَّى يقول لي: استغنيت عني واشتغل فِيهِ مع نفسك. ومه ذَلِكَ مَا كنت أتركه حَتَّى أختمه عَلَيْهِ.
ومن تصانيفه: التفسير، والمجاز فِي القرآن، وقواعد الإِسلام، والقواعد الصغرى، ومختصر النهاية، ومختصر الرعاية، والفتاوى المجموعة، والأمالي والفتاوى الموصلية، وعدة تصانيف لطاف.
وكان صرفه عن القضاء لغضبة غضبها من الوزير معين الدين ابن الشيخ فعزل نفسه. فقيل للسلطان: اعزله وإلا قال فيك عَلَى المنبر، كما قال فِي الصالح إسماعيل، فعزله من الخطابة، واقتصر عَلَى تدريس الصالحية إِلَى أن مات.
وسئل أن يقرر وظائفه لأولاده فقال: مَا فيهم مَن يصلح لَهَا، ولكنها تصلح للقاضي تاج الدين، يعني ابن بنت الأعز.
وكان صرفه عن القضاء فِي ذي القعدة سنة أربعين وستمائة. فاستقر بعده موهوب الجزَري، وَكَانَ ينوب عنه.
وكانت وفاته بالمدرسة الصالحية فِي عاشر جمادى الأولى سنة ست وستين وستمائة وصلّى عليه السلطان الظاهر بيبرس فمن دونه. ورثاه أبو الحسن الجزار بقصيدة أولها:
أما الفتاوى فعليها السلام ... مذ فقد الشيخ ابن عبد السلام
راعني الله لفقد امرئ ... قام بحق الله حق القيام
عبد العزيز بن علي بن أبي العز بن عبد العزيز بن عبد المحمود البكري البغدادي، عز الدين الحنبلي من المائة التاسعة.
стр. 240
ولد سنة سبعين وسبعمائة واشتغل وقرأ بالروايات، وتعاني عمل المواعيد، واختصر المغنى. وسمع من أصحاب سراج الدين القزويني. وتحول إِلَى القدس فسكنها زماناً، وولي قضاء الحنابلة.
ثُمَّ جرت لَهُ مع الباعوني، وهو يومئذ خطيب المسجد الأقصى كائنة، ففر إِلَى بغداد فأقام بِهَا مدة، وولي القضاء - عَلَى مَا زعم - ثُمَّ رجع إِلَى القدس، فوقع بينه وبين الهَروي. فدخل القاهرة فِي سلطنة المؤيد. فلما فتحت المدرسة المؤيدية فِي سنة إحدى وعشرين، قرر فِي تدريسها، ثُمَّ نقل إِلَى قضاء الشام فباشر مدة. ثُمَّ رجع إِلَى القاهرة بعد موت المؤيد، فوجد علاء الدين ابن المغلي قَدْ مات واستقر عوضاً عنه محب الدين البغدادي، فاتفقت لمحب الدين كائنة مع ابن مزهر، فصرف البغدادي، وقرر عز الدين.
وَكَانَ السلطان وجماعة من دولته يعرفونه من دمشق. وَكَانَ يظهر لهم التقشف الزائد بحيث كانوا يشاهدونه يحمل طبق الخبز إِلَى الفرن. ثُمَّ صرف بحيلة عملها ليستمر فِي القضاء، فانعكست عَلَيْهِ.
وكان ابن مزهر انحرف عنه لأمور متعددة. فاتفق أنه حضر عند ناظر الجيش عبد الباسط، فأمسك ذيله، وسأله أن يسأل السلطان فِي الاستعفاء من القضاء. وأن يرتب لَهُ مَا يكفيه، وينقطع فِي زاوية. وقصد بذَلِكَ أن تزيد رغبة السلطان فِيهِ. فكان كذلك، وحصل مقصوده. فَوَلَّدَ ابنُ مُزهر من هَذِهِ القصة شيئاً توصل بِهِ إِلَى عزله. وذلك أنه قال للسلطان: إن عز الدين أَلَحّ علينا فِي الاستعفاء، فقال لَهُ: فمن تولى؟ قال: محب الدين، فإن الَّذِي عزل بسببه، ظهر أن لا صحة لَهُ. فأذن فِيهِ فاستدعى بمحب الدين، وخلع عَلَيْهِ ونزل إِلَى الصالحية، وَلَمْ يكن عز الدين علم بشي من ذَلِكَ. فبغته الأمر، وبحث عن السبب إِلَى أن عرف من أين أتى، فسقط فِي يده. وصار يطوف ويكذّب من نقل عنه فلا يصدقه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي سنة إحدى وثلاثين. فاستمر محب الدين إِلَى أن مات. وقرر عز الدين فِي غضون ذَلِكَ فِي القضاء بدمشق.
ثُمَّ صرف فِي أول دولة الظاهر. واستقر ابن مفلح، فقدم القاهرة، فلم يتمكن من
стр. 241
الإِقامة بِهَا، وأخرج إِلَى القدس فأقام بِهِ ِشيئاً. ثُمَّ دخل دمشق فأقام بِهَا مدة أخرى. ثُمَّ قدم القاهرة بعد ثلاث سنين، فسعى فِي العود إِلَى قضاء دمشق، فأجيب. واستمر فِيهِ إِلَى أن مات فِي شوال سنة ثمان وأربعين وثمانمائة بعد أن صرف عن القضاء.
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صَخْر بن عبد الله بن إبراهيم بن أبي الفضل الكناني الحموي الأصل، نزيل القاهرة.
ولد بدمشق بالمدرسة العادلية فِي المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة ونشأ بِهَا، وأحضر عَلَى أبي الفضل ابن عساكر، وعمر بن القواس، والعز إسماعيل بن الفرّاء، والحسن بن علي الجلال.
وسمع من أبيه ومن الأَبَرْقُوهِيّ، ومحمد بن حسين الفُوِّي، والدمياطي، وابن القيم والرشيد ابن المعلم، والفخر النويري، والرَّضِيّ الطَّبَرِيّ فِي آخرين، وسمع الكثير.
ثم حبب إِلَيْهِ الطلب لما كبر، فطاف عَلَى الشيوخ، وحصل الأصول والأجزاء. وقرأ الكثير، وأخذ الفقه عن جماعة، وشارك فِي العربية، وخطب بالجامع الجديد نيابة عن أبيه. ورحل إِلَى دمشق فلقي الفضلاء، وشهدوا لَهُ بالفضل، وأسمع ولده عمر بعد العشرين عَلَى إسحاق بن يحيى الآمدي وابن الشحنة وست الفقهاء وغيرهم.
قال الذهبي: طلب الحديث وعني بِهِ مع تصون وديانة وخير.
وقال فِي موضع آخر: إما مفت فقيه، مدرس محدّث، قرأ الكثير، وكتب
стр. 242
الطباق وعني بهذا الشأن. وَكَانَ خيراً صالحاً حسن الخلق كثير الفضائل. سمعت منه، وسمع منِّي. وولي وكالة بيت المال وغير ذَلِكَ من المناصب. ثُمَّ ولي القضاء عوضاً عن القاضي جلال الدين القزويني، فصرف جميع من كَانَ الجلال استنابه، وقرر هو صهره تاج الدين المناوي، وأخاه ضياء الدين المناوي، ثُمَّ ذكر للسلطان أن جميع ولاة البرِّ ولاَّهم القزويني بالمال، واستأذنه فِي عزلهم، فعزل الجميع. وتولى المناوي تقرير غيرهم برأيه.
قال الإِسنوي: ولي قضاء الديار المصرية فِي جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة فسار فِيهِ سيرة حسنة. وَكَانَ حسن المحاضرة كثير الأدب، حسن الخط مع السرعة سليم الصدر.
وآل أمر القاضي عز الدين إِلَى أنه تخلى عن المنصب لتاج الدين يفعل فِيِه مَا شاء، واقتصر هو عَلَى حضور المواكب بدار العدل يومي الاثنين والخميس، والإقبال عَلَى الاشتغال بالعلم، وحضور الدروس، والتخلي للعبادة.
وَكَانَ عفيفاً نزيهاً كثير العبادة، إِلاَّ أنه كَانَ قابض اليد عن البذل للفقراء والطلبة.
وحكى الجمال ابن أحمد فِي ترجمته، أنه كَانَ أقوى الأسباب فِي اتصال جنس الفقهاء بالترك، فخدموهم لينالوا بهم الوصول إِلَى مقاصدهم، لتعذرها عليهم من عند القاضي، فآل الأمر بذلك إلى أن استقرت المناصب العلمية كلها لمن لا يستحقها، انتهى.
وهذا لا شك أنه كَانَ موجوداً قبل عز الدين، إِلاَّ أنه كثر باعتماده عَلَى التاج المناوي، وَكَانَ قليل البضاعة فِي العلم، عارفاً بالشروط.
وَكَانَ العز جميل المحاضرة، كثير العبادة والتواضع والإِنصاف، والاقتصاد فِي المأكل والملبس.
صنف كتاب المناسك الكبرى عَلَى المذاهب الأربعة، أجاد فِيهِ، واختصره فِي مجلد لطيف. وصنف السيرة النبوية مختصرة. وَلَهُ مجاميع حسنة. وصنف نزهو الألباء فِي معرفة الأدباء، اقتصر فِيهِ عَلَى ترجمة من اتصلت لَهُ رواية شعره بالسماع أَوْ الإِجازة.
стр. 243
وكان الناصر قَدْ عظمه، وفوض إِلَيْهِ تعيين قضاة الشام. وَكَانَ يعتكف العشر الأخير من رمضان. فذكر شهاب الدين ابن قايماز - وَكَانَ معروفاً بالصدق - أنه دخل عَلَيْهِ فِي معتكفه، فسأله قضاء حاجة لشخص من الناس، فلم يرد عَلَيْهِ جواباً، فغضب. وَكَانَتْ لَهُ منزلة من الأمير شيخون، وهو يومئذ المشار إِلَيْهِ فِي تدبير المملكة، فقال يخاطبه: يَا مولانا، هَذَا حرام عَلَيْكَ، والتصدي لفصل أحكام المسلمين أفضل من هَذَا. وترك الواجب للنفل ممنوع. فلما أكثر عَلَيْهِ، قال لَهُ: أنا لي خليفة قَدْ تصدى لذلك فاكتفيت بِهِ. قال: لا تبرأ ذمتك بذلك. فلم يلتفت لذلك. فقلت: إن لَمْ ترجع عن هَذَا لأرفعن الأمر للسلطان. فلما رأى بعض من حضر أني غضبت سارَّه، فقال: يَا ولدي أنت تحب العلم والفقهاء، ولا تحضر مجلسي فِي الحديث، مَهْمَا كَانَ لَكَ من حاجة، فأعلمني ولا تنقطع عني. قال: فأفرطتُ فِي تعنيفه، وبينت لَهُ مَا الناس فِيهِ مع المناوي، وانصرفت عنه.
قال: ودخل إِلَيْهِ شاب مات أبوه وبيده وظيفة، فسأله فِيهَا فقال: خَرَجَتْ فألحَّ عَلَيْهِ، فقال لَهُ: الوظائف لا تورث. فقام من عند مكسور الخاطر. فدعا عَلَى أولاده أن لا تَقَرَّ بهم عينه ولا ينفعهم بشيء من وظائفه، فأُجيبت دعوته فيهم. وَلَمْ ينجب منهم إِلاَّ حفيده شيخنا عز الدين. لكن فِي العلوم لا فِي غيرها، بحيث أنني شاهدته والناس ينتفعون بما خلَّفه ابن عمه برهان الدين ابن جماعة، ولا يصل هو إِلَى شيء منه، مع شدة حاجته إِلَيْهِ حَتَّى منزل السكن.
واتفق أنه عزم عَلَى الحج فِي شهر رجب سنة أربع وخمسين، فخطب بجامع القلعة واستأذن على السلطان بعد الصلاة، وأعلمه بأنه عزم عَلَى الحج والمجاورة، فساعده شيخون، فقال لَهُ السلطان: فَعَيِّنْ لَنَا من يصلح للمنصب فقال: تاج الدين المناوي، وأطراه، ووصفه بالخير والقيام بأمر المنصب. فأعفاه السلطان وقرر تاج الدين، وَلَمْ يكن التاج حاضراً هَذَا المجلس، واعتذر العز لشيخون بأنه رأى النبي ﷺ فِي المنام وذكر مَا يدل عَلَى الإِشارة إِلَيْهِ بالسفر والمجاورة، ثُمَّ توجَّه.
فلما حضر عنده التاج عرَّفه أن السلطان ولاَّه فأظهر التمنع، فألزمه بالقبول فقبل واشتهر ذَلِكَ. وأصبح الناس يوم السبت يسعون فِي جهات التاج، حَتَّى قال شيخون للقضاة الثلاثة رفقته لما حضروا عنده القصر، يسألونه فِي عدم صرف عز الدين، وأنه يحصل بِهِ وبتقرير المناوي فساد كبير. فقال لهم: منذ وَقَع هَذَا إِلَى هَذِهِ الساعة،
стр. 244
رفعت إليَّ نحو ستين قصة فِي وظائف التاج. وآخر الأمر، استقر الحال، إِلَى أن التاج يستمر عَلَى النيابة عن عز الدين، ويسافر عز الدين ويجاور، فإذا عاد استمر عَلَى وظيفته، فتكلم شيخون مع السلطان فِي ذَلِكَ،
فأرسل إِلَيْهِ أَزْدَمُر الخازندار بذلك. فلم يزل بِهِ حَتَّى طلع معه يوم الاثنين، فخلع عَلَيْهِ السلطان وأعاده إِلَى المنصب، واستقر التاج عَلَى نيابته. ورجع من كَانَ سعى فِي وظائفه، وسافر القاضي ثُمَّ عاد فِي أول سنة خمس وخمسين. فلما كَانَ فِي شهور سنة تسع وخمسين، وَقَدْ آل الأمر فِي التكلم فِي أمور المملكة إِلَى صرغتمش، كَانَ عنده من عز الدين نفسٌ، فتكلم فِي تولية بهاء الدين ابن عَقِيل، وَكَانَ السبب فِي ذَلِكَ مَا تقدم فِي ترجمة ابن عقيل، فقرر فِي العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، إِلَى أن قبض عَلَى صرغتمش، فصرف ابن عقيل فِي العشر الأخير من شهر رمضان، فكانت ولايته ثمانين يوماً. ثُمَّ أعيد العز ابن جماعة فاستمر إلى أن ولي الوزير فخر الدين ابن قَرَوينة فصار يناكِده فِي الأمور الشرعية، فضجر منه حَتَّى سأل الإِعفاء، فما أجابوه. فمات شخص وَلَهُ وارث ومال، فاحتاط الوزير عَلَى موجوده، فراسله العز بأن هَذَا وارث شرعي. فلم يصغ لقوله فحنق، وعزل نفسه، وأشيع ... .
عبد العزيز بن محمد بن النُّعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيُّون المغربي القيرواني، إسماعيلي من المائة الرابعة.
ولد فِي أول ربيع الأول سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وَكَانَتْ ولايته القضاء فِي يوم الخميس السادس عشر من رمضان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وأضيف إِلَيْهِ
النظر فِي المظالم، وخُلعت عَلَيْهِ الخلع عَلَى العادة، وحمل عَلَى بغلة وقِيدت بَيْنَ يديه ثِنْتان، وحمل بَيْنَ يديه سِفط ثياب، ودخل إِلَى الجامع فحضر فِي موكب حفِل، وقرئ تقليده عَلَى المنبر.
стр. 245
وكان أول أحكامه أنه أوقف جميع الشهود الذين قبلهم عمه الحسن مَا عدا شرف ابن محمد المقرئ، فإنه استكتبه فِي التوقيع والقصص، وكتب لَهُ فِي الإسجال عَلَيْهِ، قاضي القضاة عبد العزيز، قاضي عبد الله ووليه منصور أبي علي، الإِمام الحاكم الأمير المؤمنين - صلوات الله عَلَيْهِ وَعَلَى آبائه الطاهرين - عَلَى القاهرة المُعِزِية ومصر والإِسكندرية والحرمين وأجناد الشام والرحبة والبرقة والمغرب وأعمالها. وَمَا فتحه الله وَمَا يسَّر فتحه لأمير المؤمنين من بلدان المشرق والمغرب.
واستخلف عبدُ العزيز فِي الحكم مالك بن سعيد الفارقي وابن أبي العوام فِي الفرض. ولازم الشهودُ الذين لَمْ يقبلهم بابَه، فأرسل إليهم أنه قَدْ كثر تطارحكم عليَّ وتشفعكم فِي قبول الشهادة، فيلزم كل واحد منكم شغله. فمن احتجت إِلَى شهادته منكم أنفذت إِلَيْهِ، فانصرفوا عنه.
فلما كَانَ فِي السابع عشر من ذي القعدة، طلبهم واستحلفهم أنهم مَا كانوا سَعوا فِي طلب الشهادة عند عمه ولا رشوه ولا غروا لَهُ، فحلفوا عَلَى ذَلِكَ فقبلهم، وأصعد الحاكمُ عبدَ العزيز معه عَلَى المنبر فِي الجمع والأعياد عَلَى عادة من تقدمه، وامتدت يده فِي الأحكام وعلت منزلته. وجلس فِي الجامع وابتدأ فِي كتاب جَده اختلاف أصول المذاهب. وَفِي ولايته فوض الحاكم إِلَيْهِ النظر عَلَى دار العلم الَّتِي أنشأها وَكَانَ الحاكم بناها وأتقنها وجعل فِيهَا من كتب العلوم شيئاً كثيراً، وأباحها للفقهاء
وأن يجلسوا فِيهَا بحسب اختلاف أغراضهم من نسخ ومطالعة وقراءة، بعد أن فُرشت وعلقت الستور عَلَى أبوابها، ورتب فِيهَا الخدام والفَرشة.
وتخصص عبد العزيز هَذَا بمجالسة الحاكم ومسايرته، فاحتاج القاضي إِلَى الإِذن لولده القاسم الأكبر فِي الحكم بالجامع وَكَانَ يجلس فِيهِ لسماع الأحكام، والفصل بَيْنَ الخصوم. وصار الناس يترددون فِي أمورهم منه إِلَى أبيه ومن أبيه إِلَيْهِ، وأمر ولده الأصغر أن يثبت كتب الناس ويفصل بينهم فِي مجلس حكمه بمنزله. وفوض إِلَيْهِ الحاكم أيضاً النظر فِي تركة ابن عمه حسين بن علي بن النعمان بعد قتله، فتسلم جميع مَا وجد لَهُ، وكذا فعل فِي تركة أبي منصور الجودري وهو من كبار دولته، وقدَّمه فِي الصلاة عَلَى جماعة من أوليائه، جرت العادة بأنه لا يصلى عليهم إِلاَّ الخليفة. وأمره فِي يوم عاشوراء أن يمنع النساء والناس من المرور فِي الشوارع، وَكَانَتْ سنتهم أنهم فِي يوم عاشوراء
стр. 246
يخرجون النساء وغيرهن للنَّوْح والبكاء عَلَى الحسين، وينشدون المراثي فِي الشوارع وتمد الغاغة أيديهم إِلَى أمتعة الباعة، فرفعوا ذَلِكَ إِلَى الحاكم، فأمر القاضي أن يمنعهم من المرور فِي الشوارع وأن يختص النوح والنشيد بالصحراء. واتفق أن بعض الكتاميين كَانَ من عنده حق فامتنع من أدائه، وَكَانَ عنده شدة بأس وعجرفة، فرفع أمره إِلَى القاضي، فأنفذ إِلَيْهِ رسولاً فأهانه، فرفع الأمر للحاكم فأمر بإٍِحضار الكتامي مسحوباً إِلَى القاضي بمصر، ثُمَّ أحضر إِلَى القاهرة ماشياً، وألزم بالخروج مما عَلَيْهِ.
وأمره الحاكم بالنظر فِي المساجد وتفقد أوقافها، وجمع الرّيْع وصرفه فِي وجوهه ففعل ذَلِكَ وبالغ فِيهِ، وأفرد لذلك شاهدين يضبطانه.
وزوج القاضي ولديه بابنتي القائد فضل بن صالح، وَكَانَ الإملاك بالقصر عَلَى صداق أربعة آلاف دينار أنعم الحاكم بِهَا من بيت المال، فَخُلع عَلَيْهِ ثوبان مفصلان وست عشرة قطعة من الثياب المكفوفة، وحملا عَلَى بغلتين مسروجتين، وقِيد بَيْنَ يديهما مثل ذَلِكَ.
وتصلب القاضي فِي أحكامه، وارتفعت كلمته وتعزز عَلَى جميع أهل الدولة، وتقدم إِلَى جميع الشهود أن من يتخلف من البكور إِلَى حضور المجلس كل اثنين وخميس ألزم بمغرم ثقيل. وسأله خليفته فِي الحكم مالك بن سعيد، أن يستخلف الخليل بن الحسن عنه إذا طرقه أمر منعه من الركوب أَوْ التوجه إِلَى مجلس الحكم فأذن لَهُ. وَلَمْ يعهد ذَلِكَ لغيره، أن النائب يستنيب عنه فِي المدينة.
وذكر المسبحي فِي تاريخه فِي حوادث سنة سبع وتسعين وثلاثمائة مَا حاصله أن عليّ بن سليمان المنجم، وَكَانَ من خواص قائد القواد الحسين بن جوهر، أخبره أن القاضي زار الحسين بن جوهر القائد فِي داره يوم أحد فِي صيام النصارى، وَكَانَ عنده أبو الحسن الرَّسي والمسبحي ومن يخدمهم. فدخل الغلام، فقال: أبو يعقوب بن نسطاس الطبيب بالباب، فأذن لَهُ، فدخل وهم على المائدة، فأظهر السرور بِهِ وأحضر لَهُ عدة ألوان. ثُمَّ رفعت المائدة وقدم الشراب وَمَا يلائمه من الفاكهة والمشروب. فأقبلوا عَلَى عملهم إِلَى أن سكروا. فأما القاضي فانصرف، ونام القائد والرسي. واستمر أبو يعقوب الطبيب بالطارمة الَّتِي كَانَ بناها فِي ذَلِكَ المكان - وهي تطل عَلَى نهر كبير - يشرب ويطرب، إِلَى أن غلب عَلَيْهِ السكر. فخرج وطلب بغلته، فقدمت له بغلة الرَّسي فامتنع من ركوبها، فسأله الخدم أن يعود إِلَى مكانه إِلَى أن تحضر بغلته،
стр. 247
فرجع
إلى المكان الَّذِي فِيهِ الرسي فنام إِلَى جانبه فقام أحد الفراشين فرفع الستارة يتفقدها فرأى الرسي وَلَمْ ير أبا يعقوب، فدخل وطلبه، فلمح طرف ثوبه فِي الماء فاستدعى فراشاً يعرف السباحة فنزل إِلَى النهر فوجده قَدْ التَّفت ثيابه عَلَى وجهه فغطس فِي الماء، فأعلم الخدم القائد فاستدعى القاضي، وانتبه الرَّسي وشق عليهم ذَلِكَ، لعلمهم بمنزلته من الحاكم. فسألوني أن أَعلم الحاكم بذلك فدخلت إِلَيْهِ فذكرت لَهُ: أن أبا يعقوب قام من الليل وهو دهش فسقط فِي النهر، فإلى أن يصل إِلَيْهِ الفراش وجده قَدْ التف فِي ثيابه فغطس. فشق عَلَيْهِ وأظهر الأسف، وبحث عن الأمر، فعرفوه بصورة الحال، فهز رأسه ونكس، فإِذا بالقاضي والقائد والرسي قَدْ وصلوا إِلَى القصر مشاة بعمائم لطاف. فاستدعاهم فحلفوا وأكدوا لَهُ الأيمان إن كَانَ لَهُم فِي شأنه شيء، واستشهد القائد والقاضي بالرسي فشهد لهما بالبراءة من ذَلِكَ، فأمر بتكفينه ودفنه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي أواخر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
فلما كَانَ فِي يوم الخميس النصف من شهر رجب سنة ثمان وتسعين شاع بَيْنَ الناس أن عبد العزيز القاضي عزل، وقرر خليفته مالك بن سعيد، فارتفع النهار وَلَمْ ينزل إِلَى مجلس الحكم، إلى قرب الظهر، ثُمَّ نزل وحكم وصلى بالناس الظهر إِلَى أن انصرف بمفرده، من غير حاجب ولا رِكَابيّ حَتَّى دخل داره.
فلما كَانَ آخر النهار طاف جماعة عَلَى جميع أولياء الدولة، بأن يجتمعوا بالقصر بكرة، فحضروا. وحضر مالك بن سعيد، فقُلِّد جميع مَا كَانَ بيد عبد العزيز.
وَكَانَتْ مدة ولاية عبد العزيز ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً.
قال المسبحي: عَزَل عبد العزيز فِي أيام نظره فِي المظالم ثلاثة عشر نفساً وَفِي أيام قضائه نفسين.
واستمر عبد العزيز بعد عزله يتردد إِلَى القصر خائفاً يترقب القتل، إِلَى أن كَانَ الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين؛ ركب القائد حسين بن جوهر والقاضي عَلَى عادتهما، فسلما وانصرفا، فأرسل إليهما، فحضر عبد العزيز أولاً فاعتقل، ورجع خادمه ببغلته. واختفى القائد وولده فكسر بابه، وحرّض الحاكم عَلَى تحصيله فتعذر عَلَيْهِ. فأمر بإِطلاق عبد العزيز، فرجع إِلَى منزله وَقَدْ أقاموا عَلَيْهِ العزاء، فسكَّنهم. وَكَانَ الباعة قَدْ أغلقوا حوانيتهم فأمرهم بفتحها. ثُمَّ بعد ثلاثة أيام حضر القائد بالأمان، فخلع عَلَيْهِ وَعَلَى عبد العزيز خلعاً سنية وحملت قدامَهُما ثياب كثيرة،
стр. 248
وحملا عَلَى فرسين وقِيدت بَيْنَ أيديهما عدة خيول، وأعاد الحاكم النظر فِي المظالم إِلَى القاضي عبد العزيز، وقرئ سجله وخلع عَلَيْهِ خلعاً مقطوعة وطيلساناً، وحمل عَلَى بغلته وبين يديه أخرى، وحمل بَيْنَ يديه سفَط ثياب. فاستمر إِلَى تاسع عشر صفر سنة أربعمائة، ثُمَّ قبض عَلَى إقطاعه، وضرب عَلَى باب داره لوح باسم الديوان.
وفي أواخر رمضان أعرس ولدا القاضي بابنتي القائد الَّذِي تقدم عقدهما عليهما.
فلما كَانَ آخر المحرم سنة إحدى وأربعمائة، استشعر القاضي والقائد من الحاكم الغدر بهما. فلما كَانَ فِي التاسع من صفر، هرب القاضي وقائد القواد حسين بن جوهر وأتباعهما وصَحِبَهما جماعة، ومعهما من الأموال شيء كثير. وتوجهوا عَلَى طريق دُجْوة فلما بلغ الحاكم ذَلِكَ، ختم عَلَى دورهما، وأمر مالك ابن سعيد الفارقي بالركوب إِلَى دار القاضي والقائد حسين، وضبط مَا فيهما وحَمْلِه. فلم يزل القاضي والقائد مستترين إِلَى السادس من المحرم سنة إحدى وأربعمائة، فظهرا وكتب
لهما الأمان من الحاكم، وخلع عليهما، فلازما الخدمة، إِلَى أن كَانَ يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة منها، حضرا الخدمة وانصرفا. فأرسل إليهما فِي الحال فرجعا فقتل كلاًّ منهما جماعة من الأتراك فِي الدهليز، وختم فِي الحال عَلَى دورهما، وذهب دمهما هدراً. وأحيط عَلَى دورهما فِي الوقت، وقبض عَلَى كثير من أتباعهما، وصودروا.
وكان عبد العزيز عالماً بالفقه عَلَى مذهب الإِمامية كآل بيته، ولا سيما جده، وَقَدْ نسب إِلَيْهِ الشيخ عماد الدين ابن كثير، الكتاب المسمى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم فِي أصول الدين، ووهم فِي ذَلِكَ. وإنما هو تصنيف عمه عليّ ووالده النعمان.
قال ابن كثير: وَقَدْ رد عَلَى هَذَا الكتاب القاضي أبو بكر الباقلاني. قال ابن كثير: وفيه من الكفر مَا لا يصل إبليس إِلَى مثله. كذا قال.
عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحراني، أبو محمد شرف الدين الحنبلي من المائة الثامنة.
стр. 249
ولد فِي شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة بحران. وَكَانَ جد أبيه عبد الله قاضياً بِهَا، وقدم الديار المصرية، فسمع بحماة من شيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري عن الحسن بن عرفة، وحدّث بِهِ. وولي القاهرة نظر الخزانة السلطانية ثُمَّ أضيف إِلَيْهِ قضاء الحنابلة، ودرس بالصالحية، وذلك بعد موت عز الدين ابن عوض فِي صفر سنة ست وتسعين فِي سلطنة المنصور لاجين.
وكان مشكور السيرة، حسن الخَلق والخُلق كثير المكارم.
وقال ابن رجب فِي طبقات الحنابلة: كَانَ مزجَى البضاعة فِي العلم. وَلَمْ يزل عَلَى ولايته إِلَى أن مات فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعمائة.
عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي، إسماعيلي من المائة الخامسة، ولد سنة ... وَكَانَ أبوه قاضي طرابلس المغرب وانتقل إِلَى مصر فنشأ ولده واشتغل ومهر.
ثُمَّ ولي القَضَاء فِي خلافة المستنصر بعد صرف عبد الحاكم بن وهيب فِي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين. ثُمَّ أضيفت إِلَيْهِ الوزارة فاستخلف ولده عبدَ الملك أبا الحسن عَلَى الحكم، فنزل إلى الجامع العتيق، وسمع الشهود، ووقَّع فِي جميع الأمور نيابة عن أبيه، ولقب هو الوزير الأجل عميد الرؤساء مجد المعالي كفيل الدين، صفوة أمير المؤمنين.
وهو أول من ولي الوزارة من أهل بيته، قال أبو القاسم ابن مُنْجِب: كَانَ عبد الكريم فاضلاً موصوفاً بالخير. وَكَانَتْ ولايته وولاية ابنه القضاء فِي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وصرف عن قرب فِي أول المحرم سنة أربع وخمسين ومات هو فِي الرابع من المحرم منها.
عبد المحسن بن محمد المكرمي تقدم فِي الحسين بن علي.
стр. 250
وقيل أنه ولي القضاء بعد أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة بعد الأربعين وخمسمائة.
عبد الملك بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، تقدم ذكره مع أبيه، وهو يكنى أبا الحسن، إسماعيلي من المائة الخامسة.
عبد الملك بن عيسى بن دِرْبَاس بن فِيْر بن جَهْم بن عَبْدُوس الهَذَباني الماراني، نسبة إِلَى قبيلة من الأكراد، يقال لَهَا ماران، بجنب الموصل. أبو القاسم صدر الدين الكردي، شافعي من المائة السادسة.
ولد في أواخر سنة عشر وخمسمائة، وتفقه بأبي سعد بن أبي عصرون، وبأبي الحسن علي بن سليمان المرادي، وسمع منه ومن أبي القاسم الحسن بن الحسين الأسدي
المعروف بابن البُن، ومن أبي القاسم ابن عساكر، ومن علي بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن بنت أبي سعد وغيرهم. وخرّج لَهُ أبو الحسن ابن المفضل أربعين حديثاً، قرأها عَلَيْهِ وأسمعها الناس بقراءته. وسمع هو أيضاً من ابن المفضل.
وكان قبل أن يقدم مصر، مشهوراً بالصلاح والخير والغَزْو وطلب العلم، حَتَّى كانوا يتبركون بآثاره للمرضى، ويُقْصَد لذلك.
ثم برع فِي الفقه، وقدم الديار المصرية مع السلطان صلاح الدين، فقرره فِي القضاء بِهَا فِي جمادى الآخرة سنة ست وستين وخمسمائة، وَكَانَ قبل ذَلِكَ ولي قضاء الغربية، وأضاف إِلَيْهِ القضاء بكثير من البلاد الشامية، وقرر فِيهَا النواب. ثُمَّ أضاف إِلَيْهِ الأحباس، فاستخلف عَلَى الحكم أخاه ضياء الدين عثمان، ثُمَّ استنابه عليّ بن يوسف الدمشقي، وَكَانَ قَدْ قدم الديار المصرية واشتهر بِهَا.
واستمر القاضي صدر الدين عَلَى ولايته مدة السلطان صلاح الدين إِلَى أن مات فِي سنة تسع وثمانين. وسلطنوا ولده العزيز، فاستمر بالقضاء عَلَى ولايته إِلَى أن وقع
следующие страницы →