← Тараджим

Тараджим · id 12724

رفع الإصر عن قضاة مصر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (485 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يخرجون النساء وغيرهن للنَّوْح والبكاء عَلَى الحسين، وينشدون المراثي فِي الشوارع وتمد الغاغة أيديهم إِلَى أمتعة الباعة، فرفعوا ذَلِكَ إِلَى الحاكم، فأمر القاضي أن يمنعهم من المرور فِي الشوارع وأن يختص النوح والنشيد بالصحراء. واتفق أن بعض الكتاميين كَانَ من عنده حق فامتنع من أدائه، وَكَانَ عنده شدة بأس وعجرفة، فرفع أمره إِلَى القاضي، فأنفذ إِلَيْهِ رسولاً فأهانه، فرفع الأمر للحاكم فأمر بإٍِحضار الكتامي مسحوباً إِلَى القاضي بمصر، ثُمَّ أحضر إِلَى القاهرة ماشياً، وألزم بالخروج مما عَلَيْهِ. وأمره الحاكم بالنظر فِي المساجد وتفقد أوقافها، وجمع الرّيْع وصرفه فِي وجوهه ففعل ذَلِكَ وبالغ فِيهِ، وأفرد لذلك شاهدين يضبطانه. وزوج القاضي ولديه بابنتي القائد فضل بن صالح، وَكَانَ الإملاك بالقصر عَلَى صداق أربعة آلاف دينار أنعم الحاكم بِهَا من بيت المال، فَخُلع عَلَيْهِ ثوبان مفصلان وست عشرة قطعة من الثياب المكفوفة، وحملا عَلَى بغلتين مسروجتين، وقِيد بَيْنَ يديهما مثل ذَلِكَ. وتصلب القاضي فِي أحكامه، وارتفعت كلمته وتعزز عَلَى جميع أهل الدولة، وتقدم إِلَى جميع الشهود أن من يتخلف من البكور إِلَى حضور المجلس كل اثنين وخميس ألزم بمغرم ثقيل. وسأله خليفته فِي الحكم مالك بن سعيد، أن يستخلف الخليل بن الحسن عنه إذا طرقه أمر منعه من الركوب أَوْ التوجه إِلَى مجلس الحكم فأذن لَهُ. وَلَمْ يعهد ذَلِكَ لغيره، أن النائب يستنيب عنه فِي المدينة. وذكر المسبحي فِي تاريخه فِي حوادث سنة سبع وتسعين وثلاثمائة مَا حاصله أن عليّ بن سليمان المنجم، وَكَانَ من خواص قائد القواد الحسين بن جوهر، أخبره أن القاضي زار الحسين بن جوهر القائد فِي داره يوم أحد فِي صيام النصارى، وَكَانَ عنده أبو الحسن الرَّسي والمسبحي ومن يخدمهم. فدخل الغلام، فقال: أبو يعقوب بن نسطاس الطبيب بالباب، فأذن لَهُ، فدخل وهم على المائدة، فأظهر السرور بِهِ وأحضر لَهُ عدة ألوان. ثُمَّ رفعت المائدة وقدم الشراب وَمَا يلائمه من الفاكهة والمشروب. فأقبلوا عَلَى عملهم إِلَى أن سكروا. فأما القاضي فانصرف، ونام القائد والرسي. واستمر أبو يعقوب الطبيب بالطارمة الَّتِي كَانَ بناها فِي ذَلِكَ المكان - وهي تطل عَلَى نهر كبير - يشرب ويطرب، إِلَى أن غلب عَلَيْهِ السكر. فخرج وطلب بغلته، فقدمت له بغلة الرَّسي فامتنع من ركوبها، فسأله الخدم أن يعود إِلَى مكانه إِلَى أن تحضر بغلته،

стр. 247

فرجع إلى المكان الَّذِي فِيهِ الرسي فنام إِلَى جانبه فقام أحد الفراشين فرفع الستارة يتفقدها فرأى الرسي وَلَمْ ير أبا يعقوب، فدخل وطلبه، فلمح طرف ثوبه فِي الماء فاستدعى فراشاً يعرف السباحة فنزل إِلَى النهر فوجده قَدْ التَّفت ثيابه عَلَى وجهه فغطس فِي الماء، فأعلم الخدم القائد فاستدعى القاضي، وانتبه الرَّسي وشق عليهم ذَلِكَ، لعلمهم بمنزلته من الحاكم. فسألوني أن أَعلم الحاكم بذلك فدخلت إِلَيْهِ فذكرت لَهُ: أن أبا يعقوب قام من الليل وهو دهش فسقط فِي النهر، فإلى أن يصل إِلَيْهِ الفراش وجده قَدْ التف فِي ثيابه فغطس. فشق عَلَيْهِ وأظهر الأسف، وبحث عن الأمر، فعرفوه بصورة الحال، فهز رأسه ونكس، فإِذا بالقاضي والقائد والرسي قَدْ وصلوا إِلَى القصر مشاة بعمائم لطاف. فاستدعاهم فحلفوا وأكدوا لَهُ الأيمان إن كَانَ لَهُم فِي شأنه شيء، واستشهد القائد والقاضي بالرسي فشهد لهما بالبراءة من ذَلِكَ، فأمر بتكفينه ودفنه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي أواخر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. فلما كَانَ فِي يوم الخميس النصف من شهر رجب سنة ثمان وتسعين شاع بَيْنَ الناس أن عبد العزيز القاضي عزل، وقرر خليفته مالك بن سعيد، فارتفع النهار وَلَمْ ينزل إِلَى مجلس الحكم، إلى قرب الظهر، ثُمَّ نزل وحكم وصلى بالناس الظهر إِلَى أن انصرف بمفرده، من غير حاجب ولا رِكَابيّ حَتَّى دخل داره. فلما كَانَ آخر النهار طاف جماعة عَلَى جميع أولياء الدولة، بأن يجتمعوا بالقصر بكرة، فحضروا. وحضر مالك بن سعيد، فقُلِّد جميع مَا كَانَ بيد عبد العزيز. وَكَانَتْ مدة ولاية عبد العزيز ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً. قال المسبحي: عَزَل عبد العزيز فِي أيام نظره فِي المظالم ثلاثة عشر نفساً وَفِي أيام قضائه نفسين. واستمر عبد العزيز بعد عزله يتردد إِلَى القصر خائفاً يترقب القتل، إِلَى أن كَانَ الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين؛ ركب القائد حسين بن جوهر والقاضي عَلَى عادتهما، فسلما وانصرفا، فأرسل إليهما، فحضر عبد العزيز أولاً فاعتقل، ورجع خادمه ببغلته. واختفى القائد وولده فكسر بابه، وحرّض الحاكم عَلَى تحصيله فتعذر عَلَيْهِ. فأمر بإِطلاق عبد العزيز، فرجع إِلَى منزله وَقَدْ أقاموا عَلَيْهِ العزاء، فسكَّنهم. وَكَانَ الباعة قَدْ أغلقوا حوانيتهم فأمرهم بفتحها. ثُمَّ بعد ثلاثة أيام حضر القائد بالأمان، فخلع عَلَيْهِ وَعَلَى عبد العزيز خلعاً سنية وحملت قدامَهُما ثياب كثيرة،

стр. 248

وحملا عَلَى فرسين وقِيدت بَيْنَ أيديهما عدة خيول، وأعاد الحاكم النظر فِي المظالم إِلَى القاضي عبد العزيز، وقرئ سجله وخلع عَلَيْهِ خلعاً مقطوعة وطيلساناً، وحمل عَلَى بغلته وبين يديه أخرى، وحمل بَيْنَ يديه سفَط ثياب. فاستمر إِلَى تاسع عشر صفر سنة أربعمائة، ثُمَّ قبض عَلَى إقطاعه، وضرب عَلَى باب داره لوح باسم الديوان. وفي أواخر رمضان أعرس ولدا القاضي بابنتي القائد الَّذِي تقدم عقدهما عليهما. فلما كَانَ آخر المحرم سنة إحدى وأربعمائة، استشعر القاضي والقائد من الحاكم الغدر بهما. فلما كَانَ فِي التاسع من صفر، هرب القاضي وقائد القواد حسين بن جوهر وأتباعهما وصَحِبَهما جماعة، ومعهما من الأموال شيء كثير. وتوجهوا عَلَى طريق دُجْوة فلما بلغ الحاكم ذَلِكَ، ختم عَلَى دورهما، وأمر مالك ابن سعيد الفارقي بالركوب إِلَى دار القاضي والقائد حسين، وضبط مَا فيهما وحَمْلِه. فلم يزل القاضي والقائد مستترين إِلَى السادس من المحرم سنة إحدى وأربعمائة، فظهرا وكتب لهما الأمان من الحاكم، وخلع عليهما، فلازما الخدمة، إِلَى أن كَانَ يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة منها، حضرا الخدمة وانصرفا. فأرسل إليهما فِي الحال فرجعا فقتل كلاًّ منهما جماعة من الأتراك فِي الدهليز، وختم فِي الحال عَلَى دورهما، وذهب دمهما هدراً. وأحيط عَلَى دورهما فِي الوقت، وقبض عَلَى كثير من أتباعهما، وصودروا. وكان عبد العزيز عالماً بالفقه عَلَى مذهب الإِمامية كآل بيته، ولا سيما جده، وَقَدْ نسب إِلَيْهِ الشيخ عماد الدين ابن كثير، الكتاب المسمى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم فِي أصول الدين، ووهم فِي ذَلِكَ. وإنما هو تصنيف عمه عليّ ووالده النعمان. قال ابن كثير: وَقَدْ رد عَلَى هَذَا الكتاب القاضي أبو بكر الباقلاني. قال ابن كثير: وفيه من الكفر مَا لا يصل إبليس إِلَى مثله. كذا قال. عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحراني، أبو محمد شرف الدين الحنبلي من المائة الثامنة.

стр. 249

ولد فِي شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة بحران. وَكَانَ جد أبيه عبد الله قاضياً بِهَا، وقدم الديار المصرية، فسمع بحماة من شيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري عن الحسن بن عرفة، وحدّث بِهِ. وولي القاهرة نظر الخزانة السلطانية ثُمَّ أضيف إِلَيْهِ قضاء الحنابلة، ودرس بالصالحية، وذلك بعد موت عز الدين ابن عوض فِي صفر سنة ست وتسعين فِي سلطنة المنصور لاجين. وكان مشكور السيرة، حسن الخَلق والخُلق كثير المكارم. وقال ابن رجب فِي طبقات الحنابلة: كَانَ مزجَى البضاعة فِي العلم. وَلَمْ يزل عَلَى ولايته إِلَى أن مات فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعمائة. عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي، إسماعيلي من المائة الخامسة، ولد سنة ... وَكَانَ أبوه قاضي طرابلس المغرب وانتقل إِلَى مصر فنشأ ولده واشتغل ومهر. ثُمَّ ولي القَضَاء فِي خلافة المستنصر بعد صرف عبد الحاكم بن وهيب فِي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين. ثُمَّ أضيفت إِلَيْهِ الوزارة فاستخلف ولده عبدَ الملك أبا الحسن عَلَى الحكم، فنزل إلى الجامع العتيق، وسمع الشهود، ووقَّع فِي جميع الأمور نيابة عن أبيه، ولقب هو الوزير الأجل عميد الرؤساء مجد المعالي كفيل الدين، صفوة أمير المؤمنين. وهو أول من ولي الوزارة من أهل بيته، قال أبو القاسم ابن مُنْجِب: كَانَ عبد الكريم فاضلاً موصوفاً بالخير. وَكَانَتْ ولايته وولاية ابنه القضاء فِي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وصرف عن قرب فِي أول المحرم سنة أربع وخمسين ومات هو فِي الرابع من المحرم منها. عبد المحسن بن محمد المكرمي تقدم فِي الحسين بن علي.

стр. 250

وقيل أنه ولي القضاء بعد أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة بعد الأربعين وخمسمائة. عبد الملك بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، تقدم ذكره مع أبيه، وهو يكنى أبا الحسن، إسماعيلي من المائة الخامسة. عبد الملك بن عيسى بن دِرْبَاس بن فِيْر بن جَهْم بن عَبْدُوس الهَذَباني الماراني، نسبة إِلَى قبيلة من الأكراد، يقال لَهَا ماران، بجنب الموصل. أبو القاسم صدر الدين الكردي، شافعي من المائة السادسة. ولد في أواخر سنة عشر وخمسمائة، وتفقه بأبي سعد بن أبي عصرون، وبأبي الحسن علي بن سليمان المرادي، وسمع منه ومن أبي القاسم الحسن بن الحسين الأسدي المعروف بابن البُن، ومن أبي القاسم ابن عساكر، ومن علي بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن بنت أبي سعد وغيرهم. وخرّج لَهُ أبو الحسن ابن المفضل أربعين حديثاً، قرأها عَلَيْهِ وأسمعها الناس بقراءته. وسمع هو أيضاً من ابن المفضل. وكان قبل أن يقدم مصر، مشهوراً بالصلاح والخير والغَزْو وطلب العلم، حَتَّى كانوا يتبركون بآثاره للمرضى، ويُقْصَد لذلك. ثم برع فِي الفقه، وقدم الديار المصرية مع السلطان صلاح الدين، فقرره فِي القضاء بِهَا فِي جمادى الآخرة سنة ست وستين وخمسمائة، وَكَانَ قبل ذَلِكَ ولي قضاء الغربية، وأضاف إِلَيْهِ القضاء بكثير من البلاد الشامية، وقرر فِيهَا النواب. ثُمَّ أضاف إِلَيْهِ الأحباس، فاستخلف عَلَى الحكم أخاه ضياء الدين عثمان، ثُمَّ استنابه عليّ بن يوسف الدمشقي، وَكَانَ قَدْ قدم الديار المصرية واشتهر بِهَا. واستمر القاضي صدر الدين عَلَى ولايته مدة السلطان صلاح الدين إِلَى أن مات فِي سنة تسع وثمانين. وسلطنوا ولده العزيز، فاستمر بالقضاء عَلَى ولايته إِلَى أن وقع

стр. 251

بينه وبين نائبه علي بن يوسف، وَكَانَ يقول إنه استناب بغير رضاً منه. وذلك أن عليّ بن يوسف، كَانَ يخدم الأتراك الذين فِي خدمة العزيز ابن صلاح الدين، فسألهم أن يتحدثوا لَهُ مع القاضي أن يستنيبه، فلم يسعه مخالفتهم، فاستنابه. ثُمَّ أشهد عَلَى نفسه أنه لَمْ يرضَ بِهِ نائباً عنه، فشق عَلَى عليّ بن يوسف فكثّر عَلَيْهِ الشناعات، وانقطع عن التردد إِلَيْهِ، وصار يستبد بكثير من الأمور إِلَى أن حضر للقاضي عقد امرأة مملوكة، عند سيدها، فشهد عَلَيْهَا أنها أذنت لَهُ فِي تزويجها بعد الإِشهاد عَلَى سيدها بعتقها فعقده القاضي، فقال لَهُ ابن يوسف: قَدْ كَانَتْ أذنت لي بعقد نكاحها قبل هَذَا الإذن، فأجيب بأن العقد لا يصح قبل صحة العتق، فأخرق القاضي بالشهود الذين شهدوا لابن يوسف بالإِذن الأول، فتعصب الأتراك لابن يوسف، ورفعوا الأمر للسلطان، ورموا القاضي بأنه يسلك مع ابن يوسف حظ نفسه بغير حجة فغضب السلطان، وبعث السري إِلَى القاضي يعتبه عَلَى ذَلِكَ. فأعاد الجواب أنه نقل لَهُ عنه أنه ارتشى فِي الحكم، وأنه راسل فلانة يراودها عن نفسه. فغضب السلطان من هَذَا الجواب، فأغرى الأتراك الذين تعصبوا لابن يوسف، حَتَّى حملوه عَلَى أن أمر بعزله، واستقرار ابن يوسف فِي الحكم بالقاهرة، وأن يستمر نائب الصدر بمصر عل حاله، إِلَى أن يرى السلطان رأيه. فقام جماعة من الأعيان فِي نصرة الصدر، وبالغُوا فِي الثناء عَلَيْهِ، فأجابهم السلطان بأنه رمى نائبه بأمر إن أثبته عَلَيْهِ فهو مستمر ويعزل نائبه، إلا فقد فسق بما قاله فِي حق نائبه. فلما عجز القاضي عن إثبات مَا قاله فِي حق ابن يوسف، صرح العزيز بعزل الصدر، واستقلال ابن يوسف، وذلك فِي ربيع الأول سنة أربع وتسعين. ثُمَّ أعيد الصدر فِي المحرم سنة خمس وتسعين. ثُمَّ صرف فِي ربيع الآخر سنة خمس وتسعين. وأعيد ابن يوسف، ثُمَّ صرف. وأعيد الصدر، فلم يستنب فِي هَذِهِ الولاية أخاه، وأضيفت إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الولاية الخطابة والأحباس والحسبة ودار الضرب. ووقع بينه وبين أخيه الضياء عثمان شارح (المهذب) ، اختلاف فِي العقيدة فهجره، حَتَّى إنه لما مات لَمْ يُصلّ عَلَيْهِ. وامتنع من دفنه بمقبرته. وَكَانَ إِذَا ذكره تلا قوله تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) الآية. ثُمَّ يقول لَمْ يبق لَهُ الحقُّ أخاً.

стр. 252

وكانت وفاته كما قال المنذري: مات فِي ليلة الخامس من شهر رجب سنة خمس وستمائة، القاضي الأجل قاضي القضاة أبو القاسم ابن دِرْبَاس. ودفن بتربته بسفح المُقطَّم. وشهد دفنه جمع كثير من الأعيان، منهم شرف الدين ابن عين الدولة الَّذِي ولي القضاء من بعد ذَلِكَ؛ فأنشد عند مواراته فِي لحده: يَا أَيُّها الملأ المجمّع حوله ... كشيوخه وكهوله وشبابهِ هل فيكم من مُنْتَمِي إِلاَّ لَهُ ... أَوْ فيكم من سيد إِلاَّ بِهِ عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم الأنصاري المدني الحَزْمِيّ الأعرج، من المائة الثانية يكنى أبا الطاهر. ولد سنة ... وسمع من أبيه وعمه عبد الله روى عنه المُفضَّل بن فضالة، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعبد الله بن وهب وعبد الله بن صالح العِجْلِيّ، وسعيد بن عُفَيْر. قال ابن يونس: ولي القضاء من قبل الهادي موسى بن محمد. وقدم مصر فِي أول سنة سبعين ومائة. حدثنا أسامة بن أحمد بن يحيى بن الوزير، حدثنا يحيى بن بُكَيْر: قدم علينا عبد الملك بن محمد الحزمي قاضياً، وَكَانَتْ أحكامه عَلَى مذهب أهل المدينة؛ القاسم وسالم، وربيعة، والزهري. وقال ابن يونس: وَكَانَ متضلعاً بِهَا، حافظاً لَهَا. وَكَانَ شديد التفقد للأيتام والأحباس، منكراً عَلَى من يرى فِيهِ خللاً بالضرب وغيره. وكان متضلعاً بمذهب أهل المدينة. وَكَانَ يتفقد الأحباس بنفسه ثلاثة أيام من كل شهر، يأمر بمرمتها وإصلاحها وتنظيفها، ومعه طائفة من العمال عليها. ويجلد كل من أخل بشيء من أمرها عشر جلدات.

стр. 253

وكان يقضي بالشاهد واليمين. قال يحيى بن بُكَيْر. وَكَانَ ضَرُوباً لمن يرى فِيهِ خللاً. واستكتب وَرْشاً المُقرئ المشهور، وخلف بن قادم وغيرهما. وقال عبد الرحمن بن عبد الحكم: حدثني أبي قال: كتاب صاحب البريد واسمه يزيد بن عمرو الطائي إِلَى عبد الملك: إنَّك تُبَطِّئُ بالجلوس للناس، فقال لَهُ: إِذَا كَانَ أمير المؤمنين أمرك بشيء، وإلا ففي أُكُفِك وبراذعك ودَبَرَ دوابك مَا يُشغلك عن أمر العامة، ثُمَّ استعفى. وذكر أبو عمر الكندي أن يزيد بن عمرو، كتب إِلَيْهِ فِي خصم يوصيه بِهِ، فكتبَ إِلَيْهِ: ما أنت والقضاء، عَلَيْكَ بِدَبَر دوابك وبراذعها وكنس زبولها. فكتب صاحب البريد إِلَى الرشيد يعيبه ويقول: إن الناس قد شَكَوا منه. فأتى كتاب الخليفة إِلَى داود ابن يزيد بن حاتم، وهو يومئذ أمير مصر يأمره أن يوقف الحزمي للناس. فأمر داود بِهِ فأقيم. فانطلقت الألسنة بالثناء عَلَيْهِ بالخير، وركب الليث بن سعد، وعاصم بن العلاء وابن لهيعة، إِلَى الأمير فأثنوا عَلَيْهِ. فقال الزمي لداود: قَدْ جاءني الفرج. وَفِي هَذِهِ الفرصة لتأتين العافية ولست تصل رحمي بمثل إعفائي. فقال لَهُ: فمن يصلح بعدك؟ فقال: رضيت لَكَ المفضَّل بن فضالة فأعفاه. وإنما كَانَ صاحب البريد يكاتب الخليفة بأخبار القضاة، لأن المنصور كَانَ أول من اتخذ ذَلِكَ مبالغة فِي الاطلاع عَلَى أحوال الرعية. وكان يقول: أحتاج إِلَى أربعة لا يكون أحد أعف منهم، هم أركان الملك، كما أن السرير لا يستقيم إِلاَّ بأربعة قوائم؛ وهو قاضٍ لا يأخذه فِي الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي. وصاحب خراج يستقضي الحق ولا يظلم. ثُمَّ عض إصبعه وقال: آه آه عَلَى الرابع. فقيل: من هو؟ قال: صاحب خبر يكتب إليّ بأخبار الحكام عَلَى الصحة. وكان يرسل إِلَى كل بلد صاحب خبر يكاتبه بالأسعار وقضاء القاضي، وحكم صاحب الشرطة، وَمَا يرد إِلَى بيت المال إِلَى غير ذَلِكَ من الأحداث. وكان المنصور إِذَا صلى المغرب قرأ الكتب، ونظر فِي الأسعار، فإن تغير منها شيء، سأل عن السبب. ولا يزال يتلطف حَتَّى يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، ويسأل عما يشك فِيهِ من قضاء القاضي إلى أن يقف عَلَى الصحة فِيهِ، فيكتب إِلَيْهِ بِهِ ويوبخه فيما ينقل إِلَيْهِ عنه، إن كَانَ خالف شيئاً من ذَلِكَ.

стр. 254

وقال أبو القاسم ابن عبد الحكم فِي فتوح مصر: لما صرف أبو الطاهر وتوجه للعراق، سئل عن ذلك فقال: إنما ظننت أتي لا أعفى، ولولا ذَلِكَ مَا استعفيت من مصر، فإنها زاوية صالحة. ولمَّا قدم بغداد ولاّه الرشيد قضاء الجانب الشرقي من بغداد. وكانت مدة ولايته عَلَى قضاء مصر أربع سنين وأربعة أشهر. وصرف فِي جمادى الأولى سنة أربع وسبعين ومائة ومات ببغداد سنة ست وسبعين. وصلى عَلَيْهِ الرشيد. وفيها أرخه ابن يونس. عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج السَّكُونِيّ. تقدم نسبه فِي ترجمة أبيه يكنى أبا ... من المائة الثانية. ولد سنة أربع وستين ومائة، وولاه عبد الله بن عبد الملك، القضاء بعد صرف عمران بن عبد الرحمن بن شُرَحْبيل، فِي صفر سنة تسع وثمانين. وَقَدْ ذكر ابن يونس، أنه روى عن النبي ﷺ حديثاً أرسله وهو النهي عن أكل الطعام الحار حَتَّى يبرد. رواه عنه الحسين بن هانئ الحضرمي. قال أبو عمر: كَانَ عمر لما ولي القضاء خمساً وعشرين سنة. فلم يتعلق عَلَيْهِ بشيء. وقال ابن يونس: أضاف إِلَيْهِ عبد الله بن عبد الملك الشُّرَط، ثُمَّ صرفه قرة بن شريك عن القضاء فِي ربيع الأول سنة تسعين. فكانت مدة ولايته سنة واحدة. وعاش إِلَى أن توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. وقيل سنة خمس عشرة. قال ابن يونس. عبد الوهاب بن الحُسَيْن المهلبي، وجيه الدين ابن أقضى القضاة سديد الدين أبي علي بن أبي القاسم عبد الوهاب بن بركات بن علي بن غياث بن قاسم بن المهلب بن أبي صُفرة. كذا نسبه بعض الناس، وَقَدْ سقط بَيْنَ قاسم والمهلب أكثر من ثلاثة عشر أباً، إن كَانَ المهلب المشهور. وإن كَانَ آخر يسمى المهلب فلا سقط.

стр. 255

وقد وجد من يوافق المهلب المشهور فِي اسمه وَفِي كنية والده، وهو شيخ ابن بطال شارح البخاري. ولد القاضي وجيه الدين فِي ... واشتغل بمصر عَلَى جماعة، واجتمع بالقاضي عناد الدين السكري فِي أواخر أيامه، وَعَلَى البهاء ابن بنت الجميزي. وأخذ عن الزكي عبد العظيم بمصر، وأخذ بدمشق عن ابن الصلاح، وابن عبد السلام، ثُمَّ رجع إِلَى مصر فدرس بالمجدية، وهو مكان وقفه مجد الدين المهلبي عَلَى من يدرس بمكان معين بجامع عمرو بن العاص. وَكَانَ لَهُ يوم جلوسه محفل عظيم. وَكَانَ يُلقى فِيهِ بعد الدرس العام درساً فِي أصول الدين، اتباعاً لشرط واقفه، وَكَانَ أتقن الأصلين عَلَى طريقتي الإمام فخر الدين والسيف الامدي، أخذهما عن الأفضل الخونجي والحسن وشاهين. وكان رفيع القدر عند القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز وغيره، مشاراً إِلَيْهِ فِي الأمور، يرجع إلى رأيه فِي النقض والإِبرام فِي المهمات. وَكَانَ مع ذَلِكَ متواضعاً. فباشر أموره بنفسه مع إكبابه عَلَى الاشتغال والمباحثة والاستفادة. قال: وَكَانَ لا يشق غباره، ولا يتوقع عثاره. وتولى مشيخة ميعاد علاء الدين الضرير بمضر. ويدل عَلَى جلالة قدره، عظمة من تخرج بِهِ من الفضلاء؛ كالعَلَم العراقي والعلم السمنودي، والعِزّ ابن السيف، والعلم ابن الصيفي القمني، والكمال عبد الغني والظهير يحيى، وابن الرفعة، والطبقة الَّتِي بعد هؤلاء كالزين ابن البياع والفلك ابن بن السكري، والعماد المهلبي والقطب البياني وغيرهم والطبقة الأخيرة. وَلَمْ يكن أحد ممن يوازيه فِي السن أكثر اشتغالاً منه. قطع عمره بَيْنَ قراءة وإقراء. وولي الحكم فِي هر رمضان سنة ثمانين وستمائة، أَوْ فِي أواخر شعبان بعد وفاة ابن رزين مباشرة دون سنة. ثُمَّ استعفى من قضاء القاهرة وَمَا معها فِي رجب سنة إحدى وثمانين لسكناه بمصر ومشقة الركوب عَلَيْهِ، واستمر عَلَى قضاء مصر إِلَى أن مات فِي جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وستمائة.

стр. 256

عبد الوهاب بن أبي القاسم خلف بن أبي الثنا محمود بن بدر العَلاَمِيّ، بمهملة وتخفيف اللام، وهي قبيلة من لَخْم، تاج الدين المعروف بابن بنت الأعز. ولد سنة أربع وستمائة، ومات أبوه وهو صغير فِي ذي القعدة سنة اثنتي عشرة. وَكَانَ عظيم القدر فِي الدين والورع والصيانة، فسكن دَمِيرَى بالغربية، فربى فِي حجر جَده لأمه الصاحب فخر الدين مِقْدَام بن الكمال ابن شُكر. وَكَانَتْ أم والده تاج الدين بنت أبي المنصور بن ظافر شيخ المالكية. وَكَانَتْ النجابة لائحة عَلَى التاج من صغره. فنشأ ذكياً قوي الحافظة. انقطع للاشتغال مدة طويلة بمدرسة زين التجار. وأخذ عن فضلاء عصره كالشيخ شرف الدين ابن اللبيب، والضياء ابن الوراق، وابن السكري، والأفضل الخونجي والمجد ابن دقيق العيد، وأذن لَهُ بالإفتاء والتدريس. وأخذ الحديث عن جعفر بن علي الهمذاني، وأخذ أيضاً عن ابن عبد السلام، وابن الجميزي، والمنذري، والشريف الأرموي قاضي العسكر فِي آخرين. وأعاد بالمدرسة المذكورة عنده، وولي نظرها. ويقال إنه لَمْ تعرف لَهُ صبوة حَتَّى كَانَ الطلبة إِذَا فرغوا من الاشتغال يتمازحون ويمزحون، وهو لا يخالطهم حَتَّى كانوا إِذَا رأوه سكتوا عما هم فِيهِ هيبة لَهُ. ثُمَّ إن الكامل طلب رجلاً يكون أميناً عاقلاً عارفاً بالحساب، فدله عَلَيْهِ الشريف فولاه شاهد بيت المال، فجهد عَلَى أن يعفيه من ذَلِكَ فأبي عَلَيْهِ. وكان التاج توجه صحبة جده الصاحب الأعز ابن شكر إِلَى الإسكندرية، فتعلم بِهَا الكتابة والحساب فمهر فِيهِ لفرط ذكائه، حَتَّى كَانَ يضرب بِهِ المثل فِي معرفته. ثُمَّ اتسعت معارفه وكثرت فضائله، وضرب فِي كل فن بسهم. قال مؤتمن الدين الحارث بن الحسن بن مسكين فِي السيرة الَّتِي جمعها لَهُ: حضر يوماً مجلس ابن عبد السلام، فجاءت إِلَيْهِ فتياً، فأمر القاضي تاج الدين أن يكتب عَلَيْهَا بحضرته فكتب واستحسن ذَلِكَ الشيخ، ثُمَّ ولاه الصالح أيوب نظر الدواوين. ثُمَّ فوض إِلَيْهِ النظر فِي التواقيع فوقع عنه، فصارت تعرض عَلَيْهِ ويكتب بخطه

стр. 257

ويجعلها فِي كيس، ويختم عَلَيْهَا. فلا يكتب السلطان عَلَى شيء منها، حَتَّى يرى خطه. قال الشيخ شمس الدين ابن القماح: قال لي ابن دقيق العيد: قلت للقاضي تاج الدين: لو تفرغت للعلم لكنت أعظم من ابن عبد السلام!. وقال القاضي نور الدين ابن الصائغ: كَانَ حجة الله عَلَى قضاة عصره. وكانت أول ولايته للقضاء فِي سنة أربع وخمسين بعد عزل بدر الدين السنجاري. ثُمَّ صرف فِي سنة خمس وخمسين بالبدر. واستقر هو فِي الوزارة عوضاً عن البدر، ولك فِي ربيع الأول منها. ثُمَّ صرف عن الوزارة بيعقوب بن الزبير، فِي سلطنة المظفر قُطز، وذلك فِي عاشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين. وأعيد التاج إِلَى القضاء فِي عاشر جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، وذلك فِي سلطنة الظاهر بيبرس. ثُمَّ فِي ثالث شوال منها، أفردت مصر لبرهان الدين الخضر ابن علي السنجاري. فاستمر فِيهِ إِلَى أن مات. ويقال إنه أول مَا ولي القضاء، أفردت لَهُ مصر عن القاهرة، واستمر البدر السنجاري فِي قضاء القاهرة. فاتفق أن الركن والي مصر، ركب مع المعز أيبك فسأله عن أحوال مصر فقال لَهُ: يَا مولانا، مصر سعدت بالقاضي تاج الدين. فقال لَهُ: فالقاهرة؟ قال: فِيهَا القاضي بدر الدين. فقال المعز: يضاف للقاضي تاج الدين جميع الأعمال. فكتب لَهُ تقليد عظيم بذلك. فسار فِي ذَلِكَ سيرة عظيمة شهيرة. فإنه بسط العدل، ورفع قدر الشرع، وتصرف تصرفات استحسنها كل من عرف بِهَا. وتفقد أحوال الشهود، واستفسر عن أحوالهم وأسقط جماعة وأذن لمن ارتضاه. وكان من أول مهاباً، فازدادت هيبته مع الحِلم والعفو عمن يسيء إِلَيْهِ. ومن آثاره المستحسنة فِي الوزارة، أنه لما وليها كَانَتْ العادة قَدْ جرت من عهد طروق الططر البلاد، أنه يؤخذ من أملاك الناس فِي كل سنة أجرة شهرين. فقام القاضي تاج الدين فِي ذَلِكَ بأمور القضاء والوزارة، لا يكاد يخفى عَلَيْهِ شيء من الأمور المتعلقة بِهِ، حَتَّى حكى المؤتمن المذكور، أنه أمر بشراء دواب لنقل آلات العمارة فِي الأوقاف، فلما استغنوا عنها استأذنوه فِي بيعها بعد مدة طويلة فأذن. فأخبره المأذون أنه باع منها الشيء الفلاني بكذا. فقال لَهُ: استفدت فِيهِ كذا، فكشف عن أصل

стр. 258

المشتري منه، فوجد كما قال. وعمر فِي أيامه الجامع العتيق بمصر ونمَّى أمواله، وكذلك أموال الأوقاف والأحباس. ومما حكاه المؤتمن فِي قيامه فِي الحق، أن تاجراً بمصر كَانَ يقال لَهُ ابن الأخرم كَانَتْ لَهُ جارية جميلة فأحبها حباً شديداً حَتَّى أنه أعتقها وتزوجها. تمادت الأيام فانكسر هو وأبوه وأحيط بهما، وحبسا، وبيع موجودهما. فبلغ الأمير ركن الدين المَشْطوبي، وَكَانَ من الأكابر فِي عصره، وَكَانَ القاضي يصحبه، وهو أكبر من سعي لَهُ فِي ولاية قضاء القاهرة، من أول مرة، حَتَّى كمل لَهُ العمل. فبلغ الركن جمال الجارية المذكورة. فراسل سيدها، فاعتذر لَهُ بعتقها، فما قبل منه وألزمه بيعها، فأشهد عَلَيْهِ بأنه باعها وانتقلها الركن. فأقامت عنده مدة، حَتَّى ولدت لَهُ. فلما ظهر قيام القاضي فِي الحق، وأنه لا يحابي فِيهِ أحداً، حضر عنده التاجر وشكا إِلَيْهِ حاله، فطلب الركن فادعى عَلَيْهِ التاجر بأنه اغتصب منه امرأته، فأخرج العهدة ببيعها، فأجاب بأنه أفلس فباعها. فقال لَهُ القاضي لا يصح البيع فِيهَا. فقال: أَيُّها القاضي إنها قَدْ ولدت مني فلم يلتفت لقوله وألزمه بإِحضارها وأحضر التاجر البينة الشاهدة لَهَا بالعتق والتزويج. فحكم عَلَيْهِ بتسليمها لزوجها. وَلَمْ يلتف إِلَى مَا تقدم لَهُ عَلَيْهِ من المساعدة، وأنفذ فِي حكم الشرع بعد عدة سنين. وكان إِذَا ظهر لَهُ الحق لا يحابي فِيهِ صاحباً ولا أحداً من الأكابر. قال: وَكَانَ كثير الحلم قليل الغضب، وربما غلب عَلَيْهِ فيقهر نفسه بالسكوت، قليل المؤاخذة. قال: ولما مات البدر السنجاري حضر الصلاة عَلَيْهِ فقيل لَهُ: تقدم. فوقف طويلاً بك كبّر، فسئل عن ذَلِكَ فقال: كَانَ قَدْ بلغني عنه أشياء كَانَتْ فِي نفسي عَلَيْهِ، فَرَضَّيت نفسي حَتَّى حالته ثُمَّ صليت عَلَيْهِ. وكان عند الأمير جمال الدين أَيْدُغْدِي العَزِيزيّ فقيه يعلم أولاده، فسأله أن يكلم القاضي فِي تعديله، فراسله فِي ذَلِكَ، فامتنع. فأرسل إِلَيْهِ جماعة زكُّوه فلم يتجه لَهُ قبولهم. فراسله مع عجمي يقول لَهُ: كَيْفَ ترد شهادة هؤلاء مع أن عدالتهم مشهورة، ويشهد عندك الأتابك، وهو يفعل بمماليكه كذا، وتقبل شهادته فأجابه بأن حلف بأنه مَا عرف بهذا. وقال للعجمي، قل لَهُ: إن شهدت عندي باشتهار الأتابك بهذا، أسقط شهادته، فتحير الأمير العزيزي لما سمع الجواب، وبقي فِي خشية أن يبلغ ذَلِكَ الأتابك. فبلغ ذَلِكَ القاضي فراسله بأنه لا يفشى ذَلِكَ عنه.

стр. 259

قال: وَكَانَ من تصميمه عَلَى الق، لا يصل أحد من الأكابر لا من الأمراء ولا من غيرهم لشيء يريده، إِلاَّ إن وافق الشرع. ودخل عَلَى الملك الظاهر يوماً وَقَدْ أشهد عَلَى نفسه فِي مكتوب حبس فِيهِ داراً عَلَى جهة من جهات البر، وجعل النظر فِيهِ للقاضي تاج الدين. فقال: يَا مولانا السلطان، أَوْ بطريق النظر الخاص؟ فقال لَهُ: أنت لا تروح من الحكم حَتَّى أموت أنا أَوْ تموت أنت. وَكَانَ كذلك، مات القاضي وهو عَلَى حالته، وَقَدْ عجز كل كبير فِي الدولة عن إزالته. قال ومن أعجب أمره أنه كَانَ لَهُ أربعة أولاد نجباء، حَتَّى كَانَ أكبرهم يقاربه فِي المنزلة، مَا سمع أحدٌ يقول فِي مدة ولايته، قال ابن القاضي ولا فعل ابن القاضي، حَتَّى إن من لا يعرف أنهم أولاد القاضي يظنهم أجانب عنه. وقال الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان: دخلت يوماً إِلَى القاضي تاج الدين فقلت لَهُ: أنت تكثر الركوب مع السلطان، وَكَانَ القاضي عز الدين ابن عبد السلام لا يركب معه. فقال: مَا أركب معه إِلاَّ لأجل الأمراء، ليوهمهم قربه معه وخصوصيته بِهِ. وكان من أثبت الناش جأشاً، لا يخلو من ورود أمر يهتم بِهِ، فلا يَتَضَعْضَعْ لشيء، ولا يخضع. قال: ومن حسن تصرفه أنه كَانَ لبعض المحاجير حصة فِي بستان، فِيهِ نخل كثير، فاحتيج لبيعها، فسويت ثمناً كبيراً، لأن الشريك كَانَ شديد الوطأة، وقال بعض مَن يعرف قيمة الأشياء: إن قسن البستان بلغت حصة اليتيم ضعفي الثمن المذكور. فأرسل القاضي من لَهُ خبرة، فكشف عنه، فعاد وأخبره أنه لا تتأتى فِيهِ القسمة إِلاَّ عن تَراض. وَكَانَ الشريك يُعرف بالشريف زين الدين ابن قميحة، فاستحضره القاضي، وألاَنَ لَهُ القول وباسَطه، وكلّمه فِي ذَلِكَ وهو يتوقف. فزاد القاضي فِي التلطف معه إِلَى أن قال لَهُ: أنت نائبي. فانخدع بذلك ومضى مع الشهود حَتَّى قسم البستان، وأفردت حصة اليتيم، فبيعت بأضعاف ثمنها. وكثر دعاء الناس للقاضي لعلمهم بشدة بأس ذَلِكَ الشريك وشدة لَدَدِهِ.

стр. 260

ومن تحرّيه أنه أرسل بعض التجار ليشتري لَهُ خادماً بثلاثين ديناراً من اليمن، فأخذها واشترى بِهَا خادماً وأحضره فأقام فِي جهته مدة. وَكَانَ بَيْنَ القاضي والتاجر حساب، فحاسبه بِهِ مدة، ونسي القاضي أن يذكر المبلغ الَّذِي دفعه فِي ثمن الخادم، واستحيا التاجر أن يُذكِّره بِهِ. فلما انتهى الحساب، أخرج القاضي صرة فِيهَا مائة وعشرة دنانير، فدفعها للتاجر وقال: هَذِهِ ثمن الخادم الَّذِي أحضرته لي، فإنه مَا وافقني فبعته لَكَ وهذا ثمنه، فعدّ هَذَا فِي عظيم أمانته. وكان للقاضي تاج الدين أربع نواب من المذاهب الأربعة، واستنابهم بإذن السلطان لَهُ فِي ذَلِكَ توسعة عَلَى الناس فِي أحكامهم. فاتفق لَهُ مع الجمال أَيْدُغْدِي منازعة، فحسّن للسلطان أن يكون النواب الثلاثة الذين من غير مذهب القاضي نواباً عن السلطان، مع بقاء القاضي الكبير ونائبه، ويكون ذَلِكَ أعظم فِي حق السلطان. ففعل ذَلِكَ، وجعل لكل واحد منهم مجلساً فِي يوم معين بمصر، وشاركوا القاضي فِي استنابة النواب فِي البلاد، لكن اختص بديوان الأحباس، والنظر فِي الأموال عَلَى اختلاف جهاتها، وإثبات الوقفيان والورثة. وكان القضاة مع ذَلِكَ يترددون إِلَيْهِ ويعظمونه، ولا يتكلمن فِي مجلس السلطان أحد غيره. ويذكر أن القاضي صدر الدين الحنفي، أول من أفرد بالحكم مستقلاً فِي هَذِهِ الكائنة لما مات القاضي. قال: والله لقد عدمناه ونقصت حرمتنا بكوته. وَكَانَتْ رياستنا قائمة بوجوده. ويحكى أنه قال يوماً: مَا رأيت أعجب من القاضي المالكي، إِذَا وقعت لَهُ قضية يحضر عندي ويقول: وقعت واقعة كذا، والحكم فِيهَا فِي مذهبي كذا، فلا أجيبه بكلمة. فيخرج من عندي ويحكم فِيهَا. فإِذا عوتب بعد ذَلِكَ قال: مَا حكمت حَتَّى عرضت ذَلِكَ عَلَى القاضي تاج الدين. ولم يزل القاضي بعد تجديد الثلاثة القضاة معه، يتعب نفسه فيما يسد بِهِ الخلل، إِلَى أن أتاه مَا قدر لَهُ من الأجل. ومات فِي ليلة الثامن والعشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة. وَكَانَتْ جنازته حافلة جداً. ورثاه جماعة؛ منهم الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان بقوله: نعى الناس تاجَ الدين قاضي قضاتنا ... وَمَا النعي فِي التحقيق إِلاَّ عَلَى الشرعِ لقد عز حكم الشرع فِي وقت حكمه ... لأن التقي كَانَ الأمين عَلَى الطبع

стр. 261

ومع هَذِهِ الأوصاف الجيدة فما سَلِمَ من قول عائب ولَوْم غائب. أنشدنا أبو حيان ابن أبي حيان إجازة عن جّده، أنشدنا شرف الدين محمد البوصيري الأديب فِي الصاحب تاج الدين لما جعلت القضاة أربعة وَكَانَ بمصر راهب يقال لَهُ الحبيش كثير البذل للفقراء، وَكَانَ القاضي تاج الدين بضد ذَلِكَ فعمل فِيهِ البوصيري: انظر إِلَى هَذِهِ الدنيا تجِد عَجَباً ... لله فِي كل مرئي ومسموع تاهَ النصارى علينا بالحُبيش وَقَدْ ... أباحهم منه خيراً غير ممنوع فالجودُ أسعد بالتثليث صاحبهم ... والبخلُ أنحس قاضينا بتربيع وأنشد فِيهِ يمدحه ويغبطه بذلك، ويصوب رأي من فعله: لقد سَرَّنا أن القضاة ثلاثة ... لأنك تاج الدين للقوم رابعُ بهم بنية الإِسلام صحت وكيف لا ... تصح وهم أركانها والطبائع فكم رُخَصٍ أبدوا لَنَا وعزائمٍ ... هُدينا بِهَا فهي النجوم الطوالع فلا تيأسن إذ وسع الله فِي الهدى ... مذاهبنا بالعلم، والله واسع تفرقت الآراء والدين واحد ... وكل إِلَى رأي من الحق راجع فهذا اختلاف جَرَّ للناس راحةً ... كما اختلفت فِي الراحتين الأصابع عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسي، أمين الدين أبو اليمن. ولد فِي يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وحفظ القرآن، واشتغل فِي الفقه وتعلم الخط وجَوَّده. ونشأ فِي صيانة ونزاهة إِلَى أن ولي قضاء العسكر. وولي الحكم عقب موت جمال الدين المَلَطِيّ فِي يوم الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة ثلاث وثمانمائة، فباشر مباشرة حسنة. وكان شكلاً حسناً بهيَّ المنظر، كثير السؤدد، وقوراً مهاباً، كثير الصيانة، وَكَانَ لذلك ينسب إِلَى زهو. وكان قد اشتغل كثيراً، وسمع الحديث معنا من بعض شيوخنا. وَكَانَتْ ولايته الأولى سنتين وثلاثة عشر يوماً. فإنه صُرِف فِي سادس عشرين رجب سنة خمس

стр. 262

وثمانمائة بالقاضي كمال الدين ابن العديم قاضي حلب - وَكَانَ قَدْ قدم فِي الجفل من وقعة اللَّنك وسط سنة أربع، فاستوطن القاهرة وحضر مجلس القاضي أمين الدين فِي قراءة البخاري، وبحث معهم، وتردد إلى الكبار. وَكَانَ من العارفين بطرق السعي. فلم يزل يسعى إِلَى أن استقر فِي هَذِهِ السنة فباشرها، وانقطع القاضي أمين الدين إِلَى أن أعيد فِي شهر رجب سنة إحدى عشرة. فلما أراد الناصر الخروج إِلَى حلب، لطلب شيخ ونيروز ومن معهما من الخارجين عَلَيْهِ، سعى ناصر الدين أن يتولى القضاء، ويسافر مع العسكر، وتوسل بالمال، وبأن أمين الدين يشق عَلَيْهِ السفر فخلع عَلَيْهِ فِي المحرم سنة اثنتي عشرة. ولما شرعوا فِي السفر اعتنى الأمير جمال الدين الأستادار، بالقاضي أمين الدين فانتزع لَهُ مشيخة الشيخونية من ابن العديم فباشرها إِلَى رجب سنة ثمان عشرة، فانتزعها منه ابن العديم بمال، واستمر الأمين منفصلاً عنها وعن القضاء حَتَّى مات بالطاعون فِي ربيع الأول سنة تسع عشرة وثمانمائة. عبد الوهاب بن محمد بن محمد بن عيسى بن أبي بكر بن عيسى ابن مروان بن أحمد الإِخنائي، بدر الدين ابن علم الدين ابن سيف الدين المالكي من المائة الثامنة. ولد فِي حدود سنة عشرين، واشتغل ومهر. وأول مَا ولي نظر خزانة الخاص الَّتِي كَانَتْ بالقلعة، ثُمَّ ولي القضاء فِي العشر الأخير من رجب سنة سبع وسبعين، عوضاً عن ابن عمه برهان الدين. وصرف لما قتل الأشرف شعبان فِي ذي القعدة سنة ثمان وسبعين. وَكَانَ لما ولي ضعيفاً، فأرسل إِلَيْهِ التشريف فتدثر بِهِ. ثُمَّ استقل وباشر مباشرة حسنة. وَكَانَ كثير التلاوة والحج والمجاورة، وحسن المحاضرة، وحج مع الأشرف، ثُمَّ رجع من عقبة أيلة، واستقر عوضه علم الدين البساطي. وكان قَدْ سمع عَلَى عم أبيه القاضي تقي الدين الإِخنائي، وسمع أيضاً عَلَى عبد

стр. 263

الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي صحيح مسلم، والدعاء المحاملي. ثُمَّ أعيد إِلَى القضاء فِي صفر سنة تسع وسبعين. وكانت مدة صرفه بعلم الدين البساطي نحو ثمانين يوماً. ثُمَّ صرف الإِخنائي فِي ثالث عشر رجب منها، وأعيد العَلَم فلزم الإِخنائي داره، إِلَى أن مات فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين، وَقَدْ حج فِي غضون ذَلِكَ وجازر سنة ثلاث وثمانين. عبيد الله بن نائل بن نَجيح. ولاَّه المهتدي بالله قضاء القضاة ببغداد، بعد صرف الحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب. فلما قتل المهتدي، أعيد الحسن. ذكر ذَلِكَ ابن الجوزي فِي المنتظم. وكان من يتولى قضاء القضاة فِي ذَلِكَ الزمان، هو الَّذِي تولى القضاء فِي الآفاق وذلك فِي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وكان قاضي مصر يومئذ محمد بن عبدة وَكَانَتْ ولايته من قبل خمارويه بن أحمد بن طولون. ويقال إنه تولى من قبل المعتمد. حكاه ابن زولاق، فكتبت ترجمة هَذَا احتياطاً. عتيق بن الحسن الصباغ المعروف ببكران، وَكَانَ من العدول بمصر. فلما ولي الحسن بن عبد الرحمن الجوهري القضاء بمصر بعد محمد بن بدر، خليفةً عن الحسين بن عيسى بن هَرَوان، وقع بَيْنَ بكران وبين القاضي شر. فخرج إِلَى الإِخشيد بالشام، فالتمس من الحسين أن يستخلفه عَلَى الأحباس، ففوض نظرها لَهُ. وجعل لَهُ أمر قضاة البلاد بنواحي مصر. وصرف ابن عبد الرحمن عن خلافته، وأرسل عوضه مع بكران، أحمد بن عبد الله الكشِّي كما تقدم فِي ترجمته. وكان بكران ينظر فِي الأحباس عَلَى مَا يعمله الكشي، وكل منهما يخاطَب بالقاضي. وأمر بكران الشهود بحضور مجلسه، والشهادة عَلَى حكمه فحضروا، وأراد أن يقضُّوه فِي الإِشهاد عليه، فامتنعوا من ذَلِكَ. واضطرب أمر البلد وتظلم جماعة إِلَى الإِخشيد فساءه ذَلِكَ. وأمر بإحضار بكران، فناله منه مكروه، وأمر بالبطش بِهِ، ومنعه ومنع الكشي من الحكم. ثُمَّ جمع وجوه الناس واستشارهم فيمن

стр. 264

يصلح للحكم، فأشاروا عَلَيْهِ بابن أخت وليد، فولاّه خلافةً للحسين بن عيسى. فكانت مدة بكران بمشاركة الكشي ثلاثة أشهر. وتوجه بكران إِلَى الرملة فتاب عن ابن هَرَوان بِهَا عَلَى عادته. عثمان بن قيس بن أبي العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيْض بن كعب بن لؤي القرشي السَّهمي. ذكر أبو عمر الكندي من طريق علي بن الحارث بن عثمان بن قيس بن أبي العاص السهمي، أن جده عثمان ولي قضاء مصر سنة ثلاث وعشرين. سنةَ مات عمر بن الخطاب. فأقره عثمان عَلَى القضاء طول خلافته، واستقر بعد قتل عثمان فِي الفتنة. ومن طريق ابن لَهِيعة قال: قتل عثمان بن عفان، وعثمان بن قيس قاض، فلم يكن بمصر قاضٍ حَتَّى قام معاوية، كذا قال: وهذا لا يتَّجه، لأن قيس بن سعد بن عبادة، كَانَ أمير مصر لعليّ، وكان فِي غاية المعرفة والحزم. فيبعد أن لا يقرر فِي البلد قاضياً. لكن لا يمتنع أنه كَانَ يباشر ذلك بنفسه. وقد أخرج أبو عمر أيضاً من طريق عبد العزيز بن أبي مَيْسرة قال: لَمْ يكن بمصر قاض بعد قتل عثمان إِلَى سنة الجماعة. قال: وَكَانَتْ مدة ولاية عثمان بن قيس فِي القضاء اثنتي عشرة سنة، ويقال أكثر من ذَلِكَ. وأنه صرف عن القضاء فِي خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين. قالوا: وَكَانَ فصيحاً عابداً مجتهداً غَزِير الدمعة. يقضى وهو يبكي، ويقول ويل لمن حكم فَجَارَ. قلت: لو كَانَ هَذَا ثابتاً، لبطل قول أبي عمر الكندي أنه مات بعد عثمان فِي الفتنة. وأبو عمر أيقن من غيره فِي ذَلِكَ. وأخرج الطبراني من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب قال: كتب عمر ابن الخطاب إِلَى عمرو بن العاص، أن افْرِضْ لكلِّ مَن قِبَلك ممّن بايع تَحْتَ الشجرة فِي

стр. 265

مائتين من العطاء، وأبلغ ذَلِكَ بنفسك. وافرض لعثمان بن قيس لضيافته ولخارجة بن حذافة لشجاعته. وقال ابن يونس: كَانَ صاحب ضيافة قريش يعني وهو بمكة. وقال أبو عمر: اختصم نفر من جذام إِلَى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، يعني وهو أمر مصر فِي خلافة عثمان، فقال: ارتفعوا إِلَى عثمان بن قيس، فَلَتَجِدُنَّه مُسْتَضْلِعاً يحمل أثقالكم. عَطَّاف بن غَزْوان أذن لَهُ عبد الله بن طاهر، أمير مصر إذ ذَاكَ، لما منع إبراهيم بن الجراح، فاستمر. فلما ولي عيسى المنكدري صرف عن النظر فِي المظالم. قاله أبو عمر الكندي. علي بن أحمد بن إسحاق أبو الحسن. باشر قضاء مصر نيابة عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن زَبْر فِي ولايته الثالثة، وَلَمْ يقدم ابن زَبر مصر، وكَاتَبَ علي بن أحمد بن إسحاق ليتسلم لَهُ هو ويحيى بن الحسن، فوصل الكتاب إليهما فباشر شهرين. ثُمَّ صرف بصرف ابن زبر. علي بن أحمد بن عَمَّالا أبو القاسم جلال الدولة ابن هلال الدولة. ويقال هو قاسم بن أحمد بن عمار، وبالأول جزم ابن ميسر. قال أبو الحسين التَّرُوجِيّ فِي كتاب بلغة الظرفاء: كَانَ ابن عَمَّار من حسنات الدهر، وولي قضاء مصر فِي أوائل سنة أربع وسبعين وصرف فِي شعبان سنة خمس وسبعين، ثُمَّ نقل إِلَى قضاء الإِسكندرية. فلما ثار نزار بن المستنصر بالإِسكندرية

стр. 266

وادعى الخلافة، ونهض الأفضل أمير الجيوش ابن بدر إِلَى قتاله، كَانَ القاضي ممن عاونه، وكذا الأمير أفتكين والي الإسكندرية، والرئيس محمود بن مصال، فقبض الأفضل عَلَى نزار فأعدمه، وقتل أفتكين، وهرب محمود بن مصال. وقبض الأفضل عَلَى جماعة من رؤساء الإِسكندرية من جملتهم القاضي، فاعتقله ثُمَّ قتله، وذلك فِي سن ثمان وثمانين وأربعمائة. علي بن الحسين بن حرب، ويقال حَرْبُويَه بن عيسى البغدادي، الفقيه الشافعي من أهل المائة الرابعة يكنى أبا عبيد، ويقال لَهُ ابن حربويه، وهو بِهَا أشهر. ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين وسمع الكثير من لأبي الأشعث العجلي أحمد بن المقدام البصري وحفص بن عَمْرو الرَّبَالي، والحسن بن محمد الزَّعْفَراني، والحسن بن عرفة، وزيد بن أخزم الطائي، وأبي السُّكَين زكريا ين يحيى، ويوسف بن موسى القطان وحسين بن أبي يزيد الدباغ. وتفقه عَلَى داود بن علي، ثُمَّ افقه عَلَى مذهب أبي ثَور صاحب الشافعي، وقرأ الكلام عَلَى أبي محمد العباسي. وحكى ابن زولاق عم ابن الحداد قال: قلت لأبي عبيد: هل سمعت من يعقوب ابن إبراهيم الدورقي؟ قال: لا. منعني أبي من سماع الحديث قبل أن أستظهر القرآن حفظاً. فلما حفظته قال لي: خذ المحفظة واذهب إِلَى يعقوب بن إبراهيم الدورقي فاكتب عنه. فتوجهت فإذا الناس يقولون مات يعقوب الدورقي. وسمع من الزعفراني كتاب الحجة للشافعي. وحدث بِهِ عنه.

стр. 267

قال ابن زولاق: ورأيت أبي عبيد تصنيفاً فِي إثبات القياس والرد عَلَى منكريه. روى عنه النسائي فِي الصحيح. قال المزِّي فِي التهذيب: وَلَمْ أر ذَلِكَ فِي سنن النسائي، فلعله روى عنه شيئاً فِي تصانيفه ككتاب الكنى. وقال قال ابن زولاق: حدث عنه النسائي سنة ثلاثمائة، وعاش النسائي بعد ذَلِكَ ثلاث سنين. قلت: وَكَانَ سماع النسائي منه بعد أن قدم أبو عبيد مصر. وقال البرقاني فِي أسئلته للدارقطني: سألته عن أبي عبيد فقال: كَانَ فاضلاً حليلاً، حدث عنه أبو عبد الرحمن النسائي ومات قبله. وقال أبو سعيد ابن يونس: قدم مصر قاضياً بعد صرف أبي عُبَيد الله محمد بن عَبْدَة بن حرب. وشغور المنصب مدة فِي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان ويقال لليلتين بقيتا من رجب سنة ثلاث وتسعين ومائتين. وَكَانَ شيئاً عجباً مَا رأيننا قبله ولا بعده مثله. وَكَانَ يتفقه عَلَى مذهب أبي ثور صاحب الشافعي، وحدَّث فِي زمن ولايته الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو حفص ابن شاهين، وأبو بكر ابن المقرئ، وأبو عمر بن حيويه، وأبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن الجراح، ووقع لي حديثه بعلو من جهته. قال ابن يونس: كَانَ ثقة ثَبتاً. وقال ابن حيويه: توفي الثقة الأمين أبو عبيد فِي صفر. وقال ابن زولاق: كَانَ فقيهاً عالماً بالاختلاف فصيحاً عاقلاً، عفيفاً منقبضاً، قوَّالاً بالحق، جواداً. وقال أيضاً: حدثني محمد بن أحمد بن ورقاء البغدادي، قال: كَانَ أبو عبيد من أهل الستر. وَكَانَ أبوه من شهود إسماعيل القاضي. وقال أبو بكر بن الحداد: قرأت عَلَيْهِ جزءاً من حديث يوسف بن موسى. فلما قرأت قلت: كما قرأت عَلَيْكَ. قال: نعم، إِلاَّ الإِعراب، فإِنك تُعرب، وَمَا كَانَ

стр. 268

قال: وقال لي بعض شيوخ الرَّمْلة: قدم علينا أبو عبيد متوجهاً إِلَى قضاء مصر، فصادف ابن الخلنجي، فكان جماعة من أهل العلم ينقطعون إِلَيْهِ، فكلموه فِي أن يسلم عَلَى أحمد بن محمد بن بسطام عامل الشام، وَكَانَ عظيم الرياسة، يقوم عن يمينه وعن شماله نحو مائة حاجب. فقال أبو عبيد: مَا لي عنده حاجة!. فقالوا لَهُ: إن محمد بن العباس الجمحي قاضي الرملة، يركب إِلَيْهِ فِي كل يوم. فلم يزالوا بِهِ حَتَّى ركب إِلَيْهِ متخففاً، فدخل إِلَيْهِ فِي هيئة بذة، وَلَمْ يكن وجهه حسناً، بل كَانَ كثير الجدري. فرأى الجمحي جالساً عَلَى يمين ابن بسطام فِي هيئة حسنة، فسلم أبو عبيد وجلس عن يساره وابن بسطام يكتب فِي رقعة. فلم يزد ابن بسطام أبا عبيد عَلَى قوله، وعليكم السلام، بل استمر في كتابته. فجلس أبو عبيد جلسة خفيفة ثُمَّ نهض. فقال ابن بسطام للجمحي: من هَذَا؟ قال هَذَا قاضي مصر. فقال ابن بسطام والله مَا يدري هَذَا (أَيْشٍ تولى، ولا يَدري من ولاّه أَيْشٍ ولاّه!) . فبلغ ذَلِكَ أبا عبيد فعاد فِي يوم آخر إِلَى مجلس ابن بسطام. فلما دخل وجد ابن بسطام يكتب. فسلم وجلس أيضاً فأخذ أبو عبيد فِي الكلام، فسمع ابن بسطام مَا أدهشه، فأغلق الدواة واستدار إليه، وبادر الغلمان بمخدة فوضعوها خلفه، وصار الجمحي خلف ابن بسطام. واستمر أبو عبيد فِي الخوض فِي كثير من العلوم والفنون، حَتَّى قال لَهُ ابن بسطام: أيد الله القاضي. أقل استحقاق القاضي أن يكون قاضي الدنيا كلها، ولقد ظلمه من وَلَّى معه غيره. فلما عزم القاضي عَلَى القيام، قام ابن بسطام فأخذ بيده ومشي معه حَتَّى ركب. واستمر قائماً حَتَّى غاب القاضي عن عينه. ثُمَّ كَانَ ابن بسطام يصنع بِهِ ذَلِكَ. فلما دخل مصر عاملَه بذلك. وإذا اتفق أن يحضر ابن بسطام مجلس القاضي، يرسل أحد حجابه فيضع يديه عَلَى ركبتي القاضي يمنعه من القيام فإذا رمقه القاضي قال لَهُ: مَا أستطيع مخالفة الأمر. فيدخل ابن بسطام ويجلس بجانب القاضي من غير أن يتمكن من القيام لَهُ، وتبعه عَلَى هذا الفعل تَكِين أمير مصر. حَتَّى كَانَ إِذَا جاء إِلَى مجلس القاضي فلم يجده فِي مجلسه، يجلس دون مرتبته حَتَّى يجيءَ القاضي فيقوم لَهُ.

стр. 269

ذكر شيء من خبر ابن بسطام هَذَا، قال عليّ بن الفتح المطوّق فِي كتاب الوزراء لَهُ: اعتقل القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب أبا العباس أحمد بن محمد بن بسطام فِي داره أياماً، لأشياء كَانَتْ فِي نفسه عَلَيْهِ، وأراد أن يُوقع بِهِ. فلم يزل ابن بسطام يداريه ويتلطف بِهِ إِلَى أن أطلقه وقلده آمد وَمَا يتصل بِهَا من الأعمال، وأخرجه إليها وَفِي نفسه مَا فِيهَا. ثُمَّ ندم، فوجه إِلَيْهِ فِي آخر وزارته بعامل يقال لَهُ علي بن حسن، ووكله بِهِ. فكان يأمر وينهي فِي عمله، وهو موكل بداره. وخائف عَلَى نفسه، لما ظهر من إقدام القاسم عَلَى القتل. قال ابن بسطام: فأخوف ما كنت عَلَى نفسي وحالي، وردَ عليَّ كتاب عنوانه لأبي العباس بن الحسن أن القاسم مات، فلم أملك نفسي فرحاً وسروراً بالسلامة، وإذا فِي الكتاب أني تقلدت الوزارة وأمرني بالخروج إِلَى مصر للإِشراف عَلَى الحسين بن أحمد المَاذَرَائي، فخرجت إِلَى مصر وَلَمْ أزل أتقلد الأمانة بِهَا، إِلَى أن تقلد عَلي بن محمد بن الفرات، فقلَّدني مصر وأعمالها. فلم يزل بِهَا إِلَى أن توفي. وسيأتي لَهُ ذكر فِي قصة منصور الفقيه من هَذِهِ الترجمة. ويقال إن إسماعيل القاضي كَانَ فِي جنازة، فمرَّ عَلَى أبي عبيد وهو فِي دكان إسكاف وَفِي يده دفتر ينظر فِيهِ، فلم يقم القاضي فلاموه بعد ذَلِكَ، فاعتذر بأنه كَانَ شرط عَلَى الخفاف أن لا يخرز الخف إِلاَّ بليف حذراً أن يخرزه بشعر الخنزير. فما وثق بالخفاف حَتَّى جلس عنده، وأمر الخفاف فغسل يديه بحضرته. قال ابن زولاق: وَكَانَ ابن الحداد يفعل ذَلِكَ. قال: وقلت لَهُ لَما رأيت تقشفه وزهادته، لم دخلت فِي القضاء؟ فقال: تقربوا إِلي بإقامة الحق، ورأيت من لا يصلح يطلبه، فدخلت فِيهِ. قال ابن زولاق: وسكن أبو عبيد أول مَا دخل مصر، دارَ إسماعيل بن إسحاق ترنجة عند مسجد ابن عمروس، ثُمَّ انتقل عنها إِلَى دار المدائني. وكان إِذَا سمع الأَذَان، خرج إِلَى الصلاة، فربما وجد الإِمام صلى أَوْ سبقه بشيء من الصلاة، فكان يرسل إِلَيْهِ أن ينتظره. فلما تكرر ذَلِكَ قال لَهُ الإِمام:

стр. 270

الصلاة تُنْتَظر ولا تَنْتَظِر. فبحث القاضي عنه فأثنوا عَلَيْهِ خيراً، فَقَرَّبَهُ وأدناه وصيره من شهوده. وَكَانَ القاضي يكثر الصلاة فِي المسجد المجاور لَهُ، وربما أمَّ هو بنفسه. وقال إبراهيم بن أحمد الأندلسي: كَانَ أبو عبيد فِي دار المدائني وبجواره كاتب يسمى طاهر بن علي، وَكَانَ كثير السخف والمجون والتخليط، فكان إِذَا صُلِّيت العشاء، نَصَب الملاهي واستمر فِي الشرب والقصف إِلَى السَّحَر. فشغل سرّ القاضي ومنعه من اشتغاله بصلاة أَوْ بقراءة أَوْ مطالعة. فراسله وهدده، فأجاب قاصده بقوله وَمَا عِلْم القاضي بذلك. شهد عنده شاهدان بهذا؟ أنا أسمع كل مَا سمعه القاضي. فأظن أن ذَلِكَ عنده، فكنت أحتمل. وأما الآن فأنا أشد إنكاراً لهذا منه. فعاد قاصده إِلَيْهِ بذلك. فقال: اطلبْ لي داراً غير هَذِهِ، فتحول عنها. وقال ابن زولاق: حضر الأمر تكين مرة والقاضي أبو عبيد وصحبتهما محمد بن عَلَى الماذَرَائي فِي مهم عند أبي زنبور. فلما فرغوا صاح أبو زنبور: بغلة القاضي. فجيء بِهَا، فذهب ليركب فلم تصل رجله للركاب فطلب كرسي البواب، فطلع فوقه فركب، وأبو زنبور يسوي عَلَيْهِ ثيابه إِلَى أن توجه، وَلَمْ يصنع أبو زنبور ذَلِكَ بمحمد ابن علي الماذَرَائي ولا بأمير البلد. وَكَانَ محمد بن علي هو أمير البلد فِي الحقيقة. وقال أبو بكر ابن الحداد: دخل القاضي أبو عبيد مصر، فما أعجبني منظره، فبينا نحن عند أبي القاسم بشر بن نصر الفقيه، غلام عوف، إذ دخل منصور بن إسماعيل الفقيه فقال: كنت عند القاضي، فقلت لَهُ: كَيْفَ رأيت؟ قال: يَا أبا بكر، رأيت رجلاً عالماً بالقرآن، والحديث، والاختلاف، ووجوه المناظرة، عالماً باللغة والعربية عاقلاً، ورعا متمكناً. قال: فقلت لَهُ: هَذَا يحيى بن أكثم. قال: قلت الَّذِي عندي فِيهِ. قال ابن الحداد: ثُمَّ دخلت عَلَى أبي عبيد بعد ذَلِكَ وخالطته، فإذا منصور قَدْ قصر فِي صفته. وأفرد أبو سعد ابن السمعاني فِي الذيل فِي ترجمة إبراهيم بن علي، بسنده إِلَى أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، أخبرنا محمد بن جعفر الساحلي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن حدثنا أبو الميمون محمد بن أحمد بن مطرف، حدثنا أبو بكر ابن الحداد قال: كنت فِي مجلس أبي عبيد القاضي بمصر، إذ أقبل خادم حسن الصورة، جميل الهيئة، طيب الرائحة مسرعاً، فوقف عَلَى رأسه، وطرح فِي حجره رقعة ثُمَّ أنشأ يقول: أنكرت حبي وأيُّ شيء ... أبين من ذِلّة المُحِبِّ

стр. 271

أليس شوقي وفيض دمعي ... وضعف جسمي شهود حُبّي فقال أبو عبيد: هؤلاء شهود ثقات. ثُمَّ قرأ الرقعة وقال: اللهم اجمع بينهما عَلَى رضاك، ثُمَّ رمى إليّ الرقعة فإذا فِيهَا: عَفَا الله عن عبد أعان بدعوة ... خليلين كانا دائمين عَلَى الودِّ إِلَى أن وشي واشي الهوى بنميمة ... إِلَى ذَاكَ من هَذَا فحال عن العهد ويقال: كَانَ بمصر أخوان توأمان تَكهَّلاَ، ولا يُفرِّق بينهما من يراهما من قوة الشبه بينهما. فوجب عَلَى أحدهما دَين فحبسه القاضي، وَكَانَ أخوه يجيء إِلَيْهِ زائراً فيجلس فِي الحبس عوضه ويتوجه ذَلِكَ. فاشتهر هَذَا حَتَّى بلغ أبا عبيد فأحضرهما فقال لهما أيكما المحبوس؟ فبادر كل منهما فقال: أنا هو. فأطرق ثُمَّ طلب الغريم، ودفع إِلَيْهِ الدَّين الَّذِي ثبت لَهُ، فراراً من الشّنعة والغلط فِي الحكم. وقيل لأبي عبيد: إن فِي حُبس الوليد بن رفاعة شرطاً، وهو أن يُجعل فِي وجوه البرِّ وَلَمْ يعين شيئاً. فسأل أبو عبيد عن ترجمته، فقيل لَهُ: كَانَ عامل مصر. وَكَانَ يلعن علي بن أبي طالب على المنبر فقال: اجعلوا حُبسه للمنبوذين، فثبت إِلَى الساعة. وأراد أبو عبيد التلميح بالحديث الوارد، إن من يبغض علياً لغير رِشْدَةٍ. وقال الطحاوي: كَانَ أبو عبيد يذاكرني بالمسائل، فأجبته يوماً فِي مسألة، فقال لي مَا هَذَا قول أبي حنيفة. فقلت لَهُ: أَيُّها القاضي أوَ كل مَا قاله أبو حنيفة أقول بِهِ. قال: مَا ظننتك إِلاَّ مقلِّداً. فقلت لَهُ: وهل يقلد إِلاَّ عَصَبِي فقال لي أَوْ غبي. فطارت هَذِهِ الكلمة بمصر حَتَّى صارت مَثَلاَ. وكان أبو عبيد يذهب إِلَى قول أبي ثور، ثُمَّ صار يختار، فجميع أحكامه بمصر باختياره. وحَكَم بما لو حَكَم بِهِ غيره مَا سكتوا عنه. فلم ينكر عَلَيْهِ أحد، لأن أبا عبيد كَانَ لا يُطعن عَلَيْهِ فِي علم، ولا تلحقه تهمة فِي رشوة، ولا يحيف فِي حكم، وَكَانَ يُورِّث ذوي الأرحام. قال ابن زولاق: سمعت أبا الطاهر الذُّهلي يقول: كَانَ أبو عبيد بالعراق مشهوراً بالعلم والسَّتر والتعفف. وَكَانَ يلي قضاء واسط قبل أن يلي القضاء بمصر. وهو آخر قاض ركب إِلَيْهِ الأمراء بمصر. قال ابن الحداد: مَا كَانَ يُؤَمِّر أحداً من ولاة مصر. كَانَ إِذَا أرسلني فِي حاجة إِلَى تكين يقول: كَيْفَ أبو منصور؟ وإذا ذكر هلال بن بدر قال: هلال بن بدر.

стр. 272

وكان ماضي الأحكام والعزيمة، وإذا ركب لا يلتفت ولا يتحدث مع أحد ولا يصلح رداءه. قال ابن الحداد: ولقد ركبتُ معه يوماً فِي طريق الحمراء، فمر بسوق الخشّابين فلما نزل فِي داره قال لي: مَا شارع فِيهِ خشب قيام، فقلت لَهُ: سوق الخشابين. وركب إِلَى تكين وهو بالجيزة عقب وقعة حباسة، فمشى عَلَى الجسر فقيل لَهُ: رأى القاضي النيل؟ فقال: سمعت خرير الماء. وَكَانَ سبب ذَلِكَ أن حباسة لما انهزم. كَانَ قَدْ قُتل فِي الوقعة خلق من المصريين، فأراد تكين أن يحفر خندقاً ويلقيهم فِيهِ لكثرتهم، فركب القاضي إِلَيْهِ وقال: لا تفعل تتلف المواريث. ولكن ناد فِي الناس بالخروج، فمن عرف قتيله أخذه، ففعل مَا قال فتوزعوهم. وبلغ من ورعه أنه لما ركب إِلَى الجيزة أخذه البول، فعدل إِلَى بستان فبال فِيهِ وتوضأ من مائه، ثُمَّ لن تطب نفسه حَتَّى سأل عمَّن يملكه، فعرّف بامرأة، فركب إِلَى منزلها حَتَّى استحلها، وعرض عَلَيْهَا مالاً فِي مقابل ذَلِكَ، فامتنعت وبكت. ورأى غلامه يُدخل إِلَى منزله النار، فسأله ممن يأخذ النار، فقال من الفرّان، فقال: لا تأخذ منه شيئاً إِلاَّ بثمن. ثُمَّ اشترى لَمَّا شاع بَيْنَ الناس أن القاضي يشتري النار. قال ابن زولاق: وَكَانَ يشتري لَهُ اللحم من جزّار يعطيه الثمن سَلماً، ثُمَّ يأخذ منه فِي كل يوم برقعة بخطه. وأقام بمصر نحو عشرين سنة مَا رئِي يأكل ولا يغسل يده ولا يتوضأ. قال ابن الحداد: وسألت عن ذَلِكَ أهل منزله، فقالوا: كَانَ لَهُ كُمّ عَلَيْهِ ستر فيوضع فِيهِ مَا يأكل وما يشرب، فإذا فرغ يأكل، نقر المائدة بإصبعه، فيدخل الغلام فيرفع المائدة ويأتيْه بالطشت، ويخرج فيغسل يده، ثُمَّ ينقر الطشت فيدخل الغلام، فيحمل الطشت، وكذا يصنع فِي الوضوء. وَكَانَتْ توقيعاته تخرج معنونة مختومة. وكتبت بمصر ألفاظَه، وجمعت توقيعاته، فكانت محشوة فقهاً وبلاغة. وقال الطحاوي: كنت أذكر عنده ابن أبي عمران فقال لي: إِلَى كم تقول ابن أبي عمران. قَدْ رأيت هَذَا الرجل بالعراق. إن البغاث بأرضكم يستنسر قال: فصارت هَذِهِ الكلمة بمصر مثلاً.

стр. 273

وقال ابن الحداد: تظلمت امرأة من محمد بن علي الماذَرَائي فِي مطالبته بشفعة، فأرسل إِلَيْهِ أبو عبيد فدافع وَلَمْ يحضر. واتفق أنه حج فِي تِلْكَ السنة فما ودعه أبو عبيد ولا تلقاه. وماتت أمه فما ركب إِلَيْهِ ولا عزاه. فرفعت إِلَيْهِ المرأةُ قصةً فِيهَا أن تردادها قَدْ كثر، وأن أمرها قَدْ طال. فوقع القاضي عَلَى ظهرها، أيتها المرأة المتظلمة من محمد بن علي، إن خصمك رجل مترف عجول، قَدْ غلبت عَلَيْهِ الأهواء وأنا مرسل إِلَيْهِ برجلين فظَّين غليظين، يقيمانه من مجلسه، ويجيئان بِهِ، فإن خرج من الحق الَّذِي عَلَيْهِ، وإلا أغلقت بابي، واستعفيت إِلَى السلطان من عمله والسلام. فبلغ ذَلِكَ محمد بن علي فاغتاظ. فأرسل إسحاق بن إبراهيم الرازي إِلَيْهِ فِي فصل القضية أو الحضور، فأجابه بأن لي باب القاضي وكيلين، فأعاد إِلَيْهِ أن الوكيل لا يحلف عنك. فقال: إِذَا وجبت اليمين يُرسل إليَّ شاهدين فأحلف أَوْ أرد اليمين. فقال: لا سبيل إِلَى إرسال الشاهدين. فقال قَدْ أرسلت إِلَى غيري بشاهدين. فقال: مَا صنعت هَذَا إِلاَّ برجل واحد، وهو زيادة الله بن الأغلب. أمرت بإحضاره مع خصمه، فجاءني أبو منصور تكين فقال: إن هَذَا فِي صورة الخوارج، وإني أخشى أن تغلظ عَلَيْهِ فيمتنع أَوْ يختفي أَوْ يهر أَوْ تلحقه آفة، فنقع فِي العتب مع السلطان ويقال لَنَا مَا كَانَتْ لكما سياسة، فإن تقمصت بقميص زيادة الله، وخيف منك مَا خيف منه، أرسلت إِلَيْكَ بشاهدين. وكان الطحاوي هو الَّذِي يلقن محمد بن علي الأجوبة، فالتمس منه جواباً عن هَذَا الأخير. وَكَانَ الطحاوي بلغه أن أبا عبيد أرسل إِلَى محمد بن علي يقول لَهُ: تَعِس من لقَّنك. فامتنع الطحاوي بعد ذَلِكَ من الكلام، فقال محمد بن علي قل لَهُ: مَا أحضر فليصنع مَا شاء. فأمر القاضي المرأة أن تأخذ بلجام محمد بن علي، ففعلت بِهِ ذَلِكَ فتوسط أحمد بن محمد الماذَرائي بَيْنَ المرأة وبين محمد بن علي، حَتَّى اشترى حصتها بألف دينار. وَكَانَ قد اشترى قدرها بثلاثمائة وأنقدها الثمن. وأشهد عَلَيْهَا حسين بن محمد بن مأمون، ومحمد بن الربيع الجيزي. فشهدا عند القاضي بذلك بحضرة المرأة، ومعها المال. فلما علم القاضي بذلك ركب فِي الحال إلى محمد بن علي فهنأه بالحج وعزاه بأمّه. قال ابن زولاق: وحدثني أبو علي بن أبي جبلة كاتب تكين قال: ارتد نصراني فاستتيب فلم يرجع. فشاور تكين القاضي فِي قتله، فركب القاضي إِلَى تكين هو

стр. 274

وجماعته فعرضوا عَلَيْهِ التوبة، فلم يرجع. فعاودوه فأصر. فأشار القاضي بقتله فقتل. فقال تكين للقاضي: اكتبْ إِلَى السلطان بهذه القصة. فقال: أفعلُ. قال: وأمرني أن أكتب محضراً بذلك فكتبت: حضر مجلس الأمير أبي منصور تكين من يشهد فِيهِ، فلمح القاضي الكتابة فصاح: قطع الله يدك. اكتب، حضر تكينُ مولى أمير المؤمنين مجلسَ القاضي عليّ بن الحسين. فقال تكين صدق القاضي، المجلس لَهُ حَيْثُ حلَّ. اكتب بما قال: وصرف عن القضاء فِي ذي الحجة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وَكَانَتْ ولايته ثماني عشرة سنة وخمسة شهور وقيل ستة شهور وقرر بعده فِي القضاء أبو الذكر محمد بن يحيى الأسواني خلافة لأبي يحيى عبد الله بن مكرم. وَكَانَتْ وفاته ببغداد فِي سنة تسع عشرة وثلاثمائة رحمه الله تعالى. علي بن خليل بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحُكْرِيّ الحنبليّ، نور الدين أبو الحسن. ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة واشتغل بالفقه وعدة فنون، وتكلم عَلَى الناس بالجامع الأزهر، وكان لَهُ قبول وزَبُون. فلما مات القاضي ناصر الدين نصر الله الحنبلي سعى فِي المنصب فلم يتم لَهُ. ثُمَّ سهى ثانياً بعد موت برهان الدين ابن ناصر الدين، فلم يتم لَهُ. واستقر موفق الدين أحمد بعد أخيه برهان الدين فِي سابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة، فسعى عَلَيْهِ الحكري، حَتَّى صرف فِي ثاني جمادى الآخرة من السنة. واستقر الحكري فباشر سنة أخرى وبعض أشهر، وصرف فِي سابع عشرين ذي الحجة، وأعيد موفق الدين، فعاد الحكري إِلَى حالته الأولى. وحصل لَهُ إملاق وركبته ديون. وَكَانَ أكثر أيامه إما فِي الترسيم، وإما فِي الاعتقال. وقاسى أنواعاً من الشدة، وأرفده من كَانَ يعرفه من الرؤساء، فما استدت خلته وصار يستمنح بعض الناس ليحصل لَهُ مَا يسد بِهِ بعض ذَلِكَ، إِلَى أن مات عَلَى ذلك فِي ثامن المحرم سنة ست وثمانمائة. وهو والد صاحبنا بدر الدين الَّذِي ناب فِي الحكم عن المنابلة وعَنِّي. ومات فِي سنة سبع وثلاثين وَلَهُ نحو الخمسين. علي بن سعيد الجَلْجُولي، ذكر ابن زولاق فِي ترجمة علي بن

стр. 275

النعمان، أن الوزير يعقوب بن كِلَّس فوض إِلَيْهِ فِي سنة تسع وستين وثلاثمائة، الشرطة السفلى فنظر فِيهَا وَفِي الأحكام. وتظلم رجل إِلَى الوزير بأن عليّ بن سعيد نظر فِي أمره وحكم لَهُ، وأن القاضي علي بن النعمان أنكر ذَلِكَ، واعترض فِيهِ. فوقَّع الوزير: من حكم بحكم من سائر المستخلفين، فليس للقاضي ولا لغيره الاعتراض كما أنه لَيْسَ لأحد منهم الاعتراض عَلَى القاضي فيما حكم فِيهِ. علي بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، الإِسماعيلي، من المائة الخامسة. ولي القضاء فِي تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وأربعمائة، وصرف فِي خامس جمادى الأولى منها. علي بن عبد النصير بن علي السخاوي، نور الدين المالكي، من المائة الثامنة. كَانَ فقيهاً عارفاً بمذهبه، حَتَّى كَانَ أهل عصره يعترفون لَهُ بالتقدم فِي ذَلِكَ، ويصفونه بأنه أحفظ أهل زمانه لمذهب مالك مع الدين المتين؛ والعقل الرصين، والأمانة والصيانة. وقدم إِلَى دمشق فناب فِي الحكم عن جمال الدين ابن المسَلاَّتي. قال الصفدي: كَانَ قَيِّماً بمذهب مالك، عارفاً بما فِيهِ من الدقائق والمسالك. حج مرات، وحاجَّ من ناظره كَرّات. وَكَانَ متقشفاً متقللاً من الدنيا، كثير التواضع والتودد لأصحابه، والتفقد لهم، وتصدر بالجامع، ثُمَّ قدم الديار المصرية فتعرف بالأمير شيخون، فراج عَلَيْهِ بكثرة علومه، وحسن محادثته، وطيب محاضرته، فَقرَّبه وعظمه، وولاه القضاء فباشره مباشرة حسنة نيفاً وسبعين يوماً، كَانَ فِي أكثرها ضعيفاً، وأدركه الأجل، فمات فِي جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبعمائة. علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان المَارِدِيني، علاء الدين المعروف بابن التُّركماني الحنفي، من المائة الثامنة.

стр. 276

ولد سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وولي الحكم بعد أن أسَنَّ فِي شوال سنة ثمان وأربعين فِي سلطنة المظفر حاجي ابن الناصر. أرسل إِلَيْهِ فألبس الخلعة من غير أن يتقدم لذلك إشاعة. فدخل الصالحية عَلَى الزين البسطامي، فلما عرف الزين بأنه قرر موضعه، خرج من مكانه. وباشر أحسن مباشرة. وكان كثير الإفضال، مع مشاركة فِي علم الحديث. واختصر كتاب ابن الصلاح اختصاراً حسناً. سمعت شيخنا العراقي يقول: إنه أوفى بمقصوده. قال: ولا نعلم أحداً ساواه فِي ذَلِكَ. وله شرح عَلَى الهداية، والكفاية مختصر الهداية، وبهجة الأديب فِي معرفة الغريب الواقع فِي القرآن. واختصر المحصل فِي الأصول، والدر النقي فِي الرد عَلَى البيهقي، ومقدمة فِي أصول الفقه، وعدة مقدمات. وكانت وفاته بالطاعون العام بعد ارتفاعه فِي عاشر المحرم سنة خمسين وسبعمائة. علي بن علي بن محمد بن محمد بن أبي العزيز صالح بن أبي الأعز الأذرعي الحنفي، صدر الدين ابن العز. طلبه الأشرف شعبان نقلاً من قضاء دمشق، فقدم القاهرة فِي رجب سنة سبع وسبعين، فاستقر في القضاء بالديار المصرية، ثُمَّ استعفى ورجع إِلَى دمشق، وَكَانَ من الفضلاء الأذكياء. ولد فِي ثاني عشر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وجرت لَهُ محنة كَانَ سببها أن عليّ بن أيبك الشاعر نظم قصيدة نبوية عارض بِهَا ... علي بن قاسم بن محمد بن قاسم علي بن محمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي المحدث المشهور. كَانَ ينوب

стр. 277

فِي الحكم عن محمد بن النعمان القيرواني، قاضي مصر فِي أيام العزيز، لما مرض القاضي وعجز عن الركوب. فلما كبر سنه وعجز عن الحركة، استخلف الحسين بن محمد بن ظاهر بن نقيب الأشراف كما تقدم فِي ترجمته. علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري، يقال إن عبد الملك كنيته أبو الشوارب، وَلَيْسَ أبو الشوارب أباه. ولي القضاء بعد أخيه الحسن فِي إحدى وستين فِي خلافة المهتدي. قال ابن الجوزي فِي المنتظم: جمع لإِسماعيل بن إسحاق القضاء عَلَى الجانب الغربي والجانب الشرقي، ثُمَّ جمعت لَهُ بغاد بأسرها، وَكَانَ هو المقدم عَلَى جميع القضاة ومع ذَلِكَ لَمْ يقلّد قضاء القضاة حَتَّى توفي علي بن أبي الشوارب قاضي القضاة. وَكَانَ من الخيار. سمع الحديث من أبي الوليد الطيالسي، وأبي عمر الحوضي، وغيرهما. روى عنه أبو محمد بن صاعد، وأبو بكر النّجاد، وأبو الحسين بن قانع وآخرون. قال الخطيب: حدثنا علي بن المحسّن، حدثنا طلحة بن محمد قال: لما مات إسماعيل بن إسحاق، أقامت بغداد بغير قاض ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً، ثُمَّ وليه علي بن محمد بن أبي الشوارب. مضافاً إِلَى مَا بيده من قضاء القضاة بِسَامَرَّاء. وقيل: تولى القضاء مكان أخيه الحسن، تقلد قضاء القضاة، ومكث يدعى بذلك حَتَّى مات. وهو رجل صالح ثقة أمين، عَلَى طريقة السلف، حمل الناس عنه حديثاً كثيراً. ومات فِي شوال سنة ثلاث وثمانين ومائتين.

стр. 278

علي بن مخلوف بن ناهض النُّويري، زين الدين ابن رضي الدين أبي القاسم ابن تاج الدين أبي المعالي، المالكي من المائة الثامنة. ولد سنة أربع وثلاثين وستمائة بالنويرة من أعمال البهنسا. ورأيت بخط البشبيشي أن صاحب حماة ذكر أن مولده سنة عشرين. قلت: وهو غلط. وسمع الحديث من ابن أبي الفضل المرسي، ومن الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيرهما. واشتغل قليلاً، واتصل بالملك المنصور قلاوون، وصيَّره وصياً عَلَى ولده محمد. وذكر المؤيد صاحب حماة، أن المنصور عرض عَلَيْهِ الوزارة، فامتنع منها. وولي القضاء فِي ذي الحجة سنة خمس وثمانين. وَكَانَ قبل ذَلِكَ أمين الحكم. ثُمَّ ولي نظر الخزانة، واستقر بعد موت تقي الدين بن شأس، فباشره نحواً من ثلاثين سنة، ولكنه عزل فِي طول هَذِهِ المدة مراراً. وكان يقول للناصر، أنا وصي عَلَيْكَ فيقول: بل عَلَى إخوتي، فيقول: وعليك فيغضب، ويعزله، ثُمَّ يسرع بإعادته، ولا يرجع هو عن دعواه. وكان كثير الإفضال، حسن المودة، كثير المروءة، عزيز الفتوة، وافر الاحتمال، عظيم البر لأهل العلم والاشتغال، عارفاً بالأحكام من جهة الدُّرْبة والتجربة. قال الصفدي: كَانَ لمصر بِهِ فاختار، وللمنصب بِهِ اشتهار، وَكَانَ لا يعاب إِلاَّ بشراسة خلق، وقصور فِي العلم. ونسبة الصدر ابن الوكيل إِلَى المجازفة فِي القول فِي قصيدة قال فِيهَا: إِلَى مالك يعزونه ونويرة ... فلا عجب أن كَانَ يدعى متمما وَكَانَ ممن عزله الناصر لما عاد من الكرك هو والبدر ابن جماعة. ثُمَّ أعادهما بعد سنة. ثُمَّ أراد الناصر إثبات مكتوب فتوقف فِيهِ ابن مخلوف فعزله فِي سنة إحدى عشرة. ثُمَّ أعاده بعد أيام قلائل.

стр. 279

وكان لما عزله، أمر القاضي الشافعي وهو ابن جماعة، أن يستنيب قاضياً مالكياً، فاستناب واحداً عنه إِلَى أن عاد ابن مخلوف، وهو الَّذِي قام فِي قضية فتح الدين ابن الثقفي حَتَّى أثبت زندقته، وضُربت عنقه بَيْنَ القصرين وهو يصيح (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ) . وَكَانَ الفتح يكثر الوقيعة فِي ابن مخلوف، فاتفق أن أشيع عنه أمر يقتضي الانحلال، فأمر ابن مخلوف أن يكتب عَلَيْهِ مَا يضبط. فكتبوا محضراً وسألوا ابن دقيق العيد أن يثبته. فقال: لا أثبت عَلَى رجل يشهد أن لا إله إِلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله، كفراً، ورماه من يده. فتعصب جماعة من الدولة للفتح، فأصر ابن مخلوف، فكتبوا محضراً شهد فِيهِ جماعة بأنه مجنون، فتوقف عَلَيْهِ ابن دقيق العيد أيضاً وقال: مَا نعرفه إِلاَّ رجلاً عاقلاً. وأشاع ابن مخلوف أنه رأى مناماً يقتضي قتله، فاتهمه الناس فِي ذَلِكَ. فلم يول إِلَى أن استأذن السلطان فِي أمره، فأذن فِي عقد مجلس فعقد بالصالحية وضربت عنقه فِي سنة إحدى عشرة. علي بن النُّعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حَيُّون المغربي، القيرواني، الإِسماعيلي، من المائة الرابعة. ولد فِي رجب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وقدم مع المعز من المغرب، فأمره بالنظر فِي الحكم، فكان يحكم هو وأبو الطاهر، والشهود يشهدون عليهما جميعاً وعندهما، والاجتماع عند أبي الطاهر. فلما مات المعز، رد أمر الجَامِعَيْن ودار الضرب لعليّ بن النعمان. فحضر إِلَى الجامع العتيق وحكم. ثُمَّ واظب أبو الطاهر عَلَى الحكم فِي الجامع، وعدل جماعة. ثُمَّ عرض لَهُ الفالج، ففوض المعز الحكم إِلَى علي بن النعمان، وذلك لليلتين خلتا من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، فركب إِلَى الجامع الأزهر فِي جمع كثير، وعليه خلعة مُقلَّداً سيفاً، وبيد يديه خلع فِي مناديل عدتا سبعة عشر، وقرئ سجله بالجامع وهو قائم عَلَى قدميه. فكلما مر ذكر المعز أَوْ أحد من أهله أومأ بالسجود. ثُمَّ توجه إِلَى الجامع

стр. 280

العتيق بمصر فوجد الخطيب عبد السميع ينتظره بالجامع، وَقَدْ كاد الوقت أن يخرج، فصلى الجمعة وقرأ أخوه محمد عهده، وفيه أنه ولي القضاء عَلَى مصر وأعمالها، والخطابة والإِمامة والقيام فِي الذهب والفضة، والموازين والمكاييل. ثُمَّ انصرف إِلَى داره فركب إِلَيْهِ جماعة الشهود والأمناء، والتجار ووجوه البلد، وَلَمْ يتأخر عنه أحد. وكان فِي سجله: إِذَا دعي أحد الخصمين إِلَيْكَ ودعي الآخر إِلَى غيرك، رُدا جميعاً إِلَيْكَ، فعرف أن ذَلِكَ إشارة إِلَى منع أبي الطاهر. فامتنع من يومئذ حين بلغه. فلما كَانَ اليوم الثالث من ولايته، ركب علي بن النعمان إِلَى الجامع العتيق، وبين يديه سلة حمراء، وجلس فِي مجلس الصيف عند حلقة الزوال. وركب معه الشهود والأمناء، والفقهاء والتجار، فكان الجمع وافراً جداً. فنظر بَيْنَ الناس، ودعا بالوكلاء، وقرأ عليهم سورة (والعصر) وحضهم عَلَى تقوى الله. ثُمَّ طلب الشهود، وسأل عن القاضي أبي طاهر، فقال لَهُ الحسين بن كهمش - وَكَانَ وجه الشهود حينئذ - هو عَلَى حاله. فقال: ينظر فِي الحكم فِي داره دون الجلوس فِي الجامع؟ فبلغ ذَلِكَ أبا طاهر فصرف الوكلاء وانقطع عن الحكم. وعني بعض أهل البلد بأبي الطاهر فتنجز لَهُ توقيعاً، بأن ينظر فِي الحكم عَلَى حاله. وجمع الشهود وقرأ عليهم، بلغ ذَلِكَ أبا الطاهر فامتنع وقال: مَا أفعل، وَمَا بي طاقة. فقال لَهُ الحسين بن كهمش: جازى الله القاضي، وسكت علي بن النعمان عن طلب ديوان الحكم، فلم يسأل عنه ولا طلبه ... حسن عشرة وجميل فعل. ولما امتنع أبو الطاهر، انبسطت يد عليّ بن النعمان فِي الأحكام، واستخلف عليّ أخاه محمداً، والحسن بن خليل الفقيه الشافعي، وشُرط عَلَيْهِ أن يحكم بمذهب الإسماعيلية لا بمذهب الشافعي. وَكَانَ يحكم إِذَا اشتغل محمد. واستخلف عليّ أخاه محمداً عَلَى تنيس ودمياط والفرما وغيرها. فخرج إِلَيْهَا وقرر فِيهَا نواباً ثُمَّ عاد واتخذ علي فِي داره سجفاً.

стр. 281

ولما سافر العزيز سنة ثمان وستين لحرب القرامطة، سافر صحبته، واستخلف أخاه محمداً. وأشاع جماعة أن العزيز عزل عليّ بن النعمان، وكاتَب محمداً أخاه بذلك. فتنجز توقيع العزيز إِلَى مُتَولي الشرطة، وهو حسن بن القاسم، بالكشف عن ذَلِكَ، وتقدم إِلَيْهِ بعدم الخوض فِي ذَلِكَ، وتقوية يد محمد بن النعمان. وَكَانَت الشهود تجلس فِي الجامع عَلَى رسم القضاة قبله، فِي الشتاء فِي المقصورة، وَفِي الصيف عند الشباك. ثُمَّ وقع الإنفاذ أن يجلس معه فِي مجلسه أربعة عن يمينه وعن يساره، يشاهدون مَا يقع من أحكامه، وَكَانَ الَّذِي يكتب عنه التواقيع يأخذ عَلَيْهَا رسماً. فأنكر ذلك عَلَى بن النعمان بعد سنة من ولايته ومنَعه. وارتد فِي أيامه رجل، فاستأذن العزيز وضرب عنقه. واختص ابن النعمان بالعزيز كاختصاص أبيه المعز، وَكَانَ يجالسه ويؤاكله، ويركب معه ويسايره وَكَانَ الوزير يعقوب بن كلس يعارضه، وهو يتغافل عنه. وزاد بِهِ الأمر إِلَى أن كَانَ لا ينفذ حكماً، ولا يعدِّل شاهداً، ولا يقلِّد نائباً إِلاَّ بعد مطالعة الوزير بذلك، وأبطل القاضي الجلوس لمبالغة الوزير فِي إضعاف يده، إِلَى أن قبض عَلَى الوزير فعاد علي بن النعمان إِلَى حالته. علي بن يوسف بن رافع الكحال النابلسي. ولي فِي خلافة المستنصر بعد أبي الفضل ابن عتيق ولقب المؤيد بنصر الإِمام. علي بن يوسف بن عبد الله بن بُنْدار، أبو الحسن بن أبي المحاسن الدمشقي، لقبه زين الدين، شافعي من المائة السابعة. ولد فِي سابع عشرين شهر رجب سنة خمسين وخمسمائة ببغداد. وسمع

стр. 282

بِهَا من أبي زُرعة طاهر بن أبي الفضل بن طاهر مسند الشافعي وتفقه عَلَى أبيه. وَكَانَ قَدْ درس بالنظامية. وهو ممن أخذ عن أسعد الميهني، ثُمَّ قدم الشام ثُمَّ مصر. ثُمَّ ولي القضاء بِهَا نيابة عن الصدر ابن درباس وخالط الجند وخدمهم فِي أشغالهم، فخف عليهم وتعصبوا لَهُ، حَتَّى ألزم الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين القاضي صدر الدين باستخلافه عنه، فاستخلفه. ثُمَّ أشهد سراً عَلَى نفسه أه ولاّه كرهاً. وأنه لا يرضى بِهِ نائباً وأكثر زين الدين من السعي بالأمراء عند القاضي فِي تقوية يده، وانقطع هو عن الوصول للقاضي، واستبد بكثير من الأمور. فاتفق أن حضر القاضي لعقد نكاح امرأة مملوكة عند سيدها، وحضر زين الدين ابن يوسف المذكور، فأرسل إِلَيْهَا من يشهد عَلَيْهَا بأنها أذنت لَهُ فِي تزويجها، بعد الإِشهاد عَلَى سيدها بعتقها. ففعل الشهود ذَلِكَ. فلما أدوا شهادتهم بذلك، قال ابن يوسف: قَدْ أذنت لي بعقد نكاحها قبل هَذَا الإِذن، فأجابوه بأن العقد لا يصح قبل صحة العتق. وكثر النزاع فأخرق القاضي بمن شهد لابن يوسف بالإِذن وانفضوا. فتعصب الأتراك لابن يوسف، فبعث السلطان بالشيزري موسى الشافعي إِلَى القاضي بسببه. فأعاد الجواب بأن قال: إنه ارتشى وإنه راسل فلانة يُراودها، فغضب السلطان من جوابه وأمر بعزل القاضي. وأمر ابن يوسف أن ينفذ الحكم بمصر نائب ابن درباس. فقام جماعة من الأعيان فشفعوا فِي القاضي وأثنوا عَلَيْهِ. فقال لهم السلطان: إنه رمى نائبه بالفسق، فإن أثبت ذَلِكَ فهو مستمر، وإلا فقد فسق بقذف نائبه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة. فاستمر إِلَى أن صرف لخمس من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين بأبي حامد ابن أبي عصرون، ثُمَّ أعيد ابن يوسف فِي ثالث المحرم سنة أربع وتسعين، فصرف بابن درباس ثُمَّ أعيد ابن يوسف، إِلَى أن صرف فِي تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة فلم يزل مصروفاً إِلَى أن مات فِي الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، واستقر الصدر ابن درباس بعد صرف ابن يوسف إِلَى أن مات وهو قاض. قال ابن النجار فِي ذيل تاريخ بغداد: ولد زين الدين هَذَا ببغداد، وخرج منها

стр. 283

إِلَى الشام وهو شاب فاستوطنها إِلَى أن عرف بالدمشقي. ثُمَّ توجه إِلَى مصر فأقام بِهَا وولي القضاء بِهَا مرتين، ثُمَّ عزل. وكان شيخاً حسن الأخلاق محباً للعلم وأهله، متواضعاً لطلابه. كريم الأخلاق كيساً متواضعاً. وكانت بضاعته فِي العلم مُزْجَاة. لقيته بمصر وقرأت عَلَيْهِ مسند الشافعي بمصر، وذكر لي أن خروجه من بغداد سنة سبع وسبعين. عِمْران بن عبد الرحمن بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة (*) ، وَحَسَنَةُ هي أم شُرَحْبِيل، وأبوه عبد الله بن المطاع ولشُرَحْبِيل صحبة. وهو كندي حالف بني زهرة، وَكَانَ يقال لعمران: الحَسَنِيّ، نسبة إِلَى حَسَنَة جدّته العليا، ويكنى أبا شُرَحْبِيل. قال أبو عمر الكندي: ولي عمران بن عبد الرحمن من قِبَل عبد الله بن عبد الملك بن مَرْوان، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط. قال: وَكَانَ من أهل العلم والفضل. وَكَانَ ذَلِكَ فِي سنة ست وثمانين، ثُمَّ ولي بحر مصر بعد ذَلِكَ بمدة سنة ثلاث ومائة وتوفي بعد ذَلِكَ وهو من التابعين. سمع من أبي خراش المُدلّى الصحابي وهو من بتي مُدِلّ بن زيد بطن من رُعين. روى عنه عَيَّاش بن عَبّاس القِتْبَانيّ وموسى بن أيوب الغافقي. وفي ولايته أتى بمولى لعبد الله بن عبد الملك من خواصه وهو سكران فجلده الحد، فقيل لعمران: إنه من خواص الأمير، فقال: لو كَانَ ابنه لحددته وَكَانَ الأمير يومئذ بالإسكندرية فبلغه ذَلِكَ فكتب بعزله ثُمَّ سجنه وضيق عَلَيْهِ. واتفق أن الغلاء وقع بمصر فتشاءموا بإمرة عبد الله بن عبد الملك وَكَانَتْ أول سنة حصلت لمصر فهجاه ابن أبي بدر الحسني بأبيات منها: إِذَا سار عبد الله عن مصر خارجاً ... فلا روجعت تِلْكَ البغال الخوارجُ أتى مصر والكيال وافٍ مغربل ... فما سار حَتَّى صار والمد فالج

стр. 284

فأهدر دمه فهرب فبلغ الأمير أن عمران القاضي أواه فازداد عَلَيْهِ حنقاً وقال عمران فِي الأمير المذكور: أنا ابنُ أبي بَدْرِ بِهِجْرَةِ يَثْرِبٍ ... وهِجْرَة أرضٍ للنَّجَاشِي أَفْخَرُ أَمِثْلِي عَلَى سِنِّيِ وَفَضْلَ أُبُوَّتِي ... نسيت وهذا نَجْلُ مَرْوَانَ يُذْكَرُ ولما صرف عمران استقر بعده عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وهو يومئذ غلام حدث فقال عمران: لَحَى اللهُ قَوْماً أَمَّرُوكَ أَلَمْ يَرَوْابِأَعْطَافِكَ التَّخْنِيثَ كَيْفَ يَرِيبُ؟ أَتَصْرِفُني جَهْلاً عن الحُكْمِ ظَالِماً ... وَوَلَّيْتَه عَجْزاً فَتاةً تخيبُ؟ قال أبو عمر فأمر عبد الله بن عبد الملك بقميص عمل من قراطيس ويكتب فِيهِ عيوب عمران فاتفق عزل الأمير قبل أن يُوقَف القاضي.

стр. 285

لَنْ تَجِدَ الفَهْمِيّ إِلاَّ مُحَافِظاً ... عَلَى الخُلُق الأَعْلَى وَبِالْحَقِّ عَالِما انطلق كما تؤمر فقال السلام عَلَيْكَ أَيُّها الأمير ورحمة الله فبلغ عبد الله بن عبد الملك الخبر وَقَدْ أهديت لَهُ جارية فقال بيعوها، وبكى ولبس خفيه قبل سراويله وقال مات عبد الملك. وكان عزل عمران فِي صفر سنة تسع وثمانين وَكَانَتْ مدة ولايته سنتين وخمسة أشهر. عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر بن أبي جرادة الصاحب كمال الدين أبو القاسم ابن العَديم قاضي القضاة بحلب ثُمَّ بالديار المصرية. ولد سنة إحدى وستين وسبعمائة واشتغل وتمهر وناب عن أبيه فِي الحكم وولي بعده وتنازع مع القاضي محب الدين ابن الشّحْنَة إِلَى أن استقرت قدمه. وكان عارفاً بطرق السعي فلما كَانَتْ واقعة اللّنك أصيب مع أصيب ثُمَّ خلص وقدم الديار المصرية فِي خلال سنة أربع، فلم يزل حَتَّى استقر فِي قضاء الحنفية، وصرف القاضي أمين الدين ابن الطرابلسي، واستمر حَتَّى مات فِي ليلة السبت ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وهو عَلَى القضاء. وكان شهماً فصيحاً مقداماً، وَكَانَ يعاب بأشياء ويحمد بأشياء كثيرة من التعصب لمن يقصده والقيام مع من يلوذ بِهِ. قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: كَانَ من شَرّ القضاة جرأة وجمعاً وحِدة وبادرة ووثوباً على الدنيا وتهافتاً عَلَى جمع المال من غير حِله وتظاهراً بالربا، وأفرط فِي استبدال الأوقاف، وكان يفرط فِي التواضع حَتَّى كَانَ يمشي عَلَى قدميه من منزله إِلَى من يقصده من الأكابر. قال: وَفِي الجملة كَانَ من رجال الدنيا.
следующие страницы →