ولما سافر العزيز سنة ثمان وستين لحرب القرامطة، سافر صحبته، واستخلف أخاه محمداً. وأشاع جماعة أن العزيز عزل عليّ بن النعمان، وكاتَب محمداً أخاه بذلك. فتنجز توقيع العزيز إِلَى مُتَولي الشرطة، وهو حسن بن القاسم، بالكشف عن ذَلِكَ، وتقدم إِلَيْهِ بعدم الخوض فِي ذَلِكَ، وتقوية يد محمد بن النعمان. وَكَانَت الشهود تجلس فِي الجامع عَلَى رسم القضاة قبله، فِي الشتاء فِي المقصورة، وَفِي الصيف عند الشباك. ثُمَّ وقع الإنفاذ أن يجلس معه فِي مجلسه أربعة عن يمينه وعن يساره، يشاهدون مَا يقع من أحكامه، وَكَانَ الَّذِي يكتب عنه التواقيع يأخذ عَلَيْهَا رسماً. فأنكر ذلك عَلَى بن النعمان بعد سنة من ولايته ومنَعه.
وارتد فِي أيامه رجل، فاستأذن العزيز وضرب عنقه.
واختص ابن النعمان بالعزيز كاختصاص أبيه المعز، وَكَانَ يجالسه ويؤاكله، ويركب معه ويسايره وَكَانَ الوزير يعقوب بن كلس يعارضه، وهو يتغافل عنه. وزاد بِهِ الأمر إِلَى أن كَانَ لا ينفذ حكماً، ولا يعدِّل شاهداً، ولا يقلِّد نائباً إِلاَّ بعد مطالعة الوزير بذلك، وأبطل القاضي الجلوس لمبالغة الوزير فِي إضعاف يده، إِلَى أن قبض عَلَى الوزير فعاد علي بن النعمان إِلَى حالته.
علي بن يوسف بن رافع الكحال النابلسي. ولي فِي خلافة المستنصر بعد أبي الفضل ابن عتيق ولقب المؤيد بنصر الإِمام.
علي بن يوسف بن عبد الله بن بُنْدار، أبو الحسن بن أبي المحاسن الدمشقي، لقبه زين الدين، شافعي من المائة السابعة.
ولد فِي سابع عشرين شهر رجب سنة خمسين وخمسمائة ببغداد. وسمع
стр. 282
بِهَا من أبي زُرعة طاهر بن أبي الفضل بن طاهر مسند الشافعي وتفقه عَلَى أبيه. وَكَانَ قَدْ درس بالنظامية. وهو ممن أخذ عن أسعد الميهني، ثُمَّ قدم الشام ثُمَّ مصر. ثُمَّ ولي القضاء بِهَا نيابة عن الصدر ابن درباس وخالط الجند وخدمهم فِي أشغالهم، فخف عليهم وتعصبوا لَهُ، حَتَّى ألزم الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين القاضي صدر الدين باستخلافه عنه، فاستخلفه. ثُمَّ أشهد سراً عَلَى نفسه أه ولاّه كرهاً. وأنه لا يرضى بِهِ نائباً وأكثر زين الدين من السعي بالأمراء عند القاضي فِي تقوية يده، وانقطع هو عن الوصول للقاضي، واستبد بكثير من الأمور.
فاتفق أن حضر القاضي لعقد نكاح امرأة مملوكة عند سيدها، وحضر زين الدين ابن يوسف المذكور، فأرسل إِلَيْهَا من يشهد عَلَيْهَا بأنها أذنت لَهُ فِي تزويجها، بعد الإِشهاد عَلَى سيدها بعتقها. ففعل الشهود ذَلِكَ. فلما أدوا شهادتهم بذلك، قال ابن يوسف: قَدْ أذنت لي بعقد نكاحها قبل هَذَا الإِذن، فأجابوه بأن العقد لا يصح قبل صحة العتق. وكثر النزاع فأخرق القاضي بمن شهد لابن يوسف بالإِذن وانفضوا. فتعصب الأتراك لابن يوسف، فبعث السلطان بالشيزري موسى الشافعي إِلَى القاضي بسببه. فأعاد الجواب بأن قال: إنه ارتشى وإنه راسل فلانة يُراودها، فغضب السلطان من
جوابه وأمر بعزل القاضي. وأمر ابن يوسف أن ينفذ الحكم بمصر نائب ابن درباس. فقام جماعة من الأعيان فشفعوا فِي القاضي وأثنوا عَلَيْهِ. فقال لهم السلطان: إنه رمى نائبه بالفسق، فإن أثبت ذَلِكَ فهو مستمر، وإلا فقد فسق بقذف نائبه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة.
فاستمر إِلَى أن صرف لخمس من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين بأبي حامد ابن أبي عصرون، ثُمَّ أعيد ابن يوسف فِي ثالث المحرم سنة أربع وتسعين، فصرف بابن درباس ثُمَّ أعيد ابن يوسف، إِلَى أن صرف فِي تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة فلم يزل مصروفاً إِلَى أن مات فِي الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، واستقر الصدر ابن درباس بعد صرف ابن يوسف إِلَى أن مات وهو قاض.
قال ابن النجار فِي ذيل تاريخ بغداد: ولد زين الدين هَذَا ببغداد، وخرج منها
стр. 283
إِلَى الشام وهو شاب فاستوطنها إِلَى أن عرف بالدمشقي. ثُمَّ توجه إِلَى مصر فأقام بِهَا وولي القضاء بِهَا مرتين، ثُمَّ عزل.
وكان شيخاً حسن الأخلاق محباً للعلم وأهله، متواضعاً لطلابه. كريم الأخلاق كيساً متواضعاً. وكانت بضاعته فِي العلم مُزْجَاة. لقيته بمصر وقرأت عَلَيْهِ مسند الشافعي بمصر، وذكر لي أن خروجه من بغداد سنة سبع وسبعين.
عِمْران بن عبد الرحمن بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة (*) ، وَحَسَنَةُ هي أم شُرَحْبِيل، وأبوه عبد الله بن المطاع ولشُرَحْبِيل صحبة. وهو كندي حالف بني زهرة، وَكَانَ يقال لعمران: الحَسَنِيّ، نسبة إِلَى حَسَنَة جدّته العليا، ويكنى أبا شُرَحْبِيل.
قال أبو عمر الكندي: ولي عمران بن عبد الرحمن من قِبَل عبد الله بن عبد الملك بن مَرْوان، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط. قال: وَكَانَ من أهل العلم والفضل. وَكَانَ ذَلِكَ فِي سنة ست وثمانين، ثُمَّ ولي بحر مصر بعد ذَلِكَ بمدة سنة ثلاث ومائة وتوفي بعد ذَلِكَ وهو من التابعين.
سمع من أبي خراش المُدلّى الصحابي وهو من بتي مُدِلّ بن زيد بطن من رُعين. روى عنه عَيَّاش بن عَبّاس القِتْبَانيّ وموسى بن أيوب الغافقي.
وفي ولايته أتى بمولى لعبد الله بن عبد الملك من خواصه وهو سكران فجلده الحد، فقيل لعمران: إنه من خواص الأمير، فقال: لو كَانَ ابنه لحددته وَكَانَ الأمير يومئذ بالإسكندرية فبلغه ذَلِكَ فكتب بعزله ثُمَّ سجنه وضيق عَلَيْهِ.
واتفق أن الغلاء وقع بمصر فتشاءموا بإمرة عبد الله بن عبد الملك وَكَانَتْ أول سنة حصلت لمصر فهجاه ابن أبي بدر الحسني بأبيات منها:
إِذَا سار عبد الله عن مصر خارجاً ... فلا روجعت تِلْكَ البغال الخوارجُ
أتى مصر والكيال وافٍ مغربل ... فما سار حَتَّى صار والمد فالج
стр. 284
فأهدر دمه فهرب فبلغ الأمير أن عمران القاضي أواه فازداد عَلَيْهِ حنقاً وقال عمران فِي الأمير المذكور:
أنا ابنُ أبي بَدْرِ بِهِجْرَةِ يَثْرِبٍ ... وهِجْرَة أرضٍ للنَّجَاشِي أَفْخَرُ
أَمِثْلِي عَلَى سِنِّيِ وَفَضْلَ أُبُوَّتِي ... نسيت وهذا نَجْلُ مَرْوَانَ يُذْكَرُ
ولما صرف عمران استقر بعده عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وهو يومئذ غلام حدث فقال عمران:
لَحَى اللهُ قَوْماً أَمَّرُوكَ أَلَمْ يَرَوْابِأَعْطَافِكَ التَّخْنِيثَ كَيْفَ يَرِيبُ؟
أَتَصْرِفُني جَهْلاً عن الحُكْمِ ظَالِماً ... وَوَلَّيْتَه عَجْزاً فَتاةً تخيبُ؟
قال أبو عمر فأمر عبد الله بن عبد الملك بقميص عمل من قراطيس ويكتب فِيهِ عيوب عمران فاتفق عزل الأمير قبل أن يُوقَف القاضي.
стр. 285
لَنْ تَجِدَ الفَهْمِيّ إِلاَّ مُحَافِظاً ... عَلَى الخُلُق الأَعْلَى وَبِالْحَقِّ عَالِما
انطلق كما تؤمر فقال السلام عَلَيْكَ أَيُّها الأمير ورحمة الله فبلغ عبد الله بن عبد الملك الخبر وَقَدْ أهديت لَهُ جارية فقال بيعوها، وبكى ولبس خفيه قبل سراويله وقال مات عبد الملك.
وكان عزل عمران فِي صفر سنة تسع وثمانين وَكَانَتْ مدة ولايته سنتين وخمسة أشهر.
عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر بن أبي جرادة الصاحب كمال الدين أبو القاسم ابن العَديم قاضي القضاة بحلب ثُمَّ بالديار المصرية.
ولد سنة إحدى وستين وسبعمائة واشتغل وتمهر وناب عن أبيه فِي الحكم وولي بعده وتنازع مع القاضي محب الدين ابن الشّحْنَة إِلَى أن استقرت قدمه.
وكان عارفاً بطرق السعي فلما كَانَتْ واقعة اللّنك أصيب مع أصيب ثُمَّ خلص وقدم الديار المصرية فِي خلال سنة أربع، فلم يزل حَتَّى استقر فِي قضاء الحنفية، وصرف القاضي أمين الدين ابن الطرابلسي، واستمر حَتَّى مات فِي ليلة السبت ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وهو عَلَى القضاء.
وكان شهماً فصيحاً مقداماً، وَكَانَ يعاب بأشياء ويحمد بأشياء كثيرة من التعصب لمن يقصده والقيام مع من يلوذ بِهِ.
قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: كَانَ من شَرّ القضاة جرأة وجمعاً وحِدة وبادرة ووثوباً على الدنيا وتهافتاً عَلَى جمع المال من غير حِله وتظاهراً بالربا، وأفرط فِي استبدال الأوقاف، وكان يفرط فِي التواضع حَتَّى كَانَ يمشي عَلَى قدميه من منزله إِلَى من يقصده من الأكابر. قال: وَفِي الجملة كَانَ من رجال الدنيا.
стр. 286
عمر بن إسحاق بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن أحمد بن محمود الغَزْنَوِيّ الأصل القاضي سراج الدين الهندي.
ولد سنة أربع أَوْ خمس وسبعمائة تقريباً، واشتغل فِي بلاده وتجرد وساح فِي البلاد. وأخذ عن جماعة من الفضلاء. وقدم إِلَى مصر فِي سنة أربعين ونزل فِي مدارس الحنفية. واشتهرت فضائله. وسمع الحديث ورواه وصنف عدة تصانيف.
وناب فِي الحكم عن جمال الدين التركماني، ثُمَّ عزله عن النيابة فِي سنة تسع وخمسين بإشارة قطب الدين ابن الهِرْماس، فتوصل السراج بأبي أمامة ابن النقاش حتى اجتمع بالسلطان حسن ولازمه فراج عَلَيْهِ إِلَى أن غضب السلطان عَلَى القطب الهرماس وطرده، ثُمَّ استقر السراج قاضي العسكر بعناية يلبغا، وهو أول من وليها من الحنفية. ثُمَّ لما مات الجمال ابن التركماني استقر فِي القضاء استقلالاً، وذلك فِي شعبان سنة تسع وستين، إِلَى أن مات فِي سابع رجب سنة ثلاث وسبعين.
وكان من أئمة الحنفية. صنف الشامل فِي الفقه، وشرح الهداية شرحين كبير وصغير، وشرح البديع فِي الأصول، والمغني، وشرح الزيادات، وشرح الجامع، وشرح عقيدة الطحاوي. وَلَهُ الغرة المنيفة فِي ترجيح مذهب أبي حنيفة، وشرح التائية فِي نظم السلوك لابن الفارض. وَكَانَ يتعصب لَهُ.
ومن مناقبه أن الأمير الكبير أُلْجَاي تولى نظر الأوقاف فاشتد عَلَى الفقهاء وقطع رواتبهم. فكلّمه السراج فِي ذَلِكَ فلم يقبل فأغلظ لَهُ بأن قال: أنت إقطاعك ألف ألف، تستكثر عَلَى فقيه خمسة أَوْ عشرة! فقال: أنا لا آخذ هَذَا إِلاَّ من أجل الجهاد فقال لَهُ: لولا الفقهاء مَا كنت مسلماً، فأطرق ورجع عما كَانَ فِيهِ.
وكان فِي لسانه لثغة تجعل العين ياء، وَكَانَ دمث الأخلاق متواضعاً، كثير التودد، منتصباً لقضاء حوائج الناس. وَكَانَ يتعصب لمن يخدمه ويقصده، حَتَّى
стр. 287
أن كاتباً عَلَى الغزل انقطع إِلَيْهِ وخدمه فلما أن ولي القضاء استنابه، فهجاه الشيخ شمس الدين ابن الصائغ بقوله:
ولما رأينا كاتب المكس قاضياً ... علمنا بأن الدهر يمشي إِلَى وَرَا
فقلت لصحبي لَيْسَ فِي ذا تعجب ... وهل يجلب الهندي شيئاً سوى الخرا
وكانت ولايته القضاء استقلالاً فِي رابع عشري شعبان سنة تسع وستين، وتعصب فِي زمن حكمه لابن الفارض، حَتَّى إنه عزّر الشيخ شهاب الدين ابن أبي حَجلة لكونه كَانَ كثير الوقيعة فِيهِ، فقال فِيهِ ابن العطار:
ضياء سراج الدين قاضي قضاتنا ... كَسَى مذهب النُّعمان توشيحه الدررْ
وعاقب لابن الفارض ابن حجيلة ... كفى عُمراً أن قام لله فِي عُمَرْ
وأشار بقوله: توشيحه إِلَى شرح الهداية، فإنه سماه التوشيح، ومات السراج فِي رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
عمر بن الحسن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي.
ولد سنة أربع وثمانين ومائتين، واشتغل بالفقه، وعرف بمذهب الشافعي.
وكان إِلَيْهِ إمامة الجامع العتيق، إقامة الحج، وإمامة الحرمين. وولي القضاء نيابة عن أخيه محمد لما ولي قضاء بغداد والممالك. وَكَانَ ذَلِكَ بعد صرف ابن ولي فِي شهر رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فركب إِلَى الجامع بالسواد ومعه القضاة والشهود والأمناء والأشراف ووجوه أهل البلد.
واستخلف عَلَى الأحكام أبا بكر الحداد فقرئ عهده فِي الجامع من قبل أخيه محمد بن الحسن وعَهد أخيه من قبل الخليفة المطيع. وأضيف إِلَيْهِ قضاء الإِسكندرية والرملة وطبرية وأعمالها. فكان ابن الحداد يقضي فِي دار عمر بن الحسن يَوْمَي السبت والخميس، وَفِي منزله يوم الاثنين وإذا حج ركب ابن الحدَّاد إِلَى الجامع بطيلسان أسود، ويشهد عنده الشهود، وَكَانَ وجه الشهود يومئذ
стр. 288
يحيى بن مَكِّيّ بن رجاء، فاتفق أنه شهد عنده فِي شهادة فِي كتاب فقال لَهُ قرأت هَذَا الكتاب من أوله إِلَى آخره أَوْ قرئ عَلَيْكَ؟ فقال لا: وقال لرفيقه وهو الحسين بن أيوب: فما تقول أنت؟ قال: مثله فقال اشهد بهذه الشهادة عند أصحاب الجُمَّيز.
وجرى بَيْنَ ابن وليد وبين الشهود وغيرهم فِي ولاية عمر هَذَا أمور كثيرة، وترافعوا إِلَى أمير البلد أبي القاسم ابن الإِخشيد والأستاذ كافور. وادعى ابن وليد أن تَحْتَ يد ابن رجاء أموالاً كثيرة لا أصحاب لَهَا، فاعتقله كافور، فقام الهاشمي وسائر وجوه الناس فشفعوا فِيهِ حَتَّى أطلق.
واستقامت أمور الهاشمي وعدّل جماعة ورد شهادة آخرين، وتصلّب فِي الأحكام، وعَفَّ عن أموال الناس فلم يقبل لأحد هدية، ولا وجد أحد عَلَيْهِ مطعناً، بل أتلف مالاً كثيراً لنفسه فِي أمور القضاء حَتَّى استقام لَهُ ثُمَّ مَلَّ مِنه واستعفى.
وفي أثناء ذَلِكَ تولى محمد بن صالح ابن أم قضاة القضاة ببغداد فاستخلف ابن وليد، ووصل كتابه إِلَيْهِ بذلك، وركب جماعة من الشهود الذين أوقفهم العباسي فشهدوا عند كافور بصلاحية ابن وليد، وصحبوا معهم أبا الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني صاحب يونس بن عبد الأعلى. وَكَانَ مولده سنة ثمان وأربعين ومائتين فقال لكافور: أَيُّها الأستاذ حدثنا يونس، حدثنا ابن عُيينة عن الزهري عن أنَس رفعه (لا تَحاسدوا ولا تَقَاطعوا ولا تَدَابر وكُونُوا عِباد الله إخواناً) وهؤلاء القوم قَدْ عَصوا رسوله ﵇، وقاطعونا، فلا تقبل شهادتهم. فقام بعض من حضر فقال: إن هَذَا الحديث الَّذِي حدث بِهِ لا يوجد اليوم فِي شرقي الأرض وغربها من يرويه بأعلى من هَذَا الإِسناد. فأعجب كافور، ووعدهم بخير.
ثم ركب الهاشمي، وابن الحداد، وأبو جعفر مسلم العلوي، وأبو الذكر، وغيرهم من الأكابر إِلَى كافور. فأطلقوا القول فِي ابن وليد بكل سوء. قال قائلهم: إن رأى الأستاذ أن يصون هَذِهِ الشيبات ويقبل شفاعتهم فليفعل، فوقف حال ابن وليد وأرسل يحيى بن رجاء قاصداً إِلَى بغداد يخطب قضاء مصر فما أُجيب.
وحج عمر بن الحسن عَلَى عادته، فصرفه كافور عن الحكم فِي ذي الحجة
стр. 289
سنة تسع وثلاثين، وقرر الخَصِيبيّ. وَكَانَ عزل العباسي وهو راجع من الحجاز فقيل لولده عبد السميع أن يسعى فِي إفساد ذَلِكَ، فتوانى وفتر وحضر والده فلم يحدث فِيهِ أمراً، وَمَا كَانَ لَهُ إِلَيْهِ ميل ولا شهوة وتأخرت وفاة العباسي وهو عَلَى رياسته إِلَى سنة ست وأربعين وثلاثمائة فمات فِيهَا.
عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال ابن عيسى بن موسى بن الفتح بن زريق المقدسي عز الدين الحنبلي من المائة السابعة ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
وسمع الحديث من جعفر الهَمْداني والضياء المقدسي والحافظ أبي علي البكري، وابن رواج، والسبط وغيرهم. وأحضر قبل ذَلِكَ عَلَى أبي المنجَّا ابن اللَّتِّي، وتفقه عَلَى العماد المقدسي، وهو الَّذِي تولى بعد موته، فإنه كَانَ ينوب عنه، فلما حبس أذن لنائبه المذكور أن يستمر فِي الحكم بغير ولاية، فاستمر من سنة اثنتين وسبعين إِلَى أن مات العماد فِي المحرم سنة ست وسبعين، فاستقر عز الدين عمر هَذَا قاضياً مستقلاً إِلَى أن صرف فِي جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين بالحرّاني، ثُمَّ أعيد فِي سنة تسع وسبعين، فاستمر إِلَى أن مات فِي صفر سنة ست وتسعين وستمائة، واستقر بعده الحرّاني وهو عبد الغني ابن يحيى.
وله أخ اسمه محمد، تفقه بالشيخ العماد وغيره، وولي الحسبة، وعاش إِلَى ربيع الأول، سنة تسع عشرة وسبعمائة.
عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السُّبْكي شرف الدين المالكي من المائة السابعة.
ولد فِي ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة وتفقه عَلَى جماعة، وسمع من أبي الحسن ابن المفضل وغيره. وحدث.
стр. 290
روى عنه القاضي بدر الدين ابن جماعة فِي مشيخته، وولي القضاء بالديار المصرية لما صارت القضاة أربعة فِي أيام الظاهر بيبرس. وهو أول من وليه من المالكية رابع أربعة بعد الذين كانوا فِي أيام ابن الأفضل أمير الجيوش. وَكَانَتْ ولايته فِي ذي الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة، واستمر إِلَى أن مات فِي ذي القعدة سنة تسع وستين.
قال الشريف عز الدين الحسيني فِي الوفيات: تفقه بمصر، وولي الحسبة ثُمَّ الحكم، ودرس بالصالحية، وأفتى وحدث، وكان أحد المشايخ المشهورين بالخير والدين، والفضل. ويقال: إنه من ذرية إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وقرأت بخط من ساق نسبه بعد عيسى فقال: ابن عبد الملك بن موسى بن خالد بن علي بن عمر بن عبد الله بن إدريس.
ومن مفاخره أنه لما ولي كتب إِلَى الشيخ مجد الدين القُشيري والد الإِمام أبي الفتح ابن دقيق العيد، وَكَانَتْ إقامته بقوص يستنيبه عنه هناك. وَكَانَ رفيقه فِي الاشتغال عند ابن المفضل، فناب عنه بِهَا. وَقَدْ سمع الحديث من جماعة، وخرج لَهُ ولده أبو بكر محمد مشيخة، وذكر فِيهَا لَهُ قصته مع الشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد.
عمر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن محمود البِسطامي زين الدين الحنفي من المائة الثامنة.
ولد سنة سبع وتسعين وستمائة. واشتغل بالفقه ومهر فِيهِ إِلَى أن اشتهر. وولي القضاء بعد حسام الدين الغُوري، وباشر مباشرة حسنة.
وكان كثير الإفضال، حسن العشرة، جميل الأخلاق، عارفاً بمذهبه. وهو جد قاضي القضاة صدر الدين المناوي لأمه، وصُرف زين الدين عن القضاء بغتة بالشيخ علاء الدين التُّركُمانيّ فِي شوال سنة ثمان وأربعين فِي سلطن المظفر حاجي بن الناصر. واستمر زين الدين عاطلاً إِلَى أن مات فِي رابع عشري ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
стр. 291
عياض بن عبيد الله بن ماجد بن مسعود بن عمرو بن الأعرج بن عوف ابن كَثير بن عبد الأزدي ثُمَّ السلاماني يكنى أبا إسماعيل من المائة الثانية.
سمع من عبد الله بن عمر. روى عنه عبد الله بن هبيرة السَّبَاني، وتَوبة بن نَمِر، وغيرهما.
ولاه قُرة بن شريك القضاء فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين، فأقام أربع سنين ثُمَّ صرف فِي شهر رجب سنة سبع وتسعين، وأعيد بعده عبد الله بن عبد الرحمن بن حُجَيرة. ثُمَّ ورد كتاب سليمان بن عبد الملك بعود أبي إسماعيل فِي العزيز. ويقال إنه أول من ولي من قبل الخليفة من بني مروان.
وذكر أبو عمر الكندي أن أبا إسماعيل كَانَ عاملاً لأسامة بن زيد علي الهُرْي فلما أتته ولايته عَلَى القضاء من قبل سليمان قال لَهُ أسامة بن زيد: أنت عليهما جميعاً، وَكَانَ يجري عَلَيْهِ رزقهما.
وأسند أبو عمر من طريق تَوبة بن نَمِر أن أبا إسماعيل كتب إِلَى عمر بن عبد العزيز أن صبياً افترع صبية بإصبعه فكتب إِلَيْهِ عمر: لَمْ يبلغني فِي ذَلِكَ شيء وَقَدْ جعلتُ ذَلِكَ إِلَيْكَ فاقض فِيهِ برأيك. فقضى عَلَى الغلام للصبية بخمسين ديناراً.
وأسند أبو عمر من طريق ابن وهب أخبرنا ابن وهب ابن لَهِيعَة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن عمر بن عبد العزيز كتاب إِلَيْهِ عياض فِي رجل خرج راكباً فرساً فصدم امرأة عَلَى الطريق فقتلها فأبى مواليه أن يعقلوا عنه قال ولو أنه المقتول لطلب مواليه عقله. فكتب إِلَيْهِ عمر: اعلم أن عامة هَذِهِ الموالي لا تحفظ أنسابها فعاقلها فاجعل ذَلِكَ عَلَى مواليه قال ابن وهب أخبرني بذلك الليث بن سعد.
وأورد لَهُ أبو عمر عدة مكاتبات إِلَى عمر بن عبد العزيز يسأله عن قضايا أشكلت عَلَيْهِ. وصرف أبو إسماعيل فِي خلافة عمر بن عبد العزيز فِي العشر الأخير من شهر رجب سنة مائة وولي بعده عبد الله بن يزيد بن خُذَامِر.
стр. 292
عيسى بن محمد بن عيسى الهَكَّرِيّ الموصلي المعروف بالفقيه عيسى الأمير الكبير المجاهد العالم أول من ولي القضاء بالديار المصرية فِي الدولة الأيوبية ولد فِي سنة ...
وتفقه بأبي القاسم ابن البِزْرِي بجزيرة ابن عمر.
قال ابن ميسر فِي تاريخه: كَانَ فقيهاً عالماً شجاعاً كريماً لَهُ عصبية وكان فِي أول أمره استقر يؤم بأسد الدين شِيرَكُوه فلما ولي الوزارة بمصر قدمه إِلَى الإِمْرَة لما كَانَ يعرف من شهامته وشجاعته.
فلما استقر صلاح الدين بعد عمه، وأعيد المفضل بن هبد الله بن كامل إِلَى القضاء، وذلك فِي ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، أذن السلطان صلاح الدين للفقيه عيسى أن يحكم بَيْنَ الناس بالقاهرة رفيقاً لابن كامل، وأفرد مصر لابن كامل، فاستمر الحال عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن أمر السلطان بإحضار القاضي صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس وَكَانَ ممن قدم مع صلاح الدين إِلَى مصر، فولاه قضاء الغربية بالمحلة وَمَا معها، فحضر فِي جمادى الأولى سنة ست وستين، ففوض إِلَيْهِ القضاء بالقاهرة ومصر والوجهين القبلي والبحري مستقلاً بغير مشارك.
واستقر الفقيه عيسى فِي الإِمْرَة، وَكَانَ وجيهاً فِي الدولة مسموع الكلمة، ولع مواقف فِي القتال مشهورة، ومات فِي ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
عيسى بن المُنْكَدِر بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز ابن عبد العزي بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المنكدري المدني الأصل، نزيل مصر، أبو محمد.
стр. 293
ولد بقصر عمران بن النعمان المعافري بالفسطاط. وكانت ولايته من قبل عبد الله ابن طاهر لما أمره المأمون على مصر.
قال أبو يعقوب البُويطي: لما ولي أبو طاره إمْرَةَ مصر أَمَرَ بإحضار أهل مصر، فحضر الناس، وحضر عبد الله بن الحكم. فقال ابن طاهر: إن جمعي لكم لترتادوا لأنفسكم قاضياً فكان أول من تكلم يحيى بن عبد الله بن بكير. فقال: أيها الأمير ولّ قضاءنا من رأيت، وجنبنا رَجْلَين. لا تولِّ قضاءنا غريباً لا زرَّاعاً. يعني بالغريب إبراهيم بن الجراح، وبالزرَّاح عيسى بن فُليح. فنهض إبراهيم بن الجراح فقال: اصلح الله الأمير، رجل من أبناء الدولة قديم الحرمة. فلم يستمع ابن طاهر له. ثم تكلم أبو ضَمْرَة الزُّهري فقال: أيها الأمير، الفقيه العالم أَصْبَغ بن الفرج، واصبغ حاضر، فعارضه سعيد بن كثير بن عُفَيْر. فقال: ما بال أبناء الصبَّاغين والمقامص يُذكرون في المواضع التي لم يجعلهم الله لها أهلاً! قال: فقام أصبغ فأخذ بمجامع ثوب سعيد بن غُفَيْر وقال: أنت شيطان. ومن أين علمت أني من أبناء الصباغين! وارتفع الأمر بينهما حتى كادت تكون فتنة. فذكر عبدُ الله بن عبد الحكم، عيسى بن المنكدر، فأثنى عليه بخير. فقلده عبد الله بن طاهر وذلك لعشر خلون من رجب سنة اثنتي عشرة.
قاله الكندي.
وقال ابن يونس سنة إحدى عشرة. قال البويطي وقال سعيد بن عفير في أصبغ: ليس هذا الرجل كما وصفت. هذا رجل بذي طويل اللسان وسجع في كلامه فقام أصبغ فقال: إن الأمير أمر أن يحضر مجلسه الفقهاء وأهل العلم لا الشعراء ولا الكهنة فقال البويطي أنا أذكر للأمير ستة يجعل هذا الأمر فيمن رأى منهم. قال: من هم؟ قال قلت: عبد الله بن الحكم وسعيد بن هاشم وعيسى بن المنكدر وابنا مَعْبَد وجعفر بن هارون. فأثنى ابن عبد الحكم علي عيسى فولاه فقال ابن عبد الحكم: إنه مُقِلُّ فأجرى عليه سبعة دنانير في كل يوم فاستمرت للقضاة، وأجرى عليه أربعة آلاف درهم في كل شهر ووصله بألف دينار.
واستكتب عيسى إبراهيم بن أبي أيوب قليلاً. ثم كتب له أبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبار وداود ابن أبي طَيْبة فتنازعا. فقال النضر: لا أكتب لك حتى تنحي داود،
стр. 294
فامتنع من تنحيته، فانصرف النضر وثبت داود، وكان محتاجاً إليه فانقطع عنه النظر. وكان القائم بأمر عيسى كله سليمان بن بُرْد، وكان مِقْدام بن داود يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالقضاء وآلاته من سليمان، ولم يضطرب أمر عيسى حتى مات سليمان آخر سنة اثنتي عشرة ومائتين.
وقال عيسى بن لَهِيعَة: كان سعيد بن عيسى بن تَلِي على مسائل عيسى، ثم ضم إليه عبد الله بن عبد الحكم. فذكر يحيى بن عثمان أن ابن عبد الحكم أدخل في العدالة من لا قَدْرَ له ولا بيت، مثل فلان الحائك وفلان المُسِلماني، وفلان البياع. فيقال: إن أبا خليفة حُميد بن هشام الرّعَيني لقيه فقال له: يا ابن عبد الحكم، كان الأمر مستوراً فهتكته، وأدخلت في الشهادة من ليس لها أهلاً. فقال له ابن عبد الحكم: إن هذا الأمر دِينٌ، وإنما فعلت ما يجب عليّ. فقال أبو خليفة: اسألُ الله ألا يبلغك الشهادة أنت ولا أحداً من ولدك.
حكى ذلك ابن قُدَيْد، وزاد فكان الأمر كذلك، لقد بلغ هو وولَده بالبلَد ما لم يبلغه أحد ما قُبلت لأحد منهم شهادة قط.
قال أبو سعيد ابن يونس: وكان حميد بن هشام عبداً صالحاً، وهو ابن هشام بن حميد بن خليفة بن زرعة، شهد جده الأعلى زُرعة فَتْحَ مصر. وحدّث حميد عن الليث، وابن لَهيعة. وعُمِرّ طويلاً إلى أن مات في شوال سنة تسع وأربعين ومائة، ويقال مات قبل ذلك.
وقال ابن يونس ومحمد بن محمد بن الأشعث: ذُكر عيسى بن المُنْكَدر عنده أبي شَرِيك المُراديّ فقيل كان لا يحسن القضاء، فقال: معاذ الله، بل كان رجلاً صالحاً. ولقد كانت فيه خصلة حسنة نافعة للمسلمين لما ولي القضاء جعل له صاحب مسائل يسال له عن الشهود، ولم يقنع بذلك حتى يتنكَّر بالليل ويغطي رأسه ويمشي في السِكك يسأل عن الشهود. وقد رآه غير واحد من الثقات كذلك.
стр. 295
وكان يَضَعُ قمطره في حانوت في دار عمرو بن خالد ففسدت قضية منها، فامتنع عمرو بن خالد من أدخال القمطرة داره فاكترى منزلاً في دار عمرو بن العاص، فكان عيسى إذا انصرف وضع القِمَطْر فيها. وخُتم على الباب.
وقال ابن عبدن الحكم: أشار وَالدي على عيسى بوجوب اليمين للمدعي على المدعي عليه بالمال - يعني يمين الاستظهار - ولو لم تقم بينهما بينة بخلطة. فأخذ بذلك لأن الناس فسدوا. وذكر نحوه عن أصْبَغ في الغرباء الذين يضربون في الأرض ولا يشترون ولا يبيعون إلا ممن لا يعرفونه ولا يخالطونه.
وقال محمد بن عيسى بن فليح: اختصم رجلان إلى عيسى بن المنكدر وكان ربما حان منه خفة في الحكم، فقضى لأحدهما على الآخر، وقال للمحكوم له: أَضجعْ خصمك. فأضجعَهُ فقلت في نفيس: تُرى يريد ذبحه! ثم قال له: قُمْ فاجعل رجلك على خدّه حتى يذل للحق. فلما خرجا قيل له خالفت الناس في هذا. فقال: فإني لا أعود.
وقال أبو مسعود عن أبيه: خاصمت إلى عيسى فصال علي خصمي، فقال لي: ابصق في وجهه. فتوقفت فقال: والله لا أحكم لك حتى تبصق في وجهه، ففعلت فقال له: أذلّك الحق فقم فادفع إليه حقه.
وقال أبو الرقراق: جاء عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم إلى عيسى برسالة أبيه في شيء فقال: لا والله لا فعلت. فلما خرج ابن عبد الحكم قال عيسى: إنهّ أباه يدلّ عَلي كأنه ألحقني بالمنكدر.
وقال أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: سمعت الشافعي يقول لعيسى بن المنكدر: أشكر الله وعائشة، فهي جَعَلَتْ لكم قُرْطَيْن من ذهب.
وكان عيسى قد صاح بالشافعي فقال له: يا كذا يا كذا، دَخَلْتَ هذه البلدة وأمرها واحد ورأيها واحد ففرقت بينهم، وألقيت الشر، فرّق الله بين روحك وجسدك.
وكان ذلك قبل أن يلي عيسى بن المنكدر، وأشار بالتفرقة إلى ما وقع من
стр. 296
الاختلاف بين الشافعي وأهل مصر، وكانوا لا يعرفون إلا رأي مالك، فلما خالفه الشافعي وافقه جماعة كثيرة منهم فصار يقع بينهم الجدال والمنازعة. وإنما ولي عيسى القضاء بعد موت الشافعي بمدة طويلة.
وقال ابن قُدَيْد: قرأت من رقاع يحيى بن عثمان: سمع عيسى بن المُنْكَدِر رَجلاً ينشد وهو على القضاء يومئذ:
لَقَدْ عَجِبْتُ وَرَيْبُ الدَّهْرِ ذُو عَجَبِأَنَّ الهُدَيْرِيَّ وَسْط السُّوق يَنْتَسِبُ
وَمَالهُ نَسَبٌ في النَّاسِ نَعْلَمُهُ ... إلا الحمارُ وَهَلْ للْعَيْر يُنْتَسَبُ
إني لأخْشَى عَلى تَيْمٍ مَعَرَّتُهُ ... كما يُخَافُ على ذي الصحة الجُرَبُ
قال وقرأت بخط يحيى بن عثمان: خاصم محمد بن أبي المّضاء إلى عيسى فحكم عليه فعرض لابن المنكدر بشيء فبقح، فأمر به فسُجن فلم يخرج من السجن حتى عزل عيسى. وكان عيسى يُنفق على عيال ابن أبي المضاء طول حبسه.
ورفع شخص إليه في ابن عبد ربه أن له عليه حقاً فلم يحضر، فأمر عيسى بإحضاره وضربه في المسجد عشرين سوطاً. وكان يجلس في المسجد غُدْوَةً ثم يروح ويعود لمجلس القضاء آخر النهار.
وخاصم إليه ابن يحيى بن حسان، فاتفق أنه ضحك في حال الخصومة فأمر به فلُطم.
وكان سبب عزله أنه كان بمصر جماعة من الصوفية وكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. كان عيسى معهم. فلما ولي القضاء كانوا يأتونه فيقولون: جرى كذا وكذا فينهض معهم، فإذا لامه إخوانه قال: لا بد من القيام بحق الله. فاتفق أن المأمون ولي أخاه أبا إسحاق إِمْرَة مصر فخافوا من سطوته، فسألوا القاضي أن يكتب إلى المأمون أنهم لا يرضون بولاية أبي إسحاق. فأقرأه المأمون الكتاب فغضب وقال: لأفعلن بعيسى كذا وكذا، وأمر بعزله، فلما دخل مصر
стр. 297
أمر بحبسه وحُبس ابن عبد الحكم لكونه من جهته فمات، وأقام ابن المنكدر للناس فخاصموه وادعوا عليه دعاوي، فاستمر محبوساً حتى خرج أبو إسحاق من مصر. وكان عزله في رمضان سنة أربع عشرة، ثم أمر أبو إسحاق بإحضاره إلى العراق، فاخرج في ذي القعدة سنة خمس عشرة فسجنه حتى مات هناك.
قال ابن يونس: وكانت وفاته قبيل العشرين، ولم يول أبو إسحاق على مصر بعد عيسى أحداً فبقيت مصر بغير قاض إلى أن ولي هارون بن عبد الله الزهري سنة سبع عشرة، ولكن أقام كيدرُ أمير مصر محمد بن مُكْنِف بن عبًّاد ينظر في المظالم ويحكم بين الناس.
وقال يحيى بن عثمان: بقيت مصر بغير قاض سنة خمس عشرة وسنة ست عشرة، فلما قدم المأمون مصر أمر يحيى بن أَكْثَم أن يقضي بين الناس.
стр. 298
حرف الغين المعجمة
غوث بن سليمان بن زياد بن ربيعة بن نُعَيْم بن ربيعة بن عَمرو بن عبيدة ابن جَذيمة الحَضْرَميّ ثم الصُّوَراني أبو يحيى. ولد سنة أربع وتسعين حكاه أبو سعيد ابن يونس عن ابن بكير.
وروى عن أبيه سليمان بن زياد عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيْدِي حديث النهى عن استقبال البائل القبلة. أخرجه ابن يونس من طريق حرملة عن ابن وهب قال: حدثني غوث بن سليمان بن زياد الحضرمي، عن أبيه. قال ابن يونس: ولي القضاء بمصر ثلاث مرات من قبل المنصور والمهدي.
روى عنه عبد الله بن وهب، وزياد بن يونس، والواقدي، وعبد الغفار بن داود الحراني، ويحيى بن بكير، وأبو الوليد الطيالسي، وهو آرخ من حدث عن بالعراق. قال يعقوب بن سفيان: أظنه سمع منه بمكة، يعني أن أبا الوليد لم يرحل إلى مصر، ويحتمل أن يكون سمع منه ببغداد في بعض قَدْماتِ غوثٍ أو بالكوفة لما قضى بها.
قال ابن يونس: وكانت أول ولايته من قبل المنصور في النصف من شهر رمضان سنة خمس وثلاثين بعد عزل خير بن نُعيم نفسه، فوليها خمس سنين إلى أن خرج مع أهل مصر منهم غَوْث، وذلك سنة سبع وثلاثين، وقرر في القضاء إبراهيم بن يزيد الرُّعَيْنيّ، فنظر أياماً ثم استعفى، وقرر عوضه يزيد بن عبد لله بن بِلال. وكان قاضي إخُمِيم. ثم مات فجأة في آخر سنة أربعين وكان قبل ذلك يكتب لغوث، وكان رجوع غوث من الصائفة بعد ثلاثة أشهر.
стр. 299
وقال غيره: عاد إلى مصر في جمادى الأولى سنة ثمان وثلاثين، فكان الناس يمرون وبه وهو جالس فلا يتحاكمون إليه إلى أن مات ابن بلال، فركب غوث إلى منزله فضم الديوان والودائع فصاحت بنته: وَاذُلاَّه.
قال الخطيب في المتفق ولي قضاء مصر ثلاث مرات.
وقال سعيد بن عفير: كان غوث أول من سأل عن الشهود بمصر، وكان الناس قبل ذلك يشهدون فمن عُرف بالخير قبل ومن لم يعرف سئل عن جيرانه، فما ذكروه به من خَيرٍ أو شَر عمل به. ومن لم يعرف لم يقبل، حتى فشت شهادة الزور، فسأل غوث عن الشهود في السر. فمضى الأمر على ذلك. وكان من أثنوا عليه قبلت شهادته، ثم كان واحداً من الناس، ولم يكن أحد يومئذ يُوسَم بالشهادة ولا يشار إليه بها.
فلما كان في شهر رمضان سنة أربع وأربعين، ورد كتاب المنصور بحبس غوث، فَحُبِس واختُلف في سبب ذلك، فقيل إن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي مضى فارّاً من المنصور واستتر بمصر، فاتهم غوث بن سليمان أن يكون تغيّب عنده.
وذكر ابن يونس عن فِتْيان بن أبي المسح: أن غوثاً اتِهم براي الإباضية من الخوارج.
وقال غير ابن يونس: وقيل إنه اتهم بمكاتبة أبي الخَطَّاب الإباضي. قال فِتْيان ابن أبي المسح: حدثني ربيعة النّفُوسي قال: أنا حملت كتاب أبي الخَطَّاب الإباضي من إفْرِيقيًّة إلى غوث، وحملت كتاب غَوْث إلى أبي الخَطّاب.
وحُبس مع غوث كاتبه حمزة بن زياد، فشفع صالح بن علي في حمزة، فكتب المنصور برده حيث وجد فوصل وهو بحلب. فأبى أن يرجع، وقدم العراق فاعتذر للمنصور لما قدم من الحج فعذره ورده إلى مصر، ثم أعيد غوث بن سلميان المرة الثالثة في جمادى الأولى سنة سبع وستين من قبل المهدي.
قال المُفصَّل بن فَضالة: لم يكن غوث بن سليمان فقيهاً، ولكن كان أعلم الناس بمعاني القضاء وسياسته، فكان أمره من أحسن شيء وكان هَوْناً.
стр. 300
وخرج إلى الصائفة مع صالح بن علي مرة غير تلك المرة، ولم يستخلف علي مصر أحداً.
وفي الثانية كان صالح جعل على كل جُند قاضياً، فصار الأمر يختلط فقال له عمرو بن الحارث: اجمعهم على غوث بن سليمان ففعل. قال فكنا نَمُرّ به والناس يترادفون عليه فنسلّم عليه فيقول: انزلوا حتى نَتَحَدَّث فَنَنْزِل فما ينشب أن ينفرج الناس عنه فيتحدث معنا.
وأخرج ابن يونس من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو رجاء حَمّاد بن المِسْوَر، قال: قدِمتْ امرأة من الريف وغَوْث ذاهب إلى المسجد عند السرَّاجين فشكت إليه أمرها وأخبرته بحاجتها، فنزل عن دابته في بعض حوانيت السراجين وكتب لها بحاجتها، ثم ركب إلى المسجد، فانصرفت المرأة وهي تقول: أصابت والله أمك حِين سَمَّتْكَ غَوْثاً، وأنت والله غوث عند اسمك.
وقال أبو عمر الكندي: وقع بين أبي جعفر وبين أم المهدي وهي أروى بنت يزيد بن منصور بن عبد الله الحميري خصومة، فقلت: لا أرضى إلا بِحُكم غَوْث بن سليمان قاضي مصر، فحُمل إلى العراق حتى حكم بينهما ورجع إلى مصر.
وأورد ابن يونس قصة من طريق عبد الواحد بن زرارة سمعت غوث بن سليمان يقول: بعث إليّ أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور فَحْملتُ إليه، فقال لي: يا غَوْثُ، إنّ صاحبتكم الْحِمْيَرِيَّة خاصَمتني إليك في شروطها. قلت: أفترضي يا أمير المؤمنين بحكمي عليك، قال: نعم. قلت: فالحكم له شروط أفيحتملها أمير المؤمنين بحكمي عليك، قال: نعم. قلت: فالحكم له شروط أفيحتملها أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قلت فيأمرها أمير المؤمنين أن تُوَكِّل وكيلاً وتُشهد على وكالته خادمَين خُرَّيْن يعدّلهما أمير المؤمنين على نفسه. ففعل فَوَكَّلَتْ خادماً وبعثت معه بكتاب صداقها، وشهد الخادمات بالوكالة، فقلت: قد تَمَّت الوكالة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يُساوى الخصم في مجلسه. قال: فانحط عن فَرْشه
стр. 301
وجلس مع الخصم، ودفع إلى الوكيل كتابَ الصداق فقرأته عليه فقلت: يُقِرّ أمير المؤمنين بما فيه؟ قال: نعم. قلت: رأى في الكتاب شروطاً مُوكَّدةً وبها يتم النكاح بينكما. أرأيت يا أمير المؤمنين لو خطبتَ إليهم ولن تشتطرط لهم هذه الشروط أكانهوا مُزَوَّجِيك؟ قال: لا، قلتك فبهذا الشرط تم النكاح، وأنت أحق من وفى لها بشرطها. قال: قد عِلمتُ إذ أجلستني هذا المجلس أنك ستحكم علي. قال: فقلت له: أَعْظِمْ جائزتي وأَطلقْ سبيل. قال: جائزتك علي من حَكمْتَ له. قال: ثم أمر لي بخلعة وجائزة.
قال: ثم أمر أبو جعفر باحتباس غوث بن سليمان ليحكم بين أهل الكوفة فقال له غَوْث: يا أمير المؤمنين، ليس البلدَ بلَدي، ولا معرفة لي بأهله، فإذا أنا ناديت من له حاجة بخصومة فلم يأتِ أحدٌ أتأذن لي يا أمر المؤمنين في الرجوع بلدي؟ قال: نعم. قال: فجلس غَوْث يحكم ثم نادى بعد فانقطعت عنه الخصوم فرجع إلى مصر.
وقال غير أبي عمر: كان من الشرط أنه لا يتسرى، ولا يتزوج عليها، فأكدت عليه ذلك، وأشهدت شهوداً. فبقي عشر سنين من سلطانه كذلك. فكان يكتب إلي الفقيه بعد الفقيه ليفتيه برخصة، إذا علمت المرأة بذلك أرسل إلى ذلك الفقيه بمال، وتسأله أن لا يفتيه فيه برخصة. قال: فلم يزل على ذلك حتى ماتت، فبلغه وفاتها وهو بحولان فأهديت إليه في تلك الليلة مائة بكر. ولم يزل غوث بن سليمان على ولايته هذه إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين ومائة، وكانت ولايته الأخيرة سنة واحدة، وصلى عليه موسى بن مُصْعَب الخَثْعَمِي أمير مصر.
وكانت ولاية غَوْث الثانية بعد صرف ولم يزل غوث بن سليمان على ولايته هذه إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين ومائة، وكانت ولايته الأخيرة سنة واحدة، وصلى عليه موسى بن مُصْعَب الخَثْعَمِي أمير مصر.
وكانت ولاية غَوْث الثانية بعد صرف إسماعيل بن اليسع الكوفي في خلافة المهدي في سنة ست وستين فكانت مدة عزله ثلاثاً عشريناً سنة، صرف سنة أربع وأربعين وأعيد سنة سبع وستين، وعاش بعد العود سنة واحدة.
стр. 302
حرف الفاء
الفضل بن غانم المروزي الخزاعي مولاهم يكنى أبا علي.
قال أبو سعيد ابن يونس: مروزي قدم مصر صحبة المُطَّلب بن عبد الله الخزاعي وكان المُطَّلب لما قدم مصر أميراً عليها عزل لَهِيعَة بن عيسى في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وومائة.
وقرر الفضل بن غانم وأجرى عليه في الشهر مائة وثمانية وستين ديناراً. وهو أول من أجرى عليه هذا القدر بمصر. وكان كبير اللحية، فكان إذا خطب عمل في لحيته عُوذَةً خوفاً من عين لَهِيعَة بن عيسى وكان مِعْيَاناً.
وقال أبو الرقراق: كان الفضل بن غانم يميل إلى الغلمان فجاءه سعيد بن تليد يوماً سحَراً، وكان أرسل إليه فوجد على بابه غلاماً أسود، فانصرف ولم يدخل. فقال له الفضل بعد ذلك: لِمَ لَمْ تحضر؟ قال: جئت، بعلامة الغلام الأسود على الباب! فسكت. وكان ذلك العلام معرفاً بالتخليط.
وللفضل رواية عن مالك. أخرجا لدارقطني في غرائب مالك، من طريق إبراهيم ابن عبد الله المخرمي عنه عن مالك، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " من قال في اليوم مائة مرة لا إله إلا الله الملك الحق المبين كان له أماناً من الفقر لا ريب ".
وأخرجه أيضاً عن أبي بكر الشافعي حدثني أبو غانم حميد بن يونس الزيات، حدثنا الفضل بن غانم بالسند ولفظه قال: إذا صلى الفجر، وزاد بع قوله: الفقر: (واستجلب الرزق ووقى فَتَّاني القبر وقرع باب الجنة) ثم أخرجه الدارقطني من طريق
стр. 303
الفضل بن العباس البغدادي ويحيى بن يوسف الزهري ومسلم بن المغيرة الأسدي.
وأخرجه أبو نُعيم في الحلية من طريق سالم بن ميمون الخواص كلهم عن مالك.
قال الدارقطني: هذا الحديث لا يصح وكل من رواه عن مالك ضعيف.
وقال أبو نُعيم: غريب من حديث سالم عن مالك.
وأخرجه الخطيب في الرواة عن مالك من ريقين عن المخرمي وفي آخره قال الفضل بن غانم: لو رحلتم في هذا الحديث إلى اليمن لكان قليلاً. قال الخطيب: الفضل بن غانم ضعيف. وقد روى عن مالك من وجوه عدة لا يثبت شيء منها.
وأخرجه الرافعي في تاريخ قزوين من طريق أبي الفتح الراشدي عن محمد بن الفرج عن المخرمي به. وزاد الزيادة المذكورة من قول الفضل بن غانم. وكلن قال خراسان بدل اليمن.
قال أبو عمر: ثم وثب أهل المسجد عليه ورفعوا ما هو عليه للمُطَّلِب فعزله عنهم. وأعاد لَهِيعَة بن عيسى، وكانت ولايته الفضل بن غانم سنة وشيئاً. وخرج من مصر إلى بغداد فتوفي بها سنة سبع وعشرين ومائتين.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبو هارون محمد بن خالد، سمعت أحمد بن محمد بن عمرو - وهو ابن أبي عاصم - يقول: سمعت الفضل بن غانم وكان قاضياً على الرّي لهارون أول ما سمعت بالقول في القرآن كنت بالري فكتبت إلى الرشيد: اعلم أن قبلنا قوماً يقولون: القرآن مخلوق. فكتب إليّ مَن أصبت منهم فأخرِج لسانه من قَفاه وأطِلْ حبسه وأحسن أدبه.
وذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه في حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين أن كتاب المأمون لما ورد بامتحان الناس في القرآن كان ممن لم يجب الفضل بن
стр. 304
غانم وكان إذ ذاك ببغداد. فجاء جواب المأمون في الإنكار على من لم يجب ومن جملته: أنه لم يَخْفَ علينا ما كان فيه الفضل بن غانم بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة وما دار بينه وبني المطَّلب أمير مصر.
وقال ابن قديدك ذكر لي محمد بن جعفر الإمام: حَدِيثاً عن الفضل بن غانم فقلت له: إنه كان عندنا بمصر قبل المائتين على القضاء، فقال: عاش بعد رجوعه من عندكم زماناً طويلاً.
أبو الفتح ابن الجلِيس، وهو عبدا الجبار بن إسماعيل.
أبو الفتح ابن سَعيد الفارقي، هو عبد الحاكم.
فخر القضاة هو أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم.
أبو الفضل، ابن عتيق..
стр. 305
حرف القاف
قاسم بن إبراهيم بن هبة الله بن إسماعيل بن نبهان بن المقيشع الحموي. عماد الدين، يكنى أبا القاسم أيضاً. ويقال له الخطيب.
شافعي من أهل المائة السابعة. ذكره الشريف عز الدين في الوفيات. ولي القضاء بحماة، ودرّس بالمدرسة النورية، وذهب في الرسلية إلى بغداد مراراً عن صاحب حمص. ثم دخل مصر حلب ودرّس فيهما. وولاه الصالح أيوب قضاء مصر في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وصرف في جمادى الآخر سنة ثمان وأربعين ثم أعيد في شعبان سنة تسع وأربعين، فتوجه إلى دمشق فمات بها في ثالث عشر المحرم سنة اثنتين وخمسين وستمائة. وكان الغالب عليه الفقه مع فنون كثيرة.
قاسم بن عبد العزيز بن محمد بن النعمان المغربي الأصل إمامي من المائة الخامسة يكنى أبا محمد.
ولي بعد صرف ابن أبي العوَّام في يوم الأحد رابع جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقرئ سجله بالقصر وبالجامع بمصر. ولُقِّب قاضي القضاة ثقة الدولة أمين الأئمة شرف الأحكام جلال الإسلام. فباشرها إلى أن غُزِل في يوم الأحد الخامس والعرشين من رجب سنة تسع عشرة، فكانت مدة ولاتيه من سنة وشهرين وعشرين يوماً وهذه الولاية الأولى، واستقرّ عِوَضَه عبد الحاكم بن سعيد بن مالك الفارقي ثم أعيد قاسم في السادس من ذي القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة فنظر في الأحكام والمظالم والدعوة. واستخلف في هذه الولاية القُضاعي، فناب عنه في هذه الولاية الثانية. ولم يكن قاسم محمود السيرة، لكن طالبت مدته إلى أن صرف في المحرم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة واستقر مكانه الحسن بن علي اليازوري فكانت مدة ولايته هذه الثانية
стр. 306
ثلاثة عشرة سنة وشهراً وأربعة أيام. وقد تقدم ذكر الأبيات التي هُجِي بها هو وعبد الحاكم الفارقي.
أبو القاسم بن محمد بن النعمان. هو ابن عبد العزيز المذكور قبله.
أبو القاسم ابن عمار. هو علي بن أحمد بن عمار. ويقال اسمه القاسم.
أبو القاسم ابن السكري. هو عبد الرحمن بن محمد.
أبو القاسم ابن وهيب. هو عبد الحاكم.
قيس بن أبي العاص بن قيس بن عبد قيس بن عَدِيّ بن سعيد بن سَهْم بن عَمْرو بن هُصَيص بن لُؤَي بن غالب بن فِهْر من المائة الأولى.
قال أبو سعيد بن يونس شهد فتح مصر واختط بها وهو أول قاضٍ قضى بمصر، ويقال له صحبة، وهو من مُسلمة الفتح. وقيلِ: إنه شهد حُنَينا، والطائف، وأعقب ذرية بمصر. ثم ساق بسنده إلى يَزيد بن أبي حَبِيب، أن عُمر كتب إلى عَمرو بن العاص أن يولي قيس بن أبي العاص القضاء على مصر. قال يزيد: فهو أول قاض قضى بمصر.
وكذا أسنده أبو عمر الكندي من طريق عثمان بن صالح عن الليث وابن لَهيعَة عن يزيد.
وذكر القضاعي أنه أول قاضٍ بمصر على اختلاف في ذلك.
стр. 307
وأسنده أبو عمر أيضاً عن علي بن الحارث بن عثمان بن قيس بن أبي العاص قال كتب عُمر إلى عَمرو بتولية قيس القضاء فولاه فقضى إلى ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين. فمات. فكانت ولايته نحواً من ثلاثة أعوام.
وقال ابن زولاق: لما فتحت مصر في أول سنة عشرين ولي عُمَرُ عَمْراً حَرْبَها وخراجها، وكتب إليه أن يستقضي كعب بن يسار بن ضِنَّة، فامتنع كعب من ذلك فولي قيس بن أبي العاص. والله أعلم.
وذكر ابن زولاق في تاريخه الذي على السنين في حوادث سنة عشرين: فُتحت مصر في أول المحرم منها وولّي عُمر عَمرو بن العاص حربها وخراجها وكتب إليه أن يولي كعب بن ضِنَّة الآتي ذكره في
حرف الكاف . فامتنع فَوَلَّي فيساً فكان أول قاض قضى بمصر.
ثم ذكر في حوادث سنة إحدى وعشرين أن القاضي بمصر قيس بن أبي العاص. وكذا في حوادث سنة اثنتين وعشرين. وكذا فيا لتي بعدها. فعلى هذا قضى بمصر ثلاثة أعوام.
стр. 308
حرف الكاف
كَعْبُ بنُ يَسار بن ضِنَّة بن ربيعة بن قَزَعَة بن عبد الله بن مخزوم ابن غالب بن قُطَيعة بن عبس العَبْسي من المائة الأولى.
نسبه أبو سعيد ابن يونس وقال: شهد فتح مصر واختَطَّ بها وله بها عقب، وقبور ولده بها، وعليها بلاطة من رخام فيها نسبهم كذلك. وفيها أنه ابن بنت خالد بن سِنَان.
وقال سعيد بن عفير: هو أول من استقضى بمصر في الإسلام، وكان قاضياً في الجاهلية.
ويقال إنه ابن بنت خالد بن سِنَان الذي يقال إنه كان نبياً في الفترة، وكان حكماً في الجاهلية فامتنع أن يقبل القضاء في الإسلام، فقال له عمرو بن العاص لابد من السمع والطاعة لأمير المؤمنين فقضى إلى أن كتب عُمَر بإعفائه فيقال إنه قضى شهرين.
وأسند ابن يونس وأبو عمر إلى عمار بن سعد التُّجِيبِيّ أن عُمر كتب إلى عَمر أن يجعل كعب بن ضنَّة على القضاء فأرسل إلى عَمْرو، فاقرأه الكتاب فقال كعب: ولا والله لا يُنْجِيه الله من الجاهلية وما كان فيه من الهلكة ثم يعود فيه أبداً، بعد إذْ نجاه الله وأبي أن يقبل القضاء فتركه عَمرو.
وقال أبو عُمر: كان كعب نب ضنَّة كبير البربر من الموالي وهو ابن من خالد ابن سِنان صاحب نار الحَدَثان، وهي نار ظهرت في حَرَّة أَشْجَع بني مكة
стр. 309
والمدينة في الفترة، وكان جماعة من العرب يعبدونها مضاهاة للمجوس، فقام خالد بن سنان - وو الذي قاله فيه النبي ﷺ : " ذاك نِبِيٍّ ضَيَّعَه قومُه " - فقال: أنا أقتُلُ هذه النار، كيلا تَعبُدَها العرب، فتشبَّه بهذه الطماطم يعني المجوس فقالوا له: مَهْلاً، إنك إن قتلتَ هذه النار لا نأمن عليك أن تموت قال: لا أُبَالي. فَقَبض على عَصَاه، وشَدَّ عليه ثبابَه، وجعل يجر النار بعضاه وهو يقول: بَدّاً بَدّاً، كل هذا لله مُؤَدَّي، حتى أطفأها. ذكره أبو عُبَيد البَكري في معجم البلدان.
وقال أبو عمر في الاستيعاب: له صحبة، وشهد فتح مصر، وله خطة بمصر معروفة، وروى عنه عمار بن سعد التجيبي.
وقال خلف بن ربيعة عن أبيه: إنما سُمّي سُوق بَرْبَر، لأن البربر نزلوا على كَعْب بن ضِنّةَ بمصر فَنُسِبَ السوق إليهم. كانوا يعظمون كعب بن ضنة لأنه من ذرية خالد بن سِنان، والبربر تزعم أنه بُعث إليهم فردوا عليه ما جاء به.
وكان كعب ابن نبت خالد وقال محمد بن الربيع الجيزي: كان كعب ابن بنت خالد ويقال ابن أخته ثم ساق قصته من طريق ابن إسحاق فقال: حدثنا أب أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله ابن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق حدثني، سعيد بن عبد الرحمن عن.. عن ابن عباس فذكر القصة، وقد أردتها في ترجمة خالد بن سنان من كتابي الإصابة في تمييز الصحابة وله طرق يقوي بعضها ببعض.
стр. 310
حرف اللام
لَهَيعةُ بنُ عيسى بن لَهِيعَةَ بن عقبة الحَضْرَمِيّ: تقدم باقي نسبه في عبد الله بن لَهِيعَة. وهو من المائة الثانية.
قال ابن يونس: أمّة أمة العزيز بنت غياث بن عقبة ويكنى أبا عكرمة أخذ عن عمه وعن..
روى عنه ولده عيسى، وسعيد بن عُفَير، ويحيى بن بكير وغيرهم.
وولاّه عَبَّاد بن محمد قضاء مصر أيام الفتنة الواقعة بين الأمين والمأمون. وكان عَبّاد يدعو للمأمون فأراد أن يولي عبد الله بن وهب القضاء فاستتر. فولى لَهِيعَة بن عيسى وذلك في أول يوم من شعبان سنة ست وتسعين ومائة.
كان لَهِيعَةُ أول من فرض لأهل مصر من المطوعة في الأحباس. وكانت مَوَاحِيز مصر يعمرها أهل الديوان وطائفة من المطّوعة. وكانت الأحباس تجمع في كل سنة. فإذا كان شهر أَبيب بعث القاضي بما اجتمع من أموال السبيل فيفرق في المواحيز من مصر إلى العريش إلى لوبية ومراقية. فتفرق على المطوعة ومن كان فقيراً من أهل الديوان. فلما هاجت الفتنة تشاغل الأمراء عن عطاء أهل الديوان، وتعطلت المواحيز وانقطع عنها المطوعة. فعمد لهيعة لجمع أموال السبيل ففرض للمطوعة وغيرهم. فصار الناس يسمونها فروض لهيعة. إلى أن ولي ابن أبي الليث فسماها فروض القاضي.
وفي ذلك يقول فِراس المُراديّ:
لَعَمْرِي لقَدْ سَارَتْ فُرُوضُ لَهِيعَة ... إلى بَلَدٍ قَدْ كاد يَهْلِكُ صَاحِبْهْ
إلى بَلدٍ تُقْري به البُومُ والصَّدَى ... تُعَاوِرُه الرُّومُ العِظَامُ تُحَارِبُهْ
رَشِيدُ وَإخُنَا والْبُرُلُّسُ كُلُّهَا ... وَدمْيَاطُ والأشْتُوم تَقْوى مُغالِبُهْ
стр. 311
لَهِيعَ لَقَدْ حُزْتَ المَكَارِمَ والثَّنَا ... وَمِنْ عِنْدِ رَبيّ فَضْلُهُ ومَوَاهِبُهْ
فَقَدْ عُمِّرَتُ تِلْكَ الثُّغُورُ بِسْنَّةٍ ... تُعَدُّ إذا عُدَّتْ هُنَاكَ مَنَاقِبُه
وكان لهيعة ماهراً في صناعة القضاء أخذ ذلك عن عمه. أقام لَهِيَعَةُ زيد بن بشر قيما على أيتام فشكوه إليه فاصطنع عليه فأنشده:
ومصطنع حمداً فَعَادَ مَلاَمة ... كَوَالي يَتَامى عرضه غير وافرِ
ومطّلب حَمداً على غَير ثَروة ... كَمْقْتَحِم في الماءِ ليس بماهِرِ
فلما صرف عَبَّاد عن مصر في سنة ثمان وتسعين ومائة وقدم المُطَّلِبُ بن عب الله الخُزَاعيّ أميراً على مصر في المحرم فعزل لَهِيعة في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائة. وقرر على مصر الفَضْل بن غانم نحو سنة ثم عزله. وأعاد لهيعة في المحرم سنة تسع وتسعين ومائة فاستكتب سيعد بن تَليد وجعله على مسائله وأمره أن يجدد السؤال عن الشهود في كل ستة أشهر، فمن ظهرت منه جُرحة أوقف شهادته واتخذ شهوداً في كل ستة أشهر، فمن ظهرت منه جُرحة أوقف شهادته واتخذ شهوداً في كل ستة أشهر، فمن ظهرت منه جُرحة أوقف شهادته واتخذ شهوداً وجعلهم أهل بطانته منهم: أبو الأسود النّضر، ومعاوية الأسواني، وسليمان بن بُرْد. فسئل أبو الأسود عن رجل يقال له أبو التمَّام فأثنى عليه في دينه وأمانته. قال: إلا أنه قَدَري. فأوقف لهيعة شهادته فحمل عليه جماعة فقال: لا ألقى الله وقد أجزت شهادةَ قَدَرِيّ.
وكان بمصر شاعر يقال له أنيس بن دارم مولى تجيب يكنى أبا شبيب، فسأله سعيد ابن تَليد حاجة فقصر فيها، فأطال التردد إليه، فأغلظ عليه هو وطائفة حوله فهاجم بقصيدة أولها.
قَبَّحَ اللهُ زماناً ... رَاسَ فيه ابنُ تَلِيدِ
بعد مِقْراضٍ وخَيْطٍ ... وأُبَيْرَاتٍ حَديدِ
وأبو الزِّنباع خنّا ... قُ غَرَاميلِ العبيدِ
وابن بَكّار كَرَاكِي ... رَ وغَطَّاسِ الثَّريدِ
وأبو الرُّوس المَرِيسِ ... يُّ ابن دَبَّاغِ الجُلُوُدِ
стр. 312
واللَّقِيطُ ابنُ بُكَيْرِ ... نُطْفَةُ الفَدْمِ الطَّرِيدِ
وابن سَهْمِ حَارِسُ الجِي ... زةِ حُلْوَانُ البَرِيدِ
عُصْبَةٌ مِنْ طِينَة النِّ ... يلِ مَنَاسِيُّ الجْدُودِ
لَبِسُوا بَعْدَ التَّبَابي ... ن نَفِيَساتِ البُرُودِ
لا زَمُوا المَسْجِدَ ضُلاَّ ... لاً مِنَ الأمَرْ الرَّشِيدِ
وَتَسَمَّوْا وَتَكَنَّوْا ... بَعْدَ جَرْجَهُ وَشَنُودِ
لحِوَا نِيتٍ بَنَوْهَا ... بِفِناكُلِّ عَمُودِ
تَحْتَ أمْيَالٍ طِوَالٍ ... كَبَرَاطيلِ اليَهُودِ
نَصَبُوها كالمقاعي ... د على رُؤَّسِ القرودِ
وَتَرَاهُمْ لِلُوَصَايَا ... وَعَدَالاَتِ الشُّهُودِ
فِي مِرَاءٍ وَجِدَالٍ ... وَقِيَامٍ وَقُعُودِ
وخُشُوعٍ وابْتِهَال ... وَرُوكُوع وَسُجُودِ
وَعَلَى القِسْمَةِ أَضْرَى ... مِنْ تَماسِيح الصَّعِيدِ
وَأشارُوا لِلُهَدَايَا ... بِأَبَي عَبْدِ الْحَمِيدِ
وقال عمرو بن خالد الحراني: كان أحسن ما عمله لهيعة في ولايته الثانية أنه تتبع الأحباس فقضى فيها فَلَمْ يبق حُبس حتى حكم فيه إما بِبَيِّنَةٍ ثبتت عنده وأما بإقرار أهل الحُبس.
ومات لهيعة وهو على القضاء في أول ذي القعدة سنة أربع ومائتين.
وكان لهيعة يقول: أنا تاسع تسعة ولوا قضاء مصر من حَضْرَمَوت.
وقال أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: واجتهد عبّاد في ولاية عبد الله بن وهب القضاء فتغيب في منزل يحيى بن حرملة فأمر عباد بهدف داره، قال:
стр. 313
فهُدمت بعض دارنا. قال: فبلغ ذلك العيلاني فجاء إلى عباد فقال: متى طمع هذا الكندي في القضاء حتى يتغيب. فبلغ قوله ابن وهب فدعا عليه فعمي بعد جمعة.
قال وكان ابن وهب يقول في دعائه: يا رب يقدَ عليك إخِواني علماء حلماء فقهاء واقدَم عليك قاضياً: لا يا رب ولا قرضت بالمقاريض.
وقال إنه لما طلب للقضاء جمع آخَاءَه وأهله فشاورهم فقالوا: لعل الحق أن يحيا على يديك أن نحو هذا. فقال لهم: لأجل أكلة في بطونكم أردتم أن يؤكل ديني.
وقال حجَّاجُ بن رِشْدِين: أشرفت على ابن وهب من غرفتي فرآني فقال لي: يا أبا الحسن بينا أنا أرجو أن أحشر في زُرَة العلما أحشر في زمرة القضاة!
стр. 314
حرف الميم
مالك بن سعيد بن مالك الفارقي يكنى أبا الحسن. ولد سنة. واستقر في القضاء من جهة الحاكم العُبَيْدي بعد عزل عبد العزيز بن محمد بن النعمان في يوم الجمعة سادس عشر شهر رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وقرئ سجله بالقصر وهو قائم على رجليه. وقد ساقه المُسَبّحي بطوله، قال: وكان القاضي كملا مرّ ذكر الحاكم في السِّجل قَبَّل الأرض فلما فرغ خُلع عليه قميص مصمت وغلالة مذهب وعمامة مذهب وطيلسان مذهب وقلد بسيف وخرج وبين يديه بقجة ثياب، وقُدّمت له بغلة مسرَجة، وسيقت بين يديه بغلتان كذلك فتوجه ومعه الناس إلى المسجد الجامع بمصر ولم يتأخر عنه أحد من وجوه البلد. وقُرىء سِجِله بالجامع أيضاً وهو قائم. وكلما مَر ذِكر الحاكم قبّل الأرض.
واستخلف عنه حينئذ عنه في الحكم بالقاهرة أبا القاسم حمزة بن علي بن يعقوب الغَلبوني خلع عليه، وهو أول من فعل ذلك من القضاة، لأن الخِلَع لم تكن إلا من قِبَل الخليفة أو الأمير. ثم لم يلبث الغلبوني المذكور إلا يسيراً حتى وشَوْا به إلى مالك فأبعده فحمل وأُسِر، إلى أن ظَفِرَ به فقُتل كما تقدم في ترجمته، وأقام بعده الحسين بن أغلب الفقيه. وكان يفصل المحاكمات في دار مالك ويتكلم فيما يتعلّق بالشهود.
وكان مالك هذا ينظر فين الحكم عِوَضاً عن عبد العزيز بن علي بن النعمان كما تقدم في ترجمته لاشتغال عبد العزيز بخدمة الحاكم وملازمته، حتى أنه استأذن الحاكم أن يستخلف نائبه مالك هذا نَائباً عنه إذا اشتغل عن الركوب إلى مجلس الحكم فأذِن فاستناب أبا لحسن الخليل بن الحسن بن الخليل فأذِن له أن
стр. 315
يحكم عنه، ولم يُعهدَ. قبله أنّ نائب النائب يحكم مع وجود مستنيبه وأَمَّا مع غيبته فوقع كثيراً.
وسُئل أن يولي أبا العباس ابن أبي العوّام فامتنع، ورجع إلى داره وازدحم الناس على بابه. ومنه أصحاب الشرطة من التكلم في الأحكام الشرعية. ثم أضاف إليه الحاكم النظر في المظالم في رجب سنة إحدى وأربعمائة، وخلع عليه نظير خِلعة القضاء، وقُرئ سِجِله في القصر بحضرة الأمراء وغيرهم، وتوجه إلى الجامع العتيق ومعه الشهود، وقرئ سِجلّه بذلك، فجلس للحكم، ونظر في القِصَص، وصلَّى الظهر والعصر. عينَّ ثلاثةً من الشهود لمجلسه، وقال: الشهود عندي على ثلاثة أقاسم: فِرقة أعرفهم فلا أسأل عنهم، وفرقة لا يستحقُّون ذلك فلا كلام فيهم، وفرقة لا أعرفهم فقد وَكَّلت أمرهم إليكم. قالوا: وكان في نفس الثلاثة من جماعة الشهود إحَن، فتكلموا فيهم فوقف شهادتهم فتضرّروا من ذلك، فَقَبِلَ شادة بعضهم من قِبَل نفسه ثم بحث عن أمر الباقين إلى أن تحقَّق أنهم ما وقفوا بالغَرض الفاسد فقبلهم.
وشُكى إليه القاضي قبله فأحضره إلى داره فأدُّعي عليه والتُمس يمينه تسامع الناس بذلك، فحضر جمع كثير مَّمن في قلبه غيظ على القاضي المعزول، فادَّعوا عليه بدعاوي كثيرة أنكرها كلها، فاستحلفوه. فحلّفه مالك بن سعيد ولم يُغلّظ عليه الأيمان، إلا أنه قال له: قل: والله الذي لا إله إلا هو إني بريء من دعواهم براءةً صحيحة. فحلف وانصرف.
ثم طلبه بعض الخصوم، فأرسل إليه مالكم بن سعيد ليحصر فامتنع، فألح عليه، ثم تشفّع عنده أبو العباس ابن أبي العَوَّام إلى أن استحلفه بعد تمنُّع كثير على الروض كعادته.
وعلت منزلة القاضي عند الحاكم حتى صار يحضر مائدته، ويأكل معه، وأجلسه فوق القاضي المعزول، وأصعده المنبر معه في الأعياد على عادة من تقدَّمه.
стр. 316
وأقطع الحاكم مالك بن سعيد داراً عظيمة بجميع ما فيها مخلَّفةٌ عن مفلح اللحياني، فوجد فيها شيئاً كثيراً من الأمتعة وغيرها.
وكان لمالك مكارم، فيقال إن شَخْصاً قصده فذكر أنه وُلد له مولود وأنه قصير اليد عن قُوت يومه، فأمره بالجلوس حتى يَنْفَضّ المجلس فقال له: ما سميتَ ولدك؟ قال: والله ما رأيته إلى الآن. فدفع له عشرين ديناراً وقال: هي له في كل سنة فتعال في مثل هذا الشهر فاقبضها.
وكان يتصدق بالرباعيّات من الذهب، وكان إذا حضر مجلساً احتفَّ به الفقراء والمحتاجون فلا ينصرف عنه أحد إلا وهو راضٍ.
ولما كُثر إفضاله واشتره بِرُّه، قصده أصحاب الأخبار من جهة الحاكم فكان يُحسِن لهم إذا انتصحوا له، حتى أن بعضهم كان يواطئ بعض الناس على أن مهما حصل له من القاضي شاطره فيه، ثم يتحيَّل حتى يصل له من القاضي ما يملأ يده. فواطأ يوماً رجلاً له هيئة فأمره أن يقعد في دار القاضي مقابله ولا يغضّ طَرْفه عنه لحظةً. ثم كتب ورقةً ودسّها إلى أن وصلت للقاضي فإذَا فيِها: أن بمجلسك رجلاً من ذوي البيوت قَعَدَ بِهِ الزمان ولا يُحسن السؤال وصِفته كذا. فنظر القاضي فرأى الرجل وهيئته فاستدعاه وأمر له بمال جزيل، فخرج به فشاطره الذي علّمه فيه.
ولما وفد الأشراف من مكة والمدينة إلى الحاكم، كان المخاطب لهم والمتولي لأمورهم والسفير لهم عند الحاكم القاضي، إلى أن أطلق لم الجوائز والصِّلات على يديه.
ثم عَلاّ قَدْرُ مالك بن سعيد عنه الحاكم وعظُم شأنه، حتى صار إليه أمر الصِّلاة والإقطاعات والسِّجلاَّت في جميع البلد، يخرج كل ذلك على يديه. ونظر أيضاً في المكاتبات الواردة منا لعُمَّال بالنواحي وفي مُراسلات الدُعاة. وهو الذي يطالع الحاكم بجميع ذلك ويتلقّى أجوبتهم.
ومن أحكامه أن امرأة تظلَّمت إليه من رجل شريف زعمت أنه تزوجها ثم
стр. 317
طلقها، فأحضره إلى مجلسه فأنكر ذلك، فدفع له ثلاثين دينارًا وقال: خالِعها بها، فخالَعَهَا بعشرين وأخذ لنفسه عشرة بإذن القاضي.
وتظلمت امرأة إلى الحاكم يقال لها الزرقاء بسبب ظُلامة في دار زعمت أنها مُلْكها، وزعم مَن يخامصها أنها حُبسٌ. وكثر تردادها للقاضي لوم يَقْضِ لها بشيء فأصلح بينهما وبذلك من ماله عشرين ديناراً.
قال المسبحي: وفي شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أقطع الحاكم مالك ابن سعيد بَرْنَشْت والمُحرَّقة وغيرهما.
ورفع متظلم إليه على قائد القُوَّاد حسين بن جوهر فراسله في ذلك. فحضر في مِحَفَّة لمرض كان به، فادّعى عليه أنه يستحقّ عليه خاتماً كان العزيز وهبه له بأنه اغتصبه منه، فبذل القاضي له عَوَضاً عن الخاتم ثلاثمائة دينار عن ابن جوهر، فأبى إلا أن يستحلف الحسين فحلَّفه له فحلف.
ثم استحلف مالك بن سعيد عن الأحكام الحسين بن أغلب العلوي الفقيه، وأمره أن يجلس في داره للنظر بين المتخاصمين وللنظر في أمر شهود القاضي.
وفي ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة حبس الحاكم عِدَّة أملاك ما بين قياسر ورباع على جهات عيَّنها، وأشهد مالك بن سعيد على نفسه بذلك، وأسقط من السجل ذكر المظالم، فاستشعر أنه صرفه عنها، ثم أعاد إليه بالنظر في المظالم في سابع عشر المحرم سنة خمس وأربعمائة وخلع عليه بسبب ذلك.
وفي هذه السنة من النساءَ الحاكمُ الخروج من دُورهنَّ ومنع الأساكفة من عمل الخِفاف لهن. فاتفق أن القاضي مرّ على دار امرأة فناشدته أن يَقِفَ لها ويسمع كلامها فوقف. فبكت بُكاءً شديداً إلى أن رقّ لها، وحلفت له أن لها أخاً وأنه في السياق وأنها تريد أن تراه قبل أن يموت. فأمر بعض رجالته بأن يمضي معها إلى دار أخيها، فأغلقت بابها وأعطت مفتاحها لجارتها وذهب مع الرجالة إلى دار طرقتها ففُتح لها، فدخلت. استمرَّت مقيمةً فيها، فكشف عن أمرها فإذا هو منزل رجل كانت تهواه ويهواها، فأُخبر مالك بذلك فتعجًّب من
стр. 318
فطنتها حتى توصلت إلى مُرادها. وإذا بزوجها قد جاء إلى القاضي وقال: ما أعرف زوجتي إلا منك. وحلف أنها ليس لها أخٌ وإنما ذهبت إلى عشيقها، فسُقط في يده وخاف أن يبلغ الخبر الحاكم فيكون سبب غَضَبه عليه.
فركب في الحال إلى الحاكم وقصَّ عليه القِصَّة وبكى. فأمر الحاكم بإحضار المرأة والرجل. فمضى الأعوان إليهما بغتة فوجدوهما نائمين متعانقين لا يعقِلان من السُّكْر، فحملوهما إلى الحاكم فأمر بإحراق المرأة في بارية وضرب الرجل بالسياط ضرباً مبرّحاً. وزاد في الاحتياط على النساء والتحجير عليهنّ.
وعَلتَ منزلة مالك عند الحاكم حتى كان لا يتركه يقيم في داره فأمر أن تكون دابة ركوبه مُسرَجة ملجمة ليسارع في التوجه إليه. ومع هذا القرب والاختصاص فكان ليّن الجانب سَهْل الحجاب كثير الفضل باذلاً لماله ولجاهه.
فحكى علي بن سعيد في تاريخه أن رجلاً سرق قنديلاً من فضة من الجامع العتقي فرُفع للقاضي فرفه للحاكم فقال له: ويلك سرقت فضة الجامع!.
فقال: إنما سرقت مال ربّي فإني فقير ولي بنات جياع والإِنفاق عليهن أفضل من تعليق هذا في الجامع. فدمعت عيناه ورقًّقه القاضي عليه فأمره بإحضار بناته فَحَضَرْن فأمر المقاضي أن يُجهزنَ بثلاثة آلاف دينار ويزوَّجن وأعاد القنديل إلى الجامع.
فكَثُر من سعى عنده بما لا حقّ فيه ليتوصَّل إلى غرامته عن خصمه وكان يسكن دار مشمول الإخشيدي ثم اشتراها من بيت الوزير يعقوب بن كِلِّس فزاد في أبنيتها وترخيمها وأنشأ فيها مكاناً سماه الجوسق وتقدّم إلى الوكلاء بباب الحكم أن لا يتوكل أحد منهم في شيء يتعلق لأحد من أهل الذمة ولا يركب إلى أحد منهم شاهد لتحمّل شهادة.
واجتمع قوم من السفهاء من رعاع الناس فشغبوا على الشهود بالإساءة حتى حصل للشهود بذلك شِدَّة، فاجتمعوا إلى القاضي وتظلموا منهم، فبلغ الأمر
стр. 319
الحاكم وأعلمه أن هذا يُفضى إلى تعطل أمور الرعية، فأمر بكتابة سِجل بإكرام الشهود وأن لا يتعرض أحد إليه بإذني.
ولم يزل أمر مالك يعلوا إلى أن تسلَّط عليه فقير عُوَيْر، كان يصحب ابن أبي العوَّام، فدسَ إلى الحاكم أن القاضي يركب إلى قصر أخت الحاكم ويخلو بها وكان بلغ الحاكم عنها شيء من هذا لكنه مع غير القاضي، فحقِد على القاضي وظنّ صِصَّة ما قيل.
وكان القاضي يدخل كل يوم دِهليز قصرها ليقرأ عليها فيه بعض خَدَمها، فجاء يوم فقال له الحاكم: من أين جئت؟ قال: من داري. قال: لا بل من قصر إمامتك. فقال: لا أعرف إماما غيرك. فأرجب قلبُه ورجع ثم لم يُظهر له شيئاً، إلى أن خرج يوماً إلى بِركة الجُبّ فتلاحق به الناس ومالك منهم فلما سلَّم على الحاكم أعرضه عنه، فعدل به بعض الأعوان فقتله في يوم السبت سادس عشري ربيع الآخر سنة خمس وأربعمائة.
قال: وفي يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعمائة ضُربت عُنُق مالك بن سعيد الفارقي القاضي، فكانت مدة ولايته ست سنين وتسعة أشهر وأحد عشر يوماً. وكان قد حكم نيابة عن بني النعمان ثلاثة عشر عاماً فأكمل في الحكم عشرين عاماً موالية.
وأدنى الحاكم ولده الكبير وأذِن له أن يركَب في موكِبه وتلطَّف بولده الصغير، ومنع من التعرض لشيء من تَرِكة أبيه.
وكان مالك فصيحاً بليغاً، كثير الحِلم والتأني وقوراً، يقال إنه لم يواجه أحداً قد بما يكرَه، ولا صاح على خصم، ولا انتهر سائلاً، ولا رمى أحداً بسوء ولا قبيح.
وبقيت مصر بعدة بغير قاضٍ ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وكان يتوسط بين النسا في هذه المدة يعقوب بن إسحاق، وأبو منصور المحتسب الملقَّب أبا هراة، إلى أن قُرّر أبو العباس أحمد بن أبي العَوَّام.
مالك بن شَرَاحِيل بن عَمرو بن عُذيق بن كُريب بن أسلم بن قيس
стр. 320
ابن عَدَّاس بن نصر بن منصور بن عًمرو بن ربيعة بن قيس بن بشر بن سعيد بن حاشد بن جشم بن هَمْدان الهَمْداني حليف خَوْلان. هكذا نسبه ابن يونس وقال: جعله عبد العزيز بن مروان على القضاء في المحرم سنة ثلاث وثمانين بعد موت ابن حُجَيرة وجمع له القضاء والقصص. كان من أصحاب عَمْرو، وشهد فتح مصر. وهو جَد منتصر ابن عبد الله بن عمر بن مالك.
وكان من مصر مسجد مالك بن شراحيل في خولان. ويقال إن الحجاج بن يوسف بناه، ويقال له مسجد الأديم. وكان يرسل إليه في كل سنة بحلل وثلاثة آلاف درهم. وكان رئيس الجيش الذي أخرج في مسجد. وكان يرسل إليه في كل سنة بحلل وثلاثة آلاف درهم. وكان رئيس الجيش الذي أخرج في إمارة عبد العزيز إلى مكة مدداً للحجاج في قتال ابن الزبير. ونقل الواقدي الاتفاق على أن الذي باشر قتل ابن الزبير عبدا لرحمن بن يحنِّس مولى النجيب، وكان من جند مالك بن شراحيل، وهذا هو السبب في بناء الحجاج مسجد مالك وذلك بأمر من عبد الملك.
وقال أبو عمر الكندي: حدثني ابن قديد قال: دخل عبيد الله بن سعيد السَّعدي عَلَي عبد العزيز بن مروان وعنده مالك بن شَراحِيل فقال له: أَوْسِعْ لعمِّك، ففعل، ثم دخل مرة أخرى فقال له مثل ذلك فقال له: أيها الأمير أكثرت من قولك عمّك لقد رعيتُ الإبل قبل أن يجتمع أبواه ولو سألته لأخبرك.
قلت: كَأَنَّ الشيب كان أسرع للسعدي وأبطأ عن ابن شراحيل فكان يظن أنه أسنّ منه.
مُجّلِّي بن جُمَيْع بن نَجا القرشي المَخْزُومِي الأَرْسُوفِي نزيل مصر شافعي من المائة السادسة يكنى أبا المعالي.
قرره في القضاء الوزير العادل ابن سلار في خلافة الظاهر، وذلك في سنة سبع