Полный текст (485 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وأقطع الحاكم مالك بن سعيد داراً عظيمة بجميع ما فيها مخلَّفةٌ عن مفلح اللحياني، فوجد فيها شيئاً كثيراً من الأمتعة وغيرها.
وكان لمالك مكارم، فيقال إن شَخْصاً قصده فذكر أنه وُلد له مولود وأنه قصير اليد عن قُوت يومه، فأمره بالجلوس حتى يَنْفَضّ المجلس فقال له: ما سميتَ ولدك؟ قال: والله ما رأيته إلى الآن. فدفع له عشرين ديناراً وقال: هي له في كل سنة فتعال في مثل هذا الشهر فاقبضها.
وكان يتصدق بالرباعيّات من الذهب، وكان إذا حضر مجلساً احتفَّ به الفقراء والمحتاجون فلا ينصرف عنه أحد إلا وهو راضٍ.
ولما كُثر إفضاله واشتره بِرُّه، قصده أصحاب الأخبار من جهة الحاكم فكان يُحسِن لهم إذا انتصحوا له، حتى أن بعضهم كان يواطئ بعض الناس على أن مهما حصل له من القاضي شاطره فيه، ثم يتحيَّل حتى يصل له من القاضي ما يملأ يده. فواطأ يوماً رجلاً له هيئة فأمره أن يقعد في دار القاضي مقابله ولا يغضّ طَرْفه عنه لحظةً. ثم كتب ورقةً ودسّها إلى أن وصلت للقاضي فإذَا فيِها: أن بمجلسك رجلاً من ذوي البيوت قَعَدَ بِهِ الزمان ولا يُحسن السؤال وصِفته كذا. فنظر القاضي فرأى الرجل وهيئته فاستدعاه وأمر له بمال جزيل، فخرج به فشاطره الذي علّمه فيه.
ولما وفد الأشراف من مكة والمدينة إلى الحاكم، كان المخاطب لهم والمتولي لأمورهم والسفير لهم عند الحاكم القاضي، إلى أن أطلق لم الجوائز والصِّلات على يديه.
ثم عَلاّ قَدْرُ مالك بن سعيد عنه الحاكم وعظُم شأنه، حتى صار إليه أمر الصِّلاة والإقطاعات والسِّجلاَّت في جميع البلد، يخرج كل ذلك على يديه. ونظر أيضاً في المكاتبات الواردة منا لعُمَّال بالنواحي وفي مُراسلات الدُعاة. وهو الذي يطالع الحاكم بجميع ذلك ويتلقّى أجوبتهم.
ومن أحكامه أن امرأة تظلَّمت إليه من رجل شريف زعمت أنه تزوجها ثم
стр. 317
طلقها، فأحضره إلى مجلسه فأنكر ذلك، فدفع له ثلاثين دينارًا وقال: خالِعها بها، فخالَعَهَا بعشرين وأخذ لنفسه عشرة بإذن القاضي.
وتظلمت امرأة إلى الحاكم يقال لها الزرقاء بسبب ظُلامة في دار زعمت أنها مُلْكها، وزعم مَن يخامصها أنها حُبسٌ. وكثر تردادها للقاضي لوم يَقْضِ لها بشيء فأصلح بينهما وبذلك من ماله عشرين ديناراً.
قال المسبحي: وفي شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أقطع الحاكم مالك ابن سعيد بَرْنَشْت والمُحرَّقة وغيرهما.
ورفع متظلم إليه على قائد القُوَّاد حسين بن جوهر فراسله في ذلك. فحضر في مِحَفَّة لمرض كان به، فادّعى عليه أنه يستحقّ عليه خاتماً كان العزيز وهبه له بأنه اغتصبه منه، فبذل القاضي له عَوَضاً عن الخاتم ثلاثمائة دينار عن ابن جوهر، فأبى إلا أن يستحلف الحسين فحلَّفه له فحلف.
ثم استحلف مالك بن سعيد عن الأحكام الحسين بن أغلب العلوي الفقيه، وأمره أن يجلس في داره للنظر بين المتخاصمين وللنظر في أمر شهود القاضي.
وفي ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة حبس الحاكم عِدَّة أملاك ما بين قياسر ورباع على جهات عيَّنها، وأشهد مالك بن سعيد على نفسه بذلك، وأسقط من السجل ذكر المظالم، فاستشعر أنه صرفه عنها، ثم أعاد إليه بالنظر في المظالم في سابع عشر المحرم سنة خمس وأربعمائة وخلع عليه بسبب ذلك.
وفي هذه السنة من النساءَ الحاكمُ الخروج من دُورهنَّ ومنع الأساكفة من عمل الخِفاف لهن. فاتفق أن القاضي مرّ على دار امرأة فناشدته أن يَقِفَ لها ويسمع كلامها فوقف. فبكت بُكاءً شديداً إلى أن رقّ لها، وحلفت له أن لها أخاً وأنه في السياق وأنها تريد أن تراه قبل أن يموت. فأمر بعض رجالته بأن يمضي معها إلى دار أخيها، فأغلقت بابها وأعطت مفتاحها لجارتها وذهب مع الرجالة إلى دار طرقتها ففُتح لها، فدخلت. استمرَّت مقيمةً فيها، فكشف عن أمرها فإذا هو منزل رجل كانت تهواه ويهواها، فأُخبر مالك بذلك فتعجًّب من
стр. 318
فطنتها حتى توصلت إلى مُرادها. وإذا بزوجها قد جاء إلى القاضي وقال: ما أعرف زوجتي إلا منك. وحلف أنها ليس لها أخٌ وإنما ذهبت إلى عشيقها، فسُقط في يده وخاف أن يبلغ الخبر الحاكم فيكون سبب غَضَبه عليه.
فركب في الحال إلى الحاكم وقصَّ عليه القِصَّة وبكى. فأمر الحاكم بإحضار المرأة والرجل. فمضى الأعوان إليهما بغتة فوجدوهما نائمين متعانقين لا يعقِلان من السُّكْر، فحملوهما إلى الحاكم فأمر بإحراق المرأة في بارية وضرب الرجل بالسياط ضرباً مبرّحاً. وزاد في الاحتياط على النساء والتحجير عليهنّ.
وعَلتَ منزلة مالك عند الحاكم حتى كان لا يتركه يقيم في داره فأمر أن تكون دابة ركوبه مُسرَجة ملجمة ليسارع في التوجه إليه. ومع هذا القرب والاختصاص فكان ليّن الجانب سَهْل الحجاب كثير الفضل باذلاً لماله ولجاهه.
فحكى علي بن سعيد في تاريخه أن رجلاً سرق قنديلاً من فضة من الجامع العتقي فرُفع للقاضي فرفه للحاكم فقال له: ويلك سرقت فضة الجامع!.
فقال: إنما سرقت مال ربّي فإني فقير ولي بنات جياع والإِنفاق عليهن أفضل من تعليق هذا في الجامع. فدمعت عيناه ورقًّقه القاضي عليه فأمره بإحضار بناته فَحَضَرْن فأمر المقاضي أن يُجهزنَ بثلاثة آلاف دينار ويزوَّجن وأعاد القنديل إلى الجامع.
فكَثُر من سعى عنده بما لا حقّ فيه ليتوصَّل إلى غرامته عن خصمه وكان يسكن دار مشمول الإخشيدي ثم اشتراها من بيت الوزير يعقوب بن كِلِّس فزاد في أبنيتها وترخيمها وأنشأ فيها مكاناً سماه الجوسق وتقدّم إلى الوكلاء بباب الحكم أن لا يتوكل أحد منهم في شيء يتعلق لأحد من أهل الذمة ولا يركب إلى أحد منهم شاهد لتحمّل شهادة.
واجتمع قوم من السفهاء من رعاع الناس فشغبوا على الشهود بالإساءة حتى حصل للشهود بذلك شِدَّة، فاجتمعوا إلى القاضي وتظلموا منهم، فبلغ الأمر
стр. 319
الحاكم وأعلمه أن هذا يُفضى إلى تعطل أمور الرعية، فأمر بكتابة سِجل بإكرام الشهود وأن لا يتعرض أحد إليه بإذني.
ولم يزل أمر مالك يعلوا إلى أن تسلَّط عليه فقير عُوَيْر، كان يصحب ابن أبي العوَّام، فدسَ إلى الحاكم أن القاضي يركب إلى قصر أخت الحاكم ويخلو بها وكان بلغ الحاكم عنها شيء من هذا لكنه مع غير القاضي، فحقِد على القاضي وظنّ صِصَّة ما قيل.
وكان القاضي يدخل كل يوم دِهليز قصرها ليقرأ عليها فيه بعض خَدَمها، فجاء يوم فقال له الحاكم: من أين جئت؟ قال: من داري. قال: لا بل من قصر إمامتك. فقال: لا أعرف إماما غيرك. فأرجب قلبُه ورجع ثم لم يُظهر له شيئاً، إلى أن خرج يوماً إلى بِركة الجُبّ فتلاحق به الناس ومالك منهم فلما سلَّم على الحاكم أعرضه عنه، فعدل به بعض الأعوان فقتله في يوم السبت سادس عشري ربيع الآخر سنة خمس وأربعمائة.
قال: وفي يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعمائة ضُربت عُنُق مالك بن سعيد الفارقي القاضي، فكانت مدة ولايته ست سنين وتسعة أشهر وأحد عشر يوماً. وكان قد حكم نيابة عن بني النعمان ثلاثة عشر عاماً فأكمل في الحكم عشرين عاماً موالية.
وأدنى الحاكم ولده الكبير وأذِن له أن يركَب في موكِبه وتلطَّف بولده الصغير، ومنع من التعرض لشيء من تَرِكة أبيه.
وكان مالك فصيحاً بليغاً، كثير الحِلم والتأني وقوراً، يقال إنه لم يواجه أحداً قد بما يكرَه، ولا صاح على خصم، ولا انتهر سائلاً، ولا رمى أحداً بسوء ولا قبيح.
وبقيت مصر بعدة بغير قاضٍ ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وكان يتوسط بين النسا في هذه المدة يعقوب بن إسحاق، وأبو منصور المحتسب الملقَّب أبا هراة، إلى أن قُرّر أبو العباس أحمد بن أبي العَوَّام.
مالك بن شَرَاحِيل بن عَمرو بن عُذيق بن كُريب بن أسلم بن قيس
стр. 320
ابن عَدَّاس بن نصر بن منصور بن عًمرو بن ربيعة بن قيس بن بشر بن سعيد بن حاشد بن جشم بن هَمْدان الهَمْداني حليف خَوْلان. هكذا نسبه ابن يونس وقال: جعله عبد العزيز بن مروان على القضاء في المحرم سنة ثلاث وثمانين بعد موت ابن حُجَيرة وجمع له القضاء والقصص. كان من أصحاب عَمْرو، وشهد فتح مصر. وهو جَد منتصر ابن عبد الله بن عمر بن مالك.
وكان من مصر مسجد مالك بن شراحيل في خولان. ويقال إن الحجاج بن يوسف بناه، ويقال له مسجد الأديم. وكان يرسل إليه في كل سنة بحلل وثلاثة آلاف درهم. وكان رئيس الجيش الذي أخرج في مسجد. وكان يرسل إليه في كل سنة بحلل وثلاثة آلاف درهم. وكان رئيس الجيش الذي أخرج في إمارة عبد العزيز إلى مكة مدداً للحجاج في قتال ابن الزبير. ونقل الواقدي الاتفاق على أن الذي باشر قتل ابن الزبير عبدا لرحمن بن يحنِّس مولى النجيب، وكان من جند مالك بن شراحيل، وهذا هو السبب في بناء الحجاج مسجد مالك وذلك بأمر من عبد الملك.
وقال أبو عمر الكندي: حدثني ابن قديد قال: دخل عبيد الله بن سعيد السَّعدي عَلَي عبد العزيز بن مروان وعنده مالك بن شَراحِيل فقال له: أَوْسِعْ لعمِّك، ففعل، ثم دخل مرة أخرى فقال له مثل ذلك فقال له: أيها الأمير أكثرت من قولك عمّك لقد رعيتُ الإبل قبل أن يجتمع أبواه ولو سألته لأخبرك.
قلت: كَأَنَّ الشيب كان أسرع للسعدي وأبطأ عن ابن شراحيل فكان يظن أنه أسنّ منه.
مُجّلِّي بن جُمَيْع بن نَجا القرشي المَخْزُومِي الأَرْسُوفِي نزيل مصر شافعي من المائة السادسة يكنى أبا المعالي.
قرره في القضاء الوزير العادل ابن سلار في خلافة الظاهر، وذلك في سنة سبع
стр. 321
وأربعين وخمسمائة. وكان فقيهاً. وكان فقيهاً شافعياً عارفاً بالمذهب، تفقه على سلطان بن رَشا المقدسي المقدم ذكره. وعلى جماعة بمصر وغيرها.
وصنف كتاب الذخائر في عشرين مجلدّة، جمع فيه بين الطريقتين: طريقة العراقيين والمراوزة. وهو أول من جمع بينهما. وأكثر فيه من الفروع والنقول الغربية. وأفرد كتاباً في الجهر بالبسملة، وكتاب تجويز اقتداء بعض المخالفين في الفروع. وكان حج من طريق عيذاب في البحر.
ولما ولي القضاء سار فيه سيرة حسنة، ولم ينقم عليه شيء إلا أنه كان على غير مذهب القوم، مع أنهم كانوا يشترطون على من ولي القضاء أن لا يحكم إلا بمذهبكم. ولما ولي الصالح طلائع بن رُزَّيك الوزارة صرفه، وذلك في شعبان سنة تسع وأربعين وأفاد يونس بن محمد المقدسي وأبو عبد الله ابن ميسر: أن الذي ولي بعد مجلى هو المفضّل بن كامل. ثم بقي هو إلى سنة خمسين وخمسمائة فمات فيها.
قال صاحب كتاب نجم المهتدي ورجم المعتدي: كان مُجَلّي من أعيان الفقهاء الشافعية المشهورين والمشار غليه في فنونه. وهو الذي نشر مسألة الدور بالديار المصرية، حتى أنه كان إذا عقد عقداً أمر الزوج بتقليده وعلمه المسألة، ويعتذر عن ذلك بأن العوام يكثرون الحلف بالطلاق وفي ذلك حيلة في خروجهم بتقليده في تلك المسألة عن الحرج.
وقال الشيخ جمال الدين الإسنوي: كتاب الدَّخائر متعِب لمن أراد استخراج المسألة منه، لأن ترتيبه غير معهود: وفيه أوهام جميعها بعض الحمويين الذين قدموا مصر ولكن اعتراضاته واهية في الغالب ظاهرة التحامل.
ذكر من اسمه محمد
محمد بن أحمد بن خليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، شهاب الدين
стр. 322
ابن القاضي شمس الدين الخويي الأصل منسوب إلى خُوَي - بمعجمة مصغر - مدينة من أذربيجان الدمشقي المولد شافعي من المائة السابعة.
ولد في رجب سنة ست وعشرين وستمائة، وسمع من ابن الزَّبيدي، وابن صالح، وأبي المُنجَّا ابن اللَّتِّي، والعَلَم السخاوي، وابن الصلاح وغيرهم.
ورحل إلى بغداد، ثم إلى خراسان، وأخذ عن القطب تلميذ الفخر الرازي، والعلاء الطاوُسي وغيرهما.
ومهر في الفقه والكلام والطب والأدب.
وروى عنه التاج ابن أبي جعفر، وعمر بن الحاجب، وجمال الدين ابن الصابوني، وغيرهم.
وقطن دمشق، ثم دخل القدس قاضياً، ثم جفل إلى الديار المصرية في الفتنة العظمى بهولاكو، فولى قضاء الغربية فأقام بالمحلة مدة، ثم ولي قضاء القاهرة والوجه البحرين مشاركاً للوجيه البهنسي حسب سؤال البهنسي، فإن أنهى إلى السلطان أنه لا يقوى عل قضاء الإقليمين فقرر الخوَيي معه، صار كل منهما مستقلاً بعمله.
نقلت ذلك من تاريخ الجزري التاجر. وذكره القطب الحلبي في تاريخ مصر فقال: كان إماماً جامعاً لعدة فنون، وصنف شرح " فصول " ابن معطي في النحو، والملخص للقابسي، والمطلب الأسمى في إمام الأعمى، ونظم (علوم الحديث) لابن الصلاح، و (كفاية المتحفظ) و (الفصيح) لثعلب.
وكان حسن الأخلاق سخي النفس جميل المحاضرة، حسن المعتقد على طريق السلف، سليم الفطرة، جميل الهيئة، كثير التواضع، كثير الإقبال على أهل العلم، شديد الميل إليهم، ديناً مهيباً منصفاً منقطع القرين في زمانه. وله نظم لطيف فمنه.
أضحى على تركي المدام يلومني ... فأجبته لما أطالَ مَلامِي
العقلُ أنفس حِلْيَةٍ يسكو الفتى ... فخرا فكيف أزيله بحرامِ
وله:
بخفي لطلفك كلَّ سوء أتقى ... فَامْنُن بإرشادي إليه ووفِّقِ
أحسنتَ في الماضي وإن واثقٌ ... بك أن تجودَ عليَّ فيما قد بقي
стр. 323
أنت الذي أرجو فمالي والوَرَى ... إن الذي يرجو سِواك هو الشَّقي
أنت الذي مازلتَ ترزقين ولو ... لا أن وصلتَ الرزق لي لم أرزقِ
أنت الذي وقيتني صَرْفَ الرَّدَى ... إذ كنت جاراً للعدو المحنق
أنت الذي نجيت من كيد العِدَى ... إذا أجمعوا كيدي بكل تحذلق
أنت الذي شرفتني بفضائل أَسمْو ... بها درج العلاء وأرتقى
أنت الذي سوغت لي خَلْقاً وَلَوْ ... لا أنت لم أبصر ولا لم أنطق
نِعَمٌ توالت معجزات وصفها ... فأدام تواصلها بغير تفرق
وباشر القضاء بالقاهرة خمس سنين، فاتفقت وفاة ابن الزكي قاضي دمشق في ذي الحجة سنة خمس وثمانين فنقل إلى قضاء دمشق، فباشره حتى مات في الخامس والعشرين من رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بُجَيْر - بموحّدة وجيم مصغَّر - ابن عبد الله بن صالح بن أسامة الذُّهْلِي أبو الطاهر نزيل مصر.
أصله من البصرة، مالكي من المائة الرابعة، ولد في شعبان سنة ثمانين ومائتين وقيل سنة تسع وسبعين وقيل سنة سبع وستين وهو غلط.
وذكر أنه حفظ القرآن وله ثمان سنين. وفي هذا السِّن كان أول سماعه للحديث - وهو سنة ثمان وثمانين - من يسف بن يعقوب القاضي، وموسى ابن هارون الحمَّال، وأبي مسلمِ الكَجِّي، وأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، ومحمد بن يحيى بن المنذر المَرْوزي ومحمد بن عثمان بن أبي سُوَيْد، وأبي خليفة الجُمَحِيّ، وغيرهم، وتفرّد بالرواية عن ثعلب وجماعة من شيوخه.
روى عنه الدارقُطْني، وعبد الغني بن سعيد، وتمَّام بن محمد الرازي، ومحمد بن
стр. 324
نظيف الفرَّاء، وأبو العباس ابن الحاج الإشْبيلي، وأبو الفتح محمد بن أحمد الرَّمْلي، ومحمد بن الحسن الصيرفي، وأحمد بن الحسين العطار، وأبو الحسن أحمد ابن محمد بن نصر الحُكَيميّ، وأبو الحسن محمد بن الحسين ابن الطفَّال المصري، وهو آخر من حدث عنه.
قال أبو عمر بن الحدّاد: كان أبو الطاهر محدّث زمانه وطال عمره.
وقال غيره: كان يشهد عند عمر نب أبي عمر المالكي قاضي القضاة بالعراق ثم ولي قضاء مدينة المنصور ونحو أربعة أشهر في سنة تسع عشرين وولاه المستكفي قضاء الشرقية في صفر سنة أربع وثلاثين نحو خمسة أشهر. ثم ولي قضاء مصر في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. فباشر مدة طويلة. وأضيف إليه قضاء دمشق فاستخلف عليها أبا الحسن بن حَذْلَم وأبا علي بن هَرَوان.
وقال الفرغاني: كان من شهود أبي الحسين بن أبي عمر القاضي وله به خاصّة. وكان ولي لقضاء واسط فنكبه بَجْكَم التُّركي بها، ثم تخلص بعد أن أشرف علي الهلكة. وكان فقيهاً من مذهب مالك، ثقة ثبتا مُسنداً في الحديث أديباً كاملاً جليلاً. وكان من بيت جليل. كان أوبه من شيوخ القضاة بالعراق وولي بها أعمالاً جليلة.
وقال عبد الغني بن سعيد: قرأت على القاضي أبي الطاهر جزءاً فلما فرغت قلتُ: كما قرأت عليك؟ قال: نعم إلا اللَّحْنة بعد اللحنة. فقلت: فسمعتَه أيها القاضي مُعُرَباً؟ قال: لا. قلتُ: فتلك بتلك. ثم لزِمت تعلُّم النحو من حينئذ.
قال: ثم سألته عن أول ولايته القضاء فقال: سنة عشر وثلاثمائة قال: وكان قد ولي البصرة وكان يقول: كتبت بيدي - يعني الأخذ عن الشيوخ - سنة ثمان وثمانين ومائتين ولي تسع سنين.
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استقضي المَّتقي لله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة أبا الطاهر محمد بن أحمد الذُّهلي، وله أُبُوَّة في القضاء كان سديد المذهب، متوسطاً في الفقه، على مذهب مالك، وكان له مجلس يجتمع إليه المخالفون ويناظرون بحضرته، وكان يتوسط بينهم ويتكلم بكلام سديد.
стр. 325
وقال عبد الغني بن سعيد: كَانَ مفوَّهاً شاعراً، حسن البديهة، حاضر الجواب والحجة، عَلاَّمةً، عارفاً بأيام الناس، غزير الحِفْظ، لا يملَّه جليسه من حسن حديثه، جَواداً. سمعت الوزير ابن كِلِّس يقول: لي الأستاذ كافور: اجتمِعْ بالقاضي وقُل لَهُ: بلغني أنك تَنْبَسط مع جُلَسائك، وهذا الانبساط يُذهب هَيْبة الحُكْم. قال: فجئته فأعْلَمْتُهُ فقال لي قل للأستاذ: لستُ ذا مال أفيض بِهِ على جليسي فلا يكون أقلّ من خُلُقي. قال: فأعدتُ الجواب عَلَى الأستاذ فقال: لا تعاوِدْهُ فقد وضع القَصْعة. يعني أنه عرَّض لَهُ بطلب مَا يوسّع عَلَى خواصّه من المال. ووضع القَصْعَة: كناية عن الطلب، لأن العادة جرت أن من احتاج يضع إناء بَيْنَ الرؤساء ليجعل كل منهم فِيهَا مَا تطيب بِهِ نفسه فإذا انتهى ذَلِكَ أخذها صاحبها بما فِيهَا. وهذا الآن فِي عُرف أهل العصر يقال: طوفوا لفلان بطاسة عَلَى الرؤساء. أَوْ نحو هَذَا من الكلام.
قال عبد الغني: وبلغني أن أباه خلَّف مالاً كثيراً فأنفقه وَكَانَ يذهب إِلَى قول مالك وربما اختار.
وقال الخطيب: حدَّث ببغداد، ونزل مصر وحدَّث بِهَا فأكثروا عنه، وَكَانَ ثِقَةً. وولاَّه عمر بن أبي عمر قضاء واسط وأقام بِهَا مدةً طويلةً.
وقال ابن ماكولا: كَانَ آخر من حدَث عن ثعلب وَكَانَ ثقةً ثبتاً كثير السماع فاضلاً.
وقال أبو محمد بن أبي زيد: كَانَ فقيهاً أديباً مُسْنداً لَهُ قدر وجلالة.
وقتال ابن زُولاق: كَانَ كثير الحديث واسع الذاكرة عُنِي بِهِ أبوه، وسَمَّعَهُ. وأول مَا دخل مصر سنة أربعين بعد أن ولي قضاء دمشق لأن أهل دمشق آذوه وكتبوا فِيهِ محضراً وساعدهم كافور، فوردت كتب المطيع بصرفه عن قضاء دمشق، فصُرف أقبح صرفٍ، وقرئت الكتب عَلَى المنبر فِي جامع مصر، وولي عِوَضه الخَصيبيّ فاستمر أبو طاهر بمصرٍ فلمَّا مات الخصيبيّ وولي ابنه ثُمَّ مات ابنه عن قُرْب وبقيت مصر بغير قاضٍ، فُكُلِّك كافور فِي ولاية أبي الطاهر فامتنع، وعيّن عثمان بن محمد بن شاذان قاضي الرَّمْلة بسعاية جعفر بن الفضل الوزير، فشاع بمصر موت عثمان المذكور، فبذل عبد الله بن وليد لكافور ثلاثة آلاف دينار فاجتمع الشهود وأعيان مصر عَلَى الرِّضَا
стр. 326
بأبي طاهر فركِب أبو طاهر إِلَى كافور وهو فِي مجلس المظالم ومعه رجال الخَصيبيّ، فجاءوا قاصدين كافور فصرفه فمضى إِلَى دار نحرير الخادم وعنده الشهود والأعيان، فركِب نحرير إِلَى كافور فكلَّمه فأرسل إِلَى الشهود وقال لهم: اختاروا قاضياً. قالوا: اخترنا أبا الطاهر فإنه جاورنا فما رأينا إِلاَّ خيراً. وأثنى عَلَيْهِ يحيى بن مكّيّ بن رجاء والحسن بن أيوب الصيرفي. فولاّه كافور، فانصرف إِلَى الجامع وتسلم ديوان الحكم والأحباس وباشر بِحُسْن سياسة فأحبه الناس وأَلان لهم جانبه.
وَكَانَ سهلاً فِي الأحكام لا يتشدد لما كَانَ أهل دمشق عاملوه بِهِ، وَكَانَ فِي أحكامه فِي مصر كالمحجور عَلَيْهِ لكثرة جلوس كافور للمظالم فِي كل سبت.
وكان يوقّع إِلَى الشهود، وقبض كافور يده عن الأحباس وتسلّمها منه فِي شوال سنة خمسين وردّ أمرها إِلَى الحسن بن أيوب ويحيى بن مكّيّ. وعدَّل فِي ولايته جماعةً من الأشراف.
ورفعت إِلَيْهِ امرأة أن زوجها أشعر الذَّكَر وأنها لا تُطِيقه فحكم عَلَيْهَا بأن لا تمنعه يوم يتنوَّر ثُمَّ قال لَهُ: تَنَوَّرْ أنت كل يوم إن شئت.
وقال عبد الغني بن سعيد: كَانَ ربما اختار خلاف مالك ومن ذَلِكَ القضاء بشاهد ويمين. وَكَانَ يحكى عن أبيه وإسماعيل القاضي أنهما كانا لا يحكمان بِهِ وَكَانَ إِذَا شَهد الواحد وَلَيْسَ معه غيره ردّ تِلْكَ الشهادة.
قال ابن زولاق: وَلَمْ يزل أبو الطاهر ينظر فِي الأحكام حَتَّى قدِم جوهر بعسكر المُعِزّ فانزعج أهل مصر لذلك، فندب الوزير ابن الفرات أبا جعفر مسلماً الحسينيّ وأبا إسماعيل الزينيّ، وأبا الطاهر القاضي فِي جماعة من وجوه البلد، فخرجوا إِلَى جوهر وكلّموه فِي الأمان، فكتب لهم سِجِلاًّ ورفع قدر القاضي وخلع عَلَيْهِ.
ثم دخل جوهر مصر وأقرّ القاضي عَلَى حاله، لكن ألزمه أن يحكم فِي المواريث يقول أهل البيت وَفِي الطلاق وَفِي الهلال. وَكَانَ القاضي يتراءى هلال رجب وشعبان ورمضان كل سنة بسطح الجامع، فأبطل ذَلِكَ وصار الهلال بالعدد شهراً ثلاثين وشهراً تسعاً وعشرين، فِي الصيام والفِطر وغير ذَلِكَ.
ثم وصل المعز فتلقاه وجوه أهل البلد إِلَى الإِسكندرية، فخلع عَلَى القاضي وحمله
стр. 327
وسايره فِي الركوب وقال لَهُ: كم رأيت يا قاضي خليفةً؟ فقال: واحداً والباقي ملوك. وَكَانَ رأى من العباسيين عشرةً أولهم المعتضد.
وَكَانَ النعمان بن محمد قدِم صحبة المُعِزّ فلم ينظر فِي شيء من الأحكام، مع أن المعزّ كَانَ أشركه مع القاضي. وقدم صحبة المعزّ أيضاً عبد الله بن محمد ابن أبي ثوبان، فولاّه المعز النظر فِي المظالم فتبسَّط فِي الأحكام وسمع الشهادات وسجّل عَلَيْهِ بقاضي مصر والإِسكندرية. وانفرد شهود يشهدون عَلَيْهِ فِي أحكامه كما تقدَّم فِي ترجمته. فقال لَهُ الحسين بن كهمش فِي قصّة جرت: أنت أمرت أن يُكتَب فِي إسجالك قاضي مصر. فهل صرفت أبا الطاهر أَوْ اشتركت معه؟ فأوقِفنا عَلَى سجلّك حَتَّى تستقيم الشهادة عَلَى أحكامك. فبلغ المعز فقال: يُمْضَى مَا حكم بِهِ محمد بن أحمد، فانقطع الشهود عن ابن أبي ثوبان. واعتل فأتى ذَلِكَ عَلَى نفسه فمات ومات النعمان أيضاً. فأمر المعز علي بن النعمان بالنظر فِي الحكم، وَكَانَ يحكم هو وأبو الطاهر ويشهدون عند علي بن النعمان فيما يحتاج فِيهِ إِلَى الشهادة عَلَيْهِ.
فلما ولي العزيز ردّ أمر دار الضرب والجامعَيْن بالقاهرة ومصر إِلَى علي بن النعمان، وَلَمْ يزل الطاهر يتعاطى الأحكام إِلَى أن حصل لَهُ فالج أبطل شِقَّه.
واتفق ركوب العزيز إِلَى الجيزة فِي صفر سنة ستين ولقيه أبو الطاهر عند باب الصّناعة فرآه عَلَى تِلْكَ الهيئة فقال: ما بقي إِلاَّ أن يقدّدوه. وأمره أن يستخلف ولده أبا العلاء. ثُمَّ فِي اليوم الثالث قلَّدَ العزيز علي بن النعمان، وَكَانَتْ مدة ولاية أبي الطاهر ست عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة عشر يوماً، واستمر بعد صرفه عن القضاء سنة وعشرة أشهر يُكتَب عنه الحديث. وتأخَّرت وفاته إِلَى سلخ ذي القعدة سنة سبع وستين، وعاش ثمانياً وثمانين سنة.
وفي كتاب الغرباء لابن الطحان، أنه مات فِي سنة ثمان وستين وهو غلط من الناسخ. فإن ابن الطحان ثَبْت. وقال: كَانَ ثقة ثبتاً سمعت منه.
وهو الَّذِي ذكرته من صرفه عن الحكم جزم بِهِ ابن زولاق وهو أخبر بحال بلده.
وأما الخطيب فذكر أنه استعفى من القضاء قبل موته بيسير. وكذا مقدار مَا أقام فِيهِ فِي القضاء. وهو من تحرير ابن زولاق.
стр. 328
وقال القطب الحلبي: وجدت بخط عبد الغني بن سعيد أن مدة ولايته ثماني عشرة سنة، وكأنه ألغى الكثير فِي السنة الأولى وَفِي السنة الثانية، لأنه ولي فِي ... وصرف فِي صفر.
ويقال إن أبا الطاهر دخل عَلَى كافور فِي مجلس المظالم وهو لابس خُفَّين أحدهما أحمر والآخر أسود، فرآهما كافور عند قيامه فأراه الحاضرين وطيَّر بِهِ، وحمل ذَلِكَ عَلَى عدم اهتباله وقلة تأمُّله وكثرة تفريطه، فبلغه فاعتذر بأنه لبسهما فِي العكس وهو لا يشعرُ، وَكَانَ هو فِي الأصل لا يتأنق فِي مأكل ولا مشرب ولا ملبس.
وذكر علي بن سعيد فِي كتابه جني النحل: أن أبا الطاهر كَانَ فِي خلافة المطيع يلبس السواد ويضع على رأسه دنّيَّة طويلة يزيد عَلَى الدماغ. فتحاكم إِلَيْهِ زوجان فبُدر من المرأة فِي حق زوجها كلام فال لَهَا: اسكتي، هَذَا القاضي هو أبو الطاهر، متى زدتِ من هَذَا المعنى نزع الخف الَّذِي عَلَى رأسه وقطعه عَلَى دماغك. فقال لَهُ أبو الطاهر: قم يَا كذا يَا كذا إِلَى لعنة الله، من أين لَكَ أن هَذَا خُفِّ!.
قال ابن زولاق: تقدم إِلَيْهِ رجل بامرأة يجحد ابنةً لَهُ منها فكاد يلاعِن بينهما إِلَى أن قُدِّر أن الرجل اعترف بابنته، فأمر بحمله عَلَى جمل والبنت بَيْنَ يديه ونودي عَلَيْهِ: هَذَا جزاء من يجحد ولده.
وجاءت إِلَيْهِ نصرانية أسلمت وَلَمْ يُسلم زوجها ولهما ولد صغير فقال: لا يصير مُسلِماً بإسلام الأم: فأنكر الناس ذَلِكَ فضجُّوا، فقيل: إن مذهب أهل البيت أنه يصير مُسلماً وهو قول الشافعي. فحكم بإسلامه، فدعا لَهُ الناس وأعجبهم حكمه. وَلَمْ يحكم بمصر أحد ممّن ولي قضاءها ممَّن كَانَ قضى ببغداد غير يحيى بن أكثم وهذا، إِلاَّ أن ابن أكثم مَا قضى بمصر إِلاَّ قليلاً جدّاً لما كَانَ مع المأمون.
قال الخطيب: كَانَ أبو الطاهر قَدْ ولي القضاء بمدينة المنصور.
стр. 329
محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني أبو بكر الحداد المصري الفقيه المشهور شافعي من المائة الرابعة.
وُلد لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين. وذلك حين مات المُزَنيّ.
واشتغل فِي الفقه ففاق الأقران ولازم أبا عبيد وتدرَّب بِهِ فِي معرفة الأحكام.
وسمع الحديث من أبي يزيد القَرَاطِيسِيّ، وعمر بن عبد العزيز بن مِقْلاَص، وأبي الزِّنْبَاع روْح الفرج، ومحمد بن جعفر بن أعين، وعبد الله بن محمد الخفَّاف، وأبي عبد الرحمن النَّسائيّ فأكثر عنه ولازمه.
روى عنه أبو محمد ابن زولاق، وأبو منصور الباورديّ وهو من أقرانه وكتب عنه غالب مصنَّفاته.
قال ابن يونس: كَانَ فِيهِ بَأْوٌ وفصاحة لسان، وَكَانَ يحسن النحو والفرائض ويدخل عَلَى السلاطين، وَكَانَ حافظاً للفقه عَلَى مذهب الشافعي كثير الصلاة متعبداً، وولي القضاء بمصر خلافة عن ابن هَرَوَان قاضي الرملة.
وقال أبو محمد ابن زولاق: كَانَ فقيهاً متعبّداً يحسن علواً كثيرة، منها: علم القرآن، وعلم الحديث، والأسماء والكنى، والرواة، والنحو واللغة، واختلاف العلماء، وسِيَر الجاهلية، وأيان الناس، والأنساب، ويحفظ شعراً كثيراً، وينظم ويختم فِي كل يوم وليلة ختمةً. قائماً فِي صلاة ويصوم يوماً ويفطر يوماً ويقرأ القرآن فِي ركعتين يوم الجمعة قبل الصلاة. وَكَانَ حسن الثياب رفيعها حسن المركوب طويل اللسان غير مطعون عَلَيْهِ فِي قول ولا فعل مجمعاً عَلَى صيانته وطهارته، وَكَانَ من محاسن مصر حاذقاً بعلم القضاء حسن التوقيعات.
стр. 330
وكان أول مَا ولي القضاء فِي شوال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بأمر الإِخشيد محمد بن طُغْج بعد صرف أبي محمد عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن زبر وَكَانَ القاضي يومئذ ينظر فِي المظالم ويوقّع فِيهَا، فنظر فِي القضاء خلافةً لحسين ابن أبي زُرعة وترك الحسين النظر فِي الحكم أصلاً. فكان ابن الحداد يجلس فِي الجامع وَفِي داره وَفِي دار ابن أبي زُرعة ويوقّع فِي الأحكام والأنكحة ويكاتب خُلَفاء النواحي. وَكَانَ ابن أبي زُرْعة يواصل ابن الحداد بالعطايا وبلغه أنه بنى داراً فأرسل إِلَيْهِ ثلاثمائة دينار معونةً.
ودخل عَلَيْهِ وبيده قطعة عنبر يشمُّها فناولها لَهُ فشمَّها وردّها فلم يقبَلْها.
ووقعت بينهما مغاضبة فانقطع ابن الحداد عنه حَتَّى سعى أبو محمد الحسن ابن طاهر بينهما حتى اصطلحا.
وقال ابن أبي زُرعة: مَا كَانَ لَنَا بُدّ من نصيب يُشير إِلَى حدة خلق ابن الحداد.
قلما توفي ابن أبي زرعة ولَّى الإِخشيد قضاء مصر لمحمد بن بدر ثُمَّ ولَّى ابن الحدّاد القضاء بمصر مرّة ثانية بعد صرف محمد بن بدر خلافة للحسين بن هَرَوَان وذلك فِي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وخرج الحسين من مر واستمرّ ابن الحدّاد.
وَكَانَ محبباً إِلَى الناس وأرسل إِلَيْهِ الحسين قبل أن يسافر هديَّة تساوي ثلاثمائة دينار وحضر ابن الحداد بطيلسان أسود وعمامة سوداء، واتفق أنه حكم بشهادة واحد ويمين طالب الحق، وكان الشاهد من شهود أبي عبيد فضرب أبو بكر عَلَى فَخِذه وقال: قَدْ حكمتُ بشهادتك وحدك وليست لأحد بعدك. واختص بمجلس ابن الحداد أربعةٌ يجلسون عن يمينه وعن يساره، منهم: سليمان ابن رُسْتُم، وأبو الحسن بن رجاء، والحسين بن كهمش.
وكان قوالاً بالحق، ماضي الأحكام، ويُكرمه كثير من الناس بسماع كلامه وبديع أحكامه، وَكَانَ يتشبَّه بقضايا أبي عبيد ويحكيه فِي أقواله، وَلَمْ يزل مستقيم الأحوال ماضي الأفعال إِلَى أن وصل كتاب الإِخشيد من دمشق لمحمد بن علي بن مقاتل أن يسلّم القضاء لعبد الله بن وليد. وصُرف الحسين وهَرَوَان. وَكَانَتْ ولاية أبي بكر الثانية تسعة أشهر.
стр. 331
واستمرَّ ابن الحداد عَلَى رياسته لا تُعمل فِي البلد قضية حَتَّى يُراجع فِيهَا فيُفتى فِيهَا أَوْ يُشير بالرأي، وشقّ عَلَيْهِ مع ذَلِكَ عزله عن الحكم، فبلغ ذَلِكَ الحسين بن هَرَوَان وكتب إِلَى ابن الحداد كتاباً حلف لَهُ فِيهِ: بالله لأدعنَّ عبد الله بن وليد يُضَرب فِي مجلسك بَيْنَ يديك بالسوط بعد قيام البينة بما نُسب إِلَيْهِ. فلم يتمّ لَهُ ذَلِكَ. وقُدّرت وفاة الحسين واستمرّ ابن الحداد إِلَى أن ولي عمر بن الحسن العباسي فاستخلفه فِي الأحكام، فكان يجلس فِي دار العبّاسيّ يومي الخميس والسبت وفي دار نفسه يوم الاثنين. وإذا حجَّ العباسيّ يجلس بالجامع كما مضى فِي ترجمة عمر بن الحسن العباسي. قلما ولي الخَصيبيّ كَانَتْ بينهما منافسات ومعارضات.
قال ابن زولاق فِي أُمراء مصر: حضر ابن الحداد يوماً مجلس كافور فِي المظالم والقاضي يومئذ الخصيبي، فعارضه أبو بكر ابن الحداد فِي شيء فقال لَهُ: كم تُعارضني! وواحد مثلي لا يوجد ومائة ألف مثلك عَلَى المزابل! فتألم ابن الحداد من ذَلِكَ فاتَّفق أنه عارضه مرة أخرى وقال: إِلَى كم تُعارضني. فقال: أعارضك إِذَا أخطأت وأدق عُنُقك. وحسر أبو بكر عن ذراعه فأظهر كافور إنكار ذَلِكَ، فسعى الخصيبي أن يحجب ابن الحداد وأعانه قوم عند كافور، فسفر نحرير الخادم فِي ابن الحداد عند كافور واستأذن لَهُ، فأذِن لَهُ بعد تَمَنُّع فقال: أَيُّها الأستاذ، هَذَا الشيخ أبو بكر الفقيه الفاضل المتقن. فقال كافور: والخصيبي أيضاً من أهل العلم. فقال: أَيُّها الأستاذ ولا سَوَاءَ. هَذَا الشيخ عالم وقته، وهو الَّذِي يُتَجَمَّل بِهِ. والخصيبي خاطب الشيخ بما لا يصلح. فقال كافور: وَقَدْ خاطبه الشيخ أيضاً بما لا يصلح. فاغتاظ ابن الحداد وقال مُتَمَثِّلاً:
فلو كنت ضَبّيّاً عرفتَ قَرابتي
فبادر أبو محمد كاتب كافور يده عَلَى فم ابن الحداد ومنعه أن يتمّ البيت وهو:
ولَكِنَّ زَنْجِيّاً عَظِيمَ المَشَافِرِ
وهو من شعر الفرزدق: فقام ابن الحداد وانصرف وتأخَّر نحرير. فقال كافور: أيش قال الشيخ؟ شتمني؟ فقال لَهُ: لا. وَلَمْ يقم نحرير من عند كافور حَتَّى قرّر أنّ ابن الحداد يحضر المجلس بعد أن قال لَهُ نحرير: أَيُّها الأستاذ لَيْسَ الشيخ ممن يتجمّل بالحضور بل الشيخ بحضوره يجمّل وتَأَخُّرُهُ عظيم يُكتب بِهِ إِلَى الآفاق فتحصل
стр. 332
الشفاعة. فقال لَهُ كافور: مَا حجته. وتقدّم بإكرامه وأن يرسل إِلَيْهِ بشيء، وتعصَّب الوزير جعفر بن الفرات لابن الحداد وعاد إِلَى حضور المجلس.
قال ابن زولاق: وَكَانَ ابن الحداد لسَعَةِ علمه وكثرة حفظه إِذَا حضر المجلس لا يكاد يتكلم إِلاَّ بما تقدم إِلَيْهِ عالم، لأنه كَانَ كثير التحرز صيّناً عفيفاً كثير الديانة يحاسِب نفسه بل أنفاسه. وَكَانَ الخصيبي يتوسع فِي الكلام بما اختار من غير تحفُّظ، فيُنكر عَلَيْهِ ابن الحداد. فطال عَلَى ابن الحداد الأمر فِي ولاية الخصيبي حَتَّى قال مرَّةً: اصرفوا الخَصِيبيّ ولو بابن مرحبا. يشير إلى طبيب كَانَ بمصر.
قال ابن زولاق: وحضر ابن الحداد جنازةً فِيهَا غالب أهل البلد، فلما قعدوا فِي المصلّى لَمْ يحضر ابن وليد، فالتفت ابن الحدَّاد إِلَى بعض أتباعه فقال لَهُ: امضِ إِلَى محمد بن وليد فقل لَهُ:
يَا بيت عاتكة الَّذِي عنّا انعزلْ ... حَذَرَ العِدَى وبِهِ الفُؤادُ يُوَكَّلُ
إني لأَمنحُك الصدودَ وإنني ... قَسَماً إِلَيْكَ من الصُّدود لأميلُ
وتجنُّبي بيت الحبيبِ أزوره ... أرضى البغيضَ بِهِ حديثٌ مُعْضِلُ
قال فخرج الناس يتحدثون بهذه القصة. فقال يحيى بن مكي بن رجاء: عندي خطّ ابن الحدَّاد بالطعن عَلَى ابن وليد وأنه غير أهل للقضاء. فقال لَهُ الخصيبيّ: أحضره لي. فأتاه فدفعه لمسبِّح بن عبّاس وقال لَهُ: ظفرت عَلَى من حصف ففعل. فتعصب أتباع ابن الحداد وسبُّوا مُسبِّحاً ووثبوا بِهِ فجاء إِلَى الخصيبي فقال: أنا رجل غريب وَمَا جرى عليّ قليل. وأعاد لَهُ الخط. فبلغ ابن الحداد فأطلق لسانه فِي ابن رجاء وقال: إنما سُئلت عن قاضٍ يفعل كذا وكذا فأجبت أنه لا يصلح.
قال ابن زولاق: واتفق أن كنيسة أبي شنودة انهدم جانبها، وبذل النصارى مالاً كثيراً ليطلق لهم عمارتها فاستفتوا الفقهاء. فأفتى ابن الحدّاد بهدم عمارتها، ووافقه أصحاب مالك وأفتى محمد بن علي بأن لهم أن يرِمّوها ويعمروها. فثارت العامة بِهِ وهمُّوا بإحراق داره فاستتر، وأحاطوا الكنيسة. فبلغ ذَلِكَ الأمير فاغتاظ، فأرسل وجوه غلمانه فِي جمع كثير، فاجتمع عليهم العوامّ ورمَوْهم بالحجارة، فراسلوه، فأرسل إِلَى ابن الحدّاد فقال: اركب إِلَى الكنيسة، فإن كَانَتْ قائمة فاتركها عَلَى
стр. 333
حالها، وإن كَانَتْ دائرة فاهدمها. فوجَّه ابن الحدَّاد وصُحبته عليّ بن عبد الله بن النّواس المهندس وكثُرَ الزِّحام، فلم يزل يرفق بهم اللفظ ويلين لهم القول ويُعلمهم أنه معهم حَتَّى فتحوا الدروب. ودخل الكنيسة فأخرج جميع من فِيهَا من النصارى وأغلق الباب ودفع للمهندس شمعة. ودخل المذبح وكشفه وقال: يبقى خمس عشرة سنة ثُمَّ يسقط منها موضع ثُمَّ يبقى إِلَى تمام أربعين سنة ويسقط جميعها. فأعاد الجواب فتركها وَلَمْ يعمرها، فلما كَانَتْ سنة ست وستين عُمرت كلها ولو تُركت لسقطت.
قال ابن زولاق: كَانَتْ الإخشيدية كلها تَكْرَه ابن الحدّاد لكراهتهم فِي الشافعية ولغاظته عليهم، وكان كثير التردّد إليهم مع ذَلِكَ، فاتفق أن الإِخشيد الكبير غضِب عَلَى بعض حشمه وهو مقبل المُغَنِّي فحبسه، فسُئل ابن الحداد أن يشفع فِيهِ فشفع فِيهِ فأجابه وقال: أنا أرسله إِلَيْكَ. فأرسل إِلَى مقبل فقال: خُذ العود وتوجَّه إِلَى ابن الحداد فإنِّ لَهُ. فتوجَّه إِلَيْهِ وشكره عَلَى شفاعته، فأخرج العود وقال: قَدْ أُمرتُ بأمرٍ. ففطِن ابن الحدّاد وقال والله مَا سمعته إِلاَّ فِي دور الناس من السطح. فرجع مقبل وحلف للإِخشيد أنه حمل العود منه فوجد ابن الحداد جالساً فِي جمع كثير من العلماء والفقهاء والشهود فخِفتُ عَلَى نفسي، فعذره.
قال أبو عمر الكندي: اعتلّ حمزة بن محمد الكِنانيّ فركِبت أنا وابن الحداد إِلَيْهِ فقال: يَا أبا القاسم، جئتك عائداً وزائراً، وقضيت أن أقعد عندك إِلَى الظهر، وَكَانَ عند حمزة جماعة فجلسوا وأخذ أبو بكر وحمزة فِي المذاكرة فِي الحديث والرجال وَمَا يتعلَّق بذلك من فنّ حمزة، وَكَانَ ابن الحدّاد يفي بالعلوم لا يبقى علم إِلاَّ شارك فه مع حسن المذاكرة إِلَى أن اتَّفق أن قال حمزة: مَا يردُ القيامة أحد بميزان أثقل من ميزان قُحافة لأنَّ أبا بكر فِيهِ. فقال أبو بكر الَّذِي أقول: مَا يرد القيامة بميزان أثقل من فاطمة بنت رسول الله ﷺ لأن أباها فِيهِ. ونهض فانصرف.
قال ابن زولاق: وَكَانَ ابن الحداد إِذَا صلَّى عَلَى جنازة يطيل القيام فِي التكبيرة الآخرة حَتَّى يجاوز مَا نقل عن الشافعي.
قال عبيد الله بن عبد الكريم. فتسمَّعتُ عَلَيْهِ فسمعته يقول: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) إلى قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .
стр. 334
وحدَّث ابن الحداد بكتاب خصائص عليّ للنَّسائي عنه، فحكى أنه كَانَ فِي مجلس أبي القاسم ابن الإِخشيد مع جماعة فلما نهضت أمسكني فقلت: أحاجةً؟ فقال: نعم. أيّما أفضل أبو بكر وعمر أَوْ عليّ. فقلت: اثنان حِذاء واحد.
فقال: فأيما أفضل أبو بكر أَوْ علي؟ فقلت: إن كَانَ عندك فعليّ، وإن كَانَ بَرّاً فأبو بكر. قال ابن زولاق: وهذا أعجب مَا بلغني عنه فِي ذَلِكَ.
قال: ويُشبه هَذَا مَا بلغني عن محمد بن عبد الحكم أن رجلاً سأله فاستعفاه، فأبى، فقال لَهُ: إن أخبرتَ أحداً عمَّا أقول لَكَ كلَّمتُ أحمد بن طولون فضربك بالسياط عَلِيَّ أفضل.
وَكَانَتْ ولاية ابن الحداد الأولى كما ندّم من جهة الإِخشيد خلافة للحسين ابن أبي زُرْعَة. وَكَانَ ينظر فِي المظالم ويوقّع فِيهَا. ورُميت فِي ولايته عدّة رقاع فِي الجامع منها رقعة فِيهَا أبيات شعر وهي:
قولوا لحدَّادِنا الفَقِيه ... العَالِم الماهِر الوَجِيهِ
ولِيتَ حُكماً بغير عهدٍ ... وغير عقد نظرتَ فِيهِ
ثم أبحتَ الفُروجَ لمَّا ... وقَّعتَ فِيهَا عَلَى البَديهِ
هذي فَعالٌ حملتَ فِيهَا ... وِزْرَكَ مع وِزِر مَنْ يليهِ
وهل ترى ذا ولست فِيهِ ... بجَائزٍ من مُخَالِفيهِ
أنكرتَ حالاً من ابن عمرو ... مَا أنْتَ فِيهِ ومُرْتَضِيهِ
وخُنْتَ عَهداً والله ربّى ... لناقض العهد مُبْتليهِ
والمكرُ فِي الناس داء سُوء ... والعُجْب أيضاً لمرتديهِ
لكنَّهُ فيك عير نفيّ ... للأمر والنهى يَشْتَهِيهِ
وأجاب جماعة من المصريين عن هَذِهِ الأبيات وَلَمْ يكن ابن الحدّاد اطلع عَلَيْهَا، فلما سمع الأجوبة أنكر تواتر القافية، فبحث عن ذَلِكَ إِلَى أن عرَّفوه بالحال. وَكَانَ من جملة مَن أجاب عنه محمد بن الوجيه بقصيدة جاء منها:
مَا ضَرَّ نَارَانَ وهو طامٍ ... أن مَرّ كلبٌ فَبَالَ فِيهِ
ونسبوا إِلَى ابن الحداد أنه رفع لَهُ حكم عن ابن حماد فأنشد:
لستُ ابن حمَّاد ولا ابن زَبْرِ ... ولا السَّرَخْسي ولا ابنَ بَدْر
فبلغه ذَلِكَ فقال: لعنة الله عَلَى أول من قالها.
ومدحه أحمد بن محمد الكَحَّال بقصيدة يقول فِيهَا:
كالشَّافعي تَفَقُّهاً والأَصْمَعِي ... تَفَهُّماً والتابعين تَزَهّدا
وبلغ الأبيات محمد بن موسى المعروف بِسِيبوَيْه فمدح ابن الحداد بقصيدة جاء منها:
стр. 335
مَا يضرّ البحر أمسَى زاخراً ... أَن رَمَى فِيهِ صَبّى بِحَجَرْ
قال ابن زولاق: وصار ابن الحداد من ولاية الخصيبي فِي كرب شديد. فاتَّفق أن جعفر بن الفرات تأهب للحج وَقَدْ غاب الإِخشيد ونحرير الخادم عن البلد، فاغتنم ابن الحداد الفرصة وتجهز للحج فركب محمله وهو يقول: قَدْ تركت مصر للخصيبي.
وسُمع وهو سائر يقول: اللهم لا تُمِتْنِي فِي دار غُرْبة. فاتفق أنه لما رجع توعَّك فِي الطريق فاستمرَّ فِي ضعفه إِلَى أن دخل من أبواب المدينة فمات وهو سائر فِي المحمل فِي الأرض الَّتِي بُنيت فِيهَا القاهرة، فصُلي عَلَيْهِ فِي مصر، ودُفِن فِي القرافة وقبره معروف.
قال ابن زولاق: مات فِي صفر سنة أربع وأربعين.
وقال ابن خلِّكان: مات فِي المحرم سنة خمس وأربعين. وابن زولاق أَعرف بِهِ فإنه ذكر أن مولده فِي رمضان سنة أربع وستين: وقال فِي آخر ترجمته: عاش تسعاً وسبعين سنة وخمسة أشهر، فهذه المدة مطابقة لِطرفي كلامه وهو تلميذه وبلديّه بخلاف ابن خلكان.
стр. 336
محمد بن أحمد بن قاسم بن زيد الصقلي ويلقب بالرشيد عماد الأحكام، وقيل هو محمد بن قاسم. وقيل: أحمد بن قاسم. وهو أثبت. فقد ذكره القاضي الرشيد أحمد بن الزبير فِي كتاب جنان الجنان، وأنشد لَهُ مديحاً فِي الأفضل تقدم ذكره فِي أخيه قاسم. ولي بعد نعمة الله ابن الجليس.
محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسي القاضي شمس الدين ولد سنة ...
وقدم الديار المصرية، فشهد فِي بعض المراكز ورافق المجد إسماعيل، وتقدم فِي الفقه ومعرفة الشروط، وناب فِي الحكم، وترقت بِهِ الأحوال.
ولما مات ابن منصور عَيَّنَه القاضي أوحد الدين كاتب السر فاستقر فِي ثاني عشري ربيع الآخر سنة ست وثمانين وسبعمائة. فباشر بعفة ونزاهة وصرامة وشدة وعفة. وتوفر عَلَى يده من أوقاف الأسرى مَا صيّره حاصلاً للوقف فأكثر من ثلاثة آلاف دينار بعد أن اشترى من الفائض ريعاً ووقفه، وجعل مصرفه مصرف الأصل.
وكانت لَهُ صولة عَلَى الشهود وكتّاب الحكم، لا يمشي عَلَيْهِ قضية من القضايا فِيهَا تدليس ولا دَسِيسة.
وصُرِف بالمجد إسماعيل فِي رمضان سنة اثنتين وتسعين. وَكَانَ إسماعيل نائباً عنه، فوقعت بينهما وحشة فعزل إسماعيل نفسه. وأراد أن يعتكف العشر الأخير من رمضان بالطَّيْبَرسِيّة. فجاءته الولاية فِي اليوم الثاني فخرج من معتكفه واستمر..
محمد بن أحمد بن أبي دُوَاد الإِيادي أبو الوليد.
قال ... لما فُلج أحمد بن أبي دُوَاد فِي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ولي
стр. 337
المتوكل ولده أبا الوليد القضاء مكان أبيه والمظالم، فلم يزل إِلَى أن عزله ووكل بضياعه وضياع أبيه، ثُمَّ صولح عَلَى ألف ألف دينار، وأشهد عَلَيْهِ وَعَلَى أبيه ببيع تِلْكَ الضياع لأمير المؤمنين، وأخرجهما فِي سُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى بغداد. إِلَى أن مات أبو الوليد ومات أبوه بعده بدون الشهر فِي أول العشر الأخير من المحرم سنة أربعين ومائتين.
محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السُّلمي المَنَاوي صدر الدين أبو المعالي، شافعي من المائة التاسعة.
ولد فِي شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين، واشتغل بالفقه فِي صباه، وحفظ التنبيه وغيره. وأسمِع عَلَى ابن عبد الهادي، والمَيْدُومي، ومن بعدهما. وخرج لَهُ الحافظ ابن زرعة مَشْيَخَة فِي خمسة أجزاء سمعتها عَلَيْهِ. وسمعتُ عَلَيْهِ غيرها. وولي نيابة الحكم قديماً. وسكن مصر قاضياً بِهَا منفرداً. لكنه نائب.
فلما كَانَ فِي سلخ شوال سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ولي المنصب فِي زمان مِنْطَاش. وحضر معه جمع كثير من الأمراء والأعيان وفرح الناس بِهِ لأنه كَانَ عارفاً بالأحوال لد دُرْبَةٌ بالأحكام مع حسن ملتقاه وتأليفه القلوب عَلَى محبته. وَكَانَ شكلاً مهيباً مع كثرة المباسطة والمفاكهة مع خواصه. متنعماً من المأكل والمشرب والمنكح والملبس، وَقَدْ ولي تدريس المنصورية بعد الشيخ ضياء الدين وكذلك الشيخونية.
وصنف تخريج أحاديث المصابيح وحدث بِهِ، وسمعْت عَلَيْهِ بعضه، وشرع فِي شرح جامع المختصرات، فلم يزل فِي الولاية إِلَى أن التمس منه منطاش اقتراض مال الأيتام فامتنع، فتهدده وتوعده، فأصرّ عَلَى المنع، فبلغ ذَلِكَ ابن أبي البقاء فبذل مَا التمس منه. فعزل الصدر بعد أن كان العسكر خرجوا لقتال برقوق لما بلغهم خروجه من الكرك. فرجع الصدر من مخيمه إِلَى منزله واستقر بدر الدين ابن أبي البقاء وذلك فِي سابع عشر ذي الحجة من السنة فكانت ولايته سنة وأربعين يوماً.
ثُمَّ أعيد المناوي بعد صرف الكركي فِي ثاني المحرم سنة خمس وتسعين وسبعمائة ثُمَّ التمس منه الظاهر أن يقرضه مَا فِي المودع لما عزم عَلَى السفر إِلَى حلب فامتنع أيضاً، فسعى البدر ابن أبي البقاء ثانياً فأجيب، وصرف المناوي أيضاً من المخيم
стр. 338
فِي ثالث عر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين. واستقر ابن أبي البقاء وخلع عَلَيْهِ فِي المخيم، ثُمَّ أعيد الصدر فِي حادي عشر شعبان سنة سبع وتسعين. فسار عَلَى سيرته إِلاَّ أنه تعاظم فِي هَذِهِ الولاية الثالثة.
واستمر إِلَى أن غضب منه الظاهر بسبب قضية سأله فِيهَا فأغلظ فِي الجواب فاحتمله، وسأل عن أحوال نوابه فوصف لَهُ التقي الزبيري فعرفه، فقرره فِي الحكم فِي جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، فباشر مباشرة حسنة إِلَى أن صرف فِي خامس عشر شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة.
وأعيد الصدر المناوي فكان لَهُ يوم مشهود، إِلاَّ أنه لما وصل إِلَى باب الصالحية سقطت عمامته، فصادف بعد استقراره موت الظاهر فِي شوال من السنة، ثُمَّ سار صحبة العسكر لقتال نائب الشام تَنَم، فحصل النصر، وعظم قدر القاضي لأن السلطان جعله من أوصيائه، وَكَانَ فِي هذه السفرة بزي أكابر الأمراء من كثرة الغلمان والحشم والخدم والخيام، فلما رجع رجع فِي صورة الملوك لا يلتف لأحد ولا يأذن لأحد من الشهود وغيرهم فِي الجلوس، بل يؤدون شهادتهم وهم قيام عَلَى أرجلهم.
ثم بعد رجوعهم بقليل فِي أول سنة ثلاث وثمانمائة ورد الخبر بطَرْق اللنكية البلاد الشامية، فتجهز العسكر لقتالهم، فخرجوا فِي سنة ثلاث وثمانمائة، فلما انهزم العسكر المصري من اللنكية أسِرَ القاضي صدر الدين، فبلغ اللنك فاستحضره فدخل وعليه ثوب قصير وهو فِي حبل، فقال لَهُ: يَا قاضي، أنا كافر، تنادي عليّ فِي بلدكم أني كافر وقتالي واجب! فأنكر. فقال: تحلف وأقيم عَلَيْكَ البينة ثُمَّ أقطع رأسك وآمر أن يلقى إِلَى الفيلة.
فحكى القاضي جمال الدين ابن الكشك أنه كَانَ حاضراً هو وقضاة دمشق قال: فقمنا فأكببنا عَلَى يديه حَتَّى صرفه، ثُمَّ ادعى شخص أنه من ذرية خليفة بغداد، فأحضر اللنك قضاة دمشق والصدر المناوي، فجلس الصدر فوقهم فأمر بِهِ اللنك فأقيم وأجلس تَحْتَ نواب قضاة دمشق. وقال لَهُ: المسخوط عَلَيْهِ لا يجلس فَوْقَ أحد. قال فكنت أمرّ بِهِ وهو فِي غرفة محتفظاً بع فكان يناديني فأطلع إِلَيْهِ وأتحدث معه.
واتفق أن اللنك أمره أن يكتب إِلَى الناصر فرج كتاباً يأمره فِيهِ بإطلاق أَطْلَمِش قريب اللنك وكان محبوساً بالقلعة من عهد الظاهر. فقال لَهُ الصدر: لستُ فِي هَذِهِ المرتبة، وإنما أكتب إليهم أشفع فِيهِ فقال لَهُ: كذبتَ هَذِهِ كتبهم إليّ أنه لَيْسَ فِي دولتهم
стр. 339
بأعظم منك. وأخرج كتاباً فِيهِ وصف الصدر بذلك وأزيد. وأمر بتقييده والزيادة فِي إهانته. فلما رحلوا من دمشق استمر مأسوراً إِلَى أن مرّوا بنهر الزاب، فيقال إن البغل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عثر فِي النهر فسقط الصدر وهو مقيد فغرق. فبلغ اللنك ذَلِكَ فاتهم الموكل بِهِ أنه ارتشى منه وأطلقه. وأخذ فِي التفتيش عَلَيْهِ حَتَّى استخرج من آخر النهر وَقَدْ تغير وجهه، وتمعَّط شعر لحيته، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أواخر شهر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة، فأكمل إحدى وستين سنة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الإسماعيلي ثُمَّ الصالحي أبو بكر المقدسي، ابن أخي الحافظ عبد الغني صاحب العمدة، حنبلي من المائة السابعة.
ولد فِي رابع عشر صفر سنة ثلاث وستمائة، وعني بالعلم، فأحضر علي ابن طَبَرْزَدَ عدة أجزاء، وسمع عَلي الكندي، والحرستاني، وابن مُلاعب، والشيخ الموفق ومَن بعدهم.
وسمع ببغداد من الفتح ابن عبد السلام والموجودين إذ ذَاكَ فأكثر، وخرّجت لَهُ مَشْيَخة فِي عشرة أجزاء عَلَى حروف المعجم. وحدث بِهَا إِلاَّ الأخير.
وأخذ الفقه عن الشيخ الموفق وغيره، وأقام ببغداد مدة يشتغل، وتزوج بِهَا ورزق أولاداً، ثُمَّ تحوّل إِلَى مصر بعد الأربعين إِلَى أن صار شيخ المذهب علماً وصلاحاً وعلو إسناد.
روى عنه الدمياطي، والشريف الحسيني، ومسعود الحارثي، وعبيد الإِسْعردي، والبدر الفارقي، والقطب الحلبي، وآخرون.
قال القطب فِي تاريخه: سمعتُ عَلَيْهِ صحيح مسلم، ومعجم شيوخه إِلاَّ الجزء الأخير، فإن المنية أدركته قبل أن يحدث بِهِ.
وقال التَّقِيّ عُبَيد: كَانَ مشهوراً بمكارم الأخلاق وحسن الطريقة. وولي قضاء القضاة لما قررت المذاهب أربعة وأفتى ودرس.
وقال البرزالي: كَانَ حسن السمت، وضيء الوجه، منور الشيبة، لَهُ معرفة بالفروع والأصول، مع كثرة البر والصلة، والعبادة، والتواضع، والتودد.
стр. 340
وقال القطب الحلبي: كَانَ سخيّاً، كريمَ النفس، حسنَ الصورة والأخلاق، كثيرَ الصمت، جليلَ القدر، من بيت العلم والزهادة، مع معرفة المذهب. وولي القضاء، ومشيخة الخانقاه السعيدية.
وقال الذهبي: كَانَ إماماً محققاً كثير الفضائل والصلاح مليح الشكل.
وقال القطب اليونيني: كَانَ من أحسن المشايخ صورة مع الفضل والدين والكرم وسعة الصدر، قال: وهو أول من درس من الحنابلة بالصالحية، وأول من ولي قضاء القضاة وتولى مشيخة الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء، قال: وَكَانَ الصاحب بهاء الدين يتحامل عَلَيْهِ ويُغْرى بِهِ الملك الظاهر، وَكَانَ لا يلتفت إِلَيْهِ ولا يخضع لَهُ.
وكانت ولايته القضاء فِي ذي الحجة لما قرر الظاهر بيبرس القضاة أربعة، فلما كَانَ فِي ثاني شعبان سنة سبعين أمر بالحوطة عَلَى داره، وعزل عن القضاء، واستمر مذهبه بغير قاض، وتأخرت وفاته إِلَى يوم السبت فِي ثاني عِشْرِي المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن بتربة عمه، وَكَانَ الجمع وافراً. وَكَانَ السبب فِي محنته أنه نسب ودائع كَانَتْ عنده لأناس ماتوا عن غير وارث فاعتقل بسبب ذَلِكَ سنتين، ثُمَّ أفرج عنه ولزم بيته يدرس ويفتي ويتعبد إِلَى أن مات.
محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم ابن صخر بن عبد الله بن إبراهيم بن أبي الفضل الكناني الحموي قاضي المسلمين بدر الدين أبو عبد الله الشافعي من المائة الثامنة.
ولد فِي سنة تسع وثلاثين وستمائة بحماة ونشأ بِهَا، وَكَانَ والده يسلك طريق الزهاد وينتمي إِلَى الشيخ أبي البيان نَبَأ بن محمد بن محفوظ القدوة المشهور، ولذلك كَانَ ابن جماعة المذكور ينسب بيانياً. ومات أبوه إبراهيم فِي ذي الحجة سنة خمس وسبعين بحماة.
стр. 341
واشتغل ببلده، ثُمَّ قَدِمَ دمشق، فأخذ عن النووي، والتقي ابن رَزِين، وجمال الدين ابن مالك، وغيرهم فِي عدة فنون. وسمع الحديث بحماة والشام ومصر من جماعة منهم: والده، وأحمد بن عبد الدائم، وابن عزّون، وابن أبي اليسر، والرشيد العطار والرَّضِيّ ابن البرهان، وابن علاّق، وشيخ الشيوخ بحماة، وأجاز لَهُ الرشيد بن مُسْلِمَة، ومكي بن علان فِي آخرين.
وخرج لَهُ البرزالي مشيخة، وتصوف وتنزل فِي الخوانق، ثُمَّ ولي قضاء القدس والخطابة فِي سنة سبع وثمانين. قلما وقع بَيْنَ القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز وبين الوزير ابن السلعوس، وتمالأ الوزير عَلَى القاضي فِي سلطنة الملك الأشرف خليل عَلَى مَا تقدم فِي ترجمته، وَكَانَتْ بينه وبين ابن جماعة صحبة لما كَانَ بدمشق، عينه للقضاء، واستقدمه عَلَى خيل البريد فِي سلطنة الأشرف خليل فِي ثاني عشر شهر رمضان سنة تسعين وستمائة.
فلما وصل بدأ بالسلام عَلَى الوزير وأفطر عنده، وذلك فِي تاسع عشر رمضان فجمع بينه وبين الأشرف فولاه الإقليمين، ثُمَّ أفطر فِي تِلْكَ الليلة أيضاً عند الوزير وخاطبه بقاضي القضاة وصرح بعزل القاضي تقي الدين، وأرسل إِلَى القاضي بدر الدين الخلعَة والتقليد، فأصبح يحكم بَيْنَ الناس يوم الجمعة.
ثم أضيفت إِلَيْهِ خطابة الجامع الأزهر، فلبس الخلعة، وركب إِلَى بيت الوزير ثُمَّ إِلَى الجامع فخطب، ثُمَّ أمر لَهُ بتدريس الصالحية فانتقل إِلَيْهَا ودرّس بِهَا، فلما كَانَ الجمعة المقبلة، أمر الأشرف أمير المؤمنين الحاكم أن يخطب بِهِ فخطب، فلما نزل من المنبر أمر القاضي أن يصلي بهم الجمعة ففعل، وذلك بالقلعة، واستمر القاضي يخطب بالقلعة واستناب فِي الجامع الأزهر صدر الدين ابن شيخه القاضي تقي الدين ابن رزين.
فلما قُتل الأشرف، وقُبض عَلَى ابن السلعوس، صرف البدر، وأعيد القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز، وذلك فِي أول المحرم سنة ثلاث وتسعين.
ورحل القاضي بدر الدين إِلَى الشام عَلَى قضائها، فاستمر إِلَى أن أعيد إِلَى قضاء الديار المصرية بعد موت الشيخ تقيّ الدين ابن دَقيق العيد، وذلك فِي شعبان سنة اثنتين وسبعمائة.
فشغر منصب القضاء من صفر إِلَى شعبان. فاستقر إِلَى أن رجع الناصر من
стр. 342
الكرك، فصرف فِي صفر سنة تسع وسبعمائة. ثُمَّ أعيد بعد سنة وشهرين فِي العشرين من ربع الآخر سنة عشر وسبعمائة، فاستمر إِلَى أن كف بصره، فشق عَلَيْهِ مفارقة المنصب فصنف جزءاً فِي صحة ولاية الأعمى، وسبقه إِلَيْهِ أبو سعيد ابن أبي عصرون بدمشق، ثُمَّ تلاه القاضي شرف الدين البارزي بحماة.
ونُمِيَ إِلَى الملك الناصر أن القاضي أضر وهو يكتم ذَلِكَ، وَكَانَ ذا حضر الموكب يقدمه نقيبه فيمشي عَلَى حسه، فأمر مرة بمنع نقيبه من المشي أمامه ففعل، فعثر فِي طرف الإيوان. فعرف الناصر الحال، فدس عَلَيْهِ من يعرفه أن يطلب الاستعفاء ففعل، فأعفي وبقيت معه عدة وظائف. وَكَانَ ذَلِكَ فِي عاشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة.
وتأخرت وفاته بعد ذَلِكَ ست سنين وهو منقطع بمنزله بشاطئ النيل جوار الجامع الجديد، وَكَانَ قَدْ ولي خطابته وإمامته منذ فتح، واستمر بيد ذُرّيته نحواً من مائة سنة.
ووصف بأنه كَانَ قابض اليد عمّن يقصده ويستعينه، فسئم الناس منه لطول ولايته، وصار هو غير مكترث بأحد لأمنه ممن يسعى عَلَيْهِ.
فاتفق أنه كَانَ متوجهاً إِلَى درس الخشابية فصدفه شيخ عتيق من أهل مصر، فقال: اللهم أزِلْ عن المسلمين مَا يكرهون. فقال القاضي بدر الدين: آمين، اللهم آمين. ثُمَّ قال لشخص معه: إن هذا قصدني بدعائه، فسمعه الشيخ فقال: لا والله يَا مولانا. فقال: بل الأمر كما أقول لَكَ: فإن الناس طالت عليهم مدتي، وبَعُدَ عهدهم بقاضٍ جديد وحاشية جديدة.
وكان القاضي كثير الاحتمال، فلم يصل للرجل منه مكروه.
ودخل إِلَيْهِ البصير الحمامي وَكَانَ لَهُ مرتب عَلَى الأحباس فسأله أن يصرفه لَهُ فامتنع، فغاب أياماً ثُمَّ دخل إِلَيْهِ ومعه درج طويل فِيهِ نحو عشرين زجَلاً أوله:
قاضي القضاة المفدّى ... ذو الكائنات المطاعهْ
سألته عن أبيه ... فقال: أنا ابن جماعهْ
وشرع يقرأ من الدرج فأمره بالسكوت، وصرف لَهُ من عنده شيئاً فأخذه وانصرف بالدرج معه.
стр. 343
وَكَانَتْ لَهُ مشاركة فِي أكثر العلوم، وَلَهُ فِيهَا تصانيف لطاف، واختصر عدة تصانيف منها: علوم الحديث لابن الصَّلاح وغَيَّر ترتيبه وسماه المَنْهلَ الرَّوي،، واختصر مبهمات القرآن للسُّهيلي وزاد فِيهِ أشياء كثيرة، أظنه لخصها أيضاً من ذيل ابن عساكر. وكذا صنع فِي مناسبات أبواب البخاري، أخذ كتاب ناصر الدين ابن المُنَيِّر فاختصره اختصاراً بالغاً وَلَمْ ينسبه إِلَيْهِ، لكنه هو بعينه لَمْ يزد فِيهِ سوى شيء يسير.
وله تصانيف أخرى فِي عدة فنون حَتَّى فِي الهيئة والهندسة، وَلَهُ نَظْم كثير أورد منه ولده عز الدين فِي معجم الأدباء كثيراً. وخرج لنفسه أربعين تساعية، وخرج لَهُ البرزالي مشيخة فِي مجلدة سمعناها عَلَى حفيده شرف الدين بسماعه منه. ودرس فِي الإِقليمين فِي عدة جهات، وَكَانَ يعجبه أن يقيم بدمشق أَوْ القدس وَفِي ذَلِكَ يقول:
يَا لهفَ لن تدوم خطابتي ... بالجامع الأقصى وجامع جِلَّقِ
مَا كَانَ أهنَى عيشنا وألذّهُ ... فِيهَا وذاك طرازُ عمري لو بَقِي
الدين فِيهِ سالم من هَفْوَةٍ ... والرزق فَوْقَ كفاية المسترزِقِ
وذكره القطب الحلبي فِي تاريخ مصر فقال: ودرّس فِي عدة مدارس، وولي مَشْيَخَة الخانقاه لمعرفته بطريق القوم، وَلَهُ معرفة بالتفسير والفقه والحديث وَلَهُ تصانيف مفيدة، وأفتى سنين كثيرة، وخطب بدمشق وبالقدس، وفيه رياسة وتودد ولين جانب وكيس أخلاق ومحاضرة حسنة. وَكَانَ قوي النفس فِي ذات الله، من بيت علم وعبادة. قال: حججت معه سنة تسع عشرة، وقرأت عَلَيْهِ فِي بعض الحاج وانتفعت بِهِ، وولاني تدريس الحديث بمكانين.
وقرأ بخط الجمال البشيشي فيما جَمَعَه من أخبار قضاة مصر: كَانَ شديد الميل إِلَى القضاء يجتهد فِيهِ بكل مَا يسعه طرفه لا يقدم عَلَيْهِ شيئاً، وَكَانَ عارفاً بأحوال الزهاد والعباد، وأقام مدة بالديار المصرية يقصد بالفتوى ولا يقصدون عالماً غيره، وولي مَشْيَخَة خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة مدة، وَكَانَ كثير التودد لين الأخرق عفيفاً عن الأموال، كثير العبادة، وحج مراراً كثيرة.
ويقال إن فتواه عرضت عَلَى الشيخ محيي الدين فاستحسن كتابته عَلَيْهَا.
وقرأت بخطه كَانَ ابن دقيق العيد قبل أن يلي القضاء مُحِباً فِي تحصيل الكتب،
стр. 344
فاتفق أنه اشترى كتباً من تركة، فجاء أمين الحكم يطالبه فلم يجد معه الثمن، فرفعه إِلَى القاضي بدر الدين المذكور، فتوسط بينه وبين أمين الحكم أن تكون جامكيته بالكاملية فِي وفاء دَينه وَفِي الفاضلية بكلفته، وَلَمْ يكن بيده حينئذ غيرهما وقال لَهُ القاضي: يَا شيخ تقي الدين، أنا أغار من هَذِهِ الاستدانة. فقال: مَا يوقعني فِيهَا إِلاَّ محبة الكتب.
قال جمال الدين المذكور: كَانَ من حق القاضي أن يقوم عن الشيخ بثمن الكتب بل بجميع مَا عليه من الدَّين، وَكَانَ ذَلِكَ يلزمهم من عدة جهات. قلت: هَذَا مما يتعجب من مثله مع كثرة مَا كان للقاضي يومئذ من متحصل الأنظار والمرتبات عَلَى جهات المملكة واتساع أموال مودع الحكم، فلو صرف لَهُ ذَلِكَ من زكاة يتيم واحد لأمكنه، فكيف أغفل ذَلِكَ واقتنع بالمعاتبة! والله إن هَذَا لشيء عجيب.
وقرأت بخط البشيشي فِي ترجمة الزرعي: أن الملك الناصر لما عاد إِلَى السلطنة بعد إقامته فِي الكرك وسلطنة المظفر بيبرس، كَانَ الزرعي ممن ينوب عن ابن جماعة، فسأل الناصر مَن يثق بِهِ عمن يصلح للقضاء فوُصِف لَهُ الزرعي، فاستدعى بِهِ فعينه وألبسه الخلعة وأمره أن ينزل كم اهو إِلَى الصالحية ويسلم عَلَى ابن جماعة ففعل، فلم يشعر ابن جماعة وهو فِي مجلس الحكم والنواب بَيْنَ يديه والموقع يكتب والقاضي يعلم وتارة يحكم والنقيب يقدم الخصوم والقصص إِلاَّ والزرعي قَدْ دخل لابساً التشريف. فظن ابن جماعة أنه خلع عَلَيْهِ بقضاء الشام، فنهض لَهُ قائماً وهنأه، واستمر الزرعي قائماً عَلَى قدميه وابن جماعة واقفاً لوقوفه فقال لَهُ النقيب: مَا الَّذِي وليتم؟ فقال: مكان مولانا قاضي القضاة. فنكس ابن جماعة رأسه. وخرج من القاعة يزاحم مَن فِي الباب من الخلائق وأكثرهم لا يشعر بشيء من حاله حَتَّى ركب ومضى، وجلس الزرعي مكانه وانعقد المجلس عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ومضى ابن جماعة فِي غاية الانكسار والخجل. وبلغ الملك الناصر ذَلِكَ فأعجبه جدّاً لأنه كَانَ تقم عَلَى ابن جماعة مسارعته إِلَى سلطنة المظفر بيبرس.
ومات فِي ليلة الاثنين الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة وَقَدْ كمل أربعاً وتسعين سنة وشهراً وسبعة أيام.
محمد بن أسعد الميانشي ...
стр. 345
محمد بن بَدْر بن عبد الله بن عبد العزيز الكِنَانِيّ مولاهم المصري من المائة الرابعة كَانَ أبوه مولى يحيى بن حكيم الكناني وَكَانَ صيرفياً موسراً ومن أجله صنّف أبو عمر الكندي كتاب الموالي.
وولد لَهُ محمد سنة أربع وسنتين ومائتين، ومات بدر ولمحمد عشرون سنة، واشتغل محمد عَلَى أبي جعفر الطحاوي حنفياً، وسمع الحديث من علي بن عبد العزيز البغوي بمكة، ومن غيره بمصر.
قال ابن يونس فِي تاريخه: كَانَ أبوه رومياً صيرفياً، وتفقه هو عَلَى مذهب الكوفيين، وجالس الطحاوي، وحدث عن علي بن عبد العزيز وجماعة من المكيين والمصريين، وَكَانَ ثقة.
وقال أبو عمر: يقال إن بدراً خلف ألف دينار عيناً سوى الرباع وغيرها وَلَمْ يخلف وارثاً غيره. وكتب محمد بن بدر الحديث، وتعلم الفروسية وركوب الخيل، ولازمه جماعة من المصريين، وكان من بداية أمره لَهِجاً بحب القضاء حَتَّى بلغ من شغفه بِهِ أنه اجتمع عنده فِي بستان لَهُ بالجيزة جماعة فجلي مجلس القاضي وجلسوا حوله كالشهود يستعرضهم، فعدل جماعة وأوقف جماعة، فاتفق أنه ولي القضاء حقيقة فأجاز من كَانَ عدله وأوقف من كَانَ أوقفه، فَعُدَّ ذَلِكَ من عجيب الاتفاق.
ولازم محمد بن بدر القضاة يخدمهم ويتعاطى أمورهم ويتقرب إليهم، وجهد حَتَّى جلس مع أبي جعفر الطحاوي أيام محمد بن عَبْدَة يكتب فِي الحكم.
وَكَانَ يجالس وصِيفاً صاحب الشرطة ويراجعه فِي الأمور الشرعية، فأنشأه الطحاوي، فلما ولي أبو عثمان ابن حماد القضاء خطب محمد بن بدر القضاء من العراق، فبلغ ذَلِكَ أخاه هارون بن حمّاد فأمر أخاه أبا عثمان أن يسعى فِي إفساد حاله، فجمع وجوه الناس من الشهود والتجار وأخبرهم بأن محمد بن بدر يروم ولاية القضاء فتكلموا فِيهِ واستصغروه عن ذَلِكَ، فأمرهم أن يكتبوا فِيهِ محضراً، فكتبوا أنهم لا يعلمون أن أباه خرج من الرق، ونسبوا محمداً إِلَى كل قبيح فِي لسانه وملبسه حَتَّى سراويله. وشهد فِي المحضر جماعة، فكتب كل منهم مَا زعم أنه اطلع عليه.
стр. 346
ومن جملة من كتب أبو الذكر الَّذِي ولي القضاء بعد أبي عبيد بن حربويه وعبد الرحمن بن إسحاق بن معمر الَّذِي ولي القضاء أيضاً، وأسجل أبو عثمان ابن حماد بِتَقْسِيقِه وكتب بذلك عدة نسخ، وأنفذ واحدة منها إِلَى العراق، وخلد نسخة منها بديوان الحكم، وأودع بقية النسخ عند أعيان المصريين.
واستقر محمد بن بدر فِي منزله فبالغوا فِي أمره، حَتَّى قال قائل: أَيُّها القاضي أَلا تُسلّم مَا فِي يد محمد بن بدر من المال لمواليه وتسألهم عتقه وأن يدفعوا لَهُ بغلاً وروايةً يستقى عَلَيْهَا الماء ليتكسب بذلك؟ فبلغ ذَلِكَ أبا هاشم المقدسي الَّذِي ولي القضاء أيضاً بعد ذَلِكَ، فأرسل إِلَى محمد بن بدر ليلاً فسأله عن حاله فحدثه بتعصبهم عَلَيْهِ، فركب معه إِلَى الأمير تكين وَكَانَ خاصّاً بِهِ، فسأله مساعدته وعرفه أنه مظلوم. فأرسل تكين إِلَى أبي عثمان يطلب منه المحضر ونُسَخه، فأرسل إِلَيْهِ بعضاً وأخفى بعضاً. فأطلق أبو هاشم لسانه فِي أبي عثمان.
ولزم محمد بن بدر باب أبي هاشم وصار يصانع الشهود الذين شهدوا عَلَيْهِ، ويتقاضى أشغالهم ويوفيهم حقوقهم إِلَى أن حضر عبد الله بن زَبْر إِلَى مصر قاضياً، فدخل إِلَيْهِ محمد بن بدر وعرفه حاله فوعده بالنصر، وساعده الطحاوي والحسين بن محمد المعروف بمأمون فخلا بهما ابن زَبر، وسألهما عن محمد بن بدر فقالا فِيهِ قولاً جميلاً. ثُمَّ حضر أبو بكر ابن الحداد فسأله عنه فأثنى عَلَيْهِ. فَعَدَّلَهُ ابن زَبر وأحضر مكتوباً شهد فِيهِ محمد بن بدر وأودى بشهادته عنده فقبله مع شاهد آخر، فأهدى محمد بن بدر لابن زَبر بسبب ذَلِكَ ألف دينار، قاله أبو عمر الكندي.
وقال ابن زولاق: كَانَ محمد بن بدر حسن الهيئة والمركوب والملبوس والمسكن. فلما صرف ابن زَبر وعاد أبو عثمان لَمْ يقبله. فلما عاد ابن زَبر قَبِله. ثُمَّ وليها أبو هاشم فاستكتبه. ثُمَّ ولي ابن قتيبة فقام محمد بن بدر بأمره. فكتب ابن قتيبة إِلَى محمد بن الحسن ابن أبي الشوارب قاضي القضاة وَكَانَ ابن قتيبة خليفته يذكر لَهُ محمد بن بدر ويثني عَلَيْهِ. فكتب ابن أبي الشوارب إِلَى محمد بن بدر بعهد القضاء بعد ابن قتيبة. فورد عَلَيْهِ كتاب العهد وَلَيْسَ عنده علم من ذَلِكَ. فتوقف الماذرائي عن نفاذ عهده ثُمَّ أمضاه. فحضر إِلَى المسجد وحضر مجلسه جماعة من شهود أبي عبيد وفيهم
стр. 347
من شهد فِي المحضر المكتتب عَلَيْهِ. وحضر عنده عفان البزار وهو من وجوه المصريين فأشار عَلَيْهِ بتعديل جماعة كانوا تأخروا عنه ففعل.
واستقامت أموره، وباشر مباشرة حسنة، فأعطى القضاء حقه، وَلَمْ يتهاون بشيء من الأمور حتى إنه ابتاع فِي ولايته للأيتام رباعاً بسبعة عشر ألف دينار، وَكَانَ يجلس يوم الجمعة بالغداة فيحضر إِلَيْهِ الأيتام مع أمهاتهم ومن يكفلهم وأمناؤهم فيشاهد أحوالهم ويسألهم عما غاب عنه، ويقضي شهواتهم، وسار عَلَى طريقة الاحتمال والتجاوز، فلم يظهر عَلَى أحد ممن شهد عَلَيْهِ حقداً ولا مجازاة عَلَى الإِساءة، وواصل الإحسان للشهود الَّذِين تأخروا عنه يقضي حقوقهم، ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم.
فلما دخل الإِخشيد أميراً تلقاه محمد بن بدر فِي جمع كبير من الشهود ولبس يومئذ السواد، وَلَمْ يكن لبسه قبل ذَلِكَ. فأعجب الإِخشيد بذلك، وأثنى أهل البلد عَلَى سيرته عند الإِخشيد، ودخل ذاك الوقت الوزير أبو الفضل ابن حِنزابة مصر، فخرج إِلَيْهِ محمد بن بدر فتلقاه وقضى حقه، ودخل عَلَيْهِ مرة ومحمد بن علي الماذرائي عنده مقبوضاً عَلَيْهِ فِي المصادرة فقال الوزير: هذا إسماعيل بن بيان وكيل جارية محمد بن علي فمهما جاءك فِيهِ فامضه. فقال حَتَّى تثبت وكالته عندي بشاهدين عَلَيْهَا. فقال لَهُ: أنا أقول لَكَ هو وكيل وتقول لي حَتَّى تثبت عندي! وخبرك عندي بالتفصيل وَلَيْسَ هَذَا موضعك، وإنما تريد أن يشيع هَذَا القول أقيموه فأُقيم واعتقل ساعة فِي داره، ثُمَّ خوطب فِيهِ فأطلق، ثُمَّ أرسل إِلَيْهِ من تريد من الشهود؟ قال من شهودي الذين أقبلهم ففعل الوزير ذَلِكَ، وعظم محمد بن بدر فِي عينه وحسن موقع فعله عنده.
وكان ابن الحداد قَدْ تسلم من محمد بن موسى السرخسي لمحمد بن بدر، فلما ولي ابن بدر احتاط بنفسه وَلَمْ يكل إِلَى ابن الحداد شيئاً، فانقبض عنه، فلم يزل محمد ابن بدر يلي الحكم إِلَى شعبان سنة أربع وعشرين، فوردت ولاية عبد الله بن زبر عَلَى يد عبد الرحمن بن إسحاق ويحيى بن الحسين بن الأشعث فتسلما لَهُ من محمد بن بدر، فكانت ولايته سنتين.
ثُمَّ ولي مرة أخرى فِي ذي الحجة سنة سبع وعشرين، فركب إِلَيْهِ الشهود الَّذِين تخلفوا عنه واعتذروا إِلَى الناس بأن قالوا: مَا رأينا منه فِي الولاية الأولى إِلاَّ خيراً. فلما رأى ذَلِكَ تصلب فِي الأحكام، وتوقف عن قبول جماعة، وجدد شهوداً.
стр. 348
فاتفق الحال أنهم فِي كل وكالة يشهد أربعة، اثنان من شهوده واثنان من الشهود الأولين، فمشى الحال عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن حضر أبو صالح خير الخادم وَكَانَ من أعيان الشهود فشهد عنده شهادة وشهد معه اثنان. فقال لَهُ: أين الرابع؟ فقال: أَيُّها القاضي أشهد عند أبي عبيد مع واحد وأشهد عندك مع ثلاثة! ونهض فبطل ذَلِكَ الشرط وتَبَسَّط ابن بدر فِي هَذِهِ الولاية فِي الإِساءة لمن كَانَ أساء إِلَيْهِ أولاً.
وأسقط عبد الله بن وليد بإشارة أبي الذكر، فلزم عبد الله بن وليد داره وأرسل إِلَى بغداد يسعى فِي قضاء مصر، وبذل لأبي الشوارب مالاً فكتب بعهده، فورد عَلَيْهِ فِي شهر رمضان سنة ثمان وعشرين، فركب إِلَيْهِ الشهود فتوجه إِلَى الحسين بن عيسى بن هَرَوان وَكَانَ بمصر فأقرأه العهد وسأله الإعانة، وَكَانَ الإِخشيد حينئذ يقاتل محمد ابن رائق. والحسن أبو المظفر أخو الإِخشيد يخلفه عَلَى مصر. فركب ابن وليد إِلَيْهِ وأخبره بالقصة فتوجّه سليمان بن رستم إمام المسجد الجامع ويحيى بن مكي بن رجاء إِلَى الحسين بن عيسى فَحسَّنا لَهُ قضاء مصر، وضمِنا لَهُ أن مح بن بدر يخلفه، فركب الحسين إِلَى الحسن أبي المظفر ووعده بشيء، فكاتب أخاه ففعل، فأرسل أبو المظفر إِلَى ابن بدر أن يخلف الحسين فأجاب وقال: لو أمرتني بلبس السيف والمنطقة لفعلت. ووقف أمر ابن وليد.
ثم ورد عَلَى ابن بدر كتاب الإِخشيد بأن يخلف الحسين بن عيسى فشق ذَلِكَ عَلَى ابن وليد واعتل حَتَّى أشرف عَلَى الموت، فدار بَيْنَ العامة: عبد الله بن وليد - أبرد من حديد. عبد الله بتن وليد - هو ذا يموت شهيد. فِي كلام ساقط يشبه ذَلِكَ.
قال ابن زولاق: وعدّل ابن بدر فِي هَذِهِ الولاية جماعة، فذكر لي ابن الحسين بن علي الدقاق أن ابن بدر قال لَهُ: مَا ترى فِي قبول شهادة ابن يحيى الصيرفي؟ قال: فقلت لَهُ: مَا رأى بأساً إِلاَّ أتي سمعته يقول: إن طُغْجاً أودع بدراً ستين ألف دينار ومات وهي عنده. فقال لي: هَذَا رجل سوء. فلما أصبح ابن بدر أرسل إليَّ وكالةً فشهِدن فِيهَا وغدوت عَلَيْهِ فأدّيتها فقبل شهادتي.
فلما كَانَ سلخ صفر وافي ابن زَبْر، فأقام أياماً، ثُمَّ ولاه الإِخشيد خلافة عن ابن أبي الشوارب أيضاً، فتسلم من ابن بدر فكانت ولاية ابن بدر هَذِهِ سنة وشهرين،
стр. 349
ووليها ابن زَبْر شهراً واحداً وثلاثة أيام وفَجِئَه الموت، فرد الأَخشيد القضاء إِلَى الحسين ابن عيسى بن هَرَوان فاستخلف ابن وليد، فلما كَانَ فِي شوال سنة تسع وعشرين وثلاثمائة صرفه وأعاد ابن بدر، فاستخلف أبا الذكر عَلَى الفرض، وشرط عَلَيْهِ أن يحكم للمطلقة ثلاثاً بالسّكنى والنفقة اتباعاً لمذهب أبي حنيفة، وباشَر الحكم إِلَى شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة فمات وسِنّه يومئذ ست وستون سنة وَكَانَتْ ولايته الأخيرة أحد عشر شهراً وولي بعده أبو الذِّكر محمد بن يحيى ابن مهدي.
قلت: وَقَدْ ذكره مُسلمة بن قاسم فِي الصلة الَّتِي جعلها ذيلاً عَلَى تاريخ المحدّثين الكبير للبخاري فقال: كَانَ حنفي المذهب وَلَيْسَ هناك فِي الرواية. وَكَانَ صاحب رشوة فِي قضائه وَلَمْ يكن عندهم بالمحمود وأرخ وفاته فِي شعبان كما تقدم.
ومن شيوخه مقدام بن داود الرعيني.
وقد ذكره ابن عساكر فِي تاريخ دمشق مختصراً جدّاً. فقال: محمد بن بدر بن عبد العزيز المصري سكن دمشق مدة وحدث بِهَا وبمصر عن علي بن عبد العزيز، ثُمَّ رجع إِلَى مصر وولي القضاء بِهَا ومات بِهَا. كتب عنه أبو الحسين الرازي والد تمام. وذكره فِي شيوخه ثُمَّ نقل وفاته عن أبي سعيد بن يونس فقال: مات محمد بن بدر فِي يوم الاثنين لست وعشرين ليلة خلت من شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة، كتبت عنه.
واتفق فِي ولاية محمد بن بدر الأخيرة أن الإِخشيد أنشأ قيسارية البَزّ فِي سوق الحماد وأراد أن يبني السقيفة، فتقبل محمد بن عبد الله الخازن قطعة من حَبس السري ابن الحكم فِي الموضع المعروف بالمدينة المقابل لقيسارية الإِخشيد. وأمضى محمد بن بدر وأسجل من يشهد فِيهِ يوم موته، فكان ذَلِكَ آخر شيء حكم فِيهِ ومات فِي عشي ذَلِكَ اليوم.
ولما اعتل وقرب شهر رمضان خوطب فِي الركوب لرؤية الهلال، فقال: إن وجدت خفّة ركبت وإلا فاركبوا مع ابني أحمد، وَكَانَ إذ ذَاكَ صغيراً، فمات محمد ابن بدر لثلاثٍ بقين من شعبان وكان سِنّه حين مات ستاً وستين سنة، وَلَمْ تكمل ولايته الأخيرة سنة بل تنقص قدر شهر.
стр. 350
محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السعدي الإِخْنَائِيّ أبو عبد الله تقي الدين المالكي من المائة الثامنة ولد فِي رجب سنة ستين وستمائة.
وكان فِي أول أمره شافعياً، ثُمَّ تحوَّل مالكياً، واستمر أخوه علم الدين شافعياً ونشأ فِي صيانة وديانة.
واستنابه ابن مخلوف، فلما مرض راسله الناصر عمن يصلح للقضاء فقال: أما أولادي فليس فيهم أهلية لذلك، وأجود الجماعة تقي الدين الإِخْنَائِيّ، وَكَانَ إذ ذَاكَ دون الجماعة فِي أعينهم، وإنما قدمه ابن مخلوف لأنه كَانَ متديناً متقشفاً سالكاً طريق السلف فِي مأكله وملبسه ومجلسه.
وكان ابن مخلوف قصير الباع فِي العلم، فكان يعجبه من يكون كذلك. فلما مات ابن مخلوف فِي سنة ثماني عشرة، طلب الناصرُ تقيَّ الدين فخلع عَلَيْهِ وولاه القضاء عوضاً عن ابن مخلوف، وذلك فِي جمادى الآخرة منها.
فعظم ذَلِكَ عَلَى المالكية قاطبة، وَكَانَ المترشح منهم للمنصب جماعة فلم يحضروا عنده، ولا ناب أحد منهم عنه، ولا ركبوا معه ازدراء لَهُ. فمشى عَلَى طريقته فِي الصيانة والديانة والتقشف فِي الملبس والمركب والتواضع مع حسن السمت.
стр. 351
وصار الناصر كلما سمع بحسن سيرته يزيد فِي تعظيمه، وطالت مدته لذلك بحي إنه لَمْ يل المنصب قبله من المالكية مثله فِي ذَلِكَ، فإنها كَانَتْ اثنتين وثلاثين سنة وأشهراً.
وحصل لَهُ فِي أيام الناصِر رَمد أشرف منه عَلَى العمى، فأمر الناصر نوابه أن يباشروا الحكم عنه ويحضروا المواكب. وَلَمْ يعزله إِلَى أن قدرت عافيته وعاد إِلَى أحسن مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وكان كثير الحط عَلَى الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأتباعه، وهو الَّذِي عزّز الشهاب ابن مِرَى، وكان عَلَى طريقة الشيخ تقي الدين ويتكلم عَلَى الناس بلسان الوعظ لما قدم مصر. ونفقت لَهُ سوق واستقر فِي جامع أمير حسين يعمل المواعيد، إِلَى أن جرت مسألة التوسل فتكلم فِيهَا بكلام شيخه فأنكروا عَلَيْهِ. وبلغ ذَلِكَ القاضي فطلبه وعزّزه وطوف بِهِ وبالَغ فِي إهانته وتألم لَهُ كثير من الناس. فلم تَمضِ إِلاَّ أيام قليلة حَتَّى وقع من ابن شَأس نظير مَا وقع من ابن مِرى، فرفع أمره إِلَى القاضي وشهد عَلَيْهِ جمع كثير من الأعيان والعدول، والتمس من القاضي تعزيزه فدافع عم ذَلِكَ، وأظهر التعصب لَهُ، ونال بعض الشهود منه أذى فِي الباطن، وكثرت الشناعة بسبب ذَلِكَ حَتَّى قيل فِيهِ - وقيل إنها من نظم الشيخ برهان الدين الرشيدي:
يَا مالكياً شادَ أحكامه ... عَلَى تقي الله بأقوى أساس
مقالة فِي ابن مِرَى لُفِّقَتْ ... تجاوزت فِي الحدِّ حدّ القِياس
وَفِي ابن شاس قط مَا أثرت ... فهل أباح الشَّرع كُفر ابن شَأس
وشاعت الأبيات حَتَّى بلغت القاضي فعظم عَلَيْهِ لكنه سكت عَلَى مَضَض، واعتذر عنه بعض أتباعه بأنه رأى أن الذي وقع من ابن شَأس فلتة لسان فأقال عثرته منها. بخلاف ابن مرى فإن ذَلِكَ كَانَ معتقده، وَلَمْ يزل الإِخْنَائِيّ يباشر القضاء إِلَى أن حصل لَهُ رمد فِي صفر سنة خمسين وسبعمائة فاشتد بن فأرسل يستعفي من الحكم فأعفي ومات عقب ذَلِكَ.
محمد بن جوهر بن ذَكَا النابلسي يكنى أبا الفرج إسماعيلي من المائة الخامسة.
стр. 352
ولي قضاء مصر من قِبَل الأفضل ابن بدر أمير الجيوش فِي خلافة المستعلى. ثُمَّ صرف فِي السابع من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وَكَانَتْ ولايته بعد وفاة محمد بن رَجَا.
قال ابن مُيَسّر: صرف عن قرب لأنه كَانَ يعادي إبراهيم بن حمزة الشاهد. فلما ولي الحكم أسقطه بسعي إبراهيم إِلَى أن وصل إِلَى الأفضل أن القاضي أحدث فِي مجلس الحكم بمصر، فأمر بعزله فِي ربيع الأول منها، وَكَانَتْ ولايته شهراً واحداً.
محمد بن الحارث: هو ابن أبي الليث يأتي ذكره.
محمد بن الحسن بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أبو الحسن من المائة الرابعة.
ولد سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسمع من أبي العباس بن مسروق. روى عنه الحسين بن محمد الكاتب. وَكَانَ أحد الأجواد لكنه لَمْ يكن محموداً فِي الولاية. منسوباً إِلَى الارتشاء فِي الأحكام شاع ذَلِكَ وكثر الحديث بِهِ.
قال ابن الصابئ: ضمن ابن أبي الشوارب القضاء بمال مرتب لمعز الدولة فكان يحال بِهِ، فلا يخلو بابه من مطالب، وربما ضحوا وحملوا الجوارح والكلاب فأرسلوها ببابه فتكثر الشناعة بذلك، فدخل أبو عبد الله ابن الداعي إِلَى معزّ الدولة فقال: رأيت علياً فِي المنام وحمَّلني إِلَيْكَ رسالة. فارتاع معز الدولة وقال: مَا هي؟ قال: يقول لَكَ: هب لي مَا عَلَى ديوان الحكم من المال. ففعل.
وأرسل لما ولي القضاء الحسين بن محمد المطلبي فتسلّم لَهُ القضاء بمصر، وقُرِئ عهده من قِبَل القاهر ثُمَّ وصل أبو جعفر بن قتيبة فناب عن ابن أبي الشوارب فِي القضاء، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الثامن عشر من جمادى الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
стр. 353
وكان ولي القضاء ببغداد من قِبَل المستكفي فِي صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثُمَّ قُبِض عليه فِي صفر سنة أربع وثلاثين، ثُمَّ قلده المطيع قضاء الشرقية والحرمين ومصر وسُرَّ من رأى وبعض السواد وبعض عمل الشأم. ثُمَّ صرف عن جميع ذَلِكَ فِي صفر سنة خمس وثلاثين. وعمل فِيهِ ابن سُكَّرة الشاعر قصيدة أبدع فِي هجائه فِيهَا:
ولقد جنى قاضي القضا ... ة حسينُ نَجْلُ أبي الشواربْ
هَذَا الَّذِي هَتَكَ الشرا ... ئع بالبَدائع والمَثالِبْ
هَذَا المُضَمِّر للفُرو ... ج وللدماء بغير راكبْ
وكانت وفاته فِي شهر رمضان سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
محمد بن الحسن بن عبد العزيز بن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي يكنى أبا بكر.
ولي قضاء مصر مضافاً إِلَى قضاء الرَّمْلَة وطَبَرِيَّة والإِسكندرية وغير ذَلِكَ. فاستخلف أوّلاً ابن وليد، ثُمَّ استخلف أخاه عمر بن الحسن. وَكَانَ خطيب الجامع العَمْريّ بمصر وإمامه وإليه إقامة الحج وإمامة الحرمين. قال الخطيب..
محمد بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازُوري إسماعيلي من المائة الخامسة. تقدم ذكره فِي ترجمة والده.
قال سليمان بن علي بن عبد السميع العباسي: ولي محمد بن الحسن هَذَا القضاء بمصر نيابة عن أبيه، ولقب خطير الملك وأمين الملك ذا الرياستين. وأضيف إِلَيْهِ جميع أعمال مصر، وإلى أخيه جميع أعمال بلاد الشام وأفرد كل منهما بما إِلَيْهِ من ذَلِكَ. فلم يزل أمرهما مستقرّاً طول ولاية أبيهما الوزارة إِلَى أن قبض عَلَيْهِ كما تقدم فِي ترجمته. فقتل هو بعد أن نفي هو وأولاده إِلَى تنيس سنة خمسين وأربعمائة.
стр. 354
محمد بن الحسن بن أبي الدبس الطرابلسي طرابلس الغرب. كَانَ قاضيها فاستدعى بِهِ الوزير يعقوب بن كِلِّس فأمره بالنظر فِي الأحكام، وفوض إِلَيْهِ قضاء دمياط وبلبيس والفرما وغيرها، عوضاً عن محمد بن النعمان. كل ذَلِكَ نكاية فِي علي بن النعمان القاضي. والقاضي لا يعترضه فِي شيء، ووقع فِي حق محمد بن الحسن هَذَا مما تقدم ذكره فِي ترجمة علي بن سعيد الجَلْجُوليّ.
محمد بن الحسين بن رَزين بن موسى بن عيسى بن موسى بن نصر الله العامري المعروف بابن رَزين الحموي الأصل تقي الدين من المائة السابعة.
ولد سنة ثلاث وستمائة، وسمع من كريمة الزبيرية والصَّريفيني. وأخذ عن الموفق ابن يَعيش النحوي. وقرأ عَلَى ابن الصلاح بدمشق ولازمه وسمع منه الكثير، وتميز فِي حياته، وأفتى ودرس مدة.
ثم رحل إِلَى مصر لما جفل أهل الشام من التتار، وناب فِي الحكم بالقاهرة، ولازم ابن عبد السلام. ومن محفوظاته (المستصفي) للغزالي و (المفصَّل) للزَّمَخْشَري. ثُمَّ درس بالصلاحية جوار الشافعي، ودرس بالظاهرية، واشتهر بالكتابة عَلَى الفتاوى فكان يُقصد من البلاد.
روى عنه الحافظ الدمياطي، والبدر ابن جماعة، ومن قبلهما الشيخ محيي الدين النووي.
واستقر فِي قضاء القاهرة والوجه البحري، ثُمَّ أضيف إِلَيْهِ قضاء مصر بعد أبي الصلاح الصفراوي، وعزل فِي آخر سنة ست وسبعين.
محمد بن الحسين بن يوسف الرصافي ... .
стр. 355
محمد بن رجاء أبو الطاهر ولي القضاء بعد محمد بن عبد الحاكم فلم يول إِلَى أن مات ثلاث وتسعين وأربعمائة وتولى بعده محمد بن جوهر.
محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حَكمُون بن إبراهيم ابن محمد بن مُسْلم القُضَاعي أبو عبد الله.... .
وأسند ابن عساكر عن الشيخ نصر المقدسي أنه قال: قدم علينا القضاعي رسولاً من المصريين إلى الروم، فذهب وَلَمْ أسمع منه. ثُمَّ إني رويت عنه بالإجازة. قال ابن عساكر: يعني لَمْ يرضه فِي أول الأمر لدخوله فِي الولاية عن المصريين.
قرأت عَلَى المسند أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن عبد الله بالإسكندرية عن أحمد بن أبي الحسن بن عبد العزيز بن المصفى فِي آخرين قالوا: أنبأنا أبو البركات ابن زُوَين، أنبأنا أبو القاسم ابن مُوقا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الخطاب الرازي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي قاضي مصر، حدثنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي البغدادي، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أبو نصر التمار وعلي بن الجَعْد وعبد الأعلى بن حماد وكامل بن طلحة وعبيد الله العَيْشِيّ قالوا: حدثنا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن أبي العُشَرَاء الدَّارميّ، عن أبيه قال: قلت يَا رسول الله! مَا تكون الذكاة إِلاَّ من اللَّبَّةِ والحَلْق. فقال: (لو طَعَنْتَ فِي فَخِذِها لأَجْزَأكَ) . قال التمار: ثبت أن سفيان
следующие страницы →