Полный текст (485 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وصار الناصر كلما سمع بحسن سيرته يزيد فِي تعظيمه، وطالت مدته لذلك بحي إنه لَمْ يل المنصب قبله من المالكية مثله فِي ذَلِكَ، فإنها كَانَتْ اثنتين وثلاثين سنة وأشهراً.
وحصل لَهُ فِي أيام الناصِر رَمد أشرف منه عَلَى العمى، فأمر الناصر نوابه أن يباشروا الحكم عنه ويحضروا المواكب. وَلَمْ يعزله إِلَى أن قدرت عافيته وعاد إِلَى أحسن مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وكان كثير الحط عَلَى الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأتباعه، وهو الَّذِي عزّز الشهاب ابن مِرَى، وكان عَلَى طريقة الشيخ تقي الدين ويتكلم عَلَى الناس بلسان الوعظ لما قدم مصر. ونفقت لَهُ سوق واستقر فِي جامع أمير حسين يعمل المواعيد، إِلَى أن جرت مسألة التوسل فتكلم فِيهَا بكلام شيخه فأنكروا عَلَيْهِ. وبلغ ذَلِكَ القاضي فطلبه وعزّزه وطوف بِهِ وبالَغ فِي إهانته وتألم لَهُ كثير من الناس. فلم تَمضِ إِلاَّ أيام قليلة حَتَّى وقع من ابن شَأس نظير مَا وقع من ابن مِرى، فرفع أمره إِلَى القاضي وشهد عَلَيْهِ جمع كثير من الأعيان والعدول، والتمس من القاضي تعزيزه فدافع عم ذَلِكَ، وأظهر التعصب لَهُ، ونال بعض الشهود منه أذى فِي الباطن، وكثرت الشناعة بسبب ذَلِكَ حَتَّى قيل فِيهِ - وقيل إنها من نظم الشيخ برهان الدين الرشيدي:
يَا مالكياً شادَ أحكامه ... عَلَى تقي الله بأقوى أساس
مقالة فِي ابن مِرَى لُفِّقَتْ ... تجاوزت فِي الحدِّ حدّ القِياس
وَفِي ابن شاس قط مَا أثرت ... فهل أباح الشَّرع كُفر ابن شَأس
وشاعت الأبيات حَتَّى بلغت القاضي فعظم عَلَيْهِ لكنه سكت عَلَى مَضَض، واعتذر عنه بعض أتباعه بأنه رأى أن الذي وقع من ابن شَأس فلتة لسان فأقال عثرته منها. بخلاف ابن مرى فإن ذَلِكَ كَانَ معتقده، وَلَمْ يزل الإِخْنَائِيّ يباشر القضاء إِلَى أن حصل لَهُ رمد فِي صفر سنة خمسين وسبعمائة فاشتد بن فأرسل يستعفي من الحكم فأعفي ومات عقب ذَلِكَ.
محمد بن جوهر بن ذَكَا النابلسي يكنى أبا الفرج إسماعيلي من المائة الخامسة.
стр. 352
ولي قضاء مصر من قِبَل الأفضل ابن بدر أمير الجيوش فِي خلافة المستعلى. ثُمَّ صرف فِي السابع من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وَكَانَتْ ولايته بعد وفاة محمد بن رَجَا.
قال ابن مُيَسّر: صرف عن قرب لأنه كَانَ يعادي إبراهيم بن حمزة الشاهد. فلما ولي الحكم أسقطه بسعي إبراهيم إِلَى أن وصل إِلَى الأفضل أن القاضي أحدث فِي مجلس الحكم بمصر، فأمر بعزله فِي ربيع الأول منها، وَكَانَتْ ولايته شهراً واحداً.
محمد بن الحارث: هو ابن أبي الليث يأتي ذكره.
محمد بن الحسن بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أبو الحسن من المائة الرابعة.
ولد سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسمع من أبي العباس بن مسروق. روى عنه الحسين بن محمد الكاتب. وَكَانَ أحد الأجواد لكنه لَمْ يكن محموداً فِي الولاية. منسوباً إِلَى الارتشاء فِي الأحكام شاع ذَلِكَ وكثر الحديث بِهِ.
قال ابن الصابئ: ضمن ابن أبي الشوارب القضاء بمال مرتب لمعز الدولة فكان يحال بِهِ، فلا يخلو بابه من مطالب، وربما ضحوا وحملوا الجوارح والكلاب فأرسلوها ببابه فتكثر الشناعة بذلك، فدخل أبو عبد الله ابن الداعي إِلَى معزّ الدولة فقال: رأيت علياً فِي المنام وحمَّلني إِلَيْكَ رسالة. فارتاع معز الدولة وقال: مَا هي؟ قال: يقول لَكَ: هب لي مَا عَلَى ديوان الحكم من المال. ففعل.
وأرسل لما ولي القضاء الحسين بن محمد المطلبي فتسلّم لَهُ القضاء بمصر، وقُرِئ عهده من قِبَل القاهر ثُمَّ وصل أبو جعفر بن قتيبة فناب عن ابن أبي الشوارب فِي القضاء، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الثامن عشر من جمادى الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
стр. 353
وكان ولي القضاء ببغداد من قِبَل المستكفي فِي صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ثُمَّ قُبِض عليه فِي صفر سنة أربع وثلاثين، ثُمَّ قلده المطيع قضاء الشرقية والحرمين ومصر وسُرَّ من رأى وبعض السواد وبعض عمل الشأم. ثُمَّ صرف عن جميع ذَلِكَ فِي صفر سنة خمس وثلاثين. وعمل فِيهِ ابن سُكَّرة الشاعر قصيدة أبدع فِي هجائه فِيهَا:
ولقد جنى قاضي القضا ... ة حسينُ نَجْلُ أبي الشواربْ
هَذَا الَّذِي هَتَكَ الشرا ... ئع بالبَدائع والمَثالِبْ
هَذَا المُضَمِّر للفُرو ... ج وللدماء بغير راكبْ
وكانت وفاته فِي شهر رمضان سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
محمد بن الحسن بن عبد العزيز بن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي يكنى أبا بكر.
ولي قضاء مصر مضافاً إِلَى قضاء الرَّمْلَة وطَبَرِيَّة والإِسكندرية وغير ذَلِكَ. فاستخلف أوّلاً ابن وليد، ثُمَّ استخلف أخاه عمر بن الحسن. وَكَانَ خطيب الجامع العَمْريّ بمصر وإمامه وإليه إقامة الحج وإمامة الحرمين. قال الخطيب..
محمد بن الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازُوري إسماعيلي من المائة الخامسة. تقدم ذكره فِي ترجمة والده.
قال سليمان بن علي بن عبد السميع العباسي: ولي محمد بن الحسن هَذَا القضاء بمصر نيابة عن أبيه، ولقب خطير الملك وأمين الملك ذا الرياستين. وأضيف إِلَيْهِ جميع أعمال مصر، وإلى أخيه جميع أعمال بلاد الشام وأفرد كل منهما بما إِلَيْهِ من ذَلِكَ. فلم يزل أمرهما مستقرّاً طول ولاية أبيهما الوزارة إِلَى أن قبض عَلَيْهِ كما تقدم فِي ترجمته. فقتل هو بعد أن نفي هو وأولاده إِلَى تنيس سنة خمسين وأربعمائة.
стр. 354
محمد بن الحسن بن أبي الدبس الطرابلسي طرابلس الغرب. كَانَ قاضيها فاستدعى بِهِ الوزير يعقوب بن كِلِّس فأمره بالنظر فِي الأحكام، وفوض إِلَيْهِ قضاء دمياط وبلبيس والفرما وغيرها، عوضاً عن محمد بن النعمان. كل ذَلِكَ نكاية فِي علي بن النعمان القاضي. والقاضي لا يعترضه فِي شيء، ووقع فِي حق محمد بن الحسن هَذَا مما تقدم ذكره فِي ترجمة علي بن سعيد الجَلْجُوليّ.
محمد بن الحسين بن رَزين بن موسى بن عيسى بن موسى بن نصر الله العامري المعروف بابن رَزين الحموي الأصل تقي الدين من المائة السابعة.
ولد سنة ثلاث وستمائة، وسمع من كريمة الزبيرية والصَّريفيني. وأخذ عن الموفق ابن يَعيش النحوي. وقرأ عَلَى ابن الصلاح بدمشق ولازمه وسمع منه الكثير، وتميز فِي حياته، وأفتى ودرس مدة.
ثم رحل إِلَى مصر لما جفل أهل الشام من التتار، وناب فِي الحكم بالقاهرة، ولازم ابن عبد السلام. ومن محفوظاته (المستصفي) للغزالي و (المفصَّل) للزَّمَخْشَري. ثُمَّ درس بالصلاحية جوار الشافعي، ودرس بالظاهرية، واشتهر بالكتابة عَلَى الفتاوى فكان يُقصد من البلاد.
روى عنه الحافظ الدمياطي، والبدر ابن جماعة، ومن قبلهما الشيخ محيي الدين النووي.
واستقر فِي قضاء القاهرة والوجه البحري، ثُمَّ أضيف إِلَيْهِ قضاء مصر بعد أبي الصلاح الصفراوي، وعزل فِي آخر سنة ست وسبعين.
محمد بن الحسين بن يوسف الرصافي ... .
стр. 355
محمد بن رجاء أبو الطاهر ولي القضاء بعد محمد بن عبد الحاكم فلم يول إِلَى أن مات ثلاث وتسعين وأربعمائة وتولى بعده محمد بن جوهر.
محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حَكمُون بن إبراهيم ابن محمد بن مُسْلم القُضَاعي أبو عبد الله.... .
وأسند ابن عساكر عن الشيخ نصر المقدسي أنه قال: قدم علينا القضاعي رسولاً من المصريين إلى الروم، فذهب وَلَمْ أسمع منه. ثُمَّ إني رويت عنه بالإجازة. قال ابن عساكر: يعني لَمْ يرضه فِي أول الأمر لدخوله فِي الولاية عن المصريين.
قرأت عَلَى المسند أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن عبد الله بالإسكندرية عن أحمد بن أبي الحسن بن عبد العزيز بن المصفى فِي آخرين قالوا: أنبأنا أبو البركات ابن زُوَين، أنبأنا أبو القاسم ابن مُوقا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الخطاب الرازي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي قاضي مصر، حدثنا أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي البغدادي، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أبو نصر التمار وعلي بن الجَعْد وعبد الأعلى بن حماد وكامل بن طلحة وعبيد الله العَيْشِيّ قالوا: حدثنا حَمَّاد بن سَلَمَة، عن أبي العُشَرَاء الدَّارميّ، عن أبيه قال: قلت يَا رسول الله! مَا تكون الذكاة إِلاَّ من اللَّبَّةِ والحَلْق. فقال: (لو طَعَنْتَ فِي فَخِذِها لأَجْزَأكَ) . قال التمار: ثبت أن سفيان
стр. 356
الثوري سمع هَذَا الحديث من حماد بن سلمة. قلت أخرجه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن حماد بن سلمة فوقع لَنَا بدلاً عالياً.
وأخرجه الترمذي من طريق وكيع ومن طريق يزيد بن هارون كلاهما عن حماد وقال: غريب لا نعرفه إِلاَّ من حديث حماد. ولا نعرف لأبي العُشَرَاء عن أبيه غير هَذَا الحديث. كذا قال. وَقَدْ جاءت عن أبي العُشَرَاء عدة أحاديث جمعها تمام الرازي فِي جزء مفرد. وجاء هَذَا الحديث من رواية غير حماد. وأخرجه النَّسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن حماد. وابن ماجه من رواية وَكِيع.
قال ابن طاهر فِي ترجمة محمد بن شافعي: مات القضاعي فِي سنة تسعين أَوْ نحوها.
وقال ابن عساكر: ذكر أبو بكر بن موسى الحداد، أن القضاعي مات سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة وقال أبو محمد الأكْفاني: حدثنا أبو محمد الكناني، ورد الخبر من مصر بموت القاضي القضاعي فِي ذي الحجة سنة أربع وخمسين. وكذا ذكر أبو إسحاق الحبال أنه مات فِي ذي الحجة وتبعه ابن ناصر، وزاد ليلة الجمعة سابع عشرة. وذكر ابن ميسر أن قبره معروف بجانب الخندق يزار ويتبرك بِهِ.
محمد بن شاذان بن زكريا الجوهري، يكنى أبا بكر. بصري قدم مصر.
ذكره أبو سعيد ابن يونس فِي الغرباء قال: وَكَانَ صاحب بكّار بن قتيبة قاضي مصر وخليفته على مصر لما خرج إِلَى الشام.
وقال غيره: أقامه أحمد بن طولون يحكم بَيْنَ الناس عوضاً عن بكّار بن قتيبة لما غضب عَلَى بكار وسجنه. وَكَانَ محمد بن شاذان يمضي الأحكام، وَقَدْ تقدم بيان ذَلِكَ فِي ترجمة بكار.
قال أبو سعيد: كتب عنه بمصر - يعني الحديث - ومات فِي المحرم سنة أربع وسبعين ومائتين.
وقال مُسْلمة بن قاسم فِي (تاريخه) الَّذِي ذيل بِهِ عَلَى البخاري: كَانَ يرى رأي أبي حنيفة، وخلف بَكَّاراً فِي الحكم.
стр. 357
محمد بن صالح بن علي بن يَحْيى بن عبد الله بن محمد بن عُبيد الله ابن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي.
يعرف بابن أُمِّ شَيْبَان، وهي والدة يحيى جدّ والده، وهي تيميَّة من ذرية طلحة بن عُبيد الله، وهو كوفي نزل بغداد وَكَانَ قَدِمها مع أبيه فِي سنة سبع وثلاثمائة، فلقي الشيوخ ثُمَّ استوطنها سنة ست وعشرين ويكنى أبا الحسن.
وكان مولده فِي سنة ثلاث وتسعين، وقيل فِي يوم عاشوراء سنة أربع وتسعين.
وأخذ عن أبي بكر بن مجاهد، وعبد الله بن زيدان البَجَلي، ومحمد بن محمد بن عُقبة وغيرهم. وصاهر قاضي بغداد أبا عمر محمد بن يوسف المالكي.
وكان يتفقه لمالك، فلما ولي قضاء القُضاة ببغداد أضيف إِلَيْهِ قضاء مصر والشأم وغيرهما. فشرط شروطاً، منها: أن لا يتناول عَلَى القضاء أجراً ولا يقبل شفاعة فِي فعل مَا لا يجوز ولا فِي إثبات حقّ. ورتب لكاتبه فِي كل شهر ثلاثمائة، ولحاجبه مائة وخمسين، ولمن يعرض عَلَيْهِ الأحكام مائة، ولخازن ديوان الحكم ولمن معه من الأعوان ستمائة، وتسلَّم عهده من المطيع، وكان الَّذِي أنشأه أحمد بن عبيد الله الشيرازي.
قال طلحة بن محمد بن جعفر: كَانَ أبو الحسن عظيم القدر، وافر العقل، واسع العلم، كثير الطَّلب للحديث، حسن التصنيف، مُدمِناً للدَّرْس والمذاكرة والنظر فِي فنون العلم والآداب متوسطاً فِي الفقه مالكي المذهب. قال: ولا أعلم من تقلَّد القضاء من بني هاشم بمدينة السلام قبله. قال: وَكَانَتْ ولايته القضاء بمدينة المنصور عوضاً عن أبي السائب عتبة فِي ربيع الأول سنة أربع وثلاثين. ثُمَّ قلده المطيع قضاء الشرقية مضافاً إِلَى مدينة المنصور فِي رجب سنة خمس وثلاثين فصار عَلَى قضاء الجانب الشرقي بأسره، ثُمَّ فِي شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين جمع قضاء بغداد لأبي السائب، وقلَّد أبا الحسن قضاء مصر وأعمالها والرملة وبعض الشأم.
стр. 358
قال: وَكَانَ عض الدولة كثير الغض من أهل بغداد والازدراء لأهلها حَتَّى قال: مَا وقعت عيني فِي هذا البلد عَلَى أحد يستحق اسم الفضل أَوْ أن يُسمَّى برجل غير نفسين - فلمّا تأمَّلت وجدتهما ليسا من أهل بغداد -: أحدهما أبو الحسن ابن أمّ شَيبان ومحمد بن عمر العلوي، وأصلهما من الكوفة.
قال أبو الفتح ابن أبي الفوارس: مات أبو الحسن فجأة فِي جمادى الأولى سنة تسع وستين وثلاثمائة. وَكَانَ نبيلاً سرياً فاضلاً وَلَمْ يُرَ فِي معناه مثله فِي الصدق.
محمد بن عبَّاد بن مُكْنِف أقامه كَيْدَر أمير مصر يحكم بَيْنَ الناس لما عزل عيسى بن المُنْكَدِر وحُمِل إِلَى العراق، فأقامت مصر بغير قاض من ذي القعدة سنة أربع وعشرين ومائتين إِلَى أن قدم المأمون إِلَى مصر فِي أول سنة سبع عشرة، فأمر يحيى بن أكثم بالقضاء فِي المسجد الجامع، فجلس يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم إِلَى أن رحل المأمون وقرر هارون بن عبد الله فِي القضاء.
وكان محمد بن عباد كُوفيّاً، يجلس للمظالم ويقضي بَيْنَ الناس عند دار أبي عَون، وَكَانَ لَهُ صاحب مسائل، ويحضر عنده الوكلاء، فلمَّا وَلِيَ هارون فسخ كثيراً من أحكامه.
محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام بن يوسف أبو البقاء السبكي بهاء الدين مشهور بكنيته.
ولد فِي ذي الحجة سنة سبع وسبعمائة، واشتغل بدمشق والقاهرة كثيراً، ومهر وبرع، وتفقه على عَلَى القطب السنباطي، والمجد الزنكلزني، وعلاء
стр. 359
الدين القونوي، والزين الكَتْنَانِيّ وأخذ النحو عن أبي حَيَّان ولازمه حَتَّى كَانَ والده يغضب منه ينهاه عن الاشتغال فِيهِ، وبلغ بِهِ ذَلِكَ إلى أن وجد بيده نسخة من سيبويه بخط ابن خروف فانتزعها من يده وقطّعها بالسكّين، ومع ذلك ففاق أبو البقاء أقرانه فِي النحو. وسمع الحديث عَلَى الحجار، والواني، وغيرهما وناب عن قريبه الشيخ تقي الدين السبكي فِي الحكم.
ولما خرج إِلَى قضاء دمشق لَمْ يخرج معه من أقاربه غيره.
قال الصَّفَدي: لَمْ يوافق عَلَى مباشرة النيابة حَتَّى سأله قريبه مراراً وتحمل عَلَيْهِ برفقته القضاة الثلاثة فسار سيرة جميلة، ورتبه تنكز مُصدّرا بالجامع فشغل الناس وأفتى.
ثُمَّ ولي قضاء بدمشق استقلالاً عوضاً عن قريبه تاج الدين ثُمَّ صرف عن قريب ودخل القاهرة فولي وكالة بيت المال وناب فِي الحكم عن عز الدين ابن جماعة. ثُمَّ ولي قضاء العسكر بعد موت تاج الدين المناوي، وولي قضاء القضاة لما استعفى عز الدين ابن جماعة.
وتوجه إِلَى مكة وَكَانَ الَّذِي اعتنى بِهِ عند يلبغا دواداره وطشتمر، وذلك فِي ثالث عشري جمادى الآخرة سنة ست وستين وسبعمائة.
قال الصَّفَدي: سألته أن يكتب لي شيئاً من نَظْمه فقال:
أَأَعرِضُ أشعاري عليم وإنّها ... لَمُخْتَلَّةُ الأوزانِ ناقصة المعنى
وأنت خلَيلُ الوقت وارِثُ علمِه ... إِلَيْكَ يشير الفضل أن مُشْكِلٌ عَنّا
وإن قريضي بَيْنَ أزهار رَوضِكم ... أخو البقلة الحَمْقاء فِي الروضة الغنّا
قال: وباشر القضاء أحسن مباشرة، وتباين هو وقرينه بهاء الدين ابن تقي الدين، فضار كل منهما بذم الآخر. وَكَانَ مهيباً وقوراً إِلاَّ أنه كَانَ مَسِيكاً قليلَ الإِفضال عَلَى الطلبة، حَتَّى يقال غن أعظم مَا كَانَ يعطى لمن يبالغ فِي الإِحسانِ إِلَيْهِ أربعين درهماً.
стр. 360
وقرأت بخط صاحبنا الشيخ جمال الدين عبد الله بن أحمد البشبيشي: حصل بَيْنَ أبي البقاء السبكي ورفيقه برهان الدين الإخنائي المالكي منافسة اقتضت كلام كل منهما فِي الآخر، ودام ذلك بينهما، حَتَّى اتفق أن شخصاً من طلبة الشافعية كَانَ يطالع فِي تفسير الزمخشري مما عدل فِيهِ عن الصواب وأساء فِيهِ الأدب عَلَى مقام النبوة، فكان ذَلِكَ الطالب يقرأ فِي الكراس وهو يمشي، فسمعه بعض اليهود وَكَانَ بينهما وحشة، فقال لبعض من حضر: اسمعوا مَا يقول هَذَا واضبطوا، وتوجه إِلَى البرهان الإِخنائي فطلبه من عنده فأحضر فادُّعِي عَلَيْهِ بِمَا فَاة بِهِ فأنكر، فأقيمت عَلَيْهِ البينة فاعتقله.
فبلغ ذَلِكَ بهاء الدين السبكي فخشي من بادرة الإِخنائي، فتوجَّه إِلَى أبي البقاء فاستنهضه فِي خلاص الطالب، فقال لَهُ أبو البقاء: ينبغي للطالب أن يثبت أن بينه وبين مَن شهد عَلَيْهِ عداوة، فتحيل البَهَاءُ فِي ذَلِكَ إِلَى أن أقام البينة عند أبي البقاء بالعداوة، فأشهد عَلَى نفسه بثبوت العداوة جماعة منهم الشيخ جمال الدين الإِسناوي، وأرسل إِلَى الإِخنائي يعرفه بذلك، فأجابه غداً أشاور السلطان وأضرب عنقه.
فخشي البهاء من بادرته، فاستشار أبا البقاء فِي ذَلِكَ فقال: الَّذِي أراه أن تتوجه أنت إِلَيْهِ وتأخذه بالرغبة والرهبة، وتوسع الحيلة إِلَى أن يخلص هَذَا الطالب، وإلا فالرجل جَسور وَقَدْ يحمله ذَلِكَ عَلَى أن يقتل الرجل وينكر أن يكون علم بالعداوة، فإن رجع وإلا فأعلمه أني حلفت أنه متى سفك دمه لأُقِيدَنَّه بِهِ لكونه يقتل مسلماً بغير حق.
فتوجه إِلَيْهِ الشيخ بهاء الدين وَكَانَ عارفاً بالأمور، وهو يلح، فلما رأى لجاجه ذكر لَهُ مَا قال أبو البقاء وعرفه أنه أحد من شهد عَلَيْهِ بثبوت العداوة وكذلك الجمال الإِسنوي، وأنه متى استمر على لجاجه راسل السلطان بحقيقة الحال، فتحير الإِخنائي وخضع وقال: فما الرأي؟ قال: الرأي إطلاقه، فأذعن وأمَر بإطلاقه.
فتوجه الرجل إِلَى أبي البقاء فتشكر لَهُ، فأمر لَهُ بمبلغ وأرسله إِلَى الشيخ بهاء الدين، وشرط عليه أن لا ينظر بعد ذَلِكَ فِي كلام الزمخشري، وتأكدت الوحشة بَيْنَ القاضيين
стр. 361
حَتَّى قال مرة في بحث جرى بينهما: قال مالك، فقال أبو البقاء: البحث مع مالك! فعظم ذَلِكَ عَلَى الإِخنائي، وقال: لو غيرك قالها، وبلغ كبار المالكية ذَلِكَ فأعظموه وأطلقوا ألسنتهم فِي أبي البقاء.
واتفق أن أبا البقاء كَانَ يتصلب فِي الأحكام ولا يحابي أحداً من كبار الدولة فيما يتصل بِهِ من الأحكام، فاتفق أن الأشرف أراده أن يبتاع بيت كتبغا وهو وقف، فالتمس من أبي البقاء إعمال الحيلة فِي تبطيل وقفيتها فلم يجب لذلك، فعاوده فِي ذَلِكَ فأصر، فمضى عَلَى ذَلِكَ مدة. فاتفق أنه خرج من الموكب، ودخل السلطان داخل القصر وأمر بدره فلما رآه قال لَهُ: يَا قاضي، لأي معنى أسألك فِي شيء لا مشقة عَلَيْكَ فِيهِ فلا تفعل! فأجابه بغلظة: اسمع يَا مولانا السلطان، إن كنت مَا تعرفني فأنا أعرفك نفسي، والله الَّذِي لا إله إِلاَّ هو لو علمت أحداً يصلح القضاء فِي هَذَا العصر غيري مَا توليت وخرج مغضباً بغير سلام، فوجد من كَانَ فِي نفسه من أبي البقاء من أكابر الدولة الطريق إِلَى الوقيعة فِيهِ، فتكلموا مع السلطان فِي عزله، وتولية برهان الدين خطيب القدس، وبالغ بعضهم فِي وصفه.
فلما جاء الموكب الآخر خرج القضاة فجلسوا فِي الجامع عَلَى عادتهم إذ ذَاكَ، فدخل رجل فأطبق دواة القاضي أبي البقاء، وقال لَهُ: السلطان يأمرك أن تلوم بيتك، فصُرف عن القضاء فِي خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين ووقع الترسيم عَلَى أمنائه وحاشيته.
واستقر البرهان ابن جماعة فِي الولاية، وخلع عَلَيْهِ، ونزل القاهرة فِي موكب عظيم إِلَى الغاية ما عهد نظيره بعد أن شرط شروطاً كثيرة أجيب إِلَيْهَا، فلما كَانَ فِي العشر الأخير من رجب أمر بإخراج أبي البقاء إِلَى الشام، فوصل إِلَى بلبيس ثُمَّ رفع إِلَيْهِ أن فِي جهته مالاً من المودع، فكشف عن ذَلِكَ فوجد الخلل من أمين الحكم، وَكَانَ يسمى إسحاق وَكَانَ قاصراً فِي الحساب، فدخل عَلَيْهِ الدخيل فقيل لأبي البقاء مَا جرى، فاستدعى بِهِ وسأله عن ذَلِكَ. وقال لَهُ: غررتني بتعويج رقبتك وسَدْل كمِّك وتشبهك بالكتّاب وأنت لا تحسن شيئاً! ثُمَّ قال لَهُ: أخبِرْني، هل فِي جهتي من هَذَا المال شيء؟ قال: لا والله. قال: فما الحيلة؟ قال: يتفضل مولانا ويساعدني عَلَى الغرامة. فقال: أنا أغرم مَا تضيعه! إن هَذَا لا يكون وسعي القاضي فِي براءة نفسه، وساعده جماعة من الأكابر عَلَى ذَلِكَ لِمَا
стр. 362
ظهر لهم من براءته، وظهرت إمارات التهمة عَلَى إسحاق من أنه صار يظهر الثروة الزائدة بعد الإملاق.
ثم اتفق موت بهاء الدين السبكي فاستقر أبو البقاء فِي تدريس المنصورية، والمدرسة المجاورة للشافعي، ثُمَّ شغر قضاء الشام ففوض إِلَيْهِ فِي المحرم سنة خمس وسبعين، فتوجه إِلَى الشام وباشر مباشرة فاضلة إِلَى أن مات فِي ثالث عشر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
محمد بن عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن المَلِيحي يكنى أبا الفضل إسماعيلي من المائة السادسة.
قرأت بخط الحافظ قطب الدين الحلبي فِي تاريخ مصر: أنه ولي قضاءها بعد علي بن يوسف بن الكمال النابلسي فِي سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وذكر ابن ميسر فِي تاريخه: أن القاضي عند وفاة المستنصر - وهي سنة سبع وثمانين - كَانَ أبو الفضل ابن عبد الحاكم ويلقب فخر القضاة.
وذكر فِي حوادث سنة خمس وتسعين وأربعمائة فِي قضاة المستعلي: ابن الكحال ثُمَّ أعيد ابن عبد الحاكم ثُمَّ ابن رَجَا ثُمَّ ذَكا، ومات المستعلي وهو قاضٍ. وكأنّ هؤلاء كانوا يتناوبون المنصب وَقَدْ كَانَ بدر الجمالي أمير الجيوش يعظم هَذَا المَلِيجي ويزوره فِي بيته. وَكَانَتْ ولايته القضاء من قبل الأفضل ابن أمير الجيوش.
محمد بن عبد الدائِم بن سلامة ناصر الدين الشاذلي ابن بنت المَيْلَق وربما قبل لَهُ الملقي من المائة الثامنة ولد سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.
وسمع من جماعة من أصحاب النجيب، وحدث ببعض مسموعاته فِي حال ولايته القضاء.
стр. 363
ونشأ عَلَى طريق الوعاظ، واشتغل بالأدب فمهر ونظم الشعر الحسن، فكان يقص ببعض المجامع، ويجمع لَهُ مَا ينفقه عَلَى عياله، فاشتهر بَيْنَ العوام والجند، وَكَانَ حسن التأَتِّي، بهج الهيئة، جميل الشكل والقامة.
وولي الخطابة بالمدرسة الناصرية الحسنية بالرميلة، وحَسُن اعتقاد الناس فِيهِ، فصار يتعفف عن الَّذِي يحصل من الجباية فِي مجالس الوعظ ويفرق ذَلِكَ عَلَى الفقراء، فعظم قدره، واشتهر صيته، فاتفق أن الظاهر تغير عَلَى القاضي بدر الدين ابن أبي البقاء فالتمس من حاشيته من يصلح للقضاء، فذكروا لَهُ جماعة منهم الشيخ ناصر الدين المذكور. وَكَانَ حينئذ كثير التقشف ولبس الصوف الخشن والثياب البيض والطيلسان اللطيف، فاستدعاه الظاهر وفوض القضاء وخلع عَلَيْهِ ونزل معه جمع كثير من الأمراء والأعيان وسكن بحارة برجوان.
وساق القضاء بحرمة ومهابة، ولبس الملابس الفاخرة، والفُرش الهائلة، والخيل المسومة، حَتَّى صار فِي إصطبله نحو العشرين رأساً من الخيل والغزلان والنعام، وتشبه بأهل الدولة فِي استخدام البابا والفراش وغيرهما حَتَّى الشربدار، وأفرط فِي التقعير فِي أقواله وأفعاله.
وادعى أنه شرح مختصر المزني، فكان يدفع كراساً بخطه لمن يقرأ عَلَيْهِ فيضحك كل من يحضر من آحاد الطلبة، وجمع من الخلو من معرفة الأحكام والفقه جملة، إِلَى التعاظم المفرط والدعاوى الزائدة، والتف عَلَيْهِ قوم لأخلاق لهم فصاروا يحسنون أقواله وأفعاله.
ويقال لَهُ: إنه لَنَا حضر عند الملك الظاهر كَانَ عَلَيْهِ طيلسان صوف يساوي ديناراً، فلما تولى وحر الموكب كَانَ عَلَيْهِ ثياب تساوي ثلاثين ديناراً، فقال الظاهر لمن كَانَ سعى لَهُ عنده وأشار بطلب الطيلسان الصوف منه للتبرك ففعل: انظر الرجل الصالح كَيْفَ أمالته الدنيا بسرعة!.
ويحكى عن ابن ميلق أن رجلاً ولدت امرأته وهو مُقِلٌّ، فجاء إِلَيْهِ يلتمس منه شيئاً يعمل بِهِ لَهَا عصيدة فلم يسمح لَهُ بشيء، فخرج الرجل فرأى بَطْرِيك النصارى وَكَانَ يعرفه فسلم عَلَيْهِ، وشكى إِلَيْهِ ضرورته، فقال: تعال معي عَلَى الفتوح فجلس عنده، فجاءه عسل ودقيق وشمع فدفعه لَهُ كله فحمله، وجاء بالحمال إِلَى باب القاضي فقال لَهُ: ردَدْتَنِي خائباً وأنت قاضي المسلمين! ففتح الله
стр. 364
لي من كبير النصارى. وأراد أن يوبخه بذلك فما تأثر لذلك، فاستمر بقية أيام الظاهر الأولى.
ثُمَّ غلب يَلْبُغا النَّاصِرِيّ عَلَى المملكة فلم يغيره، ثُمَّ غلب منطاش يلبغا عَلَى تدبير المملكة فصرفه فِي سلخ ذي الحجة سنة إحدى وتسعين، وقرر المناوي. فلما عاد الملك الظاهر من الكرك فِي صفر سنة اثنتين وتسعين، قرر المناوي مع أمين الحكم بمصر بدر الدين البيدفي أن يرفع إِلَى السلطان قصة تتضمن أن ابن الميلق فِي حال ولايته أذن فِي اقتراض مال من المودع يكمل بِهِ الحمل لحرمين، فأحضره الظاهر فأهين بإيقافه مع خصمه، وادعى عَلَيْهِ فلم يثبت لذلك، واندهش حَتَّى خرّ مغشياً عَلَيْهِ، فذكر لي بعض أصدقائه عنه أنه كَانَ يقول: ذكرت فِي تِلْكَ الحالة الوقوف بَيْنَ يدي الله تعالى حَيْثُ لا ينفع مَال ولا بنون. ومن لا يحبه يقول إنه حصل لَهُ قعر فسقط فِي يده.
وفي الجملة صار السلطان يهزأ بِهِ ويضحك منه، وَلَمْ ينفعل لَهُ بل قسى عَلَيْهِ، فسأله عما ادُّعِي بِهِ عَلَيْكَ فأجاب بجواب غير سديد، فسأل من حضر فعرف أن المال لازم لَهُ، فأخرجه موكلاً بِهِ فباع بستاناً لَهُ ووزن المال، ولزم بيته مقهوراً إِلَى أن مات غمّاً فِي سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
محمد بن عبد الرحمن بن عمر كَانَ ينسب إِلَى أبي دُلَف العِجْلي القاضي جلال الدين القَزْوِينيّ.
ولد فِي سنة ست وستين وستمائة بالموصل، وسكن الروم مع والده، وولي بِهَا قضاء ناحيةٍ وَلَهُ نحو من عشرين سنة، وقدم صحبة أخيه الشيخ إمام الدين وهو
стр. 365
الأكبر، وتصدى للإِشغال، وأخذ فِي تِلْكَ الأيام عن شمس الدين الأيكي، وناب عن أخيه إمام الدين لما ولي القضاء، ثُمَّ ولاه السلطان بعده ووصله بمال كثير.
وسمع من العز أحمد بن إبراهيم الفاروثي وغيره. وولي الخطابة بالجامع الأموي، ثُمَّ ولي القضاء وجفل مع من جفل فِي وقعة قازان، فسكن الديار المصرية إِلَى أن ولي القضاء بعد عَمَى القاضي بدر الدين ابن جماعة سنة سبع وعشرين وسبعمائة.
وصنف (تلخيص المفتاح) فتلقاه العلماء فِي الأقطار بالقَبول وعَنَوْا بِهِ وشرحوه، وبرع فِي الفقه والنحو والتصريف والمعاني والبيان والأصول، وَلَهُ كتاب (الإيضاح) ، وَكَانَ جواداً مفضالاً كثير الإحسان، متأنقاً فِي المآكل والملابس والمساكن، وبلغ من العز والجاه وتعظيم السلطان لَهُ مَا لا مزيد منه.
وحج مع السلطان فِي سنة اثنتين وثلاثين فوصله بجملة، وَكَانَ إِذَا جلس فِي دار العدل لَمْ يكن لأحد معه كلام، ويرمّل على يد السلطان فِي دار العدل وتَخرج القصص الكثيرة، فترجع بشفاعته مقضية.
وَكَانَ ملجأ للسائلين فِي ذَلِكَ، وحصل لهم بوجوده رفق كبير إِلَى الغاية.
هذا مَا كَانَ فِيهِ من جميل المحاضرة، وحسن الملاقاة، وفصاحة اللسان، والجمال وحسن الصورة، وحلاوة العبارة، وحدة الذهن، والإنصاف فِي البحث والتأني، والذكاء المفرط، والميل الكبير إِلَى الأدب، وحسن الخَطّ.
قال الصفدي: كَانَ من كَمَلة الزمان وأفراد العصر فِي مجموعه.
ويحمى أن فقيهاً من جيرانه كَانَ يؤم ببعض المساجد نيابة عن صاحب ذَلِكَ المسجد بستين درهماً فِي كل شهر، وأنه أقام سنة وصاحب المسجد لا يسمع لَهُ بشيء، فَقَرُبَ عيد الفطر واحتاج إِلَى توسعةٍ، فطالب ناظر المسجد فَسَوَّفَ بِهِ، فتوسل إِلَى القاضي جلال الدين بعض جيرانه أن يرسل إِلَى الناظر يأمره بصرف معلومه، فأخذه التاجر وتوجه بِهِ إِلَى منزل القاضي فصلى معه المغرب، وذلك فِي أواخر شهر رمضان وهو بمنزله بجزيرة الفيل، فمدّ السماط فكان شيئاً فاخراً جدّاً، وَلَمْ يحجب عنه أحد.
стр. 366
ثُمَّ صلى معه العشاء والتراويح، ثُمَّ أتى بالحلوى وهي أنواع كثيرة بديعة، فِيهَا الكُنافة متبّلة بدُهن الفستق والقطر النبات، ثُمَّ أمره بالنوم عنده فعند السحر أعيدت تِلْكَ المآكل كلها وَمَا هو فوقها، ففي أثناء السحور سأل القاضي التاجر عن الرجل، فذكر لَهُ ضرورته فالتفت إِلَيْهِ وقال: يَا فقيه نحن ناس غرباء من هَذِهِ البلدة، وكلامنا ثقيل عليهم، وقطع الكلام فخجل الرجل. فلما كانت صلاة الصبح صلى معه وخرج فناول التاجر ورقة فقال: أعطيها لذلك الفقيه فوجدها خفيفة، ففتحها فإذا هي من ذهب، فأخذه الرجل وتوجه فوسع عَلَى عياله، فما انتصف النهار حتى جاء الناظر إِلَى التاجر يعاتبه عَلَى شكواه للقاضي فقال: معاذ الله! لَمْ أطلب منه إِلاَّ الشفاعة عندك. فصرف لَهُ مَا استحق لذلك النائب فِي الحال.
ولم يزل أمر القاضي جلال الدين مستقيماً حَتَّى نشأ ولده عبد الله، فإنه بسط يده فِي نواب البلاد والتمس منهم الهدايا، وكثرت القالة، وعظمت الشناعة، وانتشر الأمر حَتَّى بلغ السلطان وهو لا يقبل فِي الجلال ملاماً، ثُمَّ غلظ الأمر فاقتنى المماليك الحسان الخاصكية، واستخدم أوجاقية وركابين، وارتبط خيولاً مسومة وسابق عَلَيْهَا، ثُمَّ جاهر بسماع آلات الملاهي مع أنه ساكن فِي دار الحديث الكاملية، فرفع حاله إِلَى السلطان فأمر بإخراجه إِلَى الشام. فشق عَلَى أبيه فصبر إلى أن مضت سنة فتشفع ببعض الأمراء فأمر بعوده وعدل عن تِلْكَ السيرة إِلَى تعمير دار سكنه، فشرع فِيهَا وهي بطرف جزيرة الفيل، ففرض عَلَى نواب البر من القضاة بحمل الأخشاب والرخام وغير ذَلِكَ، وأفرط فِي ذَلِكَ حَتَّى كثر من ينكر عَلَيْهِ من الأمراء فضلاً من دونهم.
وكان عبد الله المذكور قليل المداراة، كثير المجافاة للناس، فتألبوا عَلَيْهِ ورتبوا فِيهِ قصصاً إِلَى السلطان كثيرة، بعضها منظوم، فأمر الناصر بعض الخاصكية يعرف القاضي أنه إِذَا حضر الموكب يستعفي من قضاء مصر، فإنه يستحيي أن يبدأه بالعزل ولا بد من ذَلِكَ ففعل فأجابه إِلَى مَا طلب، وولاه قاضياً عَلَى الشام عوضاً عن الَّذِي مات، وأمره بالمسير عَلَى خيل البريد، فاستشفع بأن يقيم أياماً قلائل يتجهز فِيهَا فأجابه إِلَى ذَلِكَ.
واستحضر مباشري الأوقاف فحاسبهم عَلَى مَا صار إِلَيْهِ وإلى أولاده من الأموال، فكان شيئاً كثيراً جدّاً، بحيث أنه ثبت فِي جهتهم للأشرفية المجاورة للمشهد النفيسي نحو من مائتي ألف، فأخرج كتبه وَكَانَتْ فِي غاية من النفاسة فباعها ووفّى بِهَا مَا عَلَيْهِ.
стр. 367
وباع ولدُه عبدُ الله من الأمتعة شيئاً كثيراً، حَتَّى قيل إنه باع من الصيني خاصة بأربعين ألفاً، ومن الجواري نحو العشرين من عشرة آلاف فما دونها، ومن الجواهر واللؤلؤ والزركش مائة ألف. ويقال إن جميع مَا أبيع لهم كَانَ بنصف قيمته. وبعد ذَلِكَ كله أكروا ستين محارة خارجاً عن الأحمال من الزاد والماء. ومع ذَلِكَ شق عَلَى أكثر الناس مفارقة القاضي جلال الدين لما كانوا يرون منه من الإحسان بعلمه وجاهه وماله، وَلَمْ يكن جوده مقصوراً عَلَى طائفة، بل يكرم الطلبة والفقهاء والفقراء.
وكان صرفه فِي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وَكَانَ الناصر كثير الميل إِلَيْهِ حَتَّى أنه لما أراد الرحيل راسل السلطان أن يأذن لَهُ فِي توديعه فقال: لا أقدر أن أراه، فإنني متى رأيته وليته قضاء مصر. وذلك لكثرة ميله إِلَيْهِ ومحبته فِيهِ. وَلَمْ تطل مدته بدمشق بل أقام بِهَا إِلَى جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ومات.
محمد بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن علي بن صَدَقَة بن حَفْص الصَّفْرَاوِيّ شرف الدين أبو المكارم ابن القاضي رشيد الدين أبي الحسن ابن أبي الحسن ابن أبي المجد ابن عين الدولة الصفراوي الإِسكندراني الأصل، نزيل مصر، من المائة السابعة.
ولد فِي مستهل جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكتب لابن درباس، وناب عنه فِي الحكم فِي سنة أربع وثمانين وخمسمائة وهو من أهل بيت علم وقضاء ومال، وَكَانَ أول أمره مالكي المذهب، فاتفق أن خطيب الجامع الأزهر عزل، فأمر صدر الدين ابن دِرْبَاس أبا المكارم أن يخطب وَكَانَ يوقع عنه فأجاد وأبلغ وأدى الموعظة أحسن تأدية، ولما صلى جهر بالبسملة، فلما فرغ شكره القاضي وأبلغ فِي الثناء عَلَيْهِ. فقال لَهُ بعض من حضر: جهرت بالبسملة وخالفت مذهبك، فقال:
فراقٌ ومن فارقتُ غير مُذمَّم ... وأمِّمْ ومن يممت خير ميممِ
стр. 368
فاستحسن ذَلِكَ من حضر، واستمر شافعياً، وَكَانَ يقول: حَكَم من أقاربي سبعة عشر نفساً، منهم ثمانية بالإِسكندرية، وسائرهم بالفيوم والبحيرة.
ويقال إن دِرْباس لما استنابه توقف، وَكَانَ جمال الدولة أبو طالب صهر القاضي حاضراً فَأسَرَّ إليه لا تستعف، فإنك بعد ثلاثين سنة قاضي القضاة، فكان كذلك، ثُمَّ ناب بعد ذَلِكَ لمن ولي صدر الدين إِلَى أن استقل بالقضاء فِي سنة ثلاث عشرة وستمائة واستمر إِلَى أن مات فِي ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة، فكانت مدة حكمه نيابة واستقلالاً خمساً وخمسين سنة.
ولما تحول شافعياً تفقه عَلَى أبي إسحاق العراقي، وضياء الدين ابن دِرْبَاس، وأخذ أيضاً عن أخيه أبي القاسم، وروى عن والده، والسِّلَفِيّ، وأبي الطاهر ابن عوف، والصدر ابن دِرْبَاس، وأبي الطاهر ابن بُنان، واليسع بن عيسى بن حزم، ومحمد بن يوسف القرطبي. وأجاز لَهُ أبو الفرج ابن الجوزي وجماعة.
وذكره الحافظ المنذري وقال: علقتُ عنه شيئاً، وَكَانَ حسن الخط، لَهُ نظم ونثر ويحفظ من الشعر شيئاً كثيراً، وسمعته يقول: ولدت فِي جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ودخلت مصر فِي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وكتبت فِي الحكم عند صدر الدين ابن دِرْبَاس سنة أربع وثمانين، ثُمَّ ولي قضاء القاهرة والوجه البحري فِي سنة ثلاث عشرة وستمائة ثُمَّ ضم إِلَيْهِ مصر والوجه القبلي فِي سنة سبع عشرة وستمائة وأضيفت إِلَيْهِ من بلاد الشام غزة وغيرها، وَكَانَ عارفاً بالأحكام مطلعاً عَلَى غوامضها.
قرأت فِي تاريخ مصر لشيخ شيوخنا القطب: كَانَ هَذَا القاضي جواداً زاهداً، وَلَمْ تجب عَلَيْهِ زكاة قط، وَكَانَتْ وفاة والد أبي المكارم فِي سنة سبع وسبعين وخمسمائة وَلَهُ سماع من السِّلفي. سمع منه ولده ومن نوادره أنه ناظر فقيهاً فتبين لَهُ أن دعواه أكثر من علمه فأنشد:
وادعى أنه خبير بصير ... وهو فِي العمى ضائع العكّاز
ومنها أنه تلقى الملك الكامل وَقَدْ قدم من سفر وصحبته الملك الناصر داود ابن المعظم فقال لَهُ الكامل لمّا سلم عَلَيْهِ: سلم عَلَى الملك الناصر، فسلم عَلَيْهِ وقال:
стр. 369
وكثرة النور تغشى ناظر المُقَلِ
فأعجب الكامل سرعة استحضاره. وكتب عَلَى نسخته من المقامات للحريري بط بعض الأكابر: وصار الحريري لَمَّا انتسبتْ إِلَيْهِ أجل من المطرز المذهب.
واتفق أن فخر الدين عثمان لَهُ بنت تزوجت بالريف ثعلب فمات فورثت منه. ثُمَّ تزوجت بالأمير شجاع الدين ابن علكان فأقر لَهَا انم جميع دوره ملك لَهَا، وكتب لَهَا بذلك مكتوباً، فلما وقف ابن عين الدولة عَلَيْهِ قال: كأنها استطابت الميتة فتعجلت الميراث، وكتب فِي آخر الإِسجال:
وكذا الحلاوة حين طاب مدامها ... جُعلت مؤخرة عن الألوانِ
وثبت عنده لشخص عَلَى آخر دين فطلب اعتقاله، فقال: أنا أحتال لَهُ برهن فأنشده القاضي:
الجودُ طبعي ولكن لَيْسَ لي مال ... وكيف يصنع من بالرهن يحتالُ
كتب لَهُ حسن بن محمود مدة، وَكَانَ فائقاً بذلك فاستقل بِهَا، ثُمَّ ولي وكالة بيت المال، فكتب لَهُ المخلص عبد الرحمن بن عبد الملك، وَكَانَ عارفاً بالفقه قادراً عَلَى النظم والنثر. ثُمَّ كتب لَهُ عبد الكريم بن علي العسقلاني، وَكَانَ عفيفاً جواداً، وَلَمْ يكن لَهُ سوى بغلة واحدة، فإذا كَانَ الربيع استأجر بغلة فِي كل يوم بثلاثة دراهم.
وقال علي بن سعيد المغربي فِي تاريخه: كَانَ أبو المكارم من أعجب الحُكام لأنه كَانَ من أهل الزهد والورع مع النوادر واللطائف، فكان بالأدباء أشبه منه بالقضاة. قال: وَقَدْ أجمع الملأ عَلَى أنه مع طول ولايته لَمْ يتهمه أحد بدرهم واحد أخذه عَلَى الحكم وَكَانَ السلطان الكامل يستطيب مجالسته ويستكثر منها. وسأله مرة عن سنّه فارتجل يقول:
يَا سائلي عن قُوَى جسْمي وَمَا فعلتْ ... فِيهِ السنونَ ألا فاعلمه تَبْيينا
ثَاءُ الثلاثين أَحْسَسْتُ الفتورَ بِهَا ... فكيف حالي فِي ثاء الثمانينا
стр. 370
قال وأنشدني لنفسه:
سَلَّتْ عَلَيْكَ سيوفَهَا الأَجْفَانُ ... وتمايلتْ بك للهوى الأغصانُ
وتعطَّفَتْ بك للمعاطف رِقَّةٌ ... أمستْ تُقِرُّ لَهَا الصَّبا والبَانُ
الله من تِلْكَ الجفونِ وسِحْرِها ... يَا نائماً وغرامُه يَقْظَانُ
ومن نوادره أن خصمين تقدما إِلَيْهِ، فقال المدعي: قَدِم هذا من سفَر فقدمت إِلَيْهِ كذا وكذا زبدية من طعام. ثُمَّ قدمت من سفر فلم يقدم لي شيئاً. فقال: يَا وَفِي الدولة، اسمع مَا يقول كريم الدولة، فتبسم من حضر.
ومن نوادره أن القاضي شمس الدينِ ابن خَلِّكان استشفع عنده أن يوليه نيابة الحكم فامتنع، وقال لا خَلَّ كَانَ ولا عَسَلَ صار. فاتفق أن البدر السِّنْجَارِيّ لما قدم إِلَى القاهرة وخشي أبو المكارم أن ينضم ابن خَلِّكان عن نادرته فقال: لا شرقية ولا غربية. ثُمَّ قدم السنجاري فكان مَا ظنه أبو المكارم.
ولما صرف العماد ابن السكري أشار صدر الدين ابن شيخ الشيوخ عَلَى الكامل أن يقسم العمل شطرين، فولي ابن عين الدولة القاهرة والوجه البحري. وابن الخراط مصر والوجه القبلي، فلما صرف ابن الخراط فِي قضية ابن مرزوق، أضيف عمله إِلَى ابن عيد الدولة، فاستكمل القضاء بالديار المصرية، وذلك فِي سنة سبع عشرة وستمائة، وجمع لَهُ أبو الغيث منهال ابن عوز القضاة محمد بن منصور ابن منهال (سيرة) فِي مجلد وقال فِيهَا: كَانَ عالماً بأمور الشريعة مطلعاً عَلَى غوامضها بصيراً بالأحكام عارفاً بالسياسة حافظاً للقرآن ذاكراً للعلوم مستحضراً لأيام العرب ملازماً للصيام كثير الصدقة.
أسند الحديث عن السِّلَفي، وابن عوف. وَكَانَ يعرف الأنساب وأين العرب من أبدع الناس خَطّاً وأصحهم ضبطاً، وَكَانَ محاضره يستفيد منه أكثر مما يفيد، مع الورع
стр. 371
وكثرة الذكر فِي الخلوة، وموالاة الصيام والصدقة، لا يدخر شيئاً، ولا يعتني بلباس ولا غيره، لَهُ سجادة خضراء ومشط ومسبحة ومقراض وسواك، وبِذْلَةٌ واحدة إِذَا اتسخت غسلها ليلاً.
وَقَدْ أضيف إِلَيْهِ الحكم فِي عدة بلاد من الشام منها: غزة والخليل وبانياس وطَبَرية ودمياط وقَطيا ويَنبع. كل ذَلِكَ بعد الثلاثين، وَلَمْ يزل عَلَى حاله إِلَى سنة وفاته، فإن الملك الصالح أفرد عنه مصر والوجه البحري وولاها للبدر السِّنْجارِيّ وذلك فِي سنة سبع وثلاثين وستمائة، واقتصر فِيهِ عَلَى القاهرة إِلَى أن مات فِي تاسع ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة.
محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن سعد المَقْدِسي القاضي شمس الدين ابن الدَّيْري الحنفي أبو عبد الله.
ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وقال مرة: سنة أربع وأخرى سنة ثلاث وأخرى سنة اثنتين. وَكَانَ يذكر أنه اختلف عَلَيْهِ قول أبيه وأمه، وَكَانَ أبوه تاجراً وحبّب إِلَيْهِ هو الاشتغال، فقرأ ببلده، ثُمَّ رحل إِلَى الشام وَلَمْ يكن لَهُ التفات إِلَى الحديث لا رواية ولا دراية.
وحدث بالبخاري عن تاج الدين المقدسي بسماعه من الملك الأوحد، وست الوزراء، فغلطوه وقالوا: إنما سمعه من وَزِيرَةَ والحَجّار، ووجد سماعه للثلاثيات وبعض الكتاب فقط، ومهر فِي مذهبه واشتهر بقوة الجَنَان وطَلاَقة اللسان والقيام فِي الحق.
ودخل القاهرة مراراً، وَكَانَ حسن القامة، مهاب الخِلقة، فلما مات ناصر الدين محمد بن العديم وكان أمر التَّفَهْنِيّ أن يتم، طلبه المؤيد فحضر من القدس، وولي القضاء فِي سنة تسع وثمانمائة، ثُمَّ صرف فِي ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة فولي التَّفَهْنِيّ، واستقر فِي مشيخه المؤيدية إِلَى أن مات ببيت المقدس فِي ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وَكَانَ دَخَله زائراً لأهله رحمه الله تعالى.
стр. 372
محمد بن عبد الله بن علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى صدر الدين ابن التركماني ولد جمال الدين ابن علاء الدين.
ولي القضاء للحنفية استقلالاً هو وأبوه وجده، وَكَانَ مولده فِي رابع شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة واشتغل ومهر وناب فِي الحكم عن والده، ونشأ نشأة حسنة، وولي القضاء بعد السراج الهندي فِي رابع عشر شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وَقَدْ أكمل الثلاثين، فلم تطل مدته.
وكان حسن الصورة والسمت، فصيحاً وقوراً مهيباً، ولما ولي عرف الناس أن شيوخ العجم حسدوه لما مات أبوه وعين للقضاء، فإنهم اجتمعوا وقالوا: لا نرضى بِهِ لأنه حَدَث السن قليل العلم والمعرفة بالشروط، فولي السراج الهندي، فلما مات واستقر هَذَا ظَهَر من سيرته خلاف مَا وصفوه، واغتبط الناس بِهِ وأحبوه وعدوه من حسنات الدهر، وَكَانَ ينظم الشعر أحياناً واتفق أنه أصابه رمد فقال:
أفِرُّ إِلَى الظلامِ بِكُلِّ جهْدِي ... كَأَنَّ النورَ يَطلُبُني بِدَينِ
وَمَا للِنّور من كَلَب ولكن ... أراه حقيقةً مطلوبَ عَيْنِي
ولما حضرته الوفاة أوصى أن يكتب عَلَى قبره:
إن الفقير الذي أمسى بحُفرته ... نزيل رب كثير العفو سَتَّارِ
يوصيك بالأهل والأولاد تحفظهم ... فهم عِيَال عَلَى معروفك السَّارِي
ورثاه شهاب الدين ابن العطار بقوله:
وفاتك صدر الدين قاضي قضاتنا ... قَد اغبر من زهر العلوم أَنيقُهُ
وقطّب بعد الضحك وجهاً وكيف لا ... يُقَطِّبُ والنعمان مات شقيقهُ
стр. 373
محمد بن عبد الله بن قاسم، يأتي فِي محمد بن قاسم.
محمد بن أبي سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهَّر ابن أبي عَصْرُون محيي الدين أبو حامد ابن أبي سعد الشافعي، من المائة السابعة.
كان موصلي الأصل، سكن دمشق، وولي قضاء الديار المصرية بعد صرف زين الدين علي بن يوسف الدمشقي فِي الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، فِي سلطنة الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين، وصرف فِي سادس عشر المحرم سنة اثنتين وتسعين، وَكَانَتْ ولايته سنةً واحدةً، وأُمر بعد عزله بلزوم بيته فأغلق بابه وأقام فِيهِ ثُمَّ أذن لَهُ أن يخرج من مصر فتحول إِلَى دمشق، فأقام بِهَا إِلَى أن مات فِي شهر ربيع الأول سنة إحدى وستمائة.
وكان قَدْ سمع أباه، والسِّلفي وغيرهما، وحدث باليسير، وَكَانَ شجاعاً جواداً، وَكَانَ أبوه من أعيان الشافعية ومشاهيرهم، وَلَهُ تصانيف مشهورة، استوطن دمشق إِلَى أن مات فِيهَا.
محمد بن عبد الله بن محمد بن الخصيب بن الصقر بن حبيب الإصبهاني ولد سنة ثلاثمائة، وكتب الحديث، وَكَانَ ينوب فِي القضاء خلافة عن أبيه، واستقل بالقضاء بعد وفاة والده فِي النصف من المحرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فلما خُلع عَلَيْهِ وركب إِلَى الجامع يوم الجمعة ثارت بِهِ العامة وشغبوا عَلَيْهِ وحَصَبوه فصاح: مَا الَّذِي يُنْقَم عليَّ وَقَدْ عمرتُ الأحباس ووفَّرتُها وفُرّقت فِي مستحقيها! وَمَا يضبط أحد قط أنني ارتشيت أنا ولا أبي، فما ارتدعوا عنه، وراسل الأمير وهو يومئذ كافور الإِخشيدي فأنفذ إِلَيْهِ غلامه مقبل الخادم يسأله عن حاله فأظهر تجلداً، وباحث من حضر من العلماء فِي شيء من المسائل واستمر إِلَى صلاة العصر.
стр. 374
وَكَانَ ضَمِنَ لكافور عَلَى ولايته مصر وعملها والرَّمْية وطَبريَّة مالاً، فحلّ الأجل فطالبه الوزير جعفر وتهدّده فهلع وخار طبعه، فاعتلّ سبعة أيام ومات، وقيل إنه مات مسموماً سمّه خادم لَهُ خصِيّ.
قال ابن زولاق: وَكَانَ كاتباً حاسباً يعرف الأدب وأيام الناس، وكتب الحديث، وخدم كافور قديماً، وأكل معه وسامره وَكَانَ جريّاً عَلَى مَا يريد. وَكَانَ يمازح صالح بن نافع ممازحة قبيحة فِي الصفاع، فعمل فِيهِ بعض الشعراء عَلَى لسان شخص كَانَ ينقر نقوش الخواتيم بيده.
إني إِلَى القاضي أمتُّ بحُرمةٍ ... هي بيننا حق كفرض لازم
سِرٌّ لطيف فِي قَفاه وَفِي يدي ... هي آية بَهَرَتْ عقول العالَم
فَقَفَاه ينتقد الأَكُفّ بحسّه ... ويداي تَخْشَى فَضَّ نَقْشِ الخاتمِ
وَكَانَ ذَلِكَ فِي رمضان سنة سبع وأربعين، وَكَانَ جواداً وَقَدْ مدحه أبو الطيب المتنبي بالقصيدة التي أولها:
أَفَاضِل الناس أغراضٌ لِذَا الزَّمنِ
يقول فِيهَا:
قاض إِذَا التبس الأمرانِ عَنَّ لَهُ ... رأيٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الماء واللَّبَنِ
وذكر ابن زولاق فِي ترجمة أبيه عبد الله بن محمد أنه كَانَ يباشر معه القضاء، وأنه كَانَ كثير التزوير، وأنه زوَّر عهداً عن المطيع لأبيه، وشاع عن الخَصِيبيّ أنه قال: العمل لولدي وإنما أنا معين لَهُ.
وكان الخَصِيبيّ يوقّع بيده وبخط أبيه توقيعات ويختِمها ويكتب فِي عُنوانها (محمد بن عبد الله) ، ثُمَّ استبدّ بالأنكحة وتقدّم إِلَى كُتّاب الشروط أن لا يكتبوا إِلاَّ للقاضي (محمد بن عبد الله) .
وامتدت يد الابن فعزل وولّى حَتَّى كَانَ هو المستقل بالأمر، وَلَيْسَ لأبيه إِلاَّ الاسم
стр. 375
فِي الغالب، وكان إِذَا بلغه أن أحداً سعى فِي قضاء مصر دبّر عَلَيْهِ المكايد واحتال عَلَيْهِ بكل حيلة إِلَى أن يبالغ فِي أذاه.
فبلغه أن أحمد بن إبراهيم الأندلسي أحد العدول بمصر سعى من بغداد، فدبّر عَلَيْهِ مكيدة عند كافور حَتَّى قبض عَلَيْهِ وهَمّ بقتله، وكذلك صنع بأبي بكر محمد ابن طاهر النقيب، ولولا أن أبا جعفر مسلماً العلوي توسَّط فِي أمرهما لَهَلَكا. ثُمَّ زاد أمر الولد فِي مخالفة أبيه حَتَّى تَبَايَنَا وتَعَادَيا وتَعَانَدَا فِي كل شيء، حَتَّى كَانَ الأب إِذَا قرَّب أحداً أبعده ابنه وبالعكس.
وانقطع الابن إِلَى كافور، وتولّى لَهُ عمارة داره وقال لَهُ: أنا ألبس الدُّرَّاعة ولا أريد القضاء. ووقع الإرجاف بمصر بوصول توقيع الأندلسي من بغداد، فاتفق أن مات ووصل التقليد بعد موته بخمسة أيام، وكذلك اتفق لمحمد بن طاهر المذكور من فجأة الموت، لكنه لَمْ يردْ لَهُ توقيع. وَكَانَ موت أحمد بن إبراهيم سنة اثنتين وأربعين، وموت محمد بن طاهر سنة ست وأربعين.
وقال ابن زولاق: إن الابن كَانَ فِي الغاية فِي قلة الدين وصَفَاقة الوجه.
قلت: وقع لابن عساكر فغي تاريخه الكبير مع سعة اطلاعه فِي ترجمة الخَصِيبِيّ هَذَا تقصير كبير فإنه قال مَا نصّه: محمد بن عبد الله بن الخَصيب ولي قضاء دمشق نيابة عن أبيه بن محمد، وَكَانَ أبوه يلي القضاء عَلَيْهَا من قِبَل المطيع لله أبي القاسم الفضل بن جعفر.
ذكر أبو محمد ابن الأكفاني أن عبد الله بن محمد بن الخصيب ولي القضاء بمصر فِي أيام المطيع فِي سنة أربعين وثلاثمائة إِلَى أن توفي فِي تاسع المحرم سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، وولي ابنه محمد بن عبد الله فأقام ينظر شهراً ثُمَّ اعتلّ، ومات لستّ خلونَ من شهر ربيع الأول كذا قال ابن الأكفاني.
وبلغنا من وجه آخر أن محمد بن عبد الله كَانَ يقضي بمصر خليفة لأبيه فِي حياته وأبوه يحضر معه إِلَى أن مات فِي يوم الأربعاء لسبع خلون من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بعد وفاة أبيه بخمسة وأربعين يوماً هَذَا آخر كلامه.
стр. 376
والذي بلغه عن غير ابن الأكفاني فِي كونه كَانَ ينوب عن أبيه بمصر صحيح، وَمَا عدا ذَلِكَ القول قول ابن زولاق لأنه أعلم بأهل بلده.
قال أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي يمدح محمد بن عبد الله بن محمد الخصيب المصري القاضي وهو يومئذ قاضي أنطاكية فقال:
أفاضِلُ الناسِ أغراضٌ لذا الزَّمن ... يخلو من الهمّ أَخْلاَهُمْ من الفِطَنِ
وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي جِيلٍ سَواسِيّةٍ ... شَرٌّ عَلَى الحرِّ مِنْ سُقْمٍ عَلَى بَدَنِ
حَوْلِي بِكُلِّ مكان مِنْهُم خِلْقٌ ... تُخْطى إِذَا جئتَ فِي استفهامها بِمَنِ
لا أَقْتَري بَلَداً إِلاَّ عَلَى غَرَرٍ ... وَلا أَمُرُّ بِخَلْقٍ غَيرِ مُضْطَغنِ
وَلاَ أُعَاشِرُ مِنْ أَمْلاكِهِمْ أحَداً ... إِلاَّ أَحَقَّ بِضَرْبِ الرَّأْسِ من وَثَنِ
إني لأعْذِرهم هم مِمَّا أُعَنِّفُهُمْ ... حَتَّى أُعَنِّفُ نَفْسِي فِيهِمُ وأنِي
فقر الجهول بلا عقل إِلَى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إِلَى رسن
وَمُدْقِعِينَ بَسُبْرُوتٍ صَحِبْتُهم ... عَارِينَ مِنْ حُلَلٍ كَاسِينَ مِنْ دَرَنِ
خُرَّابِ بَادِيَةٍ غَرْثَيَ بُطُونُهُمُ ... مَكْنُ الضَّبَابِ لهمُ زَادٌ بِلا ثَمَنِ
يَسْتَخْبِرُونَ فَلاَ أُعطِيهمُ خبرِي ... وَمَا يَطِيشُ لهم سَهمٌ مِنَ الظِّننِ
وخَلَّةٍ فِي جَلِيسٍ أتَّقِيهِ بِهَا ... كَيما يُرَى أننا مِثلانِ فِي الوَهَنِ
وكلْمَةٍ فِي طَريقٍ خِفْتُ أعْرِبها ... فيُهْتَدَى لي فلم أَقْدرْ عَلَى اللَّحَنِ
قَدْ هَوَّنَ الصَّبْرُ عِندي كل نازِلةٍ ... وَلَيَنَ العَزْمُ حَدَّ المَرْكَب الخشِن
كمْ مَخْلصٍ وعُلاً خوْض مهلكةٍ ... وَقَتْلَةٍ قُرِنَتْ بالذمّ فِي الجُبُنِ
لا يُعجِبَنَّ مَضِيماً حُسْنُ بِزَّتِهِ ... وَهَل يَرُوق دَفِيناً جَوْدَةُ الْكَفَنِ
لله حالٌ أُرَجِّيها وتُخْلِفُنِي ... وَأَقْتضي كَوْنها دَهْري وَيمْطُلُني
مَدَحْت قوماً وَإن عشنا نظمتُ لهمْ ... قَصَائداً من إِناثِ الخيل والحُصُنِ
تَحْتَ العَجاجِ قَوافيها مُضَمَّرةً ... إِذَا تُنُوشِدْن لَمْ يَدْخُلْن فِي أُذنِ
فَلاَ أُحارِبُ مَدْفُوعاً عَلَى جُدُرٍ ... وَلاَ أُصَالِحُ مَغْرَوراً عَلَى دَخَنِ
مُخَيَّمُ الجَمْع بالبَيْدَاء يَصْهَرُهُ ... حَرُّ الهَوَاجِرِ فِي صُمٍّ مِنَ الفِتَنِ
ألقى الكرامُ الأَولى بادوا مكارِمَهُمْ ... عَلَى الخَصِيبيّ عند الفرضِ والسُّنَنِ
стр. 377
فهنَّ فِي الحَجرِ منه كُلَّما عَرَضَتْ ... لَهُ اليَتَامَى بَدَا بالمجْدِ والمِنَنِ
قاضٍ إِذَا التَبَسَ الأَمْرَانِ عنَّ لَهُ ... رَأيٌ يُخَلِّصُ بَيْنَ الماء واللَّبَنِ
غَضَّ الشباب بعيدٌ فَجْرُ لَيْلَته ... مُجَانِبُ العَينِ لِلْفَحْشَاءِ والْوَسَنِ
شَرَابُهُ النَّشْحُ لا لِلرِّيِّ يَطْلُبُهُ ... وطَعْمُهُ لِقِوامِ الجسمِ لا السِّمَنِ
النائلُ الصِّدْقَ فِيهِ مَا يَضُرُّ بِهِ ... والوَاحِد الحَالَتين السِّرِّ والعَلَنِ
الفاصِلُ الحُكْمَ عَيَّ الأوَّلون بِهِ ... والمُظْهِرُ الحقَّ للسَّاهي عَلَى الذَّهنِ
أَفْعَالُهُ الهَتِنُ بنُ العارِضِ الهَتِنِ اب ... ن العارِضِ الهَتِنِ ابن العارض الهَتِنِ
قَدْ صَيَّرَتْ أول الدنيا أوَاخِرَها ... آباؤُهُ مِنْ مٌغارِ العِلْمِ فِي قَرَنِ
كَأَنَّهُمْ وُلدُوا مِنْ قَبلِ أَنْ وُلِدُوا ... أَوْ كَانَ فَهْمُهُمُ أيامَ لَمْ يَكُنِ
الخَاطِرينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أبَداً ... مِنَ المَحَامِدِ فِي أَوْقى مِنَ الجنَنِ
للناظرِينَ إِلَى إقْبَالِهِ فَرَحٌ ... يزيلُ مَا بِجِباهِ القَوْمِ مِنْ غَضَنِ
كَأَنَّ مال ابن عبد الله مُغتَرفٌ ... من رَاحَتَيْهِ بأرض الرُّومِ واليَمنِ
لَمْ نَفْتَقِدْ بِكَ من مُزْنٍ سوَى لَشَقٍ ... وَلا مِنَ البحرِ غيرَ الرّيحِ والسُّفُنِ
وَلا منَ اللَّيِ إِلاَّ قُبْحَ مَنْظَرِهِ ... وَمِن سَواهُ سوى مَا لَيْسَ بالحسَنِ
مُنذُ احتْبَيْتَ بأَنطاكيةَ اعتدلت ... حَتَّى كَأَنَّ ذَوِي الأوْتارِ فِي هُدَنِ
وَمُذْ مَرَرْتَ عَلَى أَطْوَادِها قُرِعَتْ ... منَ السُّجودِ فَلاَ نَبْتٌ عَلَى القُنِنِ
أَخْلَتْ مَوَاهِبُك الأَسْوَاقَ مِنْ صنع ... أغنى نَدَاكَ عن الأعمال والمِهَنِ
ذا جودُ من لَيْسَ من دَهرٍ عَلَى ثِقةٍ ... وَزُهْد من لَيْسَ فِي دنياهُ فِي وَطنِ
وهَذِهِ هَيْبَةٌ لَمْ يُؤْتِها بَشَرٌ ... وذَا اقْتِدارُ لِسانٍ لَيْسَ فِي المُنَنِ
فَمُرْ وأوْمِ تُطعْ قُدّستَ من جَبَلٍ ... تَبارَكَ اللهُ مَجْرِي الرُّوح فِي حَضَنِ
محمد بن عبد الله بن محمود جار الله أبو الثناء الحنفي.
стр. 378
قدم من الشرق وهو متأهل فِي عدة فنون، فصاهر السراج الهندي وناب عنه، وولي مشيخة سعيد السعداء فثار عَلَيْهِ أهلها وكتبوا عَلَى باب داره.
يَا خانقاه شيخنا ... عن اللواط لَمْ يتب
لا تعتبيه واصبري ... عَلَى أذى الجار الجنب
فاتفق أن الأشرف مرض فعالجه فعوفي، وَكَانَ حسن المعرفة بالطب، فولاه قضاء الحنفية لكثرة تشكي شرف الدين أحمد بن منصور وتضجره من الإقامة بمصر، فأذن لَهُ فِي العود إِلَى دمشق واستقر الجار مكانه فاستعظم الناس ذَلِكَ لما يعرفوه منه من البَأْوِ وكونه عارياً من الفقه.
فلما ولي ساس الناس سياسة جميلة، وصفح عمن أساء إِلَيْهِ، وَكَانَ فِي نفسه مهذّباً غير فحاش، واعتمد فِي ولايته عَلَى شمس الدين محمد القرمي صهره عَلَى ابنته، فأغراه القرمي بأن يضاهي قاضي الشافعية فِي لبس الطرحة والاستنابة فِي البلاد، فأنشأ مودعاً للحنفية، وَكَانَ السراج الهندي أراد ذَلِكَ فِي أيام يلبغا فلم يتم لَهُ ذَلِكَ، فسعى الجار عند بَرَكة فألبس الخلعة، فسعى ابن جماعة حَتَّى أبطل ذَلِكَ وساعده أكمل الدين، وقال فِيهِ الشعراء، من ذَلِكَ قول ابن العطار:
أمرت تركياً بمودع حكم ... حنفي لأجل منع الزكاة
رَبّ خُذهم فإنهم إن يعيشوا ... يُخشَ أن يأمروا بترك الصلاة
وقال المجد إسماعيل:
أراد الجَارُ جَوْراً فِي اليتامى ... وَفِي الأموال حَيْفاً وَفِي الأَيَامَى
فالبرهان قَدْ قطع اعتداه ... ولو قَدْ مُكِّنَ القرمي ياما
ومما مدح بِهِ جار الله:
للهِ جارُ اللهِ حاكِمُنا الَّذِي ... مَا مِثلُه يُسعَى لَهُ ويُزَارُ
حُبَّاً لَهُ وكرامةً مِن ماجِدٍ ... حَسْنَت خلائِقُه ونِعْم الجارُ
стр. 379
ومات قاضياً فِي رابع عشرين رجب سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة.
ورثاه الشهاب ابن العطار:
قاضي القضاة جلالُ الدين مات وَقَدْ ... أعطاه مَا كَانَ يرجو بَارِئُ النَّسَمِ
حاشاه أن يُحْرِم الراجي مكارِمَهُ ... أَوْ يرجع الجارُ منه غيرَ مُحْتَرِم
محمد بن عبد الله الميَاروداني نسبة إِلَى جزيرة فِي دجلة.
قال مسلمة بن قاسم: ولي القضاء بمصر سنتين، ثُمَّ رجع إِلَى بغداد فمات بِهَا سنة عشر وثلاثمائة، وَكَانَ حنفي الفقه متعصباً فِيهِ، ولعله ولي الحكم فِي بعض بلاد مصر.
محمد بن عبد المولى أبو عبد الله ابن أبي محمد بن محمد بن عبد الله ابن عتبة اللخمي اللُّبْني المالكي، واللبني: بضم اللام وسكون الموحدة بعدها نون منسوب إِلَى لُبْنَة، بُلَيدة بالقرب من المهدية.
ولاه الوزير رضوان عقود الأنكحة وَمَا يتعلق بذلك خاصة بعد موت الأعز أبي المكارم أحمد بن أبي عقيل، وذلك فِي شعبان سنة ثلاث وثلاثين، فباشر ذَلِكَ ثلاثة أشهر إِلَى أن استقر فِي القضاء فر الأمناء هبة الله بن حسن ابن الأزرق، ثُمَّ ولاه أبو علي أحمد ابن الأفضل القضاء رابع أربعة كما تقدم بيان ذَلِكَ فِي ترجمة الفقيه سلطان بن إبراهيم.
محمد بن عبد الواحد بن الحسين.
ولاه حسن ابن الخليفة الحافظ عبد المجيد الفاطمي بعد القبض عَلَى أبي عَلي
стр. 380
ابن الأفضل وعزل القضاة الأربعة الَّذِين رتبهم أبو علي كذا فِي شرح أرجوزة ابن دانيال حَيْثُ قال:
ثُمَّ وليه ولد الميسر ... أعني سناء الملك رب المفخر
ثُمَّ أبو الفخر ونَجْل جعفراً ... ثُمَّ محمد ولي بلا مِرا
وبعد هَذَا ولي الرعيني ... ثُمَّ سنا الملك بغير مَيْن
فذكر بَيْنَ ابن ميسر سناء الملك اثنين فأبو الفخر هو صالح ونجل جعفر هو أبو الثريا نجم. ومحمد هو محمد بن عبد الواحد بن حسين كذا قال. وَلَمْ يذكر هَذَا ابن ميسر ولا غيره. والذي يغلب عَلَى ظني أن محمداً هَذَا هو ابن ميسر سناء الملك أيضاً فيكون ولي ثلاث مرات. وأما ولد الرعيني فيقال هو حسن بن قاسم بن طاهر وَقَدْ تقدم مَا فِيهِ فيمن اسمه حسن.
محمد بن عَبْدَة بن حَرْب البَصَريّ العَبَادَانيّ أبو عُبَيد الله - بالتصغير - حنفي من المائة الثالثة.
وُلد سنة ثماني عشرة ومائتين. وروى عن أبي الأشعث، وعمر بن شَبَّة، وأبي موسى الزمن، وأبي الربيع الزَّهْراني، وإبراهيم بن الحجَّاج، وهُدْبَة بن خالد، وعبد الأعلى بن حَمَّاد، وَعَلَى بن المديني، فِي آخرين.
روى عنه عبد العزيز بن جعفر الخِرَقي، وَعَلَى بن لؤلؤ، وأبو حفص ابن الزيات، وعلي بن عمر الحربي، وآخرون.
قال الدارَقُطني: لا شيء: سمعت الحسن بن أحمد السبيعي يقول: كَانَ يُظهر جزءاً من سماعه ويحدّث بِهِ، ثُمَّ صار يأخذ كُتب الناس ويحدّث بِهَا فانكشف أمره.
وقال البَرْقانيّ: تركه أبو منصور ابن الكرخي وغيره، وَكَانَ ابن أبي سعد لا يكتب حديثه.
وقال ابن عديّ فِي الكامل: كَانَ يحدّث من كُتُب قوم عن لَمْ يَرَهم، كتبت عنه ببغداد والموصل، وادَّعى أنه كتب عن بكر بن عيسى وكذب فِي ذَلِكَ، فإن بكراً
стр. 381
مات بعد مولده بثلاث سنين فكيف يكتب عنه! والضعف عَلَى حديثه بيّن، وبكر هَذَا كتب عنه أحمد بن حنبل ومات سنة أربع ومائتين فكيف يكتب عنه ووفاته قبل مولده بهذه المدة! قال: وَكَانَتْ كتبه الَّتِي تحدث منها محكوكة الظهر، وحدث بأحاديث انفرد بِهَا الحفاظ الأجلاد، يعني فسرقها منهم.
وقال ابن زُولاق: ولي من قِبَل خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون فِي سنة ثمان وسبعين، وَكَانَ ينظر فِي المظالم قبل ذَلِكَ، ثُمَّ أظهر ولاية من المعتمد، وَكَانَ بَيْنَ موت بكّار وولايته فترة بقيت فِيهَا مصر بغير قاضٍ سبع سنين، نظر فِيهَا ابن عَبْدَة فِي المظالم أربعاً قبل أن يلي القضاء.
قال ابن زولاق: كَانَ يذهب إِلَى قول أبي حنيفة، وَكَانَ متملكاً جباراً سخيّاً جواداً مفضالاً، كَانَ له مائة مملوك مَا بَيْنَ خصيّ وفحل، وَكَانَ يعرف الحديث.
واعتذر ابن زُولاق: عمَّا رُمي بِهِ من الكذب بأن موسى بن هارون الحافظ ببغداد، كَانَ خرّج لنفسه مجلساً عن جماعة من الشيوخ وحدث بِهِ وكتب عنه، فاتفق أن بعض أصحاب الحديث خرج لأبي عبيد الله مجلساً صادف بعض أولئك الشيوخ ببعض تِلْكَ الأحاديث فحدّث بِهِ أبو عبيد الله، فظنَّ من لَمْ يطلع عَلَى صورة الحال أن أبا عبيد الله سرقه من موسى وَلَيْسَ كذلك، وإنما وقع ذَلِكَ اتفاقاً. قال: وَقَدْ قال القاضي أبو الطاهر الذُّهْليّ: إنه كتب المجلس المذكور عن موسى بن هارون، ثُمَّ كتب المجلس الآخر عن أبي عبيد الله.
وقال الخطيب: حدثني محمد بن علي بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الله يعني الحاكم: سمعت أبا علي حامد بن محمد الهروي يقول: كَانَ أبو عبيد الله القاضي ببغداد منصرفاً من قضاء مصر وَكَانَ فِي مصر يعرف بأبي عبيد الله بن حربويه وَكَانَ أولاً يحدّث عن أبي الأشعث وطبقته ثُمَّ ارتقى إِلَى بندار وأبي موسى ثُمَّ ارتقى إِلَى إبراهيم بن الحجاج وأبي الربيع. قال: فحكى لي إبراهيم بن حمزة قال: فقال لي يوماً: يَا أبا إسحاق، عزمتُ عَلَى أن أحدّث عن الحَوضيّ والطيالسيّ.
стр. 382
فقلت: الله الله أَيُّها القاضي كنّا نُرْجَم. قال الخطيب: صاحب هَذِهِ القصة هو أبو عبيد الله بن عبدة بن حرب لا أبو عبيد بن حربويه فإن أبا عبيد بن حَرَبْوَيْه كَانَ أحد الثقات الأمناء الصادقين.
قلت: لعله ظنَّ أنهما واحد وَلَيْسَ كذلك.
ومن منا كيره مَا أخرجه الخطيب فِي أماليه من طريقه، عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد عن قَتَادة، عن أنس رفَعهُ: فِي الجنة دار يقال لَهَا دار الفرح لا بدخلها إِلاَّ من يُفرح الصبيان. قال الذهبي فِي الميزان: هَذَا نكرة.
واستكتب ابنُ عبدة أبا جعفر الطحاوي وأغناه وَكَانَ مهيباً يرعبه الشهود ويلزمون مجلسه، فاتفق أنه حضر المسجد الجامع فلما كَانَ قرب انصرافه نظر إِلَى شاهد لَمْ يحضر فاستدعى بِهِ فقال: ما أَخَّرَك. قال: شُغل. قال: فلك أشغل مني!؟ وأمر بِهِ إِلَى السجن ثُمَّ شفع فِيهِ فأطلقه.
ويقال إنه بنى داراً عظيمة كَانَ يدَّعي أنه صرف عَلَيْهَا مائة ألف دينار ثُمَّ يقول: صرفت عَلَيْهَا هَذَا القدر سوى أصل ثمنها، ودرهمي دينار والسعيد من قضى لي حاجة. يعني فيكون مصروفها ضعف مَا ذكر.
وَكَانَ أبو الجيش يجلّه ويعظّمه ويُجرى عَلَيْهِ كل شهر ثلاثة آلاف دينار، وفوض إِلَيْهِ مع القضاء النظر فِي المظالم والمواريث والأحباس والحِسبة، وَلَهُ مجلس فِي الفقه يحضره الفقهاء من الحنفية والشافعية، ومجلس للحديث يحضره الحُفَّاظ، وَكَانَ يُطْعِم الناس فِي داره. وأما فِي العيد فلا يتأخَّر عنه أحد من وجوه البلد من فقيه ومتفقِّه وشاهد وصاحب حديث ووجوه الكُتَّاب والقُوَّاد والتجار. وَكَانَ الطحاوي يجلس بَيْنَ يديه فإذا حضر الخصوم قال: من مذهب القاضي - أيَّده الله - كذا - ومن منه بعض تيهٍ فقال لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أنت فِيهِ؟ والله لو أرسلت بقَصبةٍ فنُصِبت فِي حارتك لترين الناس يقولون: هَذِهِ قَصَبة القاضي. فاحذَرْ يَا أبا جعفر.
стр. 383
وَكَانَ القاضي قويَّ النفس، كثير الجُرْأَة، حَتَّى أن أبا الجيش حصل لَهُ غيظ من أكابر جيشه فتوسَّط بينهم القاضي إِلَى أن انصلح الحال فشكره أبو الجيش. وَكَانَ فِي جملة مَا قال لهم القاضي: أنا أشد السيف والمِنْطَقَة وأَحْمِلُ عن الأمير. وَمَا زال حَتَّى تراضوا فشكر لَهُ الأمير ذلك.
وقال الطحاوي: كَانَتْ لأبي الجيش شهادةٌ، فأمر بإحضار الشهود، وَكَانَ كلما كتب كاتب شهادته يقرأها الأمير ويكتب الشاهد: أشهدني الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأدام عزه وعُلاه. فلما قرأها قال للقاضي: مَن هَذَا؟ قال: كاتبي. قال: أبو مَن؟ قال: أبو جعفر. فقال لي: وأنت يَا أبا جعفر فأطال الله بقاءك وأدام عِزَّك وعلاك.
قال: وأراد الطحاوي أن يقاسم عمه فِي رَبع كَانَ بينهما فحكم القاضي بالقسْمة، وأرسل إِلَى أبي جعفر قال: تستعين بِهِ عَلَى ذَلِكَ.
واتفق إِمْلاَك عند أبي الجيش فحضر القاضي وأبو جعفر فقرأَ الكتاب وعقد النكاح، فخرج خادم بصينيَّة فِيهَا مائة دينار وطيب فقال: كُمّ القاضي. فقال: القاضي: كُمَّ أبي جعفر. ثُمَّ خرج إِلَى الشهود وكانوا عشرة بعشرة صوانٍ والقاضي يقول: كُمَّ أبي جعفر. فألقيت كلها فِي كُمّ أبي جعفر ثُمَّ خرجت صينية أبي جعفر فانصرف يومئذ بألف دينار ومائتي دينار سوى الطِيب.
قال ابن زولاق: وَلَمْ يزل محمد بن عبدة ينظر فِي القضاء وغيره مما فوَّض إِلَيْهِ وهو يصطنع الناس وينفع كل من قصده، إِلَى أن قُدّر قتل أبي الجيش فوصل تابوته إِلَى مصر فصلَّى عَلَيْهِ القاضي.
واستقر فِي إِمْرة مصر ولده جيش، والقاضي مستمر عَلَى حاله إِلَى أن خُلع جيش ووقع الاختلاف والشغب، وقُتل علي بن أحمد الماذرائيّ وجماعة، وثارت الفتنة، وَكَانَ القاضي خرج ينظر فبلغه الخبر فرجع إِلَى داره وأغلق أبوابه واستتر مدة طويلة، وشغر القضاء. فعمد محمد بن أبَّا خليفة هارون بن أبي جيش إِلَى أصحابه
стр. 384
فضيق عليهم، واعتقل الطحاوي وطالبه بحساب الأوقاف، واستمر أبو عُبيد الله مُسْتَتراً عشر سنين، ورضي منه الأمير وغيره بذلك، فلم يطلبوه ولا سألوا عنه.
قال: وَكَانَ علي بن أحمد قَدْ أودع عند القاضي مالاً جزيلاً، وأودَع عند إبراهيم بن هارون العباسي نحو ذَلِكَ، فطلب أبو بكر محمد بن علي الماذرائيّ المال من القاضي فقال: أمرني أبوك أن أشتري لكم بِهِ ضياعاً بالبصرة وأعمال العراق ففعلتُ. وطلب من العباسي فقال: أرسل من يتسلَّم المال. فعاد الرسول فقال لَهُ: وجدت الأكياس عَشَّش عَلَيْهَا العنكبوت. فشكر الماذرائيّ للعَبَّاسِيّ ذَلِكَ واشترى لَهُ داراً بخمسة آلاف دينار ووهبها لَهُ.
وكانت مدة أبي عبيد الله إِلَى أن استتر ست سنين وسبعة أشهر، وأقامت مر بغير قاضٍ مدّة إِلَى أن ولَّى هارون بن أبي جيش أبا زُرعة القضاء فِي سنة أربع وثمانين ومائتين فباشره إِلَى أن وُلِّي محمد بن سليمان الكاتب إمرة مصر فأعاد ابن عبدة إِلَى القضاء وذلك فِي مستهل ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين، فسار سيرة جميلة، وقُرِئَ عهده بالجامع من قِبَل المكتفي، فلما كَانَ فِي العشر الأخير من جمادى الأولى مِنْهَا أمسك عن الحكم وسار صحبة محمد بن سليمان الكاتب إِلَى العراق وذلك بأمر محمد بن سليمان الكاتب، أخذ صحبته جميع وجوه أهل البلد إِلَى العراق فأقام محمد بن عبدة بالعراق حَتَّى مات.
ويقال إنه خرج فِي تجمّل زائد، وَكَانَ يُوصَف بسَعَة الصدر وكثرة الجود والصدقة، وَكَانَ أبو زرعة أيضاً قَدْ سافر وبقيت مصر بغير قاض إِلَى أن قدم أبو عبيد بن حربويه فِي رجب سنة ثلاث وتسعين.
وكان مسير محمد بن سليمان فِي مستهل شهر رجب سنة اثنتين وتسعين ومائتين لثلاث خلون منها. وعاش أبو عبيد الله بن عَبدة إِلَى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة فمات عن خمس وتسعين سنة.
стр. 385
محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زُرعة ابن أبي زُرعة بن إبراهيم الثَّقفي مولاهم الشافعي الدمشقي.
قال ابن عساكر: ولي قضاء مصر فِي سنة أربع وثمانين ومائتين فِي إمارة خمارويه ابن أحمد بن طولون كذا قال. وسيأتي أن الَّذِي ولاه هارون بن خُمارويه. قال وروى عن ... روى عنه محمد بن يوسف الهَرَويّ، والحسن بن حبيب الحَصائِرِي وآخرون.
قال أبو سعيد ابن يونس: ولي قضاء مصر، وَكَانَ محمود الأمر فِي ولايته ثقة، فلما عزل رجع إِلَى دمشق، وهو أول شافعي ولي قضاء مصر.
قال ابن الحداد: قال لي ولده الحسين: كَانَ أبي يتعصب للشافعي، وَكَانَ شرط لمن يحفظ مختصر المزني مائة دينار، وَكَانَ الغالب عَلَى أهل دمشق قول الأوزاعي، فكان أبي هو الَّذِي أدخل دمشق مذهب الشافعي وحكم بِهِ. وتبعه مَن بعدهُ من القضاة، وَكَانَ حسن المذهب، عفيفاً عن أموال الناس، شديد التوقف فِي الحكم، وَكَانَتْ فِيهِ سلامة، وَكَانَ لَهُ مال وضياع كبار بالشأم.
ويقال إنّ جَدَّ جَدِّه إبراهيم كَانَ يهودياً فأُسلم. وقيل إن ولايته من قبل هارون بن خُمارويه لأنه كَانَ فِي عهده أن اختيار القضاة إِلَيْهِ، وقيل بل ولاَّه المعتضد.
وقال ابن زولاق: حدثني عبيد الله بن عبد الكريم: كَانَ أبو زُرْعَةَ دَاهِيةً أول مَا قدم مصر لزم قبر أحمد بن طولون يبكي ويقرأ، فبلغ ذَلِكَ خُمارَوَيه فأعجبه، فدخل عَلَيْهِ أبو زُرعة ومعه رغيف فقال: هَذَا الرغيف ختمت عَلَيْهِ عشر ختمات، وختمت عَلَيْهِ عشرة آلاف (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) فقبله منه وتبرّك بِهِ.
стр. 386
وولي قضاء الشام ثُمَّ ولاه هارون قضاء مصر. وقال تمام الرازي: حدثنا أبو عبد الله بن مروان، حدثنا أبو الفيض قال: لمّا قدِم المعتضد لحرب خُمارويه بن أحمد بن طولون أخرج معه إِلَى العراق أبا خازم عبد الحميد، وولَّى عوضه أبا زُرْعَة، ثُمَّ ولَّى عبيد الله بن الفتح المظالم، ثُمَّ ولَّى خُمارويه عبيد الله بن محمد العمري، ثُمَّ أقرَّه عَلَى الأردُنّ وفلسطين وأعاد أبا زرعة إلى دمشق إِلَى أن قُتل خُمارويه.
ثم إن هارون بن خُمارويه ولَّى أبا زُرْعة قضاء مصر وضمّ إِلَيْهِ فِلَسطين والأردُنّ وحمص وقِنَّسرين والعواصم، فاستخلف أبو زرعة عَلَى دمشق أحمد بن المعلى، وأبا الحارث بن أحمد بن علي، وفارس بن أحمد، ثُمَّ بعَّده مدة فِي سنة تسع وتسعين، ووُلّي أبو زرعة القضاء من قِبَل الخليفة فدخلها.
قرأت بخط الحافظ أبي محمد بن أبي القاسم ابن عساكر، أن والده أخبره قال: قرأت بخط أبي الحسين الرازي قال: سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق منهم عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد قالوا: لما اتَّصل بأبي أحمد الموفق أن أحمد بن طولون خلعه بدمشق وكتب بذلك كتباً إِلَى سائر أعماله، أمر الموفّق بلعن أحمد بن طولون عَلَى المنابر. فلما بلغ ابن طولون أمر بلعن الموفَّق عَلَى المناب بالشأم ومصر.
وكان أبو زُرْعة محمد بن عثمان ممَّن خلع الموفَّق ولعنه، وقف قائماً عند المنبر بدمشق يوم الجمعة، فلما خطب الإمام ولعن الموفّق قال أبو زرعة: نحن أهل صِفِّين وأهل دمشق، وَكَانَ فينا من حضر الجَمَل ونحن القائمون عَلَى من عاند أهل الشام وأنا أشهدُ الله وأشهدكم أني خلعتُ أبا أحمق - يريد أبت أحمد - كما يُخلع الخاتم من الإِصبع، فالعنوه لَعَنَهُ الله.
قال: فلما رجع أحمد بن الموفق - يعني المعتضد الخليفة - من وقعة الطواحين الَّتِي كَانَتْ بينه وبين خُمارويه فيما حدثني بِهِ إبراهيم بن محمد بن صالح، وذلك فِي سنة إحدى وسبعين ومائتين. قال لأبي عبيد الله أحمد بن محمد الواسطي: انظر مَن انتهى إِلَيْكَ - ممَّن كَانَ يُبغضُ دولتنا من أهل دمشق فليُحمَل إِلَى الحضرة. قال: فحمل يزيد ابن محمد بن عبد الصمد، وأبو زُرْعةَ عبد الرحمن بن عَمْرو، وأبو زرعة محمد بن عثمان القاضي، حَتَّى صاروا بهم إِلَى أَنْطاكِيَّة مقيَّدين، ثُمَّ حملوا إِلَى بغداد. فبينما
стр. 387
الخليفة يسير يوماً إذ بُصِرَ بمحامل الشاميين فقال لأبي عبد الله الواسطي: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء أهل دمشق. قال: وَفِي الأحياء هم؟ إِذَا نزلت فأذكروني بهم.
قال إبراهيم: فحدَّثنا أبو زُرْعَةَ عبد الرحمن بن عَمرو سنة إحدى وثمانين أنه لما نزل وجلس فِي مجلسه أحضرنا الواسطي فأوقفنا بَيْنَ يديه مذعورين فقال: أيكم القائل: قَدْ خلعت أبا أحمق من هَذَا الأمر كنزعي خاتمي هَذَا من إِصبعي؟ قال: فَرَبَّت أَلسِنَتُنا فِي أفواهنا حَتَّى خُيّل إلينا أننا نُقتل. فأما أنا فأُبلستُ، وأما يزيد بن عبد الصمد وَكَانَ تمتاماً فخرس.
وكان أبو زرعة محمد بن عثمان أَحدثَنا سِنّاً فتكلَّم فقال لَهُ الواسِطيّ: أمسك حَتَّى يتكلَّم من هو أكبر سِنّاً منك. فقلنا: أصلحك الله هو رجل متكلّم يتكلّم عنا. وَكَانَ هو المتكلم بالكلمة الَّتِي يطالبها القوم منَّا. فقال: والله مَا هُنا هاشمي صريح ولا قرشي صحيح ولا عربيّ فصيح ولكنَّا قوم مُلِكنا - يعني قُهِرْنا - وذكر أحاديث كثيرة فِي السمع والطاعة، ثُمَّ أحاديث فِي العَفْو والإِحسان ثُمَّ قال: أنا أشهدكم أن نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وَمَالي عليَّ حرام غم كَانَ فِي هؤلاء من قال هَذِهِ الكلمة ووراءنا حُرَمٌ وعِيال وضُعَفاء، وَقَدْ تسامع الناسُ بهلاكنا وَقَدْ قَدرْتَ وإنما العفو بعد القُدرة فقال للواسطي: أطلقهم لا كثَّر الله أمثالهم. قال: فأَطلقنا.
قال: فاشتغلت أنا ويزيد بن عبد الصمد عند عثمان بن خُرَّزاد فِي نُزَه أَنْطاكِيَة، وسبق أبو زرعة الجميع إِلَى حِمص حَتَّى ورد دمشق قبلنا بأيام كثيرة، فتحامل أهل دمشق عَلَى أبي زُرْعَة بسببنا فكتبوا فِيهِ كتاباً ذكروا فِيهِ مثالب لَهُ، وتوجَّه أبو زرعة إِلَى مصر فسبقه كتابهم إِلَى خُمارَوَيه فدفعه إِلَيْهِ، فأقسم لَهُ أن هَذَا مختلق عَلَيْهِ وذكرهم بالجميل، فكتب لَهُ بولاية القضاء فرجع إِلَى دمشق قاضياً، ثُمَّ وضع يدع فِي كل من تكلَم فِيهِ حَتَّى أفضى لَهُ إِلَى شيخين كانا يلبسان الطويلة فمُدَّا فِي خضراء دمشق فضُربا بالدِّرَّة.
стр. 388
قال ابن عساكر عن غيره: إنه مات فِي شوال سنة إحدى وثلاثمائة. قال: وَكَانَ حافظاً للحديث وَكَانَ يُرمَى بالنَّصب.
وقال الحسن بن القاسم بن دُحَيم الدمشقي: وُلد لأبي زرعة وَلد فسماه الحسين وكنّاهُ أبا عبد الله، ثُمَّ ولد لَهُ آخر فسماه الحسن وكنّاه أبا محمد. قال فكتبت لَهُ رقعة أقول فِيهَا: لَوْ عقق القاضي عن ولديه معاوية وعمراً مَا كَانَ إِلاَّ ناصبيّاً.
قال ابن زُولاق: كَانَ أبو زرعة يَرْقى من وجع الضرس يقرأ عَلَيْهِ ويدفع إِلَى صاحبه حشيشةً فيسكن، فاتَّفق أن أبا زُنبور الوزير الماذرائي اشتكى ضرسه فجاءَ إِلَى أبي زرعة وسأله أن يرقيه فوضع رأسه فِي حجره وشرع غي الرُّقية، فقال: لَهُ فِي خِلال ذَلِكَ: أسألك أن تترك شيئاً حَتَّى تنفعك الرُّقية؟ قال: مَا هو؟ الكَذِب! فقال: سبحان الله. قال: الَّذِي عندي قلتُ لَكَ. قال: أَفعلُ فرقاه فلما فرغ قال لَهُ: سكن الوجع؟ قال: لا. قال: سبحان الله. فقال أبو زُنبور: شرطتَ أن لا أكذب فكرهت أن أقول: سكن وهو لَمْ يسكن. فحصل لأبي زرعة بذلك خجل شديد وَكَانَ يألفه هِرٌّ ولا يفارقه. وَكَانَ يمسح عَلَى ظهره وهو يقضي بَيْنَ الناس.
وزوّج أبو زرعة ولده الحسين ببنت أبي زنبور الماذرائي، وَكَانَ اسم أبي زنبور الحسين لن احمد وَكَانَ حينئذ بدمشق، فكتب أبو زنبور أسامي مائة نفس فِي دَرْج ووعدهم بأن يكونوا عنده قبل صلاة الصبح. فحضروا فأخرج إليهم مائة غلام بمائة قَدَح غالية، ومائة قُمقُم ماء ورد، ومائة مُشط، ومائة مِرآة، ومائة مِبْخَرة. ثُمَّ عقد النكاح. فخرج مائة غلام بمائة طَست ومائة إبريق وعشرة موائد. فعقدوا عَلَى كل مائدة عشرة أنفُس، فأكلوا، ثُمَّ عشرة موائد. فعقدوا عَلَى كل مائدة عشرة أنفُس، فأكلوا، ثُمَّ عشرة أنفُس، فأكلوا ثُمَّ غسلوا أيديهم، فأُلقيت عَلَى أيديهم مائة منديل، وأُعيدَ عليهم الطيب والبَخُور، وأُخرجت مائة صينيَّة فِيهَا الدنانير وتماثيل النَّدّ والعنبر فألقيت فِي أكمام الناس، وَكَانَ إِملاكاً مَا سُمع بمثله. ثُمَّ كَانَ العُرس بعد ذَلِكَ أعظم من الإِملاك.
وكان أبو زرعة كثير الشفَقَة، رقيق القلب، يغرَم عن الفقراء والمستورين إذَا أَفلسوا، حَتَّى كَانَ بعضهم إذَا أراد أن يتنزَّهَ أخذ بيد رفيقه فادَّعى عَلَيْهِ عند القاضي
стр. 389
فيعترف ويبكي ويدَّعي أنه لا يقدر عَلَى وفائه ويسأَل خصمه فِيهِ فلا يُجيبه فيغرم عنه.
وحكى بعض الشاميين أنه حصلت لَهُ إضافة فقال لبعض أصدقائه: قدّمني إِلَى القاضي فلعلَّه يُعطيك عني شيئاً أنتفع بِهِ. ففعلتُ وقلت: أيَّد الله القاضي: لي عَلَى هَذَا الرجل ستّون درهماً صحاحاً. فقال: مَا تقول؟ فأقرّ. فقال: أعطه حقَّه، فبكى وقال: مَا معي شيء. فقال لي: إن رأيت أن تنظِره؟ فقالت: لا. قال: فصالِحه. فقلت: لا. فقال إنك لقيط فما الَّذِي تريد؟ قلت: السجن. فقال: لا تفعل. فأدخل يده تَحْتَ مصلاَّه فأخرج دراهم فعدَّ لي ستين درهماً فدفعتها للرجل وآليت أن لا أفعل ذَلِكَ بعدها.
وحكى أبو زرعة أنه كَانَ عند عبيد الله بن سليمان بن وهب وهو وزير وَكَانَ قدِم دمشق قال: فقال لي: يَا أبا زُرعة، بلغني أن القضاة والشهود يركبون بخفاف بغير سراويل، فقال: معاذ الله أَيُّهَا الوزير. قال: واتفق أني كنت بغير سراويل فعاهدت الله إن سلِمتُ من التفتيش أن لا أعود، فسهَّل الله أن نهضت قبل أن يمتحنني بالتفتيش.
قال ابن زولاق. وَكَانَ أبو زرعة أحد الأكَلة، فيقال: إنه أكل سَلَّةَ مِشمِش، وسَلَّة تين، وسَلَّة خَوْج.
قال: وَلَمْ يزل أبو زرعة عَلَى القضاء إِلَى سلخ صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين إِلَى مَا صرفه محمد بن سليمان الكاتب لمحمد بن عَبْدَة، ثُمَّ خرج محمد بن سليمان وهما معه فولَّى محمد بن سليمان أبا زرعة قضاء الشأْم. وتأخرت وفاة أبي زرعة إِلَى سنة اثنتين وثلاثمائة فمات فِي شهر ربيع الآخر منها. ويقال مات سنة إحدى وثلاثمائة. حكاه ابن عساكر. وقيل: مات فِي شوال سنة ثلاث وثلاثمائة.
قال محمد بن يوسف الهرويّ: قلت لأبي زرعة القاضي: مَا أكثر حمل إسماعيل بن يحيى المُزَنيّ عَلي عن الشافعي. فقال: لا: بل مَا أكثر ظُلم المزني للشافعي.
стр. 390
محمد بن عثمان الحَرِيريّ الحنفي شمس الدين.
ولي بعد عزل شمس الدين السَّرُوجِيّ فِي ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة إِلَى أن مات سنة ثمان وعشرين، فولي إبراهيم المعروف بابن عبد الحق إِلَى أن طُلب منه بيع بعض الأوقاف فامتنع، فعُزل من مصر خاصة، ووليه عمر الرازي فِي مستهل رجب إِلَى أن مات فِي ثالث عشري رمضان كله من سنة سبع عشرة، فأعيد الحَرِيريّ.
محمد بن عطاء الله بن محمد بن أحمد بن محمود ابن الإِمام فخر الدين محمد بن عمر شمس الدين الهَرَوِيّ الرازي الأصل.
كان اسمه شمس ثُمَّ تَسَمَّى محمداً، وَكَانَ يذكر أنه من ذرية الإِمام فخر الدين. ومولده فيما يقال سنة ثمان وستين وسبعمائة، واشتغل بالعلم فِي بلاده حنفياً ثُمَّ تحول شافعياً، وتولع بالحفظ فذكر أنه حفظ تفسير الزهراوين من الكشاف وصحيح مسلم، وكثيراً من البخاري. وَكَانَ ذهنه جيداً ومشاركته حَسنة، إِلاَّ أنه كَانَ كثير المجازفة مقتدراً عَلَى الاختلاف فِي الحال من غير تلعثم.
قدم البلاد الشامية فِي سنة أربع عشرة وثمانمائة فحج ورجع إِلَى الشام، فقرر فِي تدريس الصلاحية، ثُمَّ ولي القضاء فِي جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة بعد عزل الجلال البلقيني، ثُمَّ صرف فِي ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين، فأعيد الجلال فِي سادسه، ثُمَّ وليه ثانية فِي سابع ذي القعدة سنة سبع وعشرين بعد ابن حجر، ثُمَّ صرف فِي ثاني رجب سنة ثمان وعشرين، فأعيد ابن حجر وخرج الهروي هارباً ممن لَهُ عَلَيْهِ ظلامة، فما طلع خبره إِلاَّ من بيت المقدس. فاستمر عَلَى تدريس الصلاحية إِلَى أن مات فِي ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثمانمائة.
следующие страницы →