هذا كلام فارغ وسخيف ومتهافت لا يقبله من لديه مثقال ذرة من عقل، وهو في حقيقته يسخر من قائله ولا يخدع قارئه.
ثم إن (د. العظم) بعد أن وضع المقدمة المفتراة، وبنى عليها مسألة غير ذات علاقة بها مطلقاً بقصد المغالطة والتضليل، قال موجهاً اعتراضاته:
"توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف. أولاً: هل بإمكاني أن أقيم علاقات جدية بيني وبين هذا الإله، الذي تتجاوز طبيعته تجاوزاً مطلقاً منطقي ومشاعري وأفكاري ومثلي وآمالي؟ هل بإمكاني أن أجد عزاء في إله جُلُّ ما أعرفه عنه أنه مهما خط في بالي من أفكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافاً مطلقاً؟ إن وجود مثل هذا الإله وعدم وجوده سيان بالنسبة إليه. إن هذا الإله ليس إلا تجريداً فارغاً من كل معنى ومحتوى، ولا يمكن لإرادة إنسان أن تتعلق بتجريد محض، تجاوز بمراحل التجريد الذي وصفه أرسطو باسم (المحرك الأول) فإذا كان بإمكانك أن توجه ابتهالاً أو دعاء إلى المحرك الأول فمن المؤكد أنك لن تستطيع أن توجه لإله لا يمكنك أن تصفه بشيء على الإطلاق، لأنه بطبيعته مخالف لكل ما يرد في ذهنك من أفكار وكل ما تنطق به من صفات".
هذا هو الاعتراض الأول الذي وجَّهه، وهو بهذا الكلام يضيف إلى افترائه في المقدمة ومغالطته فيما بنى عليها، فيطرح هنا كذباً جديداً ومغالطة في الحقائق ويدَّعي على الفكر الإسلامي تعميماً كاذباً مخالفاً للحقيقة تماماً.
إن أحداً من المسلمين لا يقول: إن العقل قاصر عن أن يعرف شيئاً عن الله الخالق جلَّ وعلا، أو قاصر عن أن يحيط ولو إحاطة جزئية بصفاته، فهذا من الكذب على المفاهيم الإسلامية.
لكن الذي يقوله المسلمون إنما هو منحصر في معرفة كنه ذات الخالق، والذات شيء والصفات ذات الأفعال والآثار شيء آخر، فقول المسلمين: "كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك"، قول منحصر في معرفة كنه ذات الخالق، لا في معرفة صفاته، وذلك لأن تصورات الأفكار كلها مقتبسة من صور الكون
стр. 282
الحادث، وهذه الصور المادية لا تليق بكمال الله جلَّ وعلا، إذ ليس كمثله شيء، ولا يتوقف على معرفة كنه ذات الخالق شيء من الإيمان ولا من العلاقة به.
إننا نتعامل مع كثير من طاقات الكون دون أن نعرف كنه ذاتها. عقولنا لا نعرف كنه ذاتها. معظم ما هو داخل في أجسامنا لا نعرف كنه ذاته. أفيؤثر هذا على إيماننا بها وتعاملنا معها؟
ولا بد أن يلاحظ القارئ حشد المغالطات التي صنعها (د. العظم) ويكتشفها ويعرف ما فهيا من زيف لا يحتاج كشفه إلى كد ذهني.
لقد جعل الشيء الذي يعجز العقل عن إدراكه وتصوره شيئاً مناقضاً للمنطق ومنافياً للعقل، وهذا باطل بداهة كما أوضحنا، إن أموراً كثيرة جداً يعجز العقل عن تصورها وتحديد ذاتها وهي واقعة فعلاً، وحينما يدركها العقل لا يرى فيها مناقضة للمنطق ولا منافاة للعقل. الأعمى يعجز عن تصور الألوان، مع أن الألوان لا تناقض المنطق ولا تتنافى مع العقل، لا في مفهوم المبصرين ولا في مفهوم العميان.
ليكن واضحاً لدينا تماماً أن قصور الجهاز المدرك عن إدراك بعض الحقائق لا يعني بحال من الأحوال أن هذه الحقائق مناقضة لمنطق الأشياء. هذه بديهة ولكن (د. العظم) أراد أن يغالط بها، وأراد أن يموِّه بها على السذج من المخدوعين المفتونين بعبارات (أصول البحث العلمي) و (قواعد المنطق الحديث) و (ما توصلت إليه الحقائق العلمية) وأمثالها من العبارات التي غدت شعارات للتمويه والتضليل فقط يستعملها بعض أصحاب المذاهب ذات الأغراض الخاصة، كسائر الشعارات الجميلة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، إن هذه الشعارات تحمل بريقاً لفظياً يسرُّ السامعين ويعجبهم، ولكن ليس لها عند مستغليها مضمون عملي تطبيقي.
وبعد أن بنى (د. العظم) هذا البناء الوهمي على المقدمة الكاذبة الأولى، وجَّه عدة اعتراضات عليه، وهذه الاعتراضات وجهها على اعتبار أن من نسب إليهم هذا المذهب من المفكرين المسلمين يرون أنه لا يمكن إدراك أي شيء عن ذات الخالق ولا عن صفاته.
стр. 283
وهنا تكمن مغالطته الثانية، وهي مغالطة تعتمد على تعميم تمويهي كاذب لقضية خاصة، وذلك لأن عبارة: "كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك" عبارة خاصة بتصور كنه ذات الله، وليست شاملة لذاته وصفاته، ولكن (د. العظم) عمَّم في دلالتها وفي مفهومها تعميماً باطلاً، ليوجه اعتراضه على منطقة التعميم التي ادعاها زوراً وبهتاناً.
إن صنيعه يشبه صنع من قال: إن الماء صخر جامد، والذين يقولون: إن السفن الشراعية تجري بالهواء لا بد أن يسلموا بأن هذه السفن تجري في الجبال والصخور والرمال، وكلامهم هذا معترض من وجوه:
الأول: أن الماء ليس صخراً جامداً.
الثاني: أن السفن البحرية لا تجري في الجبال والصخور والرمال.
الثالث: أن السفن البحرية قد تجري بالمحركات الآلية.
هذا لون عجيب جداً من المغالطات التي تصطنع الأكاذيب، والتعميمات، وتضع الأشياء في غير مواضعها، ومع ذلك فإن المنطق (العظمي) يقبله، ويقبله مع سائر الملحدين!!
وعلى مثل هذا المنطق يريدون أن يصنعوا جيلاً عربياً تقدمياً.
من الطبيعي بعد أخذ المجال التعميمي الذي ادعاه كذباً على الفكر الإسلامي أن يصل إلى منطقة تجريد مطلق لا يفهم منه شيء، فبينما كان أصل الموضوع منحصراً في كنه ذات الله، إذا به يجعله شاملاً للذات والصفات كلها وسائر المفاهيم، وهذا ما لا يقول به أحد في الوجود، ولما وصل في أكذوبته إلى هذا المستوى وجه اعتراضه كما راق له فقال: "هل بإمكاني أن أقيم أية علاقات جدية بيني وبين هذا الإله ... إلى آخر كلامه".
من الطبيعي أن إلهاً لا يفهم عنه شيء من ذات ولا من صفات مطلقاً أن يكون تجريداً فارغاً من كل معنى ومحتوى. لكن أحداً من المؤمنين بالله لا يقول بمثل هذا الكلام الباطل.
стр. 284
إن المؤمنين يثبتون لله صفات كثيرة من صفات الكمال، بل هم يثبتون له كل صفات الكمال، وينفون عنه كل صفات النقصان، ويستطيعون أن يتصوروا من صفاته على مقدار عقولهم، ويطلقون الحدود دون حصر، إنهم يؤمنون بصفة وجوده الواجب سبحانه، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون بصفة قدرته الكاملة القادرة على خلق كل ممكن، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون بصفة إرادته واختياره التي تختار من الممكنات ما تشاء، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون أيضاً بصفات علمه وسمعه وبصره وصفات أفعاله، ويستطيعون أن يتصوروا من هذه الصفات على مقدار عقولهم، وهكذا إلى كثير من صفاته سبحانه.
فهل هذا هو التجريد المطلق الذي ادَّعاه (د. العظم) كذباً وبهتاناً؟!
ألا يسوغ في منطق العقل أن نؤمن بموجد نعلم كل صفاته التي لها آثار متصلة بنا، من خلق ورزق، وإحياء وإماتة، وعدل وجزاء، ورحمة وعقاب، وغير ذلك دون أن نعلم كنه ذاته وطبيعتها الخاصة؟
إن العلماء الماديين يؤمنون بالجاذبية، وهم لا يعلمون من خصائصها إلا أنها قوة تجذب. إنهم يعتقدون بها، ويتعاملون معها، لمجرد معرفة صفة من صفاتها، دلت على آثارها، فكيف بمن علمنا من صفاته أشياء كثيرة متعلقة بنا؟
يا عجباً لمنطق الملحدين!! إنهم يقيمون علاقات جدية مع أوهام إلحادية، وعلاقات جدية مع قوانين طبيعية لا يعرفون كنه ذاتها، وإنما تظهر لهم بعض آثارها التي تدلهم على بعض صفاتها، ثم يستكبرون عن أن يقيموا علاقات جدية مع الله، الذي يظهر لهم من آثاره أنه قادر عليم، عادل حكيم، خالق رازق، محيي مميت، سميع بصير، نافع ضار، يجازي المحسنين والمسيئين.
وإن تعجب فعجب قولهم وعجب منطقهم.
ثم إن (د. العظم) وجَّه اعتراضاً ثانياً على البناء الفاسد نفسه الذي بناه فقال:
"ثانياً: إذا كان الإله لا يوصف ولا يدرك بالنسبة إلى البشر فما معنى قولنا إذاً
стр. 285
بأنه (رحيم وبأنه عادل) . عندما ننعت الله بالرحمة والعدل ماذا نعني بهذه الصفات؟ أليس هناك من شبه على الإطلاق بين الرحمة والعدل عندما نطلقهما على الله، وبين تصورنا الإنساني لهاتين الصفتين؟ إذا كان الجواب بالنفي هل تكون إذن أذهاننا فارغة من كل معنى وتصور؟ عندما ننعت الله بالرحمة والعدل، هل ننسب إليه كلمات لا معنى لها على الإطلاق بالنسبة للبشر؟ في الواقع إننا في موقف حرج حيال هذا الموضوع، فإما أن ننعت الله بالعدالة وفقاً لتصور يشبه إلى حدِّ ما وبصورة غامضة تصورنا الإنساني لهذه الصفة، وإما أن يكون قولنا بعدالته كلاماً فارغاً من كل معنى ومحتوى. أي: إننا مرغمون إما على التشبيه وما يترتب عليه من عواقب، أو على التنزيه التام وما يستتبع من نتائج.
يوجد حل تقليدي لهذه الكتلة من التناقضات والمشكلات، وهو الأخذ بظاهر المعنى والتصديق به مع تفويض معرفة حقيقته إليه تعالى، أي التصديق دون معرفة، والإيمان على طريقة العجائز".
مرة ثالثة يلجأ في هذا الموضوع بالذات إلى المغالطة والتمويه عن طريق التعميم الفاسد.
فبعد المغالطة السابقة التي اعتمد فيها على تعميم العجز البشري في واقعهم الدنيوي عن إدراك ذات الله وكنهها، بالنظر إلى أن الأبصار لا تدركه سبحانه، وبعد أن جعل هذا العجز البشري شاملاً للذات والصفات وهو ما لم يقل به أحد، فقز قفزة جديدة إلى مغالطة جديدة، تعتمد على تعميم خلط فيه جميع ما نسب إلى الله من صفات في النصوص، ليعطيها حكماً واحداً عاماً، باعتبار أن بعضها مما يوهم التشبيه بالمخلوقات قد ثار حوله حوار في فهم المراد منه بين المفكرين من علماء المسلمين.
ويبدو أعن علمية المغالطة القائمة على تعميم الخاص أهم عناصر مغالطاته، كما أنها أهم عناصر مغالطات (فرويد) أحد قادته المثاليين في نظره، إذ كان (فرويد) يأخذ من الحالات الشاذة النادرة أحكاماً عامة مطلقة، مخالفاً بذلك كل منهج علمي.
стр. 286
إن ادعاء (د. العظم) بأننا لا نفهم شيئاً عن صفات الله تعالى وإلا وقعنا في التشبيه ادعاء باطل، ونستطيع بالتحليل العلمي أن نكشف بطلانه.
إن الطاقة الفكرية تستطيع أن تأخذ منطلقاتها في الاتجاه غير المحدود (اللانهائي) مهما كانت الحواس تشدها إلى الواقع المدرك المحدود، فالفكر يشاهد مثلا عن طريق الحواس الموجودات الحادثة، فيأخذ صورة صحيحة إلى تصور معنى الوجود الأزلي، وهو يُحسن أن يتصور من معنى الوجود الأزلي على مقدار وعائه، فيثبته لله تعالى ويطلقه من حدود المدركات بالحس، ويلاحظ الفكر الإنساني القدرات المادية التي ترفع الأرطال والقناطير وما هو بوزن الجبال، والقدرات غير المادية التي تفعل الأفعال العجيبة، فيأخذ صورة تجريدية صحيحة عن معنى القدرة أو الطاقة، ثم ينطلق منها في سلسلة التكامل الارتقائي إلى تصور قدرة فوق قدرة، وطاقة فوق طاقة، حتى يصل إلى تصور قدرة تخلق السماوات والأرض وتفعل كل ممكن، دون أن تعجز أو تضعف، فيثبت هذه القدرة لله، ويطلقها من حدود المدركات بالحس، بمقتضى أحكام سلسلة التكامل، التي لها في العقل أصول يمكن أن تبنى عليها مدركات غير محدودة، والعقل يحسن أن يتصور من معاني القدرة الكاملة على مقدار وعائه، وما زاد عن وعائه يقف دونه عاجزاً مسلماً، فهو بذلك قد فهم وأدرك على مقداره، وكان لوصف الله بأنه قدير معنى صحيح واضح في فكره وتأملاته.
ونقول نظير ذلك في الإرادة، وفي العلم، وفي السمع، وفي البصر، وفي الرحمة وفي العدل وهكذا.
ومغالطة التشبيه التي جاء بها (د. العظم) إنما جاء بها من الصفات الواردة في النصوص مما يوهم ظاهره التشبيه الجسدي، كالصفات التي تثبت لله وجهاً ويداً ونحو ذلك، فهذه هي التي جرى بين علماء المسلمين حول المراد منها، بين الإثبات من غير كيف، والتأويل والتفويض، ولكن هذه لا تؤثر على سائر الصفات التي لا خلاف في فهمها وإدراك معانيها.
стр. 287
وناقدنا (د. العظم) لم يجد سبيلاً إلا أن يغالط عن طريق التعميم الذي أصَّل له.
وحين يتصور (د. العظم) أنه بلغ ما يريد طرح حول الموضوع نفسه مسألة القضاء والقدر، فقال:
"وأفضل مثال على هذا الموقف المشكلة الكلاسيكية التالية: يفترض في المؤمن أن يسلم بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن يؤمن بالعقاب والثواب، وأن يؤمن أيضاً بالعدالة الإلهية، رغم ما في هذه الموضوعات من تناقضات عقلية وأخلاقية. ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بقولهم: إن العقل الإنساني عاجز تماماً عن إدراك طبيعة العدالة الإلهية، وعلاقتها بالحساب والقضاء والقدر، وبما أن هذه المواضيع لا تخضع للمنطق البشري، لذلك تبدو متناقضة ومغايرة لمعاييرنا الأخلاقية وغير منصفة".
يبدو أن الناقد أخذ فكرة القضاء والقدر في الإسلام من أفواه جهلة العامة الجبريين، ولم يقرأها في كتاب علمي معتمد من كتب العقيدة الإسلامية (١) .
وربما يكون قد قرأها في كتاب علمي معتمد إلا أنه طمس مذهب أهل الحق في هذا الموضوع، وأخذ رأي الجبريين الذين كذبهم القرآن فيما ادَّعوه، ورفض مذهبهم جمهور علماء المسلمين، وبعد أن أخذ رأي الجبريين جعله هو الرأي الإسلامي، وأخذ يوجه عليه اعتراضاته لما فيه من تناقض، وغرضه هدم الإسلام كله من خلال رأي فاسد قاومه القرآن، ورفضه علماء المسلمين.
أما تكذيب القرآن لرأي الجبريين فيما ذهبوا إليه، باعتبار معارضاً لمبدأ امتحان الإنسان وتكليفه وجزائه بالعقاب أو بالثواب فنجد في قول الله تعالى في سورة (الأنعم/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذالِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم منْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ
стр. 288
لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
ونجده أيضاً في قول الله تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا? آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذالِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾
فهؤلاء مشركون وجبريون يزعمون أن الله قد شاء لهم أن يشركوا، فأعلن الله أنهم يكذبون في دعواهم.
إن قول المشركين: ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرَّمنا من دونه من شيء﴾ ، مستند إلى ادعاء جبري يتضمن أن الله قد شاء لهم الإشراك به، وشاء لهم عبادة غيره، ولذلك كانوا مشركين به في عقيدتهم وفي عبادتهم، ولذلك كذَّبهم الله في هذا الادعاء، وأوعدهم بالعذاب فقال: ﴿كذلك كذَّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾ وأمر رسوله بأن يطالبهم بالدليل على ما ادعوه، فقال له: ﴿قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون﴾ ، أي: هل عندكم من خبر عن الله يثبت مدعاكم هذا؟ فإن كان عندكم شيء من ذلك تحتجون به فأخرجوه لنا، ولكنكم في الحقيقة لا تعتمدون في ادعائكم هذا على أي مستند علمي، وإنما تتبعون الظنون الكاذبة التي هي أوهام بعيدة عن الحقيقة، فما أنتم في الحقيقة إلا تخرصون، أي تكذبون.
ثم علَّم الله رسوله أن يقول لهم: ﴿قل: فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ ، أي: إن الله قد شاء أن يمنحكم الإرادة الحرة، ليمتحنكم في حدود ما وهبكم من استطاعة، ولو شاء غير ذلك، أي لو شاء أن يجعلكم مجبرين لا خيرة لكم فيما تقومون به من أعمال لكانت حكمته تقتضي بأن يهديكم أجمعين، وفي هذا حجة عليهم بالغة صميم الحقيقة، ولله الحجة البالغة.
стр. 289
فالفكر الإسلامي قائم على أن الإنسان مسؤول عن أعماله، ومحاسب علهيا، ويُجازى عليها أيضاً، لأنها داخلة في حدود استطاعته إذ وهبه الله حرية الإرادة، والقدرة الجزئية على تنفيذ إرادته، وأعطاه شروط الامتحان، ووضعه في مجالات الامتحان الأمثل.
هذه خلاصة العقيدة الإسلامية التي أوضحها القرآن حول موضوع القضاء والقدر، وفهمها جمهور علماء المسلمين.
ومن هذا يتبين لنا أن ما لا سلطة للإرادة الإنسانية والقدرات الإنسانية عليه هو الذي يقع مباشرة تحت سلطان القضاء والقدر، وأن الله قد منح بقضائه وقدره الإنسان إرادته الحرة، وعقله الذي يؤهله للتكليف , وجزءاً من القدرة على التنفيذ، ليمتحنه، ثم ليحاسبه ويجازيه.
فهل في هذا المفهوم الصحيح تناقض أو إشكال في موضوع القضاء والقدر؟.
لكن الملحدين لا يروق لهم البيان الحق عن الدين، إنما يريدون مفاهيم فاسدة تنتشر بين المسلمين ليحاربوا الدين بها.
* ... * ... *
стр. 290
الفصل التاسع
التطورات العلمية هي التي تتراجع في اتجاه المفاهيم الدينية
стр. 291
زعم (د. العظم) في نقده للفكر الديني أن الدين في نزاعه مع العلم يضطر لأن يتنازل عن مواقعه بعد صراع شديد، فقال في الصفحة (٢٤) من كتابه:
"إن محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليست إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين، يلجأ إليها كلما اضطر الدين أن يتنازل عن موقع من مواقعه التقليدية، أو كلما اضطر لأن ينسحب من مركز كان يشغله في السابق. إن نمط هذه العملية معروف جدا ً. إنها تبدأ بصدام شديد بين النظرة العلمية الجديدة حول موضوع ما، وبين النظرة الدينية السائدة إلى الموضوع ذاته، وبعد نزاع قد يستمر سنين طويلة تنتصر النظرة العلمية الجديدة، وتسود بين كبار المفكرين، وتنتشر بين الفئات المثقفة تماماً عندما يوشك العلم أن يتجاوزها إلى نظرة أفضل. عندئذٍ يقول أصحاب النظرة الدينية: إنه لم يكن من موجب لهذا النزاع أصلاً، لأن الخلاف لم يكن بين جوهر الدين وروحه من جهة وبين العلم من جهة أخرى، لذلك لا يضير الدين أن يتنازل للعلم عن أمور لا تمس روحه. ولكن الحق يقال: إن هذا النمط من التكفير يخبئ وراءه سلسلة طويلة من التراجعات الهامة والحاسمة، اضطر إليها الدين عندما وقف وجهاً لوجه أمام العلم. بالرغم من هذا الكلام الجميل عن روح الدين وجوهره لم يتراجع الدين ولو مرة واحدة أمام العلم إلا بعد معركة ضارية، أو تحت الضغط المتزايد للثقافة العلمية الحديثة، أو تحت إلحاح الضرورات الحيوية للتكليف مع موجة العلمنة والتقدم التي تفرض نفسها على حياة المجتمعات في النهاية".
لنا حول هذا الكلام "العظمي" نظرات، كل واحدة منها تحتاج مناقشة مستقلة.
стр. 292
(أ) ففي النظرة الأولى نلاحظ أن الناقد قد أطلق كلمة الدين وقصد كل ما يسمى بني الناس ديناً، حقاً كان أو باطلاً، وهذا الإطلاق التعميمي فيه مغالطة جدلية لا يفعلها من يحترم فكر نفسه، أو يحترم المنهج العلمي السليم لدى النقد والمناظرة، لأن الحكم الواحد لا يصح، يحكم به على مختلفات في الحقيقة لمجرد اشتراكها في الاسم العام اشتراكاً لفظياً، فلا يصح أن يقول القائل: إن الإنسان أصفر الوجه قصير القامة بدليل أن بعض الناس كذلك، فالأحكام لا تعطي صيغة التعميم الشامل ما لم يثبت أن جميع الأفراد المختلفة في حقيقتها مشتركة فعلاً في هذا الحكم التعميمي.
فمغالطة (د. العظم) هنا قائمة على التعميم في الحكم مع اختلاف حقائق الأفراد التي يحكم عليها. وقد وضح لنا في مواضع كثيرة اعتماده على هذا العنصر من عناصر المغالطات.
أفعلى هذا المستوى يريد أن يوجه نقده العلمي؟
أفعلى هذا المستوى يريد أن يراجع المفاهيم الإسلامية مراجعة عصرية؟
إن هذا العمل بعيد كل البعد عن الروح العلمية النقدية، لو أنه كان صادقاً في طلب الحقيقة والبحث عنها.
(ب) وفي النظرة الثانية نلاحظ أن الناقد قد أطلق كلمة الدين وقصد بها التعاليم الدينية الأساسية، والتفسيرات الاجتهادية التي يقول أي إنسان منتسب إلى الدين، وإن كانت اجتهادات ظاهرة الفساد، وآخرون من علماء المسلمين يخالفونه فيها، وإن كانت مفاهيم باطلة لطوائف منحرفة عن الدين تقول أقوالاً شاذة مرفوضة.
وبعد هذا التعميم الباطل يطلق حكمه على الدين نفسه من خلال حكمه على هذه الآراء التي جانب أصحابها فيها وجه الصواب.
لو قبلنا هذا التعميم لكان علينا أن نقبل أي فهم يفهمه أي إنسان من نص قانوني، أو نص دستوري، أو نظام من الأنظمة، أو مذهب من المذاهب الإنسانية، ثم نجعل هذا الفهم جزءاً من القانون أو الدستور أو النظام أو المذهب، ثم نوجه
стр. 293
إليها النقد على أساس هذا الفهم الخاطئ. لكننا نعلم أن هذا العمل مغالطة حقيرة لا تتفق مع أصول المنهج العلمي النقدي السليم، لذلك فإننا لا نفعله، لأن الإسلام يفرض علينا التزام الأمانة الفكرية، ويفرض علينا أن نحافظ على أخلاق البحث العلمي السليم، والمنهج النقدي الصحيح.
وشبابنا المسلمون يعرفون هذه الأخلاق ويلتزمونها، ويعرفون مداخل المغالطات فلا يتأثرون بها. وإذا شاء الملحدون أن يموتوا بغيظهم من ذلك فليفعلوا، ولتبقَ مغالطاتهم على أكف الرياح السافيات، مع الهشيم اليابس والقمامات.
(ج) وفي النظرة الثالثة نلاحظ أن البحوث العلمية المتطور يوماً بعد يوم هي التي تتطور متقدمة إلى الأمام، لتجد نفسها مقتربة من المفاهيم الكلية الكبرى التي قررها الإسلام في عقائده ومبادئه.
إننا نسمي هذا تقدماً في البحث العلمي إلى المواقع الغائية التي يحتلها الدين الحق، ولو أردنا أن نجاري (د. العظم) في تعبيراته لقلنا: إن البحوث العلمية تتراجع من مواقع النظرات المادية الإلحادية إلى مواقع النظرات الغائية الإيمانية، وهي المواقع التي يحتلها الدين بثبات واستقرار، دون تحول أو تراجع، لأن الدين الحق الإلهي، وهو يقف عند مواقع الحق، وحينما يصل العلم إلى الحق، تماماً يجد نفسه عند مواقع الدين.
وهذا الكلام منا يحتاج إلى أدلة من الواقع العلمي، حتى لا يكون ادعاء لا قيمة له، وسأعتمد في هذا على أقوال كبار العلماء الماديين من علماء القرن العشرين.
من المعروف في قصة الحضارة الحديثة أن معظم الأبطال الأولي الذين اكتشفوا كثيرا من القوانين الطبيعية التي اعتمدت عليها هذه الحضارة كانوا مؤمنين بالله، ولكن خلفهم قوم زعموا أن هذه الاكتشافات قد أبطلت الحاجة إلى الإيمان بوجود الخالق جلَّ وعلا، وتلقف الملاحدة الذين لهم غايات خاصة من نشر الإلحاد في الأرض ذلك، وأخذوا يروجون له في مختلف المجالات العلمية وغير العلمية.
стр. 294
ثم اتسعت دوائر المعرفة خلال القرن العشرين، فبدأت تنهار أسس الفكر الإلحادي القائم على تفسير الكون تفسيراً مادياً ميكانيكياً بحتاً، لدى كبار علماء الباحثين في مجالات المعارف الطبيعية الكونية.
لقد حل (أينشتاين) محل (نيوتن) ، كما أن العالمين (بلانك) و (هايزنبرج) قد أبطلا نظريات (لابلاس) ، وفقد معارضو الدين اليوم تلك المكانة التي كانت تسمح لهم بأن يستندوا إلى العلم لنقض أسس الدين.
إن نظرية النسبية وقاعدة الميكانيكا الكمية (كوانتم) قد أوصلتا العلماء إلى الاعتراف بأنه لا يمكن الفصل بين المشاهد والموضوع المشاهد، ومعناه أنه ليس في إمكاننا إلا أن نشاهد بعض المظاهر الخارجية من أي شيء، وأننا لا نستطيع أن نشاهد حقيقته الجوهرية.
وقد أصبح من الحقائق القطعية أننا لا نستطيع أن نهتدي إلى الوجود الأصلي لأي شيء فيما يتعلق بعلم الطبيعة، وأن كل ما يمكننا عمله هو بذل الجهد لمعرفة الهيكل الرياضي لذلك الشيء، وقد سلم العلماء على أعلى مستوى اليوم بأن الزعم بأننا نستطيع أن نشاهد الأشياء في صورتها النهائية لم يكن إلا وهماً وسراباً.
ويعتقد البروفيسور (آرثر إيدينجتين) "أن معرفة الهيكل الرياضي للشيء هي المعرفة الوحيدة التي يمكن لعلم الطبيعة أن يمنحنا إياها" (١) .
فقد جاء في مقال لهذا العالم ما يلي:
" ... بقطع النظر عن الجوانب الجمالية والأخلاقية والروحانية، فإن المادة والجوهر والبعد والوقت وغيرها من تلك الأشياء التي كانت تعتبر خاضع لعلم الطبيعة وحده قد أصبح من المتعذّّر علينا معرفة خصائصها، بقدر ما كان متعذراً معرفة خصائص الأشياء غير المادية. إن علم الطبيعة الجديد لم يعد في وضع يسمح له بالمعرفة المباشرة لخصائص الأشياء. إن حقيقة هذه الأشياء خارجة عن
стр. 295
حدود الإدراك، ونحن نصل إلى حقائقها بواسطة الصور الذهنية. وأية صورة ذهنية لا يمكن أن تعكس لنا صوراً غير موجود البتة في الذهن. وهكذا لا يمكن للطبيعة ٠باعتبار مجال عملها الحقيقي- أن تتناول الخصائص الخارجة عن حدود الإدراك، بل هي لا تقوم إلا بالدراسة بواسطة الآلات التي يمكن لعلمنا الإحاطة بها. صحيح أن هذه الدراسة تصور لنا بعض الخصائص لعمل الكون إلا أن معلوماتنا الأصلية تتعلق بالدراسة عن طريق الآلات، وليست بالخصائص نفسها. إن علاقة الدراسة عن طريق الآلات بالخصائص الحقيقية للأشياء تشبه علاقة رقم التليفون بصاحبه".
ما هذه العلاقة الضعيفة جداً بين الدراسات الطبيعية للأشياء وبين حقائق الأشياء؟
إن هذا العالم الطبيعي من كبار علماء القرن العشرين ليقلل كثيراً من قيمة الادعاءات العريضة التي كان يدَّعيها الماديون، والتي كانوا يزعمون فيها أن العلوم الطبيعية قد بلغت بدراساتها معرفة حقائق الأشياء أو كادت تصل إليها. إن علماء اليوم المنصفين قد بدأوا ينقضون هذه الأقوال ويستخفونها، ويعتبرونها تجاوزاً كبيراً للحدود التي بلغها علم الناس، وهؤلاء العلماء قد بدأوا يعلنون ما كان أعلنه القرآن عن مبلغ علم الناس بقوله تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿ ... وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
ويقول البروفيسور (آرثر إيدينجتين) أيضاً:
"إن حقيقة "أن العلم محدود بالمعلومات عن هيكل الأشياء" حقيقة ذات أهمية قصوى. إنها تؤكد أن الحقيقة الكاملة لا تزال غير معروفة. وفي ضوء هذه الحقيقة لا يمكن الزعم الآن بأن أحاسيسنا أو تجربة اتصال النبي بالله ليس لهما مثيل موضوعي (خارجي) وذلك لأنه من الممكن جداً أن يكون هناك مثيل خارجي لهذه الأحاسيس، أو لتجربة النبي أو العارف بالله. ولم يعد من الممكن أن يقال عن أحاسيسنا الدينية أو الجمالية: إنها مجرد ظواهر خادعة كما كانوا يقولون بالأمس
стр. 296
صلافة وتبجحاً، وبإيجاز: إن العارف المؤمن بالله المؤمن بالدين يمكنه أيضاً أن يعيش -كحقيقة- في الدنيا".
أليس هذا تراجعاً ظاهراً في موقف العلم إلى مواقع الفكر الديني، وهذا التراجع أو التقدم في الحقيقة نتج عن واقع تقدم البحوث العملية الطبيعية، إن العلم الإنساني بدأ يتعرف على حدوده.
ولكن الماديين المتعصبين للنظرات التقليدية الإلحادية ما زالوا يجترون الادعاءات التبجحية السابقة، على الرغم من أن العلم المتطور قد أظهر فسادها، وتقدم خطوات مهمة في اتجاه مواقع الدين.
وعلى هذا باستطاعتنا أن نسمي الملاحدة الماديين رجعيين، لأنهم لا يسايرون تقدم العلم الصحيح.
على أن قضية التقدمية والرجعية من القضايا النسبية، فمن ابتعد عن الحق إلى جهة الباطل ثم رجع إلى الحق فهو رجعي فاضل كريم، ومن ابتعد عن جهة الباطل إلى جهة الحق ثم رجع إلى جهة الباطل فهو رجعي خسيس ذميم، ومن تابع تقدمه في جهة الحق فهو تقدمي بطل صاعد، ومن تابع تقدمه في جهة الباطل فهو تقدمي خبيث منحط، فالقضية في كل ذلك نسبية، تتبع السالك والجهة معاً، وكذلك الوراء والأمام، فالنازل من المعالي يكون الوادي أمامه وتكون القمة وراءه، ولو عقل لنظر إلى الوراء ورجع إليه، والصاعد إلى المعالي تكون القمة أمامه والوادي وراءه، وحينما يعقل يستمر في صعوده ولا يلتفت إلى الوراء ولا يرجع إليه.
وقد انتهى الرياضي والفيلسوف الإنكليزي (ألفرد نورث وهايت هيد) إلى "أن الطبيعة حية".
أي: ليست كما يزعم الماديون مجرد مادة تظهر الحياة فيها نتيجة تركيب آلي في عناصرها، وهذا اقتراب من المفاهيم الدينية التي تقرر أن الكون عمل موجود حي.
ثم إن الفلكي الإنكليزي السير: (آرثر إيدينجتين) قد استنتج من دراسة العلوم: "أن مادة العالم مادة عقلية".
стр. 297
وكذلك الرياضي السير: (جيمس جينز) الذي يعتبر أعظم علماء العصر قد عبَّر عن الكشوف الجديدة بقوله: "إن الكون كون فكري".
إن العلماء الذين أدلوا بهذه الآراء هم علماء على درجة كبيرة من الأهمية في دنيا العلم، ويلخص البروفيسور (ج. و. ن. سوليفان) أفكارهم في الجملة التالية:
"إن الطبيعة النهائية للكون طبيعة عقلية".
أي: ليست كما يزعم الملحدون الماديون مجرد حركة عشوائية غير عاقلة ظهر عنها في بلايين القرون هذا النظام الكوني المشاهد، وهذه النتائج العلمية التي توصَّل إلهيا لعلماء تلغي بكل تأكيد الركائز الخيالية التي كان يستند إليها الملحدون، وتجعل العلم يقترب من الحقائق الدينية التي تقرر أن الكون عمل موجود عظيم قادر حي سميع بصير.
إن كتاب "عالم الأسرار"، للفلكي الرياضي البريطاني السير (جيمس جينز) يحتوي على أكثر المواد العلمية قيمة من هذه الناحية، وقد انتهى هذا العالم بعد مناقشة عملية بحتة إلى أن:
"الكون لا يقبل التفسير المادي في ضوء علم الطبيعة الجديد، وسببه -في نظري- أن التفسير المادي قد أصبح الآن فكرة ذهنية".
أي: وهذه الفكرة الذهنية لا يؤيدها واقع الكون. ويقول هذا العالم أيضاً: "إذا كان الكون كوناً فكرياً فلا بد أن خلقه كان عملاً فكرياً أيضاً".
هل يدرك الملحدون هذه الرجعة العلمية إلى الدين؟ أم يظلون في البقعة العمياء التي يقفون فيها فلا يتقدمون مع تقدم أضواء المعرفة؟
ويقول السير (جيمس جينز) أيضاً:
"من الصحيح أن نقول: إن نهر العلم قد تحول إلى مجرى جديد في الأعوام الأخيرة ...
لقد كنا نظن قبل ثلاثين سنة - ونحن ننظر إلى الكون- أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي. وكان يبدو لنا أن الكون يشتمل على ركام من المادة المبعثرة،
стр. 298
وقد اجتمعت أجزاؤه بالصدفة، وأن عمل هذه المادة ينحصر في أن ترقص لبعض الوقت رقصاً لا معنى له، تحت تأثير قوى عمياء لا هدف لها، وأنه بعد نهاية الرقص ستنتهي هذه المادة في صورة كون ميت، وأن الحياة قد وجدت صدفة خلال عمل هذه القوى العمياء، وأن بقعة صغيرة جداً من الكون قد نعمت بهذه الحياة، أو على سبيل الاحتمال يمكن أن توجد هذه الحياة في بقاع أخرى، وأن كل هذا سينتهي يوماً، وسيبقى الكون فاقد الروح.
ولكن توجد اليوم أدلة قوية تضطر علم الطبيعة إلى قبول الحقيقة القائلة بأن نهر العلم ينساب نحو حقيقة غير ميكانيكية.
إن الكون أشبه بفكر عظيم منه بماكينة عظيمة. إن (الذهن) لم يدخل إلى هذا العالم المادي كأجنبي عنه، ونحن الآن إلى مكان يجدر بنا فيه استقبال (الذهن) كخالق هذا الكون وحاكمه. إن هذا الذهن بلا شك ليس كأذهاننا البشرية، بل ذهن خلق الذهن الإنساني من "الذرة المادة" وهذا كله كان موجوداً في ذلك الذهن الكوني في صورة برنامج معد مسبقاً. إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم، تلك التي كنا أقمناها على عجل. لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة، وهذه القوة تشبه أذهاننا إلى حد كبير، وهذا الشبه ليس من ناحية العواطف والأحاسيس وإنما هو شبه يتعلق بذلك النهج الفكري الذي يمكننا تسميته بالذهن الرياضي".
هذا كلام عالم من أعظم علماء القرن العشرين، شهد آيات الله في الكون عن طريق وسائل المعرفة الإنسانية التقدمية، وكان منصفاً بريئاً من داء التعصب، فأعلن شهادته المستندة إلى المعرفة العلمية، وأبان بوضوح أن نهر العلم قد تحول فعلاً إلى مجرى جديد سائر في اتجاه مواقع الإيمان بالله الخالق القادر العليم الحكيم.
وتحقق بعض ما جاء في الوعد الإلهي إذ قال سبحانه في سورة (فصلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) :
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي? أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ
стр. 299
بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
وسيتحقق كامل الوعد الإلهي مع تقدم العلمي الإنساني بحثاً عن خفايا الكون وأسراره.
فليَقَرَّ المسلمون المؤمنون بالله أعينا ً، وليمت الماديون الملحدون بالله غيظاً. إن العلم المنصف قد بدأ فعلاً يتحول عن تفسيراته المادية البحتة، التي ملأت الدنيا ضجيجاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، متجهاً إلى تفسيرات أخرى يقترب فيها الدين اقتراباً أزعج المؤسسات الإلحادية إزعاجاً كثيراً، إذ بدأت تفقد ركائزها التي كانت تلبس ثوب العلم زوراً وبهتاناً، وتصنع مغالطاتها من الفرضيات التي لم تكن قد أخذت مستوى التحقق العلمي، وتصوغ منها مقدمات يقينية، لتدعم سياستها الإلحادية، نظراً إلى أن الإلحاد يخدم كما عرفنا مصالحها الخاصة.
إن انتصار الحقيقة الكبرى في نهاية المسيرة العلمية قضية مقطوع بها في عقيدة المسلمين، فلا خوف على الدين من العلم الصحيح.
إلا أن داء الهوى وداء التعصب كثيراً ما يصيبان الباحثين في طريق العلم والمعرفة، كما يصيبان الآخرين من الناس.
يقول المفكر الإسلامي (وحيد الدين خان) (١) :
"وبالرغم من هذه التغييرات في دنيا العلم لم يطرأ تغير يذكر على العقلية المنكرة للدين. بل على العكس من ذلك ينهمك معارضو الدين في تدبيج قضيتهم ضد الدين بأساليب جديدة، وليس سبب هذا الموقف اكتشافاً علمياً خطيراً، وإنما هو التعصب ولا غير. إن التاريخ ليحفل بما لا يحصى من الوقائع التي تبرهن على أن البشر رفضوا الحقيقة - رغم تجليها بوضوح - لأن تعصبهم لفكرة ما لم يسمح لهم بقبولها. وهذا التعصب الأعمى هو الذي جعل العلماء الإيطاليين قبل أربعة قرون يرفضون نظرية (جاليليو) كبديل لنظرية أرسطو القديمة، على الرغم من أن
стр. 300
الكرتين اللتين أسقطهما (جاليليو) من قمة منارة (ليننج) قد جعلتا نظريته حقيقة مرئية للعيان، وهذا هو التعصب الذي جعل العلماء في نهاية القرن الماضي يسخرون من نظرية البروفيسور (ماكس بلانك) المفسِّرة لظواهر الضوء، والتي أبطلت نظرية (نيوتن) وتلك هي النظرية التي تسمى اليوم بنظرية الكمية (الكوانتم) ، وتعتبر من أهم أسس علم الطبيعة الحديث.
وإذا كان أحدنا يظن أن داء التعصب يمكن أن يصيب الآخرين دون العلماء فإنني سأذكره بما قاله أحد العلماء المعاصرين وهو الدكتور (أ. و. هيلز) :
"إنني سأكون آخر من يدعي أننا نحن العلماء أقل الناس عرضة للتعصب بالنسبة للمثقفين الآخرين".
فنحن أمام دنيا يمزقها التعصب. فكيف لنا أن نتوقع أن نظرية ما سوف تحظى بقبول الجميع لمجرد أن المنطق أو العلم قد أثبتها؟!
إن تجربة التاريخ الطويل تدلنا على أن العواطف لا العقل هي التي كانت تقود الإنسان، وبالرغم من أن العقل هو الذي يحظى بالمقام الأرفع علمياً ومنطقياً، لكن العواطف في أغلب الأحايين هي التي كانت تستعبد العقل، وكان العقل دوماً يخترع المعاذير للعواطف. "اهـ.
* ... * ... *
стр. 301
الفصل العاشر
صراع حول ما أسماه العظم مأسَاة إبليس
ملاحظة قبل الدخول في الصراع
قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (٨٣) من كتابه: "قبل أن أدخل في صلب الموضوع أريد أن يتضح للجميع بأن بحثي يدور في إطار معين، لا يجوز الابتعاد عنه على الإطلاق، ألا وهو إطار التفكير المثيولوجي - الديني الناتج عن خيال الإنسان الأسطوري وملكاته الخرافية - إنني لا أريد معالجة قصة إبليس باعتبارها موضوعاً يدخل نطاق الإيمان الديني الصرف، ولا أريد أن أتكلم عنه باعتباره كائناً موجوداً حقيقياً، وإنما أريد دراسة شخصيته باعتبارها شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية وطوَّرها وضخمها خياله الخصب".
فلا يغترَّ القارئ ببعض أقواله الدينية في صلب الموضوع، لأنه مضطر إلى إيرادها لدراسة القصة من خلالها، على اعتبارها واعتبار كل ما يتصل بها خرافة من الخرافات وأسطورة من وضع الإنسان.
стр. 302
(١)
كتب (د. العظم) في كتابه "نقد الفكر الديني" فصلاً خاصاً بعنوان: "مأساة إبليس"، وكان هذا الفصل محاضرة ألقاها.
زعم فيما كتب أن قصة إبليس أسطورة خيالية من الأساطير الدينية، مثلها كمثل الأساطير الخيالية التي تنتهي بمأساة درامية، وإبليس بطل هذه المسألة قديس بحسب تفسيراته التي اعتمد فيها على آرائه الشخصية، وعلى آراء باطنية شاذة اعتمدت على المذهب الجبري في موضوع القضاء والقدر، وهو مذهب مرفوض كما علمنا، وما اشتمل هذا المذهب عليه من أفكار لا يمثل العقيدة الإسلامية الصحيحة، لذلك فإن جميع ما بناه على هذا الأساس من تفسيرات ومفاهيم وأسئلة وإشكالات ساقط مردود، باعتبار أن الأساس الذي بنى عليه أساس مرفوض دينياً، وما بني على فاسد فهو فاسد.
ولم يكتفِ باعتبار قصة إبليس الواردة في القرآن قصة أسطورية، بل هو يعتبر سائر القصص الدينية الصحيحة من قبل القصص الأسطورية، فقصة إبراهيم وأمر الله له بذبح ولده أسطورة مأساة درامية خيالية في نظره، وقصة أيوب وبلائه أسطورة مأساة، وهكذا، ولكن أعظم بطل ذي قصة مأساوية في نظره هو إبليس، لأنه تحدى الموقف المأساوي ببطولة.
من الطبيعي أن ينكر القصص الدينية بعد أن أنكر وجود الله، وأنكر الشرائع السماوية كلها، وأنكر القرآن وصحة نسبته إلى الله جلَّ وعلا.
إن العقيدة الإسلامية بكل أركانها وفروعها مبنية على أصل واحد هو الإيمان بالله، فمن اجتث من فكره وقلبه ووجدانه هذا الأصل فكل كلامه في الفروع كلام جدلي محض لا أساس له، ولا بد أن تكون مناقشته فيه متسمة بالمغالطات
стр. 303
والأكاذيب والمشاغبات والعمل على طي الحقائق وكتمانها، والاقتصار على الجوانب التي تفيده في المعركة الجدلية، مثله في ذلك مثل المصارع الذي يصنع بيده وعلى وفق هواه دميةً لخصمه، ثم يدخل معها إلى حلبة الصراع على أنها هي خصمه الحقيقي، ويصارعها كما يشاء، ويلعب بها كما يشاء، ثم يظهر انتصاره عليها. أو كمثل المصارع الذي يستخدم بعض المرتزقة من المصارعين، ويطلب منه أن يلبس قناع خصمه الحقيقي، وينزل بدل الخصم في حلبة المصارعة، على أن يصارع مصارعة ضعيفة، ينهزم في أعقابها عند حلول الزمان المعلوم، ووفق صورة مرسومة متفق عليها سابقاً.
وما أكثر هؤلاء المقنعين من الذين يتظاهرون بالدفاع عن الدين، ويصارعون أعداءه بضعف ظاهر، ثم ينكشفون بعد محاولات باردات، لا يستخدمون فيها أية قوة من القوى الدينية الصحيحة، ويقبعون أخيراً في الزوايا مهملين، ويبقى أعداء الدين في الحلبة بعدهم يجولون.
وبعض هؤلاء يقدمون ما يلزم من حركات ليستخدمها الطرف المقابل الذي رسم له النجاح مقدماً، وليقوم بحركات بهلوانية تعجب الناظرين، وتلفت إليه الانتباه كله، وتصوِّره في نفوس المشاهدين بصورة البطل المصارع الذي لا يُغلب.
ولقد غدت هذه اللعبة الخداعية لعبة مكشوفة لدى الجماهير، في حلبات الرياضة البدنية، وفي حلبات السياسة، وفي حلبات المذاهب الفكرية المختلفة، وفي حلبات المعارك الحربية أيضاً، وهي في حلبات الصراع ضد الدين كثيرة جداً، ومتعددة الوجوه والصور والأشكال، ومختلفة السمات والملامح.
ومن عجيب أمر (د. العظم) أنه أقام من نفسه عارضاً للصورة الإسلامية كما يهوى، ومدعياً على الإسلام وفق الصورة التي رسمها هو، ومحامياً عنه كما يشتهي، ومحامياً ضده كما يريد، وقاضياً مشاركاً في دراسة الدعوى، وأخيراً جعل من نفسه حاكماً لا يقبل حكمه الاستئناف ولا التمييز، وهو قبل كل ذلك الخصم الذي يدبر المكايد، ويصنع الأكاذيب، ويلفق الحيل لهدم الإسلام هدماً كلياً، ولا يألوا جهداً
стр. 304
في توجيه أي حرب ضده وضد المسلمين، خدمة للماركسي، ومن ورائها اليهودية العالمية.
وحينما يستشهد بأقوال بعض المسلمين فإنه لا يستشهد إلا بالأقوال الشاذة والآراء المنحرفة، ويتصيدها تصيداً من ضمن الآراء الصحيحة السليمة، ويقدمها على أنها هي وحدها الممثلة للفكرة الإسلامية في موضوع البحث الذي يناقضه، ويطوي ما عداها من الآراء والمفاهيم، أو يشير إليها إشارة خفيفة دون بيان، وعلى طريقته التي عرفناها فيه يغالط في الحقائق، فيعمم الخاص، أو يخصص العام من عنده، أو يكذب في النسبة، أو يؤول من عنده تأويلاً فاسداً، أو يحرف في المراد من المعاني، إلى غير ذلك من أصول المغالطات.
نقل شطحات الحلاج الشاذة القائمة على العقيدة الجبرية، وعلى التفسيرات الباطنية، والتعبيرات الرمزية، واعتبرها هي الممثلة للفكرة الإسلامية في موضوع إبليس وقصته، مع أن هذه الأقوال مخالفة للنصوص القرآنية، والأحاديث النبوية مخالفة صريحة، ولا تحتمل هذه النصوص تلك المعاني الباطنية الشاذة، لا في أسلوبها العربي، ولا في دلالتها الفلسفية، وما هي إلا تحريف في الدين بآراء فلسفية لاهوتية دخيلة على الفكر الإسلامي.
واعتمد آراء عز الدين المقدسي في كتابه "تفليس إبليس" لأنها في مضمونها تتضامن مع الشطحات الحلاجية الباطنية، الجانحة عن المفاهيم القرآنية، بالآراء الدخيلة على الفكر الإسلامي، والتي أفسدت بعبثها نقاء الحقيقة الدينية الظاهرة من النصوص الإسلامية، وهي الحقيقة التي فهمها أصحاب رسول الله ﷺ والعلماء والأعلام من بعدهم، ثم دخلت من بعد ذلك المذاهب المشبوهة في غاياتها، فأفسدت ما أفسدت. وتتابع المضللون من بعدهم يعتمدون أقوالهم ويبنون عليها لمحاربة الإسلام والمسلمين.
لكن الله يحمي دينه من المخربين من داخل الصفوف، والمحاربين من خارجها، ويحق الله الحق ويبطل الباطل، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
стр. 305
(٢)
إبليس في الفكر الإسلامي
إبليس هو واحد من الجن، والجن مخلوقات غير الملائكة، وهما جميعاً غير الإنس، ولكل صنف من هذه المخلوقات خصائص وسمات. فالملائكة خلقهم الله من نور، والجن خلقهم الله من مارج من نار (أي: من أخلاط من النار) ، والإنس خلقهم الله من طين كما هو معلوم (أي: من عناصر مختلفة من الأرض ترابها ومعادنها ومائها) .
وقد دل على هذه الفوارق في عناصر التكوين ما رواه مسلم عن عائشة، عن الرسول ﷺ أنه قال: "خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم".
وقد أثبت القرآن الفرق بين عنصري الإنس والجن وفق الصورة نفسها التي وردت في هذا الحديث، فقال الله تعالى في سورة (الرحمن/٥٥ مصحف/٩٧ نزول) :
﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾
وفي احتجاج إبليس إذ رفض أمر الله له بأن يسجد لآدم قال فيما يحكيه الله عنه في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾
والملائكة مخلوقون قبل الإنسان، بدليل أن الله عرض على الملائكة قبل خلق آدم قضاءه بأنه خالق بشراً من الطين.
والجن أيضاً مخلوقون قبل الإنسان، بدليل قول الله تعالى في سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) :
стр. 306
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ منْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾
الصلصال: هو الطين اليابس الذي يصلصل إذا نقرته.
والحمأ: هو الطين الأسود المتغير.
والمسنون: هو المصور.
فهذه الحقائق المستفادة من النصوص الإسلامية توضح تماماً اختلاف العناصر التكوينية بين الكائنات الثلاثة: (الملائكة - الجن - الإنس) ، وتوضح أن الملائكة والجن مخلوقون قبل الإنسان.
وإبليس هو من الجن لا من الملائكة على خلاف ما زعم (د. العظم) ، وزعم أن الملائكة ليسوا بمنجاة من الغواية، كما أراد أن يفهم من النصوص الإسلامية، وإن كان هو بالأساس لا يؤمن بوجود الملائكة ولا بوجود الجن أصلاً، والدليل على أن إبليس من الجن لا من الملائكة قول الله تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلا?ئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُو?اْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..﴾ .
فهذا يوضح لنا أن عنصره كان من عنصر الجن لا من عنصر الملائكة، يضاف إليه ما ثبت في النصوص من أنه مخلوق من مارج من نار، أما الملائكة فهم مخلوقون من نور.
إذن فقد كان إبليس بين الملائكة عنصراً دخيلاً، وقد كشفه الامتحان، والذي سمح له بأن يدخل بين صفوف الملائكة وجود التشابه الصوري، والمشاركة في بعض الخصائص بين الجن والملائكة، حتى كان إبليس يعبد مثل عبادة الملائكة ويخالطهم في بعض أعمالهم، وهذا ما يظهر من تفسير دخوله في عموم أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، ويحتمل أن يكون الأمر بالأساس موجهاً للملائكة والجن
стр. 307
معاً بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر، والله أعلم بالحقيقة، لكن كون إبليس من عنصر الجن لا من الملائكة أمر محقق بصريح النص الذي لا يحتمل التأويل.
ويؤكد هذه الحقيقة ظهور المعصية منه بعد الامتحان، وذلك لأن الملائكة من خصائصهم التكوينية أنهم لا يعصون لله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وقد دلت على هذه الحقيقة نصوص قرآنية كثيرة، منها قول الله تعالى في سورة (الأنبياء/٢١ مصحف/٧٣ نزول) :
﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ .
ووصفهم الله بقوله أيضاً في سورة (الأنبياء/٢١ مصحف/٧٣ نزول) :
﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
وظاهر أن إبليس قد استكبر على طاعة الله إذ أمره الله بالسجود لآدم، ولم يعمل بأمره تعالى، فهو عنصر مغاير لعنصر الملائكة، له إرادة حرة، ودوافع نفسية تدفعه إلى المعصية، ولديه شروط التكليف كاملة.
ولكن (د. العظم) غالَطَ في هذه الحقائق وتلاعب بمفاهيم النصوص كما راق له، ليبني بناءاته الفاسدة على الصورة التزييفية التي صنعها.
وبيان هذه الحقائق أخذاً من صريح النصوص سقط ادعاؤه الفاسد أن النصوص تفيد أن إبليس ملك من الملائكة، وقد عصى لأن الملائكة عرضة لفعل الخير والشر والهداية والغواية كالإنسان.
وإذ عصى إبليس وهو من الجن فليس معنى ذلك أن الجن كلهم عصاة، بل هم كالإنس، بعضهم مؤمنون مطيعون، وبعضهم عصاة، وبعضهم كافرون، ومردة كفار الجن هم الشياطين وهم ذرية إبليس جنوده.
ولما عصى إبليس ربه وأصر على عصيانه ولم يتب إلى بارئه، وإنما جادل وعاند فطرده الله من رحمته، تحدى فآلى على نفسه أن يغوي الإنسان، وأن يتخذ
стр. 308
جنوداً من الجن للإغواء، بعد أن أخذ من ربه وعداً بأن ينظره إلى يوم الدين، فقال الله له: إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، أي: إلى يوم إنها ظروف هذه الحياة الدنيا لا إلى يوم الدين.
وفي الناس شياطين أيضاً، والشياطين من الناس هم الكفرة بالله، الذين يقومون بوظيفة إغواء الناس وصدهم عن سبيل الله، فهم مردة كفار الإنس، وهم شياطين الجن يتولى بعضهم بعضاً، وينصر بعضهم بعضاً، ويكمل بعضهم بعضاً، في أعمال الإفساد والوسوسة والتضليل، قال الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
وقد ذكرني هذا بالنقاد (د. العظم) ، إذ دافع عن إبليس بما لم يدافع به إبليس عن نفسه بين يدي ربه، فتمم له بعد أن نفذ فيه حكم الطرد من رحمة الله بنود الدفاع التي كان قد نسيها وهو بين يدي المحاكمة الربانية، وما أظن أن المحاكمة ستستأنف، لورود حيثيات جديدة تنبَّه إليها (د. العظم) ولم يكن قد تبنَّه إليها المدَّعى عليه إبليس يوم رفض السجود لآدم.
لقد تلاعب "سيادته" بمضامين القصة، وهو غير مؤمن بها أصلاً، ليشوش على المؤمنين مفاهيمهم وعقائدهم.
إن إبليس مؤمن بربه، إلا أنه عاصٍ معاند متمرد، مستكبر على أمر به، وبذلك كَفَرَ كُفْرَ تمرد على الطاعة، ثم لما طُرد من الرحمة تصدى لإغواء الناس وإفسادهم.
أما "سيادته" فهو يحمل كل هذه الصفات مضافاً إليها الجحود بالله والكفر به وإنكار وجوده أصلاً، فهو بهذا أكثر إيغالاً في الكفر، وأكثر عناداً وتمرداً، وأقدر على المجادلة بالباطل.
стр. 309
وصدق الله العظيم. لقد وصف الإنسان بقوله في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿ ... وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ .
(٣)
قال (د. العظم) في الصفحة (٩١) من كتابه:
"برَّر إبليس رفضه السجود لآدم تبريراً منطقياً واضحاً إذ قال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ".
ومن العجيب أن يؤمن "سيادته" وهو ماركسي المذهب بالفوارق العنصرية، فيرى أن من كان أصل تكوينه من النار هو أشرف وأكمل تكويناً عنصرياً ممن كان أصل تكوينه من الطين.
لو قال هذا الكلام واحد من المصابين بداء الكبر الطبقي العنصري الأرستقراطيين لكان كلامه منسجماً مع مذهبه، أما أن يقوله ماركسي يحارب الأرستقراطية والكبر الطبقي العنصري فهو شيء عجيب، لكن ما دام مثل هذا الكلام يخدم قضية الإلحاد فلا مانع لديه من أن يتبناه ويجعله أصلاً منطقياً، ويدافع به عن إبليس؛ ويجعل حجته فيه حجة منطقية، ويسهب في شرحها وتأييدها، فيقول في دفاعه عنه:
"عن إمعان النظر بحجة إبليس الأولى التي تتألف من مفاضلته بين جوهره (النار) وبين جوهر آدم (الصلصال) نجد أنها لم تكن استكباراً وفخاراً، بقدر ما كانت استذكاراً لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه. وهذه الحقيقة هي أن الله لم يخلق الطبائع على درجة واحدة من السمو والكمال إنما ميَّز بينها، ليس من حيث خصائصها الطبيعية والمادية فحسب بل من حيث درجات كمالها ورفعتها أيضاً. وبناءً عليه ففي إمكاننا أن نصنِّف الكائنات والأنواع في نظام تقديري معيَّن يبدأ بالكمال المطلق ذاته، ثم يتدرج بالأنواع كلٌّ حسب درج كماله التي أسبغها الله عليه، إلى أن نقترب من العدم باعتباره الحد الذي نقف
стр. 310
عنده، ولا ريب أن النار بطبيعتها وجوهرها تحتل مرتبة أسمى وأرفع في هذا الترتيب من المرتبة التي يحتلها الصلصال. بعبارة أخرى تنطوي مفاضلة إبليس بين جوهره وبين جوهر آدم على نظرة فلسفية معينة لنظام الكون وترتيب الطبائع وفقاً لدرجات الكمال التي تتصف بها. لذلك كان إبليس على حق في جوابه، لأن الخالق جعل الأشياء على ما هي عليه من درجات الكمال والسموّ، وأمر السجود لآدم يشكل مخالفة صريحة لهذا النظام وخروجاً على الترتيب الذي شاءه الله وأوجده. فإذا كان جوهر إبليس أرفع في سلم الكمالات من جوهر آدم فلن تستطيع النار عندئذٍ أن تذل للصلصال إلا بالسير في اتجاه مضاد لطبيعتها ومنافٍ لدرجة الكمال التي أسبغها الله عليها، وهذا أمر محال ما لم يطرأ تحول جذري على المشيئة الإلهية فتغير ترتيب الطبائع عما كانت عليه منذ أن أوجدها الله ".
هذه الحجة الإبليسية التي شرحها (د. العظم) منقوضة من عدة وجوه واقعية وفلسفية، وليس لها سند إلا الكبر العنصري.
أولاً: من أين له بأن يحكم حكماً قاطعاً للنار المتلفة المحرقة بأنها أرفع عنصراً من الماء والتراب المنبتين المخصبين اللذين فيهما الخير الكثير، وهما مادة لحياة فيها كمال عجيب، وهما وفق نظرية النشوء والارتقاء التي يعتقدها اتباعاً للداروينية يقعان في درجة أرقى وأرفع من الدرجة التي تحتلها النار، لأن الأرض كانت ناراً فبردت صارت على ما هي عليه بعد أن مرت بدرجات ارتقائية متعددة، فكان منها الحيوان ثم كان منها الإنسان.
فأين منزلة النار من التراب على هذا وفق مذهبه؟
ثانياً: هل العبر بأصل العنصر، أم العبرة بما نتج عنه وخلق منه وظهر فيه؟
أهان على سيادته أن يهدم كل مذهبه الديمقراطي لأن ذلك يخدم في نظره معارضة الدين فيما جاء فيه من مفاهيم وحقائق، فأخذ يؤيد الأرستقراطية الطبقية العنصرية؟
هذا مع أن الإنسان بعد تكوينه من الطين ظهر أنه أسمى في خصائصه
стр. 311
العلمية الاستنباطية من الجن المخلوقين من النار، فهو بعد التكوين أكمل وأسمى مرتبة من الجن، بتكوين الله.
حتى الآن ظهر لنا أن "سيادته" قد ناقض نفسه مرتين في قضية واحدة، ليدافع عن موقف إبليس، ويدعم رفضه أن يسجد كما أمره الله.
في المرة الأولى: ناقض نفسه في نظرية النشوء والارتقاء التي يعتقدها.
وفي المرة الثانية: ناقض نفسه في المذهب الديمقراطي الذي يتبعه.
ثالثاً: لو كان سجود إبليس لآدم أمراً منافياً لطبيعته المخلوقة من النار لكانت الملائكة بذلك أحرى منه، لأنهم مخلوقون من عنصر هو أرفع من الطين من النار، ألا وهو عنصر النور، ومع ذلك فإنهم قد سجدوا كلهم أجمعون ولم يعصِ الله منهم أحد، فظهر أن إبليس لم يكن له عذر مقبول في رفض السجود، وأن هذا السجود، ما كان ليضاد طبيعته التي فطره الله عليها.
رابعاً: حينما رفض إبليس أن يسجد لآدم إنما رفض أمر التكليف الرباني له، وأمر التكليف في مجال الامتحان لا بد أن يشتمل على عنصر مخالفة للنفس، واجتياز عقبة من عقباتها، وإلا لم يكن تكليفاً كاشفاً للطاعة أو للمعصية لدى الإرادة الحرة، ولو كان التكليف موافقاً لأهواء النفس وشهواتها لما كان في الحقيقة امتحاناً للإرادة بين طريقي الطاعة والمعصية. وهذه العقبة في إبليس كانت كبر نفسه، فعلَّته الحقيقية هي مرض الكبر العنصري الطبقي الأرستراطي، وحين امتحن في مجال هذه العقبة النفسية سقط في الامتحان، ثم أصرَّ ولم يتراجع.
وها ما دمغه الله به في قوله له كما جاء في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ .
فكانت عقوبة التكبر الذي تكبره صَغاراً وذلةَّ، ولم يدافع إبليس عن نفسه بأنه لم يتكبر، أو بأن السجود كان منافياً لطبيعته التي فطره الله عليها، وإنما أصرَّ وعاند.
стр. 312
وأوضح الله أيضاً عنصر استكبار إبليس وعناده في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
وأوضح الله عناصر محاكمته لإبليس في سورة (ص/٣٨ مصحف/٣٨ نزول) :
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِني خَالِقٌ بَشَراً من طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ منْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي? إِلَى يَوْمِ الدينِ﴾
فهذه النصوص كلها تحقق أن علة رفض إبليس السجود إنما كان عنصر الاستكبار في نفسه.
فمن أين للنقاد (د. العظم) أن يزعم أن هذا الرفض لم يكن استكباراً وفخاراً بقدر ما كان استذكاراً لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه، مادام يحلل القصة من نصوصها تحليلاً لغوياً وهو لا يؤمن بها أساسً، كما لا يؤمن بأية حقيقة دينية؟
ولدى المقارنة بين الامتحان الذي أجراه الله لإبليس، والامتحان الآخر الذي أجراه الله لآدم، نلاحظ أن ابتلاء إبليس قد كان في مخالفة جرثومة الكبر في نفسه فسقط في الامتحان بعد أن كان قائماً بالطاعات التي لا تصادم هوى في نفسه ثم أصر على الاستكبار والعناد والتمرد، أما ابتلاء آدم فقد كان في مخالفة جرثومة الشهوة في نفسه فسقط في المعصية، فعوقب، ولكنه لم يصر ولم يعاند، بل رجع وأناب، واستغفر الله وتاب، ففتح الله له باب القبول ونجح في الدور التكميلي.
стр. 313
وحين نمنع النظر في العناصر الحقيقية التي تقتضي تفضيل بعض الكائنات على بعض، فلا بد أن نلاحظ أن الله قد فضل الإنسان المخلوق من الطين على الجن المخلوقين من النار، بما وهبه من خصائص عملية استنباطية، ليست موجودة لدى الجن، ويرى كثير من الباحثين أن الله فضله بهذه الخصائص على الملائكة أيضاً، بدليل أن الله أمر الملائكة بالسجود له، وبدليل أن الله علَّم آدم الأسماء كلها في حين أن الملائكة أعلنوا عجزهم فقالوا: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ .
وبعد أن درسنا الخصائص الإنسانية وعرفناها تبين لنا أن الإنسان قادر على إدراك الأشياء الغائبة عنه، عن طريق الاستنباط من سماتها وآثارها القريبة أو البعيدة، فهو يستطيع بالتأمل والاستنتاج أن يدرك بعقله ما لا يدركه بحواسه إدراكاً مباشراً.
فلعل هذا هو ما امتاز به آدم أبو البشر على الملائكة الذين أعلنوا أنهم لا يعلمون إلا ما يعلمهم الله إياه بطريق مباشر، أما أن يعلموا سمات الأشياء وخصائصها عن طريق الاستنباط العقلي فهذا أمر لا يملكونه، ولما وضع الله آدم موضع الامتحان أظهر براعته بهذا الشأن، وبذلك ظهرت للملائكة حكمة الله الجليلة في خلق الإنسان وإبداعه.
وقد يشهد لهذا قول الله تعالى في سورة (التين/٩٥ مصحف/٢٨ نزول) :
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي? أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
فهذا النص يشعر بامتياز الإنسان على سائر ما خلق الله وسائر من خلق الله بأنه مخلوق في أحسن تقويم.
ولا ينقص هذا الامتياز كون الملائكة والجن أقدر من الإنسان في كثير من الأعمال الجسدية المباشرة، بحسب تصورنا للملائكة والجن المقتبس من دلالات النصوص الدينية، لأننا حينما نلاحظ الجوانب الفكرية والنفسية للإنسان يظهر لنا أن الإنسان باستطاعته أن يستخدم كل الطاقات الكامنة في الكون بالبحث عن سماتها وخصائصها، والحيلة في النفاذ إليها وتسخيرها تسخيراً هائلاً ضمن أغراضه
стр. 314
ومصالحه، وهذا ما تعجز عنه الجن والملائكة، وهو يدل فعلاً على أن الإنسان مخلوق في أحسن تقويم.
ولكن هذا الإنسان المخلوق في أحسن تقويم سيهبط إلى أسفل سافلين إذا كفر بربه وجحد جحوده أو أشرك به أحداً، وذلك إذ وجَّه ما لديه من قدرة استنباط وبحث لمعرفة خصائص الطبيعة وكوامنها، ثم أقام بينه وبين الحقيقة الكبرى حقيقة وجود الله سداً من الجحود والعناد والكبر، فراراً من طاعة الله وعبادته، وتطاولاً إلى مقام الألوهية إذ تنزع نفسه إلى تأليه ذاته، صرح بذلك أو لم يصرح، وأخلاقيته هذه هي التي ترده إلى أسفل سافلين، بعد أن كان في أحسن تقويم.
وينجو من هذا الردّ الشائن المهين الذين آمنوا بربهم وبما جاءهم من لدنه، وعملوا الصالحات في حياتهم، فهؤلاء يحافظون على بعض مستويات الامتياز الذي وهبوه في أصل الخلق، ومن هؤلاء من يحافظ على المستوى الرفيع، فيبقى أفضل من الملائكة، ومنهم من ينزل عنه على قدر معاصيه وتقصيراته، ولذلك قال الله تعالى في سورة (التين/٩٥ مصحف/٢٨ نزول) :
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي? أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
أي: فلهم أجر غير مقطوع.
فدلائل النصوص تؤكد أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر منسجم مع منطق الأفضلية، على أنه لو لم يكن آدم قد فضَّله الله بأية ميزة، ثم أمر الملائكة بالسجود له، لكان عليهم أن يسجدوا امتثالاً وطاعة للأمر الإلهي، لا عبادة لآدم، ويكون آدم قبلة سجودهم، كما أن أمكنة خاصة من الأرض هي قبلة العابدين، حينما يتوجهون لله بالصلاة، توحيداً للجهة وتوحيداً لصفوف المؤمنين.
وباستطاعتنا أن نلتمس حكمة أخرى لهذا الأمر بالسجود لآدم، إذ نستعرض قصة خلق آدم كما قصها الله علينا.
تشتمل هذه القصة على عرض سابق من الله للملائكة بأنه سيخلق بشراً،
стр. 315
وعلَّم الملائكة بأن هذا المخلوق الجديد سيزوَّد بخصائص نفسية وإرادية وفكرية تجعله يفسد في الأرض ويسفك الدماء ويعصي الله تعالى، فوجَّهوا إلى الله تساؤلاً فيه رائحة الاعتراض على حكمة الله في الخلق، فكان الجواب الأولى لهم يتضمن أن الله يعلم ما لا يعلمون، وكان الجواب الثاني لهم جواباً تطبيقياً عملياً، إذ ميَّز الله آدم بعلم الأسماء كلها، أي: بمعرفة سمات الأشياء وخصائصها واستنباط ما في بواطنها، وهذا أمر أعلن الملائكة عجزهم عنه، وكان لا بد من تكفير على التساؤل الذي بدت منه رائحة الاعتراض على حكمة الله في الخلق، فأمر الله الملائكة بالسجود لهذا المخلوق نفسه الذي تساءلوا عن الحكمة من خلقه، فسجدوا له، وكفَّروا بسجودهم هذا عن سابق تساؤلهم، ولم يكن أي سجود آخر دليلاً على الإذعان والتكفير في هذا الموضوع بالذات، لأن الملائكة ساجدون لله، عابدون له، مسبِّحون بحمده، مقدسون له دائماً، فلو قال لهم اسجدوا لي لكان أمراً بتحصيل الحاصل الذي لم ينقطعوا ولن ينقطعوا عنه، وكان هذا الأمر نفسه اختباراً لإبليس وكشفاً لهويته الحقيقية، إذ لم يكن عنصراً نورانياً ملائكياً، وإنما كان نارياً جنياً وكان بين الملائكة دخيلاً ولم يكن فيهم عنصراً أصيلاً.
وبهذا البيان يتضح لنا مبلغ التحويرات والمغالطات والمفاهيم الفاسدة التي قدمها الناقد (د. العظم) .
(٤)
قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (٩٠) من كتابه:
"١- لا شك أن إبليس خالف الأمر الإلهي عندما رفض السجود لآدم، غير أنه كان منسجماً كل الانسجام مع المشيئة الإلهية، ومع واجبه المطلق مع ربه.
٢- لو وقع إبليس ساجداً لآدم لخرج عن حقيقة التوحيد، وعصى واجبه المطلق نحو معبوده".
ما شاء الله!! فهم غريب لم يفهمه إبليس نفسه، لذلك فهو لم يذكره في حجته، ولم تفهمه الملائكة فسجدت فأشركت بالله من حيث لا تدري، ثم جاء
стр. 316
نصيره من أبناء القرن العشرين ومن قبله باطنيون شوهوا صورة المفاهيم الإسلامية بأباطيلهم وفلسفاتهم، ووضعوا من عندهم قصصاً خرافية، أفسدوا فيها حقائق الإسلام الصافي، فاكتشفوا فهماً جديداً لم يستطع أن يتوصل إليه أصحاب العلاقة أنفسهم.
ثم تابع سيادة الناقد شرح فكرته، فقال:
"أراد الله للملائكة أن يقدسوه وأن يسبِّحوا باسمه؛ لذلك كان السجود لآدم وقوعاً فيما يضيفه أهل الشرك إلى الذات الصمدية مما هي منزهة عنه، إذ إن السجود لغير الله لا يجوز على الإطلاق لأنه شرك به. في الواقع يثير اختيار إبليس سؤالاً هاماً جداً هو: هل تكمن الطاعة الحقيقية في الإذعان للأمر؟ أم في الخضوع للمشيئة؟ هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق أم لواجب الطاعة الجزئية؟ لو كان الجواب على هذا السؤال بسيطاً وواضحاً لما وجدت المأساة في حياة الإنسان، ولما وجد إبليس نفسه في هذه المحنة، ولما وقع بين براثن الأمر والمشيئة. نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى وأنقى تجلياته".
مغالطات الناقد هنا تعتمد على التلاعب بالمفاهيم الإسلامية لتشويه صورتها، وترتيب النقد ترتيباً يناسب هذه الصورة المشوهة.
ولنا في كشف مغالطاته هذه وجهان:
الوجه الأول: أن أوامر الله لا تتناقض، فلا يمكن أن ينهى عن عبادة غير في الوقت الذي يأمر فيه بعبادة غيره، ولا يمكن أن يأمر بعبادة غيره في الوقت الذي ينهى فيه عن عبادة غيره.
إذا تقررت لدينا هذه الحقيقة علمنا أن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ليس أمراً بعبادته قطعاً، لأن الله نهى عن الشرك به.
ويمكن تفسير أمر السجود بعد هذا بأنه سجود احترام لا سجود عبادة، ويمكن تفسيره أيضاً بأنه سجود عبادة لله تعالى، وكان آدم في هذا السجود قبلة التوجه الجسدي فقط، كما أن الكعبة قبلتنا حينما نعبد الله في الصلاة.
стр. 317
الوجه الثاني: أن أصل الشرك بالله هو اعتقاد أنه يوجد إله غير الله ينفع أو يضر أو يستحق العبادة لذاته، ولهذا الشرك تعبيرات قولية أو عملية.
والتعبيرات القولية تدل بوضعها اللغوي الاصطلاحي على مدلولاتها، فإذا قالها قائل قاصداً لمعانيها وفق مصطلحاتها اللغوية دل على أنه قد أشرك بالله في عقيدته.
والتعبيرات العملية تدل أيضاً بوضعها الاصطلاحي المتعراف عليه على مدلولاتها الاصطلاحية، فإذا فعلها فاعل قاصداً مدلولاتها الاصطلاحية المتضمنة معنى الشرك باله في العبادة دل على أنه قد أشرك بالله.
وهنا نلاحظ أن حركات العبادة لله تعالى حركات لا تختص في الاصطلاح بمعاني العبادة ما لم تقترن بما يدل على أنها عبادة، من نية في النفس، أو هيئة تركيبية خاصة في صورة معينة، ذات مراسيم وأقوال خاصة، كالصلاة ذات الركوع والسجود والقراءات والأذكار والأدعية، وكالطواف حول الكعبة، وكالسعي بين الصفا والمروة، ونحو ذلك.
وقد كان الركوع والسجود عند كثير من الأمم والشعوب القديمة تعبيراً عن الاحترام والتقدير، وليس تعبيراً عن عبادتهم لمن يسجدون أو يركعون له، كما تكون صورة الركوع أو السجود لأعمال عادية بحتة، أو أعمال رياضية.
ومن سجود الاحترام والتقدير سجود إخوة يوسف له.
ومن هذا يظهر لنا بوضوح أن عملية السجود ليست تعبيراً ملازماً لمعنى العبادة في كل الأحوال، أو في كل المصطلحات، ولذلك كان من يسجد صورة لله وهو في قلبه ونفسه غير ساجد له فإنه لا يكون لله عابداً.
فلا بد من التعبير المادي من أن يكون مقترناً بالنية التي تحدد القصد منه، والملائكة لم يقترن سجودهم لآدم بنية عبادة له مطلقاً، وإنما كانوا يعبدون الله الذي أمرهم بالسجود، ولا يشركون بعبادته أحداً، ولو سجد إبليس لكان سبيله سبيلهم.
стр. 318
نعم لا نجيز في الشريعة الإسلامية السجود لغير الله، ولو على سبيل الاحترام لا على سبيل العبادة، لأن الشريعة الإسلامية التي جاءت خاتمة الشرائع الربانية قد منعت من ذلك، فنحن نتَّبع أحكامها، وسر المنع دخول مفاهيم الشرك بالله في الواقع الإنساني الجاهلي، واتخاذ هذا الشرك طابع عبادة غير الله بالسجود والدعاء والقرابين ونحو ذلك، فلما نزلت شرائع الإسلام منعت هذه الظاهرة كلها سداً للباب، ولم يكن هذا الشرك ولا تعبيراته ولا مصطلحاته معروفة لا عند الملائكة ولا عند إبليس، حتى يجعله سيادة الناقد واقعاً في تصور إبليس، ولذلك رفض السجود لآدم.
وهكذا تظهر لنا مغالطته في نقل مصطلحات حديثة إلى زمن لم يكن فيه للشرك وجود مطلقاً، والمغالطة هنا تعتمد على تعميم المصطلحات الزمنية وجعلها مصطلحات ثابتة من الأزل إلى الأبد.
مع أن لكل زمن مصطلحاته، ولكل أمة مصطلحاتها، والثابت إنما هي المعاني الحقيقية التي يُدَلُّ عليها بأي مصطلح قولي أو عملي، أو أي وسيلة أخرى من الوسائل التي تدرك بالسمع أو بالبصر أو باللمس أو بغيرها.
لقد تأكد لدينا بعد هذا البيان أن التناقض في الأوامر الإلهية مستحيل بداهة، وممنوع قبوله في المفاهيم الدينية، ولا يقع هذا التناقض إلا في ذهن جاهل أساء الفهم أساء التصور، أو في أقوال مضلِّل هدفه أن يشك الناس بدينهم.
(٥)
ويدَّعي الناقد (د. العظم) وجود التناقض بين الأمر الإلهي والمشيئة الإلهية، فيقول في الصفحة (٨٩) من كتابه:
"لقد شاء الله وجود أشياء كثيرة غير أمر عباده بالابتعاد عنها، كما أنه أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى، لذلك باستطاعتنا القول بأن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولكنه شاء له أن يعصي الأمر، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه، إذ لا حول ولا قوة للعبد على ردِّ المشيئة الإلهية".
стр. 319
هذا كلام يخدع بظاهره، ولكنه يتضمن مفاهيم فاسدة مأخوذة من مفاهيم الجبريين، ومذهب الجبريين مذهب فاسد استغله "سيادة" الناقد هنا، ليظهر أن الصفات الإلهية في مفاهيم المسلمين قد تتناقض، وأن المسلمين يقبلون فيها هذا التناقض، ثم ليتخذ كل ذريعة لنقض قضية الإيمان من أساسها.
لقد أوضحنا فيما سبق أن المشيئة الإلهية لا تتناقض مع نفسها بحال من الأحوال، فلا يمكن أن تتوجه مشيئتان متناقضتان لشيء واحد في وقت واحد. فإذ تتوجه المشيئة الإلهية لإيجاد الكون في وقت معين، يستحيل عقلاً وواقعاً أن تتوجَّه هذه المشيئة نفسها لعدم إيجاد الكون في ذلك الوقت، والمشيئة النافذة هي المشيئة وغير النافذة ليست بمشيئة.
وإذ تتوجه المشيئة الإلهية لمنح الإنسان حرية الإرادة في اختيار سبيله في الحياة، يستحيل عقلاً وواقعاً أن تتوجه هذه المشيئة لسلب هذا الإنسان حرية الإرادة، وجعله مجبراً على اختيار سبيله في الحياة.
وهكذا في كل مشيئة كلية وجزئية، ولكن لا بد من ملاحظة ضوابط التناقض المنطقية، حتى يتحقق الامتناع العقلي، وتتحقق الاستحالة المذكورة، وذلك بأن يتوارد السلب والإيجاب على حكم اتحد فيه الموضوع والمحمول والزمان والمكان وسائر الوحدات المنطقية التي لها صلة أساسية في وحدة الموضوع والمحمول، وحين ينعدم هذا الاتحاد يسقط التناقض أصلاً.
وذلك كأن نقول: الإنسان ممنوح حرية الإرادة في أعماله التي يعتبر مسؤولاً عنها، مسلوب حرية الإرادة في أعماله غير الإرادية التي لا يعتبر مسؤولاً عنها، كالرعشات، وحركاته وهو نائم وما يجري فيه من تغيرات وتطورات حياتية لا تتحكم إرادته بها، فهذا ليس بتناقض لأنه لم يتوارد السلب والإيجاب على متَّحد الوحدات المنطقية.
ومعلوم في الأوليات المنطقية أنه متى انفكَّت الجهة واختلَّت ضوابط الوحدة انحلَّ التناقض.
ولنفي الرأي الجبري، وإثبات أن الله منح الإنسان حرية الإرادة في كل
стр. 320
أعماله الإرادية التي يعتبر مسؤولاً عنها ومحاسباً عليها، وفي كل وجوده نشاطه الذي هو ساحة تكليفه في الحياة، وساحة اختباره وامتحانه، تتضح لنا الأدلة التالية:
أولاً: كل مخلوق يوضع موضع الامتحان فلا بد أن يكون حر الاختيار بين أكثر من طريق أو أكثر من عمل وإلا لم يكن للامتحان مغزى، وكان عبثاً من العبث، ولا يفعل هذا عالم حكيم.
ثانياً: يستحيل عقلاً أن يتوجه أمر التكليف الإلهي لكائن لا يملك في نفسه القدرة على اختيار الطاعة، وذلك لأن الله جلَّ وعلا حكيم، ولا يوجه أوامر التكليف لمجرد العبث، إنه تعالى منزَّه عن العبث.
ثالثاً: ثبت في النصوص القاطعة أن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها، ولا يكلِّف نفساً إلا ما آتاها، ومن لا يملك حرية الإرادة في اختيار عمله لا يكون هذا الاختيار من وسعه، ولا يكون هذا الاختيار مما آتاه الله، فالله لا يكلِّفه لو كان كذلك.
ولما ورد التكليف علمنا أن هذا الاختيار من وسعه ومما آتاه الله إياه، فسقط ادعاء الإجبار.
رابعاً: ليس من العدل ولا من الحكمة أن يؤاخذ الله مخلوقاً على عمل لم يكن هذا العمل مظهراً من مظاهر اختيار المخلوق وإرادته، ولذلك نلاحظ في النصوص الدينية أن المؤاخذة والجزاء مقرونان بالأعمال الإرادية، ومتى سلبت الإرادة عن عمل من الأعمال ارتفع التكليف، وارتفعت المسؤولية.
وقواطع النصوص تبين هذه الحقائق.
منها قول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي? أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
أي: يؤاخذكم بما حلفتم من أيمان ناتجة عن كسب قلوبكم، وكسب القلوب هو توجه الإرادة، فارتفعت المؤاخذة عما كان من لغو الألسنة ولم يكن من كسب القلوب.