← Общие книги

Общие книги · id 12725

صراع مع الملاحدة حتى العظم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (445 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نصيره من أبناء القرن العشرين ومن قبله باطنيون شوهوا صورة المفاهيم الإسلامية بأباطيلهم وفلسفاتهم، ووضعوا من عندهم قصصاً خرافية، أفسدوا فيها حقائق الإسلام الصافي، فاكتشفوا فهماً جديداً لم يستطع أن يتوصل إليه أصحاب العلاقة أنفسهم. ثم تابع سيادة الناقد شرح فكرته، فقال: "أراد الله للملائكة أن يقدسوه وأن يسبِّحوا باسمه؛ لذلك كان السجود لآدم وقوعاً فيما يضيفه أهل الشرك إلى الذات الصمدية مما هي منزهة عنه، إذ إن السجود لغير الله لا يجوز على الإطلاق لأنه شرك به. في الواقع يثير اختيار إبليس سؤالاً هاماً جداً هو: هل تكمن الطاعة الحقيقية في الإذعان للأمر؟ أم في الخضوع للمشيئة؟ هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق أم لواجب الطاعة الجزئية؟ لو كان الجواب على هذا السؤال بسيطاً وواضحاً لما وجدت المأساة في حياة الإنسان، ولما وجد إبليس نفسه في هذه المحنة، ولما وقع بين براثن الأمر والمشيئة. نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى وأنقى تجلياته". مغالطات الناقد هنا تعتمد على التلاعب بالمفاهيم الإسلامية لتشويه صورتها، وترتيب النقد ترتيباً يناسب هذه الصورة المشوهة. ولنا في كشف مغالطاته هذه وجهان: الوجه الأول: أن أوامر الله لا تتناقض، فلا يمكن أن ينهى عن عبادة غير في الوقت الذي يأمر فيه بعبادة غيره، ولا يمكن أن يأمر بعبادة غيره في الوقت الذي ينهى فيه عن عبادة غيره. إذا تقررت لدينا هذه الحقيقة علمنا أن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ليس أمراً بعبادته قطعاً، لأن الله نهى عن الشرك به. ويمكن تفسير أمر السجود بعد هذا بأنه سجود احترام لا سجود عبادة، ويمكن تفسيره أيضاً بأنه سجود عبادة لله تعالى، وكان آدم في هذا السجود قبلة التوجه الجسدي فقط، كما أن الكعبة قبلتنا حينما نعبد الله في الصلاة.

стр. 317

الوجه الثاني: أن أصل الشرك بالله هو اعتقاد أنه يوجد إله غير الله ينفع أو يضر أو يستحق العبادة لذاته، ولهذا الشرك تعبيرات قولية أو عملية. والتعبيرات القولية تدل بوضعها اللغوي الاصطلاحي على مدلولاتها، فإذا قالها قائل قاصداً لمعانيها وفق مصطلحاتها اللغوية دل على أنه قد أشرك بالله في عقيدته. والتعبيرات العملية تدل أيضاً بوضعها الاصطلاحي المتعراف عليه على مدلولاتها الاصطلاحية، فإذا فعلها فاعل قاصداً مدلولاتها الاصطلاحية المتضمنة معنى الشرك باله في العبادة دل على أنه قد أشرك بالله. وهنا نلاحظ أن حركات العبادة لله تعالى حركات لا تختص في الاصطلاح بمعاني العبادة ما لم تقترن بما يدل على أنها عبادة، من نية في النفس، أو هيئة تركيبية خاصة في صورة معينة، ذات مراسيم وأقوال خاصة، كالصلاة ذات الركوع والسجود والقراءات والأذكار والأدعية، وكالطواف حول الكعبة، وكالسعي بين الصفا والمروة، ونحو ذلك. وقد كان الركوع والسجود عند كثير من الأمم والشعوب القديمة تعبيراً عن الاحترام والتقدير، وليس تعبيراً عن عبادتهم لمن يسجدون أو يركعون له، كما تكون صورة الركوع أو السجود لأعمال عادية بحتة، أو أعمال رياضية. ومن سجود الاحترام والتقدير سجود إخوة يوسف له. ومن هذا يظهر لنا بوضوح أن عملية السجود ليست تعبيراً ملازماً لمعنى العبادة في كل الأحوال، أو في كل المصطلحات، ولذلك كان من يسجد صورة لله وهو في قلبه ونفسه غير ساجد له فإنه لا يكون لله عابداً. فلا بد من التعبير المادي من أن يكون مقترناً بالنية التي تحدد القصد منه، والملائكة لم يقترن سجودهم لآدم بنية عبادة له مطلقاً، وإنما كانوا يعبدون الله الذي أمرهم بالسجود، ولا يشركون بعبادته أحداً، ولو سجد إبليس لكان سبيله سبيلهم.

стр. 318

نعم لا نجيز في الشريعة الإسلامية السجود لغير الله، ولو على سبيل الاحترام لا على سبيل العبادة، لأن الشريعة الإسلامية التي جاءت خاتمة الشرائع الربانية قد منعت من ذلك، فنحن نتَّبع أحكامها، وسر المنع دخول مفاهيم الشرك بالله في الواقع الإنساني الجاهلي، واتخاذ هذا الشرك طابع عبادة غير الله بالسجود والدعاء والقرابين ونحو ذلك، فلما نزلت شرائع الإسلام منعت هذه الظاهرة كلها سداً للباب، ولم يكن هذا الشرك ولا تعبيراته ولا مصطلحاته معروفة لا عند الملائكة ولا عند إبليس، حتى يجعله سيادة الناقد واقعاً في تصور إبليس، ولذلك رفض السجود لآدم. وهكذا تظهر لنا مغالطته في نقل مصطلحات حديثة إلى زمن لم يكن فيه للشرك وجود مطلقاً، والمغالطة هنا تعتمد على تعميم المصطلحات الزمنية وجعلها مصطلحات ثابتة من الأزل إلى الأبد. مع أن لكل زمن مصطلحاته، ولكل أمة مصطلحاتها، والثابت إنما هي المعاني الحقيقية التي يُدَلُّ عليها بأي مصطلح قولي أو عملي، أو أي وسيلة أخرى من الوسائل التي تدرك بالسمع أو بالبصر أو باللمس أو بغيرها. لقد تأكد لدينا بعد هذا البيان أن التناقض في الأوامر الإلهية مستحيل بداهة، وممنوع قبوله في المفاهيم الدينية، ولا يقع هذا التناقض إلا في ذهن جاهل أساء الفهم أساء التصور، أو في أقوال مضلِّل هدفه أن يشك الناس بدينهم. (٥) ويدَّعي الناقد (د. العظم) وجود التناقض بين الأمر الإلهي والمشيئة الإلهية، فيقول في الصفحة (٨٩) من كتابه: "لقد شاء الله وجود أشياء كثيرة غير أمر عباده بالابتعاد عنها، كما أنه أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى، لذلك باستطاعتنا القول بأن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولكنه شاء له أن يعصي الأمر، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه، إذ لا حول ولا قوة للعبد على ردِّ المشيئة الإلهية".

стр. 319

هذا كلام يخدع بظاهره، ولكنه يتضمن مفاهيم فاسدة مأخوذة من مفاهيم الجبريين، ومذهب الجبريين مذهب فاسد استغله "سيادة" الناقد هنا، ليظهر أن الصفات الإلهية في مفاهيم المسلمين قد تتناقض، وأن المسلمين يقبلون فيها هذا التناقض، ثم ليتخذ كل ذريعة لنقض قضية الإيمان من أساسها. لقد أوضحنا فيما سبق أن المشيئة الإلهية لا تتناقض مع نفسها بحال من الأحوال، فلا يمكن أن تتوجه مشيئتان متناقضتان لشيء واحد في وقت واحد. فإذ تتوجه المشيئة الإلهية لإيجاد الكون في وقت معين، يستحيل عقلاً وواقعاً أن تتوجَّه هذه المشيئة نفسها لعدم إيجاد الكون في ذلك الوقت، والمشيئة النافذة هي المشيئة وغير النافذة ليست بمشيئة. وإذ تتوجه المشيئة الإلهية لمنح الإنسان حرية الإرادة في اختيار سبيله في الحياة، يستحيل عقلاً وواقعاً أن تتوجه هذه المشيئة لسلب هذا الإنسان حرية الإرادة، وجعله مجبراً على اختيار سبيله في الحياة. وهكذا في كل مشيئة كلية وجزئية، ولكن لا بد من ملاحظة ضوابط التناقض المنطقية، حتى يتحقق الامتناع العقلي، وتتحقق الاستحالة المذكورة، وذلك بأن يتوارد السلب والإيجاب على حكم اتحد فيه الموضوع والمحمول والزمان والمكان وسائر الوحدات المنطقية التي لها صلة أساسية في وحدة الموضوع والمحمول، وحين ينعدم هذا الاتحاد يسقط التناقض أصلاً. وذلك كأن نقول: الإنسان ممنوح حرية الإرادة في أعماله التي يعتبر مسؤولاً عنها، مسلوب حرية الإرادة في أعماله غير الإرادية التي لا يعتبر مسؤولاً عنها، كالرعشات، وحركاته وهو نائم وما يجري فيه من تغيرات وتطورات حياتية لا تتحكم إرادته بها، فهذا ليس بتناقض لأنه لم يتوارد السلب والإيجاب على متَّحد الوحدات المنطقية. ومعلوم في الأوليات المنطقية أنه متى انفكَّت الجهة واختلَّت ضوابط الوحدة انحلَّ التناقض. ولنفي الرأي الجبري، وإثبات أن الله منح الإنسان حرية الإرادة في كل

стр. 320

أعماله الإرادية التي يعتبر مسؤولاً عنها ومحاسباً عليها، وفي كل وجوده نشاطه الذي هو ساحة تكليفه في الحياة، وساحة اختباره وامتحانه، تتضح لنا الأدلة التالية: أولاً: كل مخلوق يوضع موضع الامتحان فلا بد أن يكون حر الاختيار بين أكثر من طريق أو أكثر من عمل وإلا لم يكن للامتحان مغزى، وكان عبثاً من العبث، ولا يفعل هذا عالم حكيم. ثانياً: يستحيل عقلاً أن يتوجه أمر التكليف الإلهي لكائن لا يملك في نفسه القدرة على اختيار الطاعة، وذلك لأن الله جلَّ وعلا حكيم، ولا يوجه أوامر التكليف لمجرد العبث، إنه تعالى منزَّه عن العبث. ثالثاً: ثبت في النصوص القاطعة أن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها، ولا يكلِّف نفساً إلا ما آتاها، ومن لا يملك حرية الإرادة في اختيار عمله لا يكون هذا الاختيار من وسعه، ولا يكون هذا الاختيار مما آتاه الله، فالله لا يكلِّفه لو كان كذلك. ولما ورد التكليف علمنا أن هذا الاختيار من وسعه ومما آتاه الله إياه، فسقط ادعاء الإجبار. رابعاً: ليس من العدل ولا من الحكمة أن يؤاخذ الله مخلوقاً على عمل لم يكن هذا العمل مظهراً من مظاهر اختيار المخلوق وإرادته، ولذلك نلاحظ في النصوص الدينية أن المؤاخذة والجزاء مقرونان بالأعمال الإرادية، ومتى سلبت الإرادة عن عمل من الأعمال ارتفع التكليف، وارتفعت المسؤولية. وقواطع النصوص تبين هذه الحقائق. منها قول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي? أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي: يؤاخذكم بما حلفتم من أيمان ناتجة عن كسب قلوبكم، وكسب القلوب هو توجه الإرادة، فارتفعت المؤاخذة عما كان من لغو الألسنة ولم يكن من كسب القلوب.

стр. 321

ومنها قول الله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ومن هذا يظهر لنا ارتفاع المؤاخذة عن الأخطاء التي تخرج عن دائرة سلطة الإرادة، مما لا يملك الإنسان دفعه، وأن المسؤولية رهن بما تعمدت القلوب من أعمال، وما تعمدته القلوب هو ما توجهت الإرادة لفعله. فإذا أضفنا إلى هذا قول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا..﴾ . وقول الله تعالى في سورة (الطلاق/٦٥ مصحف/٩٩ نزول) : ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ . وقوله الذي تكرر في (الأنعام والأعراف والمؤمنون) : ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ . تبين لنا أن ورود التكليف يستلزم وجود الاستطاعة حتماً، وأول عناصر الاستطاعة وجود الإرادة الحرة، وتبين لنا أن المؤاخذة ترتفع متى سلبت الإرادة، لأن التكليف يرتفع حكماً عند سلبها، فلا يمكن أن يوجد في الواقع تناقض بين مقتضيات المشيئة الإلهية، وبين مقتضيات أمر التكليف الإلهي. والرأي الجبري الفاسد يدَّعي سلب الإرادة مع أن التكليف متوجه، وأن المؤاخذة بعد ذلك متوجه، وهذا معارض للنصوص القرآنية، ومعارض لمنطق العقل وبديهته، وهذا الرأي الجبري هو ما استغله سيادة الناقد لنقض قضية الدين، مع أنه ليس هو الإسلام، ولا فهم جمهور المسلمين، وإنما هو رأي مرفوض تماماً. فكل نقاش بناه "الناقد" على هذا الرأي المرفوض نقاش ساقط لا قيمة له.

стр. 322

وكل الأقوال التي استشهد بها من أقوال الجبريين أقوال ساقطة مرفوضة، لا تمثل الحقيقة الإسلامية في هذا الموضوع، فلا حاجة إلى استعراضها وبيان فساد مضامينها، لأنها مبينة على فاسد، وكل ما بني على فاسد فهو فاسد. ويسأل الجبريون فيقولون: هل يفعل العاصي إذن معصيته معانداً لإرادة الخالق أم موافقاً لها؟ ونقول في الجواب: إن تصوير السؤال على هذا الوجه فيه مغالطة، فالقضية لا تقع فقط بين احتمالين اثنين، ولكنها تقع بين احتمالات ثلاثة وهي: الاحتمال الأول: توجيه المشيئة الإلهية لإجبار المخلوق على الطاعة. الاحتمال الثاني: توجيه المشيئة الإلهية لإجبار المخلوق على المعصية. الاحتمال الثالث: توجيه المشيئة الإلهية لجعل المخلوق ذا إرادة حرة غير مجبرة. وقد توجهت المشيئة الإلهية فعلاً إلى اختيار الاحتمال الثالث بالنسبة إلى الناس والجن، فاستحال أن تتوجه إلى أضدادها. وحينما يختار المخلوق أمراً مما جعل الله له فيه سلطة الاختيار فإن اختياره لذلك الأمر لا يعتبر بحال من الأحوال معانداً لإرادة الله في كل شيء، لأن الله تعالى هو الذي أراد أن يمنحه سلطة الاختيار ليمتحنه، كما أنه لا يقتضي أن يكون الله جلَّ وعلا هو الذي أجبره على أن يختار هذا الاختيار، ولا يقتضي أيضاً أن يكون الله جلَّ وعلا راضياً عن كل ما يختاره المخلوق ذو الإرادة الحرة. ويظهر لنا هذا الموضوع تماماً في تجاربنا الإنسانية، فإن من نمنحه حرية التصرف في عمل ما، قد يفعل ما يسرنا ويرضينا، وقد يفعل ما يسوؤنا ويغضبنا، مع إمكاننا أن نعزله عن ذلك العمل، ونسلبه حرية التصرف فيه، ولا يكون عمله معانداً لإرادتنا، بل قد نمد له، ونبقي له طاقة العمل وساحة التنفيذ بين يديه، لنمتحنه ونختبره، وقد نوبخه ونؤدبه، وقد ننذره ونحذره، حتى يحين وقت مؤاخذته، ونحن في كل ذلك نشاهد سوء تصرفه، وقد نرى من الحكمة أن لا نعارضه، وأن لا نضع

стр. 323

العراقيل في طريقه، أو نكفه عن العمل الذي منحناه فيه حرية التصرف، وقد نرى من الحكمة أن نملي له، ليصلح من تصرفه ويقوِّم من سلوكه، حتى يجتاز الامتحان بنجاح، وعملنا هذا لا شيء فيه من التناقض، بل هو من مقتضيات الحكمة التي تقتضيها ظروف الامتحان الأمثل. (٦) بعد أن صنع (د. العظم) التزييف الذي أراده، واستند إلى المفاهيم الجبري والباطنية الباطلة الفاسدة، ووضع المقدمات التي أقامها على الكذب والمغالطة، انتهى إلى شتيمة الخالق جلَّ وعلا، ووصفه بالمكر والمخادع والاستهزاء، وفق الصور والمفاهيم القبيحة التي لا تليق بالمخلوق فضلاً عن الخالق، وتلاعب بمفاهيم النصوص الواردة في هذا المجال وفق خطته التي عرفناها في كل جدلياته ومغالطاته. وفي الرد عليه أكتفي هنا بعرض المفاهيم الإسلامية الصحيحة ليظهر منها فساد كل ما انتهى إليه، وفساد كل ما استند إليه. لقد استشهد بطائفة من النصوص القرآنية وفسرها على ما يهوى، تفسيراً مخالفاً لدلالتها الحقيقية. فمن النصوص التي استشهد بها قول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وقول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وقول الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) :

стр. 324

﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي? آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أورد هذه النصوص واستغلها لينسب إلى الله تعالى صفة ذميمة قبيحة يريد أن يفهمها هو من لفظة المكر. وإذا أردنا أن نحقق تحقيقاً لغوياً في أصل معنى المكر، وجدنا أن معناه هو تدبير أمر في خفاء عمن دبر له أو عليه، وهذا التدبير هو بحد ذاته ليس فيه ما يذم، وإنما هو لون من الحكمة الداعية إلى كتمان الأمور وإخفائها، ولكن قد يكتسب المكر الذم من غايته، فإذا كانت الغاية منه شراً كان مكراً مذموماً، وإذا كانت الغاية منه خيراً كان مكراً محموداً، وهو يدل على الحكمة في التصرف. فهو على المعنى وسيلة من الوسائل التي تستعمل في الخير فتكون خيراً، وتستعمل في الشر فتكون شراً، كسائر الوسائل التي لا شر فيها لذاتها، وإنما تكتسب الشر حينما تستعمل في الشر، وتكتسب الخير حينما تستعمل في الخير. فالمكر قد يكون مكراً محموداً إذا كان الأمر الذي دبر فيه مؤدياً إلى نتيجة محمودة، وقد يكون مكراً مذموماً إذا كان الأمر المدبر فيه مؤدياً إلى نتيجة مذمومة، وتدبير الأمر في الخفاء لا يوصف لذاته بحسن أو قبح، بل ربما كان أصله أقرب إلى المدح منه إلى الذم، لأنه من الكتمان الحكيم. ونستطيع أن نصور المكر المحمود الذي يستعمل في الخير بأمثلة كثيرة. حينما تدبر أجهزة مطاردة المجرمين أمورها في خفاء وكتمان وسرية تامة، لتظفر بالقبض على المجرمين الذين يتوارون في جرائمهم عن أعين السلطة الحاكمة العادلة، ويدبرون مكايدهم الشريرة في الظلمات، ثم تقبض عليهم من حيث لا يشعرون، وتمكر بهم حتى تأخذهم وهم متلبسون بالجريمة، أفيكون مكر هذه الأجهزة مكراً في الخير أم مكراً في الشر؟ وحينما يرى الأب أن أحد أولاده جنح عن طريق الهداية، وسلك مسالك الشر والفساد، مسالك هلاكه وشقائه، ولم تُجْدِ فيه النصائح والمواعظ ووسائل

стр. 325

التربية الظاهرة، أفلا يرى من الخير الإصلاح ولده أن يدبر له وسيلة تربوية خفية يتَّعظ فيها بنفسه، حتى يستقيم ويرتدع؟ إن الأب في ذلك يمكر بولده مكراً محموداً، وهو بذلك يفعل خيراً. وباستطاعتنا أن نصور المكر المحمود والمكر المذموم في قصة نتخيلها. إنسان عنده قصر عظيم، طمع به اللصوص، فدبروا أمراً في الخفاء أن يأتوا بليل، ويحتفروا أحد جدران القصر ويدخلوا إليه، ويسطوا على ما فيه من مال ومتاع، ويقتلوا من فيه. وعلم صاحب القصر بما دبروا، وعرف الجدار الذي عزما على نقبه، فدبر خطة في الجدار يهلكون فيها بأيديهم دون أن يقاتلهم أحد من رجال القصر. ولما حان الوقت المقرر فيما بينهم جاءوا متسللين ظانين أن أحداً لا شيعر بهم، ولكن صاحب القصر وأعوانه يراقبون كل حركة من حركاته، وهم في مكان يرون فيه اللصوص من حيث لا يرونهم، وأخذ اللصوص ينقبون الجدار حسب الخطة المدبرة، ولما زعموا أنهم كادوا يظفرون بما يريدون انقضَّ عليهم الجدار فهلكوا تحت أنقاضه. لقد مكروا بزعمهم ومكرهم شر، ولكن المكر في الحقيقة لصاحب القصر ومكره خير، لأن غرضه من مكره أن يمنعهم من فعل الشر، وأن يجازيهم عليه بأيديهم ويريح الناس من شرورهم. وكذلك مكر الله، وهو خير الماكرين، لأنه لا يمكر إلا بخير، وسبحان الله وتعالى عما يصفون. هذا ما يتعلق بصفة المكر، أما صفة الاستهزاء، فقد استشهد الناقد (د. العظم) لها بقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ واقتطع هذا النص اقتطاعاً عن سياقه، وطوى الكلام الذي قبله ليضلل به، بعد أن يشوه المعنى المراد، ولو كان باحثا ًمنصفاً يريد أن يفهم المراد من النص

стр. 326

حقاً لم اقتطع الكلام بعضه عن بعض، ولظل محتفظاً بالأمانة العلمية والنزاهة، لأنه يعلم أن مثل هذا الاقتطاع خيانة علمية تؤدي إلى التشويه وإفساد المعاني، حتى ولو كان هذا الباحث غير مؤمن بالكلام ولا بقائله، فأخلاق البحث العلمي لا تسمح بالتلاعب بالنصوص، لا بتغييرها، ولا بتحريف ألفاظها، ولا باقتطاع المترابطات وتجزئتها، ولا بتحريف معانيها وتشويهها، وتحويلها عن دلالاتها الأصلية المقصودة، ولا بأي شيء آخر مفسد لها. فإذا قرأنا سوابق هذا النص الذي استشهد به (د. العظم) تغير المعنى القبيح الذي أراد أن يصوره، وحل محله معنى جميل دل عليه النص في واقع الأمر. لقد تحدث الله عن المنافقين وعرض طائفة من صفاتهم وأفاض في بيان هذه الصفات، حتى أبان من صفاتهم صفة الاستهزاء بالذين آمنوا، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُو?اآمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُو?اْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فالمنافقون هم الذين يعاملون الحق بالاستهزاء، فيتظاهرون بأنهم مع المؤمنين وهم بالحق وبالمؤمنين يستهزئون، لأن قلوبهم مع الكافرين. وبما أن أعدل الجزاء وأوفاه هو ما كان من جنس العمل كانت الحكمة تقضي بإعلان أنهم معاقبون بالاستهزاء، جزاء استهزائهم، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم فيعاقبهم عقاباً من جنس عملهم، وهذا غاية في العدل. وهنا لا بد أن يلاحظ القارئ كيف شوّه سيادة الناقد ما هو غاية في العدل في ميادين الجزاء، فجعل الاستهزاء صفة من صفات الله تعالى في معاملة عباده، واقتطع النص عن سوابقه ولواحقه ليموِّه على قارئ كلامه، فيتشكك بالحقائق الدينية.

стр. 327

ونظير ذلك استشهاده بقول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... ﴾ . ففي هذا النص يبين الله تعالى أن عقاب هؤلاء المخادعين هو من جنس عملهم، وفيه معنى آخر صرَّحت به الآية التي في أوائل سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وهذا المعنى يتلخص بالحقيقة التالية: إن من يخدع من لا يُخدع إنما يخدع نفسه، فالمنافقون يتصورون بنفاقهم أنهم يخادعون الله، لكن الله ﵎ لا تنطلي عليه حيلهم، ولا تجوز عليه مخادعتهم، إنه يعلمهم تماماً ظاهراً وباطناً، ولكن بحكمته يمهلهم ويملي لهم، فيظنون أن خديعتهم قد نفذت، وأن حيلتهم قد انطلت، فيتابعون مسيرتهم الآثمة في الخداع، ثم يأخذهم الله بعقابه، يجازيهم بعدله، وعندئذٍ يتبين لهم أنهم لم يخدعوا الله، ولكنهم كانوا يخدعون أنفسهم، فأسلوب الله في معاملتهم جعل خديعتهم تنقلب عليهم، وفي هذا غاية العدل في الجزاء، وهو أن يكون عقاب الإنسان بيد نفسه، وأن يكون السلاح الذي قذفه على غيره ظالماً له ارتد عليه فأصابه بمثل القوة التي قذفه بها. واستشهد الناقد بقول الله تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ وقال في شرح هذا النص في الصفحة (١٢٢) من كتابه: "كان قد شاء تدمير القرية، ولكن لئلا يكون للعباد عليه حجة فيما شاء لجأ إلى المكر، فأمر مترفيها أن يفسقوا حتى يبدو للجميع وكأن القرية استحقت ذلك التدمير. بينما الحقيقة غير ذلك" ...

стр. 328

هكذا حوَّر النص تحويراً شائناً , وحرَّف معناه تحريفاً مناقضاً تماماً لأصل معناه، وبيان ذلك فيما يلي: أولاً: إن الله تعالى لا يأمر المترفين بأن يفسقوا، ولكنه يأمرهم بأن يؤمنوا ويعملوا صالحاً، فيفسقون ويخالفون أمر الطاعة، فمن صفات أمر الله ونهيه أنه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. فمن أين أدخل "الناقد" المحرِّف أن الله يأمر المترفين أن يفسقوا والله قال: ﴿أمرنا مترفيها﴾ ثم قال: ﴿ففسقوا فيها﴾ ، ومعلوم بداهةً مثل هذا الكلام يفيد أنهم عصوا الأمر ففسقوا، لذلك استحقوا العقاب على عصيانهم. وإذا أردنا أن نقدر في النص محذوفاً فأي قارئ عربي يستطيع بداهةً أن يعرف أن المأمور به المحذوف هو ما أمر الله به في شرائعه من الإيمان وعمل الصالحات. وليس ما حرَّفه سيادة "الناقد" من تقدير (أن يفسقوا) بدل (أن يؤمنوا ويعملوا الصالحات) . ثم إن ترتيب الجزاء إنما يكون على عصيان الأمر كما هو معلوم بالبديهة، لا على طاعة الأمر. فلا يستهن بالقارئ العربي هذه الاستهانة، وليعلم أن ما يتلاعب به مكشوف للجميع! ثانياً: جاءت هذه الآية تعقيباً على قوله تعالى: ﴿ ... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . أي: لا يهلك الله القرى الظالمة التي استحقت الإهلاك بجرائهما حتى يبعث الله إليها رسولاً، فيأمرهم هذا الرسول بالطاعة، فيعصي مترفوهم والملأ منهم. ويتبعهم حكماً وتقليداً من دونهم، فيحق عليهم قانون الجزاء، فيهلكهم الله ﵎ جزاء وفاقاً. وهكذا ظهر لنا بوضوح تلاعب "سيادة الناقد" بمعاني النصوص الدينية،

стр. 329

وبالحقائق كلها، ليؤيد مذهبه، ويدعم قضية الإلحاد والكفر بالله، محارباً قضية الإيمان والاستقامة على الخير والفضيلة. وأترك القارئ الحصيف الواعي أن يحكم له أو عليه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فعند الله جزاء لمن آمن وجزاء لمن كفر.

стр. 330

الفصل الحادي عشر الكفر والكافرون

стр. 331

اقتباساً من المفاهيم الدينية، ودلالات النصوص القرآنية كتبت هذا الفصل عن الكفر والكافرين لأكشف به حقيقة الكفر، وواقع حال الكافرين، وأسباب كفرهم ودواعيه، ومناخ نمائه ونشاطه، وموقف المؤمنين منهم، وموقفهم من المؤمنين، وجدلياتهم، وأنواع عقوباتهم العاجلة والآجلة التي حذرهم الله منها إذا استمروا على كفرهم. (١) ما هو الكفر؟ أصل معنى الكفر في اللغة التغطية الكاملة والستر التام، يقال للابس السلاح الذي غطاه السلاح تغطية كاملة: كافر، لأنه ستر جسمه به ستراً كاملاً، ويقال للزارع: كافر، لأنه يدفن الحب في الأرض فيغطيه بالتراب تغطيه كاملة، ومنه قول الله تعالى في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) : ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ..﴾ . ويقال لليل المظلم: كافر، لأنه يستر بظلمته كل شيء، ويقال: كفر الليل الشيء وكفر عليه إذا غطَّاه، ويقال للبحر: كافر، لأنه يستر ما فيه، وهكذا تدور الكلمة في اللغة حول الستر والتغطية. واستعملت هذه الكلمة في الاصطلاح الديني للدلالة على ما يقابل الإيمان، والداعي إلى تسمية إنكار الحق الديني كفراً، أنه قائم على ستر أدلة الإيمان العقلية والفطرية الوجدانية. فالإيمان هو التصديق، والكفر عدم التصديق، وكل إيمان بشيء يستلزم كفراً بنقيضه، لذلك فكل مؤمن بالعقيدة الإسلامية الصحيحة كافر بنقيضها وبكل

стр. 332

مستلزمات هذا النقيض، ولذلك كان الإيمان بالله يقتضي الكفر بالطاغوت اقتضاءً حتمياً. وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فلا يتم إيمان المؤمن حتى يكفر بكل الطواغيت ويؤمن بالله، ولذلك اشتملت عبارة التوحيد على السلب والإيجاب (لا إله إلا الله) ، فهي تشتمل على الكفر بكل إله سوى الله وعلى الإيمان بالله وحده لا شريك له. أما غير المؤمنين بالعقيدة الإسلامية إيماناً صحيحاً فقد عكسوا القضية، فآمنوا بالباطل وكفروا بالحق، سواء أكان ذلك بصفة كلية لجميع أركان العقيدة الإسلامية، أو بصفة جزئية، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) : ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ويقول الله تعالى في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ . وحين تطلق كلمة الكفر ومشتقاتها في الاصطلاح الديني فالمراد منها الكفر بما يجب الإيمان به، أو يجب الإذعان والخضوع له، إلا أن توجد قرينة تصرف إلى معانٍ أخرى تتصل بالمعنى اللغوي ككفر النعمة، وكفر العشير، ونحو ذلك. فمن أنكر الإسلام ولم يقبل ما جاء فيه من حق فهو كافر، ومن أنكر أي شيء ثابت في الإسلام بصفة قطعية فهو كافر، لأنه جاحد دين الله مكذِّب لرسوله فيما جاء عن ربه.

стр. 333

فجحود بعض اليقينيات الدينية يكفي للحكم بالكفر، ولا يتوقف الحكم بالكفر على إنكار الدين كله، لأن العقيدة الإسلامية متماسكة الأركان، متماسكة العناصر تماسكاً كاملاً من جميع الأطراف، وهي كلٌّ لا يقبل التجزئة، فمن أنكر بعضها مما هو ثابت بيقين فهو بها كافر، ومن كذَّب الرسول بشيء قد ثبت عنه يقيناً فقد كفر بنبوته، ومن كفر بنبوة الرسول فقد كذب شهادة من أرسله، وهكذا تتسلسل نواقض عناصر الإيمان، حتى تصل إلى الجذر الأساسي فتنقضه وهذا هو الكفر الأكبر. والكفر دركات بعضه أشد من بعض، وبعضه أقبح من بعض، والإلحاد القائم على إنكار الخالق إنكاراً كلياً أشد وأقبح أنواع الكفر. * أصناف الكافرين: إذا أحصينا أحوال الكافرين وجدناهم أصنافاً لا صنفاً واحداً. الصنف الأول: الضالون فكرياً، وهم الذين ضلوا سبيل المعرفة الإيمانية الحقة، وأعماهم التعصب عن رؤية الحق وإن بُيِّن لهم، فهم لا يستجيبون لداعي الحق مهما لفت أنظارهم إليه، لأنهم غير مستعدين نفسياً لتغيير عقائدهم الضالة، ويظلون يؤمنون بالباطل ويزعمونه حقاً. فهؤلاء هم الكافرون الضالون، وهم على مستويات بعضها أخس من بعض. الصنف الثاني: المنحرفون نفسياً والجانحون جنوحاً أخلاقياً، وهم الذين يعرفون الحق، ولكنهم يصرون على مخالفته بدافع من الكبر أو الهوى أو التعصب أو بدافع من ضغط البيئة الاجتماعية وخوف انتقادها ولومها أو ضغط القادة المضلين أو خوف فوات منافع جارية ومصالح قائمة، أو نحو ذلك فهم من أجل ذلك يصرون على الكفر أو يسيرون في ركب الكافرين. وهؤلاء هم الكافرون المغضوب عليهم، وهم شر مكاناً وأقبح كفراً، لأنهم يعرفون وينحرفون فلا يعترفون، وهم على مستويات بعضها أخس وأقبح من بعض. الصنف الثالث: منافقون من فئة الضالين فكرياً.

стр. 334

الصنف الرابع: منافقون من فئة المنحرفين نفسياً الجانحين جنوحاً أخلاقياً. والمنافقون مخادعون جبناء يتظاهرون بالإسلام نفاقاً، ويبطنون كفرهم القائم على الضلال، أو القائم على الانحراف والإصرار على الباطل، وهؤلاء في الدرك الأسفل من دركات الكفر، لأنهم قد جمعوا قبح الكفر وقبح النفاق وما يلازمه من صفات الكذب والخداع والاستهزاء وغير ذلك من صفات المنافقين. والنصوص القرآنية قد أوضحت أصناف الكافرين، واشتملت فاتحة الكتاب على ذكر المضلين والمغضوب عليهم، وهو يعم منافقي هذين الصنفين، وبسط القرآن أحوال أصناف الكافرين في مواضع كثيرة، وكشف صفاتهم وأعمالهم ببيانات مستفيضة. * من يُحكم عليهم بالكفر؟ تطبيقاً للمفاهيم الإسلامية التي تحدِّد مواقع الكفر نستطيع أن نحكم بالكفر حكماً إسلامياً على من جحد بذات الله أو بصفات الثابتة بيقين، أو جعل مع الله إلهاً آخر، أو أنكر رسالة محمد ﷺ أو جحد بآيات الله وكتابه أو بشيء منه ثابت فيه بيقين، أو كذَّب الرسول بشيء مما بلَّغه عن ربه وثبتت نسبته إليه بيقين ثبوتاً قطعياً، أو أنكر شيئاً من أركان الإيمان، أو أركان الإسلام، أو جحد بحقيقة ثابتة في الإسلام ثبوتاً قطعياً. لذلك حكم الله بالكفر على الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، فقال تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُو?اْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي فالذي لا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه إذا أراد الله أن يهلكه كيف تدَّعي له الإلهية، والإلهية هي للرب الخالق لا للعبد المخلوق.

стр. 335

والمسيح عيسى ﵇ أمر قومه في دعوته لهم بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأوضح لهم أن الله ربه وربهم، خلقه كما خلقهم، وأوضح لهم أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه جهنم بسبب كفره وظلمه الكبير، قال الله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُو?اْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي? إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ وحكم الله بالكفر على الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة لأنهم جحدوا إحدى الحقائق الكبرى من حقائق الإيمان، وهي حقيقة أن الله واحد وليس مركباً من ثلاثة، فقال ﵎ عقب الآية السابقة: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُو?اْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ اله إِلاَّ اله وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وناقش الله أصحاب عقيدة التثليث بقوله بعد ذلك: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهذه المناقشة تقوم على إثبات البشرية للمسيح وأمه، استناداً إلى بعض أوصافهما البشرية المعروفة فيهما، إذ كانا يأكلان الطعام، ومن يأكل الطعام لا يمكن عقلاً أن يكون إلها ً، ومن كان بشراً مخلوقاً فإنه لا يملك لمن يعبده ضراً ولا نفعاً، ومن لا يملك نفعاً ولا ضراً فإنه لا يستحق أن يتقرب إليه بالعبادة. وحكم الله بالكفر على الذين كذَّبوا بالقرآن، فقال تعالى في سورة (فصِّلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) :

стр. 336

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فجعل سبحانه تكذيبهم بالقرآن كفراً، وناقشهم في السورة نفسها بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ وحكم الله بالكفر على من كذب الرسول محمداً أو غيره من رسل الله صلوات الله عليهم أجمعين، ففي شأن المنافقين قال الله لرسوله في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذالِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فجعل تكذيبهم للرسول، كفراً لأنه في حقيقته تكذيب لله وكفر به وكفر بآياته. وحكم الله بالكفر على من كذَّب بيوم الدين، فقال تعالى في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَائِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالعقيدة الإسلامية لا تقبل التفريق في الإيمان بين أركان الإيمان، أو بين عناصر الركن الواحد، والإيمان غير قابل للتجزئة والتفريق، بأن يؤمن الإنسان ببعض العناصر ويكفر ببعضها؛ ومن فعل ذلك كان كافراً غير مؤمن، وهذا ما أعلنه القرآن بقول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :

стр. 337

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذالِكَ سَبِيلاً * أُوْلَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً * وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ أُوْلَائِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ففي هذا دليل واضح على أن الإيمان لا يقبل التفريق بين أركانه. وخاطب الله بني إسرائيل بقوله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿ ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذالِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الّعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفي هذا النص دليل واضح أيضاً على أن عناصر الإيمان لا تقبل التفريق. فالإيمان وحدة متماسكة متى انفكت عروة من عراها انحلت سائرها وانفرط عقدها. (٢) حرص الإسلام على إيمان الناس وإنقاذهم من الكفر وشروره من روائع مضمون رسالة الإسلام أنها تحرص أشد الحرص على إيمان الناس وهدايتهم، رغبة بإنقاذهم ونجاتهم وسلامتهم وسعادتهم. وقد حث الإسلام المؤمنين به على إرشاد الناس ودعوتهم إلى الإيمان والعلم الصالح، وسلوك سبيل الحق والخير والفضيلة، وعلى قتالهم في بعض الأحوال لإزالة الموانع من نفوسهم، أو لإزالة الموانع من طريق إيمانهم، لإنقاذ من يمكن إنقاذه من صفوفهم، حتى يكونوا مع المؤمنين من أهل دار النعيم سعداء راضين مرضيين، لا من أهل نار الجحيم أشقياء مطرودين من رحمة الله.

стр. 338

فالدوافع لهداية الناس إلى الإيمان وفعل الصالحات تنبع من منابع الحب وإرادة الخير للناس أجمعين. ولو أن الناس كلهم كفروا بالله وعصوه لما كانوا يضرون الله شيئاً، ولو أنهم جميعاً آمنوا به وأطاعوه لما نفعوا الله شيئا ً، ولما زادوا في ملكه شيئاً، ولكن الله يحب لعباده أن يؤمنوا ويصلحوا حتى يسعدوا، ويكره لهم أن يكفروا ويفسدوا حتى لا يكونوا من أهل الشقاوة والعذاب. وقد جاء في الحديث القدسي الثابت في الصحيح، أن الله تعالى قال: "يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخيَط إذا أدخل البحر. يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه". وما تضمنه هذا الحديث القدس نجده في نصوص عدة من القرآن الكريم. فمنها قول الله تعالى لرسوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالله ﵎ يخفف عن رسوله صلوات الله عليه حالة الحزن التي كانت تعتريه، حين يشاهد بعض قومه يسارعون في الكفر، ويبين له أن وظيفته في الناس التبليغ والدعوة إلى الله، وليست وظيفته تحويل الناس إلى الهداية، فإنهم هم المسؤولون عن أنفسهم وعن سلوك سبيل الهداية، ويبيِّن له أيضاً أن الذين يسارعون

стр. 339

في الكفر والذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً. أي: فالحرص على إيمانهم خدمةٌ لهم وغيرَةٌ عليهم ورغبةٌ في نجاتهم وسعادتهم. ومنها قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآقُّواْ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فهؤلاء الذين اختاروا الكفر، وأضافوا إليه الصد عن سبيل الله. ومعاداة الرسول، من بعد ما تبين لهم الهدى، إنهم في أعمالهم هذه كلها لن يضروا الله شيئاً، وما يعملونه من أعمال للصد عن سبيل الله ومناهضة الرسول ومقاومة الإسلام والمسلمين فسيحبطها الله وسينصر أولياءه. فلن يضروا الله شيئاً، ولن يضروا أولياه وحملة رسالته إذا صدق هؤلاء مع الله، ولن ينالوا منهم إلا أذى قد يصيبهم في الدنيا في أنفسهم أو أموالهم أو أرضهم، وعاقبة الظفر والنصر ستكون لهم بتأييد الله ونصره المبين، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) خطاباً للمؤمنين في معرض الحديث عن اليهود: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ وأوضح الله ﵎ أنه غني عن عباده، ولكن لا يرضى لعباده رجس الكفر ورذائل الفسق والعصيان، بل يحب لهم طهارة الإيمان، وفضائل الاستقامة والطاعة، ثم يجازيهم على أعمالهم بالعدل. فقال الله تعالى في سورة (الزمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) : ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

стр. 340

ومن كفر فعليه كفره، ولا يزيده كفره عند ربه إلا مقتاً وخساراً، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾ ويقابل هذا أن من آمن وعمل صالحاً فلنفسه يقدم الخير، وهذا ما بيَّنه الله تعالى بقوله في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) : ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ من كل ذلك تتضح لنا الحقائق التالية: ١- أن الله غني عن إيمان عباده وطاعتهم. ٢- أن الكافرين لا يضرون الله شيئاً. ٣- أن أعمال الكافرين لن تضر المؤمنين الصادقين مع الله إلا أذى. ٤- أن من كفر فعليه كفره. ٥- أن من آمن وعمل صالحاً فله عمله. (٣) أسباب الكفر والضلال يتبين لنا بالتأمل وبالتتبع العلمي في تقصي الواقع الإنساني طائفة من أسباب الكفر والضلال في الناس، ونذكر فيما يلي أسباباً وعوامل رئيسية تتضمن أسباباً وعوامل فرعية كثيرة. * السبب الأول - الانحراف الفكري عن منهج التفكير السديد: وفي تتبع هذا السبب وظواهره نلاحظ أن كثيراً من الناس يقبلون في حياتهم الفكرية أن تتحوَّل أوهامهم وتخيلاتهم أو ظنونهم إلى حقائق علمية وعقائد ثابتة،

стр. 341

دون أن يكون لها نصيب من الحقيقة، ودون أن تمر في مراحل الطريق المنطقي السليم للمعرفة، وبذلك يقعون في ضلالات فكرية ذات نتائج خطيرة. وزاوية الانطلاف في هذا السبب تبدأ من اتباع الظن الضعيف الذي هو دون مستوى الرجحان، لافتقاره إلى دليل عقلي أو علمي يقوّيه ويرجحه، وهذا الظن التوهمي الكاذب هو الذي اتبعه من جعلوا لله شركاء بغير حق، وفيهم قال الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) : ﴿أَلا? إِنَّ للَّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ أي: ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء حقيقيين، لأن الله واحد لا شريك له، إن يتبعون إلا الظن التوهمي الكذاب، وإن هم إلا يخرصون، أي: وإن هم إلا يكذبون على الحقيقة بالتوهم الكاذب والظن الضعيف الذي لا قيمة له في تحصيل المعارف. وقد يكون الباعث على قبول الظن الذي لا قيمة له في مجال اكتساب المعرفة كونه موافقاً لهوى النفس، وهذا الهوى يزيِّن ضعيف الظنون ويحسنه لدى النفوس ويكبره ويجسمه بالوهم وبالتخيل الكاذب، ولا يزل ينفخ فيه حتى يسيطر على المشاعر، ويستحوذ على الفكر أخيراً، وعندئذٍ يتبع صاحب هذا الظن الضعيف ظنه معتقداً أنه حقيقة، وهو في أصله خرص من نسيج الخيال وحياكة الوهم الكاذب، وهذا الرديف من الهوى هو الذي ساعد على دفع المشركين الوثنيين إلى ضلالاتهم، ولذلك خاطبهم الله بقوله عن معقتداتهم في سورة (النجم/٥٣ مصحف/٢٣ نزول) : ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ولما كان أكثر الناس تسيطر الظنون الضعيفة والأوهام السخيفة على أفكارهم

стр. 342

ونفوسهم فيتبعونها ويعتقدونها، حذَّر الله من اتباع أكثر من في الأرض، فقال تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ أي: يرجمون بالخرص التخيلي أو التوهمي، ويقررون ما يقع عليه خرصهم على أنه حقيقة، ويبنون على ذلك عقائدهم وأعمالهم. ولهذا السبب الرئيسي عوامل فرعية متعددة داخل النفوس الإنسانية منها العوامل التالية: ١- الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي: فقد تلمع في نفس الإنسان بارقة من فكرة تمر في خياله أو توهمه، فيأتي الغرور بالنفس فيلبسها ثوباً لماعاً مزركشاً، فتحلو في نفسه وتزدان، ثم يتجسم توهمه بها حتى تصبح لديه فكرة ثابتة أو عقيدة راسخة دون أن يعالجها بالحجة والبرهان، والمناقشة المنطقية السليمة. وقد يسعى مبشراً بها بين السذج وضعفاء التكفير والجاهلين، مزيناً حجته بزخرف من القول، أو مستخدماً قوة شخصيته أو قوة نفوذه، ثم يكون له مؤيدون وأنصار يتابعونه على ضلالته التي انخدع هو بها بعامل الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي. وقد نشأ في التاريخ فرق متعددة تحمل مذاهب فكرية باطلة، وذلك بسبب إصابة واحد من الناس أو مجموعة منهم بمرض الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي، ثم كان منه ومن عوامل أخرى ضلالات موروثة، استمسكت بها أجيال متلاحقة، بات من العسير التخلص منها إلا في ظروف معالجات فكرية ونفسية مؤثرة. ٢- الجهل العام الذي يسمح بتقبل كثير من المفاهيم الباطلة: وهنا نلاحظ أنه قد تشيع في مجتمع متخلف فكرياً أو ثقافياً أفكار باطلة محرفة عن منهج التفكير السليم، وتجد هذه الأفكار الباطلة قبولاً في هذا

стр. 343

المجتمع، وذلك بسبب تخلفه العلمي، ثم يتطاول الأمد فتمسي هذه الأفكار عقائد قومية متوارثة، وتقاليد متَّبعة ثابتة، كأنها من الحقائق البدهية التي لا تقبل أية مناقشة فكرية أو أي تغيير. ومن هذه المفاهيم الباطلة مفاهيم يلقيها بين المجتمع الجاهل ماكرون مضللون من شياطين الإنس، لهم مصالح وأغراض وشهوات خاصة من بث هذه الأفكار الباطلة، والخرافات والأوهام وتزيينها في نفوس القوم، وذلك ليكون لهذه الانحرافات والخرافات ثمرات ممتعة لأولئك الشياطين يستغلونها، ويستثمرونها، ويقضون شهواتهم وملذاتهم على مصائب القوم من مفاهيمهم الباطلة. ٣- التقليد الأعمى: من الملاحظ أن الإنسان ينشأ في بيئة من البيئات الاجتماعية فيكتسب منها معارف ومهارات وعادات وأخلاقاً كثيرة، ومن هذه المكتسبات ما هو حق، ومنها ما هو باطل، ومنها أيضاً ما هو صالح، ومنها ما هو فاسد، وبمقتضى نشوئه في هذه البيئة الاجتماعية يتكون لديه بدافع الأنانية خلق التعصب لأهله وعشيرته وقومه، والتعصب لجميع ما هو في بيئته من مفاهيم وعادات وأخلاق، لأنه يتصور أنه بتعصبه هذا يدافع عن كيانه الذاتي، ولكنه دفاع ليس في محله، إذ هو دفاع عن الانحراف. ولو أنه سمح لقواه العقلية المتجردة عن مؤثرات البيئة أن تبحث وتناقش وتميز بين الحق والباطل والخير والشر والصالح والفاسد، لوجد أن دفاعه عن ذاتيته إنما يكون بتقويمها وإصلاح عوجها، وهجر الموروثات الباطلة، والاستمساك بالحق منها. وبالتتبع نلاحظ أن كثيراً من الناس ليس لهم فيما يستمسكون به من مفاهيم وعادات باطلة أية حجة، إلا أنها أشياء ورثوها عن أسلافهم من قومهم، فاقتدوا بهم وتعصبوا لهم وساروا على آثارهم دون بصر فيها أو نظر. ٤- المبالغة في تعظيم بعض العظماء من الناس: نظرة تأمل في التاريخ الإنساني تكشف لنا أنه قد يظهر بين حين وآخر في كل أمة من الأمم أفذاذ منها، يبلغون درجة عالية في سُلَّم الكمال التي تعتبره تلك

стр. 344

الأمة كالتقوى والاستقامة أو العلم والعبقرية، أو الإخلاص لأمتهم وبلادهم، وقد يكتب الله على أيديهم بعض الظفر والازدهار والنجاح الباهر، والتوفيق العظيم، وما إلى ذلك من رغائب فيعظِّمهم الناس، ويمجدونهم ويلبسونهم ثوباً من الكمال ليسوا أهلاً له، حتى يعتبروا كل عمل من أعمالهم، وكل خلق من أخلاقهم حسناً وإن كان قبيحاً، وخيراً وإن كان شراً، وحتى يعتبروا كل قول من أقوالهم حقاً وإن كان باطلاً، ويبالغ بعضهم في ذلك حتى يخلع عليهم صفة التنزيه عن النقص والخطأ، والعصمة من كل إثم. ويسري هذا الداء إلى نفوس الرعاع السذج أو الجهلاء أو ناقصي التفكير، فيبلغون في تقديسهم إلى حد توهم الألوهية أو جزء منها فيهم، وينحرفون بذلك عن منهج التفكير السليم، ويتجاوزون كل حد مقبول في العقول الصحيحة، وقد يشجعهم على ذلك بعض الأذكياء الذين يستطيعون استغلالهم واستثمارهم من خلال حماقاتهم وانحرافاتهم في الأفكار والعادات، أو من خلال تخلفهم عن مواكبة ركب العلم الصحيح والحضارة النافعة. ومن المنغمسين في هذه الضلالة وثنيو القرن العشرين الذين يلحدون بالله، ويتخذون لعظمائهم أوثاناً يقدسونها، ويفدون إلى زيارتها، ويمنحونها الأكاليل، ويهدونها طاقات الورود، ويعتبرون مخالف تعاليمهم من أكبر الكبائر التي توجب الإعدام أو السجن المؤبد، أو الإبعاد والطرد، أو توجب حروباً طاحنة تهلك الحرث والنسل. ٥- فلسفات ناقصة أو أصول فكرية فاسدة: من الملاحظ أن العامل في كثير من ألوان الضلالات الفكرية فلسفات ناقصة أو أصول فكرية فاسدة، وفي المجتمعات الإنسانية مظاهر متعددة لهذه الفلسفات الناقصة والأصول الفكرية الفاسدة. ومن مظاهرها الفلسفات التي تؤدي على تعطيل دلائل الاستنتاج العقلي القاطع، وتؤدي إلى الوقوف عند حدود المادة المدركة بالحس المباشر أو عن طريق الأجهزة، وتؤدي إلى إنكار الوحي، وإنكار أية حقيقة من حقائق الغي التي تأتي

стр. 345

بها النبوات، بدعوى أنها غير مدركة بالحس فلا يصح في نظرهم القاصر التسليم بها. وهذه النظرة القاصرة إلى الوجود والتي يشهد ببطلانها كل عقل واعٍ مدرك هي مصدر شر كبير أفضى ببعض الناس إلى اعتناق فكرة المادية الملحدة، التي لا تعترف بشيء إلا باللذة والغريزة وحدود الظواهر المادية. * السبب الثاني - الانحراف النفسي عن منهج الخُلُق القويم: نلاحظ لدى دراسة أحوال الناس أن فريقاً كبيراً من ذوي الضلالة في الأرض لم يضلوا لجهلهم بالحقيقة بسبب عامل من عوامل الانحراف الفكري عن منهج التفكير السليم، وإنما ضلوا أو أجرموا بسبب هروبهم من وجه الحقيقة إرضاء لشهوة من شهوات نفوسهم، ورغبة من رغائبها. ومتى هرب الإنسان من وجه الحقيقة سعى ينتحل لنفسه مبادئ أخرى باطلة ليحلها في محلها، ثم يكدح كدحاً شديداً ليقنع نفسه وغيره بصحتها وسلامتها، وضرورة الأخذ بها. وذلك لأن الفكر السوي يصعب عليه أن يسلم بالمفاهيم الباطلة مهما أغرت الأهواء والشهوات بزخرفها، ولكن سلطان الأهواء والشهوات يأسر النفوس فيجعل بينها وبين العقل السليم غشاوة، ومتى طال أمد الغشاوة الحاجبة للعقل عن عمله السديد تبلد الفكر، وفسدت طريقة البحث لديه. وزاوية الانطلاق في هذا السبب تبدأ من اتباع الأهواء والشهوات. إن الأهواء والشهوات في الأنفس تميل في أغلب أحيانها إلى اغتنام اللذات العاجلة، ولو كان من ورائها مشار وآلام كثيرة آجلة، وتميل إلى زخرف الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها ولو كان في ذلك شقاء أبدي بسخط الله. فمن طبع أهواء النفوس وشهواتها أنها تؤثر العاجلة، وتذر الآخرة، ما لم يضبطها ضابط من العقل الصحيح الراجح، المقرون بالإرادة الحازمة، أو ضابط من الإيمان الراسخ والدين المهيمن على النفس والمتغلغل في أعماق القلب والوجدان والمقرون بتقوى الله ﷻ .

стр. 346

لذلك كان اتباع الأهواء والشهوات من الأسباب المضلة المبعدة عن صراط الله المستقيم، والمفضية بالإنسان إلى مواقع تهلكته. ولذلك كانت الأهواء والشهوات من الوسائل التي تستغلها الشياطين للإغواء، فتدغدغها وتثيرها وتوجهها للانحراف عن صراط الله، ولا تزال تسيطر عليها شيئاً فشيئاً، حتى تكون أسلحة فتاكة في أيديها، وقد تستدرج الإنسان عن طريق أهوائه وشهواته حتى تصل به إلى مواقع الكفر بالله وبكل فضيلة إنسانية. ولذلك حذرنا الله ﵎ من اتباع الأهواء والشهوات على غير هدى من الله. فقال الله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) : ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُو?اْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ففي هذه الآية يبين الله أن من الأسباب الموصلة إلى الظلم والموقعة فيه اتباع الأهواء، وقد ضل الظالمون بسبب اتباعهم أهواء نفوسهم فحكم الله عليهم بالضلالة حكماً عادلاً، فمن يهدي من أضل الله؟ أي: حكم عليه بالضلالة , ومن ينصره من عقاب الله؟ إنه لا أحد يحكم له بالهداية بعد أن حكم الله عليه بالضلالة، ولا أحد ينصهر من عقاب الله. وخاطب الله رسوله محمداً ﷺ بقوله في سورة (القصص/٢٨ مصحف/٤٩ نزول) : ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) : ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُو?ءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُو?اْ أَهْوَاءَهُمْ﴾

стр. 347

وهكذا وصف الله الكافرين والمنافقين في مواضع عديدة من كتابه بأنهم اتبعوا أهواءهم، إشارة إلى أن سبب ضلالهم هو اتباعهم أهواءهم. ومن فروع اتباع الأهواء اتباع الشهوات بإفراط وتجاوز لمنهج الاعتدال والحق. وقد أوضح الله أن اتباع الشهوات كان سبباً في ضلال ذرية الصالحين، فقال تعالى في سورة (مريم/١٩ مصحف/٤٤ نزول) : ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً﴾ أي: فسوف يلقون جزاء غيِّهم. وحذرنا الله من مكائد الذين يتبعون الشهوات ومن تضليلاتهم، فقال تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ أي: يريدون أن تنغمسوا معهم في تناول الشهوات بانحراف مسرف، ويتخذون ما لديهم من وسائل لتحقيق مرادهم هذا. ومن اتباع الأهواء والشهوات اتباع وسائل الترف بإفراط مُطغٍ وسرف مفسد للنفوس، وباعث على الكبر والعجب، ومسبب للغفلة عن الحق والخير، ونسيان العواقب وعدم النظر إليها. قال الله تعالى في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) : ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ ولهذا السبب الرئيسي (وهو الانحراف النفسي عن منهج الخلق القويم) عوامل فرعية متعددة داخل النفوس الإنسانية، نذكر منها العوامل التالية:

стр. 348

١- الحسد القبيح: إن الحسد القبيح مرض خبيث من أمراض النفوس، يغري صاحبه أن يغمط الحق وينكره ويجحد به، مهما كان ظاهراً مؤيداً بالحجج والبراهين. وإذا تصفحنا التاريخ القديم والحديث وجدنا أمثلة كثيرة على ذلك من الواقع الإنساني، ومن أمثلته حسد اليهود للعرب إذ جاء الرسول المنتظر منهملا من بني إسرائيل كما كانوا يودون ويهوون. ٢- الأنانية الضيقة: والأنانية حب الإنسان لنفسه فقط أو لمحيطه الضيق، مع قصر نظر عن العواقب، وهي تولد في المجتمعات الإنسانية حب الإثرة، واحتكار كل خير ومتعة، وادعاء كل فضيلة وشرف، وذلك يؤدي إلى التنازع والتشاحن والبغضاء، وتبديد طاقات الجماعة تبديداً داخلياً بدل تجميعها ضد عدوها وعدو الحق والخير والفضيلة والجمال. وكم كان لهذه الأنانية الضيقة من نتائج سيئة شنيعة، قوضت كثيراً من أبنية حضارية شامخة ورمت بأمم كثيرة من قمم المجد إلى حضيض المذلة والمهانة، وورثتها مفاهيم فاسدة. وجعلتها تتخلف أجيالاً وقروناً عن مواكب ركب الحضارة والتقدم، ونور العلم والخير والفضيلة. ٣- النوازغ النفسية الرامية إلى تحقيق مطالبها بشذوذ: في ظل تهاون تربوي وبعد عن منهج الإسلام القويم قد تنمو في الإنسان بعض دوافعه النفسية نمواً غير طبيعي، شبيهاً بنمو الأورام الخبيثة في الجسد، حتى تكون لهذه الدوافع صفة السيادة العامة على كل مقومات الإنسان، وعند ذلك يفقد هذا الفرد توازنه الإنساني السوي، ومتى بلغت في الإنسان دوافعه النفسية إلى هذا الحد من الشذوذ غير الطبيعي أمست نوازغ شر وضر وفساد. وعندئذٍ تنطلق هذه النوازغ في كيان الإنسان محاولة أن تستبد به استبداداً خطيرا ً، فإذا تخاذلت إرادة الإنسان أمام نازغ من نوازغ الشر فيه تبلَّد فهمه العميق للأمور، وانحجب عقله الواعي الذي يعقله عن الشر، وأخذ ذكاؤه يتشاغل بظواهر

стр. 349

الأمور وسطوحها القريبة، ويتعامى عن بواطنها وعواقبها، ثم يحاول هذا الذكاء الغبي السطحي أن ينسج الحيل بمكر ودهاء ليقدم لنازغة الشر مطالبها الدنيئة الحقيرة، ولو عن طريق الإفساد والجريمة وإنكار الحق. عندئذٍ تبدأ صور الفساد والجريمة تظهر في سلوكه الشاذ المنحرف، كما تبدأ صور تبرير هذا الانحراف تظهر في المفاهيم والآراء التي يبثها، ويحاول إقناع الناس بها بغية المحافظة على مركزه الاجتماعي، وحماية نفسه من غضب الجماهير الذين ينالهم شره وضره. فهو -مثلاً- يذبح الفضيلة مرتدياً مسوح التقوى، ويمارس الجريمة حاملاً شعار الإنسانية، ويقوض دعائم الحق والهدى باسم محاربة الباطل والضلال، ويهدم أبنية الخير الفاضلة باسم التخلص من الفساد، ويحاول محو شرائع الله الحقة التي تحمل للناس السعادة والمجد باسم الإصلاح الديني أو الإصلاح الاجتماعي. فإذا وقفت في سبيله نصوص الشريعة الثابتة أنكرها وأوَّلها، وإذا أرهبته في طريق جريمته معتقداته عن وجود الله وعدله وجزائه يوم الدين ألحد بالله وأنكر العدل والجزاء، وسعى يقتنص لإلحاده أدلة واهية ليخدع بها نفسه ومن لديه نفسٌ شاذة مثل نفسه، وليخدع بها الدهماء من الناس. لئلا يثوروا عليه، فإذا انطلت حيلته على جمهور من الناس انطلق داخلاً في كل نفق شيطاني خبيث، خشية أن تنكشف خبيئة نفسه المجرمة، وفراراً من النور إلى الظلمات، وهروباً من وجه الحق المبين، والعلم المنير، والخير والفضيلة، إلى معاقل شياطين الباطل والشر والرذيلة. ومن هذه النوازغ الشاذة ما يسمى بجنون العظمة، والرغبة بالسلطان، ومنها الإفراط الشديد بحب المال والفتنة الشديدة بجمعه ومنعه، ومنها شهوة الظلم والقتل والاعتداء على الآخرين، ومنها الدوافع الجنسية الشاذة المفرطة، إلى غير ذلك من نوازغ.

стр. 350

٤- الكبر: وكثيراً ما يكون الكبر عاملاً ذا أهمية من العوامل الصارفة عن الاستجابة للحق، والباعثة إلى التمرد عليه، والخروج عن دائرة الطاعة للخالق جلَّ وعلا، وعاملاً أيضاً في تكوين معتقدات ومفاهيم باطلة وتقاليد وعادات فاسدة، ومتى نفخ الكبر في أنف صاحبه واستولى على إرادته غشَّى على عقله وساقه بعنف إلى غمط الحق وطمس معالمه، وانتحال صور من الباطل على تزيينها وتحسينها بالحجج التافهة التي لا تقوى على النهوض أمام قوة الحق لدى ذوي العقول السليمة. وقديماً كان الكبر هو الصارف لإبليس عن طاعة الله، كما كان الصارف لبعض زعماء العرب عن الدخول في الإسلام أيام نزول الرسالة، والكبر هو الصارف لكثير من المترفين عن الانخراط مع جماعة المسلمين، حتى يظلوا مترفعين في أبراجهم الذهبية، فهم لا يشعرون بمشاعر العامة، ولا يشاركون في مختلف مظاهر وحدتها وتكاتف صفها. ٥- الأحقاد السوداء: من العوامل ذات الأهمية الكبرى التي تصرف عن الحق، وتدفع صاحبها لإعلان الحرب عليه الأحقاد السوداء التي تغلي نيرانها في قلوب الذين انحرفت نفوسهم عن منهج الخلق القويم. لقد امتدت دولة الإسلام بقوة الحق والعدل والجهاد، واكتسحت عقائد بالية، وصهرت شعوباً كبرى، وقوضت إلى الأبد دولاً ذات شأن قديم، فألقى كل ذلك أحقاداً سوداء على الإسلام والمسلمين في قلوب بعض المتعصبين لقومياتهم ومعتقداتهم ودولهم التي جرفها الإسلام بنوره المبين فيما جرف، أو نال منها نيلاً، فأفقدهم بذلك زعاماتهم الدينية والسياسية في الأرض، ونشأ من جراء هذه الأحقاد السوداء مؤتمرات عديدة مقنعة وسافرة على الإسلام والمسلمين، في أحقاب التاريخ الإسلامي المتتابعة، وما زال العالم الإسلامي يكتوي بنيران هذه المؤامرات المختلفة في أشكالها وألوانها وأساليبها، فمنها ما يحمل حرباً فكرية مسلحة بألوان شتى

стр. 351

من المكر والخديعة ومنها ما يحمل حرباً مادية مسلحة بكل قوة مادية مريعة، بغية تهديم الحق الذي جاء به الإسلام، فكان به مجد العرب وسائر الشعوب التي استجابت لدعوته، وبغية تفتيت وحدة المسلمين المتماسكة التي كان فيها سر قوتهم العظمى التي أذهبت الأمم والشعوب حقبة من الدهر، فهم ما يفتأون يخشون أن تعود هذه القوة الكبرى للمسلمين، وأن يعود ذلك الإيمان الصادق إلى قلوبهم. وفي طليعة هذه المؤامرات المستمرة على الإسلام والمسلمين المؤامرة اليهودية العالمية الكبرى التي استطاعت أن تسخر الأحزاب السرية، وكلا من المذاهب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية المتصارعة في العالم، واستطاعت أن تسخر لتحقيق أغراضها الاستعمار والصليبية وأركانها السياسية والتبشيرية والاستشراقية، وأن تسخِّر الإلحاد والشيوعية الدولية العالمية. وتوجد عوامل أخرى لكل من السببين السابقين وهما: الانحراف الفكري عن منهج التفكير السديد، والانحراف النفسي عن منهج الخلق القويم. ومن هذه العوامل ما يلي: ١- الافتتان بمظاهر التقدم المادي والانسياق مع ألوانه الخادعة للنظر، وتقبل ما يرافقه من منحرفات فكرية وخلقية وسلوكية. وقد استخدم أعداء الإسلام في العصور الحديثة هذه الوسيلة من وسائل التضليل على أوسع نطاق، وأثمرت لهم في المجتمعات الإسلامية ثمرات جمة، وكان ذلك عن طريق دمج الوافدات الوبائية الخطيرة على العقائد والأخلاق والنظم الإسلامية في صادرات منجزات بلادهم المادية المرضية بتقدمها المادي، وبهذا الدمج الماكر عسُر على الجماهير التمييز بين الغث والثمين، والنافع والضار. ٢- طاعة القادة المضلين واتِّباعهم: فكثير من الانحراف الفكري والانحراف النفسي يأتي عن طريق اتباع القادة المضلين، ذوي السلطان والجبروت في الأرض.

стр. 352

ويكون هذا الاتباع لهم إما فتنة بهم، أو طمعاً باسترضائهم لتحيل المنافع عن طريقهم، وإما خوفاً من عقوباتهم. والقادة المضلون إما مستكبرون، أو أصحاب أهواء، أو متبعون للشهوات، بجنوح وطغيان، أو مقلدون متبعون لأسلافهم أو مقلدون مفاخرون متبعون لنظرائهم من ذوي السلطان في الأرض. وقد حذر الله من اتباع القادة المضلين بأسلوب بيان واقع حال بعض الظالمين الذين عصوا رسل ربهم. فمن ذلك ما ذكره الله تعالى في شأن عاد قوم هود من أن سبب ضلالهم أنهم اتبعوا أمر كل جبار عنيد، فعصوا رسل ربهم وجحدوا بآياته، فقال تعالى في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) : ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُو?اْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ومن ذلك أيضاً ما ذكره الله في شأن اتباع فرعون الذين كانوا ملأه ومنفذي أمره وأكابر قومه، إذ اتبعوا أمره فجحدوا بربهم وبرسله، وبالآيات التي جاءهم بها موسى ﵇، قال الله تعالى في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُو?اْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ وقال تعالى في شأن فرعون في سورة ِ (الزخرف/٤٣ مصحف/٦٣ نزول) : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخِرِينَ﴾ (٤) مناخ نماء الكفر ونشاطه قد يبدو لكل عاقل بعد أن يرى الحق في جانب الإيمان، ويأتيه خبر الوعد بالسعادة الخالدة للمؤمنين، وخبر الوعيد بالشقاء الدائم والعذاب الأليم في نار

стр. 353

جهنم للكافرين، أنه لا يوجد أي داع للإنسان حتى يختار لنفسه سبيل الكفر على سبيل الإيمان، لا سيما حين يلاحظ أنه لا توجد في مواقع الكفر مزايا من متاع الدنيا يصيبها الكافر ولا يستطيع أن يصيبها المؤمن، علماً بأن مقدروه أن يصيب ما يريد من شهوات محرمة عن طريق المعصية، لا عن طريق الكفر بالجحود أو يرفض الإذعان للطاعة، فطريق المعاصي ليس فيه خلود في العذاب والشقاء، أما طريق الكفر فهو طريق الخلود في العذاب والشقاء الأبدي. والتساؤل الوارد في هذا المجال قد أجاب القرآن عنه، فبين أن الكافرين واقعون في الكفر بسبب مؤثرات نفسية شتى جانحة خلقياً، إلا أن الذي غشَّى على منطقهم في الحياة أمران: زينة وغرور، وهذان الأمران هما المناخ الذي تنشط فيه بواعث الكفر ودواعيه. فالزينة: حسنت للكافرين الحياة الدنيا، وحسنت لهم سوء عملهم، وصبغته بالأصباغ الخادعة، وجعلت له المبررات المزوَّرة. والغرور في أنفسهم ساقهم عمياناً لا يبصرون إلا الزينة وما فيها من بهارج، فأعينهم مثبتة في أشكالها وألوانها، وآذانهم لا تسمع إلا رنات أوتارها وأصوات أجراسها، وشهواتهم مشدودة إليها، وقلوبهم معلقة بطلبها والسعي وراءها، وهم يتخبطون في اتباعها، لا يدرون أين تقع أقدامهم، ولا يعرفون إلى أي مصير هم صائرون، وأما أفكارهم وعقولهم فقد ألقيت عليها الغشاوة، فهم لا يفكرون إلا في حدود منطقة الزينة. والزينة هي المجال الذي يفتتن به الإنسان فيغتر به، وهي تكون فتنة للعين أو فتنة للأذن، أو فتنة للفكر، أو فتنة للنفس، أو فتنة لما سوى ذلك من داخل الإنسان وخارجه. والزينة طلاءات وزخارف خادعة في مظهرها، ولا دلالة لها على الحقيقة الجوهرية، إنما تخدع بحلاوة مظهرها، فيتصور الجاهل المتسرع أن ما ظهر له عنوان ما بطن وخفي عليه، فيعطي للباطن حكم ما بدا له في الظاهر، لذلك نلاحظ أن القرآن حين يلفت أنظارنا إلى حقيقة ما في الحياة الدنيا يبين لنا أنها من قبيل

стр. 354

الزينة فقط، فهي لا تحتوي على جوهر حقيقي ثابت وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فهم مع أنهم مخدوعون بزينة الحياة الدنيا وساقطون في الغرور يتصورون المؤمنين مضيِّعين لذات حياتهم، ومتعلقين بالأوهام وبرؤيا خيالية عن الدار الآخرة، فيسخرون منهم، وكان الحق يقضي بأن يسخروا من أنفسهم إن عفَّ عن السخرية منهم الذين آمنوا. ولكن ينعكس الأمر يوم القيامة فيقتص منهم الذين آمنوا سخرية بسخرية. والغرض من جعل الحياة الدنيا هكذا زينة تفتتن النفوس بها توافر ظروف الابتلاء الأمثل، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ أي: سيأتيهم يوم تفقد فيه زينتها فيغدو سطحها صلداً يابساً لا نبات فيه ولا زرع، قد احترق كل ما عليها من خضرة ونضرة، وتهدَّم كل ما عليها من قصر مشيد. وأخطر ما في الأمر أن يغتر الإنسان بزينة الأقوال والأفكار الباطلة، وبزينة الأعمال السيئة، فيرى الباطل حقاً، ويرى السيء حسناً، فيندفع وراء الباطل مؤيداً له وناصراً، ويعمل الأعمال السيئة متعاظماً بها ومفاخراً، زاعماً أنه من المحسنين، وهنا تكون المحنة الكبرى، والفتنة العظمى. ونقيض هذا من كان على بينة من ربه، يرى الحق حقاً فيتبعه ويعمل بموجبه، ويرى الباطل باطلاً فيجتنبه ويحذر من العمل بما يفضي إليه.

стр. 355

وإلى هذين الموقفين المتناقضين جاءت الإشارة في قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) : ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُو?ءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُو?اْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فمن كان على بيِّنة من ربه فإنه يكون صحيح التصور للأمور، مستقيم العمل غالباً انسجاماً مع تصوراته الصحيحة، ومن زيِّن له سوء عمله فلا بد أن يكون فاسد التصور فاسد العمل متبعاً أهواءه المنحرفة الجانحة، متخبطاً في ظلمات البغي والفساد، والظلم طغيان. ولذلك تكرر في القرآن التحذير من السقوط في الهاوية التي يُزيَّن فيها المسيء سوء عمله، وتكرر فيه توبيخ الذي زين لهم سوء أعمالهم. ففي سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) أثبت الله ﵎ أن الكافرين قد زين لهم سوء عملهم، ذكر هذا بعد مثل ضربه للمؤمنين والكافرين فقال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فالكافرون مثلهم كمثل من هو في الظلمات ليس بخارج منها، فلا يعرف شيئاً عن النور، لذلك فهو يستحسن الظلمة التي هو فيها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون فيهم يستحسنون أعمالهم السيئة، فيفعلونها بقوة وجرأة ومفاخرة. ويوبخ الله الذين زين لهم سوء عملهم، فكفروا بربهم فأضلهم الله بذلك قال تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) : ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُينَ لَهُ سُو?ءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
следующие страницы →