من المكر والخديعة ومنها ما يحمل حرباً مادية مسلحة بكل قوة مادية مريعة، بغية تهديم الحق الذي جاء به الإسلام، فكان به مجد العرب وسائر الشعوب التي استجابت لدعوته، وبغية تفتيت وحدة المسلمين المتماسكة التي كان فيها سر قوتهم العظمى التي أذهبت الأمم والشعوب حقبة من الدهر، فهم ما يفتأون يخشون أن تعود هذه القوة الكبرى للمسلمين، وأن يعود ذلك الإيمان الصادق إلى قلوبهم.
وفي طليعة هذه المؤامرات المستمرة على الإسلام والمسلمين المؤامرة اليهودية العالمية الكبرى التي استطاعت أن تسخر الأحزاب السرية، وكلا من المذاهب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية المتصارعة في العالم، واستطاعت أن تسخر لتحقيق أغراضها الاستعمار والصليبية وأركانها السياسية والتبشيرية والاستشراقية، وأن تسخِّر الإلحاد والشيوعية الدولية العالمية.
وتوجد عوامل أخرى لكل من السببين السابقين وهما: الانحراف الفكري عن منهج التفكير السديد، والانحراف النفسي عن منهج الخلق القويم.
ومن هذه العوامل ما يلي:
١- الافتتان بمظاهر التقدم المادي والانسياق مع ألوانه الخادعة للنظر، وتقبل ما يرافقه من منحرفات فكرية وخلقية وسلوكية.
وقد استخدم أعداء الإسلام في العصور الحديثة هذه الوسيلة من وسائل التضليل على أوسع نطاق، وأثمرت لهم في المجتمعات الإسلامية ثمرات جمة، وكان ذلك عن طريق دمج الوافدات الوبائية الخطيرة على العقائد والأخلاق والنظم الإسلامية في صادرات منجزات بلادهم المادية المرضية بتقدمها المادي، وبهذا الدمج الماكر عسُر على الجماهير التمييز بين الغث والثمين، والنافع والضار.
٢- طاعة القادة المضلين واتِّباعهم:
فكثير من الانحراف الفكري والانحراف النفسي يأتي عن طريق اتباع القادة المضلين، ذوي السلطان والجبروت في الأرض.
стр. 352
ويكون هذا الاتباع لهم إما فتنة بهم، أو طمعاً باسترضائهم لتحيل المنافع عن طريقهم، وإما خوفاً من عقوباتهم.
والقادة المضلون إما مستكبرون، أو أصحاب أهواء، أو متبعون للشهوات، بجنوح وطغيان، أو مقلدون متبعون لأسلافهم أو مقلدون مفاخرون متبعون لنظرائهم من ذوي السلطان في الأرض.
وقد حذر الله من اتباع القادة المضلين بأسلوب بيان واقع حال بعض الظالمين الذين عصوا رسل ربهم. فمن ذلك ما ذكره الله تعالى في شأن عاد قوم هود من أن سبب ضلالهم أنهم اتبعوا أمر كل جبار عنيد، فعصوا رسل ربهم وجحدوا بآياته، فقال تعالى في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) :
﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُو?اْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾
ومن ذلك أيضاً ما ذكره الله في شأن اتباع فرعون الذين كانوا ملأه ومنفذي أمره وأكابر قومه، إذ اتبعوا أمره فجحدوا بربهم وبرسله، وبالآيات التي جاءهم بها موسى ﵇، قال الله تعالى في سورة (هود/١١ مصحف/٥٢ نزول) :
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُو?اْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
وقال تعالى في شأن فرعون في سورة ِ (الزخرف/٤٣ مصحف/٦٣ نزول) :
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخِرِينَ﴾
(٤)
مناخ نماء الكفر ونشاطه
قد يبدو لكل عاقل بعد أن يرى الحق في جانب الإيمان، ويأتيه خبر الوعد بالسعادة الخالدة للمؤمنين، وخبر الوعيد بالشقاء الدائم والعذاب الأليم في نار
стр. 353
جهنم للكافرين، أنه لا يوجد أي داع للإنسان حتى يختار لنفسه سبيل الكفر على سبيل الإيمان، لا سيما حين يلاحظ أنه لا توجد في مواقع الكفر مزايا من متاع الدنيا يصيبها الكافر ولا يستطيع أن يصيبها المؤمن، علماً بأن مقدروه أن يصيب ما يريد من شهوات محرمة عن طريق المعصية، لا عن طريق الكفر بالجحود أو يرفض الإذعان للطاعة، فطريق المعاصي ليس فيه خلود في العذاب والشقاء، أما طريق الكفر فهو طريق الخلود في العذاب والشقاء الأبدي.
والتساؤل الوارد في هذا المجال قد أجاب القرآن عنه، فبين أن الكافرين واقعون في الكفر بسبب مؤثرات نفسية شتى جانحة خلقياً، إلا أن الذي غشَّى على منطقهم في الحياة أمران: زينة وغرور، وهذان الأمران هما المناخ الذي تنشط فيه بواعث الكفر ودواعيه.
فالزينة: حسنت للكافرين الحياة الدنيا، وحسنت لهم سوء عملهم، وصبغته بالأصباغ الخادعة، وجعلت له المبررات المزوَّرة.
والغرور في أنفسهم ساقهم عمياناً لا يبصرون إلا الزينة وما فيها من بهارج، فأعينهم مثبتة في أشكالها وألوانها، وآذانهم لا تسمع إلا رنات أوتارها وأصوات أجراسها، وشهواتهم مشدودة إليها، وقلوبهم معلقة بطلبها والسعي وراءها، وهم يتخبطون في اتباعها، لا يدرون أين تقع أقدامهم، ولا يعرفون إلى أي مصير هم صائرون، وأما أفكارهم وعقولهم فقد ألقيت عليها الغشاوة، فهم لا يفكرون إلا في حدود منطقة الزينة.
والزينة هي المجال الذي يفتتن به الإنسان فيغتر به، وهي تكون فتنة للعين أو فتنة للأذن، أو فتنة للفكر، أو فتنة للنفس، أو فتنة لما سوى ذلك من داخل الإنسان وخارجه.
والزينة طلاءات وزخارف خادعة في مظهرها، ولا دلالة لها على الحقيقة الجوهرية، إنما تخدع بحلاوة مظهرها، فيتصور الجاهل المتسرع أن ما ظهر له عنوان ما بطن وخفي عليه، فيعطي للباطن حكم ما بدا له في الظاهر، لذلك نلاحظ أن القرآن حين يلفت أنظارنا إلى حقيقة ما في الحياة الدنيا يبين لنا أنها من قبيل
стр. 354
الزينة فقط، فهي لا تحتوي على جوهر حقيقي ثابت وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
فهم مع أنهم مخدوعون بزينة الحياة الدنيا وساقطون في الغرور يتصورون المؤمنين مضيِّعين لذات حياتهم، ومتعلقين بالأوهام وبرؤيا خيالية عن الدار الآخرة، فيسخرون منهم، وكان الحق يقضي بأن يسخروا من أنفسهم إن عفَّ عن السخرية منهم الذين آمنوا.
ولكن ينعكس الأمر يوم القيامة فيقتص منهم الذين آمنوا سخرية بسخرية.
والغرض من جعل الحياة الدنيا هكذا زينة تفتتن النفوس بها توافر ظروف الابتلاء الأمثل، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) :
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾
أي: سيأتيهم يوم تفقد فيه زينتها فيغدو سطحها صلداً يابساً لا نبات فيه ولا زرع، قد احترق كل ما عليها من خضرة ونضرة، وتهدَّم كل ما عليها من قصر مشيد.
وأخطر ما في الأمر أن يغتر الإنسان بزينة الأقوال والأفكار الباطلة، وبزينة الأعمال السيئة، فيرى الباطل حقاً، ويرى السيء حسناً، فيندفع وراء الباطل مؤيداً له وناصراً، ويعمل الأعمال السيئة متعاظماً بها ومفاخراً، زاعماً أنه من المحسنين، وهنا تكون المحنة الكبرى، والفتنة العظمى.
ونقيض هذا من كان على بينة من ربه، يرى الحق حقاً فيتبعه ويعمل بموجبه، ويرى الباطل باطلاً فيجتنبه ويحذر من العمل بما يفضي إليه.
стр. 355
وإلى هذين الموقفين المتناقضين جاءت الإشارة في قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) :
﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُو?ءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُو?اْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
فمن كان على بيِّنة من ربه فإنه يكون صحيح التصور للأمور، مستقيم العمل غالباً انسجاماً مع تصوراته الصحيحة، ومن زيِّن له سوء عمله فلا بد أن يكون فاسد التصور فاسد العمل متبعاً أهواءه المنحرفة الجانحة، متخبطاً في ظلمات البغي والفساد، والظلم طغيان.
ولذلك تكرر في القرآن التحذير من السقوط في الهاوية التي يُزيَّن فيها المسيء سوء عمله، وتكرر فيه توبيخ الذي زين لهم سوء أعمالهم.
ففي سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) أثبت الله ﵎ أن الكافرين قد زين لهم سوء عملهم، ذكر هذا بعد مثل ضربه للمؤمنين والكافرين فقال تعالى:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
فالكافرون مثلهم كمثل من هو في الظلمات ليس بخارج منها، فلا يعرف شيئاً عن النور، لذلك فهو يستحسن الظلمة التي هو فيها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون فيهم يستحسنون أعمالهم السيئة، فيفعلونها بقوة وجرأة ومفاخرة.
ويوبخ الله الذين زين لهم سوء عملهم، فكفروا بربهم فأضلهم الله بذلك قال تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) :
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُينَ لَهُ سُو?ءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
стр. 356
ففي هذا النص تلاحظ أن الله يخاطب رسوله بقوله: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ أي: فلا تهلك نفسك حزناً على الكافرين الذين زين لهم سوء عملهم، فهم قد اختاروا بأنفسهم سبيل الكفر على سبيل الإيمان، فحق عليهم عذاب شديد من الله، وكان بمقدورهم أن يختاروا سبيل الإيمان والهداية، فقد بين الله لهم الحق في كتبه وعلى ألسنة رسله، فلا عذر لهم بجهل وعدم بيان.
وقال الله تعالى في وصف الإنسان في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) :
﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذالِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
فمن خلائق الإنسان أنه إذا مسه الضر رجع إلى ربه، فالتجأ إليه داعياً أن يكشف عنه ضره، على أية حالة كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً. إنه في حالة ضره تتيقظ فطرة الإيمان في داخله، فيرجع إلى ربه مستغيثاً، ولكنه حينما يكشف الله عنه الضر ويعود إلى ما كان فيه من متاع الحياة الدنيا وزينتها ينسى ربه، ويمر في حياته غير معترف بخالقه، كأنه لم يرجع إلى ربه في ساعة ضره، فيدعوه ويلتجئ إليه، وهكذا حال المسرفين يعملون الأعمال السيئة القبيحة ويرونها حسنة، اغتراراً بزينتها في نفوسهم وأهوائهم.
ومن أمثلة الأفكار الفاسدة التي زُيِّنت في قلوب المنافقين ظنهم أن الرسول والمؤمنين في أيام صلح الحديبية سيهلكون، ولن يعودوا إلى أهليهم أبداً، وظنوا بالله ظن السوء، ولكن الله فتح على رسوله والمؤمنين فتحاً مبيناً، وخيب ظن المنافقين، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (الفتح/٤٨ مصحف/١١١ نزول) :
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾
стр. 357
أي: وكنت قوماً هلكى بنفاقكم.
ومن أمثلة الأحكام الباطلة التي زينت لدى الكافرين تلاعبهم في الأشهر الحرم بالتقديم والتأخير، ليبيحوا لأنفسهم في الأشهر الحرم ما هو محرم عليهم، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿إِنَّمَا النَّسِي?ءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُو?ءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
وهكذا تفعل الزينة فتسقط الظالمين والمسرفين والكافرين في الغرور.
فالكافرون في غرور بما زين لهم في الحياة الدنيا.
ولذلك قال الله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧ نزول) :
﴿ ... إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ .
أي: ما الكافرون إلا ساقطون في غرور، فهم مخدوعون بما خدعوا به أنفسهم، من أفكار مزينة، وأهواء مزينة، وشهوات مزينة وأمان مزيَّنة، وأقوال مزخرفة مزينة، إلى غير ذلك مما في الحياة الدنيا من زينة.
أما جوهر الحقيقة فهم عنه معرضون، وبينهم وبينه غشاوات على قلوبهم وأفكارهم وأسماعهم وأبصارهم، فالغرور متى استولى على إنسان أعماه وأصمه عن كل بيان يكشف له زيف ما هو مغرور به.
أما الأشياء التي زينت لهم فاغتروا بها، فإنها تأتي في نطاق العناصر التالية:
١- أول ما زين لهم فغرَّهم وجذبهم إليه متاع الحياة الدنيا، وما فيها من شهوات وأهواء وجاه ومال وسلطان ولهو ولعب.
٢- ثم غرتهم الأماني.
٣- ثم غرتهم زخارف الأقوال المزورة التي توحي بها شياطين الجن والإنس.
стр. 358
٤- ثم غرتهم مفترياتهم وأكاذبيهم التي كانوا قد افتروها، لستر انحرافاتهم، فمر عليها فصدقوها، وحسبوها أموراً صحيحة، ونسوا أنهم هم الذين اختلقوها.
٥- ثم انغمسوا في الغشوات الكثيرة، وحجبوا أنفسهم عن الحقيقة، ونسوا الله وعميت أبصارهم وبصائرهم عن آياته.
* الغرور بمتاع الحياة الدنيا وزينتها:
نلاحظ أن الله ﵎ قد بين للناس أن الحياة الدنيا متاع الغرور، فأوضح لهم أنها متاع يغتر به الجاهلون قصيرو النظر، فقال في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
وقال تعالى في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) :
﴿اعْلَمُو?اْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
فعلى الإنسان أن يعقل أمره ولا يغتر بزخرف الحياة الدنيا وزينتها. ولذلك حذر الله الناس جميعاً من الاغترار بذلك فقال تعالى في سورة (لقمان/٣١ مصحف/٥٧ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
والغرور: هو الشيطان.
стр. 359
وقال تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
ثم بين الله ﵎ أن الكافرين مغرورون بالحياة الدنيا، فقال لرسوله في سورة (النعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
وفي موقف الحساب يوم القيامة يخاطب الله الظالمين الكافرين من الجن والإنس، فيقول لهم كما جاء في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾
وبعد أن يدخلهم الله دار العذاب يخاطبهم بمثل ذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) :
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُو?اْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ من نَّاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ .
ولا هم يستعتبون، أي: لا يقبل منهم توبة ولا استغفار ولا استقالة من
стр. 360
ذنوبهم، فقد مضى زمن التوبة والاستغفار، وأصل الاستعتاب طلب رفع العتب وطلب حصول الرضا.
وبعد أن يذوقوا عذاب جهنم وتشتد عليهم الآلام فيها، ينادون أصحاب الجنة يرجونهم أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله، فيقولون لهم: إن الله حرم الجنة وما فيها على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً، وغرتهم الحياة الدنيا، ويصف الله هذا المشهد من مشاهد الآخرة فيقول تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُو?اْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ... ﴾ .
وهكذا ظهر لنا أثر الغرور بالحياة الدنيا وزينتها وزخرفها، وظهرت لنا نتائجه الوخيمة.
* الغرور بالأماني:
لكل فئة من فئات الكافرين مجموعة من الأماني الكاذبات الضائعات، تناسب حالة كفرهم، فهم ينخدعون بها، وينجذبون إليها، ويسعون وراءها.
فالمشركون تتعلق أمانيهم بالآلهة التي يعبدونها من دون الله، فتخيب أمانيهم التي تعلقت بهذه الآلهة، لأنها تعلقت بأوهام لا حقيقة لها، يدعونهم فلا يستجيبون لهم.
وأهل الكتاب الكافرون بالإسلام تتعلق أمانيهم بتصوراتهم باطلة وعقائد فاسدة.
والملحدون الدهريون تتعلق أمانيهم بحدود الحياة الدنيا، فيسعون وراءها، ويكدون لاهثين، ثم لا تتحقق أمانيهم.
ففي الحديث عن أهل الكتاب قال الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
стр. 361
﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
وخاطب الله المشركين بقوله في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا? أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُو?ءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾
ويوم القيامة يخاطب المؤمنون المنافقين والمنافقات فيقولون لهم ضمن حوار طويل: ﴿وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور﴾ ، أي الشيطان.
ويصور الله لنا هذا الحوار بقوله في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) :
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَاكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
* الغرور بوساوس شياطين الجن والإنس:
ووساوس شياطين الإنس والجن تدغدغ في الكافرين ما لديهم من الأماني الكاذبة، وتثيرها وتغذيها، وتعد وتمني، ولكنها ما تعد ولا تمني إلا غرورا ً، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً من دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾
стр. 362
إنها الخطة التضليلية التي رسمها إبليس لإغواء بني آدم، والتي بينها الله لنا بقوله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلا?ئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَاذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾
لأحتنكن ذريته، أي: لأستأصلن بالإغواء ذريته، وأصل المادة مشتقة من الحنك، يقال لغة: احتنك الجراد الزرع إذا أكله، والجراد يأكل بحنكة أكلاً متسأصلاً فلا يبقي ولا يذر. أو لأقودن ذريته كيف شئت، يقال لغة: حنك الرجل دابته إذا شد حبلاً في حنكها الأسفل ليقودها كيف شاء، فهو شبيه باللجام الذي يجبر الدابة على طاعة من يقودها، ولعل هذا المعنى هو الأقرب للمراد والله أعلم.
وقد امتحن إبليس التغرير بآدم وزوجه، وحلف لهما أنه من الناصحين، فأوقعهما بمخالفة الله، وتسببلهم بالخروج من الجنة، وكانت وسيلته التغريرية تشتمل على تدرج ماكر، وقد عبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿فدلاهما بغرور﴾ ، أي: أنزلهما في هوة المعصية كمن يدلي إنساناً في بئر ليشرب من مائها، ولكن هذه البئر لا ماء فيها، التدلية مشتقة من إنزال الدلو في البئر، ومعلوم أن هذا الإنزال يكون شيئاً فشيئاً، فالتدلية تتضمن معنى التغرير بتدرج.
وقد أوضح الله قصة هذه التدلية الشيطانية في سورة [الأعراف، الآيات: ١٩-٢٣] .
وخطة شياطين الإنس في التغرير بالمواعيد الكاذبة ودغدغة الأماني أخطر وأفعل خطة شياطين الجن، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً،
стр. 363
ويتولى شياطين الإنس إغواء الناس وتغريرهم بأقوالهم المزخرفة وأباطيلهم المنمقة، فيوقعون من يستجيب لهم بالغرور، قال الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُل نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى? إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾
فيتعاون شياطين الإنس والجن على وضع الضلالات المغررة التي يغتر بها من يستجيب لهم، ممن تميل أفئدتهم إلى ضلالاتهم، إذ أنهم لا يؤمنون بالآخرة، ثم إنهم حين يغترون بهذه الضلالات يرضونها، ويقترفون ما يقترفون من آثام، ويقترفون ما يقترفون من شرور.
ويعد الظالمون بعضهم بعضاً مواعيد لا تخرج عن دائرة الغرور، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) :
﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾
* غرور الكافرين بمفتريات أنفسهم:
قد يبدو غرور الإنسان بما يفتريه هو نفسه غروراً عجيباً، ولكن قد يحصل بمؤثرات عدة، منها الهوى الطاغي، والغضب المفقد للصواب، والخوف المضيِّع للرشد، والطمع الذي يغشي على البصيرة.
وهذا يذكِّرنا بطمع أشعب واغتراره بما كان يفتريه هو للصبيان من ولائم ليصرفهم عنه، حتى إذا انصرفوا عنه إلى جهة الوليمة التي اختلقتها لهم لحقهم طمعاً بأن يجد تلك الوليمة فعلاً، وينسيه طمعه أنه هو صانع الأكذوبة.
مثل هذا من أشعب وأضرابه قد يكون طريفاً مضحكاً، أما أن يوجد نظيره في قضايا الإنسان الكبرى، لا سيما ما يتعلق بالعقائد الكبرى وأمور الدين فهو العجب العجاب، إنه لعب بالمصير، وتورط خطير في شر مستطير.
стр. 364
وقد تمثل قصة اللصين والشيخ زنكي اغترار الإنسان بمفتريات نفسه.
يُحكى أن لصين تعاونا على اللصوصية وقطع طريق الناس حقبة من الزمن، ولكن جلب لهما هذا العمل تشرداً في الأرض ومتاعب كثيرة، فأوحى لهما الشيطان أن يقيما ضريحاً كاذباً بالقرب من بلدة يعتقد أهلها بالخرافات، وأن يكونا قيمين على هذا الضريح، ويفتريا له عند الناس الكرامات، حتى يفد إليه الجهلة والوثنيون ويقدموا له القرابين والأموال تقرباً إليه وتبركاً به، وفعلاً ذلك بعد أن دفنا في القبر كلباً ميتا ً، وأطلقا على صاحب الضريح اسم الشيخ زنكي.
كان لصين فقط، فصارا لصين مضللين شيطانين.
وبدأ ناقصو العقول من الرجال والنساء يفدون إلى هذا الضريح للتبرك، ويبذلون له القرابين والأموال، ويستولي عليها هذا اللصان، ثم طمع أحدهما بما جمعه قرينه من مال فسرقه منه، فاختصما، فأنكر السارق، فاستحلفه خصمه، فحلف له بالشيخ زنكي أنه لم يسرق منه شيئاً، فقال له قرينه: ما هذا القسم؟ كلب دفناه معاً، أفصدقت الفرية التي افتريناها معاً؟ أم تريد أن تحتال علي وتخدعني، واقتتلا فقتل كل منهما صاحبه.
وكثيراً ما يفتري الناس الفِرى، ثم ينخدعون بها هم أنفسهم، ويتصرفون تصرف الساقط المغرور، لا سيما إذا وجدوا من يصدقهم بها، وطال عليهم الأمد، ومرت بهم مصادفات تدعم ما افتروه في ظنِّ الجاهلين.
إن القبيح شديد القبح إذا زعم أنه جميل واستطاع بحيلته أن يخدع فئة من الأغبياء، فأخذ هؤلاء يثنون على جماله، فإنه كثيراً ما يسقط في الغرور فيعتقد نفسه جميلاً جداً، مع أنه في نظر غير هؤلاء الأغبياء قبيح جداً.
وكثير من المذاهب المصنوعة للتضليل يصدرها أصحابها افتراء ويزينوها بالأقوال المزخرفة، ثم إذا طال الأمد وصدقها فريق من الناس اغتر بها مصدروها أنفسهم، فاعتقدوها إيماناً بعد أن كانوا قد أطلقوها افتراء.
فالكافرون قد يقعون فريسة الغرور بما كانوا قد افتروه هم، وقد أشار القرآن
стр. 365
إلى هذا النوع من الغرور فقال الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً منَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ منْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ * ذالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾
فهؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب قد افتروا على ربهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، ثم صدقوا فرية أنفسهم، واتخذوها عقيدة من عقائدهم، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون من أكاذيب على ربهم.
وما أكثر الأكاذيب التي يفتريها الناس في العقائد، ثم تتحول هذه الأكاذيب بتطاول الزمن واستجابة الجهلة لها وبعض المصادفات المؤيدة، إلى عقائد راسخة في الدين، حتى في نفوس واضعيها ومختلقيها، وهذا أقبح الغرور أن يغتر الإنسان بما افتراه هو.
(٥)
الطبع على قلوب الكافرين
من فطرة الإنسان إذا هو عاند وأصر على الباطل بعد معرفة الحق المبين، وأعلن تكذيبه وكفره بالحق، أن يصاب قلبه بالصمم، وأن يتبلد حسه تجاه الحق والخير، فإذا ألقي عليه الهدى أعرض عنه ولم يستمع إليه، ولم يدرك جوانب الحق فيه، ولم يتحرك وجدانه وضميره بعاطفة إيجابية نحو الخير، ويكون كالصخر الأصم الذي لا يقبل ندى معرفة، ولا يندى بعاطفة، فإذا وصل الإنسان إلى هذا المستوى من القسوة وجفاف عواطف الخير، فإنه يكون مغلف القلب مسدود المنافذ محجوباً بحجاب غليظ، حتى يكون بمثابة البيت الذي أغلق بابه، وضرب عليه بالأقفال، ثم ختمت الأقفال بطابع الطين أو الشمع، إشعاراً بوصولها إلى غاية إقفالها، أو بمثابة المعدن الذي يعلوه الصدأ حتى يغشيه تغشية تامة، ويحجبه حجباً كاملاً،
стр. 366
وهذا هو الران الذي يغشِّي قلوب الكافرين المكذبين، وهو ما ورد في قول الله تعالى في شأنهم في سورة (المطففين/٨٣ مصحف/٨٦ نزول) :
﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ .
فالطبع على القلوب كناية عن بلوغها مستوى من القسوة وجفاف عواطف الخير. فهي لا تتأثر ببيان، ولا تستجيب لموعظة. فكأنها بيوت مقفلة مطبوع عليها. أو قطعة من المعدن قد علاها الصدأ فغشاها.
دل على هذا جملة من النصوص القرآنية، ويظهر لنا أيضاً من واقع حال الكافرين المعاندين المكذبين، إذ تكون قلوبهم في حجاب كامل عن قبول أية معرفة تتصل بالحق الذي كذبوا به وجحدوه، وتكون ضمائرهم ميتة لا تحس بمشاعر الخير الذي يدعوهم الحق إليه.
وسبب هذا الطبع الذي تصاب به قلوبهم كفرهم وتماديهم في الغي، واستغراقهم في معاصيهم وذنوبهم. وهذه النتيجة هي من السنن الكونية التي حذَّر الله أهل القرى منها، فقال - تعالى - في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ .
فأوضح الله تعالى في هذا النص أن من سنن كونه الطبع على قلوب الكافرين، فهو نتيجة تحصل بسبب ما يكسب الكافرون بكفرهم وجحودهم من ذنوب، وبسبب طول الأمل عليهم وهم مكذِّبون.
стр. 367
وفي نص آخر بيَّن الله ﵎ أن سبب الطبع على قلوب اليهود إنما هو كفرهم، فقال تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾
فالطبع على قلوبهم قد كان بسبب كفرهم وكان نتيجة له، ولكن النتائج الطبيعية السببية والسنن الكونية إنما تتم بخلق الله، ولذلك تنسب إلى الله ﵎ خلقاً وتقديراً، مع أنها نتائج طبيعية لأعمال يكسبها الناس.
وتحدث الله عن المنافقين فبيَّن أن تحولهم من الإيمان إلى الكفر قد كان سبباً في الطبع على قلوبهم، فقال تعالى في سورة (المنافقون/٦٣ مصحف/١٠٤ نزول) :
﴿ ... إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾
ففي هذه الآية دلالة على أن الطبع على قلوبهم قد جعلها محجوبة عن تقبل المعارف الربانية، فهم لا يفقهون منها ما يهديهم.
وقد تكرر في القرآن بيان الطبع على قلوب المنافقين، وأنهم بذلك لا يفقهون ما يلقى إليهم من هداية، ولا يعلمون ما يضرهم وينفعهم في عاقبة أمرهم، فقال ﵎ في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿ ... وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾
وقال تعالى فيها أيضاً:
﴿ ... رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
стр. 368
أي: تخلفوا عن الخروج مع الرسول ﷺ في غزوة تبوك ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، أي: مع النساء، وطبع على قلوبهم بسبب نفاقهم ومعاصيهم، فهم لا يفقهون ولا يعلمون.
وأكد الله هذه الحقيقة عن المنافقين، وذكر أنهم يتبعون أهواءهم، وطبيعي أن من لا يفقه الحقيقة ولا يعلم العاقبة فلا بد أن يتبع هواه، قال تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) :
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُو?اْ أَهْوَآءَهُمْ﴾
وخصَّ المنافقين بهذا الاهتمام في موضوع الطبع على قلوبهم لأنهم مخالطون للمؤمنين، يستمعون أقوال الهداية باستمرار.
والطبع على القلوب يقترن به الطبع على الأسماع والأبصار، لأنها أهم منافذ القلوب إلى مواد المعارف التي تأتي من خارج كيان الإنسان، ولذلك قال الله تعالى في شأن من شرح بالكفر صدراً في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿أُولَائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾
* الأسباب المؤدية إلى الكفر فالطبع على القلوب:
وقد أشار القرآن إلى الأسباب الباعثة على كفر الكافرين والتي يتولدَّ عنها الطبع على قلوبهم ضمن سنن الله الثابتة، وهي ثلاثة أسباب:
السبب الأول: النفسية العدوانية، وفي الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) :
﴿ ... كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾
السبب الثاني: النفسية الجاهلة المنساقة مع الهوى، والتي لا تريد أن تعلم الحق خشية أن تنغص عليها المعرفة ما هي فيه من استغراق في الفجور، وفي
стр. 369
الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) :
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾
السبب الثالث: النفسية المستكبرة الجبارة، وهذا أخطر الأسباب، ولذلك يكون الطبع بسببه عل كل قلب متكبِّرٍ جبار، وفي الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿....كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾
أي: لا يقتصر على الطبع على بعض قلبه، بل يكون عليه جميعاً.
* تنوع التعبيرات القرآنية للدلالة على حقيقة الطبع على القلوب ومنافذها:
لقد جاء التعبير في القرآن عن هذه الحقيقة التي شرحناها بعبارات مختلفة، فكما رأينا جاء التعبير عنها بلفظ الطبع، ثم جاء التعبير عنها بالأقفال على القلوب، وجاء التعبير عنها بالختم إلى غير ذلك من ألوان في التعبير وكلها تحمل دلالات متقاربة لمدلول عليه واحد أو متقارب.
(أ) فالتعبير بالأقفال على القلوب قد جاء في معرض الحديث عن المنافقين في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) :
﴿أَوْلَائِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ .
ففي هذا النص تعبيران:
تعبير مباشر بأن نفاقهم قد سبَّب لهم الصمم عن قبول أقوال الهداية، والعمى عن رؤية آيات الله البينات في أنفسهم وفي الكون من حولهم.
وتعبير غير مباشر، وذلك بالنسبة إلى قلوبهم، فقال تعالى: ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ ، وهذا كناية عن الحجب التي تحجب بها قلوبهم بسبب كفرهم ونفاقهم.
стр. 370
(ب) والتعبير بالختم نجده في قول الله تعالى في أوائل سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾
فهؤلاء الذين كفروا بعد بيان الحق لهم وأصروا على كفرهم وعنادهم قد وصلوا إلى حالة من انطماس البصيرة وتبلُّد الحس لا ينفع معها الإنذار بسوء المصير، لأنهم جحدوا اليوم الآخر وما فيه من جزاء، فالإنذار وعدمه بالنسبة إليهم سواء ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ، وظاهر أن السبب في ذلك هو ما وصلوا إليه من الختم على قلوبهم وعلى سمعهم، وما جلَّل أبصارهم من غشاوة حجبتها عن رؤية آيات الله ودلائل وجوده، وحكمته وعدله. وهذا الختم وهذه الغشاوة هما من النتائج الطبيعية لما هم فيه من الكفر المعاند، بعد بيان الحق لهم بمختلف الوسائل.
ونجد التعبير بالختم في قول الله تعالى في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) :
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الههُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾
فهذا فريق من الناس قد اتخذ إلهه هواه، فهو يعبد أهواء نفسه، فيطيعها في أوامرها ونواهيها، ويسارع في تحقيق مطالبها وشهواتها، ولو كان في ذلك أذاه وضره وهلاكه، ومن اتخذ إلهه هواه فقد ضل سواء السبيل، ومن ضل بجنوحه واتباعه أهواء نفسه أضلَّه الله، فحكم عليه بالضلال حكماً مبيناً على علم بواقع حالة الضال، وإذا وصل الإنسان إلى هذا المستوى من الضلال واتباع الهوى قسا قلبه، وران عليه ما كسب من إثم، فحُجِب عن إدراك الحقائق الدينية الربانية، غلِّف بغلاف شامل، وختم على هذا الغلاف، وكان شأن أدوات المعرفة لديه كشأن قلبه، فيختم على سمعه أيضاً، فلا يستمع إلى نصيحة، ولا يتقبل موعظمة من مواعظ
стр. 371
الهداية الربانية، ويُجعل على بصره غشاوة، فلا يرى آيات علم الله وحكمته وعدله المنبثة في الوجود.
ولهذا نِسَب تصيب صغراها العصاة من المؤمنين، ونصيب كبراها الكافرين والمنافقين.
وقد يصغي المختوم على قلبه وسمعه إلى المواعظ إصغاءً صورياً، إلا أن هذا الإصغاء الصوري ليس له أثر في النفس، فوجود كعَدمه، ويبقى بعده الإصرار والاستكبار، كأن السامع لم يسمع من الهداية شيئاً، وهذا المعنى قد بيَّنه الله تعالى بقوله في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) :
﴿تَلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَق فَبِأَي حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لكُل أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾
فهذا الأفاك الأثيم يسمع آيات الله تتلى، ويظل مصراً على كفره، مستكبراً في نفسه، فكأنه لم يسمع شيئاً، إن بينه وبين الاستماع الحقيقي المؤثر حجاباً من كبر نفسه واتباعه الهوى، فهو مختوم على قلبه وسمعه.
فالتعبيرات قد جاءت في هذا المجال بالأقفال وبالختم وبالطبع، ولعلها مستويات ثلاثة، تبدأ بالأقفال، كأقفال الأبواب، ثم يكون الختم كالختم بالطين أو الشمع بالخاتم المنقوش بصورة متميزة، وهذا الطبع يكون في آخر عمليات أحكام الغلق وتثبيته، وهو كناية عن الانحجاب الكامل الذي تصل إليه قلوب الكافرين والمنافقين، بعد مراحل من العناد والاستكبار.
وقبل الأقفال تتوارد النكت السوداء على القلوب نكتة فنكتة (١) بسبب
стр. 372
المعاصي القلبية حتى يجللها الران، وهذا قد تتعرض له قلوب المؤمنين ولكن في مستوى ما دون الران.
(٦)
وصف الكافرين بأنهم كالأنعام بل هم أضل
لقد عطل الكافرون بالله ما وهبهم الله من عقل، وما منحهم من وسائل استنباط واستنتاج، فوقفوا بها عند حدود ظواهر المادة وأسبابها القريبة ولم يؤمنوا بالحقيقة الكبرى التي تدل هذه الظواهر عليها، كما أنهم لم يتسجيبوا لمشاعرهم الفطرية نحو هذه الحقيقة الكبرى.
وبما أنهم عطلوا ما وهبهم الله عما يجب عليهم أن يستعملوه فيه، كانوا هم وفاقد هذه المواهب سواء بحكم النتيجة.
لقد خلق الله فيهم عقولهم ووسائل إدراكهم لينظروا في الكون ويدرسوا خصائصه، وليستدلوا منه على خالقه ومبدعه ومدبر أمره، لكنهم نظروا في الكون فوقفوا عند حدود الظواهر وأسبابها القريبة التي لهم بها مصلحة في حياتهم الدنيا، ثم أنكروا خالقه ومبدعه ومدبر أمره، فكانوا بالنسبة لهذا القطاع الفكري كالأنعام، بل هم لدى التحقيق أسوأ حالاً وأضل سبيلاً، لأن فاقد الشيء أصلاً وهو لا يملك وسيلة لتحصيله واكتسابه معذور بفطرته. فالحيوان الذي لا عقل عنده ولا بصيرة تهديه معذور بضلالته إذا ضل، وربما تضل غريزته عن الإمعان في الضلال. بخلاف الإنسان الذي يعطل عقله عما خلق من أجله فهو غير معذور، والمسؤولية تلاحقه على مقدار ما وهبه الله من قوة إدراك معطلة، ومؤاخذاته تكون أشد، ومسؤولياته تكون أعظم حينما يسخِّر عقله ومواهب فهمه وإدراكه في خدمة أهواء نفسه الجانحة الجامحة، وعندئذٍ ينطلق في ميادين الشر والفساد بذكاء وحيلة، ولا يقف عند حدود محدودة، فلا لجام من غريزته، ولا ضابط من عقله، ومواهبه الذهنية مسخرة لأهواء نفسه في الضلال والفساد والشر، فهو بذلك أضل سبيلاً من الأنعام، ويصح أن يحكم عليه بأنه شر الدواب عند الله.
стр. 373
فإذا ذكِّر بالله والخير وفعل الصالحات لم يسمع من ذلك شيئاً، لأن قلبه مقفل بأقفال الأهواء والشهوات، مطبوع عليه ولو سمع بأذنيه الكلام المذكِّر بالله فإن قلبه وفكره في حجاب غليظ عن سماع مضمونه.
وإذا عرضت عليه آيات الله البينات في نفسه وفي الكون من حوله لم يرَ منها شيئاً، لأن بصيرته محجوبة بحجب الأهواء والشهوات ومصالح الدنيا ولذاتها، فلا يرى من الآيات إلا ظواهرها الدنيوية، أما دلالاتها الحقيقية الربانية فلا يرى منها شيئاً، وتظل بصيرته في عمى عنها، بسبب كفره بربه وبجزائه واليوم الآخر، وبسبب انحصار كل تصوراته في حدود الحياة الدنيا ومتعها وزينتها وهمومها وأحزانها.
فمن أجل ذلك صحَّ وصف هذا الفريق من الناس بأنه أصم أبكم أعمى، وبأنه لا يعقل.
فما قيمة سمع لا يؤدي وظيفته الأساسية؟ وما قيمة بصر لا يؤدي وظيفته الأساسية؟ وما قيمة فكر لا يهدي صاحبه إلى رشده وسعادته؟ إن وجودها وعدمها سواء في حكم النتيجة العاجلة، ووجودها شر وبلاء على صاحبها في حكم النتيجة الآجلة والعاقبة الوخيمة يوم الجزاء الأكبر.
وقد تظاهرت النصوص القرآنية في الدلالة على هذه الحقيقة، منها قول الله تعالى في سورة (الفرقان/٢٥ مصحف/٤٢ نزول) :
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الههُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾
فالكافرون بالله الذين اتخذوا أهواءهم آلهتهم لا يسمعون إلى نصائح الهداية، ولا يعقلون نفوسهم عن مواقع الضلالة، وما هم في حياتهم إلا كالأنعام يأكلون كما تأكل الأنعام، ويتمتعون كما تتمتع الأنعام، بل هم أضل منها في الحياة سبيلاً، لأن الأنعام تلجمها غرائزها، أما الكافرون من الناس فليس لديهم ما يلجمهم عن الشر الكبير والفساد العريض.
стр. 374
ومنها قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) :
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾
ومنها قوله تعالى في سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) :
﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
فهم في تمتعهم في الحياة كما تتمتع الأنعام تلهيهم آمالهم، حتى إذا جاءت آجالهم قطعت كل آمالهم.
ومن البديع أن الله ﵎ قد أثبت لهم قلوباً وأعيناً وآذاناً، ولكنه أثبت أيضاً أنهم لا يفقهون الحق بقلوبهم، ولا يبصرون آيات الله بأعينهم، ولا يسمعون أقوال الهدى بآذانهم، لذلك فهم كالأنعام بل هم أضل وهذه الغشاوات على مداركهم إنما تراكبت عليهم بسبب غفلتهم وانشغالهم بمتاع الحياة الدنيا، قال الله تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَائِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
ومن أجل ذلك كانوا شر الدواب عند الله، وهذا ما أعلنه الله بقوله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو?اْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَاب عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾
стр. 375
فبين الله أن سبب كونهم شر الدواب عند الله أنهم صم عن سماع الهدى، بكم عن قول الخير والاعتراف بالحق، لا يعقلون نفوسهم عن أهوائها الجانحة، وبذلك كانوا كافرين بالله واليوم الآخر، ولو علم الله فيهم خيراً من إيمان أو إرادة للخير لأزال الغشاوات التي تراكبت عليهم فأسمعهم، ولكن لو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، فلم ينتفعوا لأنهم هم السبب في هذه الغشاوات الحاجبة لهم.
وأوضح الله في آية أخرى أن شر الدواب عند الله الذين كفروا، فدل ذلك على أنهم هم الصم البكم الذين لا يعقلون، فقال تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ .
ووصف الله الكافرين في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) بأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فقال تعالى:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾
ووصف المنافقين بمثل ذلك فقال فيها أيضاً:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾
(٧)
موقف الكافرين من المؤمنين
عرفنا أن موقف المؤمنين من الكافرين هو موقف الرغبة بهدايتهم وإرادة الخير لهم، ليظفروا بالحياة الطيبة في الدنيا والسعادة الخالدة يوم الدين.
أما موقف الكافرين من المؤمنين فهو موقف كراهية وعداء، وإرادة تكفير ومحاولات تضليل، ويرافق ذلك حقد وتغيظ كلما رأوا خيراً أصاب المؤمنين، ومع
стр. 376
الكراهية والعداء والحقد والتغيظ تأتي مكايدهم الظاهرة والخفية، وألوان حروبهم الساخنة والباردة، المادية والمعنوية.
وقد تعرضت البيانات القرآنية إلى كل ذلك، وحذرتنا من الركون إليهم، ومن الانزلاق في مزالقهم، والوقوع في حبائلهم، والاستجابة لوساوسهم ودسائسهم التي يقدمونها لنا على صفة نصائح، لنعرف خصومنا وأعداءنا، فنكون على حذر من مكائدهم ودسائسهم، ونستطيع أن نواجه كل مكيدة بما يفعلها، ونملأ الثغور التي يمكن أن ينفذوا منها بالحراس الأسود اليقظين.
* البيانات القرآنية:
أما البيانات القرآنية في هذا المجال فمتعددة، منها البيانات التالية:
(أ) يقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
فهذا النص يكشف موقفاً من مواقف الكافرين تجاه المؤمنين، فهم ما يودون (أي فهم يكرهون) أن يصيب المؤمنون خيراً، سواء أكان خيراً مادياً أو خيراً معنوياً، وذلك لأن كفرهم قائم على الأنانية والحسد، وكراهية الحق والتعصب الأعمى للعقائد الموروثة. وهذه العوامل تجعلهم يكرهون الخير للمؤمنين الذين يخالفونهم في عقيدتهم وفي منهج حياتهم.
إن الكافرين في كل هذا على عكس المؤمنين، وذلك أن المؤمنين يحبون الخير للناس أجمعين، وأول ما يحبون للناس النجاة والسعادة بالإيمان الإسلام وطاعة الله والرسول، وقيادة الخلق إلى الحق، ثم يحبون انتشار السلم والأمن والسعادة في الناس أجمعين، ومشاركة الناس لهم فيما هم فيه من سعادة ومجد وخير عظيم.
(ب) ويقول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ
стр. 377
مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلا?ءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُو?اْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
ففي هذا النص يكشف الله عدداً من العناصر التي يشتمل عليها موقف الكافرين من المؤمنين، بعد أن ينهى المؤمنين عن أن يتخذوا بطانة من دونهم.
١- ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ ، أي: لا تتخذوا أقواماً من غيركم من الكفار والمنافقين بطانة يداخلونكم ويخالطونكم، ويطلعون على أسراركم، ويقدمون إليكم نصائحهم ومشوراتهم.
وبطانة الرجل أهل سره ممن يسكن إليهم ويثق بهم، والكلمة مستعارة من بطانة الثوب التي تكون مداخلة مخالطة، وتكون أقرب إلى ملامسة الجسد.
٢- ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ ، أي: لا يقصرون في إفسادكم وتدبير المكايد ضدكم.
٣- ﴿ودوا ما عنتم﴾ ، أي: ودوا عنتكم، والعنت المشقة والشدة والضيق والضرر الشديد، فهم يتمنون كل ذلك لكم، وهذا غاية العداء.
٤- لذلك فلا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم فيما يقذفون عليكم من أقوال، رغم تكتمهم، ورغم تصنعهم ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ .
٥- وهذا يدلنا على أن ما يخفون في صدروهم أكبر بكثير مما يظهر على ألسنتهم، أو يبدو في أعمالهم ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ ، فهم في الظاهر قد ينافقون ويداهنون، ولكنهم إذا خلوا كشفوا ما في صدورهم من غيظ ﴿وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل: موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ .
٦- هذا الموقف العدائي من الكافرين للمؤمنين يلازمه طبعاً أن يسوأهم
стр. 378
ما يسركم وأن يسرهم ما يسوؤكم، فإن تمسسكم حسنة من خير الدنيا ولو مساً خفيفاً ساءهم ذلك، وإن تصبكم سيئة إصابة بالغة سرهم ذلك ففرحوا بها ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها﴾ .
٧- ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ ، أي: فلا تكونوا مغفلين بعد أن عرفتم موقفهم العدائي منكم أيها المؤمنون.
(ج) ويقول الله تعالى في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذالِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
طبيعي أن من كان بهذه النسبة من العداوة المبينة في النص السابق أن يكون على نار من الغيظ، فمتى سنحت له الفرصة ليسطو بعدوه سطا بعنف وقسوة، فحاله حال قابع منتظر يتربص الدوائر، حتى إن أمارات الرغبة بالسطو تظهر على وجوههم، فيقرأ المتفرس الخبير هذه الرغبة المنكرة في وجوههم.
فالحذر منهم يجب أن يكون حذراً بالغاً، حتى لا يسقط المؤمنون في مكيدة من مكائدهم، وحتى لا يقعوا فريسة سطو مفاجئ منهم، إن هذا أقل ما يجب بالنسبة لأعداء مبغضين لا يألون جهداً في ضر المسلمين.
(د) ويقول تعالى في سورة (الممتحنة/٦٠ مصحف/٩١ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ منَ الْحَق يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ * إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُو?اْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّو?ءِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾
стр. 379
نزل هذا النص لتربية المؤمنين بمناسبة ما فعل حاطب بن أبي بلتعة، إذ حاول أن يرسل إلى مشركي مكة خبر عزم الرسول على التوجه إليهم، وكان ذلك قبيل فتح مكة.
وقد اشتمل هذا النص على بيان موقف الكافرين من المؤمنين، ليقف المؤمنون منهم موقف الحذر وعدم الموالاة.
١- فالكافرون يعادون الله ويعادون المؤمنين، فهل يليق بالمؤمنين العقلاء أن يتخذوا من الكافرين أولياء يلقون إليهم بالمودة؟ ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ .
٢- وسبب عدائهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق فهم مخالفون لكم في أصل العقيدة والخلاف في العقيدة يمثل تبايناً جذرياً بين المتخالفين ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ .
٣- ومن مظاهر عدائهم لكم أنهم قد أخرجوا الرسول وأخرجوكم فعلاً من دياركم وأموالكم في مكة، ويخرجون كل مؤمن، لأنهم وجدوكم قد آمنتم بالله ربكم، فنقموا عليكم ذلك، واعتبروكم أعداء للخلاف الاعتقادي الذي خالفتموهم فيه منذ آمنتم بالله ربكم وكفرتم بآلهتهم وعقائدهم الباطلة.
٤- وقلوبهم مملوءة بالغيظ والحنق عليكم ﴿إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء﴾ .
إن رغبتهم ببسط الأيدي والألسن بالسوء إليكم رغبة متربصة، تنتظر فرصة سانحة حتى تتحول إلى تنفيذ مادي وتطبيق عملي.
وبسط الأيدي بالسوء يكون بالحرب والقتال، وبسط الألسنة بالسوء يكون بالطعن والتجريح والهزء والسخرية والسباب والشتائم ونحو ذلك.
٥- ﴿وودوا لو تكفرون﴾ ، وهذه هي الرغبة الأساسية التي تحل مشكلة نفوسهم ضدكم، فهم ما نقموا منكم إلا أن تؤمنوا بالله العزيز الحميد.
(هـ) ويقول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) :
стр. 380
﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾
فالكافرون يحرصون أشد الحرص على تحويل المؤمنين من الإيمان إلى الكفر، ويبدو أن رغبتهم هذه تعبر عن نفسها بمحاولات كثيرة يتخذونها لإفساد أحوال المسلمين، وإخراجهم من الإيمان إلى الكفر.
(و) ويقول الله تعالى في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ .
فالكافرون لا يقفون عند حدود الرغبة بتكفير المؤمنين، بل يدعونهم لاتباع سبيلهم، ويزينون لهم هذه الدعوة، ويزعمون لهم أنهم يحملون عنهم آثامهم، إن كان في الكفر وفي اتباع سبيلهم آثام.
(ز) ويقول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْل?ـائِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْل?ـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
فهم لا يكتفون بالتبشير اللساني من أجل تكفير المؤمنين، بل يقاتلونهم حتى يردوهم عن دينهم ويعيدوهم كفاراً.
وبين الدعوة اللسانية التبشيرية والقتال من أجل التكفير، تأتي مختلف الوسائل التي تزيد على التبشير اللساني وتقل عن القتال.
стр. 381
(ح) من أجل كل ذلك حذر الله الذين آمنوا من طاعة الذين كفروا، فقال تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو?اْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ﴾
وقال فيها أيضاً:
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو?اْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾
* خلاصة ما اشتملت عليه هذه البيانات القرآنية:
باستطاعتنا أن نلخص موقف الكافرين من المؤمنين اقتباساً من البيانات القرآنية بالعناصر التالية.
١- ما يود الذين كفروا أن ينزل على المؤمنين أي خير من ربهم، وهذا العداء يعود إلى جذور نفسية قائمة على الأنانية والحسد والتعصب الأعمى.
٢- لا يألوا الكافرون في إفساد أحوال المؤمنين وتدبير المكايد ضدهم.
٣- يود الكافرون للمؤمنين كل عنت ومشقة وشدة وضيق وضرر.
٤- الكافرون يبغضون المؤمنين بغضاً شديداً يطفح على تصرفاتهم، حتى تبدو البغضاء من أفواههم، وطبيعي أن ما تخفي صدورهم أكبر.
٥- قد يداهن الكافرون في الظاهر بمقتضى نفاقهم، ولكنهم إذا خلوا عضوا على المؤمنين الأنامل من الغيظ.
٦- من سمات الكافرين أنهم يستاؤون إذا مست المؤمنين حسنة، ويفرحون إذا أصابت المؤمنين سيئة.
٧- ملامح إرادة الشر بالمؤمنين تظهر على وجوه الكافرين، فيعرف أهل الفراسة في وجوه الذين كفروا المنكر، ويقرؤون فيها رغبة السطو والاعتداء، كلما ظهر الذين آمنوا بإيمانهم وبالدعوة إلى ربهم.
٨- الكافرون يعادون الله ويعادون المؤمنين.
стр. 382
٩- سبب عدائهم للمؤمنين أنهم مخالفون لهم في أصل العقيدة.
١٠- لعدائهم للمؤمنين مظاهر شتى، منها إخراجهم من ديارهم وأموالهم.
١١- إن يثقفوا المؤمنين يبسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء.
١٢- يودون لو يكفر المؤمنون فيكونون سواء معهم عقيدة وسلوكاً.
١٣- يتخذون وسائل شتى لتحقيق رغبتهم بتكفير المؤمنين، أدناها الدعوة اللسانية التبشيرية، وأعلاها الحرب بكل صورها وأشكالها.
* ... * ... *
لكل ذلك حذر الله المؤمنين مما يلي:
١- حذرهم من أن يتخذوا الكافرين أولياء.
٢- حذرهم من أن يتخذوا بطانة من دونهم (كافرين أو منافقين) .
٣- حذرهم من أن يلقوا إليهم بالمودة على حساب العقيدة أو على حساب مصلحة المسلمين.
٤- حذرهم من أن يغفلوا عنهم، وأمرهم بأن يكونوا على يقظة تامة، حتى لا تدخل عليهم مكايد الكافرين من حيث لا يشعرون.
٥- حذرهم من طاعة الكافرين، لأنهم إذا أطاعوهم ردوهم عن إيمانهم فانقلبوا كافرين خاسرين.
(٨)
جدليات الكافرين
(أ) الجدال بالباطل إحدى صفات الكافرين الكبرى:
وقد وصف الله الكافرين بأنهم يجادلون بالباطل ليُدحضوا به الحق، أي: ليزيلوا به الحق من مواقع ثباته واستقراره في العقول والنفوس، كما هو مستقر وثابت في الواقع والحقيقة، فقال تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٩٦ نزول) :
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُو?اْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً﴾
стр. 383
إنهم لا يقتصرون على الجدال بالباطل، بل يضيفون إليه عمليات الهزء والسخرية لتغطية فساد أسلحتهم التي يستعملونها في الجدال.
والجدال بالباطل صفة ملازمة للكافرين في كل عصر، قال الله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿مَا يُجَادِلُ فِي? آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾
فالذين كفروا من قوم نوح والذين كفروا من بعد قوم نوح إلى مشركي قريش وكفار أهل الكتاب إلى غيرهم كل أولئك قد جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ولذلك أعطى الله الكافرين هذا الوصف، وجعله وصفاً مستمراً في كل الكافرين، ومتجدداً ما تجدد في الناس كفر.
وهذا شيء طبيعي فيهم ما داموا ملتزمين جانب الباطل، إنهم يريدون أن يبرروا سلوكهم، ويدعموا آراءهم ومذاهبهم بأية وسيلة، لكن شيئاً من الحق لا ينصرهم ولا يدعم ما هم فيه، ولا يبرر سلوكهم، فاقتضى واقع حالهم أن يزينوا الباطل ويزخرفوه ويجادلوا به، ليدحضوا به الحق القوي الثابت.
ومرض نفوسهم آتٍ من قبل داء الكبر، إنهم يستكبرون عن أن يعترفوا بالحق، وهم ملتزمون جانب الباطل بتأثير أهوائهم، ويجادلون بالباطل المزخرف، ليعطوا أنفهسم صورة الكمال بين الناس، وليُغَشُّوا على بصائرهم حتى لا تنزل مكانتهم في نفوسهم، وهذا ما نبه الله عليه بقوله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي? آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾
فهؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، أي: بغير حق
стр. 384
ولا حجة منه، هم من المتكبرين الجبابرة، الذين طبع الله على قلوبهم، إذ حجبوها عن رؤية الخير والهدى، بما جمعوا في نفوسهم من كبر متجبر.
ولما أكثر الكافرون على الرسول محمد ﷺ من جدلياتهم الباطلة كشف الله له داء نفوسهم هذا، وأمره بأن يستعيذ به، ليقوى على الصبر عليهم، وليفتح الله له من الحجج ما يدمغهم، فقال الله له في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي? آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
أي: ما في صدورهم من كبر ناشئ عن أوهامهم حول أنفسهم لم يكونوا ليبلغوه في واقع حالهم، فهم يجادلون بغيرسلطان أتاهم، والأمر الخطير أنهم يجادلون في آيات الله.
وحينما يجادل الكافرون يذهبون مذاهب متهافتة شتى، ويخبطون بغير علم خبط عشواء، ويقررون أموراً باطلة، ويلجؤون إلى الكذب تارة، وإلى المراوغة تارة أخرى، ويغالطون في الحقائق بالتعميم أو بالتخصيص أو بالحذف أو بالإضافة أو بالتمويه والإيهام، أو بنحو ذلك، ونجد الإشارة إلى ذلك في قول الله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي? آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾
أي: فهم يصرفون إلى سبل شتى من سبل الباطل والزيغ، ويتعلقون في جدالهم بما ليس فيه حجة مقبولة.
والعجيب في الأمر أن الكافرين يجادلون في الله وفي آيات الله دون أن يكون لهم سند من علم صحيح، أو من عقل منطقي سليم.
وهم قسمان: أتباع وقادة.
стр. 385
أما الأتباع فقد ذكرهم الله بقوله في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ .
فهؤلاء يجادلون في الله بغير علم، ويتبعون في جدالهم القادة الشياطين المردة، الذين يضلونهم ويسوقونهم إلى عذاب النار.
وأما القادة فقد ذكرهم الله بقوله في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿ومِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾
فهؤلاء يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وهم يستكبرون بين الناس متعالين بموقفهم القيادي، ويعرضون إعراض كبر وترفع، ليحافظوا على منزلتهم في نفوس أتباعهم وفي نفوس الآخرين، ويزيد ذلك حينما تنكشف أو تبدأ تنكشف ثغرات الضعف في حججهم التي يسوقونها، فيلاحظ أن أحدهم كلما شعر بضعف موقفه في النقاش ثنى عطفه استكباراً ليضل عن سبيل الله، ومن أجل ذلك كان له عند الله عقابان، فله في الدنيا خزي، وله في الآخرة عذاب الحريق.
أمام هذا الواقع الذي عليه الكافرون اقتضت ضرورة حماية الدعوة وتثبيتها وتأييدها مقارعة السلاح بنظيره. فكان على المؤمنين أن يقاوموا الجدال بالجدال، ويقارعوا الحجة بالحجة، ويدحضوا الباطل بالحق، ولكن جدال المؤمنين يجب أن يكون جدالاً بالتي هي أحسن، وهذا ما أمر الله به رسوله إذ قال له في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
стр. 386
وما خوطب به الرسول ﷺ فهو خطاب عام لكل المؤمنين ما لم يكن من خصوصيات الرسول بدليل خاص.
(ب) أصول جدليات الكافرين حول الحقائق الدينية:
لقد جادل الكافرون في قضية الإيمان الكبرى: في قضية التوحيد، في قضية الرسول والرسالة، في قضية الإيمان باليوم الآخر، في قضية الكتاب المنزل من عند الله، في قضية القضاء والقدر، إلى غير ذلك.
وكانت جدلياتهم في كل ذلك تعتمد على ما يلي:
١- الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم، وظاهر أن هذا ليس بحجة مقبولة عند العقلاء، لأنه تعبير عن التقليد الأعمى.
٢- جحود الحقائق والأدلة الظاهرة بالمكابرة، والإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل، أو أساطير الأولين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة، وإنما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق الشتائم وتكذيب للحقائق بالأوهام.
٣- الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد، دون سند من العقل الصحيح، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة، لأنها تعتمد على عدم الألف للموضوع، أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية، وليس شيء من ذلك بمقبول منطقياً، فما كل حقيقة يجب أن تكون مألوفة، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس، كلهم أو بعضهم.
٤- الاحتجاج بامتياز الكافرين على المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة، واعتبار ذلك دليلاً على فساد عقيدة المؤمنين ومنهجهم، لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم الله وزادهم رفاهية وترفاً، وهذه حجة ساقطة، لأن أي عاقل يدرك أسس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا، يعلم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وأن إحدى مواد الامتحان في هذه الحياة الابتلاء بالغنى أو بالفقر، بحسب حالة كل إنسان، وأن الابتلاء بالغنى ليس تكريماً، وأن الابتلاء بالفقر ليس بإهانة، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور الجزاء الأكبر في الأخوة،
стр. 387
ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين، فللمؤمنين دار النعيم الخالد، وللكافرين دار الشقاء الأبدي.
٥- الاحتجاج بتعللات القضاء والقدر، وفق المفاهيم الجبرية المرفوضة في الدين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة أصلاً، ما دام الدين - الذي هو مصدره الوحيد -يرفضه ولا يقبله، وذلك لأن مفاهيم القضاء والقدر الصحيحة إنما نأخذها على الدين، فمن تعلل بعلة دينية يرفضه الدين نفسه، فقد كذَّب على الدين ليحتج عليه بما ليس فيه ولا منه.
٦- جدال لا أساس له إلا الكبر الطبقي، كقول الكافرين عن فقراء المؤمنين: "لو كان خيراً ما سبقونا إليه" وهذه حجة مضحكة للعقلاء، وقد زينها في أذهانهم اغترارهم بأنفسهم واستكبارها بما لديهم من متاع الحياة الدنيا.
٧- اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق، والشتائم الهزء والسخرية ونحو ذلك، مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم، وتتساقط أدلتهم، وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان.
(ج) نظرات تفصيلية حول جدلياتهم:
ونلقي في هذه الفقرة نظرات تفصيلية حول طائفة من جدليات الكافرين في قضايا الإيمان الكبرى، لنتبين مدى ما هم فيه من سقوط فكري فاضح حينما يعالجون قضايا تتعلق بعقائدهم ومناهجهم في الحياة، مخالفين فيها حقائق الدين وشرائعه.
* جدالهم حول قضية التوحيد:
لقد جادلت عاد قوم هود رسولهم هوداً ﵇ في آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، مع أن معبوداتهم هذه لا تزيد في واقع حالها على أنها أسماء سموها هم وآباؤهم، لا يؤيد استحقاقها للعبادة سند من علم أو عقل، ولا سلطان من دين صحيح، وقد حكى الهل جدالهم لهود ﵇ في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
стр. 388
﴿قَالُو?اْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونِي فِي? أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُو?اْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾
فهم قد اخترعوا من عند أنفسهم أسماء وجعلوها آلهة يعبدونها، وجادلوا فيها بغير قاعدة علمية، واكتفوا بحجة التقليد الأعمى.
وجادل كفار قريش رسول الله محمداً صلوات الله عليه في قضية التوحيد، ولم يكن لهم حجة إلا التعجب من جعل الآلهة إلهاً واحداً، واتهام الرسول ﷺ بالاختلاف والافتراء على الله، وقد وصف الله حالهم ومقالتهم في سورة (ص/٣٨ مصحف/٣٨ نزول) فقال تعالى:
﴿وَعَجِبُو?اْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ منْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَاذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ الهاً وَاحِداً إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَاذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾
وليس في تعجبهم ولا في اتهام الرسول بالاختلاق حجة مقبولة عند العقلاء، فالتعجب لا ترفض به الحقائق، والاتهام بالكذب والاختلاق لا يمثل حجة ذات وزن مطلقاً لدى العقول السليمة، باستطاعة أي إنسان أن يتهم كل الناس بالكذب والاختلاق، وأن يطلق كلمة الباطل على أية حقيقة، ولكن هذا شأن الذين لا يحترمون نفوسهم وعقولهم.
* جدالهم في قضية الرسول والرسالة:
جادل الملأ من قوم نوح لرفض رسالته التي أرسله الله بها، وإثبات أنه مفترٍ كذاب، ولكنهم لم يأتوا بأية حجة منطقية مقبولة لدى العقلاء، وكانت حجتهم مجرد توجيه التعجب والاستغراب والاستبعاد، إذ تعجبوا أن يكون الرسول بشراً مثلهم، وافترضوا أن الواجب يقتضي بأن يكون ملكاً من الملائكة لو أن الله شاء أن يرسل رسولاً.
стр. 389
هذه كانت حجتهم مع أن الحكمة تقتضي بأن يكون الرسول إلى البشر من البشر أنفسهم لا من الملائكة.
ويحكي الله لنا مقالة الملأ من قوم نوح في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) :
﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِي? آبَآئِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
فهؤلاء بعد أن قدموا التعجب كحجة لهم انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وفي هذا تبرر للتعجب من جهة، واحتجاج بالتقليد الأعمى من جهة أخرى، ثم انتقلوا إلى إطلاق الشتائم، وكل هذا ليس له في مجال الاحتجاج المنطقي نصيب، ولكن دافع الكبر كان حجاباً لهم على الاستجابة له، أومأ إلى ذلك قولهم "يريد أن يتفضل عليكم".
ومثلما قال قوم نوح قال أيضاً من بعدهم قوم هود، يقول الله تعالى حكاية لقولهم في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) :
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾
وهكذا نلاحظ أنهم لم يقدموا دليلاً في جدالهم حول قضية الرسول وقضية الآخرة غير مجرد الاستغراب والاستبعاد، وإيراد عبارات التعجب، وأنت خبير بأنه ليس في التعجب شيء يصح أن يحتج به أصلاً، ولكنها تعلات الكافرين.
стр. 390
ودرج مشركو قريش وسائر كفار العرب على طريقة أسلافهم في الاحتجاج لرفض رسالة الرسول محمد ﷺ ، ويقص علينا أنباء جدلياتهم فيقول جلَّ وعلا في سورة (الفرقان/٢٥ مصحف/٤٢ نزول) :
﴿وَقَالُواْ مَا لِهَاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا? أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾
هذه مقالات قالوها رداً على دعوة الرسول لهم، وهي كما رأينا تشبه مقالات الأمم قبلها، وهي تمثل صورة الجدال المتعنت، الذي اشتط في مطالبه، زاعماً أنه يريد أن يستوثق من صحة رسالة الرسول وصدق نبوته.
لقد تعجبوا من أن يكون الرسول بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، زاعمين كما زعم الذين كفروا من قبلهم أن الرسول الذي يتلقى عن الله ويبلِّغ الناس ينبغي أن يكون ملكاً، حتى يصلح لاستقبال الرسالة الربانية وتلقي الوحي الإلهي، أو يكون هذا الملك مرافقاً للرسول من البشر.
هكذا طرحوا مقالاتهم على هذا الأساس الضعيف الذي لا يشتمل على حجة صحيحة.
وقد جاء الرد القرآني على مقالتهم هذه في قول الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَقَالُواْ لَوْلا? أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ .
وفي قول الله تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُو?اْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُو?اْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل