← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12726

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ابن عربشاه

Полный текст (515 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

نار الجحيم، وهديت قوم لوط إلى الخوض في التلوط ومحافر القلوط، وسولت لأولاد يعقوب وحاولت في قضية ايوب، وتصديت لابن إسماعيل وعارضت ابنها وهو مع الخليل، وأنسيت يوشع قصة الحوت، وساعدت على صاحب الحوت، وجلست بالعصيان على تحت سليمان، وحضرت وقعة طالوت، وساعدت عليه جالوت، وأنا كنت العون لهامان وفرعون، وبحسن ضبطي قتل موسى القبطي، وأنا فتنت داود، وأغويت قارون اليهود، وسلطانهم على الوالدة والمولود، ودللت على نشر زكريا، وذبح يحيى، وجرأت على قتل الأنبياء والأولياء، وتوصلت بتزيين الوسواس لقاتلي الذين يأمرون بالقسط من الناس، ودعوت على عبادة العجل قوم موسى، وساعدت في التفريق، والإظلال بين أمة عيسى، وكم أغويت من رهبان، بما زخرفت من صلبان، وقد بلغني من جميع مسترقي السمع وطن على أذني، ووعاه خاطري ووقر في ذهني، وأنا أشارفالتخوم واسارق النجوم وأسابق الرجوم، إن لي أسماء تذكر في السماء منها الغيظ الرقبة، وشيخ نجد وأزب العقبة، والمقيم في الدست البيضة، والغوي على نقض عهد بني قريظة، والمحرض على أحد وبدر من الصناديد كل جليل القدر والمشهور في أحد بالندا، والملقي العرب بالردة إلى الردى، وأنا المتسبب في قتل عمر وعثمان، وإهلاك على أمير الشجعان، والغوي في وقعتي الجمل وصفين، والملقي الفتن بين جنود المسلمين، وإن شري سرى إلى يزيد وفاض للحجاج والوليد، وبي تكثر البدع بين الجماعات والجمع، ويظهر من الفتن ما يطن، ويغلب من التتار وأهل البوار والخسار أنواع الشرور والجدال إلى حين يظهر الدجال، وتستمر هذه الأمور إلى يوم البعث والنشور،

стр. 142

وبالجملة والتفصيل أنا شيخ التكفير والتضليل، وتلك صنعتي من الابتداء، وحرفتي إلى الانتهاء، ثم إنك نبعت في هذا الزمان، وظهرت في هذا المكان، تريد أن تهدم ما بنيته، وتعوج بصلاحك ما بفسادي سويته، وترد كلامي وتعاكسني في مرامي، وأنا كنت في قديم الزمان، من قبل أن توجد أنت في هذا المكان ناديت بين بنيه وشهرت في ذوقه قولي: كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وقامروا ... وهيا اسرقوا وخوضوا والدما جهرا ولا تتركوا شيئاً من الفسق مهملا ... مصيركم عندي إلى الجنة الحمرا وكانوا قد سمعوا وأجابوا وأطاعوا وأنابوا وشملي بهم منتظم، وأمري بتفريق كلمتهم ملتئم، وأسهم مرامي المشومة نافذة في المشارق والمغارب، وسيوف مناشري المسمومة قاطعة في الأعاجم والأعارب، كم لي في الأطراف والآفاق والاكناف من قاض ونائب ومانع من الخير حاجب وأمير وصاحب، ووزير وكاتب، ومشير وحاسب، وجليس ونديم، وتابع وخديم، وناظر وعامل، وناقص وكامل، وكم لي من جابي منوط بتفريق قلوبهم وجمع سويدائها إلى بابي، وكم لي في المدارس ذو وساوس، وفي الجوامع والبيع والصوامع من مذكر وواعظ وإمام وحافظ، ومقرئ وعابد، وشيخ وزاهد، وكم لي في الزوايا من خبايا، وفي أصحاب الروايات من درايات، وفقيه في النادي فاق الحاضر والبادي، يعلم في الشيطنة أولادي، وفي البيلسة حفدتي وأجنادي، وأما سائر الفساق في الآفاق، وسكان الأسواق، وقطان الجبال والرستاق، ورجال الحاري والأوراق، فكلهم لي عشاق وإلى ديني مشتاق، وسل عني أرباب الحانات، وسكان الخانات، وبالجملة غالب الطوائف وأرباب الوظائف على باب خدمتي واقف، وعلى طاعة مراسيمي ليلاً ونهاراً عاكف، مناي مناهم، ورضاي رضاهم، وأن خالف بعض سري نجواهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل

стр. 143

ما هم، وأنت الآن جئت برايتك وسالوسك، وطامتك وناموسك تبدد عني عساكري، وتشرد من بني الأنس عشائري، وتشتت جموعي، وتخلي من الفسق والفساق ربوعي، من غير أن تشاورني، ولا تخبرني ولا تحاورني، ولا تبحث معي، ولا تناظرني، وهاأنا قد جئت إليك، ونزلت كالقضاء المبرم عليك، أريد أن أناظرك في أنواع من العلوم، وأسألك عن حقائقها من طريق المنطوق والمفهوم بحضرة من الجن والأنس، وسائر نوع الحيوان والجنس، فيظهر إذ ذاك جهلك فينبذك قومك وأهلك، ويتركك معتقدوك، ويتراجع عنك مريدوك، وأفسد بين العالم صيتك وأتلفه فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه. فلما وصل رسول العفريت الكافر الصفريت إلى الشيخ العاد والعالم الزاهد الجاهد المجاهد فعندما وقع نظر الشيخ عليه ووصلت سهام لحظاته إليه، كاد أن يذوب مالملح، وأن لا يقوم الفساد للصلح، فبهت الذي كفر، وأخذته الدهشة والخور، وغلب عليه الانبهار وكاد يحترق من الأنوار، واستولى عليه الرجيف، وسقط من الوجيف، فما أبدى ولا أعاد ولا قام للصلاح ذلك الفساد. فقال له الشيخ مالك: وما أحالك وغير حالك؟ وما موجب دخولك علي وأنت غير منسوب إليّ؟ فقال: كف عني أنوارك واطوعني أسرارك حتى أقول فإني رسول فمالي طاقة برؤيتك ولا سواغوما على الرسول إلا البلاغ.

стр. 144

فقال: رسول أي طغين وسيطان لعين. فقال: أنا رسول محبك العفريت المشقوق الحوافر، الواسع المناخر، المسلوب المفاخر، أبي السعالى الكافر العالي، قد أقبل إليك في جمع كثير، وعدد من الجن غزير، ومعه رؤوس العفاريت والعتاة المصاليت، والطغاة المفاليت، وقد حملني إليك رسالة، تتضمن من الخبث شجاعة وبسالة، إن شئت أديتها، وإن أبيت رديتها، فقال: قل ما تريد وأبلغ ما معك عن ذلك العنيد وأوجز ما تقول، ولعن الله المرسل والرسول. فأبلغ الرسالة وأداها وأسال في أوديتها مؤداها. فقال الزاهد وكان بالأحوال خبيراً: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا. والله ما لكم شبه في هذا الكيد إلا الحمار في الوحل والحمام في شبكة الصيد. قل لمرسلك أرى قدمك أراق دمك وهواك أهواك وأفعالك أفعالك لم وسؤالك أسوا لك وخيالك أخبى لك فأولى لك أولى لك، ولعن الله أولى لك لا شك أن الله تعالى أراد دماركم وأن يمحوا آثاركم ويخلي دياركم فتستريح البلاد من فسادكم والعباد من عنادكم أما أنا فأذل الخلق وأحقر الداعين إلى الحق، ولكن بعون الله وقدرته وإلهامه وقوته لي من اعلم والفضل ما أجيبه ويقتله من خوفه به وجيبه وسيظهر في الجمع على رؤوس الأشهاد عويله ونحيبه وسيبين اللع في سنن الخلق فروضه، ويكشف صحيح الحق ومريضه، وإذا أدعى بدعاوى طويلة عريضة فإن الله تعالى قتل نمرود العاتي ببعوضة، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

стр. 145

أما سمع ذلك الملعون، وعلم الشقي المغبون، أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون. فمتى أراد يحضر ويسير نفسه وخصمه ويخبر ويصحب معه من يريد من كل جني عنيد وشيطان مريد فإن الحق يحق فيبطل الباطل، ويتميز في حلبة السباق الحالي من العاطل، فرد هذا الجواب الرسول، وكشف حقيقة المقول. ثم إن العفريت المخذول سأل الرسول عن أوضاع الشيخ الزاهد وأحواله في المساجد والمشاهد وما شاهده من أموره وحكاياته وحركاته وسكناته وأخلاقه ومعاملاته وكيف هيئته وصورته وما شاع عنه في قومه من سيرته. فقال: رأيت رجلاً سعيد الحركات كامل البركات صورته جميلة وأوصافه نبيلة، وهيئته جليلة، بدنه نحيل وفضله عريض طويل، وكلامه الصادع في أمثالنا ثقيل قاطع. فقذف الله في قلبه الفزع، وأخذته نوافض الرعب والهلع. فقال: أما والله إن هذه الأوصاف لصعبة الأعراق والأعراف، وستطرحنا وراء جبل قاف وإنها لسيمة الصلاح وعلامة الفوز والنجاح، وإنهم لهم المنصورون، وحزب الله هم الغالبون، ولقد ندمت على مراسلته، وكان الأولى سلوك طريق مجاملته ولكن الشروع ملزم ولابد أن أتم ما عليه أعزم، فواعده إلى وقت معلوم، ثم إنه أحضر وأحضر معه من جنده كل جني ظلوم وعفريت غشوم، ومتمرد مشوم ومخلوق من قبل من نار السموم.

стр. 146

واجتمع من بني آدم عند الشيخ تلامذته وأصحابه الصالحون وجماعته وكانوا الجم الغفير والجمع العزيز، واشترطوا بعدما خبطوا واختبطوا وحلوا وارتبطوا أنه أن أجاب الشيخ سؤالات العفريت، وسرى في نارهم سريان النار في الكبريت، لا يظهر بعد ذلك اليوم لبني آدم أحد من أولئك القوم بل يكونون عن الأبصار مختفين وتحت الأرض في الجزائر والخرائب كزنادقة بغداد منتفين. وإن عجز الشيخ عن جواب سؤاله يهلكه العفريت مع خيله ورجاله ثم شرع العفريت في الرسائل، وإلقاء المسائل فقال العالم: على كم بالعرض والجسم وهل للعالم موجد وهل هو واحد أو متعدد؟ فقال الزاهد الإمام العالم على ثلاثة أقسام (الأول) مفردات العناصر كالتراب والماء والنار والهواء، وتسمى الإستقصاآت وأصول الكائنات والمركبات من هذه الأجزاء المفردة لا تستمر على حالة واحدة ولا تخلو من حركة وانتقال ودأبها التغير من حال إلى حال (الثاني) الأجرام العلوية كالسماوات وكواكبها المضية، وهي متحركة بالبروج ولحركتها دائرة ما لها من مركزها خروج فهي متحركة من بعض الجهات ساكنة كالفصوص في المرصعات وتوصف في حركتها بالصعود والهبوط والارتفاع والسقوط والرجوع والإقبال واستقامة الحال والاحتراق والانصراف والانحطاط إلى الحضيض والإشراف ويحكم عليها بالافتراق والاقتران والتربيع والتثليث والتسديس في السيران والمقابلة في الرجعة وبطئ السير والسرعة وينسب إليها ما يحدث في

стр. 147

العالم السفلي من جزئي الوقائع والكلي ومن نحوسة وسعادة ونقص وزيادة وخير وشر ونفع وضر وتأثر وتأثير وقليل وكثير وانحراف واعتدال وحدوث وزوال وصحة وسقم وسكون وألم ووجود وعدم فبعض من لم يعرف الطريقة يسند هذه الأشياء على الحقيقة، وذلك لقصور فهمه وقلة العقل كقول الجاهل أنبت الربيع البقل. وبعض من لم يكن له إدراك يزعم أن هذا إشراك ولا يسند هذه الحوادث إليها ولا يعول في ذلك أبداً عليها لا بالحقيقة ولا بالمجاز ولا يسلك في ذلك إلى طريقة المجاز والمحققون من العلماء والراسخون في العلم من حكماء الفقهاء يسندون هذه الحوادث والتأثير إلى قدرة اللطيف الخبير الصانع القدير الفاعل المختار الذي يخلق ما يشاء ويختار فإذا نسبوا هذه الأفعال إلى غير ذي الجلال فإنما يجعلونها في ذلك الباب كالآلات والأسباب كتأثير الخبز في الإشباع والنار في الإحراق والإيجاع وكفعل الماء في الإرواء والدواء في الأدواء وإنما ذلك كله بتقدير صانعها وما أودعه فيها من خواص بدائعها وصفات ودائعها كخاصية الإسهال المودعة في السقمونيا وخواص التصبير وغيره الكامنة في الموميا والإسكار في الخمر والإحراق في الجمر وقد رأينا القوة النامية عقيب الأمطار الهامية والشمس حامية تهيج وتنمو وتموج وتزكو وهذا الصنيع البديع إذا حلت الشمس في برج الحمل وقت الربيع وإذا نقلت إلى برج الأسد احترق ذلك الجسد وعند نقلها إلى الميزان ينقلب هذا الزمان، وكذا إذا تحولت الغزالة إلى برج الجدي فكأنه بلغ إلى محل الهدى فتموت إذ ذاك قوة الزمان، ويضعف لذلك غالب الحيوان

стр. 148

وهذا كله مشاهد محسوس لا يمكن أن تنكره النفوس خواص وضعها خالق الكون، يستفاد بعضها من الطعم والريح واللون، وبعضها لا يدرك ما أودع فيه الابارشاد خالقه ومنشيه، هكذا جرت سنة العزيز الوهاب أن الأحكام والوقائع تناط بالأسباب، وقد يختلف منها الأثر عن المؤثر ليعلم من ذلك وجود سنة القاهر المدبر وأنها مقهورة تحت الأمر ومقسورة فسر العقل مع الخمر ولولا أن ذلك من سر جسيم لما تخلفت النار عن إحراق إبراهيم ولما ولدت مريم ولا أغرق البحر القبط وأنجى بني إسرائيل وموسى وكم من آكل وهو جيعان وشارب وهو عطشان ومتدثر يتدفأ بالنار وهو بردان والفلك الأعظم محيط بهذه الأجرام ونسبتها إليه كنقطة للبحر الطام متأثرة بتأثيره دائرة بتدويره يتصرف فيها على حسب ما شاء باريها وصرفه فيها منشيها فاطر السماوات والأرض جامع الخلائق ليوم العرض وكما هي محاطة بالدائرة الفوقانية كذلك هي محيطة بالكرة لتحتانية (القسم الثالث) العقول والنفوس الملكية وهي أشرف من الأجرام العلوية ومقام هذه العقول في مقام عزيز الوصول يسمى أعلى عليين وجواهرها لا توصف بتحريك ولا تسكن ولا بهذه البساطة والتركيب وأمرها بديع وشأنها عجيب وأما العرض فما لا يقوم بذاته، وهو في العالم كالألوان والطعوم وأصواته والروائح والقدر وإراداته وأما الجسم فما تركب من جوهرين فأكثر وما قام بنفسه يسمى الجوهر

стр. 149

(وأما) الموجد للعالم فهو واحد لا ينثني واحد لا يتجزأ ولو لم يكن للعالم صانع لكان العالم أضيع ضائع وهل رأيت مصنوعاً بلا صانع وسقفاً مرفوعاً بلا رافع وهل نفي الصانع إلا مكابر. وما يجحده إلا النفوس الكافره فقال العفريت: فما لدليل على وجود الصانع العقل والنقل أم أحدهما متبوع والآخر تابع فقال العالم الزاهد: قد أطبقت العقلاء وأجمعت الحكماءأن العقل دليل على وجود الصانع وبه الدلالة والشرع له تابع وكما هو الدليل على وجود الذات كذلك هو الدليل المستقل على إثبات الصفات وهي صفات الكمال، ونعوت الجلال. فقال العفريت: فما الدليل على وحدانيته فقال الزاهد كل من العقل والشرع كاف في دلالته. قال العفريت: فما المراد من عالم الكون والفساد؟ فقال العالم: معرفة أمور المبدأ والمعاد. قال العفريت: فما أفضل العقل أم النقل؟ فقال العالم: كل منهما حجة الله قد أسند له من عباد من يراه وذلك إن الله لما أرشدنا إلى الدين القويم، وثبت أقدام توحيدنا على الصراط المستقيم، نبهنا إلى أن المقصود من الدخول في دائرة الوجود معرفة موجودنا المعود، كما قال من يقول للشيء كن فيكون، وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ثم طلب مراضيه بما تبرز به أوامره وتقتضيه وذلك هو الرشاد ياذا المكر والعناد

стр. 150

إلى المعارف الإلهية وما به نظام المعاش ونجاة المعاد وليس لنا دليل في العلم والتعريف سوى طريقتين مرشدتين إلى التوقيف على أمور المبدأ والمعاد وما بينهما في دار التكليف إحداهما ما جبلنا عليه وما اكتسبناه من العقل وثانيتهما ما بلغنا من الأخبار الصحيحة والنقل فالعقل لا يدخل في إثبات المعارف الإلهية ولا في هذا الباب المقدم من الأمور المعاشية والمعادية وهو حجة الله القاطعة البالغة وأصل براهينه الساطعة الدامغة وبواسطته استعبد عباده الكملة وإلى من خصه به أرسل رسله ثم العقل جوز إرسال الرسل ولا يرد ما تقوى به لتوضيح السبل والنقل لا يأتي بما يناقض العقل وإنما يرد بما يزكي قضاياه وبصقل مرائي أحكامه أحسن صقل ونظير ما حصل للعقل بالشرع من الاستئناس ما حصل للكتاب من معاضدة السنة والإجماع والقياس ولو ورد المنقول بما يناقض المعقول لأشبه فرعاً يوجد ماله من أصول إذا أقبلت مواكب الأوامر الإلهية على لسان الرسول خضعت جماجم العقول منقادة بزمام الانقياد والقبول سامعة لما يرد منها مطيعة لما يصدر عنها فتارة يظهر للعقل ما للأوامر الشرعية من الحكم كنار على علم وتارة يعجز عن الإطلاع على ما تضمنته الأحكام النقلية من الحكم فإذا ورد الشرع بحكم وكان للعقل في حكمته إدراك آثره وأكده واستمسك به في تصرفاته أقوى استمساك وإن لم يكن له في إدراكه مدخل نادي بلسان العجز والتسليم سبحان من لا يسئل عما يفعل والحاصل أن سلطان العقول في ممالك خليفة الشرع وولايته معزول ومن جملة ما ورد على لسان السمع على لسان عدوك صاحب الشرع الصادق في المقال مما ليس للعقل فيه مجال أحوال المعاد ومبدؤها ما يطرأ على العباد في حد هذا الكون من الفساد

стр. 151

فقال العفريت أخبرني يا ذا الإنسان مخلوق مماذا وما الآدمية والنفس الإنسانية وهل هي واحدة أو متعددة ومآلها إلى أين بعد وقوع البين فقال العالم: الإنسان مخلوق يا مصفعه من هذه العناصر الأربعة التي مر ذكرها وتبين أمرها التراب والماء والنار والهواء فإذا تمازجت واعتدلت إذا تزاوجت حصل لها من التركيب أمزجة ثمانية لا على الترتيب والآدمية عبارة عن القوة المميزة بين الحسن والقبيح والفاسد والصحيح والحق والباطل والخالي والعاطل والخير والشر والنفع والضر والمميزة لهذه الأشياء الفارقة، يقال لها النفس الناطقة وهي ثلاثة أنواع يا خارج الطباع إحدها الروح الطبيعة القائمة بالكبد وهي من الأغذية تستمد الثانية الروح الحيوانية ومقامها لقلب أي كلب وللأبد إن منها حراك واستمدادها من حركات الأفلاك الثالثة لروح النفسانية ومقامها في الدماغ ومنها الحركات الذهنية والقوة التامة القوية تطلب غذاءها الروح الطبيعية والقوة المميزة تطلب ما يسعدها في الدارين من الروح النفسانية ويبعدها في المقامين عن الأسباب الشقية واستمدادها وقوتها من الأجرام العلوية وأعلى مقامات هذه النفس الحكمة والحكمة أوفى منحة وأوفر نعمة وقد قال تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقدأوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب ومصير هذه الأرواح إلى عالم الغيب لأجل الثواب والعقاب وقيل حقيقة نفس الإنسان أيها المارد الشيطان لطيفة روحانية ودقيقة ربانية لها تعلق رباني بقلبه وقالبه الجسماني وهي المدركة العالمة

стр. 152

العارفة الفاهمة بها يتكلم الإنسان وتبصر العينان وتسمع الإذنان وتبطش اليدان وتمشي الرجلان وهي المخاطبة والمعاتبة والمثابة المعاقبة والمطلوبة والمطالبة ويطلق عليها لفظ القلب تارة ولفظ القلب تارة ولفظ الروح أخرى ويقال لها النفس مرة ولفظ العقل أيضاً وابن آدم هو المخصوص بهذه الكرامات وبهذه النفس دون سائر الحيوانات وإن كان يطلق على الجميع إن لها نفساً بالاشتراك لكن هذه النفس الناطقة والنطق هو الإدراك واختلف أيضاً وتحيرت الألباب في صنع رب الأرباب وتاهت الأفكار والفطن في كيفية تعلقها بالبدن ولا يحصل لأحد على هذا وقف إلا بطريق الولاية والكشف وهذه النفس لما كثرت صفاتها وتضادت نعوتها تخالفت أوصافها وازداد في صفاتها اختلافها حتى قسموها فقالوا أنواعها ثلاثة ناطقة وشهوانية وغضبية رضية فالناطقة مسكنها الدماغ ولها مساغ والكبد مسكن الشهوانية والقلب مسكن الغضبية الرضية فأية نفس غلبت أختيها جذبت أحوالهما وصفاتهما إليها، وهذه يا أتعس زوبعة كالعناصر الأربعة فإنها إذا فسد مزاجها وعدل عن الاعتدال ازدواجها عسر علاجها واستحال إلى المطلوب الطالب وعجز عن المعالجة الطابب ففسد البيان وانهدمت الأركان وقيل هما روح ونفس بغير لبس وهما ضدان بل ندان لا يجتمعان ولا يرتفعان وطبع النفس باللئيم طبعك طبع الشيطان الرجيم كالنار في جوهرها وخاصة عنصرها تنسب إليها الصفات الذميمة والخلال غير المستقيمة كالجهل والغضب والحدة والصخب واللؤم والسفه والطيش والشره والحمية والشهوة والقسوة

стр. 153

المشؤومة والحيانة والفجور وعدم الأمانة والترفع والرياء والمخاصمة والمراء وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف المشؤومة الملومة والملكات الخبيثة الردية والحركات الشيطانية فهي كالنار في إحراقها وحدتها واستشاطتها وشدتها ودخانها ولهيبها وإهلاكها وتعذيبها وإقدامها في إعدامها وأكل ما تجده وما تصل إليه تفسده وطلب العلو والغليان وطبع والغلو وطبع الروح يا أنحس مجروح طبع الماء في النشور والنماء ينسب إليه كل خلق كريم وطبع سليم صافي الجوهر ما لامسه تطهر شيمته الحياء والعلم والصدق والحلم والتفويض والتوكل والتسليم والتجمل والاحتمال والأناة والصبر والموافاة والتودد والإسداء والسكون والإعطاء والركون والبذل والرضا والفضل والحياء والعدل والتواضع والعفة وعدم الترفع والخفة والسلامة والسهولة وسرعة الانقياد واللين والوداد والرقة والصفاء والكرم وعدم الجفاء إلى سائر الأخلاق المحمودة والأوصاف المطلوبة المودودة وأيتهما قويت غلبت وجذبت الأخرى إليها وسلبت وسيرتها على طبعها واستخدمتها على ربعها فكم من شيطان يرى في صورة إنسان ومن إنسان غلبت عليه أخلاق الجان ومن جان في صورة إنسان ونظير هذا الروح والبدن يدركه ذو العقل والفطن فإن الروح من عالم نوراني لطيف سماوي والبدن من عالم ظلماني كثيف أرضي فأيهما غلب على صاحبه جذبه إلى مركزه في جانبه قال الله تعالى وعز كمالاً وجل جلالاً يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا وقال جل عليا ورفعناه مكاناً علياً وقال ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فالأنبياء ﵈ صارت أجسادهم أرواحاً والكفار مثلك صارت أنفسهم ظلمانية أشباحاً

стр. 154

وقيل يا زوبعة الأنفس أربعة إمارة وهي نفس مثلك الكفار الطغاة ولوامة وهي أنفس العصاة وملهمة وهي أنفس المخلصين ومطمئنة وهي أنفس الأنبياء والمقربين والحق يا جاحده ما عي إلا نفس واحدةلكن لما تجلت في ملابس الصفات وتكثرت لها الأخلاق والسمات نوعوها وبمقتضى التنويع فرعوها تنزيلاً للتنويع بالصفات منزلة التنويع في الذات فيقال كانت نفس هذا شيطانية فتاب فصارت رحمانية وكانت نفس ذاك أبية فصارت دنية قال من براها ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها قال العفريت أخبرني أيها الباصر كيف تركيب هذه العناصر فقال الزاهد بحسب الخفة واللطافة والثقل والكثافة ولما كان عنصر التراب أثقل كان ركد من غيره وأنزل ومن فوقه عنصر الماء وفوق الماء عنصر الهواء ومن فوق هذه الثلاثة عناصر عنصر النار وهو بها محيط دائر وكذلك كل عنصر محيط بما تحته وقد حققت هذا وعلمته قال العفريت أخبرني عن أقرب الأشياء إليك قال العالم الأجل أقرب الأشياء الأجل قال أخبرني عن أبعد الأشياء عنك قال العالم الأكبر ما لم بقسم ولم يقدر قال أخبرني عن الشيء الممكن عوده قال الدولة إن زالت وتغيرن واستحالت يمكن ردها ولا يستحل عودها

стр. 155

قال أخبرني عن الشيء المستحيل عوده قال الشباب بغير شك ولا ارتياب قال أخبرني عما لا يمكن بالاكتساب ولا ينال إلا بتوفيق الوهاب قال العقل الغريزي فإنه وهبي عزيزي قال أخبرني عما لا يمكن ضبطه ولا ينضبط ربطه قال الدهر إذا ولى والسعد إذا تجلى قال أخبرني يا ذا الجد عن الهزل الذي براديه الجد قال إبراز حكم الأمثال والآيات على لسان الحيوانات والجمادات قال أخبرني عما لا يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على معرفة كنهه قال عظمة صانع الكائنات خالق الموجودات تعالى أن يحاط به علماً وتقدس أن تدرك عظمته معرفة وهماً ولهذا قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا مصداق قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره. فلما طالت المقاولة وانتهت إلى هذا الكلام المجادلة أقبل الليل وحل بالعفريت وجنده الويل وتصدع المجلس وقام العفريت وهو مبلس وتواعدوا إلى الصباح عند قول حي على الفلاح أن تجتمع الوجوه الصباح

стр. 156

لرد جواب الشياطين القباح فتفرقوا وقد أحاط بالعفريت لوهم ونفذ في أحشائه من سهام الذل أقطع سهم وبات لا يقر له قرار ولا يأخذه اصطبار وساوره الافتكار وثاوره الهم والدمار والغم والبوار: إلى أن أضاء الصبح كالحق مقبلاً ... وولى ظلام الليل كالجهل مدبراً فاجتمع من كان بالأمس حاضراً ومن سمع بحضورهم ولم يكن ناظراً من جموع الأنس والجن وطوائف الجن والبن وأخذ كل مقامه وابتدأ العفريت كلامه وقال ما منبع الصفات الحميدة والشمائل السعيدة المار ذكرها القار أمرها وهي يا هذا نتيجة ماذا؟ فقال العالم المحقق العامل المدقق هي ثمرة العقل القويم الهادي إلى الصراط المستقيم. ويكفي العقل الشريف أنه مناط التكليف له الله يخاطب وبه يثيب ويعاقب وبه يأخذ وبه يعطي وتابعه يصيب ولا يخطي وكلما كان العقل أتم كانت محاسن الأخلاق أعم وكلما كان رأي العقل أصوب كان في اقتناء مكارم الأخلاق أرغب قال العفريت: فهل هو نوع متحد أو طريقة متعدد؟ قال الشيخ: العقل نوعان وحكمه واحد لا يختلف فيه اثنان أحدهما العقل الغريزي اللطيف، وهو مناط التكليف يحدثه الرحمن ويتدرج إلى بلوغ الإنسان فيكمل أما بالسن أو الاحتلام، ويجري عليه إذ ذاك قلم الأحكام ويدخل في حيز المخاطبين من ذوي الأحلام ويترتب عليه الحساب والعقاب من الحلال والحرام والثاني يحصل بالاكتساب والتجربة في كل باب ولهذا

стр. 157

يقال أن الشيوخ أكمل عقلاً من الشباب وقيل من بيضت الحوادث سواد لمته وأخلقت التجارب لباس جدته وأرضعه الدهر من وقائع الأيام إخلاف ذريته، وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيت كان جديراً برزانة العقل ورجاحته فهو في قومه بمنزلة النبي في أمته. قال بعض الحكماءكفى بالتجارب تأدباً وبتقلب الأيام عظة وقالوا التجربة مرآة العقل وقال: ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب (قال) العفريت فائدة العقل (قال العالم) فائدته الإرشاد في بيداء الجهالة إلى جادة الرشاد والإعانة في الشدائد والوقوع في مصايد المكايد وحصول الخلاص من شرك الاقتناص وإجابة الإغاثة عند الاستعانة والاستغاثة ومد المعونة إذا انكسرت من الجبل السفينة في بحر الملامة والخلاص إلى بر السلامة والإغناء من كنز السعادة والصبر عند استيلاء نوائب الفقر. قال فمن العاقل في العالم ومن يطلق عليه هذا الاسم من بني آدم قال العالم: العاقل من يحتمل إذا ضيم ومن هو في الغضب حليم فإذا أعطي شكر وإذا منع صبر ويعفو إذا قدر ويستهين بأمور الدنيا ولا يغفل عن أمور الآخرة (قال العفريت) ما الفائدة في حب الدنيا والرغبة إلى ما فيها من الأشيا ولأي معنى غلب الحرص والهوى والرغبة فيها على أهلها وبنيها (قال العالم) لأجل قيام العالم وانتظامه على المنهج الأقوم وبقائه

стр. 158

المطلوب إلى الأجل المضروب الذي قدره موجده القديم الذي أنشأه أول مرة وهو بكل خلق عليم ولابد من أن تتم كلمته وتنفذ مشيئته ولولا الحرص والأمل لبطل العلم والعمل فإنهما لحجاب الغفلة يغشيان أعين البصائر ويغطيان طرق الاستدلال والضمائر فلذلك ذهلت العقول عن التأمل في العواقب واستغلت بالتهائها عما يجب عليها أن تراقب ولولا طول الأمل لما رجي العمل ولما انتظم أمر المعاش ولا أهتم لادخار قوت ورياش ولا افتكر صاحب اليوم في أحوال غد ولارتفعت المعاملات وما داين أحد ولا زرع زارع ولا غرس غارس ولا بنى بان ولا اخضر يابس ولانقرض إذ ذاك ظلم العالم وبانقراضه تنقرض أمور بني آدم (قال العفريت) أخبرني عن أصل الإنسان ومم جوهره جوهر الملك والجان (قال) الشيخ أما جوهر الملك فمن العقل المحض براه رب السماوات والأرض ولذلك لا يصدر من الملائكة إلا الشيم المباركة من الطاعات لمولاهم والانقياد لأوامر من أنشاهم وامتثال ما أمر من أمر مروم وما منا إلا له مقام معلوم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأما جوهر الجان وأصلك يا أخس شيطان فمن الأخلاق الذميمة والصفات المشومة فلهذا لا يوجد منكم إلا المكر والبيلسة والشيطنة والوسوسة وأنحس بصفاتكم من صفة ولم يكن بينكم وبين الحق معرفة فأنتم يا أنحس بغيض وأنجس نهيض مع الملائكة في طرفي نقيض وأما جوهر الإنسان فما اشتملت عليه صفتا الملك والجان فمن غلب عقله شهوته ألبس من مكارم الشيم خلعته واضمحلت ظلمات نفسه في أنواع الطاعة وتجلت صفات ذاته من سنن الأبرار في جماعة وخط

стр. 159

رسم اسمها قلم الكرام الكاتبين كلا إن كتاب أبرار لفي عليين وما أدرك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فهو وإن كان بجسمانه مع الأنس له حضور وأنس لكن بسره في عالم الملكوت حضرة القدس فهو بصفاته المباركة أشرف من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله واستولت على قلبه حجب الغفلة فانغمس في بحر الشهوات واستحوذتم أنتم عليه بذميم الصفات وأشقاه القدر السابق ولم يعقكم عن التصرف فيه عائق فهو بالنهار ساه وبالليل لاه استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون فهو أخسر من أرذل الحيوانات وأدنى من أدك الجمادات فقد خاب مآباً وتعس انقلاباً وبقول يوم القيامة يا ليتني كنت تراباً (قال الراوي) فلما انتهى الكلام إلى هذا المقام أمسك العفريت عنانه وأخرس الله لسانه وظهر فضل الزاهد وعلمه ووفور حكمه وفهمه وإنه أصاب فيما أجاب ولزم العفريت ومن معه من الجن والعفاريت وطوائف المردة والشياطين والعندة المتمردين وذوي الإبلاس والوسواس الخناس ما شرطوه على أنفسهم من التخفي وعدم الظهور والتفرق في الخرائب والكفور فتفرقوا واختفواومصلمين ومجدعين انتفوا وسكنوا الخرائب والحمامات والحانات والخانات فلم يظهروا بعد ذلك للأنس وحصل منهم بذلك للأنس الأنس واستراحوا من مشاهدة طلعتهم القبيحة واستمرت إلى يوم القيامة من تلك القبائح مستريحة. وهذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 160

الباب الخامس في نوادر ملك السباع ونديمه أمير الثعالب وكبير الضباع

стр. 161

(قال) الشيخ أبو المحاسن المرتوي من بحار الحكمة بماء غير آسن فلما أنهى الحكيم هذا الباب العظيم عن عالم الإنس والشيطان الرجيم تنبه الملك لغزارة حكمه فأفرغ عليه خلع إحسانه وكرمه وغمسه في غدير فضله ونعمه ثم أمر أن يقوي الطباع ويذكر نوادر الوحوش والسباع لتنبسط النفس وترتاض وتتحلى بعقود عقيدة هذه الأحماض فقبل أرض العبودية بشفاه الأدب وانتهض لأداء ما عليه من المراسيم وجب وقال كان في بعض الغياض أسد رباض عظيم الصورة كريم السريرة والسيرة وافي الحشمة عالي الهمة كثير الأسماء والألقاب عزيز الأصحاب كبير بين الأمراء والحجاب والوزراء والنواب يدعى في جوانب مملكته وأطراف ولايته بحيدرة وبيهس والدوكس والغضب والضرغام والعنبس والطيشار والهندس الغضنفر والهرماس والغضبان وأبي العباس إلى سائر الأسماء والألقاب والكنى وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وهو مطاع في مماليكه وولاياته وأقاليمه مترشف ثغور الامتثال بشفاه أمثلته ومراسيمه، وكان له ومن خواص الندماء وكبراء الجلساء نديمان كندماني جذيمة يلازمان حضرته ويلجان حريمه أحدهما ثعلب يدعى أبا نوفل والآخر ضبع يسمى أخا نهشل، طبعهما ظريف وشكلهما لطيف ومحاضرتهما مرغوبة وصحبتهما مطلوبة. وكان في خدمته دب هو وزيره ومعتمده ومشيره كافل أمور مملكته ومدبر مصالح رعيته والملك مفوض أمور الرعية إليه ومعتمد لما يعلم

стр. 162

من كفايته عليه ومشغول ليلا ونهارا بمعاشرة نديميه فاتسع خيال الوزير وأخذ في مجال التفكير إلى النديمين لكونهما ناصحين قديمين ربما يصدر منهما عند الملك ما يحط منزلته ويفسدان للحسد الذي لم يخلو منه جسد صولته واستحوذ عليه هذا الخيال واتسع في ميدانه المجال فكان خائفا على وظيفته ومنصبه مترقبا ومنهما ما يكون عزله بسببه. فنشأ من ذلك في خاطره جساوة أورثته قساوة وجذبته إلى عداوة ووقر في قلبه ذلك وتأكد وطال عليه من الدهر الأمد فكان يترقب لهما الفرص ليوقعهما من الغصص في قفص ويسابقهما قبل انتيابه ويتغدى بهما قبل أن يتعشيا به ويقول لا بد من تنظيف الطريق قبل حصول التعويق. وقد أحسن من قال واتقن في المقال: ومن لم يزح عن دربه الشوك قبل أن ... يطأه فلا يعتب إذا شاك رجليه وأقل الأقسام أن يبعدهما عن حضرة الملك الهمام، فاتفق أن في بعض الأسحار تجاذب الملك ونديماه أطراف الأسمار فأثر فيهم السهر لطيب السمر في ضوء القمر وحلاوة ما جنوا منه من ثمر عاملين بما قيل: متى ما أصادف من أحب بخلوة ... أصرح بما أرجوه منه متكتما يقول فأصغي أو أبث فينثني ... ليسمع قولي كالمشوق المتيم أسامره لا إن أمل حديثه ... وآمره كل الأمور سوى نم فأخذت الملك عيناه فاستند إلى متكاه فأنحل من طرفه وكاه فلم يتمالك أبو نوفل أن ضحك لما غنت زمارة الملك فتنبه من ضحكه وتعجب

стр. 163

من جرائته وفتكه ثم استمر متناوما ينظر من يصدر منهما، فابتدره أخو نهشل وزجره فقال: ويلك ماذا رأيت وأي عجب سمعت ووعيت حتى ترتبك في الضحك أما قرأت وفهمت وسمعت وعلمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وإن الحشم وسائر الخدم ومن نادم الملوك وجالسهم يحترم أمورهم ويعظم مجالسهم سواء غابوا أو حضروا ناموا أو سهروا قامواأو قعدوا استيقظوا أو رقدوا وقد قيل رفع قلم الحساب والضبط والعتاب عن الصبي والمجنون والعاشق والمفتون وكذلك السكران والنائم لا سيما السهران وعذر النائم يا مسكين أعظم من عذر الباقين فإن النوم أخو الموت وفيه ما ليس في غيره من الفوت وقد قال صاحب الشرع الذي زكى منه الأصل والفرع حفظه الله بجنود الصلاة والسلام وحرسه يعتذر عن النائم وكاء السه وقال ذو الصدق والتصديق رفع قلم التكليف عن النائم حتى يفيق وإنما اعتبر الشرع أحوال النيام وساواهم في اليقظة صونا لبعض الأحكام في نحو من خمس وعشرين مسألة ضبطها من الفقهاء الكملة ولقد طالعت في كتاب الأخلاق إن الله الكريم الخلاق حيث جعل جنسا من الأمم في طبائع وصفات متساوي القدم فلا يعتب أحد أحدا ولا يزدريه ولا ينقم عليه عيبا هو فيه وعلى الخصوص إذا صدر من الملوك شيء يعاب فلا

стр. 164

يحمل ذلك منهم إلا على الفضل والصواب وكل ما كان في غير الملوك معتبه فإنه إذا صدر من الملوك يعد منقبه ويجب على من يجالس الملوك وكان له في خدمتهم سلوك واختص بمحاضرتهم واستعد لمناظرتهم أن لا يبصر منهم إلا المحاسن ولا يخبر عنهم إلا بالأحاسن وقد قيل من جالس الملوك بغير أدب حبسه فإنه خاطر بروحه وعرض للبلاء نفسه وقال الله الأعظم في كتابه المحكم لنبيه ﷺ : فاستقم كما أمرت. ولهذا قال ﵇: شيبتني هود وأخواتها وما ساد العجم والعرب إلا بسلوك طريق الأدب وقال ﵊: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فقال المغفل أبو نوفل إذا طهر القلب من الخيانة وعاملت اليد بالأمانة وتنقى العرض من العيوب وكان اللسان غير كذب وزكت النفس بالحلم وعريت عن الجهل بلباس العلم يصلح لها أن تسخر بكل أحد وتفخر على أكبر من يكون ولو أنه الأسد وأنا إذا طار بهذه الصفات طيري فلا علي إذا ضحكت على غيري، فقال أخو نهشل لا تقل ذلك لا واستعذ بالله من الجهل والخيلا وأعلم يا ذا الكرامات أن الجاهل يعرف لثلاث علامات إحداها يا محبوب أن يرى نفسه عارية عن العيوب الثانية يا رفيق الخير أن يرى نفسه أعلم

стр. 165

من الغير الثالثة أن يرى أنه انتهى في فنون العلم والنهى وبلغ أعلى المراتب وهذا أكبر المعايب وقالت الحكماء إذا رأيت نفسك عارية عن العيوب وتصديت لتتبع عثرات الناس بالغيوب وفتشت عن عيوبهم الجيوب فأنت حينئذ غارق في بحر العيوب وبالذي أنت طالبه مطلوب وانظر يا ذا السكينة ماذا قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه حبر المدينة ليكن جل مطلوبك حرصك على تفقد عيوبك وقم بذلك عن نفسك وذاتك مقام حسادك ورقبائك وعداتك وقال ذو هدى وقال سدى: لكل فتى خرج من العيوب ممتلئ ... على كتفه منه ومن أهل دهره فعين عيوب الناس نصب عيونه ... وعين عيوب النفس من خلف ظهره فقال أبو نوفل صدقت ونصحت إذا نطقت فجزاك الله عني خيراً ووقاك شراً وضيراً ولكن يا أخي وقعت هفوة على سبيل السهوة وحصلت على غفلة واللفظ عن غير نظر كالسهم إذا رمى عن الوتر لا يمكن رده ولا وقوفه وصده كما قيل: القول كاللبن المحلوب ليس له ... رد وكيف يرد الحالب اللبنا ولكن الذنب والاجترا إذا لم يشتهر إلا بتوجه عليهما العتاب ولا يستحق مرتكبهما العقاب إذا استغفر وأناب وأنا وإن وقع مني الخطا آمن بحمد الله من شر الجزا ومن المؤاخذة بالجريمة وإن كانت عاقبتها وخيمة لأنها بينك وبيني وأنت بمنزلة روحي وعيني وفيقي وصاحبي ومراعي حقي وجانبي فسرى عندك مصون وأمري عن الإشاعة مخزون وقد قال الحكماء ذو التجارب لا تودع السر إلا عند صاحب صدوق صديق

стр. 166

ومحب شفيق وأنت هو ذاك الموثوق فاطرحه سويداء قلبك في أسفل الصندوقفإن استمر عندك ساكناً صرت وبال أمره آمناً ولا يبعد ذلك من شفقتك وسابق صداقتك ووفائك بالمروة وقيامك بحقوق الأخوة وأسأل إحسانك أن تجيب لصاحبك القديم مرجوة قال أخو نهشل أعجب لأبي نوفل كيف يغفل أما سمعت يا عاقل قول القائل من علامات الجاهل أن يقرض ماله باللطف ثم يتقاضاه بالفظاظة والعنف وأن يودع سره وخفاياه وأمره عند من يحتاج أن يتضرع إليه ويقسم في إخفائه واكتتامه عليه ثم يحلفه أن لا يبديه ولا يذكره لأحد ولا ينهيه وقد قالت الحكماء لا تودع أحداً سراً فإن فعلت فاتك السر لأن كتمانه قيدهم وعناء وإبداءه كيد هلاك وبلاء وقد قيل: وكل سر جاوز الاثنين شاع ... كل علم ليس في القرطاس ضاع ولم يقصد بالاثنين إلا الشفتين وقال الشاعر: إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق (وقال أيضاً) : لا تودعن ولا الجماد سريرة ... فمن الحجارة ما يسر وينطق وإذا المحك أضاع سر أخ له ... وهو الجماد فمن به يستوثق (وقال أيضاً) : صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر أسيرك سرك أن صنته ... وأنت أسر له إن ظهر

стр. 167

وكل ما تحرك به اللسان انتشر في الكون والمكان وناهيك يا تامر قضية الحرامي مع الطامر قال أبو نوفل: كيف تلك يا أخا نهشل (قال) بلغني إن رجلاً من الحرامية واللصوص الكرارية كانت نفسه ذات الخيانة تحرضه على الدخول من حواصل الملك إلى الخزانة وإنها رؤية الخزانة مشتاقة ولمعانقة فاسق التحرم عشاقه وكان جاهداً في أن يعطيها من مناها ما يرضيها ولكن كانت نجوم احراس بالرصد ولرجوع ذلك الشيطان كل بعد وكتم ذلك السر عن الإخوان ومضى عليه برهة من الزمان وهو يكابد اكتتامه ويخاف من السوء ختامه والقدر كائن والكائن حائن إلى أن طفح عليه ما قصد وغلا خمر سره في قلبه وقذف بالزبد فطلب صاحباً يتلفظ به إليه ويعتمد في اكتتام سره عليه واختلافي حجرته فقرصه برغوث في حنجرته فمد يده إليه وأفشى سره معتمداً عليه وقال في خاطره عند إفشاء سرائره لا لهذا لسان يقدر على البيان وعلى تقدير أن لو كان فهو مثل ولدي تربى من دم كبدي ولحم جسدي واطلع على عورتي فلا يقصد عترتي ولا يكشف سري ولا يهتك ستري ثم أدنى فاه حتى وافاه وقال يا أبا طامر وكاتم السر في السرائر إني عزمت كالمنهمك على الدخول إلى خزائن الملك لأستصفيها وآخذ ما فيها فاكتم هذا السر عني وامصص ما شئت من الدم مني ثم طرحه في سراويله واستمر في نيته على أباطيله ثم قصد في بعض الليالي ما كان يخلو به على التوالي ويرصده في

стр. 168

المكامن من الدخول إلى الخزائن فلاحت له فرصة فانتهزها واستعمل دقائق صنعه وأبرزها وانتقل من ذلك إلى المبيت ولطئ تحت سرير الملك كالعفريت والملك نائم فوق السرير على فراش الحرير معانق الظبي الغرير وخرزة التاج عند رأسه فقد كأنها سراج متقد فقصد اللص أخذها واقتطاعها وفلذها فاسهل القوم إلى أن استغرقوا في النوم وبينما هو متفكر فيما به إذ خرج البرغوث من ثيابه ودخل إلى جسد السلطان وقص عليه بلسان القرص كل ما كان من شأن اللص فنهض الملك من مرقده فرأى نقطة على جسده فطلب النور لينظر الأمور فرأى برغوثاً طار ونزل تحت السرير فقصوا أثره على المسير فوجدوا الحرامي الكسير فربطوه كالأسير ووقع في الأمر العسير بالأمر اليسير فصار كما قيل: مشى برجليه عمداً نحو مصرعه ... ليقضي الله أمراً كان مفعولا (وإنما أوردت هذا المثل) لتعلم يا أبا نوفل أن سراً في الفؤاد لا يؤمن عليه الجماد فضلاً عن متحرك منحيوان ونعوذ بالله إن كان من جنس الإنسان وقد قيل للحيطان آذان ومن أمثال العجم الأوباش للديوان أكواش فلما انقضى هذا الكلام وكان الأسد قد استوفاه على التمام وقد أثار في أحشائه لهباً نهض من مرقده غضباً واستحال وتحرك وأمر بأبي نوفل فقبضوا عليه ووضعوا الغل ف رقبته والسلاسل في يديه ورجليه وأمر إلى السجن برفعه بعد التنكيل به وصفعه فتشوش خاطر صديقه وجليسه ورفيقه ثم انقض المجلس النظيم ودخل الملك إلى الحريم

стр. 169

فتوجه أخو نهشل إلى السجن المقفل ولأم صاحبه أبا نوفل وزاد في التعنيف وقال أيها الأخ الظريف ألم تعلم أن الشخص إذا تكلم يضبط كلامه عليه ويعود محصول ما يلفظ به إليه وقد قال الرب المجيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وإن كثرة الكلام تضر بالنفس أكثر مما يضر بالبدن الطعام وكل هذا المصاب إنما جاء من قبل الإعجاب وكثرة الكلام والغرور وعدم التأمل في عواقب الأمور قال الشاعر: ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مراراً قال حكماء الهند وفضلاء السند ما دام الكلام في الفؤاد ولم يبد منه على اللسان باد ولم يصب منه سائل حرف في صدفة الآذان أو وعاء الطرف فهو كالبنت البكر المشهورة الذكر كل أحد يخطبها ويميل إليها ويطلبها ويتمنى أن يراها ويترشف لساها فإن ألقى إلى المسامع ووعاه كل ناظر وسامع فهو كالعجوز الشوها إذا سلوها وقلوها وهي تلازم صباحاً ومساء ويفر منها الرجال والنساء ويحيد كل أحد عنها فإذا تكلمت أسكتت وإذا سلمت أعرض عنها وقال بعض الحكماء اللسان أسد وهو حارس الرأس والجسد إن حبسته حرسك وإن أطلقته حبسك وإن سلطته افترسك وقالوا الكلام أسيرك ما لم تبده فإن تكلمت به فأنت أسيره قال بعض الحكماء أنا على ما لم أقل أقدر مني على ما قلت وقال عيسى صلوات الله عليه العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله وواحد منها في ترك مجالسة السفهاء

стр. 170

وقال نبي الحرمين وإمام الثقلين صلوات الله وسلامه عليه الصمت حكمة وقال ﵊ البلاء موكل بالمنطق وقال الحكماء السكوت يسترعب الجهل ويعظم حرمة الملوك ولقد آذيت نفسك وتسبب فيما أوجب حبسك وأقلقت ودودك وأشمت حسودك ولقد كانت حصتي من بلائك ومما دهاني من شدة عنائك أعظم من كل حصة وقصتي في ذلك أعجب من كل قصة إذ أنت رفيقي وزميلي وفي حضرة الملك ومنادمته عديلي نشأنا على ذلك وسلكنا في الموافقة والمرافقة أقوم المسالك وكنت المرحو لمخافي وأيابي في مطافي ومشتكى حزني ومشتفى شجني ومخزن أسراري وأعظم أستاري وراوية أخباري في أحباري وراوية أسفاري في أسفاري ومن أين ألقى مثلك وفيقاً أو أجد صديقاً شفيقاً وأنت صاحب السراء ومصاحب الضراء وأنشد: ومن أين ألقى بعد سبعين حجة ... رفيقاً كمن أرضعته قهوة الصبا أديباً أريباً لم أمل مقامه ... ولا ملني يوماً حكيماً مهذباً ويعز علي ويعظم لدي أن أراك في هذه الحالة ثم أجرى سحائب دموعه الهطالة وقال: وما على الحر أنكى أن يرى حزناً ... في محنة ضاق عنها دونه الحيل

стр. 171

ولقد تحيرت في هذا الأمر المهول وما أدري قصاراه إلى ماذا يؤول وليلة الغم الصراح عماذا يسفر فيها الصباح فأنكئ لذلك أبو نوفل وبكى وتضرع إلى الله وشكا وقال يا أعز الأصحاب وأحب الأحباب لقد أثر عندي ما قلت من الكلام أكثر مما أصابني من الآلام كيف يغتفر لأحد الجانبين ويطلق أحد القيدين وأني يعتذر بالقضاء والقدر لإحدى الغصتين وهل شيء في عالم السكون والفساد جاء خارجاً عما قدره الله وأراد وكلنا في هذا سويه والعبد مقهور مع المنية ولكن الجداد إذا أقبل ولاحظ بسعدهوتفضل فكل حركة تصدر من الغبي العاجز يعجز عن مقاومتها البطل المبارز وكل قول يتفوه به الجاهل يدع دليل معانيه أدلة العقلاء في مجاهل ومذاهل ودعاميص ذوي الآراء المنضبطة المناهل تلقى من عقنقل الحيرة في مجاهلها مناهل فيصير كل وجه إليها مائل وكل إنسان بها قائل وقوام كل سعد وقبول إليها قابل كما قيل: وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان ونعوذ بالله من ليل السعد إذا أدبر وصبح الخمول إذا أسفر فإن اللبيب إذ ذاك يخطئ ما كان يصيب ويفعل العاقل ما لا يرتضيه بأقل فيكون جهد النفس زيادة في العكس:

стр. 172

وإذا تولى الجد يحتاج الذكي ... في رأيه قبل الزوال مراحاً وانقلاب الدهر وانعكاس الزمان شيمة معهودة وخصلة معدودة كما قيل: ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوماً ولم يبكه سنه وأنا كنت غافلاً وإن لم أكن جاهلاً وقد يكون الشخص عما تحققه ذاهلاً وذلك لما كان عودني الزمان وألفته من سالف الدوران وإرخاء العنان ونيل الأماني والأمان وأسبال ذيل النعم والإحسان الدائم والكرم فمشيت على ما كنت أعهده وفي نفسي أجده وأيضاً كانت لذة عشرتك ونعيم صحبتك وحسن موافقتك وعز مرافقتك أنساني كل بليه وأمنت بذلك كل رزية فألهاني عن التنكد ودهتني غفلة عن التوزع والتبدد مثل ما أصاب ذلك الهدهد قال أخو نهشل أسرد ذلك المثل (فقال) ذكروا إن الله مجري الخير علم بعض عبيده الصلحا منطق الطير فصاحب منها هدهداً وازداد ما بينهما تودداً ففي بعض الأيام مر بالهدهد ذلك الإمام وهو في مكان عال ملتفت إلى ناحية الشمال وهو مشغول بالتسبيح يسبح الله بلسانه الفصيح فناداه يا صاحب التاج والقباء والديباج لا تقعد في هذا المكان فإنه طريق كل فتان ومطروق كل صائد شيطان ومقعد أرباب البنادق ومرصد أصحاب الجلاهق فقال الهدهد أني عرفت ذلك وإنه مسلك المهالك قال فلأي شيء عزمت على القعود فيه مع علمك بما فيه من دواهيه

стр. 173

قال أرى صبباً وأظنه غوياً نصب لي فخاً يروم لي فيه زخاً وقد وقفت على مكايده وماصب مصايده وعرفت مكيدته أين هي وإلى ماذا تنتهي وأنا أتفرج عليه وأتقدم بالضحك إليه وأتعجب من تضييع أوقاته وتعطيل ساعاته فيما لا يعود عليه منه نفع ولا يفيده في قفاه سوى الصفع وأسخر من حركاته وأنبه من يمر على خزعبلاته فتركه الرجل وذهب وقضى حاجاته وانقلب فرأى الهدهد في يد الصبي يلعب به لعب الخلى بالشجى ولسان حاله يلهج بمقاله: كعصفوره في يد طفل يهينها ... تقاسي حياض الموت والطفل يلعب فلا الطفل ذو عقل في يد طفل لحالها ... ولا الطير مطلوق الجناح فيهرب فناداه وقال: يا أبا عباد كيف وقع في شرك الصياد وقلت لي أنك وعيت ورأيت ما رأيت؟ فقال: أما سمعت أن الهدهد إذا نقر الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين الماء ولا يبصر شعرة الفخ وذلك لينفذ ما كتبه الله تعالى وقدره من قضائه وقدره وناهيك في قضية القضاء والقدر قضية آدم أبي البشر مع موسى الكليم عليهما الصلاة والتسليم لما جرت عليه أحكام القضاء والقدر فتمت مشيئة الله تعالى السابقة في عمله وجرى ما لم تدركه عقول الفحول في ميدان إرادته من سوابق حكمه وحكمته وأنشد الهدهد:

стр. 174

يا سائلي عما جرى ... والعين مبصرة القدر أو ما سمعت بأن إذا ... جاء القضا عمى البصر وقال أيضاً: إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر ... إن القضاء إن أتى يعمى البصر واسمع أيها العاقل قول القائل: إذا أراد الله أمرا لامرئ ... وكان ذا عقل وسمع وبصر وحيلة يفعلها في دفع ما ... يأتي به محتوم أسباب القدر أصم أذنيه وأعمى قلبه ... وسل منه عقله له سل الشعر فلا تقل فيما جرى كيف جرى ... فكل شيء بقضاء وقدر وأنا لما اغتررت بحدة بصري ذهلت عما يجول في فكري فتغطت حدة استبصاري فوقعت في فخ غنراري أما سمعت يا همام قول الإمام إذا حلت المقادير ضلت التدابير ثم قال أبو نوفل وقد أثر فيه كلام أخي نهشل: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... رداوني بالتي كانت هي الداء وإنما أوردت هذه الحكاية لتخفف عني ما في تقريعك وتوبيخك من نكاية وتعلم إن الأمور كلها جلها وقلها جارية على وفق ما قضاه الله تعالى وقدره وأثبته في سابق عمله في اللوح المحفوظ وسطره وإن كانت الأحكام في هذا الباب تضاف إلى العلل والأسباب ولا شك في هذا ولا ارتياب فقد مر أن الذهول شغلني عن الفضل بالفضول وإن العذر غير مقبول فإن الجهل لا يكون حجة ولا مخلص لسالك لا سوأ المحجة وقد طال الكلام والحق بيدك والسلام

стр. 175

وأما الآن فجل المقصود من لطفك المعهود وبذل المجهود وتذكر سابق العهود وقديم الصداقة وأكيد المحبة والعلاقة عطف الخواطر الملكية ورجوعها على ما كانت عليه من الصدقات السنية والعواطف الملوكية وأقل الأقسام الخلاص من هذه البلية وعلمك قد أحاط بأوثق مناط أني شخص وحيد بين ملازمي الخدمة فريد لم يكن لي أخ سواك وأنت مشتكاي وأنا مشتكاك وهذا أو إن الفتوة وزمان المروة وعدم التخلي عن الإخوان والانبعاث بالهمة الثابتة الأركان والسعي في خلاص الصاحب القديم من هذا البلاء العظيم وأسألك بسالف الخدمة والمودة ذات القدمة أن لا تذكر ما سلف من التقصير الموجب للتلف فإني معترف أني للذنب مقترف وأنشد: جاوزت في اللوم حداً قد أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم بنفعه وإني إذا تفكرت وتصورت ما وقع إذا تذكرت وإن كان قد مضى يضيق بي الفضا وأغرق في عرق الحيا وتسود في عيني الدنيا فكأنه في هذا القبيل عني قيل: كأن فؤادي في مخالب طائر ... إذا ما ذكرت الحب يشتد بي قبضا وهذا القدر من الإعلان يكفي وأني أستحلي إذا مر بخاطري غصص حتفي ثم علا زفيره وشهيقه وبدا من لهيب قلبه بريقه ومن وادي دمعه عقيقة حتى خيف عليه غريقة وحربقه ورق له ورق له عدوه وصديقه وبكى لبكائه رفيقه قال أخو نهشل اعلم أيها الأخ المفضل أني لم أقل ذاك الكلام للعدوان

стр. 176

فضلاً عن أيحاش قلب وإيلام ولكن تألم حناني أجرى الله ذلك على لساني ولم يكمن لذلك الحديث باعث ولا قصد عابث أو عائث ولكن صفو المحبة ووفور الصدق أوجبا التلفظ بذلك النطق وكيف لا أدرك دقائق المعاني وأنالها من ثمار فضائلك جاني وأما بذل الاجتهاد من أهل الوداد فهل يخطر ببالك غير ذلك ويأبى الله والأخلاق الكريمة وما عملته من همة وشيمه وفواضل فضائل من موانح خصائلك اقتباستها ومطارف معارف على منوال سحاياك نسجتها أن أتخلف عن التعلق بأهدابها وأغلق أبواب مقاصدها في وجوه طلابها وأنا إن لم أبذل مجهودي وأصرف موجودي في مساعدة خلي وصديقي وصاحبي ورفيقي بما تقتضيه المروءة والفتوة والصداقة القديمة والأخوة وإلا فأي فائدة في وجودي لوالدي ومولودي وطارفي وتليدي وصديقي وودودي. وقد قيل أربعة أشياء فرض عين في شريعة المروءة على المحبين وكذلك الإخوان وسائر الصحاب والخلان الأولى المشاركة في النوائب وتعاطي دفعها من كل جانب الثاني إذا ضل أحدهم عن طريق السداد يردونه إلى سبيل الرشاد ولا يتركونه على غير الصواب بل يستلطفونه بألطف خطاب الثالث إذا صدر من أحدهم نوع جفاء يلاقونه بالوفاء والصفا ولا يتركونه على شفا ولا ينسون الوفاء القديم بالجفاء الحادث فربما يتفرع على ذلك ما يؤكده من العوائث

стр. 177

الرابع لا يؤاخذون المقصر في حال الغضب بل يرجئون عقوبته إلى أن يطفأ اللهب فربما يتعدى بواسطة الغضب الحد فيقع بسبب ذلك بين لأصحاب نكد ثم أن أبا نوفل قال لأخي نهشل المبادرة أولى إلى التلافي لئلا يسابق الجنود إلى تلافي وهذا المصاب إنما جاء بغتة وأخذ قلوبنا وأسماعنا بهتة فاستعمل فكرك القويم وتوجه إلى التدارك بقلب سليم فقال هاأنا أذهب على الفور لهذا المطلب النافع وأقوي العزيمة واجتهد في دفع الموانع فأول ما ابتدئ بقصد الملك وانظر ما يصدر منه قولاً وفعلاً في هذا الأمر المشتبك فأبني على ذلك ما يناسبه وأجاريه فيما يميل إليه خاطره ولا أجاذبه ثم توجه إلى الأسد ودخل عليه فوجد الدب جالساً بين يديه وقد بلغه قضية النديم وأنه حل به العذاب الأليم فاغتنم الفرصة وبادر ليتم على أبي نوفل الغصة ويتعاطى في أمره قصة وخصة فأراد أخو نهشل أن يفتتح الكلام ثم أفكر في أنه ربما يعاكسه الدب في المرام وأنه إذا قام في المناقضة لا يمكنه مقابلته المعارضة وإن سكت فالسكوت رضاً وإن وافق فعلى غير مراده مضى فأمسك عن الكلام ورأى السكوت مقتضى المقام ثم أمعن النظر وأجال قداح الفكر فرأى أنه إن انفصل المجلس من غير أن يفصح بشيء وينبس ربما يفوت المقصود أو يسابقه بالمعاكسة عدو أو حسود لا سيما مثل الوزير الرفيع الخطير صاحب الرأي والتدبير وهو عدو قديم وفي طرق الخزي نظيره عديم فإذا بادر بالكلام ربما يقع منه فلتة بمقام كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا

стр. 178

فتلقاه الملك بقبول فيصول كما يختار في ميدان الفتك ويجول فتنعقد الأمور وتتقصد وتنعقف الأخلاق الأسدية وتتعرد فرأى الأولى المبادرة بالكلام والوقوف في مقام الشفاعة أنسب بالمقام فإن عارض أحد عرف أن جوهر كلامه عرض ولا تصدى إلا لغرض وكان الملك قد سمع كلامه بعد معرفة سلامته وإلقائه على أبي نوفل عذله وملامه وكلامه معه وينهمك مقبول وما لأحد عنه عدول، وكان الدب منتظراً خروجه من عند الملك حتى يختلي بالكلام معه وينهمك فأدرك أخو نهشل هذا المرام فوقف في مقام الدعاء وبادر بالكلام ثم قال بعد وظائف الدعاء والقيام بما يجب من مراسيم الثناء العلوم الشريفة والآراء المنيفة محيطة أن من عادة الملوك العظام وأخلاق السلاطين الكرام العفو عن الجرائم والاغضاء عن العظائم لا سيما إذا صدر ذلك من أحد المخلصين والعبيد المتخلصين على سبيل السهو والخطأ لا على سبيل العمد والأبترا: من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسني فقط وأن العبد الأقل أبا نوفل الواقع في الخطر الخطير المعترف بالذنب والتقصير متوقع غفرها من صدقات الحضرة الملوكية ومراحمها وما اعتاده من حملها الشامل ومكارمها ومحتم على الملوك القيام بقبول الشفاعة دون سائر الخدم والجماعة خصوصاً وقد كان رفيقاً نديماً ومصاحباً قديماً ولا يقصد المملوك بذلك الأسواق الحسنات الكثيفة إلى دفائر الصدقات الشريفة وقصد الخير وذهاب الاسي والضير وانتشار صيتها في الآفاق والأطراف بالعلم والحلم والعفور والصفح والفضل والعدل والألطاف فلان الأسد من هذا

стр. 179

الخطاب وعرف أن قصد الشافع من هذا إنما هو الثواب والصواب فاطرق ملياً ولم يحرمن الأجوبة شيا فتأثر الدب الخبيث والعد والقديم لهذا الحديث وخاف أن يكون الكوت رضا وأن هو رضي يفوت منه المنى والأطراق علامة الحلم والسكوت في الحرب دليل السلم ومن فوت الفرصة وقع في غصه ومتى بقع أبو نوفل المختال في مثل هذا العقال وما أطراف مقال من قال: وإن رأيت غراب البين في شرك ... فاذبح وكل وذر الأفراخ في عنقي (وقد قيل) : إذا صارت أعداء نملاً فانهم ... إذا لم تطأهم أصبحوا مثل الثعبان وكم ذا يقاسي من أذاه وقرصه ... على ضعفه أن صار داخل آذانفانبرى وانبرم وتصدى للمعاكسة ذلك البرم وغطى دسائس لؤمه بنقوش الكرم وقال أعلم أيها النديم القديم ومن هو للملك أو في خديم أن الواجب على جميع الخدام أن يكونوا في الصدق متساوي الأقدام ولا يقدموا على نصيج الملك غرضاً ولا يطلبوا سوى رضاه على النصيحة عرضاً فلا يصادقوا الخائن ولا يصدقوا المائن ولا يواطؤا الخاطي ولا المذنب المتعاطي ولو بالكلام الواطي ولا يخفوا الخيانة والجنابه ولا يرعوا في ذلك أدنى الرعاية فساعد السارق سارق ومعاضد المارق مارق والقيام مع الجاني جناية وإخفاء الخيانة نكاية وفي هذا الكلام كفاية ومن اعتذر من حناية جان لا سيما أن كانت في حق ملك أو سلطان فهو شريك فيها بل أعظم جرماً من متعاطيها لأن عظم الجناية يا ذا الدراية إنما هو بحسب المجني عليه وأن ذلك لوهن عائد إليه لا على مقدار الجاني وأنت

стр. 180

لا تجهل هذه المعاني ولهذا قال بعض أهل الافضال أن تعاطي الفساد يا ذا الرشاد ليس فيه صغبره وأن كل ما يخالف الأمر كبيره وذلك بالنظر إلى الجناب الأقدس القاهر تعالى وتقديس فقال أخو نهشل كلام مولانا الوزير هو المفضل وما أشار به هو الصواب المعدل يا مولانا الوزير علمك الخطير خبير باننا كلنا محل الخطأ والتقصير ولا يسع الكبير منا والصغير إلا الحلم الغزير والعفو عن كثير وقل لي من هو البرئ عن الهفوة والذي لا يتوقع من مولانا الملك عفوه وأن لم تقع الشفاعة في الجاني وذي الخلاعه ومخالف سنة الجماعة فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعه ومن لم يجير المكسور ويأخذ بيد المحقور فما يجد عند انكساره جابراً ولا يؤخذ حين بيد حين يصير عاثراً وقد قيل من مثلك الفضيل وصاحب الأدب الجزيل: إذا أصبحت فينا ذا اقتدار ... وأمرك في رقاب الخلق جاري أقل وأقبل عثارا واعتذارا ... فمن يقبل يقل عند العثار فما زال الصغار ثروم عفوا ... وغفران الكبائر من كبار وأحسن العفو يا ذا السلوك عفو السلاطين والملوك لا سيما إذا عظم الجرم وكبر الأثم فإن العفو إذ ذاك صادر من ملك ذي سلطان قادر مع قوة الباعث على المؤاخذة والقدرة الشاملة النافذه وغير الملوك من العاجز والصعلوك عفوهم إنما هو عجز خشيه أو لتمشية غرض مشيه والملوك إنما عنهم الخلال الحميدة والخصال الشريفة السعيدة وإلا كابر يعفون والاصاغر يهفون وقد قسم الحكماء والحكام ما يقع من الذنب والآثام أربعة أقسام فاسمع
следующие страницы →