Полный текст (515 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فضلاً عن أيحاش قلب وإيلام ولكن تألم حناني أجرى الله ذلك على لساني ولم يكمن لذلك الحديث باعث ولا قصد عابث أو عائث ولكن صفو المحبة ووفور الصدق أوجبا التلفظ بذلك النطق وكيف لا أدرك دقائق المعاني وأنالها من ثمار فضائلك جاني وأما بذل الاجتهاد من أهل الوداد فهل يخطر ببالك غير ذلك ويأبى الله والأخلاق الكريمة وما عملته من همة وشيمه وفواضل فضائل من موانح خصائلك اقتباستها ومطارف معارف على منوال سحاياك نسجتها أن أتخلف عن التعلق بأهدابها وأغلق أبواب مقاصدها في وجوه طلابها وأنا إن لم أبذل مجهودي وأصرف موجودي في مساعدة خلي وصديقي وصاحبي ورفيقي بما تقتضيه المروءة والفتوة والصداقة القديمة والأخوة وإلا فأي فائدة في وجودي لوالدي ومولودي وطارفي وتليدي وصديقي وودودي. وقد قيل أربعة أشياء فرض عين في شريعة المروءة على المحبين وكذلك الإخوان وسائر الصحاب والخلان الأولى المشاركة في النوائب وتعاطي دفعها من كل جانب الثاني إذا ضل أحدهم عن طريق السداد يردونه إلى سبيل الرشاد ولا يتركونه على غير الصواب بل يستلطفونه بألطف خطاب الثالث إذا صدر من أحدهم نوع جفاء يلاقونه بالوفاء والصفا ولا يتركونه على شفا ولا ينسون الوفاء القديم بالجفاء الحادث فربما يتفرع على ذلك ما يؤكده من العوائث
стр. 177
الرابع لا يؤاخذون المقصر في حال الغضب بل يرجئون عقوبته إلى أن يطفأ اللهب فربما يتعدى بواسطة الغضب الحد فيقع بسبب ذلك بين لأصحاب نكد ثم أن أبا نوفل قال لأخي نهشل المبادرة أولى إلى التلافي لئلا يسابق الجنود إلى تلافي وهذا المصاب إنما جاء بغتة وأخذ قلوبنا وأسماعنا بهتة فاستعمل فكرك القويم وتوجه إلى التدارك بقلب سليم فقال هاأنا أذهب على الفور لهذا المطلب النافع وأقوي العزيمة واجتهد في دفع الموانع فأول ما ابتدئ بقصد الملك وانظر ما يصدر منه قولاً وفعلاً في هذا الأمر المشتبك فأبني على ذلك ما يناسبه وأجاريه فيما يميل إليه خاطره ولا أجاذبه ثم توجه إلى الأسد ودخل عليه فوجد الدب جالساً بين يديه وقد بلغه قضية النديم وأنه حل به العذاب الأليم فاغتنم الفرصة وبادر ليتم على أبي نوفل الغصة ويتعاطى في أمره قصة وخصة فأراد أخو نهشل أن يفتتح الكلام ثم أفكر في أنه ربما يعاكسه الدب في المرام وأنه إذا قام في المناقضة لا يمكنه مقابلته المعارضة وإن سكت فالسكوت رضاً وإن وافق فعلى غير مراده مضى فأمسك عن الكلام ورأى السكوت مقتضى المقام ثم أمعن النظر وأجال قداح الفكر فرأى أنه إن انفصل المجلس من غير أن يفصح بشيء وينبس ربما يفوت المقصود أو يسابقه بالمعاكسة عدو أو حسود لا سيما مثل الوزير الرفيع الخطير صاحب الرأي والتدبير وهو عدو قديم وفي طرق الخزي نظيره عديم فإذا بادر بالكلام ربما يقع منه فلتة بمقام كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا
стр. 178
فتلقاه الملك بقبول فيصول كما يختار في ميدان الفتك ويجول فتنعقد الأمور وتتقصد وتنعقف الأخلاق الأسدية وتتعرد فرأى الأولى المبادرة بالكلام والوقوف في مقام الشفاعة أنسب بالمقام فإن عارض أحد عرف أن جوهر كلامه عرض ولا تصدى إلا لغرض وكان الملك قد سمع كلامه بعد معرفة سلامته وإلقائه على أبي نوفل عذله وملامه وكلامه معه وينهمك مقبول وما لأحد عنه عدول، وكان الدب منتظراً خروجه من عند الملك حتى يختلي بالكلام معه وينهمك فأدرك أخو نهشل هذا المرام فوقف في مقام الدعاء وبادر بالكلام ثم قال بعد وظائف الدعاء والقيام بما يجب من مراسيم الثناء العلوم الشريفة والآراء المنيفة محيطة أن من عادة الملوك العظام وأخلاق السلاطين الكرام العفو عن الجرائم والاغضاء عن العظائم لا سيما إذا صدر ذلك من أحد المخلصين والعبيد المتخلصين على سبيل السهو والخطأ لا على سبيل العمد والأبترا:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسني فقط
وأن العبد الأقل أبا نوفل الواقع في الخطر الخطير المعترف بالذنب والتقصير متوقع غفرها من صدقات الحضرة الملوكية ومراحمها وما اعتاده من حملها الشامل ومكارمها ومحتم على الملوك القيام بقبول الشفاعة دون سائر الخدم والجماعة خصوصاً وقد كان رفيقاً نديماً ومصاحباً قديماً ولا يقصد المملوك بذلك الأسواق الحسنات الكثيفة إلى دفائر الصدقات الشريفة وقصد الخير وذهاب الاسي والضير وانتشار صيتها في الآفاق والأطراف بالعلم والحلم والعفور والصفح والفضل والعدل والألطاف فلان الأسد من هذا
стр. 179
الخطاب وعرف أن قصد الشافع من هذا إنما هو الثواب والصواب فاطرق ملياً ولم يحرمن الأجوبة شيا فتأثر الدب الخبيث والعد والقديم لهذا الحديث وخاف أن يكون الكوت رضا وأن هو رضي يفوت منه المنى والأطراق علامة الحلم والسكوت في الحرب دليل السلم ومن فوت الفرصة وقع في غصه ومتى بقع أبو نوفل المختال في مثل هذا العقال وما أطراف مقال من قال:
وإن رأيت غراب البين في شرك ... فاذبح وكل وذر الأفراخ في عنقي
(وقد قيل) :
إذا صارت أعداء نملاً فانهم ... إذا لم تطأهم أصبحوا مثل الثعبان
وكم ذا يقاسي من أذاه وقرصه ... على ضعفه أن صار داخل آذانفانبرى وانبرم وتصدى للمعاكسة ذلك البرم وغطى دسائس لؤمه بنقوش الكرم وقال أعلم أيها النديم القديم ومن هو للملك أو في خديم أن الواجب على جميع الخدام أن يكونوا في الصدق متساوي الأقدام ولا يقدموا على نصيج الملك غرضاً ولا يطلبوا سوى رضاه على النصيحة عرضاً فلا يصادقوا الخائن ولا يصدقوا المائن ولا يواطؤا الخاطي ولا المذنب المتعاطي ولو بالكلام الواطي ولا يخفوا الخيانة والجنابه ولا يرعوا في ذلك أدنى الرعاية فساعد السارق سارق ومعاضد المارق مارق والقيام مع الجاني جناية وإخفاء الخيانة نكاية وفي هذا الكلام كفاية ومن اعتذر من حناية جان لا سيما أن كانت في حق ملك أو سلطان فهو شريك فيها بل أعظم جرماً من متعاطيها لأن عظم الجناية يا ذا الدراية إنما هو بحسب المجني عليه وأن ذلك لوهن عائد إليه لا على مقدار الجاني وأنت
стр. 180
لا تجهل هذه المعاني ولهذا قال بعض أهل الافضال أن تعاطي الفساد يا ذا الرشاد ليس فيه صغبره وأن كل ما يخالف الأمر كبيره وذلك بالنظر إلى الجناب الأقدس القاهر تعالى وتقديس فقال أخو نهشل كلام مولانا الوزير هو المفضل وما أشار به هو الصواب المعدل يا مولانا الوزير علمك الخطير خبير باننا كلنا محل الخطأ والتقصير ولا يسع الكبير منا والصغير إلا الحلم الغزير والعفو عن كثير وقل لي من هو البرئ عن الهفوة والذي لا يتوقع من مولانا الملك عفوه وأن لم تقع الشفاعة في الجاني وذي الخلاعه ومخالف سنة الجماعة فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعه ومن لم يجير المكسور ويأخذ بيد المحقور فما يجد عند انكساره جابراً ولا يؤخذ حين بيد حين يصير عاثراً وقد قيل من مثلك الفضيل وصاحب الأدب الجزيل:
إذا أصبحت فينا ذا اقتدار ... وأمرك في رقاب الخلق جاري
أقل وأقبل عثارا واعتذارا ... فمن يقبل يقل عند العثار
فما زال الصغار ثروم عفوا ... وغفران الكبائر من كبار
وأحسن العفو يا ذا السلوك عفو السلاطين والملوك لا سيما إذا عظم الجرم وكبر الأثم فإن العفو إذ ذاك صادر من ملك ذي سلطان قادر مع قوة الباعث على المؤاخذة والقدرة الشاملة النافذه وغير الملوك من العاجز والصعلوك عفوهم إنما هو عجز خشيه أو لتمشية غرض مشيه والملوك إنما عنهم الخلال الحميدة والخصال الشريفة السعيدة وإلا كابر يعفون والاصاغر يهفون وقد قسم الحكماء والحكام ما يقع من الذنب والآثام أربعة أقسام فاسمع
стр. 181
يا كبير هفوة وتقصير وخيانة ومكروه وحرروا ذلك وضبطوه وذكروا لكل جزءاً قروره فجزاء الهفوة العتاب وبه نطق الكتاب وجزاء التقصير الملامه على ما أورث من ندامة وجزاء الخيانة العقوبة فإن في ارتكابها للعاقل صعوبة وأعظم بعقابها مثوبة وما يرتكب المكروه إلا الغافل المعتوه وجزاؤه أيضاً بمثله وهذا على مقتضى العقل وعدله والذي صدر في سابق القدر من المخلص أبي نوفل إنما هي هفوة بها زل وجزاؤه على هذا الحساب إنما هو العقاب وقد استوفاه وزيادة وفي هذا لمولانا الملك الإرادة فإن شاء عاقب على الذنب الصغير وإن شاء عفا عن الجرم الكبير والهفوة لا يكاد يسلم منها الخواص فضلاً عمن هو في شرك العبودية والأقتناص ولأن يؤثر الفضل عن الملك وعلى طريق عفوه يسلك الدرب للستلك خير من أن يؤثر عنه لنفسه انتقام ويخلد ذلك على صفحات الأيام ولا شك أن سيرة العفو والفضل أفضل من القصاص والعدل وذلك هو اللائق بالحشمة والأوثق للحرمة والأجدر لناموس السلطنة والأبقى على ممر الدهور والأزمنة وقد قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ينادي مناد يوم القيامة من كان له عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا وقال رسول الله ﷺ أن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله ولقد كان جماعة من عظماء الملوك والأكابر يبحثون عمن تعاطى
стр. 182
الذنوب والأجرام من الأصاغر لا سيما لمن يتعرض لذات الملك ونفسه ويستعين بطوائف على فساده من أبناء جنسه فإذاقدروا عليهم وتلذذوا بالعفو والإحسان واستعفوا وحسبك يا أبا جهينه ومن فضله أعذب مزينه واقعة ابن سليمان المخلدة على ممر الأزمان وما تضمنت من مكارم الأخلاق التي تعطرت بها الآفاق فتوجه الأسد إليه ومال وقال أخبرنا يا أخا نهشل كيف كان هذا المثال (قال) لها انتهت أيام بني أمية وتطرزت خلع الأيام بأعلام الدولة العباسية وأشرق بطلعة أبي العباس السفاح في ديار جير الدهر أيمن صباح بأحسن فلاح اختفت نجوم أفلاك بني أمية وكواكب من بقي من تلك الزواهر المضيه وكان منهم إبراهيم ابن سليمان بن عبد الملك بن مروان وجعل السفاح يتطلبهم ويرغب من يدري بهم ويرهبهم إلى أن ظهر ابن سليمان وكان من أمره ما كان فحكى أنه كان بالحيرة مختفياً في هم وحيره قال ففي بعض الأيام تراءت لي على سطح سواد أعلام فوقع في نفسي وغلب على حدسي أنها قد جاءت لطلبي راغبة في عطبي فتنكرت في الحال واختفت وخرجت من الحيرة وإلى الكوفة أتيت فدخلتها خائفاً أترقب ولم يكن لي فيها مترصد ولا مترقب ولا صديق أركن إليه ولا صاحب أعول عليه فصرت في تلك البلاد مثل المنشد ببغداد:
стр. 183
بغداد دار لآهل المال منعمة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق
فأداني المسير إلى باب كبير منظره جليل وداخله دهليز طويل ليس فيه أحد من الحجاب والرصد فدخلت إليه وبه مكان فجلست عليه وإذا برجل جسيم الشكل وسيم على فرس جواد مع طائفة من الأجناد فدخل إلى دهليز الباب وفي خدمته غلمانه والأصحاب إلى أن نزل عن دابته وانفرد عن جماعته فلما رآني في وجيف ووجل قال من الرجل فقلت خلالك الذم مختف على دم واستجرت بجوارك ونزلت في ديارك فقال أجارك الله لا تخف من سواه ثم أدخلني في حجرة لطيفة تشتمل على أشياء ظريفة قد جعلها مضيفة ينزلها كل من قصده جهله أو عرفه فمكثت عنده حولا أصول في نعمه صولا ولا يسألني فعلا ولا قوة بل كان يركب من الأسحار وينزل إذا انتصف النهار وذلك كل يوم لا تأخذه عن ذلك سنة ولا نوم فسألته في بعض الأيام ونحن في أهنى مقام وقد صرت عيبة سره ومرآة قلبه وصدره عن ركوبه ونزوله وموجب تنقله وحلوله فقال أن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك بن مروان قتل أبي صبرا وأورثني بذلك نكدا أو ضرا وأوهج في فؤادي لهبا وجمرا وقد دارت على بني أمية الدوائر وبلغني بقتله من كربه فآخذ بثاري وأكشف عني عاري وأطفئ لهبي وآخذ ثار أبي
стр. 184
قال ابن سليمان فعجبت من قضاء الرحمن وكيف ساقتني أرجلي إلى شبكة مقتلي وأمشاني القضاء برجلي إلى من هو دائر على قتلي فاستحييت منه ومن الله وكرهت عند ذلك الحياة فسألته عن اسم أبيه لا تحقق ما يبديه وينهيه فأخبرني فعرفته إني أنا قتلته فقلت يا هذا وجب على حقك وأنا غريمك ومسترقك وقد قرب الله خطاك وأنا لك متمناك فقال وما ذاك فقلت أنا إبراهيم الذي على طلبه تهيم وأنا قاتل أبيك فافعل بي ما يرضيك وخذ ثارك وأطفئ نارك فقال كأنه طال بك الجفاء وأضر بك الاختفاء فأردت بالموت الخلاص واستندت لدعوى القصاص فقلت لا والله الذي علم السر وأخفاه بل قلت الحق وفهت بالصدق وخلاص الذمة في الأولى أخف من قصاص الأخرى وأولى أنا فعلت بأبيك الأذى في يوم كذا ومكان كذا قال فلما علم ذلك مني وتحقق أنه صدر عني احرت عيناه وانتفخت شفتاه وقامت عروقه ولمعت بروقه وأزبدت شدوقه وأطرق إلى الأرض وكاد يأكل بعضه البعض وجعل يرجف ويرعد ويزأر كالأسد ويتململ كريشة تقلبها الريح في قاع البلد واستمر على ذلك زمانا يتأمل فيما يفعله بي إساءة وإحسانا إلى أن سكنت رعدته وبردت همته فأمنت سطوته وقهر جديسورته ثم أقبل على رفع رأسه إلي وقال أما أنت
стр. 185
فستلقى أبي غدا فيقتص له منك جبار السما وأما أنا فلا أخفر ذمتي ولا أضيع جواري وحرمتي ولا يصل إليك مكر ومضى. ولكن قم واخرج عني فلست آمن نفسي عليك ولا أقدر بعد اليوم أنظر إليك ثم دفع إلى ألف دينار وقال استعن بها على ما تختار فلم آخذها ولا نظرت إليها وخرجت من داره ولم أعرج عليها ولم أر أكرم من ذلك الرجل ولا أحلم ولا أعظم مكارم منه ولا أجسم. (وإنما أوردت) هذه الحكاية وقى الله مولانا شر النكاية ليعلم أن الذنب الكبير يستدعي العفو الكثير ممن قدره عظيم وحسبه جسيم ونسبه كريم كما قيل في محكم الكتاب الحكيم: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فقال الوزير ناموس السلطنة وحشمتها وهيبة الملك وحرمتها له شروط كل منها محرر مضبوط وبالمحافظة عليه محوط ولا بد من إقامة أركانها وتشييد بنيانها ويجب الوفاء بها على المملوك والمالك ويفترض القيام بها على سلاطين الممالك والإخلال برعايتها وهن في الولاية فلا غنى عن العمل بها ورعايتها أحسن رعاية فمن ذلك أن لا يسامح جماعة ولا يغفل عنهم وعن كيدهم ساعة فساعة ولا يركن إليهم في إقامة ولا سير حيث لا يصدر عنهم للملك ولا للملكة خير فمنهم من يعزل الإنسان عن منصبه من غير وقوف لعزله عن سببه ومنهم من يوالي أعداء الملك وهو ذو اجتراء منهمك ومنهم من يراعي مصلحة نفسه ويقدمها على مصلحة مخدومته في حالتي رخائه وبأسه ومنهم من يفشي سره ولا يراعي خيره وشره ومنهم من يتعرض لسقطه وغلطه لتغيير خاطره وسخطه ومنهم
стр. 186
من ينتقص حرمته وينتهك عظمته وحشمته ومنهم ذو الطبع اللئيم المفسد في الحريم ولا شك أن أبا نوفل المهمل المغفل قد ارتكب بعض هذه الصفات وهو متلبس بأشنع الحركات وهذا يدل على لؤم أصله وشؤم محله وسوء طوبته وفسداد نيته ومن أكرم اللئيم فهو
الملوم وهذا أمر معلوم وقد قيل:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فقال أخو نهشل الفقير لا تقل ذلك أيها الوزير فإن أبا نوفل عبد خديم ومخلص قديم وظريف نديم ومحب صديق وودود شفيق أمين ثقة ذو وفاء ومقه محب ناصح وجليس صالح لم يعلم مولانا الملك عليه إلا الخير ولم يزل يسير في طريق العبودية أحسن سير ولم يطلع منه على شيء يعينه ولا يشينه في الدارين ولا يريبه بل هو ملازم لوظائف عبوديته مباشر لما يجب عليه من شرائط خدمته لم يصدر أبدا غش لمخدومه ولا خروج عن امتثال أوامر مرسومه فإن منه هفوة نادرة أو سهوة بادره أو جفوة سادره فحلم مولانا الملك لا يقتضي بل ولا يرتضي إطراح هذه الأوصاف المتعاضد لأجل هذه الزلة الواحدة كما قيل:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف
مع أنه حصل له من كسر الخاطر وإحراق القلب وإغراق الجفن الماطر ما لا يجبره إلا العواطف السلطانية والمراحم الشريفة الملوكية ونظرة من الحنو والعطف وذرة من الشفقة واللطف تكفيه ومن أليم الجفاء تنجيه وبعد شدة الممات تحييه وإلا فلا نعرف أحداً يجبر كسر ذلك الوهن أبداً إلا الآلاء السلطانية من يد العلو تعالى مقامها إلى درجات السمو والعطف والحنو
стр. 187
ثم عطف على الدب وقد حفر لإيقاعه الجب وقال أما أنا مع قلة البضاعة واحتقار مقامي بين الجماعة فقد أقمت نفسي لما وجب عليها في مقام الشفاعة فلا أقصر فيها ولا أرجع عنها ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها وأسال صدقات مولانا أبي اللماس المساعدة في إنجاز هذا الالتماس وأن يكون هذا شريكاً لي في إحراز هذا الجعل والوصول إلى أنواع الفضل من هذا الفصل فإنه يرد عنا فئة ومن يشفع شفاعة سيئة وأرجو من وزير الممالك أن لا يقع منه مخالفة في ذلك فإن من سكن الكرم في ربعة لا يصدر منه ما يلبق بكرم طبعه اللئيم بتكلفبل يحسد عليه ويتأسف إذا شرع في مكارم الأخلاق وتعاطى فيها ما لم يقسمه له مقسم الأرزاق ترى وجوه محاسنها في مكانها تتستر منه بانقاب النشوز وأبكار خدورها في قصورها تتراءى لعينه في صورة شوهاء عجوز فلا يطاوعه لسانه في طيب المقام إلى طيب المقال ولا يبعثه جنانه إلى مباشرة حسن الفعال فيصير كما قيل:
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
والناس على دين ملوكهم سالكون طريق سلوكهم وحيث كان مولانا الملك مجبولاً على الشفقة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب على ذمتنا ويلزم دائرة همتنا أن نتخلق بإخلافه العلية ونتشبث بأهداب شمائلها الرضية ونتعاون جميعاً على التزين بملابسة ملابسها البهية ونستضيء بل نهتدي في دياجير المعاش بدراري أفلاك صفاتها الزكية فإن العبد فيما يتعاناه مجبول من طينة مولاه وإن الله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملاً
стр. 188
قال فالجم الدب ذو الساقطة بما فعله من المغالطة ثم أمسكوا عن الكلام وانتظروا ما يصدر من الضرغام فلم يبد خطاباً ولا أنهى جواباً سوى أن قال صلوا في الرحال ولا تبدوا ولا تعيدوا ولا تنقصوا في هذه القضية ولا تزيدوا حتى أمعن فيها النظر واستشير فيها مشير الفكر فمهما أشار إليه الرأي وأرشد إلى اتباعه الهدى فيما يتعلق بحاله تقدمت إليكم بامتثاله فلما انصرفوا توجه أخو نهشل إلى الحبس وذكر لأخيه ما جرى بينه وبين ذلك النحس ثم قال: أبشر بالنجاح والفلاح والصلاح فقد رأيت في جبين الفوز نور صباح ولا شك أن الله الغفور يجري على يدي ولساني من الأمور ما يجلب السرور ويذهب الشرور فكن أوثق سبور وإن حصل في الطريق عقبة تعويق فلا يكن في صدرك حرج فإن وراءها باب الفرج فإن الظفر مقرون بالصبر والصبر مشفوع باليسر وقد أجاد صاحب الإنشاد:
أصبر على ما جرى من سابق قدما ... فمركب الصبر بالإمهال تلحفه
فشكر له جميل سعيه ثم عرض على مشير وعيه فقال: كنت أرى إن هذه القضية تؤخر ويرجا السعي في أمرها ولا يذكر وسبب ذلك أن الطالع قد أدبر والحظ عن المساعدة قد تأخر وإذا تحرك الشخص والسعد ساكن وتبسم الدهر والزهر باك وطلب شكر مسالمته وهو شاك فهو كقاطع البحر بالمراكن والباني على ثبجه أماكن لا يصلح له عمل ولا ينجح له أمل فيشبه إذ ذاك الحمار المعصوب العينين في المدار يقطع بالمسير زمانه ولا يفارق مكانه كذلك من يتعاطى الأعمال والسعد غير
стр. 189
عمال فلا يستفيد إلا التعويق والتبعيد ففي تلك الحال ينبغي الإمهال لا الإهمال إلى أن يتوجه السعد بالإقبال فعند ذلك مد الشباك وصيد السماك فإن السعد أتاك والدهر واتاك وناهيك قصة كسرى القديم مع وزيره بزرجمهر الحكيم فسأل أخا نهشل بيان ما نقل من المثل أخوه أبو نوفل (فقال) بلغني أن كسرى أراد التنزه فثنى إلى حديقة عنان التوجه وطلب الحكيم بزرجمهر وجلسا تحت دوحة زهر على بركة ماء أصفى من دموع العشاق وأنقى من قلوب الحكماء ثم طلب طائفة من البط لتلعب قدامه في البركة وتنغط وجعل ينادم وزيره ويتلقف منه حكمه المنيره ويتعرج على البط وهو يلعب ويتأمل في أنواع حكم الصانع الخاتم من أصبعه وهو ساه وشاهد بزرجمهر هذا الأمر فما أبداه ولا أنهاه فالتقمته بطة وغطت في الماء غطة وكان فيه فص ثمين وكسرى به من المغرمين فلما سود قلم الاقتدار بياض النهار وأكمل مشقة على قرطاس الأقطار أذن كسرى للوزير بالانصراف وقد أسبغ عليه خلع الأنعام والإسعاف ودخل كسرى إلى الحرم وافتقد من أصبعه الخاتم فلم يتذكر ما جرى له ولا وقف على كيفية هذه الحالة فأرسل يطلب الوزير البارع وسأل منه عن خاتمة الصائغ وكان الوزير قد نظر في الطالع فرأى أن الكلام فيأمر الخاتم غير نافع فلو تكلم بصورة الواقع ذبح جميع البط وما وجد لأن الطالع مانع فكتم أمره وكلمه بكلام الحقيقة الحد جامع مانع ثم أنصرف وذهب واستمر كسرى على الطلب
стр. 190
ولم يزل بزرجمهر يراقب الأوقات وينظر في أحوال الساعات إلى أن استقام الطالع وزال من السعد المانع وتيمن الفال وحسن البال وحال الوبال فتوجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان مخفياً من أمر الخاتم في جيب مكتومه وأنه سقط من أصبعه وهو على البركة في موضعه فبادرت بطة إلى الغطة فاختطفته وابتلعته بعد ما التقمته فأحضروا البط جميعه وذبحوا من عرضة واحدة بديعة فوجدوا الخاتم في حشاها ولم تحوج إلى ذبح سواها ثم سأل كسرى الحكيم الأديب لمَ لم يخبره بهذا الأمر الغريب في أول وقوعه وصدوره وما موجب تأخيره فقال: كان إذ ذاك الجد في انعكاس والسعد في انتكاس والطالع في سقوط والنجم في هبوط وأما الآن فالطالع واستقام والسعد كالخادم أقام ونجم السعود قد حال عنه الهبوط والوبال وفي استقامة السعد وإقباله من بعد يفعل الشخص ما شا فالدهر معه جار سواء جاري أو ماشي (وإنما أوردت) هذا النظير لتعلم أن معاندة التقدير أمر خطير وخطب عسير فربما يفرغ الإنسان جهده في المبالغة ويكون الأمر فيه ممانعة ومراودة فينعكس المرام ولم يحصل سوى إضاعة أيام ولم أذكر هذه المفاوضة إلا على سبيل العرض لا المعارضة لما علم منك من وفور الفضيلة وإن مقاصدك على كل حال جميلة فقال أخو نهشل الأمر كما زعمت وأشرت به ورسمت ولكن خشيت أن لم أبادر يسبقني عدوة غادر أو حسود ماكر أو مبغض مكابر فينهى المسامع ما ليس بواقع فلم نشعر أيها البطل إلا وقد ولج قلب الملك أنواع من مكر ودخل فيصير كما قيل:
أناني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا
стр. 191
لا سيما وقد تقرر في الأمثال عند غالب الرجال أن الدعوى لمن سبق لا لمن صدق وبالجملة يا أبا عويله إذا كانت مقاصد الشخص جميلة فإن الله تعالى ينجحها ولا يفضحها ويدبرها ولا يدمرها وإن كان في الظاهر وعند البادي والحاضر يظهر في بعض القضايا نوع هم وغم لكن ذاك السر لم يطلع عليه إلا مدبر العالم وإذا فوض الشخص الأمور إلى العزيز الغفور الذي هو مدبر الطالع والغارب وفي الحقيقة رب المشارق والمغارب وعلم أن مقاليد الأمور بيد تدبيره وإن ملوك الأرض تحت تصريف تقديره وتسخيره استراح في كل المطالع وأخلص التوكل فنجاه الله من كل الوقائع وأوصله إلى ما رام من المطامع (وحسبك) قضية الناصح الأستاذ الأمين الدمشقي مع الخائن جاسوس بغداد وهي طويلة طائلة في مجلدة كاملة وأيضاً لم أبادر بمفاتحة السلطان في أمرك يا أعز الإخوان إلا لئلا أنسب إلى نهاون وتوان وما من شروط المروة والصداقة والأخوة أن يتخلف الفطن في مثل هذا الموطن عن مساعدة الأصحاب ومعاونة الأحباب لا سيما صديق مثلك وحبيب متسم بفضلك وإني لا أدع من أنواع الاجتهاد وما يحسن ببالي في الإصدار والإيراد شيئاً إلا فعلته ولا أمر إلا قدمته ولا فكر إلا استعملته ولو بذات في ذلك روحي ومالي وخيلي ورجالي وإني مباكر باب الملك وملازمه كأحسن من سدك فإن رايته مكرماً مقامي مصغياً إلى كلامي خاطبته بما يليق وسلكت في الشفاعة وحلو العبارة أوضح طريق وإن شاهدت في خلقه شكاسه وفي طبعه شراسة وصعوبة وشماسة سلكت سبيل حسن السياسة وفي الجملة استعمل علم الفراسة وفي كل حكم نظيرة وقياسة وأستعين بالأقرباء والأولاد وأغالط المناقض والمعارض من الأعداء وأقصد النحج وأراقبه وارتقب السعد وأخاطبه وأسلك مع كل
стр. 192
أحد ما يناسبه فالعدو أقتله والحسود أختله والعذول أفتله والمحب أحتله والمبغض أبتله ومن تصلب في المدافعة أمثلة إلى أن ينقضي هذا الأمر وينطفي منه الجمر ويقبل مبشر الأماني بالطبل والزمر ثم أنه بات مفكراً وبادر إلى الصباح مبكراً وأم أبواب السلطان قبل سائر الخدم والأعوانفوجد الدب قد سبقه وجلس من عين المكروه في الحدقة وقد فوق سهم الكبد وصوبه إلى شاكلة الصد ولم يبق إلا إطلاقه ليشد من المرمى وثاقه فقبل النديم الأرض وأعلن سلامه وقطع على أبي حميد كلامه وعارض ملامه وناقص مرامه وقال أدام الله أيام السعادة وأعوام الحسنى وزيادة المستمدة من بقاء مولانا السلطان وعمر دهره المخلد على تعاقب الزمان وأطأ قمم الأمم مواطئ قدمه وأطاب بطيب حياته معايش عبيده وخدمه كانت المواعيد الشريفة والآراء المنيفة سبقت بالتأمل في أمر عبدها القديم وخديمها الفقير النديم وجالب سرورها أبو نوفل النديم مع ما كان لائحاً وعلى صفحات الرضا واضحة من شمائل الأخلاق الملوكية ومكارم الشيم السلطانية إن مراحمها ستأخذ بيد العائر وتقبل عثرته بحسن المآثر بحيث يشرح الحاسر ويربح الخاسر والمملوك يسأل مراحمها ويرجو مكارمها أن لا تخيب ظنه وأن تجبر بتحقيق ظنه وهنه وأن تجري مماليكها وعبيدها على ما عودها من الصدقات قديمها وجديدها ثم أنشد وإلى الرضا أرشد:
أرجو بالعباس أن يروي لنا ... عن ثغرة الضحاك نوراً يقتبس
فأقرأ تبسم ضاحكاً من قولها ... متهللا نحوي ولا تقرأ عبس
стр. 193
فتبسم أبو العباس ابتسامة ظهرت منها للرضا علامة فاشتعل الدب من القيظ وكاد يتمزق من الغيظ وعلم أن عقد أمره انفرط ونجم سعده من فلك السعد سقط وأنه لم يكتسب من مكايد القساوة إلا هاتيك العداوة وانكشف عند مالكه ما وطاه من مغطى وقرأ كل أحد حديث ذلك الموطأ وغلب عليه الوجد في الحال فخرج عن دائرة الاعتدال وسكر من خمرة العداوة فطفح وعربد وشطح فقال: كل من ستر على أعداء الملك فهو في الخيانة والجناية مشترك وكل من شفع في الجاني فهو في قيد العصيان عاني بل هو أشد من المباشر إذ هو معاشر للمتعاطي ومكاثر والإبقاء على المعصية شر منها والرضا بكفر الكافر فتنة يفر عنها وما أظنك أيها النديم العارف القديم لمعرفة هذا القدر عديم فإن أبيت إلا الإصرار ومساعدة الفجار ومعاونة الأشرار فأنت حينئذ مستخف لهيبة ولي نعمتك مستنقص حرمة مالك رقبتك طالب لابتذاله مستهين بمقام جلاله راض بتسليط الأنذال والأوغاد الأراذل على انتهاك حرمته وابتكاك أستار حشمته ونحن لا نرضى بذاء الذمامة ولا كيد للمخالف ولا كرامة فعند ذلك استشاط الغضنفر وتأثر لكلام الوزير وتغير وزأر وهمر وزفر زفرة وزمجر وكاد أن يثب على أبي جمهر ثم أنه تماسك وتناسى الغدر وتناسك وقال يا أبا سلمة كبرت كلمه غيمة الأصحاب والنميمة بين الأحباب وساءت حركة وبئست ملكه تناسى الحقوق وتحاشى العقوق
стр. 194
وإطراح جانب الصديق الصدوق والرفيق الشفوق وإضاعة خدمة الخديم لا سيما النديم القديم ولم تزل الأصاغر تستمطر مراحم الرؤساء والأكابر ولم تبرح الملوك تعطف على مسكينها الصعلوك أنسيت ما قلت لك في حقيقة من ملك وهو:
ليس المليك الذي تشقى رعيته ... وإنما الملك مولى يحفظ الخدما
وأيضاً لم تزل الأصحاب تساعد أصحابها وتستعطف عليها ملوكها وأربابها وترفع بحسن السفارة من ستائر الدهشة حجابها ويثبتون بذلك الأجر العظيم والثواب الجسيم والثناء العاجل والجزاء الآجل في صحائف مخاديمهم ويعدون ذلك أربح معاليمهم ويبذلون في ذلك الجهد ويبلغون فيه غاية الكد وذلك مما يجب عليهم ويتقدم بالمحافظة عليه إليهم كما قيل:
يستعطفون الأكابر
يستعبدون الأساغر
يحبون رسم الأوائل
يعملون الأواخر
وأي فائدة واستفادة أيها الوزير أبا قتادة في رعية ملك لا تتفق قلوبهم ولا تستر بينهم عيوبهم ولا تطهر بالصفاء جيوبهم ولا تتجافى عن مضاجع الجفاء جنوبهم ولا يتساوى في الوفاء حضورهموغيوبهم تراهم في الغيبة يفت بعضهم بعضاً فتاً ويرعون لحومهم قتا كبهائم لاقت في مرعاها قتاً وفي الحضور تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ثم إن كان أخو نهشل يساعد أخاه أبا نوفل فذاك شيء يجب عليه ويندب فإنه صاحبه القديم وجليسه القويم وإن تخلى عنه فماذا يرجى منه وحجر النوائب هو محك الأصحاب وجمر المصائب يظهر من تبر الصداقة اللباب وقد قام في هذه
стр. 195
النوائب بعدة أشياء كلها عليه واجب أولها القيام بحق أخيه والسعي في خلاصه من هذا الأمر الكريه ثانيها ساق إلى صحائفي الحسنات وقصد لي رفع الدرجات ثالثها طلب رضا خاطري وما يشرح صدري ويسر سرائري رابعها مباعدتي عن الآثام وخلاص ذمتي من الوقوع في الحرام فربما يحملني العنود والخلق الشرود على التعدي في الحدود خامسها اشتهار أسمي بالفضل وعدم المؤاخذة بالعدل فيشيع في الآفاق عني مكارم الأخلاق سادسها انتشار صيتي بحسن الوفاء بحقوق الإخوان وعدم الجفاء سابعها أنه غرس في قلوب الأماثل محبته وزرع في أوراح الأفاضل مودته وإن كان صدر من أبى نوفل ما صدر فإنه اعترف بالذنب وعنه اعتذر فنعمل معه بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر كما قيل:
اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا
ولو بلغت هذه الحكاية غاية الشر ونهاية النكاية ماندني واقعة الملك الصافح عن عدوه المؤذي السافح فقبل الدب الأرض وقام في مقام العرض وسأل الملك بيانها ليعلم بحسن التصريف فرزاتها ويقيس عليها أوزانها (فقال) ذكر أن بعض السلاطين تصدى له عدو من الشياطين يحرض عليه الأعادي ويفسد عليه الحاضر والبادي ويجتهد في إقامته ومسيره في إزالة الملك عن سريره ويغري به العساكر فيقابله ظاهراً بالنواكر باطناً بالمواكر وما فسد منه إلا بدواعي الحقد والحسد فجعل الملك يسترضيه بالهبات فلا يرضى ويستدنيه بالصلات فلا تزيد صلاته إلا بعداً ونقضاً كما قيل:
إلى كم يداري القلب حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
стр. 196
فاضطر الملك من أموره واشتغل لإيقاعه بنذوره وجعل ينصب له شرك الوقائع ويجتهد ف إيقاعه بكل دان وشاسع وذلك الباغي أحذر من الغراب وأسهر من طالع الكلاب والملك لا يقر له قرار ولا يطيب له عيش لا بالليل ولا بالنهار فكان من أحسن الاتفاق أن علق ذلك الباغي ببعض الأوهاق فحمل إلى حضرة الملك وهو في قيد البلاء مشتبك فلما رآه في قيد النكد بادر إلى الأرض فسجد وقال الحمد لله المغيث حيث أمكن منك أي خبيث أترى هذا المنام فهو أضغاث أحلام أم سمح الزمان بأهل العدوان وأنا يقظان ثم شرع في السب والتجديع والتوبيخ والتقريع وأقسم بالفالق الأصباح وخالق الأرواح والأشباح ليفعلن بذلك النباح من النكال والجراح ما فعل المصطفى ﵊ مع سراق اللقاح وليذيقه كأس البأس وليجرعنه من خمر المنية أمر كأس ثم أمر الجلاد أن يأتيه بماله من القطع والسيف والعتاد فعلم ذلك الزنديق أنه وقع في الضيق وأنه لا ينجيه أخ ولا صديق ولا افتداء بشقيق ولا حميم وشفيق فضلاً عن مال ومنال أو خيل ورجال فلما غسل يده من العيش استهوته الخفة والطيش فشرع في السباب ودخل في الشتم من كل
стр. 197
باب ورفع بفاحش الكلام الصوت وقال ما بعد الموت موت فسأل الملك أحد الوزراء ماذا يقول من الافتراء هذا الظالم المجتري الباغي المفتري فقال يدعو بدوام البقاء ورفعة مولانا الملك والارتقاء ويقول ما أحسن العفو عند المقدرة واللطف والكرم أيام الميسرة وإن لم ثم مجال للمعذرة ولو جعل العفر شكر المقدرة لكان أولى وأعلى مقاماً في مكارم وأحلى كما قيل: ما أحسن العفو من القادر لا سيما لغير ذي ناصر
ويترجم على أسلاف مولانا السلطان الذين كان شيمتهم العفو عن ذوي العصيان وكان ذلك منتهى لذتهم وغاية أمنيتهم وما أجدر مولانا الملك أن يحيي مكارم سلفه ويجعل العفو كلمة باقية في خلفه ولا زال يقول من هذا المقول حتى لان له القلب القاسي ورق له قلب الملك الجاسي فأمر بإطلاقه ومن عليه بإعتاقه وكان أحد الوزراء وأركان الأمراء شخص يعاكس هذا الوزير ويناقضه فيما يراه ويشير وبينهما مرت أسباب عداوة أحلى في مذاق طبعهما من الشهد والحلاوة كل مترصد للآخر زلة متوقع لإيقاعه في شبكة البلاء غفلة فحين رأى شقة الحال نسجت على هذا المنوال وجد فرصة للمقال فتقدم وقال ما أحسن الصدق وأيمن كلام الحق خصوصاً في حضرة المخدوم وهذا أمر معلوم عدو مبين وحسود مهين لم يترك من أنواع العداوة شيئاً إلا تعاطاه ولا من الإفساد والشر صنفاً إلا هياه قد أهلك الحرث والنسل وبدل جنتي الصلاح من الفساد بخمط وأثل إلى أن أمكن الله تعالى منه وحان تفريغ الخواطر الشريفة عنه ثم أنه في
стр. 198
مثل هذا المقام بين الخواص والعوام يثلب الأعراض من الأمراض ويجهر بالسوء من القول ويصرف في الخنى والسب ما له من قوة وحول كيف يحل السكوت عن جرائمه وتغطية مساويه وعظائمه فضلاً عن أن تتجلى سيئاته في خلع الحسنات وتتحلى شوهاء سواخط أدعيته بملابس أحسن الدعوات ومع هذا يطلب له التوقع والخلاص والإطلاق من شرك الاقتناص وهو على ما هو عليه من الإساءة المنسوبة إليه أما والله يا مولانا الهمام وسلطان الأنام ما قال إلا كذا كذا من قبيح الكلام وتناول العرض المصون بالسب والدعاء والملام فتغير خاطر الملك وتعكر وتشوش صافي خاطره وتكدر ثم قال أيها الوزير ذو الصدق في التحرير والله وحقك إن كذب هذا الوزير عندي خير من صدقك فإنه بكذبه أرضاني وإلى طريق الحق هداني وأصفى خاطري من الكدر وأطغا ما كان تلهب في غيظي من شرر ونجاني من دم كنت أريقه ولا يهتدي إلى كيفية استحلاله طريقة فأصلح بذلك ذات البين وأصار المتعادلين أحسن محبين وخلد ذكري بجميل الصفات وسلك بي طريقة أجدادي الرفات وأما أنت فكدرت عيشي وآثرت غضبي وطيشي وأسمعتني الكلام المر وقد سنى منك الضر وأما أنا فقد أعتقت هذا وأطلقته فلا أرجع في إيذائه وقد أعتقته وقد ثبت لهذا الوزير على حقوق لا ينكرها إلا ذو عقوق ولا تسعها الأوراق والرقوق فكذبه عندي خير من صدقك وباطله أحلى على قلبي من حقك ولهذا قال ذو الأفضال ما كل ما يعلم يقال
стр. 199
(وإنما أوردت) هذا الكلام يا كرام لتعلموا إن السلطان بمنزلة الإمام وأركانه له تبغ في القعود والقيام ولا يتم الإئتمام إلا بالاتفاق بين الرفاق فإذا كان الجماعة مجمعين طائعين لإمامهم مستمعين استقام القيام وانتهوا من جميل التحيات إلى السلام ولا يقع لهم انتظام مع مخالفتهم لحال الإمام هذا قائم وهذا قاعد وهذا راكع وهذا ساجد وهذا نائم وهذا هاجد وأيضاً السلطان بمنزلة القلب والرأس وبمنزلة الأعضاء رؤساء الناس وباقي الرعية خدم للرأس والأعضاء منتظرين لما تبرز به المراسيم من الزجر والإمضاء فإذا اتفقت الأعضاء واصطلحت انتظمت أمور كل من الرأس والرعية وانصلحت وإذا وقع اختلاف وتباين في الأعضا صار كل من الرأس والقلب والرعية مرضى ولقد صدق من قال وهو رسول الله ﷺ وأرضى المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. وخلاصة هذا الكلام أن قصدي أن تكون أحوال رعيتي على النظام لا يقع بينهم شقاق ولا تنافر ولا نفاق وأما أبو نوفل فيكفيه حياؤه وخجلته فقد انتهت وتمت عقوبته وأخذ حده حده ولا يليق بكرمي أن أرده وهذا الذي ورثته عن أسلافي وهو الحق اللائق بمحاسن شيمي وأوصافي فلما سمع الوزير هذا الكلاموجرح فؤاده نصل هذا الملام ندم غاية الندم وعلم أنه قد زلت به القدم وأنه لا حاجته قضى ولا على صديقه أبقى ولم يستفد مما أبداه من فجم سوى إظهار معاداة أبي التجم وإنه إذا تخلص من حبسه وكربه ورجع عند الملك إلى منادمته وقربه لابد أن يتصدى لمعاداته وسلبه ولا يفيده بعد ذلك أفعاله ولا يسمع في أبي نوفل أقواله فانصرف من
стр. 200
عند الملك الطيثار لا يدري أين يضع قدمه من الإفتكار حتى وصل إلى منزله واختلى في فكره بعمله وفرغ للمخلص من هذه الورطة طرقاً وتفرقت رواد أفكاره في منازل الخلاص فرقاً فأدى نصيب الرواد من الآراء ومفيد القصاد من الشورى
إلى السعي في مصالحة أبو نوفل وإزالة ما وقع من الغبر في وجوه الصداقة وتخلل ثم أدى إفتكاره وأورى من زند رأيه شراره إلى أن الذي وقع منه قد اشتهر وعلم به أصحاب البدو والحضر فإذا طلب من بعده الصلح فذلك في غاية القبح إذ كل من في حجره حجز يتحقق إن ذلك خور وعجز فصار يتردد بين هذه الأفكار ويتأمل ما فيها من تحقيق الأنظار وتدقيق الأسرار فبينما هو في بحر الافتكار يلطمه الموج ويصدمه التيار دخل عليه صفي له صافي الوداد وهو ظبي أغر يدعى مبارك الميلاد ذكي الجنان فصيح اللسان دقيق النظر عميق الفكر ذو رأي صواب وشفقة كاملة على الأصحاب فرآه مطرقاً إلى الأرض في فكر ذي طول وعرض فسلم عليه وتقدم بالسؤال إليه عن نشور باله وتوزع حاله فطلب الوقوف على ما ناله لينظر عاقبة أمره ومآله فأخبره بموجب ذلك وأنه قد سدت في وجهه المسالك فقال مبارك الميلاد يا صحيح الوداد أنت قد زعمت أن مولانا السلطان قد ترك أبا نوفل الندمان وطرحه إطراحاً لا رجعة فيه وأنه بعد اليوم لا يذكره ولا يدينه وإن عثرته لا تقال وغصته لا تزول وقصته لا تزال هيهات هيهات يا أبا الترهات الملوك إن لم يعرفوا حقوق خدمهم ولم يثبتوا في ديوان إحسانهم قدم قدمهم خصوصاً هذا الملك العظيم الذي أنفاس شيمه تحيي العظم الرميم ونحن قد وجينا عمرنا في خدمة وأذاقنا برد
стр. 201
عفوه وحلاوة كرمه وغذاء أرواحنا إنما هو غوادي حمله ورائح نعمه مع إن أبا نوفل لم يقع في محذور معضل يوجب تناسي ذممه وابتذال حرمته وحرمه وإنه استغفر وأناب واعتذر وتاب وأعلم أيها الوزير الأكرم إن ذوي النهي والحجر إذا أرادوا الشروع في أمر تأملوا في مبداه غايته ومنتهاه وهذا التقرير كالجلوس المقصود من عمل السرير فإنما تنبعث لصنعته النفوس إذا علمت بحصول الرفعة عليه من الجلوس كما قيل:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره
أما بلغك يا أخي وأكرم سخي حكاية التاجر البلخي؟ قال الوزير: أخبرني بكيفية هذا التنظير! (قال) مبارك الميلاد بلغني من أحد العباد الذين طافوا البلاد أنه كان في مدينة بلخ تاجر كثير العروض والمتاجر عريض المال والجاه غزير الضياع والمياه تكاثر نقوده الرمال وتباهي خزائنه معادن الجبال وتفاخر جواهره در البحار وتسامي بضائعه تلال القفار تراجع عنه الحظ وعامله الزمان بعادة طبعه الفظ وأدبرت عنه من الدنيا القوابل ونزلت بساحة موجوده بالإعدام النوازل وولت وفود معايشه فكادت تقد السلاسل فصار كلما عامل معاملة انعكست عليه حتى نفد جميع ما بين يديه فلم ير لنفسه أوفق من التغرب عن وطنه والإقامة في سكن غير سكنه فأخذ بعضاً من المال وخرج من بلاد الشرق إلى بلاد الشمال وداوم في الأرض على
стр. 202
الضرب حتى انتهى إلى بلاد الغرب فأقام بها دهراً يتعاطى معاملة وتجراً إلى أن زاد ماله وأثرى ورجع إليه بعض ما ذهب من يديه ثم اشتاق إلى بلده ورؤية زوجته وولده فتجهز إليها وسار حتى نزل عليها وأراد الدخول إلى داره فأوقفه مشير افتكاره إلى أعمال النظر في حادث القضاء والقدر وأنشده الزمان بلسان البيان:
للكون دائرة من قبلنا صنعت ... لا بي تضيق ولا من أجلك اتسعتوالسر في جيب غيب الله مكتتم فلست تدري يد التقدير ما صنعت
فرأى أن يدخل متنسياً متنكراً متخفياً ويتوصل إلى داره ويتجسس أحوال كباره وصغاره وما حدث عليهم من الحوادث وتقلبات الزمان العائث فتوجه لما أظلم إلى داره وهو يترنم:
بالله قل لي خبرك ... فلي زمان لم أرك
إلى أن وصل إلى الباب وما عليه حاجب ولا بواب فرأى الباب مقفلاً والقنديل عليه مسبلاً وكان يعرف للسطوح درباً خفياً فاستطرق منه وارتفع مكاناً علياً وأشرف من اكوة فرأى ربة البيت المرجوة فوق سرير الأمان معانقة فتى من الفتيان كأنهما لفرط العناق كانا ميتين من ألم الاشتياق فبعثتهما قيامة التلاق فتلازما والتفت الساق بالساق ولسان حال كل منها يروي عنهما:
عانقت محبوب قلبي حين واصلني ... كأنني حرف لام عانقت ألفا
فتبادر إلى وهلة لغيبوبة عقله أن ذلك الشاب الظريف معاشر حريف أفسد زوجته مغتنماً غيبته وأنه في تلك الليلة استعمل قوله:
لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد
стр. 203
فسل السكين وقصد قتل ذلك المسكين وصمم على النزول إلى البيت وإثارة الفتن بكيت وكيت ثم استناب وهله واستراب عقله وأخذ يتفكر ويتأمل ويتدبر واحتضر أحوال قرينته وأنها في العفة مجبولة من طينته وأنه لم يعلم عليها إلا الخير وعدم ميلها عن حلالها إلى الغير فطلب قبل الفضيحة لزوجته طريقة مندوحة ظريفة ممدوحة فإن مدة غيبته طالت وزوجته إن كانت حالتها حالت فلابد أولاً من الوقوف عليها كيف استحالت ثم كف عن الذبح ونزل عن السطح وقصد جارة داره ودارة جارة وطرق بابها واستنبح كلابها فخرجت إليه عجوز كانت إلى داره تجوز فسألت من هو وما مراده ومن أين إصداره وإيراده فقال: إني رجل غريب ليس لي بهذه البلدة خليل ولا قريب وبلادي أرض مكة كنت أتردد هذه السكة وأعامل التجار وكان لي في هذه المحلة مجير وجار من التجار الكبار كنت آوي إليه وأنزل في قدومي عليه اسمه فلان وقد مر علينا زمان وعاقني عنه نوائب الحدثان والآن قدمت إلى هذا المكان وقد قصدت داره ولا أدري أي جراه عاره ولم أعرف له خبراً ولا رأيت عيناً ولا أثراً فهل تعرفين كيف حاله وإلى ماذا آل مآله؟ فقال: نعم. زالت عنه النعم وألجأته الحال إلى الترحال فرحل منذ سنين وكنا في جواره من الآمنين وانقطع عنا خبره وعن زوجته عينه وأثره وطال عليها منظره ففسخت نكاحها واعتدت وطلبت تصيبها واستدت ولقد أوحشنا فرقاه وآلمنا اشتياقه غير أن زوجته قامت مقامه وأفاضت علينا إحسانه وإنعامه وهي متشوقة إلى رؤيته متشوفة إلى مطالع طلعته متلهفة على أيام وصاله متأسفة على ترشف زلاله فلما وقف على صورة الحال سجد شكر الله ذي الجلال وحمد الله على الثبات في مثل هذه النائبات
стр. 204
(وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم فضيلة التأمل في المآل والتفكر في عواقب الأحوال قال الدب دعنا من هذا الكلام والأخذ في الملام وأسعدني في التدارك فإنك نعم المشارك قبل انفلات العنان وانقلاب الزمان وخروج زمان التلافي من أنامل الإمكان وانتقال حل عقدته من اللسان والبنان إلى الأسنان فقال مبارك الميلاد الرأي عندي يا أبا قتاد المبادرة إلى الصلح والاصطلاح ليحصل النصح والفلاح والأخذ في المصافاة وسلوك طريق الموافاة والعمل به باطناً وظاهراً والاستمرار عليه أولاً وآخراً ومحوا آثار العداوة وتناسي أسباب الجفا والقساوة واستئناف المودة الصافية والمحبة الوافية وصرف القلب نحو دروس فقه الحلة الشافية والكافية حتى يقول من رأى وسمع الحمد لله آلت العاقبة إلى العافية ثم أعلم إنه لا يصفو لك صاحب وخاطرك عليه للتكدرمصاحب ولا يخلص لك صديق ولبن خلوص محبتك إياه مذيق وقاطع بغضك في الطريق وشوك سعيك راكب التعويق والقلوب في المحبة تتجازى إن حقيقة فحقيقة وإن مجازاً فمجازاً وكل شيء بمقدار وميزان وكما ندين ندان وقلما تجد من تحبه ويبغضك وتربه ويرفضك وتصفو له ويتكدر ولا تتغير عليه ويتغير ودونك يا ذا الكرامات ما قال صاحب المقامات:
وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
стр. 205
وقال من أحسن من المقال:
والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
وأنا أقول هذا الكلام إلا من قول خير الأنام عليه أفضل التحيات وأكمل السلام أرواح أجناد مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وإنما يقع التعارف من الجهتين والتناكر من الطرفين ولا تغالط نفسك وتكابر حسك أن يحيك من تكرهه ويزينك من تشوهه ويقربك من تقصيه ويقيمك من ترميه ويرفعك من تضعه ويأخذ بيدك من تدفعه كما قيل في الأقاويل:
والناس أكيس من أن يمد حوار جلا ... ما لم ير واعنده آثار إحسان
وأعلم أن غالب الإخوان في هذا الزمان مسلوب الإنسانية وإن كان في زي الإنسان من أحسنت إليه أسا ومن ترفقت له قسا ومن نفعته ضرك ومن أمنته غرك ومن سكنت أوامه بزلال فضلك جرك وقد أجاد صاحب الإنشاد:
جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا خسفاً ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف
وإذا كان هذا فيمن تحسن إليه وتسبغ ملابس أفضالك عليه فكيف يكون حال من تضمر له النكال ونتمنى وقوعه في شرك العقال أني تراه يصفو لك ويتقاضى سؤلك ومأمولك وهو مترقب غيله غولك متوقع منك أن يصير مقتولك فماذا عسى أن تبلغ منه سؤالك ومسؤلك أو ترى من محبته ومودته مأمولك ومحصولك
стр. 206
(وإنما أوردت) هذه المقامات وإن كانت من فضلات علمك ورشحات قلمك أتتنا متقدمات إلا لتعاطي أسباب الصلح أولا في نفسك ثم تستعمل الوسائط من أبناء جنسك فينتج المقصود ويصفو الورد المورود كما قيل:
فإن القلوب مرائي الصفات ... كما السيف مرآة وجه الذوات
قال الدب أنا ألقي الزمام في هذا المقام لنيل هذا المرام إلى يد تدبيرك واكتفي في رعى رياضه برائد رأيك وتقديرك فإن فكرك نجيب وسهم رأسك مصيب فافعل ما تختار وأذقنا من رائق رأيك المشتار فقال: نقسم أولاً: باللطيف الخبير أنك أصفيت الضمير من الغش والتكدير وكرعت من وارد الصفاء الزلال النمير ونفضت يد المحبة والإخاء من علاقات البغضاء والشحناء حتى تجيب دعي ولا يخيب سعيي وأبذل مجهودي في نيل مقصودي وأبني على أساس وأسلك مع الناس مسلك الناس فبادر باليمين إلى اليمين المباينة وأنه يكتفي من غدير الغدير بما جرى ويطوي حديث الشحناء فلا سمع الواشي بذاك ولا درى فليبذل مبارك الميلاد جهده في السعي في إصلاح الفساد وعقد أعلى ذلك العهد وتوجه مبارك الميلاد من بعد وقصد منزل أخي نهشل فرآه فيمن ثار همومه في مشغل وقد غرق في بحر الأفكار هائماً لا يقر له قرار فسلك عليه وتقدم بالسؤال عن حاله إليه وآنسه بالمحادثة وذكر له الدهر وحوادثه وتذاكر لما وقع من الدب وكيف أظهر نواقص الحب وبارز بالعداوة وأبرز
стр. 207
بأدني حركة موجبات القساوة ثم أخذ أخو نهشل في العتاب وفتح لمبارك الميلاد من جهة صاحبه وعتابه الباب فاعترف بإن فعله حالك ولم يسعه إلا الاعتذار وجبر ما وقع لأبي نوفل من الإنكار بالسعي في مساعدته والقيام معهفي جماعته والتوجه إلى حضرة المخدوم والتلافي بمرهم التصافي ما سبق من جراحات الكلام والكلوم ثم إذا حصل من الخواطر الشريفة الإغضا وأثمر في رياض العفو لجاني الخدم فواكه الرضا يستأنف شوق المحبة عقود المبايعة ويروج تاجر الصداقة على مشترى الحشمة في مظان رغباتها بضائعه إلى أن يتزايد الوداد ويتأكد بين الجميع عالم الاتحاد فانهض يا رئيس الأصحاب وأنيس الأحباب:
فالعمر أقصر مدة ... من أن يدنس بالعتاب
ثم نهضا جميعاً وأتيا أبا نوفل سريعاً فوجده في أحرج مكان وأوهج زمان محفوفاً بالأحزان مكنوفاً بالأشجان وما حال من جفاه أحباه وأقصاه مولاه وصار وهو جان غريمه السلطان فلما سلما عليه وجلسا إليه واعتذر مبارك الميلاد بعد إظهار تباشير الوداد أن موجب تقصيره في السؤال عنه وتأخيره أن قلبه الوامق وطرفه الوادق لم يطاوعا على رؤيته في تلك الحال ولا سمحت قدمه بالتقدم إليه وهو مشغول البال ثم تفاوضا في أسباب الصلح وقصد أبواب النجح فتجاذبوا أطراف الطرائف وتفكهوا على
стр. 208
موائد التحف واللطائف وما زالوا ينسجون خلع الوفاق ويمزقون شقق الشقاق إلى أن انعقدت أهداب المحبة والوداد وانحلت عقوداً الحقود والكباد وتحقق كل أحد من كبير وصغير ومأمور وأمير وجليل بحصول خالص المودة بين النديم والوزير:
ولما أن تراءى الفجر يحكي ... جبين الحب أو رأى اللبيب
توجه الوزير ومبارك الميلاد وأخو نهشل ورؤوس الأجناد مع سائر الأمراء والوزراء والأعيان والكبراء حتى انتهوا إلى السدة العلية والحضرة الملكية السلطانية فقبلوا أرض الطاعة ووقفوا في مواقف الشفاعة ونشروا من الدعاء والثناء ما يليق بجناب الملوك والعظماء وذكروا النديم أبا نوفل بما يستعطف به الخاطر المفضل حتى عطفت عليه مراحمه وانمحت من جريدة لانتقام جرائمه وسمح بإحضاره لديه ليسبل ذيل الكرم والعفو عليه ثم يشمله ثوب الرضا وخلع العفو عما مضى فأسرع نحوه البشير بما اتفق من الجماعة مع الوزير ثم وصل القاصد وهو له مراصد فتوجه منشرح البال منبسط الآمال حتى دخل على حضرة ذي الدولة والإقبال وقبل الجدالة ووقف في موقف الخجالة لا يرفع طرفاً ولا ينطق حرفاً فرسم بالتشريف والخلع ليرفع عنه التخويف والهلع فتضاعفت الأدعية الصالحة والأثنية الفائحة:
بغادية من ذكره قد تمسكت ... بطيب ثنا يحيي الزمان ورائحه
وأقيمت حرمته واستمرت عليه وظيفته ثم إن الملك انتقل من المجلس الغاص إلى مجلس خاص واجتمع بالخواص وعم الخطاب لكل ناص ومحدث وقاص
стр. 209
فقال ليعلم الوزير والنائب والأمير والحاجب والصديق والصاحب والجندي والكاتب والمباشر والحاسب والراجل والراكب والآتي والذاهب وليبلغ الشاهد الغائب إن مقتضى الرياسة في الشرع والسياسة على ما قدره حكماء الملوك وسلكوا بعباد الله تعالى أحسن السلوك أن كل واحد من الغني والصعلوك لا سيما من له من الأمر شيء أو نوع مباشرة على ميت أو حي له مقام معين لا يزايله ومكان مبين لا يقابله قال الحي القيوم ذو الملك الديموم حكاية عن متصرفي ملك الديوم وما منا إلا له مقام معلوم وعلى هذا جرت سنته وورد كلامه ولاه أو سلطان علاه أن يلازم مقامه ويلاحظ في صف جماعته إمامه ويراقب ما يصدر عنه قيل إياك وما يعتذر التفكر ويعيره بمعيار التأمل والتبصر ثم يسبكه في بوتعة الفصاحة ويسكبه في قالب الملاحة ويصوغه بالآلات حسن الانسجام ويرصعه بجواهر المقام فإذا صيغ على هذه الصياغة وقعدت علىصورة سبكه نقوش البلاغة وأخرج له غواص الفكر من بحر المعاني والبيان فرائد أفكار لم تظفر بها أصداف الآذان وخرائد أبكار لم تفترعها فحول الأذهان ازدانت بها من حور جنان الجنان ومقصورات خيام الدهور والأزمان آنسات لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان فاختلب بيهائه القلوب والأرواح واستلب بروائه الأموال والأشباح واستمال الخواطر وسحب الأيادي المواطر وصار الدهر من بعض رواته وأشناف ما يرويه عنه
стр. 210
معلقة بآذان نياته وإن وقع والعياذ بالله منه ما يورث الندم والحزن وأخرج سهم الكلام من قوس العجلة لا اكتال ولا أتزن حصل في سوق ظاهره وباطنه الغبن والغين وأصابه نديم فغفور الختن فنهض الجماعة وللأرض قبلوا وعن كيفية هذا الخبر سألوا (فقال) الملك ذكر المخبرون وأخبر المذكرون أنه في قديم الزمن كان عند فغفور الختن ندمان كامل المعاني في البيان ذو نعمة جزيلة وصورة جميلة وفضائل فضيلة مبرز في العلم كامل المودة والحلم محبوب الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة ثقيل الرأس خفيف الروح والحواس قد جال وجاب وبلا الأعداء والأصحاب وترشح لمنادمة الملوك والأمراء ومجالسة السلاطين والوزراء وهو خصيص بملك الختن والصين مقبول عند الملوك والسلاطين اتفق له في بعض الليالي أنه كان عند جناب ملكه الغالي وعنده جماعة من العلماء وطائفة من الإخصاء والندماء وهم يتعاطون كؤوس اللطائف ويتواطون على ما في الدنيا من طرف وطرائف ويتذكرون عجائب الأقطار يشنفون المسامع بخصائص الأمصار فقال النديم رأيت في بعض الأقاليم من الأراضي الحامية والبلاد القاصية حيواناً كبيراً سريع السير متردد أشكله بين شكلي الجمل والطير يضرب به في الدبدبة المثل فيتعاطى التعلل في الكسل إن قيل له أحمل يقول أنا طير وإن قيل له طر يقول أنا جمل وذكر إن اسمه النعام وسائر أوصافه وأعضائه على إتمام فتعجب الحاضرون من هذه الصفات والأشكال البديعة والهيآت ثم
стр. 211
قال وأعجب من هذه الصفات أن هذه الدابة تأكل الجمرات وتلتقط الحصيات وتختطف الحديدة المحماة من النار تزدردها ولا يتألم لذلك فمها ولا جسدها وتذيب كل ذلك معدتها ولا يتأثر بها لسانها ولا ترقوتها فأنكر بعض الحاضرين هذا المقال لكونه لم يشاهد هذه الأحوال ولا رأى ولا سمع خبر طير يأكل النار ويبلع الأحجار ونسبوه إلى المخارقة في الأخبار فتصدى لإثبات ما يقول بطريقي المنقول والمعقول فلم يسعف كلامه القبول على ما ألفته منهم العقول لأن الحيوان بل وسائر الجمادات إذا اتصلت بها النار محت منها الآثار وهذا طير من الأطيار من لحم ودم فكيف لا تحرقه النار فاتفق الجمهور على تكذيب هذه الأخبار وقالوا المثل المشهود إنما هو موضوع على لسان الطيور فيمن تردد بين الأمور فيقال هذا الفقير كالنعامة لا يحمل ولا يطير ومثل هذا المضرب يا شيخ المشرق والمغرب قولهم طارت به عنقاء مغرب فقال النديم الفاضل الحكيم أنا رأيت هذا بالعين فلم يزدهم إلا تأكيد المين من الخجالة والندم أمر عظيم واستمر في حصر حتى منعه السلطان من الدخول إلى القصر وصار بين الأصحاب يشار إليه بيا كذاب فلم يسع ذلك الأستاذ إلا السفر من تلك البلاد والتوجه إلى العراق وبغداد وأخذ من الطير النعام عده واستعمل عليها رجلاً مستعدة ونقلها إلى
الصين في عدة سنين تارة في البحر وأخرى في البر وقاسى أنواعاً من البؤس والضر وتكلف حملاً من الأموال وتحمل مع المشاق منن
стр. 212
الرجال فما انتهى به السير إلا وقد مات غالب تلك الطير فوصل إلى حضرة ملك الخطا واشتهر في المملكة أن النديم الفلاني أتى فاجتمع الناس لينظروا وأمر الملك للخاص والعام فحضروا وأحضروا النعام في ذلك المحفل العام وطرح لها الحديد المحمي فخطفته والجمر والحصى فالتقفته فتعجب الناس لذلك وسبحوا لله مالك الممالك وعلم الصغار والكبار أنه يخلق ما يشاء ويختارفشمله الملك بمزيد الإنعام واعتذر إليه عما مضى من ملام وزادت رفعته ونفذت كلمته إذ قد أثبت مدعاه وحقق بشاهد الحس معنى ما ادعاه ففي بعض الأوقات تذاكروا ما فات وانجر بهم الكلام ما مر من حديث النعام فقال النديم أيها الملك الكريم إني تكلفت على هذه الأطيار كذا وكذا ألف دينار وقاسيت من المشقة في الأسفار وعاينت من شدائد الأخطار ما لا تقاسيه عيدان النار واستمريت في هذا العذاب الأليم المهين وفي سجن المشاق سنين حتى بلغت تحقيق مرامي وتصديق كلامي ولولا عناية مولانا السلطان لما ساعدني على مقصودي الزمان ولما زال عني اسم الكذاب إلى يوم الحساب فتبسم السلطان وقال لقد أتيت بمحاسن وما قصرت ولكن كما يحتاج في إثبات تصديقها والخروج عن عهدة تحقيقها إلى صرف المال الجزيل وتجشم مشقة السفر العريض الطويل وتحمل منن الرجال وركوب الأخطار والأهوال وإزعاج الروح والبدن وإضاعة جانب كبير من العمر والزمن لأي معنى يتفوه بها العاقل ولماذا ينطق بها مستمع أو ناقل (وإنما أوردت) هذا المقول ليعلم أرباب المعقول من جلساء الملوك والعظماء ورؤساء الأمراء والزعماء خصوصاً خواص القدماء وعوام الندماء أن شيا يحتاج فيع إلى تعب النفس وقيد ونكال وحبس ثم استعمال ممن جماعة وأصحاب يتقدمون إلى الشفاعة لا ينبغي للعاقل أن يحوم حوله ولا يعقد أبداً عليه فعله وقوله
стр. 213
فتقدم مبارك الميلاد وبذل في أداء وظائف الدعاء الاجتهاد وقال إنما كان عاقبة هذا الأمر وإطفاء ناثرة هذا الجمر وأداؤه إلى انتظام عقود السعد واشتماله على جمع الخواطر من بعد بميامن الخواطر الشريفة وشرف ملاحظتها المنيفة وتوجه مساعدتها لخدمها وشمول عواطفها على عبيدها وحشمها وإقبال طالعها السعيد ولولا ذلك لما انتظم لنا شمل أيها العبيد فالمنة في هذا كله للصدقات الشريفة والجميلة لعواطف مننها المنيفة ونظير هذا الشأن ما جرى للخارج على الملك أنشروان فسأل الملك المطاع عن هذا المضاع (فقال) ذكر أهل التاريخ بأعالي الشماريخ أن كسرى أنوشروان جاهره أحد الملوك بالعصيان وانتدب لمحاربته طائفة من الأعوان فتوجه كسرى إليه ووثب وثوب الأسد الضاري عليه ورأى التواني في أمره والتأخير من جملة الإخلال والتقصير فقابله قاتلاً وقاتله قائلاً:
إذا استحقرت أدنى من تعادي ... بمالك من يد وندي وطاقة
فما استحقرت أن أهمك إلا ... أمورك وهو ذا عين الحماقة
فلما توافقا واصطدما وتثاقفا انكسر ذو الطغيان وانتصر أنوشروان وقبض على العدو وحصل الأمان والهدو وقص طائره وتفرقت عساكره وحمل وقد سين خسفاً وكسراً إلى الملك العادل كسرى فتقدم بالإحسان إليه وجعل العفو شكراً لقدرته عليه والغ معه في اللطف والإحسان وأنزله عنده في بستان ترتع النزاهة في ميادين رياضه وتكرع الفكاهة من رياحين حياضه وأفاض عليه من خلع الأنعام وإدرارات الفضل والإكرام ما أزال دهشته وأحال وحشته وأبدى استعباده وأبعد استبعاده فلما حصل أنسه وهدأت نفسه أخذ في تنجيزه وإبلاغه إلى مأمنه وتجهيزه فأبي إلا الإقامة والتلبث بدار الكرامة وسأل الصدقات وما لها من عميم الشفقات مجاورة مخلها والإقامة تحت ظلها واغتنام مشاهدتها
стр. 214
والتشرف بميامن طلعتها مدة أيام فإنها محسوبة من العمر العزيز بأعوام فأجابت مسؤولة واستنجزت مأموله وكان في ذلك البستان نخلة كنخلة مريم قد يبست من الهرم ولما تعاورتها يد القدم فلم تصلح إلا للضرم فأرسل يسأل الصدقات الجزلة أن تهبه تلك النخلة فاستزل كسرى عقله وأجاب قصده وسؤله وهبة تلك النخلة فكان كل يوم يتوجه إليها ويسند ظهره ويعتمد عليها وهو أرغد حال وأيمن مآل فبعد عدة شهور طلب إلى التوجه الدستور فاستدعاه وأكرم مثواه وأجاب قصده ومتمناه واسبغ عليه نعمة وفضلهوسأله عن موجب سؤاله النخلة وسبب طلبه الإقامة ثم سؤاله التوجه بالسلامة فقال أما سبب الإقامة بهذا البلد فلجوار الملك الأمجد والاستسعاد بمشاهدة وجهه الأسعد فان طالعه قوى سعيد ومجاورته للسعادة تفيد ويحصل منه لمجاورها المزيد فأردت أن يكون لي منها نصيب ويلاحظني منها سهم مصيب:
فان تلمم بقفر عاد روضاً ... وإن تمرر بملح صار شهدا
وإن يخطر ببالك نحس نجم ... يعد في الحال من رياك سعدا
فصرت مشمولاً بميامن ظلها مغموراً بفائض وابلها وطلها وأما طلبي النخلة اليابسة فإني تفاءلت بها من حظي مساعدة ومناحسه فكنت أتردد إليها وأعول في ذلك عليها فما دامت في قحول كان جدي وسعدي في نحول إلى أن رأيتها قد خضرت وأطلعت واستبكرت فاقبل سعدي وعاد بعد أن مات حياً وساقطت نخلة سعدي من ثمرات السعادة رطباً جنياً فعلمت أن طالعي الهابط عاد إلى الأوج ورسول حظي دخل في دينه
стр. 215
ناس الإيناس فوجا بعد فوج وأرمل جدي ازدوج ببكر الآمال وكان لها أحسن زوج كل ذلك أي أعظم مالك بسعد فالك وجوار دار جلالك ومشاهدة أنوار جمالك واستماع كلامك وانتجاع كمالك فمن بعد إسعاد السعد كل سهم أمل فوقته ونحو شاكلة قصد أطلقته أصبت الغرض وحزت جوهره بلا عرض فإذا أسعف السعد النفس لا بعيقها معه نحس (وإنما أوردت) هذا القول يا ذا الكرامة والطول ليعلم الحضار والسادة النظار أن استقامتنا وإقبال سعدنا وانتظام أمورنا وجدنا إنما هو بالتفات الخواطر الشريفة وشمول أحوا لنا بملاحظتها المنيفة واستدامة بركاتها وميامن حركاتها كما قيل في ذا القبيل:
تلقى الأمان على حياض محمد ... تولاء مخرفة وذئب أطلس
لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس
وكما أن الرعية لا يستقيم حالها إلا بالملك الراعي فإنها كالراعية لا ينتظم لها أمر إلا بالراعي كما قيل:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
كذلك الملك يا ذا الدرجات العلية لا يصير ملكاً لا بالرعية ولو لم يكن العاشق مشوقاً لم يكن المعشوق معشوقاً ولو لم يوجد الرامق بالأمل مسوقاً لم يصر الملك المأمول موقاً وقد عني هذا المعنى من في رياض المعاني أعني:
وأحقر صب فيك يهدي سناؤه ... كأعظمهم إذ من هواك تعظما
فلا تحتقره إن تملكت قلبه ... فلولا الهوى ما كنت ملكاً مفخماً
ففي موقف العشاق منك وظيفة ... لكل فلا يبغي لها منقدما
وكل له وجد يليق بحاله ... وكل له يوافيك مغرما
ألم تر أن الله أوجد حكمة ... ذباباً وعقباناً وبقا وضيعاً
وكل له نفع وضر مخصص ... فسبحان من قد خص طوراً وعمما
следующие страницы →