← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12726

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ابن عربشاه

Полный текст (515 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال وأعجب من هذه الصفات أن هذه الدابة تأكل الجمرات وتلتقط الحصيات وتختطف الحديدة المحماة من النار تزدردها ولا يتألم لذلك فمها ولا جسدها وتذيب كل ذلك معدتها ولا يتأثر بها لسانها ولا ترقوتها فأنكر بعض الحاضرين هذا المقال لكونه لم يشاهد هذه الأحوال ولا رأى ولا سمع خبر طير يأكل النار ويبلع الأحجار ونسبوه إلى المخارقة في الأخبار فتصدى لإثبات ما يقول بطريقي المنقول والمعقول فلم يسعف كلامه القبول على ما ألفته منهم العقول لأن الحيوان بل وسائر الجمادات إذا اتصلت بها النار محت منها الآثار وهذا طير من الأطيار من لحم ودم فكيف لا تحرقه النار فاتفق الجمهور على تكذيب هذه الأخبار وقالوا المثل المشهود إنما هو موضوع على لسان الطيور فيمن تردد بين الأمور فيقال هذا الفقير كالنعامة لا يحمل ولا يطير ومثل هذا المضرب يا شيخ المشرق والمغرب قولهم طارت به عنقاء مغرب فقال النديم الفاضل الحكيم أنا رأيت هذا بالعين فلم يزدهم إلا تأكيد المين من الخجالة والندم أمر عظيم واستمر في حصر حتى منعه السلطان من الدخول إلى القصر وصار بين الأصحاب يشار إليه بيا كذاب فلم يسع ذلك الأستاذ إلا السفر من تلك البلاد والتوجه إلى العراق وبغداد وأخذ من الطير النعام عده واستعمل عليها رجلاً مستعدة ونقلها إلى الصين في عدة سنين تارة في البحر وأخرى في البر وقاسى أنواعاً من البؤس والضر وتكلف حملاً من الأموال وتحمل مع المشاق منن

стр. 212

الرجال فما انتهى به السير إلا وقد مات غالب تلك الطير فوصل إلى حضرة ملك الخطا واشتهر في المملكة أن النديم الفلاني أتى فاجتمع الناس لينظروا وأمر الملك للخاص والعام فحضروا وأحضروا النعام في ذلك المحفل العام وطرح لها الحديد المحمي فخطفته والجمر والحصى فالتقفته فتعجب الناس لذلك وسبحوا لله مالك الممالك وعلم الصغار والكبار أنه يخلق ما يشاء ويختارفشمله الملك بمزيد الإنعام واعتذر إليه عما مضى من ملام وزادت رفعته ونفذت كلمته إذ قد أثبت مدعاه وحقق بشاهد الحس معنى ما ادعاه ففي بعض الأوقات تذاكروا ما فات وانجر بهم الكلام ما مر من حديث النعام فقال النديم أيها الملك الكريم إني تكلفت على هذه الأطيار كذا وكذا ألف دينار وقاسيت من المشقة في الأسفار وعاينت من شدائد الأخطار ما لا تقاسيه عيدان النار واستمريت في هذا العذاب الأليم المهين وفي سجن المشاق سنين حتى بلغت تحقيق مرامي وتصديق كلامي ولولا عناية مولانا السلطان لما ساعدني على مقصودي الزمان ولما زال عني اسم الكذاب إلى يوم الحساب فتبسم السلطان وقال لقد أتيت بمحاسن وما قصرت ولكن كما يحتاج في إثبات تصديقها والخروج عن عهدة تحقيقها إلى صرف المال الجزيل وتجشم مشقة السفر العريض الطويل وتحمل منن الرجال وركوب الأخطار والأهوال وإزعاج الروح والبدن وإضاعة جانب كبير من العمر والزمن لأي معنى يتفوه بها العاقل ولماذا ينطق بها مستمع أو ناقل (وإنما أوردت) هذا المقول ليعلم أرباب المعقول من جلساء الملوك والعظماء ورؤساء الأمراء والزعماء خصوصاً خواص القدماء وعوام الندماء أن شيا يحتاج فيع إلى تعب النفس وقيد ونكال وحبس ثم استعمال ممن جماعة وأصحاب يتقدمون إلى الشفاعة لا ينبغي للعاقل أن يحوم حوله ولا يعقد أبداً عليه فعله وقوله

стр. 213

فتقدم مبارك الميلاد وبذل في أداء وظائف الدعاء الاجتهاد وقال إنما كان عاقبة هذا الأمر وإطفاء ناثرة هذا الجمر وأداؤه إلى انتظام عقود السعد واشتماله على جمع الخواطر من بعد بميامن الخواطر الشريفة وشرف ملاحظتها المنيفة وتوجه مساعدتها لخدمها وشمول عواطفها على عبيدها وحشمها وإقبال طالعها السعيد ولولا ذلك لما انتظم لنا شمل أيها العبيد فالمنة في هذا كله للصدقات الشريفة والجميلة لعواطف مننها المنيفة ونظير هذا الشأن ما جرى للخارج على الملك أنشروان فسأل الملك المطاع عن هذا المضاع (فقال) ذكر أهل التاريخ بأعالي الشماريخ أن كسرى أنوشروان جاهره أحد الملوك بالعصيان وانتدب لمحاربته طائفة من الأعوان فتوجه كسرى إليه ووثب وثوب الأسد الضاري عليه ورأى التواني في أمره والتأخير من جملة الإخلال والتقصير فقابله قاتلاً وقاتله قائلاً: إذا استحقرت أدنى من تعادي ... بمالك من يد وندي وطاقة فما استحقرت أن أهمك إلا ... أمورك وهو ذا عين الحماقة فلما توافقا واصطدما وتثاقفا انكسر ذو الطغيان وانتصر أنوشروان وقبض على العدو وحصل الأمان والهدو وقص طائره وتفرقت عساكره وحمل وقد سين خسفاً وكسراً إلى الملك العادل كسرى فتقدم بالإحسان إليه وجعل العفو شكراً لقدرته عليه والغ معه في اللطف والإحسان وأنزله عنده في بستان ترتع النزاهة في ميادين رياضه وتكرع الفكاهة من رياحين حياضه وأفاض عليه من خلع الأنعام وإدرارات الفضل والإكرام ما أزال دهشته وأحال وحشته وأبدى استعباده وأبعد استبعاده فلما حصل أنسه وهدأت نفسه أخذ في تنجيزه وإبلاغه إلى مأمنه وتجهيزه فأبي إلا الإقامة والتلبث بدار الكرامة وسأل الصدقات وما لها من عميم الشفقات مجاورة مخلها والإقامة تحت ظلها واغتنام مشاهدتها

стр. 214

والتشرف بميامن طلعتها مدة أيام فإنها محسوبة من العمر العزيز بأعوام فأجابت مسؤولة واستنجزت مأموله وكان في ذلك البستان نخلة كنخلة مريم قد يبست من الهرم ولما تعاورتها يد القدم فلم تصلح إلا للضرم فأرسل يسأل الصدقات الجزلة أن تهبه تلك النخلة فاستزل كسرى عقله وأجاب قصده وسؤله وهبة تلك النخلة فكان كل يوم يتوجه إليها ويسند ظهره ويعتمد عليها وهو أرغد حال وأيمن مآل فبعد عدة شهور طلب إلى التوجه الدستور فاستدعاه وأكرم مثواه وأجاب قصده ومتمناه واسبغ عليه نعمة وفضلهوسأله عن موجب سؤاله النخلة وسبب طلبه الإقامة ثم سؤاله التوجه بالسلامة فقال أما سبب الإقامة بهذا البلد فلجوار الملك الأمجد والاستسعاد بمشاهدة وجهه الأسعد فان طالعه قوى سعيد ومجاورته للسعادة تفيد ويحصل منه لمجاورها المزيد فأردت أن يكون لي منها نصيب ويلاحظني منها سهم مصيب: فان تلمم بقفر عاد روضاً ... وإن تمرر بملح صار شهدا وإن يخطر ببالك نحس نجم ... يعد في الحال من رياك سعدا فصرت مشمولاً بميامن ظلها مغموراً بفائض وابلها وطلها وأما طلبي النخلة اليابسة فإني تفاءلت بها من حظي مساعدة ومناحسه فكنت أتردد إليها وأعول في ذلك عليها فما دامت في قحول كان جدي وسعدي في نحول إلى أن رأيتها قد خضرت وأطلعت واستبكرت فاقبل سعدي وعاد بعد أن مات حياً وساقطت نخلة سعدي من ثمرات السعادة رطباً جنياً فعلمت أن طالعي الهابط عاد إلى الأوج ورسول حظي دخل في دينه

стр. 215

ناس الإيناس فوجا بعد فوج وأرمل جدي ازدوج ببكر الآمال وكان لها أحسن زوج كل ذلك أي أعظم مالك بسعد فالك وجوار دار جلالك ومشاهدة أنوار جمالك واستماع كلامك وانتجاع كمالك فمن بعد إسعاد السعد كل سهم أمل فوقته ونحو شاكلة قصد أطلقته أصبت الغرض وحزت جوهره بلا عرض فإذا أسعف السعد النفس لا بعيقها معه نحس (وإنما أوردت) هذا القول يا ذا الكرامة والطول ليعلم الحضار والسادة النظار أن استقامتنا وإقبال سعدنا وانتظام أمورنا وجدنا إنما هو بالتفات الخواطر الشريفة وشمول أحوا لنا بملاحظتها المنيفة واستدامة بركاتها وميامن حركاتها كما قيل في ذا القبيل: تلقى الأمان على حياض محمد ... تولاء مخرفة وذئب أطلس لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس وكما أن الرعية لا يستقيم حالها إلا بالملك الراعي فإنها كالراعية لا ينتظم لها أمر إلا بالراعي كما قيل: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا كذلك الملك يا ذا الدرجات العلية لا يصير ملكاً لا بالرعية ولو لم يكن العاشق مشوقاً لم يكن المعشوق معشوقاً ولو لم يوجد الرامق بالأمل مسوقاً لم يصر الملك المأمول موقاً وقد عني هذا المعنى من في رياض المعاني أعني: وأحقر صب فيك يهدي سناؤه ... كأعظمهم إذ من هواك تعظما فلا تحتقره إن تملكت قلبه ... فلولا الهوى ما كنت ملكاً مفخماً ففي موقف العشاق منك وظيفة ... لكل فلا يبغي لها منقدما وكل له وجد يليق بحاله ... وكل له يوافيك مغرما ألم تر أن الله أوجد حكمة ... ذباباً وعقباناً وبقا وضيعاً وكل له نفع وضر مخصص ... فسبحان من قد خص طوراً وعمما

стр. 216

والله تعالى لكمال قدرته وإسبال ذيل رحمته خلق الكبير الأعلى محتاجاً لخدمة الصغير الأدنى وجعل الحقير الأدنى محتاجاً لرجمة الكبير الأعلى ولهذا أعظم الخلق من خلق الخلق وأحوج الخلق إلى الخلق وهو غني عن الخلق وقيل أيها الملك السني الإنسان بطبعه مدني وبمقدار كثرة الرعية واشتراكهم في الصفات المرضية وانقيادهم لأوامر ملكهم السنيه تصير درجة الملك عليه كما كان في زمن نبي الله سليمان صلوات الله عليه وسلامه وتحيته وإكرامه ولقد جرى في عصره بين الطيور مفاوضة بين اللقلق والعصفور فسأل ملك الآساد عن تلك المفاوضة مبارك الميلاد (فقال) بلغني يا سلطان الأسود أن نبي الله سليمان بن داود ﵉ كان في سيرانه مع خواص أركانه فمر بذلك الطلب على شجرة دلب للقلق فيها عش قد بناه كأحسن حش وقد استوكر في عشه عصفور واحتمى بجواره من مؤذيات أبي مذعور فكانا يتخاصمان ويتقاولان ويتواصمان ويتصاولان فوقف النبي الكريم واستوقفالجند العظيم ليسمع ما يقولان وينظر كيف يجولان فسمع اللقق يقول وهو يجول ويصول ويخاطب العصفور بمجمع من الطيور أشكر لي حسن الصنيع حيث أنزلنا في حصني المنيع لا حية ترقى إليك ولا جارح ينقض عليك لولا أن لك عندي مناخاً ما أبقيت لك الحية ذاتاً ولا فراخاً وإنما سلمتم بجواري وبقربكم من داري

стр. 217

فوئب أبو محرز وتوسط الجمع وهو يجمز ونادى بين الأطيار أنسيت أبا خديج أي جار وأنا في المدار حول هذه الديار آناء الليل وأطراف النهار ألقط النمل الكبار والصغار ولولا أنا حارس مناخك ما أبقى لك النمل أثراً ولا لفراخك فكل منا محتاج إلى جاره مغتبط بجواره آمن به في سريه ومطاره فارفع من بيننا هذا النكد ولا يمن منا أحد على أحد فالحقوق ما تضع بين الجيران كما تراعى بين الأصحاب والأخوان وكما تدين تدان ومع هذا فكلنا نصلي على نبي الله سليمان ملك الأنس والجان وسلطان الطيور وسائر الحيوان فانه بحسن عدله اعتدل الزمان وبيمن فضله صلح الكائن والمكان ونحن أيضاً كذلك نشكر الله رب الممالك إذ من علينا بهذا السلطان المالك ملك الوحوش الأكابر وكاسر السباع الكواسر المشفق على الضعفاء والأصاغر فلم يخل من فضله سبع ولا طائر ثم نهضوا فوقفوا ودعوا للملك وانصرفوا هذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد به رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 218

الباب السادس في نوادر التيس المشرقي والكلب الافرقي

стр. 219

(قال) الشيخ أبو المحاسن من ماء معارفه غير آسن ومن لممدود أرض الفضل من فضائله رواس وفي مشحون بحر العلم من فواضله مواس فابتهج الملك بهذا الكلام وارتاح لما تضمنه من الحكم والأحكام واستزاد أخاه من عقود هذا النظام فقبل الأرض في مقام الخدام وقال بلغني يا ملك الأنام إن راعياً كان يرعى ثلة من الأغنام وحميلة من المعز الجسام وفي ماشيته تيس مطاع كلها له أتباع وهو قديمها وقائدها وزعيمها وأبو نتاجها وحمو نعاجها وأصله من الشرق لم يكن بينه وبين ابليس في الشيطنة فرق اسمه الذميم التيس الزنيم وكان بواسطة الفحول والكبر والتقدم في الحضر والسفر يستطيل ويصول وينطح الكباش والوعول ويكسر أصحاب القرون من الفحول فيجرح ضعيفها ويطرح نحيفها ويضرب بخالصها لفيفها إلى أن أباد أعيانها وأعجز رعيانها وطال منه العقوق فذهب به الراعي إلى السوق ليبيعه ويستريح ويخلص الماشية من شره ويريح فبينما هو يطوف إذا برجل مهول مخوف طويل القامة كبير الهامة كأنه زبنى القيامة شثن اليدين أزرق العينين أسود الخفين بثوب وسخ وطرطور سنخ وسطه محزوم بسير مبزوم فصادف الراعي وهو في السوق ساعي فمد يده إلى التيس وقال بكم هذا يا أبا الكيس فوقع بينهما الاتفاق ووقع الزنيم في شبكة الرباق فتأمل شكل القصاب وصورته القاضية بالعجاب فرأى رجلاً كأنه من الشياطين معلقاً في وسطه عدة سكاكين فدخله الرعب ورجف من الرهب وأدرك بالفراسة أنه سيهلكه ويحذف رأسه وقال ظني والظن يخيب

стр. 220

ويصيب أني وقعت مع هذا في يوم عصيب وأنه قاصد هلاكي ومقيم على البواكي فالأولى الاحتراز والتأهب قبل زمان الجزاز فان حصل خير فما في الاحتراز ضير وإن وقع على الإهلاك العزم فأتلقى سيفه بما أعددته من ترس الحزم فوزن الجزار الثمن وشحط الزنيم بالرسن وأتى به مطابخ فقطعها إلى مسالح فشم رائحة لزومه وأحس من الجزار نكده وشومه فلما دخل المسلخ ورأى القصابين هذا يذبح وهذا يسلخ واللحم شقات على الجدران معلقات وأنهر الدماء كدموع العشاق جاريه ورؤوس الغنم وجلودها وأكارعها كل كاشيه هذه الكاشية في ناحية وهذه الكاشية في زاوية فرجف قلبه وازداد رعبه والتجأ إلى الله تعالى وتاب إليه عما عليه من الذنوب مالا فما واطأ القصاب المصارع أن شد من المشرقي الاكارع وجدله على الجداله وأخرج لذبحه الآلة فلما رأى هذه الحالة تحقق ما كان ظنه فاستحضر باله وأيقن أنه هالك لا محالة فنظر إلى القصاب وذكر ما قيل في حق الساب: نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيموس إلى شفار الجازر فوجد السكين كليله ليس للذبح بها حيله فطلب المسن ليحدها ويريح ذبيحته أن حدها فتركه وذهب للمسن وقد تحقق الزنيم ما كان ظن فتنفس له البلاء وارتخى عنه القضاء فتمطى في رباط الأكارع فمزقه قاطع ثم وثب وقصد الهرب وخرج من الباب وصاحوا عليه هرب فلم يلتفت إلى الصوت وفر فرار من عاين الموت وطلب الخلاء وطريق الفضاء

стр. 221

فادى به الذهاب إلى بستان بجوار بيت القصاب فدخل البستان وامتد في الجريان والقصاب وراءه بهيئته المهولة والسكين في يده مسلولة وكان قبل هذا الزمان بين زوجة القصاب وصاحب البستان ما يكون بين الحرفاء والأخدان وكانت كلما وجدت فرصه جعلت للبستاني من نفسها حصة تنزل من بيتها إلى بيته وتغمس سراجها من فتيلة قنديله وزبته فاتفق أن في تلك الحال طلب كل من المحبين الوصال وكان زمان اشتعال اللحام بالمعاملة مع الخاص والعام فلاشتغال وهله لا يتردد فيه إلى أهله فاغتنمت الزوجة غفلة الرقيب ونزلت من بيتها إلى بيت الحبيب فكان المحبان آمنين وقد تعانقا تحت دوحة ياسمين فاتفق أن الهارب من الموت ودواهيه أخذ على مكان هما فيه والقصاب يتبعه رافعاً يده والسكين في يده مجردة فلم تشعر إلا وزوجها رافع الصوت واقف على رأسهما وبيده آلة الموت وما شعر بدواهيهما حتى عثر عليهما فقفز كلاهما من مكانهما مفتضحين في مكانهما فاشتغل القصاب بنفسه والتهى بنعجته عن تيسه وكان الناس تابعيه فوقفوا على ما وقع فيه وقامت الغوغاء وقعدت للعار من البلاء فتفرس النجاة من الردى فلم يزل في ميدان الجرى ذاهلاً عما جرى حتى وصل إلى ثغرة خرج منها إلى الصحراء فانقطع عن ذلك الجنى تابعه ولم يوجد من شياطين الأنس رائيه وسامعه فانتهى التيسار في تلك الصحاري والقفار إلى جبل فأوى فيه إلى غار كان يأوي إليه مع المواشي أو أن الأمطار فأمسى فيه تلك الليلة إلى وقت الأسفار: فلما رأى الليل العبوس صنيعه ... تبسم فافترت تباشير فجره فلما أصبح الصباح خرج إلى السراح وهو في نشاط ومراح وجعل يرتاد أنيساً ليكون له جليساً أو رفيقاً صالحاً أو صديقاً ناصحاً يتأنس به في

стр. 222

الغربة ويمسح بأنامل مؤانسته ثقل الكربة وما يحصل على جبين راحته من عرق القرية وبينما هو ينشر البيداء ويطوي إذ سمع نباح كلب يعوي فترجى الخير وزوال ثم قصد نحوه فرآه مقبلاً من فجوه فناداه أهلاً بأحب الأحباب وأعز الأصحاب المفضل على كثير ممن لبس الثياب فلما دنا منه وتباكى لأليم فراقه فتعانقا تعانق المحبين وتبانا مباثة من مضه البين ثم قال له اعلم يا لطيف الحركات وكثيف البركات أن كلاً منا غريب وكل غريب للغريب نسيب وأنا قد تفرست فيك وما تكاد فراستي تخطيك أنك رفيق صالح وشقيق ناصح وأحسن مليح مما لح وفي طريقه أخوان الصفاء قيم وراجح وأن كانت الجنسية بيتنا مختلفة لكن القلوب بحمد الله تعالى مؤتلفة وكم لك من أياد سابقه وصدقات متناسقة وكم حططنا في المراعي وبتنا في الحظائر نائمين وأنت لحفظنا ساعي تحرسنا من الغداة إلى الروح ومن المساء إلى الصباح فاخبرني ما شأنك وأين مكانك وما اسمك وما صنعتك ورسمك ومجيئك من أين وما حاجتك في البين قال أما اسمي فيسار وأما مكاني فبلاد التتار وصنعتي راعي وسبب مجيئي ضياعي ولي صاحب اسمه أقرق من دشت قفجاق بن شقرق كنت في خدمته راعي مشيته فأضللت رعيتي وضيعت حق حرمتي فإذا أطلب ولي نعمتي لا محو من وصمة الجفاء سميتي فهذا شأني وجل بغيتي قال الزنيم أنا من حين شاهدت في وجهك الأنوار علمت أنك يسار

стр. 223

وأنك معدن الذكاء والألقاب تنول من السماء وأما طلبك لصاحبك ورعيتك فانه دال على كمال مروأتك ولا ينكر لكم الرفاء فان بينك وبينه الوفاء مقام الصدق والصفاء ولم يقع بينكما قط بعد ولا جفاء وشهرتك بحمد الله بجميل الصفات التي قلما يجتمع في زكى الذوات ولا تصفوا إلا للأولياء والبررة المبرزين الأصفياء من المسكنة والقناعة والجراءة والشجاعة وحفظ العهود والوفاء وكسر النفس والصفاء وعدم الحقد والحسد واطراح العجب والنكد والحراسة والسهر وقيام الليل إلى السحر والتودد إلى الناس حتى قال فيك ابن عباس كلب أمين خير من صديق خؤن وعندك من التهذيب وقبول التعلم والتأديب ما يصير صيدك مذكى وسنك كالشفرة مركى وفي شأنك يا ذا الوفاء والمنفعة قال الحرث بن صعصة: وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجباً للكلب كيف يصون ومن هذا الضرب ما رواه أحمد بن حرب عن ذي العتاب منادم الكلاب أن الكلب يكف عني أذاه ويكفيني أذى سواه ويشكر قليلي ويحفظ مبيتي ومقيلي فهو من بين الحيوان خليلي ثم قال أحمد ابن حرب تمنيت والله أن أكون مثل هذا الكلب لأحوز هذه الصفات وأرقى هذه الدرجات وأرجو الله تعالى أن يعطفك علي ويقلب قلبك ووجهك إلي بحيث

стр. 224

ترغب في صحبتي وتميل إلى صداقتي فترى إذ ذاك مني بحمد الله تعالى من الأخوة والصداقة والمروأة والرفاقه ما تنسى به كل صديق وتفضل به الصاحب الجديد على العتيق فتترك سائر أصحابك وتلتهي بي عن أعز أوليائك وأحبابك خصوصاً بني آدم الذين أنت يهم أعلم من أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم وحفظ حرمتهم وحراسة مواشيهم ودورهم وكمال فضلك في حياطة بيوتهم وقصورهم ورعاية رعيانهم وصيانة أهلهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما يفضل عنهم من كسرة خبز شعير أو عظم يابس كسير أو فضلة مرقه قد ير وأضعتهم حقوق خدمتك ونسيانهم موجبات شفقتك حتى لو وصل فمك إلى زادهم أو إلى شيء من عتيد عتادهم رموك بالحطب وضوا رأسك بالحجارة والخشب ولو ولغت في إنائهم أو شربت من مائهم ما قنعوا في تنظيفه وتطهيره وتشطيفه بمرة ولا مرتين ولا اكتفوا في إزالة ألعابك بالعين بل دونوا الغسل بالحساب وعفروا الوعاء بالتراب ويعدون ذلك من التعبد ولا يرغبون ما لك من تحبب وتودد وأنا أرجو أن ترتفع منزلتك وتعلو درجتك ويساعدك رب العرش حتى تسير سلطان السماع وملك الوحوش واجتهد في هذه القضية إلى أن ابلغ هذه الأمنية وأكون السبب في ذلك إلى أن تصير رئيس الممالك فان لك علي حقاً قديماً وفضلاً جسيماً طالما نمنا آمنين في ظل حراستك ورعينا مسرورين مكنوفين بحياطتك وأجلنا منك في الخاطر ما قال الشاعر: بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى وفي شكرها نستديمها

стр. 225

قال يسار يا أخي جميع ما قررته صحيح مقبول داخل في الفضل خارج عن الفضول ولكن أنا من جنس السباع مجبول على ما لهم من الطباع ومع هذا فأنا عدوهم وبسببي يزول هدوهم وأنا لم أعادهم إلا فيكم ولا لي واد إلا في ناديكم فان ثر بيتي بينكم وعيني مقارنة عينكم وأنا إليكم أقرب مني إليهم ومعولي عليكم دون معولي عليهم وعلى هذا وجدت آبائي وأجدادي ونشأت من حين ميلادي والخروج عن طريقة الآباء دليل على العقوق والإباء وهو أمر مذموم وهذا شيء معلوم وقد قال صاحب الشرع الحب يتوارث والبغض يتوارث ولكن يا سليم الطباع وخصيب والرباع قولك تصير سلطان السباع سخرية مني واستهزاء ولا أستحق منك هذا الجزاه فان معنى هذا القيل أمر مستبعد بل مستحيل أن أبا طاهر نجس العين فأني من أين وهذا الهوس من أين فان أردت إعانتي على ذلك وتكفلت لي برياسة الممالكفكلانا في هذا الهوى سواء وإن صممنا على ذلك فما لجنوننا دواء وهذا الوسواس من خيالات الإفلاس وفي مثل هذا الحال قال: من صدق في المقال لا خيل عندك تهديها ولا مال وأنا أعلم إنما نتكلم بما يطيب خاطري ويسر سرائري ويقربك في الحب من ضمائري قال المشرقي لا تقل ذلك يا تقي فأنا شاهدت في جبينك مخايل السيادة ومن شمائلك تقاطير السعادة وقد قيل يا فضيل المرء يطير يهمته كما يطير بجناحه أما بلغك يا خير عالم ما رواه الشيخ علاء الدين بن غانم ذو الفضل الكثير عن تاج الدين ابن الأثير قال يسار أخبرني بهذه الأخبار

стр. 226

(قال) قال ابن الأثير وهو بالرواية خبير محرز أيدي المعاني عن الأمير حسام الدين البركة خلق قال كنت في عصر الشباب أصحب من صالحي الشباب الملك المظفر الغضنفر وكان خشداشي وبرؤيته انتعاشي فكنا ونحن صبيان كأننا ظبيان غير أنا كنا في قلة فكنت أفلي قملة واسرح رأسه وأذهب باسه وتقدمت إليه بالشرط عليه أن يعطيني لكل قملة أو أصفعه صفعة ملساً ففي بعض الأوقات أخذت عنه قملاً كثيراً وصفعته صفعات وقلت في غضون ذلك ونحن في حال حالك أتمنى على الله عز وعلا أن يعطيني إمرة خمسين رجلاً فقال لي طيب خاطرك وسرائرك فإني أبلغك سؤالك وأعطيك مسؤلك وأجعلك أمير خمسين فارساً فابشر ولا تكن عابساً فصفعته صفعة وقلت ويلك أنت تعطيني إمرة ورفعه قال نعم وأغمرك بالنعم فصفعته أخرى وازددت فكراً فقال لي عله ونخس المسلة يا قليل اليقين أتريد غير أمر خمسين أنا والله أعطيك وأعليك على ذويك فقلت ومن أين لك تعطيني وترضيني فقال أملك هذه الديار وأكسر التتار وأحل الكفرة والعلوج دار البوار

стр. 227

فقلت له يا مفتون أنت مجنون أبقملك وقلك وفقرك وذلك تملك الديار المصرية وتصير سلطان البرية قال نعم ولا تعمل رغم فأني رأيت في المنام النبي ﵊ وقال لي أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتر ولا شك فيما يخبر به النبي صلى الله عليك وسلم من خبر قال فامسكت عنه لأني كنت أعرف الصدق منه ئم تنقلت به الأحوال وتنقل إلى أن بلغ الكمال وتملك هذه الديار ثم كسر على عين جالوت التتار وأعطاني ما وعدني به وأرضاني (وإنما أوردت) هذه المثال لتعلم من سلطنتك غير محال وأنا أرجو الله تعالى أن ييسر لي القيام بجميع ما قلته لك يا إمام وأنا أجلسك على السرير وأقيم في خدمتك الكبير والصغير وارفع رأيه مراسيمك وانفذ أوامرها في ممالكك وأقاليمك واجعل جنود الوحش تحت رايتك وأقاليم القفار كلها تحت ولايتك ولكن بشرط أن تتبع ما أراه ولا تخرج عن طوره ولا تتعداه وتعمل بكل ما أشير إليه ومهما أرشدتك إليه تعول عليه فقال أنا طوع يديك وجميع أموري منك وإليك فقل فإني سامع ولأمرك طائع فانهض وعاني هذه الأماني عسى يصير هذا الباطل حقاً وينقلب هذا الكذب صدقاً وقل ما تقتضيه لاتبعه وارتضيه قال ترجع عما أنت عليه من الأخلاق السبعيه والأوصاف الكلبية من الحرص والشره والتكلب والتره والنفس المتنمرة والطبيعة

стр. 228

المذمرة وتصوم عن الدماء واللحوم وعن تمزيق الحيوانات وتفريق الجماعات وتحمل النفس على الأخلاق الجميلة والتلبس بالأوصاف الفضيلة من العفة والكرم والعفو عمن ظلم والقناعة بالنبات عن لحوم الحيوانات ومعاملة الكبير والصغير بالفضل الكثير والبذل الغزير وتلافي خاطر الخطير والحقير ليسهل العسير وينقاد لك المأمور منهم والأمير وهذا أمر عليك يسير وهذا لأنك طالما جرحت جوائحهم وكسرت جوارحهم واصطدت سارحهم وأبدت بارحهم فهم منك متخوفون وإلى الإيذاء والضر منك متشوقون وإذا رأوا شيا خلاف العادة وعلموا ولايتك فيها الحسنى وزيادة وأصابوا الخير من مواقع الضير ورأوا ما سر من مواضع الشر والضر تشرب محبتك منهم الكبير والصغير وأنهاك أن يراك من الوحوش العبر والنفير فيتخذك الغريبحبيباً ويصير البعيد منك قريباً فتصيد بالمحبة أرواحهم كما كانت أولا تبيد أشباحهم وإذا ضرب صيتك في الأرض ونثر دره بالطول والعرض وتسامعت بك الوفود وتحققوا انك عدلت عن خلقك المعهود أقبلت إليك منهم الجنود وزان جيد جنودهم من جواهر محبتك وانعقدت بينكم بالمحبة والولاء عقود العهود فتوفرت ذا ذاك جنودك وعلت على رؤس الأقران راياتك وبنودك وجعلوا دارك مأواهم وحماك مصيفهم ومشتاهم مع أن هيبتك في قلوبهم مركوزة وأسنة مخافتك في أحشائهم من قديم الزمان مغروزة وأعلى من فيهم يهابك ويخشاك ويتوقى مكانك ويتحاشاك

стр. 229

قال يسار أعلم يا خير سار أن حبال الآمال ومطامع الخيال ما لم تتعلق بمأمول ترتبط بأطراف سول فالنفس ساكنه والروح مطمئنة هادنه والقلب فرح والخاطر منشرح إذا الطمع ذل وشين والياس إحدى الراحتين ومتى تعلقت بذيل المطامع مخاليب الآمال وبلغت إلى حصول ما مول الخيال. وقامت النفس في تحصيله وتحركت الجوارح لنيل ما موله وانبعثت الهمة إلى إدراكه وتعلق القلب بسير أفلاكه توزعت الأفكار وتفرقت وتمزقت الخواطر وتمزقت وركب لذلك كل صعب وذلول وتقاذفت النفس في كل مخوف ومهول وتقلدت بحمائل قول القائل: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده ثم إذا لم يحصل المأمول ولم تبلغ والعياذ بالله النفس السول مع بذل هذا الجهد والمبالغة في السعي والكد ومقاساة التعب ومعاناة النصب ترادف النكد وتضاعف السهد وصارت النفس لهذا البدد وكان في جيد حياتها من فوات المقصود حبل من مسد فلا تزال بين تشويش شمائر وتقسيم خاطر وفكر غائب وهم حاضر وهذا الأمر الذي عرضت عليه وهممت بالترقي إلى الوصول إليه إلى عدم الحصول أقرب منه إلى الوصول وأنا أخاف وذا غير خاف أن يغرنا الطمع في هذه الحركة فينتزع من فراغ أوقاتنا البركة ولا نحصل إلا على مثل ما حصل لمالك الحزين من السمكة قال الزنيم نبئني أيها العليم بذلك المثل القويم (قال) بلغني أنه كان في مكان مكين ماوي لمالك وفي ذلك المكان غياض وغدران تضاهي رياض الجنان: حكى بأنها قد الحبيب تمايلاً ... فجن وفي هذا الجنون تفننا فدار عليه النهر وهو مسلسل ... فقيده إذ قد جتى وتجننا

стр. 230

وفي مياهه من السماك ما يفوق سابحات السماك فكان ذلك الطير في دعة وعير نرجى الأوقات بطيب الأقوات وكلما تحرك بحركة كان فيها بركة حتى لو غاص في تلك البحار والغدران لم يخرج إلا وفي منقاره سمكه فاتفق أنه في بعض الآناء تعسر عليه أسباب الغذاء وارتج لفوت قوته أبواب العشاء فكان يطير بين عالم الملك والملكوت يطلب ما يسد الرمق من القوت فلم يفتح عليه بشيء من أعلى السماك إلى أسفل الحوت وامتد هذا الحال عدة أيام وليال فخاض الرقراق يطلب شياً من الأرزاق فصادف سمكة صغيرة قد عارضت مصيره فاختطفها ومن بين رجليه التقفها ثم بعد اقتلاعها قصد إلى ابتلاعها فقد فتداركت زاهق نفسها قبل استقرارها في رمسها فنادت بعد أن كادت أن تكون بادت ما البرغوث ودمه والعصفور ودسمه اسمع يا جار الرضا ومن عمرنا في صونه انقضى لا تعجل في ابتلاعه ولا تسرع في ضياعي ففي بقائي فوائد وعوائد عليك عوائد وهو أن أبي قد ملك هذا السمك فالكل عبيده ورعيته وواجب عليهم طاعته ومشيئته ثم أني واحد أبوي وأريد منك الإبقاء علي فان أبي نذر النذور حتى حصل له بوجودي السرور فما في ابتلاعي كبير فائدة ولا أسد لك رمقاً ولا أشغل لك معده فتصير مع أبي الفضيل كما قيل فأفقرني فيمن أحب لا استغني فالأولى أن أقر عينك وأعرف ما بين أبيوبينك فاكون سبباً لعقود المصادقة وفاتحاً لإغلاق المحبة والمرافقة ويتحمل لك الجميلة والمنة التامة والفضيلة وأما أنا فأعاهدك أن أعتقتني ومننت وأطلقتني أن أتكفل كل يوم بعشر سمكات بياض سمان ودكات تأتيك مرفوعة غير ممنوعة ولا مقطوعة يرسلها إليك أبي مكافأة لما فعلت بي من غير نصب منك ولا وصب ولا كد تحمله ولا تعب

стр. 231

فلما سمع البلشون هذا المجون أغراه الطمع فما ابتلع فسها ولها ثم قال لها أعيدي هذه الرمزه فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة أنملصت السمكة منه بجمزه وغاصت الماء وتخلصت من بين فكي البلاء ولم يحصل ذلك الطماع الأقطع الأطماع (وإنما أوردت) يا ذا الدراية هذه الحكاية لتتأمل عقبى هذا الأمر قبل الشروع فيه وتتدبر منتهى أواخره في مباديه فقد قيل أول الفكر آخر العمل (قال المشرقي) اعلم يا مرتقي إن مبنى الأمور في مجاريها وقواعد ما أسس عليه مبانيها تقدير خالقها وتدبير باريها وما حكمه وقضاه وأحكمه وأمضاه لكنه كتمة وأخفاه فلا تدركه العيون وإلا صار بل ولا البصائر والأفكار فانه علم غيب وجهلنا به ليس بعيب لأنه تنزه أحداً صمداً قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً كما قيل: على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر فإن نال بالسعي المنى تم أمر ... وإن غلب المقدور كان له عذر وإن الله العلي العظيم قد وضع أساس بنيان العالم على الأسباب وفتح لتعاطي الأسباب الأبواب فقال ذو الجلال والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وقال فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وقال القائل: إذا ما كانت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم يرى الجبناء أن العجز حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم فطعم الموت في شيء حقير ... كطعم الموت في شيء عظيم

стр. 232

وقال ﵊ علوا الهمة من الإيمان والمرء يسعى في تحصيل مرامه ولا يترك شيأ من أسباب قيامه فان ساعده القدر بقدره إنقاذ إليه مرامه بشعره وكان مصادمة مساعده ومقامه ومعاضده كما قيل: وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصاراً فيساعده إذ ذاك الكون والمكان ويمضي سهم أوامره رامي القضاء من قوس الزمان فيقيض له المساعد ويتعبد المقارب والمباعد وحسبك يا ذا الصوله ما اتفق من السعد لعماد الدولة فسأله يسار عن سرد هذه الأخبار (قال) كان رجل صياد له ثلاثة أولاد كأنهم حمك وقوتهم السمك تقلت بهم الأحوال حتى صاروا برياستهم على الدنيا أحمال وانتهوا في الرياسة وساسوا الحلق أحسن سياسه وانتشر أمرهم وطاب في الدهر ذكرهم ومما ملكوه العرافات والأهواز وفارس وسرتها شيراز

стр. 233

أكبرهم أبو الحسن علي بن بويه الملقب بعماد الدولة وكان في السلطانة ذا جولة وصوله ولما انتهت أيام خموله واتصل بالسعد أسباب وصوله حل ركابه بشيراز وصعد إلى حقيقة الملك من المجاز ووفدت عليه الوفود وأحاطت به جموع الجنود وطالبه أهل المراتب بالرواتب والروامك بالجوامك والرفاق بالأنفاق والأجناد بالأرفاد وأرباب الولايات بالخلع والجرايات وأصحاب الإقامات بالنفقات والأنعامات ولم يكن في خزائنه من ظاهر المال وباطنه ولا في ذخائره من ظاهر الرفد وضمائره ما يسد رمقهم ويرد شرقهم فتراكمت همومه وتصادمت غمومه وتوالت أفكاره وتجاذب به بحر الحيرة در دوره وتياره لأن أمره كان في مباديه وليل سعده في هواديه وقد قصرت عن طول الطول أياديه وأشرف أمره على الاختلال وملكه على الاضمحلال ووقع في يوم لا بيع فيه ولا خلال قد خل إلى مكان خال وهو مشغول البال فاستلقى فيه على ظهره وغرق في بحار فكره فبينما هو يلاحظ السقوف وأفكاره بين تردد ووقوف وإذا بحية عظيمة بجثة جسيمة من السقف خرجت ودرجت وفي مكان آخرولجت فوثب واقفاً ورقب خائفاً لئلا نسقط عليه ويصل أذاها إليه ودعا الفراشين وجماعة فتاشين بمعاول النباشين وأمرهم بنصب السلم والفحص عن الأرقم وتتبع آثارها وإطفاء سرارها فصعدوا الحيطان وحفروا ذلك المكان وخرقوا سقفه فانفتحت لهم غرفه كانت مخبأة لمن تقدمه وضع فيها ديناره ودرهمه وفيها عدة صناديق محكمات التوفيق والمعاليق فاطلعوه

стр. 234

على تلك الخبيه والتهوا عن طلب الحية والجبيه فأمرهم فنقلوها إليه ووضعوها بين يديه فإذا فيها من الذهب النضار خمسمائة ألف دينار فعرف أن ذلك عناية ربانية ومواهب صمدانية رحمانية فصرف المال في إصلاح حاله وبذره في مزارع قلوب خيله ورجاله فثبتت أوتاده واستقامت أجناده وقويت سواعده وأعضاده وكان أمره قد اشرف على الاختلال وعقد نظامه على الانفراد والانحلال وكان من تمام هذه السعادة وتعقيب هذه الحسنى بالزيادة أن الملك المذكور بعد هذه الأمور وحصول هذا السرور وانتظام مصالح الجمهور أراد تفصيل قماش وخياطة خلع ورياش فطلب خياطاً ثقة ليقلده هذه المنطقة فارشد إلى خياط ماهر شكله زاهر وفضله ظاهر وحذقه في صناعته باهر إلا أنه أطروش حقل سمعه بدبي الوقرمد بوش فما يصل ملك الكلام إلى سرير صماخه إلا بزمر وطبل وجاووش فدعاه فأجلسه بين يديه وطلب الثياب ليعرضها عليه فتصور الخياط أنه سعى به إليه بسبب وديعة كانت لصاحب البلد لديه وإنما طلبه ليطالبه فأما أن يؤديها أو يعاقبه فتقدم باليمن مثل المصارعين واقسم بالله خالق المخلوق ورازق المرزوق أنها اثنا عشر صندوق لم يشعر بها مخلوق وأنه لا يدري ما فيها وأنها مختومة بختم معطيها فتعجب عماد الدولة من كلامه وسجد لله شكراً على إنعامه

стр. 235

ثم وجه معه من أتى بها ودخل إلى بيوت ما فيها من أبوابها فكان ما فيها من الأموال ونفائس القماش العال جمل متكاثرة وأصناف متوافرة واستولى على ذلك كله وثبت بواسطة المال في ركاب الملك واطئ نعله (وإنما أوردت) هذا التنظير يا ذا الرأي والتدبير لتعلم أن سبب الأسباب وميسور الأمور الصعاب إذا دبر مصالح عبده وشمله بإحسانه ورفده هون عليه عسير وصغر عنده كل كبير وأنت بكل هذا بصير قال يسار صدقت صواباً نطقت ولكنني نظرت إلى الدنيا ورزت أحوالها السفلى والعليا ورأيت كلما زاد الشخص حرصاً وطمعاً ازداد لنفسه عبودية وتبعاً وللدنيا رقاً وللآخرة رشقاً فصارت قيوده أثقل وحسابه أشدو وأطول وهمومه أتم وغمومه أعم وأن الواثق بالدنيا والراكن إلى ما فيها من أشيا كالجاعل له من السحاب حصناً ومن الحباب كنا ورأى وقاية تحصل من السحاب وأي إيواء بصدر من الحباب ومن تأمل الدنيا بعين التبصير وتفكر في تقلباتها بمصيب العقل والتدبير عد جمعها شتاتاً ووصلها أنبتاتاً ومجيئها ذهاباً وشرابها سرابا وإقبالها أدباراً ونسميها إعصاراً وعطاءهم أخذا وعهدها نبذا وصلتها فلذا ووهبها نهباً وايجابها سلباً وحربها سلماً ووجودها عدما وكثرتها فلا وعزها هاذلاً وضحكها نياحه وطلاقها راجة فلم يكن عنده أحسن من فراقها ولا أرصن من طلاقها والقناعة منها بالكفاف والرضا منها بالعفاف كما سلك الفلاح صاحب الماشية واستراح فقال الزنيم أخبرني كيف كان ذاك يا حكيم (فقال) إن مخدومي الذي كنت عنده أحفظ ما شيته وعبده كان ذائروة عظيمة وأموال كثيفة جسمه وكانت ماشيته لا تزيد عن

стр. 236

ألف رأس وأن حصل من النتاج المعهود ما يزيد على هذا القدر المعدود تصدق به أو باعه أو وهبه لبعض الجماعة ولو أراد لجعلها ألوفاً مؤلفة وأضعافاً مضاعفة وكان في الجيران والأصحاب والأخوان من هو أقل منه مالاً واقصر باعاً وأضيق مجالاً له الألوف من المواشي وكذلك من الخدام والحواشي وهم في كل وقت في ازدياد وتضاعف الأعداد من الأصول والأولاد ومخدومي لا يقصد الزيادة وأن زاد شيء أباده فقال له الراعي وكان عليها أشفق ساعييا مخدوم ما لك لا تريد أن تزيد مواشيك وحواشيك وتكثر بالرفق والرفد فواشيك وبالورد والإصدار غواشيك فان المواشي تزداد فوائدها وتتوفر عوائدها باعتبار زيادة أصولها وإدرار منافعها ومحصولها وجيراننا كانوا أقل عدداً من هذا المقدار فصاروا بالتوفير أكثر عدداً في الأغنام والأبقار فزادوا على مواشينا بعد أن كان أوساطهم كحواشينا ولا أعرف لهذا موجباً ولا أدري له سبباً غير الإهمال وقصد تضييع المال فقال له مخدومي هذا محيط به معلومي ولكن أيها الولد أعلم أن أنواع العدد آحاد وعشرات وألوف ومئات فألوف غاية الأعداد إذا اعتبرنا التعداد والشيء إذا جاوزنا غايته وتعدى نهايته أخذ في النقص وإذا بلغ مداه تراجع بالنكص وقد قيل الشيء إذا جاوز حده شاكل ضده ومن لم يقنع بالقليل لم يرض بالجزيل ولقد أحسن المقال وصدق فيما قال من قال: وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء فيه هبوطه وهيهات ما فيه يزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه فمن كان أعلى كان أوفى تهشماً ... وفاء بما قامت عليه شروطه وكثيراً ما رأيت وسمعت ووعيت عن أصحاب الألوف القاصدين

стр. 237

لازدياد المألوف نزلت ألوفهم إلى الواحد من الآحاد فاستولى عليهم لذلك الهموم والإنكاد فتكدرت خواطرهم واشتغلت ضمائرهم وأما أنا فلم أعلم أن ألفى نقص ولا جاري حلبة مداه نكص فإذا عدا غايته ألزمته نهايته وكبحث جامح طرفه وكففت طامح طرفه طلباً للراحة ورغبة في الاستراحة: فكم دقت ورقت واسترقت ... فضول العيش أعناق الرجال (وإنما) أوردت هذا التمثيل لتعلم يا ذا التفضيل أني ما دمت له خادماً وفي وصف الخدمة قائماً ولم أتعد طوري وهو مقام الخادمية إلى ما ليس لي وهو مقام المخدومية فأنا مستريح ولغيري مريح ونفسي مطمئنة وجوارحي عن طيش السعي مرجحنه وأصحابي أحبابي وأحبابي أصحابي والخواطر صافيه والمحبة وافيه والصداقة باقية ومياه المودة في رياض الأرواح صافيه وفي عروق الأشباح واقفة جاريه فإذا رمت مع وجود هذه الحسنى الزيادة وقصدت التعدي إلى ما ليس له به عاده فأنا بين أمرين متقلب على جمرتين أما عدم الحصول والانقطاع عن الوصول فتتضاعف المكدات وتترادف المقسمات وبحسبها تصل الهموم وتحصل الغموم كما مر سالفاً وذكر آنفاً وأما الظفر بالمراد على حسب ما يراد فبقدر ذلك يقع الصداع ويقوم التحاسد والنزاع وأول ذلك معاداة الأصحاب ومعاناة الأحباب ومقاسات الأتراب وحصول الضغائن وبروز المكامن بواسطة الترفع عليهم وصدور المراسم والتقدم بامتثالها إليهم فالأولى بحالي التفكر في مآلي واللائق بشورى أن لا أتعدى طوري ولا أتورط في هذا البحر العميق والبئر العميق ولا أخرج عن سواء الطريق فتهوي بي طير الهوان في مكان سحيق: وإني يسار خائف أن يردني ... زماني بما لاقى يسار الكواعب

стр. 238

قال المشرقي أبو زنمه ما أحسن هذه الكلمة وأيمن هذا النظر وأرصن هذه الفكر وأدق معاني هذه المباني ولكن إذا رفعك الله من يضعك وإذا أعطاك من يمنعك وقد قال ذو الجلال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا يمسك لها وقال ﷺ اللهم لا مانع لما أعطيت: وكل الناس تطلب المعالي ... ونفس الحر تأبى أن تضاما فلما بلغ بهما الكلام إلى هذا المقام قال يسار أعلم يا فحل الفحول وإمام المعقول والمنقول أني ما بالغت في الامتناع إلا لأقف على ما فيك من طباع أسير ثبوت قدمك وثباتك وراء كلمك فلقد وجدتك في هذا الأمر الخطير فوق ما في الضمير وفي مواطن الاختبار أثبت جناباً من ابن الليث الصفار فانهض لقصدكوحركته على خيره الله تعالى وبركته فأني وضعت عنان جموح هذا المرام في بد تدبيرك وجعلت واسطة هذا العقد جوهرة تفكيرك وسلك نظامه ونظام قلادته جودة تصويرك فأنك أهل لذلك وبرأيك تقتدي المسالك فابتهج أبز زنمة بهذا المقال ووثب قائماً في مقام الخدمة وقال حيث انشرح صدرك لكلامي فسترى في وجهك مجالس قيامي وأنا أعلم أن معبودك سيبلغك مرامك ومقصودك ولكن يجب التيقظ وقبل الشروع التحفظ أما لتيقظ فلأمور يجعلها الملك مقتدى ولا يغفل عنها أبداً كما فعل الملك الظاهر الموفق أبو سعيد محمد جقمق حين اضطربت الأوامر واختلفت العساكر واصطدمت الأمور وخرج عليه من عساكره الجمهور وقل المعين وذلك في سنة اثنتين وأربعين فعصى تنكري وتترس في حلب وقام بالراكمة الجلب

стр. 239

واينال الحلمى بالشام وكاتبه الطغام والعظام وهرب بالقاهرة العزيز وأزت الشياطين فاشتد الأزيز وتخبط بالصعيد العربان وفشا في عساكر الإسلام الطربان فسفه الحليم وحار الحكيم وضل كل ذي رأي قويم فثبت الملك الظاهر جاشه وتعرف إلى الله تعالى فأزال استيحاشه وأصفى سرائره ولم نزل سيرته ظاهره فكان الله عونه وناصره فأطفأ بأدنى لطفه شواط تلك النائره وقد بسط ذلك في سيرته الظاهرة فتبدل الجحيم بالنعيم ورفع الله تعالى عن الإسلام والمسلمين العذاب الأليم كل ذلك بثبات القدم وعلو الهمم ولم تحصل هذه الفعلة الذكية الرائحة إلا بالطوية الطيبة والنية الصالحة وأما التحفظ فمن مواد شرور ملتبس بها الجمهور منها لحقد والملال والكذب في المقال والحسد والاحتيال فأن الحقود وقود والحسود لا يسود والكذوب يذوب والملول لا يطول والمحتال مغال وباقي النصائح الذكية والروائح تأتيك بالسعد فيما بعد وأنا الآن أقدم للبيان وأذكر الأهم وما فائدته أعم قبل الشروع أمام المقصود وهو تأكيد مواثيق العهود فأنه إذا حفتك الجنود وأحاط بك أرباب الرايات والبنود وأنت جالس على السرير وفي خدمتك المأمور والأمير والكبير والصغير يعسر على استيفاء الخطاب واستيعاب الجواب ولا يليق بعظمتك ومقام حرمتك إطالة الكلام ولو اقتضاه المقام خصوصاً بحضور الخاص والعام ولو كان المتكلم أعز الخدام وأقرب الإلزام فلا أقدر أن أتجرأ عليك وأنهي جميع ما أريده إليك لأن قصد الخادم إقامة حرمة مخدومه والمبالغة في حفظ ناموسة وتعظيمه وكثرة الكلام تمنعه عن هذا القصد وتدفعه وأما في هذا الوقت فأن كثير كلامي لا يورث شيأ من المقت فلا حرج على كلامي كيفما خرج

стр. 240

قال يسار بارك الله فيك وأبقاك لذويك فما أدق نظرك وأحسن في عواقب الأمور فكرك وأصوب غوصك على جواهر الانتقاد واغرب بوصك إلى زواهر الاعتقاد فقل ما بدا لك مما يزين حالي وحالك فان حرمتي حرمتك وحشمتي حشمتك فإن عظمتني عظمت نفسك وإن وفرت مالي فقد زدت كدسك والخادم إذا لم يقصد رفعة مخدومه ويعد ذلك من أكبر همومه ويسعى فيه ساعة فساعة وفي كل مكان وعند كل جماعه وإلا فيدل ذلك على خساسة مقداره وقصور نظره ولؤم نجاره وركاكة همته واستبذال حرمته فقال أبو زنمه أول شروطي يا ذا العظيمة أن لا تقرب المؤذين ولا تلتفت إلى الأشرار المغتابين ولا تضيع الأوقات في الإصغاء إلى القينات ولا تسمع كلام واش وتعد كلامه أقل من لاش ثانيها أن لا تعجل في فصل الحكومات بل تتعاطاه بالتفتيش والالتفات إلى أن تتجلى صورتها وتتعين حقيقتها فإذا وضحت لديك وتخلت مخدرة حقيقتها عليك أجهد فيها بالصدق وأعمل بما يقتضيه الحق ثالثها أن لا تعود لسانك الفحش والبذاءة فان في ذلك على الملك أسوأ إساءة فان الكلام يؤثر في القلوب وينفر من قبحه الطالب والمطلوب وقد قيل: جراحات السنان لها التثام ... ولا يلتام ما جرح اللسان وقد قيل إن عيسى ﵇ مر بجماعة في بعض الأيام فصادفوا كلباً أجرب فقال له سلمك الله أذهب فقال كل من أصحابه مما كان معبي في جرابه من الاستيقاض وطلب البعد عنه والمناص وما سلموا إلى عيسى حاله بل سألوه عن كلامه له وما دعا له

стр. 241

فقال أني عودت لساني ببيان ما في جناني وهو المقاصد الحسنة وترك الألفاظ والعبارات الخشنة وقيل أنه مر في بعض الأوقات ومعه جماعات بكلب من الأموات ملقى على مزبلة في جملة القاذورات فوضع كل منهم يده على خطمه وتكلم في رائحته عند شمه فقال عيسى ﵇ ما أحسن بياض أسنانه فقيل له عما سمع من بيانه فقال عودت لساني بلفظ الخير وإن لا يتكلم بما فيه ضير وكما يجب على الملك كف اللسان الفصيح عن الكلام البذي القبيح كذلك يجب عليه أن لا يصغي إليه ويتأمل قول الشاعر: وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به فانك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه ووجد في كتاب آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي بيت ثالث: وكم أزعج الحرص من طالب ... يوافي المنية عن مطلبه وهذا الأمر يا مخدوم لكل أحد معلوم على العموم وأما أكابر السلاطين والملوك الأساطين فهم أعلى مقاماً أن يكون الفحش لهم كلاماً وأن يجري في مجالسهم أو يسمع من محادثتهم ومجالسهم وكل ملك اعتاد مجلسه فاحش الكلام اختل نظامه ومقته الخاص والعام ونفرت عنه قلوب الرعية وبحسب رغبة الرعية تكون الممالك راضية مرضية وإذا نفرت

стр. 242

قلوب الرعية كرهوه وتوقعوا غيره ليقوموا معه وينصروه وإذا لم يوجد عقدوا الحقود واستمروا أذلاء كاليهود والبغضة كامنة والخسائف باطنه فتقدم العداوة وتتقدم وتنأكد وتتأزم وإذا قدمت العداوة ذهبت من الصداقة الحلاوة فلا بد يوماً من الأيام أن تبرز رأسها من جيب الانتقام وإذا وجدوا فرصة وثبوا عليه وقصد كما جرى للغريرة مع الهريرة قال بسار بين لي هذه الأخبار (فقال) ذكر شخص معتبر من رواة الخبر أن في القديم كان رجل عديم وعنده قط رباه وأحسن مرباه فكان عنده كالولد الأعز وأكرم من ابن الفرات عند ابن المعتز وكان القط قد عرف منه الشفقة وألف منه المودة والمقه فكان لا يبرح عن مبيته ولا يسعى لطلب قوته فحصل له هزال وتغير ما له من أمر وحال لا عند صاحبه ما يغذيه ولا هو ذو قوة عن الاصطياد تغنيه إلى أن عجز عن الصيد فصار يسخر به من أرذال الفيران كل عمرو وزيد وصار كما قيل: خلت الرقاع من الرخا ... خ وفرزنت فيها البيادق وتسابقت عرج الحمي؟ ر فقلت من عدم السوابق وسطا الغراب على العقا ... ب وصاد فرخ البوم باشق سكتت بلابلة الزما ... ن وأصبح الخفاش ناطق

стр. 243

وأيضاً: وإذا خلا الميدان من أسد ... رقص ابن عرس ونومس النمس وكان في ذلك المكان مأوى لرئيس الجرذان وفي جوار مخزن للسمان فاجتر الجرذان لضعف أبي غزوان وتمكن من نقل ما يحتاج إليه وصار يمر على القط آمنا ويضحك عليه إلى أن امتلأ وكره من أنواع المآكل والمطاعم وحصل له الفراغ من المخاوف والمزاحم واستطال على الجيران واستعان بطوائف الفيران على العدوان فافتكر الجرذان يوماً في نفسه فكراً أداه إلى حلول رمسه وهو أن هذا القط وإن كان عدواً قديماً ومهلكاً عظيماً لكنه قد وقع في الانتحال وضعف عن الاصطياد لقوة الهزال وقوتي إنما هي بسبب ضعفه وهذا الفتح إنما هو حاصل بحتفه ولكن الدهر الغدار ليس له علىحالة استمرار فربما يعود الدهر عليه وترجع صحته وعافيته إليه فان الزمان الكثير الدوران يتهب ويهب ويعطي ما ساب ويرجع فيما وهب كل ذلك من غيره وجب ولا سبب وإذا عاد القط إلى ما كان عليه يتذكر من غير شك إساءتي إليه فيثور قلقه ويفور حنقه ويأخذه لاذاى والانتقام سهره وأرقه فلا يقر لي معه قرار فاحتاج بالاضطرار إلى التحول عن هذا الديار والخروج عن الوطن المألوف ومفارقة السكن المعروف أمر صعب مشوم الكعب فلا بد من الاهتمام قبل حلول هذا الغرام والأخذ في طريقه الإخلاص قبل الوقوع في شرك الاقتناص ثم أنه ضرب أخماساً لأسداس في كيفية الخلاص من هذا البأس فاداه الفكر إلى إصلاح المعاش بينه وبين أبي خراش ليدوم له هذا النشاط ويستمر بواسطة الصلح بساط الانبساط فرأى أنه لا يفيد ما يريده إلا بزرع الجميل من كثير وقليل خصوصاً في وقت الفاقة فانه أجلب للصداقة وأبقى

стр. 244

في الوثاقة ثم بعد ذلك يترتب عليها العهود ويتأكد ما يقع عليه الاتفاق من العقود وهو أن يلتزم الجرذان أن يقوم لأبي غزوان في كل غداة من طيب الغذاء ما يكفيه لغداء وعشاء لأن الشيخ في الدرس قال خير المال وما وقيت به النفس إلى أن يصح جسده ويرد إليه من عيشه رغده ويكون ذلك سبباً لمعقود الصداقة وترك العداوة القديمة المساقة وأن تشترط دوام المحبة وازدياد الوداد والصحبة وأن لا يقصد أبو الهيثم أبار راشد بشيء من الأذى والشرور والمفاسد ويعمل هذا الهر بموجب ما قال الشاعر: إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن ثم إن الجرذان جمع من الأخباز والأجبان واللحم القديد والمطعم المزيد ما قدر على حمله ونهضت قوته بنقله وقصد مقام الهر وسلم ﵇ مكرم مبر محب قديم وصديق حميم وقدم ما معه إليه وترامى بكثرة التودد والاشتياق عليه وقال يعز ويعظم لدي أني أراك يا خير جار في هذا الضرر والأضطرار ولكن العاقبة إلى خير وسيقبل السعد بأحسن طير فتقدم أيها الخيطل وكل من هذا المأكل فإذا سددت خلتك كلمتك بشيء أستشير به خدمتك فانه قد قيل: أن الصداقة أولاها السلام ومن ... بعد السلام طعام ثم ترحيب وبعد ذاك كلام في ملاطفة ... وضحك وثغر وإحسان وتقريب وأصل ذلك أن تبغي شمائلها ... بين الأحبة تأييد وتأديب لم تنس غيباً ولم تملل إذا حضروا ... قد زان ذلك تهذيب وترتيب إن الكرام إذا ما صادقوا صدقوا ... لم يثنهم عنه ترغيب وترهيب

стр. 245

فتناول القط من تلك السرقة ما سد رمقه وشكر للجرذان تلك الصدقة ولما أكل فمه استحيت الحدقة ثم قال له أنشد ما أنت ناشد يا أبا راشد قال إن لي عليك من الحقوق مثل ما للجار الصدوق على الجار الشفوق وأردت أن يتأكد الجوار بالصداقة وتتراقى إلى درجة المحبة بأوثق علاقة وأن كانت بيننا عداوة قديمة فنترك من الجانبين تلك الخصلة الذميمة ونستأنف العهود على خلاف الخلق المعهود وتدبير الأمور على مصلحة الجمهور ونبني القاعدة في البين على ما يعود نفعه على الجانبين وأذكر بك أشياء تحملك على ترك خلقك القديم وتهديك في طريق الإخاء إلى الصراط المستقيم وهو أن أكلي مثلا ما يغذي منك بدناً فضلاً عن أن يظهر فيك صحة وسمناً ولكن أن أمنتني مكرك وأعملت نظرك وفكرك ثم رغبت في صحبتي وعاهدتني على سلوك طريق مودتي وأكدمت أي أبا غزوان ذلك بمغلظات الأيمان إلى أن أستوثق باستصحابك وأبيت آمنا في مجيئك وذهابك ولو كنت بين مخالبك وأنيابك فأني ألتزم لك في كل يوم إذا استيقظت من النوم بما يسد خلتك ويبقي مهجتك صباحاً ومساء وغداء وعشاء وإن قلت أن ذلك شيء مجهول فأنا أقدره بنظير هذا المأكول فان هذا الغذاء يكفيك عشاء وغداء وماقصدت بذلك إلا رعاية لحق الجوار ولقد آنستني تسبيحك بالليل والنهار وأظن وظني لا يخيب أنك تبت إلى الله ورجعت من قريب وكففت عن أذى الجيران وعففت عن أكل الفيران ثم أعلم يا أسد الضياون أن لي من هذه المؤنة عشر مخازن قد أعددتها لمثلك وأنا أقدمها لمنزلك وادخرها لأجلك والقصد أن أكون آمناً من سطواتك ساكناً في صدمات حركاتك وذلك إنما يعلم بتأكيد الإخاء وتأييد المحبة والولاء فلما رأى الهر هذا البر أعجبته هذه النعم وأطربه هذا النغم وأقسم

стр. 246

طائعاً مختاراً ليس إكراهاً ولا إجباراً أنه لا يسلك مع الجرذان إلا طريق الأمان والإحسان وأنه لا ينوء إليه بقصد سوء بحيث تتأكد المحبة وتزداد الصداقة والصحبة فرجع الجرذان وهو بهذه الحركة جذلان وصار كل يوم يأتي أبا غزوان بما التزم به من الغداء والعشاء كل صباح وعشاء إلى أن صح القط واستوى وسلمت خلوات بدنه من الخو والخوا وصارت المحبة تنعه بكل يوم عقد مجدداً ويزداد كل منهما في الآخر محبة وتودداً وكان لهذا القط ديك وهو صاحب قديم وصديق نديم كل منهما يأنس بصاحبه ويحفظ خاطره بمراعاة جانبه للديك تعويق عن زيارة الصديق فغاب عنه مدة وكل منهما للفراق في شده فلم يتفق لهما إلا وقد حصل للقط الشفاء وزال الشقاء فسأل الديك صاحبه بماذا صارت علته ذاهبة وذاك الهزال بأي شيء زال فاخبره بأحوال الجرذ أبي جوال وأنهى أمره من الأول إلى الآخر وبالغ في الشكر في الباطن والظاهر وأنه كان سبب حياته ونجاته من مخاليب مهلكاته وأنه لم يكن مثله في الأصحاب وقد صار أعز الأصدقاء والأحباب فغار الديك على الصاحب القديم وأختشى أن يفسد ما بينهما المفسد الذميم فضحك مستغرباً وصفق بجناحيه متعجباً فقال له مم تضحك فقال من سلامة باطنك وانقيادك لمداهنك وحسن صنائعك مع المنافق مخادعك ومكارم أخلاقك مع ناقض ميثاقك وإصغائك لهذا الخبيث بمشوه الكلام ومموه الحديث ومن يا من لهذا البرم الواجب القتل في الحل والحرم المفسد لفاسق المؤذي المنافق الذي خدعك حتى أمن على نفسه واستطرق بذلك التمكن من أذاه ونحسه فتسلط الأذى كما يختار وانهمك في الشر آمناً منك البوار كل ذلك بسببك

стр. 247

ومكتوب في صحائف كتبك مع أنك بمشكور ولا بالخير مذكور وأن الذي شاع وذاع وملأ عنك الأسماع أنك ستحل عقده وتنكث عهده وتنقض الإيمان وتجازي بالسيئة الإحسان وأنه لم ير منك ما يسره وهو متوقع منك ما يضره وأعظم من هذا أنه آذى وحشر فنادى وبالشر بادي فقال أنه أحياك بعد الموت وردك بعد الفوت ولولا فضله عليك وبره الواصل إليك لمت هزالاً وجوعاً ولما عشت أسبوعاً ولكنه أشبع جوعك وجلب هجوعك واستنفذ من مخاليب المنية بعد ذهابك رجوعك فشفاك وعافاك وصفا لك وصافاك وكفاك وأنك كافيته مكافأة التمساح وجازيت حسناته بالسيآت القباح ولم يكن لإحسانه إليك ولا لما من به عليك سبب ولا علاقة سوى طهارة نفس زكت أخلاقه ولا لإساءتك إليه سبب تنقم به عليه إلا ما أسداه من مكارم شيمه الواصلة إليك وفوائد نعمه السابغة عليك وقد أشاع هذا كله في الشوارع والحارات خصوصاً في هذه المحلة ثم أقسم بمن عطفه عليك وساق فضله إليك وجعلك محتاجاً إلى نواله وأسبل عليك لباس صدقاته وافضاله ليستوفين منك ما صنعته وليحفظن عليك ما عليه ضيعته وليوقعنك في طوى بليه يعجز عن خلاصك منها كل البرية فليريحن منك جنس الفار وليخلدن ذكر هذه القضية في بطون الأسفار وبالجملة فهل سمعت أن جرذناً صادق هره أو اتفق بينهما مرافقة في الدنيا ولو مره ومناصحة القط والفار كمصادقة الماء والنار: فأنت كواضع في الماء جمراً ... وأنت كمودع الريح الثرايا فلما سمع القط هذا الكلام تألم باطنه بعض إيلام وما صدق ولكن ظن واشتغل خاطره لأمر عن وتلهبواشتغل ومن يسمع بخل وقال للديك جزاك الله عني خيرا وما أكثر شفقتك طيرا ولكن من قال لك هذا المقال

стр. 248

قال أنت محب وعلى مودة الجرذان مكب وقد قال سيدا لعرب والعجم ﷺ حيك للشيء يعمي ويصم وقال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب عمية ... كما أن عين السخط تبدى المساويا ولقد غرك بلقيمات من الحرام والسحت المنغمس في الآثام وجعلها بمنزلة حبة الفج فلا تشعر بها إلا وأنت في السلخ وقد وقعت ولا رفيق ولا أخ هناك يعرف تحقيق هذا الكلام ولكن أنت الآن راقد مثل النيام والكلام ما يفيد ولا بد أن الله تعالى يجري ما يريد وما في إشاعة الكلام طائل وكأنك أنت القائل: ظن العذول بان عذلي ينفع ... قل ما تشأ فعلي أن لا أسمع وما قلت لك هذا الكلام إلا من فرط الشفقة والضرام ورعاية لحق ما وجب علي من القيام وحفظاً للصداقة القديمة والمودة التي سحائبها ديمه وأنا لو غششت كل أحد ما خطر لي أن أغشك وأنا لا استشهد على صدقي إلا يقينك الساكن عشك فرجح جانب صدق الديك كفاك الله شر من يؤذيك وقال القط في خاطره بعد ما أجال قداح ضمائره هذا الديك من حين انفلقت عنه المبيضة وسرحت أنا وإياه من الصدقة في روضة ما وقفت له على كذب ولا سمعت عنه أنه لزور مرتكب مع أنه مؤذن أمين بين ظهور المسلمين وهو بالصدق قمين وما حمله على هذا إلا المحبة وقديم المودة والصحية وهو أبعد من أن يكذب ويخدع وأي قصد له في أن يغش ويتصنع

стр. 249

وتردد أبو هريرة في تيه الخيرة بين الديك والفريره ثم قال للديك وقاك الله شر أعاديك فكيف أعرف صدق هذا الحبر وهل للدلالة على سوء طويته علامة تنتظر قال نعم ورب الحرم علامة ذلك أنه إذا دخل عليك ونظر إليه أن يكون منخفض الرأس مجتمع الأنفاس متوقعاً حلول نائبه أو نزول مصيبة صائبة أو شمول بليه غائبة ملتفتاً يميناً وشمالاً متخوفاً نكالاً ووبالاً طائفاً يتنقب خائفاً يترقب وذلك لأنه خائن والخائن خائف وهذا بائن وبينما هما في المحاورة والمناظرة والمشاورة يتجاذبان القيل والقال دخل المفسد أبو جوال وهو غافل عن هذه الأحوال فرأى أبا القيظان يخاطب أبا غزوان فخنس وقهقر وتخوف وتشور وهو غافل عما قضاه الله وقدر فاشمأز لرؤيته الديك وابرأل وانتغض واشمعل فارتعد الجرذان من شيخ الديكة لما رأى منه هذه الحركة وانتفش وانزوى وتقبض وزوى وأشبه بغدادياً بلع الدوا ونظر يميناً وشمالاً كالطالب للمفر مجالاً والقط يراقب أحواله ويتميز حركاته وأفعاله فتحقق ما قاله أبو سليمان ونظر إلى الجرذان نظر الغضبان وهمز واكفهور ورقصت شواربه وابزأر فاضطر الجرذان وطلب الأمان فنسي السنور العهود والأيمان ونفض عرق العداوة القديمة والعدوان وطفر على الجرذان وأدخله في خبر كان وأخلى منه الزمان والمكان

стр. 250

(وإنما أوردت) هذا التنظير أيها الصاحب البصير لفائدتين جليلتين عظيمتين إحداهما الإعلام بالتحقيق إن العدو العتيق لا يتأتى منه صديق ثانيتهما الإعلام بان الواجب على الحكام أن لا يعجلوا بالانتقام فربما يورثهم الاستعجال الندامة في المآكل في حالة لا يفيد العذل والتنفيذ وعند ذلك لا يمكن التدارك بل إذا نقل إليهم وأورد عليهم ما يثير الغضب ويحمي سن نار السخط اللهب لا يفلتون زمام التثبيت والتفكر من أنامل التأني والتدبر خصوصاً السلاطين والملوك الأساطين فان قدرتهم واسعة وأطراف أوامرهم شاسعة وأوهاق اختيارهم طويلة ومراعي المراد لمرامهم منيله وآدان الكون لأوامرهم سميعة وعين المكان لمراسيمهم مراقبة مطيعة فمهما أرادوا من النفع أوصلوا ومهما اختاروا من الضر فعلوا وذلك في كل حسن ممسين أو مصبحين ولذلك قالوا القاضي لا يحكم حكماً إلا وهو راضي ولا يحكم وهو غضبان وهو مشغول الخاطر ولا غرثان فان وجدوا طريقاً إلى الخير بادرواإليه وإذا قصدوا إيقاع شر توقفوا لديه ولا يهملوه بل يسبروا غوره إلى أن يقفوا عليه فربما يكون من مداخله عدوا أو حاسد بتعاطي من له غرض فاسد ثم أعلم يا ذا التبصرة والتذكرة أنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فلما وعى يسار هذا الحوار قال ما أزهى هذه النصائح وأزكى ما لها من روائح وأنا أقبل عليها وأقبلها ولا يزال مرتشف سمعي مقبلها وعلى ذلك أعاهدك ومهما رأيت غيره أعاقدك فانه للملك المصلحة وللملك زين ومسلحة وأيضاً فاشترط ما بدا لك مما يزين حالك ويصون مالك ومآلك
следующие страницы →