← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

القوميات يعرفون أنها ستجرّ إلى أمثال هذه الحروب. وظهرت بعض قوميات عرقية أخرى، منها ما أدى إلى اجتماع متفرقات دويلات، ومنها ما أدى إلى انفصال أقوام وتكوين دول مستقلة. ثمّ قامت في الغرب أبحاث علمية أكّدت أن وحدة الأصل والعرق من الأمور التي لا تتحقق، وعمّم هؤلاء الباحثون أحكامهم على كل الشعوب، بيد أن التعميم يفتقر إلى أدلة إثبات، وإن كان هذا لا يعنيني في هذا المجال. ولمّا زحفت الفكرة القومية إلى الشعوب الإسلامية، أراد دعاتها أن يفصّلوا عناصرها تفصيلاً يتناسب مع خطة عزل الدين الإسلامي ومقاومته، وجمع أكبر قدر ممكن من غير المسلمين في إطار القومية التي يدعون إلهيا، وإضعاف مركز الأكثرية العرقية التي تدين بالإسلام. لقد كان لزاماً عليهم في الدرجة الأولى استعباد عنصر وحدة الدين، لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع. ثمّ نظروا إلى الهيكل الاجتماعي الذي أرادوا أن يلبسوه لباس القومية، ففصلوا عناصر القومية على وفقه. فحذفوا من القومية عنصر وحدة الأصل والعرق، ولو تحقق، حذفاً كليّاً، لئلا يكون داعياً إلى احتلال المعروفين بسلامة أعراقهم القومية مركز الصف الأول، وهؤلاء هم الأكثرية المسلمة، واحتلالُهم مركز الصف الأول من شأنه أن يُبقي للإسلام ثقلاً حقيقيّاً داخل نزعة القومية، وهذا أمر يعارضونه أشدّ المعارضة، ويقاومونه أعنف المقاومة، إنهم لم يأتوا بنزعة القومية إلا لقتل الإسلام بها في نفوس المسلمين. ولما حذفوا عنصر وحدة الأصل والعرق انتقلوا إلى التأكيد على عنصر

стр. 247

وحدة اللغة، وقدم مفلسفوهم الأدلة على قوة هذا العنصر في توثيق الرابطة القومية، وتكوين الأمة القومية. واعترضتهم مشكلة المهاجرين من بلاد عربية هم أو أجدادهم، وهم لا يحسنون اللغة العربية، وقد صارت لغتهم لغةً أخرى ويهمهم تكثير الأقليات غير المسلمة بهم في البلاد العربية، فوضعوا لهم فكرة استرجاعهم إلى الانتماء للأصل العربي، حتى يكتسبوا بهم ثقلاً للأقليات غير المسلمة، وقد جاء هذا متأخراً عن تدوين أفكار القومية. وغدت وحدة اللغة قابلة للتمطيط، فمن كانت لغة آبائه أو أجداده العربية فهو عربي، ومن كان ينطق العربية فهو عبي، ولو لم تكن أصوله عربية، ويُغضُّ النظر عن التدقيق في عناصر القومية الأخرى. أما العنصر الثاني الذي ركّزوا عليه، وجعلوا له دوراً مهماً في تكوين الأمة القومية، فهو عنصر "وحدة التاريخ". قال ساطع الحصري: إن "وحدة الأصل" يجب أن تخرج من كل تعريف يتعلق بمعنى الأمة، فمن الأوفق الاستعاضة عن ذلك بـ"وحدة التاريخ" لأن وحدة التاريخ هي التي تلعب أهم الأدوار في تكوين "القرابة المعنوية" ... وفي توليد "وهم وحدة الأصل" الذي يسود الأذهان هـ. ونلاحظ أنه لدى تطبيق القوميين عنصر "وحدة التاريخ" على واقع الشعوب العربية، نجدهم يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين، لأنه لا يمثل وحدة تاريخ بين كل العرب، مسلميهم وغير مسلميهم، فغير المسلمين من العرب قد يغيظهم جداً تاريخ العرب المسلمين، بل قد يحقدون عليه، وهم لا يعترفون بأنه تاريخ لهم، إنما هو تاريخ خصومهم أو أعدائهم، فكيف يكون أحد العناصر التي تربطهم بالأمة العربية. هؤلاء لهم تاريخ خاصّ بهم غير تاريخ العرب المسلمين، ولو عاشوا بينهم أقلية.

стр. 248

وحينما يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين، يسقطون على تاريخ عصور الجاهلية العربية، البائدة والعاربة والمستعربة، ويجمعون مقتطفات من التاريخ العربي بعد الإسلام، بشرط أن لا يكون فيها تأثير إسلامي. ويهتمون بإظهار ما يتعلق بتاريخ غير المسلمين من العرب، وتزيينه وتحسينه، وإضفاء الألقاب الفخمة عليه، مما يجعل له في أذهان دارسيه ذكريات أمجاد، وللأقليات الطائفية النصيب الأوفى من هذا التاريخ المنتقى بعناية فائقة. إذن: فللإيهام بصحة انطباق عنصر "وحدة التاريخ" على كل الناطقين باللغة العربية، مسح القوميون من التاريخ العربي الذي كتبوه ودرّسوه في مناهج التعليم كل ما هو إسلامي مجيد، وسلطوا الأضواء على غيره ممجدين معظمين، وإن اضطروا إلى ذكر تاريخ العرب المسلمين مرّوا عليه كالبرق الخاطف، وأبرزوا منه هنواته فقط. ولا يهمل مفلسفو القومية العربية العناصر التالية: o وحدة المشاعر والمنازع. o وحدة الآلام والآمال. o وحدة الثقافة. ولكنهم يجعلونها نتائج طبيعية "لوحدة اللغة" و"وحدة التاريخ". ويصرّون على حذف "وحدة الدين" وهذا في مقدمة ما يحذفون من عناصر، ثمّ يحذفون مما يذكر الناس من عناصر تكوين الأمم: وحدة الدولة، ووحدة الحياة الاقتصادية، ووحدة الأرض، أي الاشتراك في الرقعة الجغرافية، لأن هدفهم الآن نشر القومية. يقول "ساطع الحصري" كبير مفلسفي القومية العربية، مبيناً الحقائق التي توصل إليها بعد درس وتمحيص النظريات المختلفة، وبعد استعراض واستنطاق الوقائع التاريخية:

стр. 249

" إن أسّ الأساس في تكوين الأمة، وبناء القومية، هو وحدة اللغة، ووحدة التاريخ. لأن الوحدة في هذين الميدانين، هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع، ووحدة الآلام والآمال، ووحدة الثقافة ... وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمّة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى. ولكن: لا وحدة الدين، ولا وحدة الدولة، ولا وحدة الحياة الاقتصادية، تدخل بين مقوّمات الأمة الأساسية. كما أنّ "الاشتراك في الرقعة الجغرافية" أيضاً، لا يمكن أن يعتبر من مقومات الأمة الأساسية. وإذا أردنا أن نعيّن عمل كلٍّ من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة، قلنا: اللغة: تكوّن روح الأمة وحياتها. التاريخ: يكوّن ذاكرة الأمة وشعورها. " انتهى. واستناداً إلى هذه الأسس التي وضعوها، وحدّدوا بها عناصر القومية العربية، نصّوا على الأركان التي يجب على القوميّ أن يعرفها ويؤمن بها أشدّ الإيمان، وأهمّها ما يلي: " إن كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية، هو عربي ... ومهما كان اسم الدولة التي يحمل جنسيتها وتابعيتها بصورة رسمية. ومهما كانت الديانة التي يدين بها، والمذهب الذي ينتمي إليه. ومهما كان أصله ونسبه، وتاريخ حياة أسرته ... فهو عربي. والعروبة ليست خاصة بأبناء الجزيرة العربية، ولا مختصة بالمسلمين وحدهم.

стр. 250

بل إنها تشمل كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية. سواءٌ أكان مصرياً، أو كويتياً، أم مراكشياً ... وسواءً أكان مسلماً، أم مسيحياً. وسواء أكان سنياً، أم جعفرياً، أم درزياً. وسواءٌ أكان كاثوليكياً، أم أرثوذكسياً، أم بروتستانتياً.. فهو من أبناء العروبة، ما دام ينتسب إلى بلاد عربية، ويتكلم باللغة العربية..". وهكذا استطاعت الفكرة القومية بحيلتها الكَيْدِيَّة، أن تسلب المسلمين العرب، وهم الكثرة الكاثرة، كثيراً من حقوقهم السياسية والإدارية، والاقتصادية، وحقوقهم في السيادة على أرضهم، وغير ذلك، لصالح الأقليات غير المسلمة، التي لم تكن تحلم بها. وكان من شأن هذه الأقليات بعد ذلك أن استغلت فكرة القومية لصالح طوائفها، دون أن تتنازل شعرة واحدة عن عصبياتها الطائفية المضادة للإسلام والمسلمين، ووقائع الأحداث في كثير من البلاد العربية تشهد بذلك. لقد ظهر بما لا يدع مجالاً للشك لدى التطبيق على المجتمع البشري، أن شعار القومية بكل عناصرها لم يستطع أن يوحّد بين أتباع الأديان والمذاهب والمبادئ المتناقضة المتعارضة، فثبت سقوط الفكرة من أساسها، وثبت أن عناصر القومية غير صالحة لتكوين أمة، أفرادُها يتّبعون مبادئ ومذاهب ومناهج وعقائد متباينة متناقضة متضادّة الاتجاهات. ولا يستطيع الإنسان أن يكون خالياً على الدوام من مبدأ، وعقيدة في الحياة، ومذهب في السلوك يسير على وفقه، ولن يتفق الناس على مبدأ وعقيدة ومذهب، لأنهم لا يستطيعون توحيد أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم، ولا يستطيعون التخلّص من أنانيتهم الضيقة أو الموسعة قليلاً.

стр. 251

وأجمع جامع للناس في هذا دين ربّاني حقّ، تدفعهم إلى الأخذ به والاجتماع عليه حَقَّيَّتُه وعدالته وكماله، ورغبةٌ بثواب عظيم، ورهبةٌ من عذاب أليم، أعدهما الربّ الخالق منزل الدين. ولسائر الأديان ولو كانت محرّفة أو وضعيّة عوامل جمع بحسب قوة هيمنتها على العقول والقلوب والنفوس ... * * * فراغ القومية من مضمون يغني الناس عن التطلّع إلى غيرها: ليس في الرابط اللغوي، ولا في ذكريات التاريخ، اللذان هما الأساسان العظيمان في القوميّة، ما يسدّ حاجة الإنسان إلى أفكار يعتقدها ويؤمن بها، حول سرّ وجوده، والغاية منه، وواجباته في الحياة، ومصيره الذي هو صائر إليه بعد رحلتها، وحاجة الإنسان إلى منهاج حياة يسير عليه، هو وشركاؤه في المجتمع البشري الذي يعيش ضمنه. لقد عظّمت الدعايات الكثيرة الإعلامية والإقناعية، من حجم القوميّة الضئيل في واقع النفس الإنسانية السويّة، وكان ذلك بالنفخ الصناعيّ التمويهي الذي قام به دعاة القوميّة ومروّجوها. o فآمن بالقومية واستجاب لدعاياتها ناشئون أغرار. o وانضم إليها منتفعون طامعون أصحاب مصالح ومطامع. o وقاد المسيرة أصحاب المكيدة الأصليون من أتباع الطوائف غير المسلمة. حتى صار للمجموع ثقل عددي، وثقل كيدي، في كثير من البلاد العربية الإسلامية. لكنّ الرابط اللغوي، وذكريات التاريخ، بطبيعة مكوّناتهما، لا يشبعان نهمة العقول إلى معرفة مفاهيم تقنعها، حول سرّ وجود الإنسان، والغاية منه، وواجباته في الحياة، ومصيره الذي هو صائر إليه بعد رحلتها، ولا

стр. 252

يشبعان حاجة الإنسان إلى منهاج حياة يسير عليه، هو وشركاؤه في المجتمع. لقد حمل أتباع القومية شعارها المنفوخ نفخاً صناعياً، واندفعوا لتمجيدها اندفاعاً غوغائياً، مدّة من الزمن، على وهم أنهم سيجدون لديها شيئاً يشبع عقولهم وقلوبهم ونفوسهم، لكنهم حينما صحوا من ضجيج الغوغاء، وظهرت بينهم الخلافات الأنانية، رجعوا يشعرون بحاجات عقولهم وقلوبهم ونفوسهم. تتبعوا عناصر القومية، فلم يجدوا فيها شيئاً يشبع حاجاتهم، ثمّ ألحّت عليهم الحاجات فسعَوْا يتلمَّسون في المبادئ والأفكار المطروحة في العالم ما يشبعها. ١- فالذين كانوا قد تركوا الإسلام منهم بإصرار، ولم يجدوا من يقنعهم بالرجوع إليه، أو هم لا يريدون ذلك بعد أن استمرؤوا الإباحية والانغماس في المحرمات والكبائر الكبرى، ظلّوا على كفرهم بالإسلام: * فريق منهم اتجه شطر الماديّة الملحدة الشرقية يأخذ منها الاشتراكية أو الشيوعية، ونظم الحياة الوضعية. * وفريق منهم اتجه شطر المادّية الملحدة الغربية، يأخذ منها الإباحات، والنظام الرأسمالي، ونظم الحياة الوضعية. وظهرت الصراعات والانقسامات بين هذين الفريقين. ٢- والذين صحوا من سكر فتنتهم بالقومية، وعرفوا فراغها، وخبروا مكيدتها، عادوا إلى الإسلام تائبين، لكنهم اعتزلوا معترك العمل الجماعي، وقليلٌ منهم اتجه اتجاهاً إيجابياً لنصرة الإسلام والدعوة إليه. ٣- وظهر الذين كانوا يحملون شعار القومية كيداً ونفاقاً من الطوائف غير المسلمة على حقيقتهم، فكشفوا تعصّبهم الطائفي، وأظهروا أن قوميتهم العربية التي كانوا قد ادّعوها لم تكن إلاّ قوميّة مزيفة، وأسلوباً مرحلياً

стр. 253

لتحقيق أهدافهم الطائفية، في التسلّط، والقضاء على الإسلام والمسلمين. هذه نتائج كان لا بد من وصول القوميين إليها، وكانت معروفة لدى المخطّطين لنشر القومية، ومرادة لهم. لقد نجحت مكيدتهم وكان المسلمون ضحيّتها، وكان الإسلام عدوّهم الأكبر. * * * موقف الإسلام من العصبية القومية: لقد قاوم الإسلام العصبية القومية، واعتبرها نزعة منتنة، وأقام بين المسلمين الأخوة الإيمانية الإسلامية، ولم يلغ حق الرحم في الصلة والمصاحبة بالمعروف. وفيما يلي طائفة من النصوص الإسلامية: ١- قول الله في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦ نزول) : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . فعقد الله بهذه الآية الأخوّة بين كلّ المؤمنين دون استثناء، فهم إخوة برابطة وحدة الإيمان. ٢- روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله: " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ". فأبان الرسول أن الأمة الإسلامية في وحدتها وترابطها، بمثابة الجسد الواحد، الذي تحركه روح واحدة، وتوجهه مشاعر واحدة. ٣- عن ابن عمر، أن النبي طاف يوم الفتح على راحلته يستلم

стр. 254

الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مُناخاً، فنزل على أيدي الرجال، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: " الحمد لله الذي أذهب عنكم عصبيّة الجاهليّة، وتكبُّرها بآبائها، الناس رجلان، برٌّ تقيٌّ كريم على الله. وفاجرٌ شقيٌّ هيّنٌ على الله. والناسُ بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله في سورة (الحجرات/٤٩ مصحف/١٠٦ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ . ثمّ قال: "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم". فأعلن الرسول في خطبته هذه يوم الفتح ذهاب العصبية الجاهلية وتكبّرها بآبائها. ٤- عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: " يا أيها الناس، ألا إنّ ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلّغت؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "فليبلّغ الشاهد الغائب". ٥- روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: كنّا في غزاة، فكسع

стр. 255

رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، قال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: ياللمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله فقال: " ما بال دعوى جاهليّة؟! ". قالوا: يا رسول الله، كَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: " دعوها فإنها منتنة ". ٦- مرّ شاس بن قيس "هو حبر من أحبار يهود بني قينقاع" وكان شيخاً موغلاً في معاداة الإسلام، عظيم الكفر، شديد الحسد للمسلمين، على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج، فوجدهم مجتمعين متحابين، قد ألّفت بينهم الأخوة الإسلامية، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: " قد اجتمع مَلأ بني قَيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع مَلَؤهُم بها قرار". فأمر فتى شاباً من يهود كان معه، فقال له: " اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثمّ اذكر يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا به من أشعار". فأقبل هذا الشاب فجلس بين المسلمين، وتحدث معهم، ثمّ استجرهم للحديث عن يوم بُعاث، وأنشدهم ما يحفظ من الأشعار التي قيلت فيه. ودبت الحميّة بين الأوسيين والخزرجيين، وتنادوا: السلاح السلاح. فبلغ ذلك رسول الله، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاؤهم في الحرّة، وهم يستعدّون للقتال، فقال: " يا معشر المسلمين، الله، الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم

стр. 256

بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألّف به بين قلوبكم؟! ". فلما سمع الأوس والخزرج ذلك من رسول الله، عرفوا أنها نزغة من نزغات الشيطان، وكيد من عدوّهم، فبكَوْا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً. وأنزل الله قوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً منَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ﴾ . * * * (٤) الإنسانية تقوم فكرة "الإنسانية" وقد تُسمّى "العالمية" أو "الأممية" على الاكتفاء برابط وحدة الأصل الإنساني، والاشتراك في الصفات العامّة التي يختص بها هذا النوع، مع نبذ أو إهمال كل الفوارق القومية، والوطنية، والدينية، وغير ذلك من اختلافٍ في المبادئ، والمذاهب، والعقائد، والمصالح، ومناهج السلوك، أو الترفُّع عنها والاستعلاء عليها، بنزعة إنسانية عالمية. وتعرف هذه الفكرة في الغَرْب بفكرة الـ"كوزمبوليتيه". أما الآراء والملاحظات التي تستند إليها دعوة "الإنسانية" فيمكن تلخيصها بما يلي، كما عرضها "ساطع الحصري" في معرض نقدها، ورفضها من وجهة نظر قومية. ١- ما الفرق بين الأوطان المختلفة؟ . أليست كلها من أجزاء الأرض التي نعيش عليها؟ وما قيمة الحدود التي تفصل الأوطان بعضها عن بعض؟ . أليست

стр. 257

كلها من الأمور الاعتبارية، التي أوجدتها الوقائع الحربية، أو المناورات السياسية؟. ٢- ما الفرق بين الأمم المختلفة؟. أم تنحدر كلُّها من أصل واحد؟. أفلا يجدر بالإنسان -والحالة هذه- أن يسمو بأفكاره وعواطفه فوق الأوطان وفوق الأمم؟. فليعتبر الأرض كلها "وطناً". وليعتبر البشر كلهم "مواطنين". لقد مرّ في تاريخ البشرية عهود طويلة كانت فيها الرابطة الوطنية ضيّقة محدودة، لا يتعدى نطاقها أسوار بعض المدن، وكانت فيها الرابطة القومية محدودة المدى، لا يتجاوز تأثيرها حلقات بعض القبائل. ثمّ شهد التاريخ "العهد" الذي ارتفعت فيه الحدود من بين المدن التي كانت متخالفة، وانتفت فيه الضغائن من بين القبائل التي كانت متعادية، فتوسعت فيه فكرة الوطنية، وفكرة القومية، إلى ما وراء حدود، ونطاق القبائل. إن سلسلة التطوّرات التي حدثت بهذه الصورة إلى الآن تدل على أن هذا التوسع سيستمر على الدوام، وسيأتي يومٌ تندمج فيه الأوطان المختلفة، فتغدو وطناً واحداً، إلى أن يصبح العالم كله هو "الوطن المشترك" لكل الناس، وتمتزج فيه الأمم المختلفة ببعضها إلى أن تصبح "الإنسانية" بمثابة "القومية المشتركة" بين جميع الناس. وستزول النزعة "الوطنية" والنزعة "القومية" التي نعرفها الآن، بتقدّم البشر، وتسامي العواطف، وستترك محلّها إلى عاطفة إنسانية، وأخوّة شاملة. فيجدر بالمفكرين أن يسبقوا سائر الناس، في استقبال هذا الطور الجديد، فيسموا بأنفسهم من الآن فوق الوطنيات الخاصة والقوميات، ويعملوا للإسراع بحلول عهد الإنسانية الحقّة.

стр. 258

هذه هي خلاصة الآراء والأفكار والمقترحات المتعلقة بالدعوة إلى الإنسانية. * * * يقول "ساطع الحصري" تعقيباً عليها: " لا شكّ في أن هذه الآراء لا تخلو من قوة جذب وإغراء. إنها تفسح أمام الأذهان مجالاً واسعاً لأحلام الأخوة البشرية، وأماني السلم الدائم، وتلوّح أمام الخيال بعالم جديد، أرقى وأسمى من العالم الذي نعيش فيه الآن، فمن الطبيعيّ أن تستولي هذه الآراء - في الوهلة الأولى - على بعض النفوس التّواقة إلى الكمال، ولو كان في الخيال. لقد انتشرت الفكرة فعلاً انتشاراً كبيراً بين المفكرين في النصف الأخير من القرن الثاني عشر، لا سيما في ألمانيا، حيث أصبحت النزعة السائدة في عالم الفكر والفلسفة، فكان معظم الفلاسفة والأدباء ... يقولون بها، ويدعون إليها ". والانتقادات التي وجهها "الحصري" لفكرة "الإنسانية" تتلخّص بما يلي: ١- فكرة الإنسانية والعالمية نزعة أفلاطونية مثالية غير واقعية، بخلاف الوطنية فهي نزعة واقعية، وكذلك القومية. ٢- وهي تتفق في النتيجة مع روح الاستكانة السلبية، إذ تتطلب من الفرد عملاً سريعاً وتضحية فعليّة، فهي لذلك تكتسب قوة من ميول الأنانية الخفية، التي يرضيها الانصراف عن الأعمال الإيجابية استكانة إلى الأوضاع السلبية، بخلاف الوطنية والقومية، فهما يتطلبان تضحيات فعليّة. واستشهد بقول "جان جاك روسّو" منتقداً فكرة "العالمية" بأسلوب لاذع، إذ قال: "إن بعض الناس يحبون أبناء الصين، لكي يتخلصوا من الواجبات الفعلية التي تترتب عليهم من جراء حب أبناء وطنهم الأقربين ". ٣- لقد أخذت البلاد الألمانية بفكرة "العالمية" خلال القرن التاسع

стр. 259

عشر فأضعفت لدى مواطنيها روح المقاومة ضدّ أعدائها الطامعين بها، فلما غزاها نابليون لم يثبتوا أمامه، غذ لم تكن لديهم روح المقاومة نتيجة تأثير انتشار فكرة "العالمية" فيهم، إن الجنود كانوا ينهزمون من ساحة القتال، تاركين أسلحتهم فيها، دون أن يحاولوا استعمالها لصد غارة العدو الزاحف إلى بلادهم. وهذا الذي حدث وما كان بعده، قد بدّد عند الألمان أحلام "العالمية" وأماني "الإنسانية" التي كانت مستولية على نفوسهم. ٤- إن دعاة السلم العام، والأخوة البشرية الشاملة، الذين ظهروا طوال القرن التاسع عشر، وحتى أوائل القرن العشرين - حتى الحرب العالمية- كانوا يتكهنون بقرب تحقق أحلامهم وأمانيهم. غير أن الوقائع والحوادث كانت تأتي على الدوام معاكسة لتلك الأماني والأحلام. ٥- إن النزعات القومية والوطنية كانت أقوى في الواقع من "الإنسانية"، و"العالمية" ودعوة الأخوة البشرية، إذ قامت الحروب والصراعات القومية، فاضمحلت بها فكرة "الإنسانية"، وغدت أحلاماً تراود بعض المفكرين، ولم يصبح لها تأثير على الرأي العام في أي بلد من بلدان العالم. * * * كشف الزيف في دعوة الإنسانية: لا يهمني ولا يعنيني هنا التعرض لما أورده "ساطع الحصري" في انتقاده "الإنسانية" خدمة للوطنية والقومية، فكثير مما أورده لا اعتراض لي عليه، ولكن لإسقاط فكرة "الإنسانية" أو "العالمية" وفق المفهوم الذي وضع لها، لا لخدمة القومية أو الوطنية، بحسب مفهوم القوميين، أو الوطنيين، الذين يريدون الاقتصار على الرباط القومي، أو الرباط الوطني، في تكوين الأمة. لدى كشف زيف دعوة "الإنسانية" أو "العالمية" لا بد لنا من بحث

стр. 260

عميق، لاكتشاف الشروط المثلى، لتكوين أمة من الناس، قوية الترابط، شديدة التماسك، صلبة العناصر، بنيانها مرصوص يشد بعضه بعضاً، قادرة على الصمود ضد كل عوام التفكك والانقسام والتمزق، وكل الزوابع والأعاصير التي تهدف إلى تفتيت وحدتها. وبالبحث العميق ينكشف للباحث أن هذه الشروط المثلى، هي الشروط التي تتوافر فيها الروابط المتعددة المتشابكة، التي تتناول كل كيان الإنسان، وكل أركانه، ومعظم ما يُهمه في حياته. وفي المرتبة الأولى من كل ذلك كيانه الذاتي وأركانه الداخلية، ثمّ تأتي مصالحه وحاجاته الوقتية وعلاقاته الخارجية. ويبرز للباحث من ذلك ما يلي: ١- مفاهيمه التي تهيمن على فكره. ٢- عقائده التي تهيمن على قلبه ووجدانه وجملة من مشاعره، فتكوّن إيمانه الراسخ في حياته. ٣- عواطفه التي تهيمن على نفسه، وطائفة من مشاعره. ٤- المناهج والنظم التي يطيع لها، باعتبارها نابعة من مفاهيمه وعقائده، فتكون هادية له في أخلاقه وحركة سلوكه في حياته. ٥- المصالح والمنافع التي ترضي مطالبه في الحياة بصورة عادلة، نابعة من مفاهيمه وعقائده. وهذه لا يتحقق منها في فكرة "الإنسانية" إلا جزء يسير من أجزاء العنصر الأول من هذه العناصر الخمس. فمن المفاهيم الكثيرة التي تهيمن على فكر الإنسان، مفهوم اشتراك الناس جميعاً في أنهم منحدرون من أصل واحد، وهم يشتركون في صفاتٍ نوعيةٍ عامة متماثلة. وليس في مفهوم "الإنسانية" وراء ذلك شيء.

стр. 261

إن قيمة "الإنسانية" في تكوين الأمة الواحدة، كقيمة اشتراط نبات الأرض، لإعداد الغذاء الصالح للإنسان. فهل كل نبات نجده في الأرض، نأخذه ونضعه في طبخة لغذائنا؟ ألا يمكن أن يكون ساماً قاتلاً، أو مراً لا يستساغ، أو حارّاً يلهب الأمعاء ويقرحها؟. "الإنسانية" هي المادة الطبيعية الأولى، التي يؤخذ منها الصالح لتكوين الأمة المنشودة. فالأمة من الناس إنما تتكون من أفراد اشتركوا في العنصر الإنساني أولاً، فلا مكان فيها لجنٍّ، أو خيلٍ، أو بغال، أو حمير، أو قطعان من النعم، أو الوحوش، أو أسراب من الطير. كذلك نقول: إن المادة الطبيعية الأولى لبناء قصر عظيم، هي العناصر الصلبة المستخرجة من الأرض، ومع ذلك فإنه لا يصلح كل حجر ومدر وكدر ورمل من الأرض لإقامة هذا القصر العظيم، حتى تتحقق في العنصر الصلب المأخوذ من الأرض الشروط اللازمة، التي تجعله صالحاً ليملأ مكاناً مناسباً له في بنائه. هكذا لا يصلح أي إنسان لتكوين الأمة المنشودة، ما لم تتحقّق فيه الشروط اللازمة لتكوينها. وإلا ظهر الوهن والضعف، أو التنافر وعدم التلاؤم، ثمّ ظهر التصدع، ثمّ وقع الانهيار. إن جماعة صغيرة من الناس، في موقع صغير من الأرض، لا يمكن أن يتعايشوا مدة من الزمن متلائمين متفاهمين متآخين، ما لم يتحقق في معظمهم شروط التلاؤم والتفاهم والتآخي. وأي تباين فكري بينهم له آثار في السلوك، سيمزق جماعتهم، ويفرقهم حتماً، وقد يثير بينهم الخصام والعداء فالتقاتل، وأي تنافر عاطفيّ بينهم سيمزق جماعتهم ويفرّقهم حتماً. وكذلك أسلوب العيش المتباين بين أفرادهم هو من أسباب تمزيق جماعتهم. كذلك تعارض المصالح وتنازع

стр. 262

المنافع فيما بينهم من أسباب تمزيق جماعتهم، وعدم ثباتها. فقضية وحدة الجماعة من الناس، أو وحدة الأمة من البشر، تكتفي برباط ضعيف واحد، أو برباطين ضعيفين، حتى تكون صالحة للدوام والاستمرار، ولا تكون عرضة للتنافر والانقسام والانهيار. فالإنسان ليس كائناً لا يملك في ذاته إلا مقوماً واحداً، حتى يكفيه رابط واحد لهذا المقوم، وليس بهيمة حتى يكفي لجرّه مقود واحد، حتى البهيمة فإنه يجب أن يكون مقودها في رأسها أو عنقها، لا في ذيلها أو بعض شعرات من بدنها. إن الإنسان فكر، وقلب، ووجدان، ونفس، وأهواء، وشهوات، وغرائز، ومصالح، وحاجات. والأمة المثالية هي التي يرتبط بها من كل هذه الأركان والعناصر، أو من معظمها، أو من أخطرها وأهمها وأدخلها في كيانه العميق، جُملةُ روابط، فهي تنتظمها جميعاً. أما رابط "الإنسانية" وحده، فهو أضعف الروابط وأهونها لديه، مع أنه شرط أولي، لكنه ليس شرطاً كافياً، ودونه بمرتبة واحدة رابط "الحيوانية" بين الأحياء، ومعلوم أن رابط "الحيوانية" الأعم من رابط "الإنسانية" لا يصلح لإقامة "الأمة الحيوانية" ذات النزعة "العالمية" الأشمل. إن "الإنسانية" هي المادة الأساسية العامة، التي يُنتقى من أفرادها من تتوافر فيهم شروط الأمة التي يراد بناؤها بناءً متماسكاً متلائماً قوياً وثابتاً. ومن الجهل بطبائع الأشياء، والغباء المطلق، الاكتفاء بمجرّد الاشتراك في "الإنسانية" أو في "الوطن" أو في "القوم" لتكوين أمة يراد لها الثبات والدوام والتعاون والتآخي والتواد، والاشتراك في بناء حضارة صحيحة، وتحقيق عيش سعيد بين أفرادها، رغم التباين والتناقض والتنافر بين أفرادها، في أفكارهم وعقائدهم ومذاهبهم ومصالحهم وأهوائهم ومناهج سلوكهم. فالدعوة إلى إقامة "الأمة الإنسانية" أو "الأمة العالمية" على زعم

стр. 263

الاكتفاء في تكوينها بشرط واحد، هو أن يكون العضو فيها من نوع البشر، دعوة باطلة، وفكرتها فكرة مزيفة ساقطة لا قيمة لها، سواء في الفكر السليم، أو في الواقع التطبيقي. ولا يمكن تحقيقها حتى يتجرّد الناس من عقولهم، ومفاهيمهم، وعقائدهم، وعواطفهم، وأنانياتهم، وانتماءاتهم الدينية، أو القومية، وأن يتجردوا أيضاً من أهوائهم ونزعات نفوسهم، وهذه لا بدّ أن تتناقض أو تتباين وتتخالف في الناس. وبعبارة أكثر اختصاراً: لا يمكن أن تتحقق "الأمة الإنسانية" الواحدة، حتى يتجرد الناس من "إنسانيتهم" وطبيعتها. * * * المخططون لدعوة الإنسانية وهدفهم منها: المطالعات الكثيرة، والخبرات الطويلة المتعددة، دلت أهل البحث والتدقيق، على أن أخطر وأعتى المخططين لدعوة "الإنسانية" وأفكار السلم العالمي، وإزالة الفوارق المختلفة بين الأمم والأقوام والشعوب مهما كان شأنها، هم اليهود. وهنا نتساءل فنقول: هل كان المخططون لدعوة "الإنسانية" يجهلون الحقائق التي جاء إيضاحها في الفقرة السابقة؟. إذا قلنا: نعم، فقد حكمنا على أنفسنا بعدم البصيرة، وعدم معرفتنا بشياطين التضليل في الأرض. لا شك أن الفكرة قد تخدع ببريقها المعجلين غير المجرّبين، لكنّها لا تخدع أصحاب العقول الحصيفة، والتجارب الواعية. ثمّ نقول: إذا كان المخططون لدعوة "الإنسانية" لا يجهلون زيفها وفسادها، وعدم صلاحيتها لتكوين أمة تستقر وتثبت، فما هو هدفهم من

стр. 264

الدعوة إليها، ونشرها بين الناس؟. وأقول: عن الإجابة على هذا التساؤل تأتي من استشفاف مضامين دعوة "الإنسانية". إن هذه الدعوة في مضامينها وثناياها تلح على الاكتفاء برباط الإنسانية وحده، وتحرض على نبذ كل ما يسبب الفرقة والانقسام من بعد ذلك. أما نبذ "الوطنية" واعتبار الأرض كلها وطناً واحداً، ونبذ القومية واعتبار الناس كلهم قومية واحدة، فهما أمران معلنان في دعوة "الإنسانية" وهما من عناصرها المكشوفة. لكن الهدف المهم والحقيقي الذي هو المقصود بالذات من دعوة "الإنسانية" إنما هو نبذ المبادئ والمذاهب والمعتقدات والنظم، التي تسبب الفرقة بين الناس، وأهم ما يجب في دعوة الإنسانية نبذه هو الدين. وأخطر الأديان التي تقف حاجزاً أمام مخطّطي دعوة "الإنسانية" هو الدين الإسلامي، إذ هو الطود العظيم الذي يريدون دكه والإجهاز عليه. فإذا نبذ الناس أديانهم ومبادئهم ومذاهبهم ونظمهم، تهيأت لأصحاب المكيدة الفرص المواتية للسيطرة على البشرية كلها، لأنها تكون حينئذٍ قطعاناً من السوائم البشرية، تتمتع كما تتمتع الأنعام، وتأكل كما تأكل. ثمّ يكون رعاة هذه السوائم هم أصحاب المكيدة أنفسهم، هكذا يقدّرون، ولو قُدِّر لهم أن يصلوا على ما يحلمون به، فسيقولون يومئذ: "ليس علينا في الأميين سبيل". أي: لنا أن نتحكّم فيهم كما نهوى ونشتهي، وأن نمتطي ظهورهم كما نشاء، وأن نستعبدهم ونذلّهم ونسخّرهم لمصالحنا وخدمة شعبنا، شعب الله المختار، وملكنا مَلِك العالم. هل لدعوة "الإنسانية" نصيب من التطبيق لدى الذين ينادون بها؟. تنطلق من حين لآخر دعوة "الإنسانية" على ألسنة الغربيين مرة،

стр. 265

وألسِنة الشرقيين أخرى، وعلى ألسنة اليهود حيناً، وألسنة النصارى حيناً آخر، وألسنة المجوس، والهندوك، والوثنيين، وغيرهم من شعوب الأرض. ولكن لا أحدَ من هؤلاء أو أولئك يطبّق من مفهوم "الإنسانية" التي ينادي بها شيئاً، متى كانت عصبيته القومية، أو الوطنية، أو المذهبية، أو الدينيّة، أو آراؤه السياسية، أو الاقتصادية أو غيرها، أو مصلحته الأنانية تقتضي عدم تطبيقها. إنه شعار لمطالبة الخصوم بتطبيق مفاهيمه، لا لمطالبة النفس بتطبيقها. إذا تمسك المسلمون بدينهم وأحكامه، أو بحقوقهم السياسية أو الاقتصادية أو غير ذلك، توجّه الناس ضدهم قائلين لهم: هذا تعصّب لا إنساني، أو هذه أعمال تتنافى مع "الإنسانية". أين تطبيق مفاهيم "الإنسانية" على السود في أمريكا؟ وعلى أصحاب البلاد الأصليين في جنوب أفريقية؟. أين تطبيق مفاهيم "الإنسانية" على الأكثرية المسلمة في الحبشة وأريتريا؟. وعلى الأقلية المسلمة في الفلبين؟ . وفي الهند؟ وعلى المسلمين وغيرهم في الاتحاد السوفياتي؟ وعلى جماهير المسلمين المطالبين بحقوقهم في أفغانستان والجيش الروسي يدمّر مدنه وقراه، ويقتل الرجال والنساء والأطفال بوحشية قذرة؟. أين تطبيق اليهود لمفاهيم "الإنسانية" على الفلسطينيين الذين سلبوا أرضهم وديارهم ويحاولون إبادتهم إبادة كلية، أو تطريدهم وتشريدهم. لم لا يتحرّك ضمير دعاة "الإنسانية" للمطالبة بحقوق الإنسان في طول الأرض وعرضها، إلا حينما يكون المسلمون هم أصحاب الحقّ والسيادة والسلطان. إن شعار "الإنسانية" شعار خداع، يرفع حيناً ضد بعض الناس، ويُطوى في سائر الأحيان. * * *

стр. 266

البَاب الرَّابعْ أئمّة وَمَذاهِبُ جُزئيّة في عُلُوم مختَلِفَة وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: "فرويد" ومدرسته في علم النفس. الفصل الثاني: "داروين" ومذهب التطوّر. الفصل الثالث: "دوركايم" وآراؤه في علم الاجتماع. الفصل الرابع: "برجسون" وآراؤه في نشأة الدين والأخلاق. الفصل الخامس: "سارتر" وآراؤه الفلسفية في الوجودية. الفصل السادس: "ميكا فيلّي" وفكرة: "الغاية تبرّر الوسيلة". الفصل السابع: "ماركوز" وآراؤه الثورية لإقامة ديكتاتورية حكم الأقلية الواعية. الفصل الثامن: "أوجست كونت" ودين الإنسانية.

стр. 267

الفصْل الأوّل فروُيْد وَمَدرَسَتُه في عِلْم النّفْس (١) من هو فرويد؟. سيجموند فرويد، عاش ما بين (١٨٥٦ - ١٩٣٩م) . يهوديٌّ من أبوين يهوديين، نمساوي. هو مؤسس مدرسة التحليل النفسي. اشترك مع "جوزيف بروير" في علاج السهتريا بالنُّوام، مفسّراً أعراضها بأنّها تعبيرات عضوية عن صدمات مكبوتة، وصراعات نفسية لا شعورية ترجع إلى الطفولة. ثمّ عمل منفرداً، وترك طريقة النُّوام، مستعيضاً عنها بطريقة التداعي الحرّ، مؤكداً أن الطاقة المسببة لأعراض الهستيريا التحوليّة هي طاقة جنسية. حاول "فرويد" تطبيق آرائه في تفسير نشأة المجتمع، والدين، والحضارة وتطوّرها.

стр. 268

(٢) دوافع آرائه في التحليل النفسي: هل دفعت القيادة اليهودية الخفية، ضمن خطّتها العامة، اليهوديّ الصهيوني "سيجموند فرويد" لوضع أفكارٍ وآراءٍ باسم "نظريات" في علم النفس، تهدم العقائد والأخلاق الدينية، وتخدم المخطّط اليهوديّ الخطير ضد شعوب الأرض جميعاً؟. لقد علمنا أن هذا المخطط اليهودي يرمي إلى استغلال النوازع والغرائز والشهوات ونوازغ الشر في الإنسان، بغية هدم أبنية الفكر الديني، ونشر الإلحاد والإباحية، وإشاعة الفساد في الأرض، لأن ذلك يفضي حتماً إلى تدمير الأمم والشعوب، وسلبها مادّة قوّتها ونظام تماسكها، وهذا يمهّد -بحسب تصوّر شياطين اليهود- لقيام الدولة اليهودية العالمية، القابضة على ناصية كل خيرات الأرض، ونواصي الشعوب والأمم. ومن النوازع الفردية التي جاء في المخطط اليهودي استغلالها، الأنانية المفرطة، وفكرة الحرية الفردية التي يراد لها أن تنطلق شرهة شرسة، وتتمرّد على كلّ ما يقيِّدها من دين، أو قانون، أو ضوابط اجتماعية، أو مبادئ أخلاقية. وبتنمية الأنانية المفرطة، وإطلاق الحرّية الفردية، تنطلق الشهوات والغرائز البَهَميّة، كما تنطلق الوحوش المفترسة من أقفاصها، ومع الرغبة بانتهاب اللذات دون ضابط يتسابق الناس إليها، ويتنازعون عليها، ثمّ يتصارعون ويتقاتلون، وبذلك يتم تفتيت الشعوب والأمم، ويتحقّق إضعاف قواها، وتمكين عدوّها منها، وهو قابعٌ في مخابئه، يترقّب تساقطها صريعة، نتيجة صراعاتها فيما بينها. (٣) مدرسة التحليل النفسي: قالوا: يرجع لفرويد الفضل في تأسيس أول مدرسة للتحليل النفسي.

стр. 269

وموقفنا الإسلام من التحليل النفسي يمكن تلخيصه بما يلي: * إننا لا ننكر أصل فكرة التحليل النفسي، وتأسيس مدارس له في علم النفس، ومتابعة الدراسات النفسية العلميّة، القائمة على الملاحظة والتجربة والإحصاءات الإنسانية، فذلك مما يدعو إليه واجب البحث العلمي الذي يمجّده الإسلام، ويرشد إليه القرآن. * وقد حثّ القرآن على دراسة النفس، وتوجيه النظر الباحث إلى أعماقها، بغية التعرّف على صفاتها وعناصرها الداخلية الهادية إلى معرفة الربّ الخالق الذي أتقن كلّ شيء صنعاً، فقال الله في سورة (الذاريات/٥١ مصحف/٦٧ نزول) : ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ . * وعرض القرآن طائفة كبيرة من صفات النفس، تشتمل على ثروة علمية عظيمة تهدي الباحثين من علماء النفس، ومنها بيان أنها أوتيت الموازين التي تميّز بها بين الخير والشر، فقال الله في سورة (الشمس/٩١ مصحف/٢٦ نزول) : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ . * وكان علماء التربية الإسلامية الذين قاموا بمهمّة تأديب جماهير المسلمين بآداب الإسلام، وتسليكهم مسالك الهداية، مهديّين بهدي دلالات كتاب الله وسنة رسوله أولَ من غاص إلى أعماق النفس الإنسانية، وحلّل دوافعها، واستطاع القَبض على أعنّتها، والسيرَ بها في طريق الأخلاق والآداب الإسلامية، والتساميَ بها إلى السلوك الأمثل، وإنقاذها من الأمراض والعقد المضنية لها، ونقلها إلى عالمٍ نفسيٍّ ربّاني تحيط به السعادة من كل جانب. فليس التحليل النفسيّ في أصوله جديداً على الفكر الإسلامي، بل هو أحد دعامات المربيين الأخلاقيين المسلمين. إلا أنه كان تحليلاً نظرياً وتطبيقيّاً معاً، ومدفوعاً بدافع الإيمان بالله واليوم الآخر، وباحثاً عن السعادة الأبدية، غير ناسٍ نصيب الإنسان من السعادة الدنيوية. بَيْد أنّ بعضهم ربّما وقع في بعض أخطاء، بسبب عدم تقيّده من جانبي منهج الحقّ بحدود مفاهيم القرآن الصحيحة، وسنّة الرسول القولية والعملية، وما كان عليه أصحاب رسول الله الذين تأدّبوا في مدرسته الربّانية العظيمة. * لكنّ التحليل النفسيّ الذي بدأه "فرويد" وأسس له مدرسة بحث، ساعده فيها عدد من تلاميذه اليهود وغيرهم، قد أقامه على أساسين فاسدين: الأساس الأول: الإلحاد بالله، وإنكار الغيبيات، واعتبار الإنسان ظاهرة ماديّة فقط، بما فيه من فكر، ونفس، وحياة. وهذا هو الأمر الأول الذي جعلته القيادة اليهودية السريّة دعامة الإفساد الأولى للمجتمع البشري. الأساس الثاني: الإباحة الجنسية، وحثّ الإنسان على ممارسة رغباته الجنسية بحريّة تامّة، لا تقف أمامها قيود دينية، أو أخلاقية، أو عادات وتقاليد اجتماعية، أو أية ضغوط من أي جهة كانت. وضمن المحافظة على هذين الأساسين انطلق "فرويد" في دراساته، ومعالجاته الطبّية النفسية، وكتابة أفكاره وآرائه في علم النفس، ووضعها في قوالب "نظريات" علمية. فلم يكن "فرويد" باحثاً متجرّداً نزيهاً من أوّل طريق البحث، بل كان باحثاً يريد تدعيم أساسَيْهِ الفاسدين عن طريق البحث الذي قد يجد فيه ما يستطيع تزيينه، وضمّ بعضه إلى بعض، ليتخذ منه بناءً فكريّاً مزخرفاً، يوهم به صحة أساسَيْهِ الفاسدين، الموضوعين في خطة التضليل ابتداءً. ولكنّ البحث العلمي - مهما كانت دوافعه - قد يشتمل على بعض عناصر جزئية، لو أخذت وحدها لكانت مفيدة في مجال المعرفة الصحيحة، بيد أنّ البناء الفكري الذي يقرره البحث، إذا أخذ جملة واحدة دون تمييز

стр. 270

ولا تمحيص، كان خطراً على المعرفة، ووبالاً على الحقيقة، وطمساً لمعالمها. ومع معا قدّمته أبحاث "فرويد" من خدمات حسنة في مجال التحليل النفسي، إلا أن عناصر الضعف ظلت بارزة في أبحاثه، لأنه أراد لها أن تخدم أساسيه الفاسدين. (٤) ما يهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره في علم النفس: ١- أقام آراءه وأفكاره - كما سبق بيانه - على الإلحاد بإنكار الخالق ، وإنكار الدين والأخلاق، واعتبار الإنسان كائناً ماديّاً ناتجاً عن تطوّر المادّة تطوّراً ذاتيّاً، فهو غير مكلّف من قوىً غيبيّة بمسؤولية، وغير متابع من قبلها بحساب ولا جزاء. ٢- وزعم "فرويد" أنّ كلّ سلوك الإنسان يرجع إلى دافع وحيد في كيانه منذ ميلاده حتى موته، ألا وهو الدافع الجنسي، فهو الدافع الوحيد في حياة الإنسان، وتتشكل ظواهره بأشكال كثيرة في سلوكه. ٣- لذلك ينبغي إعطاء الدافع الجنسي الحرّية المطلقة، ويجب عدم تقييده بأية قيود دينية، أو خلقية، أو قانونية , أو أسرية، أو عادات وتقاليد اجتماعية. وزعم أن مقتضيات الصحة النفسية تدعو إلى إطلاق هذا الدافع وعدم كبته. ٤- ادّعى أن كبت الدافع الجنسي هو المسؤول عن الإصابة بالأمراض العصبية في الناس ومنها الهستيريا، وأنّ كل مرض عصبي يمثّلُ اضطراباً في الوظائف الجنسية. والكبت الجنسيّ من فعل المجتمع والدين والأخلاق والتقاليد، فهي التي تحول دون تنفيس الإنسان عن رغباته، وتكبت غرائزه.

стр. 271

ولكي نمنع العقد النفسية والاضطرابات العصبية يجب أن نزيل هذه الحواجز، ويمارس الإنسان تلبية رغباته الجنسية بأية وسيلة، حمايةً له من أن يكون عرضة للإصابة بمرض عصبي. ٦- اخترع قصّةً خرافيّة من عنده، زعم أنّها حدثت في تاريخ البشرية، وأنها كانت السبب في ظهور الدين والأخلاق والتقاليد، وأنّها ما تزال تؤثر في حياة البشرية من مخزونات ما وراء الشعور في النفس. والقصة المختلفة هي أنّ الأولاد في العائلة القديمة شعروا بالرغبة الجنسيّة نحو أمهم، لكنّ أباهم كان حائلاً بينهم وبين تحقيق رغبتهم، فاجتمعوا عليه فقتلوه، ليستمتعوا بأمّهم، وكانت تلك أولى الجرائم التي ترتكب في السلالة الإنسانية. قال: وأحسّ الأولاد بالندم على قتل أبيهم، فقدّسوا ذكراه، وتحوّل هذا التقديس إلى عبادة، ومن ذلك نشأت أولى العبادات التي عرفتها البشرية، وهي عبادة الأب. ثمّ نزعت نفس كلّ واحد منهم للاستئثار بالأم، لكنهم وجدوا أنّه لن يتم ذلك ما لم يتقاتلوا، ولو فعلوا لَقَتل بعضهم بعضاً، فاتفقوا على أن لا يقربها أحدٌ منهم، فكان ذلك أول تحريم في العلاقات الجنسية، في تاريخ البشرية، وهو تحريم الأم. وزعم أن كل الديانات والحضارات التي ظهرت في الناس، قد نشأت من ذلك الحدث الخطير، ونشأ الكبت من فكرة التحريم. فالكبت منذ ذلك التاريخ هو طابع الحياة الإنسانية، بسبب وجود الدين والأخلاق والمجتمع وسلطة الأب، ونحو ذلك.

стр. 272

ويزعم أن كلّ الأطفال الذكور يصابون بعقدة "أوديب" في أول طفولتهم. ٧- أنكر الرؤى المنامية التي تستشفّ تنبُّؤات من الغيب، إذْ هو ينكر ما وراء المادة، فليس للنفس الإنسانية صلة بشيءٍ غيبي، أو بعلم غيبي، وما يطابق الواقع من ذلك فهو مصادفة. وزعم أن كلَّ ما يراه الإنسان في منامه فهو أحلام تعبّر عن رغبات حبيسة مخزونة فيما وراء الشعور، وهذه الأحلام لا تستطيع أن تظهر في عالم الواقع لأنها مكبوتة بوجود حارس في باب "اللاشعور" متيقّظ كل التيقظ في حالة اليقظة. وبما أنّ الكبت عند يرجع إلى الكبْت الجنسي، باعتبار أنّ الجنس في رأيه هو الدافع الوحيد في كيان الإنسان، فإنه يفسّر الأحلام تفسيرات تتصل بكبت الدافع الجنسي، وبكل ما يتصل بالجنس، وقَصَرَ الأحلام على بعض أنواعها، وأنكر الأحلام التي تنبئ عن أمور ستحدث في المستقبل. ٨- وحتّى لا تُرفضَ آراؤه في توحيدِ كلِّ الدوافع الإنسانية المختلفة بالدافع الجنسي، وهي دوافع يشعر بها الناس جميعاً في أنفسهم، وسَّع مفهوم الدافع الجنسي، وأطلق عليه كلمة "اللبيدو" وزعم أنه يشمل حياة الإنسان من الطفولة إلى الموت. و"اللبيدو" في التحليل النفسي هو القدر المتغيّر كميّاً من الطاقة الجنسية، والذي لا يمكن قياسه، والذي يوجّه عادة إلى شيء خارجي، فهو يحتوي على تلك الدوافع التي تتعلّق بالحبّ بالمعنى الواسع، والمكوّن الرئيسيّ له هو الحبّ الجنسي، كما أنّ هدفه هو الاتحاد الجنسيّ. إلا أنه يشمل أيضاً حبّ النفس، وحبّ الوالدين، والأطفال الصغار،

стр. 273

والصداقة، والتعلّق بأشياء واقعية، وحتى الإخلاص للأفكار المجرّدة. ويرى "فرويد" أن "اللبيدو" يتحوّل من عناصر جنسيّة، إلى عناصر أخرى غير جنسية لها قيمة اجتماعية، وسمّى ذلك تصعيداً أو إعلاءً. وبناءً على رأيه هذا فقد رد النشاطات الحضارية والفنية الإنسانية إلى أنها من آثار هذا الإعلاء لما أسماه "اللبيدو". * * * (٥) كشف الزيف: ظهر لنا أن آراء "فرويد" الخاصة تنطلق من أساسين: o الإلحاد بالله وإنكار الغيبيات واعتماد المادية. o الدعوة إلى الإباحة الجنسية، تعلّلاً بما زعمه كبتاً جنسيّاً، وبما يولّده هذا الكبت من أمراض عصبية. أما الإلحاد والمادّية فموضوع له في هذا الكتاب بحث خاصٌّ به، فلا داعي للاشتغال به هنا. وبقي موضوع الإباحة الجنسية، ومزاعم تبريرها بأنها تحمي من إصابة الإنسان بالكبت، الذي قد يولّد لديه أمراضاً عصبية، وموضوع إنكاره قسم الرؤى التي قد تَسْتَشِفُّ تنبّؤات من الغيب، إذا مكّن الله النفس الإنسانية من ذلك، حين يكون نائماً. أولاً: أمّا زعم "فرويد" انحصار دوافع الإنسان بالدافع الجنسي فقد تولّى تفنيده والردّ عليه وتزييفه علماء النفس في نظرياتهم. وأما دعوته الملحّة إلى الإباحية الجنسية، حماية للنفس من الكبت وآثاره المَرَضِيّة، التي عظّم من أمرها وهوّل، واعتبرها من الأخطار الجسيمة، التي لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بالتخلص منها، فزيف آرائه فيها شديد الظهور:

стр. 274

* لقد كشف زيفها واقع الإباحية الجنسية التي أخذ بها الغرب المادّي، والشرق الشيوعي المادي، فلم تنفع شعوبها شيئاً للتخلص من أمراضها النفسية القديمة، بل زادتها أمراضاً فوق أمراض، وآلاماً فوق آلام. إن الأمراض النفسية، والعقد النفسية، غدت من العلامات البارزة والعلل المتكاثرة، في البيئات الاجتماعية التي يكثر فيها الإلحاد، وتزداد فيها الإباحية الجنسية. * من أجل حماية الإنسان من الإصابة بالمرض العصبي، الذي قد يحدث عند نسبة قليلة جدّاً من ذوي الكبت، تجاهل ما تجلبه الفوضى الجنسيّة من أمراض خطيرة جداً، تنتشر في المجتمع البشري، وهي لا تنتشر إلا عن طريق الاتصالات الجنسيّة غير المشروعة، كمرض الزهري، ومرض الآيدز. وتجاهل ما تجلبه الفوضى الجنسية من مضارّ اجتماعيّة خطيرة، كاختلاط الأنساب، وفقد الرابطة الأسرية الحقيقية. وتجاهل ما تجلبه الفوضى الجنسية من قلق نفسيّ، وذلك لأن السكينة النفسية، التي يجلبها الزواج الشرعي المصون، تنعدم بالفوضى الجنسية، ويحل محلّها القلق والتوتر وعدم الارتياح. * يضاف إلى كل ذلك ما في الإباحية الجنسية من معصية للرب الخالق ، فالزنا عمل اتفقت على تحريمه الشرائع الربانية كلها. فوائد الضبط الجنسي في الإسلام: أمّا الإسلام بشريعته الربّانية الحكيمة، فقد ضمن للمسلم الملتزم بتنفيذ أحكامها سعادة الآخرة وسعادة الحياة الدنيا:

стр. 275

* لقد ضمن له سعادة الآخرة بطاعة الله. * وحماه في الحياة الدنيا من الكبت المضرّ، إذ حثه على الزواج، وحضّ المجتمع الإسلامي على أن يهيّء له سبله. * وحماه من الفوضى الجنسيّة الناشرة لأمراض وخيمة، والمسببة لأمراض ومضارٍ اجتماعية خطيرة. * وهيّأ للمسلم ظروف الأمن والطمأنينة النفسية السعيدة بأمرين: الأمر الأول: الإيمان بالله، والاعتماد عليه، والاستعانة به، والطمع بثوابه، والخوف من عقابه، والتطلع للعمل بمراضيه. الأمر الثاني: التربية الخلقية، التي تغرس في نفس المؤمن المسلم فضائل الأخلاق، ومحاسن الآداب، والاستقامة في السلوك على صراط الله. ومنهج الإسلام في موضوع الدافع الجنسي يشتمل على عنصرين: العنصر الأول: الحثّ على الزواج، ففي الزواج الضبط، وتلبية الدافع الجنسي بأفضل الصور وأسلمها. العنصر الثاني: حياة المسلم من الكبت ومن آثاره حين لا يتهيّأ له الزواج المشروع، وعماد هذه الحماية الأمور التالية: ١- الثقة بحكمة الله في قضائه وقدره، والتسليم الكامل لمقاديره، والأملُ بالثواب العظيم على العفة والصبر عن المعصية. فمن شأن هذا الأمر أن يمنح نفس المؤمن المسلم لربه الطمأنينة والرضى. ٢- التصعيد، ويكون بتوجيه النفس لعبادة الله , وفعل الخير، وتوجيه الإرادة لكل أمرٍ سامٍ يصرف همّةَ النفس وطاقاتها إلى الفضائل. ٣- معالجة الجسد، بتخفيف مثيرات الجنس فيه، كالصيام.

стр. 276

٤- إبعاد المسلم عن المثيرات، بما جاء في أحكام الإسلام من أوامر الستر، وكفّ البصر، ومنع الاختلاط. لذلك لا نجد الكبت ولا نتائجه المَرَضِيَّة عند المسلمين المطبقين لتعاليم الإسلام، وإنما قد نجده عند غيرهم. ونجد أخطر من الكبت ونتائجه عند الذين تحللوا من ضوابط العفة، وانطلقوا في أودية الفوضى الجنسية على ما يشتهون، ونجم عن إطلاقهم سُعارُ شبقٍ قذِر في أيّام فتوّتهم، وقد يستمر حتى شبابهم، ثمّ مهانة برود وضعف في أيّام كهولتهم وما بعد ذلك، وقد يحدث ذلك في أيَّام شبابهم. يضاف إلى ذلك ما شاع في بلاد هذه الفوضى الجنسية من أمراض جنسية ونفسية واجتماعية خطيرة، كانت نتيجة هذه الفوضى، وهي لم تكن في أسلافهم. فمن أجل درء خطر المرض النادر الذي يمكن تفاديه، باتباع أحكام الإسم ووصاياه، أسقطت أفكار الكبت والإباحية الفرويدية كثيراً من مجتمعات شعوب الأرض المختلفة، لا سيما الغرب المادي، والشرق الشيوعي المادي، في صنوف كثيرة من الآلام الفردية والاجتماعية. وكان ذلك من العقوبات المعجلة التي جعلها الله ضمن سننه في هذه الحياة الدنيا. أما العقوبات الأخروية فهي أشدّ وأقسى، ولعذاب الآخرة أشقّ لو كانوا يعلمون. * * * ثانياً: وأمّا إنكاره الرؤى المنامية التي هي من الله، وتستشف النفس بها تنبُّؤات من الغيب، فالكلام حوله من وجهين: الوجه الأول: ما تدل عليه ظاهرة هذه الرؤى الموجودة لدى معظم الناس قديماً وحديثاً، وانطباق كثير منها على الواقع المستقبلي الذي أنبأت

стр. 277

عنه، إذا كانت ذات دلالة تنبئ عن أمر سيقع في المستقبل. إن وجود هذه الظاهرة، وتكررها في الناس، في كلّ عصر، وفي كل أمّة، لا يفسّر بأنه مجرّد مصادفة، كما زعم "فرويد". يضاف إلى ذلك أن بعض أهل تعبير الرؤيا قد يدركون دلالاتها قبل وقوعها إدراكاً ظنياً، ثمّ تتحقق تعبيراتهم، ويصّدق الواقع إدراكهم الظنّي. ثمّ إن كثيراً من الناس يسترجعون ذكريات الرؤيا ويدركون دلالتها بعد تحقق ذلك في الواقع، فحين تقع ينكشف لهم أنها كانت أنباءً استشفها النفس من وراء حجب الغيب بإذن الله. والرؤى المنامية قد تكون دلالتها واضحة صريحة، وقد تكون دلالتها إشارية أو رمزية، أو مقلوبة الصورة، أو عكسها، أو ضدّها، أو مثال نفسية الذي دلّ عليه المرئي. ولكثرة ما نلاحظ من قصص الرؤى التي يحكيها الناس، ويذكرون انطباقها على ما جرى لهم في حياتهم بعد رؤيتها لهم والتجارب الشخصية الكثيرة في ذك، نكاد نؤكد أن معظم الناس قد مرّ في حياتهم رؤيا منامِيَّة أو أكثر انطبقت فعلاً على ما جرى لهم بعدها. والرؤى التي تنبيء عن أمور ستحدث، ثمّ تقع بعد ذلك، هي بمثابة برهان من الله على قضائه وقدره في عباده وعلى شمول علمه، وهي تدل على أن عالم الغيب حقيقة. وما يدل على ثبوت القضاء والقدر السابق أو وجود علم سابق بما سيحدث، يهدي إلى الإيمان بالله، ثمّ إلى الإيمان بما جاء من عند الله في كتبه، وفي بيانات رسله. وهذا النوع من الرؤى، قد يُعين الله به الشاكّين في الله، وفي قضائه وقدره وعلمه الشامل، إذ يكون لهم دليلاً على ذلك، فتطمئن قلوبهم بالإيمان، وبأن عالم الغيب حقيقة.

стр. 278

الوجه الثاني: ما جاء في البيانات الدينيّة حول الرؤى المنامية: ١- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: " لم يبق من النبوّة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة" - رواه البخاري. وعن عطاء بن يسار أنه قال: جواباً لسؤالهم "الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له" - رواه مالك. ٢- وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله: "الرؤيا الصالحة من الله، والحُلْم من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم ما يُحبُّ فلا يُحدِّثْ به إلا من يُحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره ". رواه البخاري ومسلم. ٣- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "إذا اقترب الزمان لم يكد تكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب ". قال محمد بن سيرين: وأنا أقول: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصلّ. رواه البخاري ومسلم. ٤- وعن جابر قال: جاء رجلٌ إلى النبي فقال: رأيت في المنام كأنّ رأسي قطع. قال: فضحك النبي وقال: " إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدّث به الناس" رواه مسلم. ٥- وعن ابن عمر، أن رسول الله قال: " مِن أفرى الفِرَى أن يُريَ الرجُلُ عينيه ما لم تَرَيا" رواه البخاري. أي: من أكذب الكذب المفترى، أن يدعي الإنسان أنه رأى في منامه شيئاً، وهو لم ير ذلك الشيء.

стр. 279

٦- وعن ابن عبّاس عن النبي قال: " من تحلّم بحُلْم لم يَرَه، كُلّف أن يَعْقِدَ بين شعيرتين، ولن يَفْعل". وفي رواية عند الإمام أحمد: "عُذّب حتى يعقد بين شعيرتين وليس عاقداً". أي: كان عذابه يوم القيامة أن يكلّف أن يعقد بين شعيرتين، فإن لم يستطع عُذّب، وهو لن يستطيع ذلك، والسبب في ذلك أن الكذب في الرؤى المنامية فيه طرف من الكذب على الله، لأن الرؤيا الصالحة من الله، كما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن قتادة عن النبي. ٧- وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق. ورؤيا يحدث الرجل بها نفسه. ورؤيا تَحْزِين من الشيطان". أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. وذكر ابن حجر في الفتح أنّ الحصر في هذه الأنواع الثلاثة غير مراد، لثبوت أنواع أخرى ذكر منها ما يلي: o ما يهمّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه. o تلاعب الشيطان. o رؤيا ما يعتده الرائي في اليقظة، كمن عادته أن يأكل في وقت، فنام فيه فرأى أنه يأكل. o ومنها الأضغاث، وهي الأخلاط المجتمعة، كحزم الحشيش التي فيها أصناف مختلفة. فأنواع الرؤيا التي وردت في السنَّة سبعة: النوع الأول: الرؤيا الحق، التي هي من الله، والتي هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، ووصفت بأنها الرؤيا الصالحة، وبأنها بشرى من الله. النوع الثاني: الرؤيا التي يُحدّث الإنسان بها نفسه.

стр. 280

النوع الثالث: الرؤيا التي هي حُلْمٌ، وفيها تحزين من الشيطان، وتنذر به بشرّ، والسنة ترشد المسلم أن يتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، إذا رأى شيئاً منها، وأن يتفل ثلاثاً عن شماله، وأن لا يُحدّث بها أحداً. النوع الرابع: ما يهمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه. النوع الخامس: تلاعبٌ يتلاعبه الشيطان بالإنسان، وهو لا دلالة له، والسنّة أن لا يحدّث المسلم بها أحداً. النوع السادس: رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة. النوع السابع: رؤيا الأضغاث. وأرى أن بعض هذه الأنواع التي ذكرها ابن حجر قد تتداخل. ٨- وقد ثبت في الصحيح أن أوّل ما بُدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح". رواه البخاري. ٩- وقد أثبت القرآن العظيم الرؤى في نصوص متعدِّدة، فمن أنكرها فهو في حكم الإسلام كافر لا محالة. أ- فمنها رؤيا يوسف وهو غلام، وقد عرضتها سورة "يوسف" قال الله تعالى فيها: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ . وقد تحققت فيما بعد هذه الرؤيا. ب- ومنها ما رآه رفيقا يوسف ﵇ في السجن، وتعبير يوسف عليه السلام

стр. 281

لهما رؤيَيَاهُما، وتحقق تعبيره كما عبّر. جـ- ومنها ما رآه فرعون مصر في عهد يوسف وهو في السجن، إذْ رأى سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، وتعبير يوسف ﵇ هذه الرؤيا، ثمّ تحققها كما عبّر. د- ومنها الرؤيا التي رآها الرسول أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام، فلمّا صُد عام الحديبية عن البيت طعن المنافقون في ذلك وقالوا: أين رؤياه، فأدخله الله مكة في العام التالي، وأنزل قوله في سورة (الفتح/٤٨ مصحف/١١١ نزول) : ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ فهذه الآية تدل على أن الرؤيا الحق هي من الله، لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ . فالتكذيب بالرؤى التي هي من الله إنكار لحقيقة من الحقائق الكونية، التي هي من سنن الله في خلقه، وإنكار لظاهرة إنسانية موجودة في الناس في كل عصورهم، وكلّ أجناسهم وعقائدهم ومذاهبهم. وآراءُ فرويد وكلّ الماديين الذين ينكرون الغيبيات حول تفسير ظاهرة الأحلام، هي من قبيل حصر هذه الظاهرة ببعض أنواعها، وآراؤهم في هذا نابعة من إنكارهم للروح، ولكلّ ما وراء المادّة من قوى، وإنكارهم لله ، ولقضائه وقدره، ولعلمه الشامل لما كان، ولما هو كائن، ولما سيكون في المستقبل، وقصر تفسيراتهم للظواهر على التفسيرات الماديّة التي تتناول الماضي والحاضر فقط. لقد أنكروا الوحي الرباني الذي اختص الله به أنبياءه ورسله، ودلّت المعجزات الباهرات عليه، وكان الوسيلة لتبليغ دين الله الذي اصطفاه الله لعباده، أفلا ينكرون الرؤيا الصالحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزءاً

стр. 282

من النبوة، كما جاء في الصحيح من كلام الرسول. لقد انقطعت النبوات بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، ولم يبق منها إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم لنفسه، أو يراها غيره له. إن النبوة لا تتحقق في الإنسان الذي يصطفيه الله بها، ما لم تتوافر فيه خصائص تصله بعالم الغيب، وبالوحي، مجموعها ستة وأربعون جزءاً، والرؤيا الصالحة الصادقة جزء واحد من هذه الأجزاء، فهي ليست نبوة، لكن تنبيء عن استعداد في تكوين الإنسان بمقدار جزءٍ من ستة وأربعين جزءاً، وأنى له أن يستكمل سائر الأجزاء، ولو استكملها فلا يكون نبياً إلا بالاصطفاء الرباني. ولست أدري هل توجد علاقة بين هذا العدد (٤٦) الذي ذكره الرسول وبين عدد كروموسومات الإنسان التي هي (٤٦) كما يقرر علماء الأحياء، وهل الاستعداد الذي يجعل الإنسان مؤهلاً لاستقبال الرؤيا الصالحة التي هي من الله، هو من جهة كروموسوم واحد من كروموسوماته الـ (٤٦) أما النبي فاستعداده يكون من كل كروموسوماته؟. موضوع يدعو إلى التساؤل، وقد يكشف البحث العلمي في المستقبل ما يؤكد صحة هذه العلاقة، والله أعلم. * * * نظرة نقدية إلى آراء فرويد في علم النفس بمنظار النقد المعاصر: إذا تجاوزنا كلّ ما سبق، ونظرنا إلى آراء فرويد الخاصة نظرة موضوعيّة غير متحيّزة، فإننا نجدها منتقدة ومتخلّفة جدّاً في مجال الدراسات النفسية المعاصرة. أمّا فكرة تحليل دوافع الأنفس إلى السلوك فهي فكرة إنسانية قديمة، وليست هي بحد ذاتها من مبتكرات "فرويد". إلا أن هذا الرجل قد أفرط في السبح الخيالي في تحليل تصرفات الإنسان، إفراطاً حشد فيه أوهاماً

стр. 283

وفرضيات أقرب ما تكون إلى التخريف المطلق منها إلى الدراسة العلمية الموضوعيّة. بيد أنه باتجاهه ودراساته نبّه الباحثين النفسيين إلى البحث الموضوعي في مجال التحليلات النفسية، حتى تكونت مدارس التحليل النفسي في عالم العلم، وأصبحت مدرسة "فرويد" اليهودية في نظر العلماء بدائيّة ومتخلّفة جداً. والسبب في هذا أن "فرويد" قد كان مسخراً أساساً لمحاربة الأديان، وتهديد القيم الخلقية والاجتماعية، وقد فرضت عليه الخطة اليهودية العالمية أن يضع نظريةً تتستر بالعلم لتحقيق هذه الغاية، فاستخدم التحليل النفسي طريقاً إلى ذلك. كما استخدم غيرُه من اليهود طرقاً أخرى تحت ستار البحث العلمي، لتحقيق الغاية نفسها. وطبيعيٌّ في الدراسة العلمية الموجهة أساساً لإبطال حقيقة من الحقائق، أن تكون مُكرهةً على أن تصوغ أفكاراً تجمع في ثناياها بعض الحقائق للتمويه، وأن تحشر تخيّلات وأوهاماً وافتراضات لا سند لها من الواقع. كمثل القصور التي يقيمها الممثلون في مسارح التمثيل، لها زوايا صلبة، خشبية أو حديدية، أما الجدران وسائر البناء فأوراق ملوّنة مصبوغة، أو أقمشة مصبوغة بلون حجارة البناء، فهي في حقيقتها وهم وخداع تمزّقه أية يدٍ تمتدّ إليه بالفحص. وأقتبس هنا نقداً موضوعياً لمدرسة "فرويد" مما كتبه صديقنا الدكتور "عبد الحميد الهاشمي" وهو نقد مؤلف من النقاط التالية: ١- إن آراء "فرويد" هي أولاً وقبل كل شيء أفكار افتراضية، وليست من الحقائق النفسية أو المبادئ العلمية التي أثبتتها التجارب، أو صدّقتها الملاحظة العلمية.

стр. 284

فليس لآراء "فرويد" تلك الهالة التي حاول بعض مناصريها أن يلبسوها ثوب الحقائق العلمية، فبعض الجهات العالمية تحاول أن تحيطها بالدعاية لتحقيق أهداف لها تنتج عن ترويجها والإقناع بها. ٢- تعتبر آراء "فرويد" امتداداً لفلسفة أفلاطونية، إلا أن أفلاطون كما هو معروف في فلسفته كان يحاول أن يسير بالنفس الإنسانية نحو المثالية، أما "فرويد" فقد تشبّث - كما يقول تلامذته- بالدافع الجنسي، ليظلّ هو الدافع، والوسيلة، والغاية. والواقع أن الصحة النفسية إذ تسعى للإشباع الشرعي المعترف به، فإنها تدعو إلى الضبط والاتزان، لأن الحقيقة العضوية (الفسيولوجية) والنفسية تؤكد أن الإشباع الفوضوي المطلق يزيدها تفتّحاً، وتصبح الشغل الشاغل، ومن أجل هذا فالصحة النفسية في مناهجها التكوينية، والوقائية، والعلاجية، دعت إلى التسامي والإبدال، بجانب دعوتها إلى الإشباع المشروع. ٣- لقد اعتمد "فرويد" في آرائه على الحالات الشاذة المرضية التي كان يعالجها في مرضاه، ويكمن الخطأ العلمي في التعميم الذي أطلقه "فرويد" إذ أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذّ عند المصابين. وهذه النقطة أخذها عليه زملاؤه وتلامذته في العلاج النفسي، وانفصلوا بها عن جماعته، ثمّ عارضوا آراءه وأفكاره بآراء وأفكار أخرى عُرفوا بها. ٤- تأثره بالأساطير اليونانية واضح. ٥- يعلّق "روبرت ودورث" على أفكاره وآرائه بقوله: "ولو بحثت عن رأيي الشخصي في "سيكولوجيا" فريود، لكان علي أن أقول: إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحاً بأي معنى مطلق. ولا أن يوضع في مصاف النظريات العلمية الكبرى، التي تربط المعرفة الراهنة. فإنها بكائناتها وثناياها تبدو متخلّفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام".

стр. 285

وإذا عملنا أن البروفسور "روبرت ودورث" يعتبر من رواد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى في كتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي، وعلم النفس الديناميكي، ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي، ولهيئة علماء النفس الأمريكيين. إذا علمنا ذلك أدركنا أن آراء فرويد تمثل في تطوّر الدراسات النفسية مرحلة بدائية متخلّفة، لا ينبغي الوقوف عندها في مجال علم النفس الحديث. ٦- إن آراء فرويد وأفكاره تعكس الحياة المتناقضة الشاذة للمجتمع الغربي، بعد النهضة الصناعية المادية، وانتشار الاختلاط المطلق، وشيوع الإباحية بشتى أسمائها وسماها، نتيجة الترف والغرور الأوروبي، في عنفوان العهد الاستعماري. فكانت آراؤه وأفكاره انعكاساً أو تبريراً للواقع الشاذ، وليست دراسة علمية دقيقة تنظر إلى المشكلة من جميع أسسها. ٧- والخطأ العلمي الكبير أن آراء "فرويد" تحاول تفسير السلوك الإنساني بنظرة جانبية جزئية، إذ حاول فرويد أن يحدد السلوك الإنساني بدافع الجنس. ولقد قام لمناهضة هذا التفسير الجانبي والمتحيز عدة علماء نفسيين، لهم وزنهم العلمي حتى يومنا هذا غير من تقدم ذكرهم. ولعل أعظمهم في ذلك "وليم مكدوجل" الذي ناهض هذا التفسير الضيق والمتحيز في كتابه "تخطيط علم النفس" سنة (١٩٢٣م) وفيه يرُدّ على كلٍّ من "فرويد" و"يونج" و"كارل" لتحديدهم دوافع السلوك البشري، بدافع واحد، أو اثنين.
следующие страницы →