Полный текст (717 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لهما رؤيَيَاهُما، وتحقق تعبيره كما عبّر.
جـ- ومنها ما رآه فرعون مصر في عهد يوسف وهو في السجن، إذْ رأى سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، وتعبير يوسف ﵇ هذه الرؤيا، ثمّ تحققها كما عبّر.
د- ومنها الرؤيا التي رآها الرسول أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام، فلمّا صُد عام الحديبية عن البيت طعن المنافقون في ذلك وقالوا: أين رؤياه، فأدخله الله مكة في العام التالي، وأنزل قوله في سورة (الفتح/٤٨ مصحف/١١١ نزول) :
﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾
فهذه الآية تدل على أن الرؤيا الحق هي من الله، لقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ .
فالتكذيب بالرؤى التي هي من الله إنكار لحقيقة من الحقائق الكونية، التي هي من سنن الله في خلقه، وإنكار لظاهرة إنسانية موجودة في الناس في كل عصورهم، وكلّ أجناسهم وعقائدهم ومذاهبهم.
وآراءُ فرويد وكلّ الماديين الذين ينكرون الغيبيات حول تفسير ظاهرة الأحلام، هي من قبيل حصر هذه الظاهرة ببعض أنواعها، وآراؤهم في هذا نابعة من إنكارهم للروح، ولكلّ ما وراء المادّة من قوى، وإنكارهم لله ، ولقضائه وقدره، ولعلمه الشامل لما كان، ولما هو كائن، ولما سيكون في المستقبل، وقصر تفسيراتهم للظواهر على التفسيرات الماديّة التي تتناول الماضي والحاضر فقط.
لقد أنكروا الوحي الرباني الذي اختص الله به أنبياءه ورسله، ودلّت المعجزات الباهرات عليه، وكان الوسيلة لتبليغ دين الله الذي اصطفاه الله لعباده، أفلا ينكرون الرؤيا الصالحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزءاً
стр. 282
من النبوة، كما جاء في الصحيح من كلام الرسول.
لقد انقطعت النبوات بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، ولم يبق منها إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم لنفسه، أو يراها غيره له.
إن النبوة لا تتحقق في الإنسان الذي يصطفيه الله بها، ما لم تتوافر فيه خصائص تصله بعالم الغيب، وبالوحي، مجموعها ستة وأربعون جزءاً، والرؤيا الصالحة الصادقة جزء واحد من هذه الأجزاء، فهي ليست نبوة، لكن تنبيء عن استعداد في تكوين الإنسان بمقدار جزءٍ من ستة وأربعين جزءاً، وأنى له أن يستكمل سائر الأجزاء، ولو استكملها فلا يكون نبياً إلا بالاصطفاء الرباني.
ولست أدري هل توجد علاقة بين هذا العدد (٤٦) الذي ذكره الرسول وبين عدد كروموسومات الإنسان التي هي (٤٦) كما يقرر علماء الأحياء، وهل الاستعداد الذي يجعل الإنسان مؤهلاً لاستقبال الرؤيا الصالحة التي هي من الله، هو من جهة كروموسوم واحد من كروموسوماته الـ (٤٦) أما النبي فاستعداده يكون من كل كروموسوماته؟.
موضوع يدعو إلى التساؤل، وقد يكشف البحث العلمي في المستقبل ما يؤكد صحة هذه العلاقة، والله أعلم.
* * *
نظرة نقدية إلى آراء فرويد في علم النفس بمنظار النقد المعاصر:
إذا تجاوزنا كلّ ما سبق، ونظرنا إلى آراء فرويد الخاصة نظرة موضوعيّة غير متحيّزة، فإننا نجدها منتقدة ومتخلّفة جدّاً في مجال الدراسات النفسية المعاصرة.
أمّا فكرة تحليل دوافع الأنفس إلى السلوك فهي فكرة إنسانية قديمة، وليست هي بحد ذاتها من مبتكرات "فرويد". إلا أن هذا الرجل قد أفرط في السبح الخيالي في تحليل تصرفات الإنسان، إفراطاً حشد فيه أوهاماً
стр. 283
وفرضيات أقرب ما تكون إلى التخريف المطلق منها إلى الدراسة العلمية الموضوعيّة.
بيد أنه باتجاهه ودراساته نبّه الباحثين النفسيين إلى البحث الموضوعي في مجال التحليلات النفسية، حتى تكونت مدارس التحليل النفسي في عالم العلم، وأصبحت مدرسة "فرويد" اليهودية في نظر العلماء بدائيّة ومتخلّفة جداً.
والسبب في هذا أن "فرويد" قد كان مسخراً أساساً لمحاربة الأديان، وتهديد القيم الخلقية والاجتماعية، وقد فرضت عليه الخطة اليهودية العالمية أن يضع نظريةً تتستر بالعلم لتحقيق هذه الغاية، فاستخدم التحليل النفسي طريقاً إلى ذلك.
كما استخدم غيرُه من اليهود طرقاً أخرى تحت ستار البحث العلمي، لتحقيق الغاية نفسها.
وطبيعيٌّ في الدراسة العلمية الموجهة أساساً لإبطال حقيقة من الحقائق، أن تكون مُكرهةً على أن تصوغ أفكاراً تجمع في ثناياها بعض الحقائق للتمويه، وأن تحشر تخيّلات وأوهاماً وافتراضات لا سند لها من الواقع.
كمثل القصور التي يقيمها الممثلون في مسارح التمثيل، لها زوايا صلبة، خشبية أو حديدية، أما الجدران وسائر البناء فأوراق ملوّنة مصبوغة، أو أقمشة مصبوغة بلون حجارة البناء، فهي في حقيقتها وهم وخداع تمزّقه أية يدٍ تمتدّ إليه بالفحص.
وأقتبس هنا نقداً موضوعياً لمدرسة "فرويد" مما كتبه صديقنا الدكتور "عبد الحميد الهاشمي" وهو نقد مؤلف من النقاط التالية:
١- إن آراء "فرويد" هي أولاً وقبل كل شيء أفكار افتراضية، وليست من الحقائق النفسية أو المبادئ العلمية التي أثبتتها التجارب، أو صدّقتها الملاحظة العلمية.
стр. 284
فليس لآراء "فرويد" تلك الهالة التي حاول بعض مناصريها أن يلبسوها ثوب الحقائق العلمية، فبعض الجهات العالمية تحاول أن تحيطها بالدعاية لتحقيق أهداف لها تنتج عن ترويجها والإقناع بها.
٢- تعتبر آراء "فرويد" امتداداً لفلسفة أفلاطونية، إلا أن أفلاطون كما هو معروف في فلسفته كان يحاول أن يسير بالنفس الإنسانية نحو المثالية، أما "فرويد" فقد تشبّث - كما يقول تلامذته- بالدافع الجنسي، ليظلّ هو الدافع، والوسيلة، والغاية.
والواقع أن الصحة النفسية إذ تسعى للإشباع الشرعي المعترف به، فإنها تدعو إلى الضبط والاتزان، لأن الحقيقة العضوية (الفسيولوجية) والنفسية تؤكد أن الإشباع الفوضوي المطلق يزيدها تفتّحاً، وتصبح الشغل الشاغل، ومن أجل هذا فالصحة النفسية في مناهجها التكوينية، والوقائية، والعلاجية، دعت إلى التسامي والإبدال، بجانب دعوتها إلى الإشباع المشروع.
٣- لقد اعتمد "فرويد" في آرائه على الحالات الشاذة المرضية التي كان يعالجها في مرضاه، ويكمن الخطأ العلمي في التعميم الذي أطلقه "فرويد" إذ أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذّ عند المصابين.
وهذه النقطة أخذها عليه زملاؤه وتلامذته في العلاج النفسي، وانفصلوا بها عن جماعته، ثمّ عارضوا آراءه وأفكاره بآراء وأفكار أخرى عُرفوا بها.
٤- تأثره بالأساطير اليونانية واضح.
٥- يعلّق "روبرت ودورث" على أفكاره وآرائه بقوله:
"ولو بحثت عن رأيي الشخصي في "سيكولوجيا" فريود، لكان علي أن أقول: إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحاً بأي معنى مطلق. ولا أن يوضع في مصاف النظريات العلمية الكبرى، التي تربط المعرفة الراهنة.
فإنها بكائناتها وثناياها تبدو متخلّفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام".
стр. 285
وإذا عملنا أن البروفسور "روبرت ودورث" يعتبر من رواد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى في كتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي، وعلم النفس الديناميكي، ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي، ولهيئة علماء النفس الأمريكيين. إذا علمنا ذلك أدركنا أن آراء فرويد تمثل في تطوّر الدراسات النفسية مرحلة بدائية متخلّفة، لا ينبغي الوقوف عندها في مجال علم النفس الحديث.
٦- إن آراء فرويد وأفكاره تعكس الحياة المتناقضة الشاذة للمجتمع الغربي، بعد النهضة الصناعية المادية، وانتشار الاختلاط المطلق، وشيوع الإباحية بشتى أسمائها وسماها، نتيجة الترف والغرور الأوروبي، في عنفوان العهد الاستعماري.
فكانت آراؤه وأفكاره انعكاساً أو تبريراً للواقع الشاذ، وليست دراسة علمية دقيقة تنظر إلى المشكلة من جميع أسسها.
٧- والخطأ العلمي الكبير أن آراء "فرويد" تحاول تفسير السلوك الإنساني بنظرة جانبية جزئية، إذ حاول فرويد أن يحدد السلوك الإنساني بدافع الجنس.
ولقد قام لمناهضة هذا التفسير الجانبي والمتحيز عدة علماء نفسيين، لهم وزنهم العلمي حتى يومنا هذا غير من تقدم ذكرهم.
ولعل أعظمهم في ذلك "وليم مكدوجل" الذي ناهض هذا التفسير الضيق والمتحيز في كتابه "تخطيط علم النفس" سنة (١٩٢٣م) وفيه يرُدّ على كلٍّ من "فرويد" و"يونج" و"كارل" لتحديدهم دوافع السلوك البشري، بدافع واحد، أو اثنين.
стр. 286
أما "مكدوجل" فقد ذكر عدة دوافع سماها غرائز، وقد أوصلها بعد عدة تعديلات إلى عشرة غرائز أو تزيد، منها غريزة الأبوّة في حماية الصغار، وغريزة المقاتلة مع انفعال الغضب، وغريزة الهروب من الخطر مع انفعال مصحوب بالخوف، وغريزة حب الاستطلاع، وغريزة تقدير الذات مع الشعور بالتفوق، وغريزة البحث عن الطعام، وغريزة التجمّع مع الشعور بالعُزْلة. وغيرها من الغرائز.
٨- في آراء "فرويد" المتحيزة نحو التفسير الجنسي، دافعاً لكل سلوك، يتجلى التفكير اليهودي، الذي اشتهر به اليهود منذ أيامهم الأولى، في اتهامهم لبعض أنبيائهم، وفي معاملتهم للأمم التي عاشوا معها، وهو تحيّز مقصود ومخطّط، خدمة للسياسة اليهودية العالمية بعيدة المدى.
(٦)
مع المتتبعين لهويّة "فرويد" وأهدافه:
١- أثبت المتتبعون لفرويد: أنه يهودي متعصب ليهوديته. وأنه صديق حميم لليهودي "تيودور هرتزل" مؤسس الصهيونية الحديثة. وأن التحليلات النفسية التي قدمها تحت ستار الدراسة العلمية المتجردة إنما صاغها على الوجه الذي قدّمها به، ليخدم القضية اليهودية الصهيونية في العالم. وأن الإلحاد الذي أعلنه لم يكن إلا رداءً ظاهرياً ليفتن المنتمين إلى دين غير اليهودية عن أديانهم، فيكونوا ملحدين، وهو في حقيقة وجدانه يهودي متمسك بيهوديته شديد التعصب لها، وصهيونيٌّ يخدم عن طريق دعاوى البحث العلمي المتجرد أغراض الصهيونية.
٢- ومن الذين تتبعوا "فرويد" تتبعاً واسعاً "د. صبري جرجس" في كتابه: "التراث اليهودي الصهيوني والفكر الفرويدي".
لقد وضع هذا الباحث أصابعه على كثير من آراء "فرويد" المقتبسة من جذور التراث اليهودي الصهيوني.
стр. 287
وأوضح في كثير من المناسبات ما يجعل كثيراً من آرائه محلاً للريبة، أو الجزم بأنه إنما وضعها لخدمة أغراض اليهودية العالمية، ولم يضعها على أساس دراسات علمية متجرّدة، ثمّ حملت الدعايات اليهودية العالمية آراءه، وروّجت لها في جميع الأوساط العلميّة والثقافية.
ثمّ وضع اليهود كل ثقلهم الكيدي في العالم لجعل آراء "فرويد" معارف علمية تدرّس في الجامعات في الغرب والشرق، على أنها فتح في ميادين العلم، وذلك ضمن الخطط اليهودية المرسومة ضد شعوب العالم، ولمصلحة الشعب اليهودي فقط.
ثمّ رفعت وسائل الإعلام اليهودية العالمية "فرويد" إلى منزلة غير عادية.
وحمله ملاحدة مختلف الشعوب على رؤوسهم، وداروا به في أرجاء الأرض تمجيداً وإكباراً.
٣- يقول "فرويد" عن نفسه:
"ولدتُ في ٦ مايو ١٨٥م، في مدينة "فريبور" بمقاطعة "مورافيا" بجمهورية تشيكوسلوفاكيا الحالية، وقد كان والداي يهوديين، وظللت يهودياً أنا نفسي".
٤- وتقول "شويزي"، وهي محللة نفسية من خاصة "فرويد" وذات معرفة به، وصلة وثيقة:
" إن إلحاد فرويد لم يكن إلا إلحاداً زائفاً، لأنه تركه بعد ذلك، متشبثاً باليهودية الصهيونية، وفياً لها، سائراً في طريقها، منفذاً لمخططاتها ".
٥- وقد انخدعت بمكيدته مدارس كثيرة من مدارس التحليل النفسي، وزعمته باحثاً حيادياً، ومكتشفاً مبدعاً في مجال دراساته التي قدّمها، وكان للعصابة اليهودية التي انتمت إلى مدرسته أثر عظيم في الترويج لأفكاره وآرائه، وكان من ورائه أجهزة الإعلام اليهودية المنبثة في العالم.
стр. 288
٦- وإذ كان "فرويد" يهودياً في أعمق وجدانه، كان شديد الحساسية لأية بادرة يشتبه في اتجاهها المضاد لليهود.
وقد كانت استجابته لجميع هذه المواقف عنيفة أشد العنف.
وعلى الرغم من أنه لم يتعرّض في حياته لأي اضطهاد من أجل يهوديته، إلا أنه كان يشعر بالاضطهاد في داخل نفسه من أجل كونه يهودياً، لذلك كان ينطوي على نفسه، وداخل دائرة من أصدقائه، وكلهم من اليهود، وكان لا يأنس إلى صديق ولا يطمئن إليه إلا أن يكون يهودياً.
ونقل عنه "جونز" مؤرخ سيرته أنه قال ذات مرة: "إنه يهودي، وليس نمساوياً أو ألمانياً".
وتساءل "ماكس جراف" أمامه ذات مرة، عما إذا كان من الخير أن يوجه اليهود أبناءهم لاعتناق المسيحية إذا اقتضى الأمر ذلك، فإذا بفرويد يعترض شدة قائلاً:
" إذا لم تنشيء طفلك على أنه يهودي، فسوف تحرمه من مصدر طاقة لا يمكن أن يُعوّض بشيء آخر، إن عليه وهو يهودي أن يكافح، ومن واجبك أن تنمّيَ في نفسه كل الطاقة اللازمة لذلك الكفاح، فلا تحرمه من هذه الميزة".
٧- وأكّد "د. صبري جرجس" أن "فرويد" كان صهيونياً، وصديقاً لهرتزل، مؤسس الصهيونية الحديثة. وأنه كان عضواً في بعض المنظمات الصهيونية العاملة.
فمن الحقائق المعروفة أنه انضم إلى جمعية "بناي برث" الصهيونية، أي: جمعية أبناء العهد. وكان انضمامه إليها سنة (١٨٩٥م) وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، وهذا الجمعية لا تقبل في أعضائها غير اليهود، وقد صرّح رئيس وفد هذه الجمعية الأمريكي الجنسية، في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد بمدينة "بال" في "سويسرا" عام (١٨٩٧م) بقوله:
стр. 289
" علينا أن ننشر روح الثورة بين العمّال، وهم الذين سندفع بهم إلى خطوط دفاع العدو، موقنين بأنه لا نهاية لرغباتهم، ونحن بأمسّ الحاجة إلى تذمّرهم، لأنه السبيل إلى تخريب المدنية المسيحية، والوصول سريعاً إلى الفوضى فيهم، ولسوف يحين الوقت سريعاً الذي يطلب فيه المسيحيون أنفسهم إلى اليهود أن يتسلموا السلطة".
٨- وحين بلغ "فرويد" من العمر سبعين سنة، أقامت له "جمعية بناي برث" الصهونية حفلاً لتكريمه بهذه المناسبة، ولم يحضر "فرويد" هذا الحفل، لكن أناب عنه طبيبه الخاص البروفيسور "لدفيج براون" الذي ألقى كلمة فرويد فيه، وقد جاء في كلمته ما يلي:
" ... إن كونكم يهوداً لأمر يوافقني كل الموافقة، لأني أنا نفسي يهودي، فقد بدا لي دائماً أن إنكار هذه الحقيقة ليس أمراً غير خليق بصاحبه فحسب، بل هو عمل فيه حماقة إيجابية، إنه لتربطني باليهودية أمور كثيرة، تجعل إغراء اليهودية واليهود أمراً لا سبيل إلى مقاومته.
قوىً انفعالية غامضة كثيرة، كلما زادت قوتها تعذّر التعبير عنها في كلمات، بالإضافة إلى شعور واضح بالذاتية الداخلية ... وهكذا وجدت نفسي واحداً منكم أقوم بدوي باهتماماتكم بالإنسانية والقومية، واكتسبت أصدقاء من بينكم، وحثثت الأصدقاء القليلين الذين تبقّوْا لي على الانضمام إليكم ... ".
٩- وكان "فرويد" عضواً فخرياً في منظمة "كاديما". وهي منظمة صهيونية معروفة، ولما اكتفى بالعضوية الفخرية بالنسبة إلى هذه المنظمة، دفع أحد أبنائه ليكون عضواً عاملاً فيها.
(٧)
استغلال مدرسة التحليل النفسي لخدمة المخططات اليهودية:
يلاحظ المتتبعون نتاج مدرسة "فرويد" في التحليل النفسي، أن "فرويد" وتلاميذ مدرسته اليهود خاصة قد استغلوا طريق التحليل النفسي،
стр. 290
لخدمة المخططات اليهودية، والحركة الصهيونية العالمية.
فمن ذلك ما استغلوه في موضوع معاداة السامية، وهي الفكرة التي حمل اليهود شبح التخويف منها في الغرب، لإسكات كل لسان يمكن أن يتحرك في انتقاد اليهود، ولإيقاف كل مقاومة تتوجه لصد مكايدهم وتحركاتهم المريبة في السياسة، أو في الاقتصاد، أو في الإعلام، أو في مجالات العلم والثقافة، أو في غير ذلك من مجالات.
أما دور "فرويد" وتلاميذ مدرسته في هذا المجال، فقد كان يعتمد على طريقة التحليل النفسي، لتزييف الواقع والحقيقة، وتمجيد اليهود، وخدمة الصهيونية.
ولفرويد أقوال صريحة وواضحة في هذا المجال، وله تحليلات يزيّنها وفق أهوائه الخاصة، وقد ذكرها في كتابه "موسى والتوحيد".
وممّا ذكر "فرويد" في تحليلاته: أن أسباب كراهية الأمم لليهود كثيرة، واعتبر أنها ترجع إلى صنفين:
الصنف الأول: ظاهر وليس بعميق، وذكر من هذا الصنف سببين:
الأول: كون اليهود غرباء عن الأوطان التي يقيمون فيها.
الثاني: كون اليهود أقلية، لأن الشعور الجماعي كي يكون كاملاً فيما يقرّر، يقتضي توجيه العداء نحو الأقلية.
الصنف الثاني: ما أسماه "فرويد" بالأسباب العميقة، وزعم أنها ترجع إلى الماضي السحيق، وأنها منبعثة في النفس من اللاشعور، وهي في رأيه تتلخص فيما يلي:
١- غيرة الشعوب الأخرى من اليهود، لأنهم آثرهم عند الله، بوصفهم أكبر أبناء الله.
٢- تمسُّك اليهود بعادة الختان.
٣- أن الشعوب غير اليهودية لما تركت وثنياتها الأولى تحت قوّة
стр. 291
الضغط، حقدت على أديانها الجديدة، في مستوى اللاشعور منها، فأسقطت حقدها على اليهود، لأنها لا تستطيع أن تكره دينها الجديد.
هذه هي التحليلات النفسية التي أرجع إليها فرويد كراهية الأمم غير اليهودية لليهود.
كشف الزيف:
في اعتقادي أن أي عاقل لا يملك نفسه عن إطلاق ضحكات ساخرات من هذا التحليل، ومن هذه الأسباب التي ذكرها "فرويد" نفسه.
١- أما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم غرباء في الأوطان التي يقيمون فيها، فهو مردود من وجهين:
الوجه الأول: أننا نجدهم مكروهين، ولو كانوا هم الأصلاء لا الغرباء.
الوجه الثاني: أننا نجد كثيراً من الغرباء في الشعوب محبوبين محترمين غير مكروهين.
فليست الغربة إذن من أسباب كراهية الأمم لهم، إلا أنهم قد ضمنوا إلى غربتهم شيئاً آخر من عند أنفسهم، كالاستغلال بالحيلة والمكر والكيد، والأنانية المفرطة، وعقدة الاستعلاء التي يضعون عليها ستاراً من المسكنة، وحقدهم هم على الأمم.
٢- وأما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم أقلية، فهذا خلاف الواقع تماماً، بل هو عكس الواقع.
فالواقع أن العداء يتوجه عادة من الأقلية إلى الأكثرية بدافع الحسد، وليس العكس.
فليست الأقلية من أسباب كراهية الأمم لهم، إلا أن ينضم إليها شيء آخر من الأقلية نفسها، كمكايد تكيدها، واستغلالات غير مشروعة تستأثر بها، وعقدة استعلاء تفتخر بها.
стр. 292
فالكراهية سببها اليهود أنفسهم، وأعمالهم داخل الأمم والشعوب التي يعيشون بينها.
٣- وأما ما ذكره "فرويد" من الأسباب العميقة، فشيء مضحكٌ جداً.
أ- إنّ ادعاءه أن الشعوب الأخرى تغار من اليهود، لأنهم آثرهم عند الله، بوصفهم أكبر أبناء الله، فهو يتوقف على اعتراف الشعوب لهم بهذا التميّز.
لكنه لا توجد أمة من أمم الأرض ولا شعب من الشعوب يعترف لهم بهذه الميزة، حتى يغار الناس منهم.
بيد أن الحسد والغيرة من سمات اليهود منذ تاريخهم القديم.
ب- وادّعاؤه أن تمسك اليهود بعادة الختان من أسباب كراهية الأمم الأخرى، ادعاء مضحك جداً.
ومع بالغ السخرية نقول: إن غير اليهود يختنون أيضاً، فالمسلمون الذين يعدون في هذه الحقبة من التاريخ قرابة ألف مليون نسمة، يختتنون، والأمم الأخرى لا تكرههم لذلك.
وأي شيء يمنع أية أمة عن الختان؟!.
جـ- وأما ادعاؤه حقد الأمم على أديانها في مستوى اللاشعور، وإسقاط حقدها على اليهود، فتحليل خرافي جداً، لا يقبل به أي محلل نفسي يحاكم الأمور بوسائل المعرفة الإنسانية.
فهل يوجد سخف أكبر من هذا السخف الفرويدي باسم التحليل النفسي، لدعم اليهودية العالمية؟!!.
* * *
стр. 293
الفصْل الثاني
دَارْوين وَمَذهَبُ التطوُّر
(١)
من هو داروين؟.
هو "تشارلس داروين". بريطاني. عاش ما بين عام (١٨٠٨م و١٨٨٢م) بدأ دراسة الطب ثمّ لم يكمل مسيرته. وانتقل إلى دراسة اللاهوت. وكان شغفه بالرحلات العلمية الاستكشافية وراء البحار. وتعلق بالبحث في عالم الأحياء. ودوّن ملاحظاته التي توصل إليها طوال ربع قرن من البحث. وتجلّت له فكرة تطور الأحياء بعضها من بعض من ظاهرة التشابه في التكوين الجسمي بينها، ومن بعض ظواهر أخرى.
وكتب في ذلك كتابه المشهور "أصل الأنواع"، وقدّمه إلى إحدى الجمعيات العلمية، وصدرت الطبعة الأولى منه في ١٤/١١ سنة (١٨٥٩م) وأحدث هذا الكتاب ضجّة كبرى في الغرب، لاشتماله على أفكار جديدة تخالف المعتقدات السائدة.
ثمّ كتب كتاباً آخر سماه "أصل الإنسان" ونشره سنة (١٨٧٤م) . وقد خصّص هذا الكتاب لموضوع التطور الإنساني.
(٢)
خلاصة فكرة التطور الداروينية:
١- تقوم فكرة التطور الداروينية على أن الكائنات الحية تسير في
стр. 294
تطورها مرتقية من أدنى الأحياء إلى الأعلى فالأعلى، وأن الإنسان قد كان قمة تطورها.
٢- وبقاء بعض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إلى ظاهرة الصراع من أجل البقاء، فالبقاء يكون للنوع المكافح الأفضل. وأما النوع الخامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر، ثمّ يضمحل، ثمّ ينقرض.
٣- والعضو الذي يهمل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد، يضمر شيئاً فشيئاً، حتى يضمحلّ، ولا يبقى منه إلا أثر يدلُّ عليه، وقد لا يبقى له أي أثر.
كانت هذه هي الداروينية في عالم الأحياء، ثُمّ عُمّمت حتى شملت الوجود المادي كله، من الغاز السديمي الأول حتى المجرات فالكواكب، فالمواد الصالحة لظهور الحياة، فالنبات، فالحيوانات، فالنبات، فالحيوان، وأمسى التطور مذهباً.
وقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده، وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد ترجع كلها إلى ثلاثة عناصر:
١- وجود التشابه في النباء الجسمي لدى الكائنات الحية.
٢- تأخر ظهور بعض الأنواع عن بعض.
٣- وجود زوائد في بعض الأحياء ليس لها وظيفة حالياً، فوجودها ينبئ عن أنها كانت في أزمان غابرة ذات وظيفة، فلما أهملت ضمرت، وما بقي منها دال عليها، كالزائدة الدودية في أمعاء الإنسان.
(٣)
الترويج للداروينيّة ومذهب التطور
ورأى الملاحدة وأصحاب الفكر المادي في آراء "داروين" أساساً يمكن أن يدعم مذهبهم، فاتخذوها أساساً، وأخذوا يروجون لها في ميادين
стр. 295
العلم، ويعتبرونها "نظرية" مع أنها لا ترقي في سلم البحث العلمي عن كونها "فرضية".
وبعد أن أطلقوا عليها زوراً وتزييفاً عنوان "نظرية" أضافوا إليها فكرة جديدة، وهي أن نظرية التطور قادرة على تفسير نشأة الخلق، ونشأة الحياة، من مادّة الكون الأولى التي هي سديم غازي، أي سحابة غازية مؤلفة من أدنى الغازات تركيباً، وأن هذا التطور قد كان تطوراً ذاتياً، وليس ذا حاجة إلى تدخل خالق ذي قدرة وعلم وحكمة، فالطور بطبيعته الذاتية قد أجرى هذه التغييرات العظيمة التي نشاهدها في الكون وفي أنفسنا.
وانطلقت الأجهزة اليهودية العالمية ضمن خطط مرسومة، تروّج لهذه النظرية المدّعاة، في أسواق العلم، وفي ميادين الثقافة، وفي أجهزة الإعلام المختلفة، وتمجّد بها وبواضعها داروين، وترفعه إلى درجة غير عادية.
(٤)
هل قدم داروين آراءه مقترنة بإنكار الخالق؟
الناظر في كتاب "أصل الأنواع" لداروين، لا يلاحظ فيه أن هذا الرجل قد أنكر فيه وجود الرب الخالق جل وعلا.
إنه لم يقرر فيه فكرة التطور الذاتي، ولا التولد الذاتي، بل فيه يُشعر بأن فكرة التطور التي يقول بها، إنما هي من القوانين والسنن التي بثّها الخالق في المادة.
فهل كان ذلك خطّة مداهنة ومصانعة للمؤمنين بالله، حتى لا يثوروا عليه، ويرفضوا آراءه جملة وتفصيلاً، أو كان من المؤمنين بالله إيماناً نصرانياً، ولا سيما وهو خريج دراسات لاهوتية، إلا أن الملاحدة واليهود قد استغلوا مذهب التطور لتأييد المادية وإنكار وجود الخالق، من وجهة نظرهم.
ونقلاً عن "إسماعيل مظهر" أورد المقتطفات التالية من كتابه "أصل الأنواع".
стр. 296
١- جاء في آخر الفصل الخامس منه قوله:
" فإذا اعتقد معتقد بأن أنواع جنس الخيل قد خلقت مستقلّة منذ البدء، لما تيسّر له أن يثبت اعتقاده إلا بالقول بأن هذه الأنواع قد خلق كلٌّ منها وفيه نزعة إلى التغاير، سواء أكان بتأثير الإيلاف أو بتأثير الطبيعة الخالصة ... ".
ثمّ دفع مزاعم بعض المنكرين لإمكان تطوّر الأحياء، وعقب عليه بقوله:
"فهم يشوّهون صبغة الله وخلقه".
٢- وجاء في الفصل الخامس عشر منه قوله:
"هنالك مؤلفون من ذوي الشهرة وبُعد الصيت مقتنعون بالرأي القائل بأن الأنواع قد خلقت مستقلة. أما عقليتي فأكثر التئاماً مع المضي فيما نعرف من القوانين والسنن التي بثها الخالق في المادّة ... ".
٣- وجاء في آخر كتابه المذكور قوله:
" إني أرى فيما يظهر لي أن الأحياء التي عاشت على هذه الأرض، جميعها من صورة واحدة أوّلية، نفخ الخالق فيها نسمة الحياة، وعلى أن أساس هذه النتيجة المشابهة، فالتسليم بها وعدمه غير جوهريين ".
لكن يوسف كرم ذكر أن داروين كان مؤمناً بالله ثمّ تطوّر شيئاً فشيئاً حتى أعلن أسفه لاستعماله لفظ الخلق مجاراة للرأي العام، وصرّح بأن الحياة لغز من الألغاز، وذكر أنه وصل إلى مذهبه (لا أدري) فهو لا يقول بالعناية الإلهية ولا يقول بالمصادفة، وأن الكلمة الأخيرة عنده هي "أن المسألة خارجة عن نطاق العقل، ولكن بوسع الإنسان أن يؤدي واجبه".
стр. 297
(٥)
الرأي العلمي الأخير في مذهب التطور
يرى جمهور أهل البحث العلمي المعاصرين , والمشتغلين بعلم الأحياء، أن ما يسمى بنظرية التطور لا يرقى إلى مستوى "النظرية". بل هو لدى التحقيق لا يزال في مستوى "الفرضية".
وذلك لأنه لم يوجَد حتى اليوم أيُّ دليل واقعي مشاهد ولو معملياً يرجّح صحّة الفرضيّة، ولو بمثال واحد من الأمثلة التي يصح الاعتماد عليها، كأساسٍ للتطور المقرر في النظرية المدعاة أو المتخيلة.
يقول "سير آرثر كيث" في مقالٍ له جاء في كتاب "العلم أسراره وخفاياه" بعنوان: [داروين و"أصل الأنواع"] :
" ويقرر بعض النقاد الحديثين للانتخاب الطبيعي، بأنه لا حول ولا قوة في إحداث صورة جديدة من النبات أو الحيوان ".
وذكر عن بعض النقاد أن كيفية حدوث التطور، أو آلية التطور الموصوفة في كتاب "أصل الأنواع" لداروين، قد تكون كلها خاطئة.
ثمّ قال: " وإذا كان حقيقة كذلك، فقد يصبح "أصل الأنواع" غير متمشّ مع الزمن إطلاقاً".
لكن "سير آرثر كيث" من الذين يتمسكون بمذهب النشوء والارتقاء، وهو مذهب التطور الذاتي، على الرغم من أنه غير ثابت علمياً، وعلى الرغم من أنه لا سبيل إلى إثباته بالبرهان. وذلك لأنه لا خيار له إذا لم يأخذ بمذهب التطور الذاتي، إلا أن يؤمن بالخلق الرباني الخاص المباشر، وهو غير مستعد لهذا الإيمان، بعد أن اتخذ لنفسه الإلحاد مذهباً وعقيدة، لذلك فهو يقول في مكان آخر:
" إنّ نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا أن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان
стр. 298
بالخلق الخاص المباشر، وهذا لا يمكن حتى التفكير فيه".
(٦)
موضوعات مذهب التطوّر وموقف المفكر الإسلامي منها
يتناول مذهب التطوّر ثلاث موضوعات:
الموضوع الأول: تطوّر المادة غير الحية من السديم الغازي، حتى تكوّنت النجوم والكواكب.
الموضوع الثاني: كيف دبّت الحياة في المادة؟ أو كيف تطورت المادة حتى كانت فيها كائنات ذوات حياة؟.
الموضوع الثالث: كيف وجدت أنواع الأحياء؟ ، أو كيف تطور بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة، حتى بلغت قمة التطور عند الإنسان؟.
الشرح
١- أما الموضوع الأول، وهو فكرة تطوّر المادة غير الحية من السديم الغازي، حتى تكوّنت النجوم والكواكب.
وموقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع فيتلخص بما يلي:
أولاً: إنْ كان التطوّر المدعى مقروناً باعتقاد أن هذا التطور معتمد على خطة رسمها الخالق ، فهو سنة من سننه، ويتم الأمر بخلقه، فأمر ادعائه سهل، ولا ينبني عليه مناقضة لقضية من قضايا الدين الحق.
والمنهج السليم يحتّم علينا أن نترك هذه القضية للبحث العلمي، إذ ليس لدينا في المفاهيم الإسلامية ما يتعارض معها، بل قد نجد ما يلتقي معها نوع لقاء، مثل كون السماء في أول أمرها دخاناً، ومثل كون عرش
стр. 299
الرحمن أول الأمر على الماء، ومثل تكامل عملية خلق السماوات والأرض، وهي أيام لا ندري مقاديرها، فهي على كل حال ستّ أحقاب زمنية.
على أن الموضوع لا يعدو من وجهة نظر العلم الصحيح أن يكون افتراضاً نظرياً فكرياً، قد تدلّ عليه بعض الأمارات التي تسمح بالتخمين، ولا تسمح بوضع نظرية جازمة.
ثانياً: وإن كان التطور المدعى مراداً منه التطور الذاتي، أي الذي لا يخضع لخطة خالق عليم حكيم قادر، فهو أمر مرفوض حتماً، علمياً، ودينياً، وفلسفياً.
وذلك لأنه لا يسمح التطور الذاتي، لو أمكن أن يوجد، بإحداث هذه المتقنات العجيبة المترابطة في الكون كله، وليس أمام مدعي التطور الذات إلا ادعاء أن هذا الإتقان قد تم على سبيل المصادفة.
وقد أثبت الباحثون الرياضيون وغيرهم أن مثل هذا الإتقان الكوني العجيب من المستحيل أن يكون بالمصادفة، وأقوالهم في هذا كثيرة.
فالمصادفة في أحداث التطور الكوني المدّعى مرفوضة علمياً ورياضياً وواقعياً، مهما تهرب الماديون من مضايق البراهين العقلية والعلمية، لافتراضات الأزمان السحيقة التي يمكن أن تسمح بمصادفة تصنع متقناً ما.
يقول "جون أدولف بوهلر":
" عندما يطبّق الإنسان قوانين المصادفة لمعرفة مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر الطبيعية، مثل تكوين جُزَيْءٍ واحد من جزئيات البروتين من العناصر التي تدخل في تركيبه، فإننا نجد أن عمر الأرض كله لا يكفي لحدوث هذه الظاهرة".
٢- وأما الموضوع الثاني، وهو كيف دبت الحياة في المادة، أو كيف
стр. 300
تطورت المادة حتى ظهرت فيها كائنات حية؟.
فَمَوْقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع، يَتَلخَّص بما يلي:
إن النصوص الدينية تكشف لنا أن الحياة سر من أسرار الخالق، ونفخة ربّانية روحيّة في المادة.
فالحياة ليست نتاج المادة، بل المادّ وعاء لها.
لقد خلق الله جسم آدم من الطين، ولمّا سواه نفخ فيه من روحه، فصار إنساناً حياً، بعد أن كان مادة ميتة.
وبعد أن يعلق الجنين في رحم أمّه، يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يُرسَل إليه الملَك فيُنفخ فيه الروح.
وعندئذ تدبّ فيه الحياة الإنسانية.
وحين أراد الله أن يخرق سنته في خلق عيسى ﵇ من أم بدون لقاح أب، أرسل إلى أمه مريم الملك، فتمثل لها بشراً سوياً، قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً.
وتم تكوين الغلام في بطنها بنفخة كان بها إنساناً.
قال الله تعالى في سورة (التحريم/٦ مصحف/١٠٧ نزول) :
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ .
وحين أعطى الله عيسى ﵇ معجزة إحياء ما يصنع من الطين على هيئة الطير جعل في نفخته فيها سرّ الحياة.
مزاعم المادّيين
ويزعم أصحاب الفكر المادي أن الحياة من ظواهر التطور في المادة، فالحياة وما يتبعها من صفات الإحساس والإدراك والفكر والعواطف
стр. 301
والانفعالات كلها من ثمرات تطوّر المادة، وصفات من صفات المادّة، متى تركّبت بشكل معقّد كالشكل الذي ظهرت به الأحياء.
ولا يقدم المادّيون لإثبات هذا الادعاء أي دليل عقلي أو علمي، لأنهم لا يملكون شيئاً من ذلك، ولم يستطيعوا بعد كل الجهود التي بذلوها أن يقدّموا أي دليل علمي. وما قدموه مجرّد تكهُّن تخيُّلي، ورغبات يريدون أن يكون الواقع على وفقها، ولكن الحقّ والواقع لا تصنعه رغبات الناس وأهواؤهم.
كشف الزيف
هذا الادعاء الذي ادعاه الماديون مرفوض علمياً، من قبل علماء الأحياء أنفسهم.
وذلك لأن القرار الذي انتهى إليه علماء الأحياء بعد تجارب كثيرة ومتنوعة، يجزم بأن المادة الميتة لا يمكن أن تتحول ذاتياً إلى مادة حية، وأن الحي لا بد أن يتولد عن حي أو يشتق من حي.
ولم يستطع العلماء الماديون المتفرغون باهتمام شديد في الشرق والغرب لتخليق أدنى خليه حية وأقلها تركيباً وتعقيداً، أن يتوصلوا إلى تخليق مثل هذه الخلية من المادة، دون أ، يأتي التخليق من حياة سابقة لها.
فالقرار العملي الواقعيّ الأخير: إن الحياة لا تتولد إلا من حياة.
كما كان قد قرّر ذلك من قبلُ، العلماءُ المؤمنون بالخلق الربّاني من علماء الأحياء، مثل: "أغاسيز". وأخيراً العالم الفرنسي الشهير "باستور" مكتشف جراثيم الأمراض.
стр. 302
ومع ذلك فقد ظل الماديون يرغبون في اعتقاد أن الحياة ظهرت نتيجة تطور المادة تطوراً ذاتياً، واعتبروا ذلك اعتقاداً فلسفياً، لأنه لا بديل بعد رفض هذا الاحتمال إلا الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا أمر يرفضونه، لأنهم لا يريدون الإيمان بخالق غيبيٍ لا يشاهدونه. هكذا اعتباطاً من غير دليل، على الرغم من أنهم يؤمنون بغيبيات كثيرة يستنتجونها استنتاجاً نظرياً فلسفياً، دون أن يكون لها شواهد من الواقع المشاهد.
وحين يؤمنون بغيبيات عن حواسّهم وأجهزتهم تثبتها لهم استنتاجاتهم النظرية، كصفات الذرة وخصائصها، نجدهم ينكرون على أصحاب الاستنتاجات الفكرية النظرية العقلية، ما توصلهم إليه استنتاجاتهم المتعلقة بغيبيات دينية، حول الخالق وصفاته العظيمة.
هذا منهم تناقض مع أنفسهم، يؤمنون بسلامة الاستنتاج العقلي حيناً، ويجحدونه وينكرون على من يستند إليه حيناً آخر.
والمتتبعون للماديين في مجالات العلوم، وفي مجالات الحياة المختلفة، يلاحظون أن الماديين لا ينفكون عن الاعتماد على الاستنتاجات الذهنية العقلية، بل يسرفون أحياناً إسرافاً شديداً في الاعتماد عليها، كالاستنتاجات السياسية التي تمسُّ أشخاصهم ومبادئهم ومذاهبهم ومنظماتهم الحزبيّة والإدارية.
مقولة من العلماء الطبيعيين حول النشوء الذاتي
جاء في كتاب "التطور عملياته ونتائجه" ما يلي:
" لم تعد نظرية النشوء الذاتي تحظى باحترام البيولوجيين، بعد عمل "ريدي" و"سبالنزاي".
стр. 303
ولكن اكتشاف البكتيريا غيّر ذلك، فهذه كائنات حيّة أبسط مما كان يتصوّر فيما مضى، والبكتيريا موجودة في كل مكان، وكان من الصعب جداً أن لا توجد في أي وسط مناسب لنموها. وقد كان احتمال حدوثها ذاتياً داخل أي وسط عضوي فكرة كثير من المعضدين المناصرين. (أي: لفكرة النشوء الذاتي) .
ولكن تجارب "باستور" المشهورة قد نقضت ذلك تماماً، فقد حفظ حساءً مغلياً في إناء مقفل لا يدخل فيه الهواء إلا من خلال أنبوبة شعرية ملتوية، لتكون بمثابة مصيدة للجزيئات الصلبة، وبذلك كان الحساء معرضاً للتأكسد لوصول الهواء إليه، ولكن لم تظهر فيه بكتيريا (لأنها علقت في الأنبوبة ولم تصل إليه، فكانت بمثابة مصفاة لها) .
ولهذا كان من الواضح أن الهواء الحامل للبكتيريا هو الذي يصيب الحساء المعرّض، وأن البكتيريا نفسها قد نشأت فقط من البكتيريا التي سبق وجودها. وقد كانت هذه هي الضربة القاضية على فكرة النشوء الذاتي للكائنات المعقدة ... ".
مقولة مادّي مكابر
وفي مقال بعنوان "أصل الحياة" لجورج والد، وهو مقال جاء في كتاب "العلم أسراره وخفاياه" نجد أن هذا المختص في علم الأحياء قد ظل من الذين يعتقدون فكرة التوالد الذاتي للحياة من المادة غير الحية اعتقاداً فلسفياً، رغم اعترافه بأن تجارب "باستور" عندما أتمها تقوّضت أركان عقيدة التوليد الذاتي.
ورغم اعترافه هذا قال ما يلي:
" ونحن ننقل إلى المبتدئين في دراسة علم الأحياء هذه القصة لتمثل انتصار العقل على الاعتقاد، وهي تمثل في الحقيقة عكس ذلك تقريباً.
فالنظرة المصبية هي الاعتقاد في التولّد الذاتي، والبديل الآخر الوحيد
стр. 304
لها هو الاعتقاد في الخلق الخارق للطبيعة، الذي يُعد حدثاً فريداً وأساسياً، ولا يوجد بديل ثالث لهما.
ولهذا السبب فقد اعتبر كثير من المشتغلين بالعلوم منذ قرن مضى عقيدة التولّد الذاتي ضرورة فلسفية. وإن من أعراض عجزنا الفلسفيّ حالياً أن هذه الضرورة فقدت تقديرها.
وبرغم أن أحداث المشتغلين بعلم الأحياء قد أثلج صدورهم بانهيار عقيدة التوليد الذاتي، فإنهم ليسوا على استعداد لتقبُّل العقيدة البديلة لها، وهي الخلق الخاص، ومن ثمّ فقد فقدوا جميع الاحتمالات.
وإني لأعتقد أنه ليس ثمة اختيار أمام المشتغل بالعلوم سوى أن يتفهّم أصل الحياة عن طريق التولد الذاتي"هـ.
التعليق
هكذا نلاحظ أن القائلين بالتولد الذاتي قد طرحوا مقتضيات الدلائل العلمية، ولجؤوا إلى الاعتقاد الذي أسموه اعتقاداً فلسفياً، مع أنه لا سند له من العقل، ولا سند له من العلم، كل ما في الأمر أنهم غير مستعدين للإيمان بالخلق الرباني.
لماذا؟ ليس لديهم جواب، إلا أن مذهبهم المادي الإلحادي الذي لا دليل عليه من العقل ولا من العلم يفرض عليهم أن يرفضوا قضية الإيمان بالله، ثمّ لا بديل بعد ذلك إلا الاعتقاد بالتولد الذاتي، إذ هو الاحتمال الوحيد بعد رفض الإيمان بالله وخلقه للأشياء.
وهكذا يظهر بشكل مفضوح جداً تهافت القائلين بنشأة الحياة عن طريق التولّد الذاتي، ويظهر تعصُّبهم الأعمى ضد قضية الإيمان بالله الخالق العليم الحكيم القدير.
٣- وأمّا الموضوع الثالث، وهو كيف وُجدت أنواع الأحياء؟ ، أو كيف
стр. 305
تطوّر بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة، حتى بلغت قمّة التطوّر عند الإنسان؟.
وموقف المفكّر الإسلامي من هذا الموضوع، فيتلخص بما يلي:
نظرة إلى فكرة تطوّر أنواع الأحياء
لقد درس "داروين" ومن جاء بعده من الذين نّقحوا آراءه أنواع الأحياء، ما كان منها حياً وقت الدراسة، وما جمعوه من الحفريات التي قاموا بها، وما شهدوه من دفائن القرون الأولى في الصخور والكهوف، وما جمعوه من مخلفات الأحياء في الرمال، وبقايا السيول القديمة، وما استخرجوه من محفوظات الثلوج المتراكمة من أزمان قديمة، فانتهوا إلى حقائق وصفية بَنَوْا عليها تفسيرات احتمالية تخمينيّة.
وأهم الحقائق الوصفية التي توصّلوا إليها ما يلي:
١- وجود التشابه في خطّة بناء الأجسام، وفي سلوك الكائن الحي.
٢- وجود بعض زوائد في بعض الأجسام، كالزائدة الدودية عند الإنسان، دون أن يكون لها وظيفة في جسم الإنسان حالياً، كما بدا لهم، وكاستطالة سلسلة الظهر السفلى عند بعض الناس استطالة تشبه بقايا ذيلٍ تقاصر، فهو كما بدا لهم في طريقه إلى الزوال.
٣- تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض.
فمن ظاهر التشابه، ووجود بعض الزوائد التي ليس لها وظائف حالياً كما بدا لهم، وتأخر وجود بعض الأحياء عن بعض وفق حساب أعمار أقدم ما اكتشف من أجسامها المدفونة ومتحجّراتها، استنتج "دارون" والذين نقّحوا فكرة التطور من بعده استنتاجاً فكرياً، أن الكائنات الحية تطوّرت
стр. 306
تطوراً ذاتياً تصاعدياً، من أدنى الكائنات الحية حتى الإنسان الذي هو أعلاها كمالاً.
وكانت "الأميبا" هي أدنى الكائنات الحية في التصور، ثمّ جاء التصحيح إلى "الباكتيريا" التي هي أدنى من الأميبا بعد اكتشافها، ثمّ جاء التصحيح إلى "الفيروس" الذي هو أدنى من الباكتيريا بعد اكتشافه، فالفيروسات في نظرهم الآن تتوسط الحدّ الفاصل بين الحي وغير الحي.
كشف الزيف
لكن هذا الاستنتاج استنتاج احتماليٌّ نظري، وليس أمراً علمياً مؤيداً بشواهد من الواقع، إذ لم يلاحظ الباحثون في الطبيعة ولا في المختبرات حالة واحدة من حالات التطور المتخيّلة في الاستنتاج، لكنّ التخيل طرح ذلك على الأحقاب الزمنية الغابرة، وتخلّص من المطالبة بالشواهد من الواقع.
على أن التطور لو ثبت علمياً بشواهد من الواقع في الطبيعة، فإنه لا يفيد أن التطور حدث ذاتياً، بل النظرة الإيمانية القائمة على ملاحظة الحكمة في الخلق تقم البرهان على أن خطة الخالق قد رتّبت عمليات الخلق وفق سنة التطور، كما رتبت عمليّة خلق الإنسان وفق أطواره حتى يكون نطفة، فجنيناً، فطفلاً، فيافعاً، فبالغاً أشده، فما وراء ذلك من أطوار.
ومن البَدهيّ أن التشابُه في الأنواع المختلفة لا يقتضي النسب بينها، ولا يستلزمه عقلاً، فالأمر يتوقف على ثبوت ذلك النسب بشكل واقعي، نعم قد يكون إحدى الأمارات الضعيفة.
وكذلك تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود، لا يقتضي أن السابق أبٌ أو جدٌ لما ظهر بعده، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى، ثمّ أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى، ثمّ أبدع أخيراً الإنسان.
стр. 307
وهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات الإنسانية، فاللاحق كثيراً ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه، فالعملية تكون عمليّة فكية، ويأتي التطبيق الواقعي غالباً بناءً جديداً.
ومهما يكن من فالاحتمالان أمران متكافئان إمكاناً، بشرط ربط كلٍّ منهما بأنه مظهر لاختيار مدبّر خالق حكيم.
أما التطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق، فهو أمرٌ مستحيل عقلاً، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطةٍ ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود.
وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علمياً ورياضياً في عمليات الخلق الكبرى.
وقد قرّر أصحاب فكرة التطور أزماناً سحيقة لظهور الكائنات الحية المتطورة، ثمّ لظهور الإنسان الأول، واعتبروا هذه الأزمان كافية نظرياً لحدوث التطور.
إلا أن علماء الفيزياء والجيولوجيا قد أظهروا منذ عام (١٩٥٠م) وما بعده عدم صحة ما حدّده أصحاب مذهب التطور من أزمان سحيقة، فعمر الحياة في الأرض أقصر من تقديرهم بكثير، وعمر الأرض أيضاً أقل مما قدّروه بكثير، فما يلزم في رأيهم للتطور الذاتي من زمن غير متوافر في الواقع مطلقا ً.
واعترف بذلك القائلون بالتطور أنفسهم، فقد جاء في مقالٍ بعنوان "نظرية التطوّر منقحة" بقلم "روث مور" بكتاب "العلم أسراره وخفاياه":
" منذ عام (١٩٥٠م) والشواهد العلمية تشير بلا مهرب منه إلى حقيقة واحدة، هي أن الإنسان لم يظهر سواء في الوقت أو بالطريقة التي يقول بها "داروين" وعلماء التطور الحديثون، فلقد أظهر علماء الفيزياء والجيولوجيا
стр. 308
منذ عام (١٩٥٠م) بوضوح أن العالم أقدم، وأن الإنسان أصغر سناً كثيراً عما اجترأ أي واحدٍ على تقديره من قبل ... ".
ونظيره قول "جون أدولف بوهلر" الذي سبق عرضه في هذا الفصل.
وأظهر من ذلك ما نشرته جريدة الشرق الأوسط في العدد "٣٣٢٨" بتاريخ ١٩جمادى الأولى ١٤٠٨هـ الموافق لـ٨/١/١٩٨٨م تحت عنوان "العلم يثبت أصل الإنسان" وقد جاء فيه ما يلي:
واشنطن -مكتب الشرق الأوسط: ضجّت الأوساط العلمية في الغرب، لا سيما في الولايات المتحدة، بنبأ الاكتشاف الذي توصل إليه فريق من العلماء الأمريكيين بعد نحو عشر سنوات من البحث والدراسة في علم الوراثة والجنيات، وقادهم البحث إلى اكتشاف أن الجينات الثابتة في كل النوع البشري يمكن تقفيها إلى امرأة واحدة (سماها فريق البحث: بايف، أو حواء) انحدر منها كل البشر، وكانت خصبة الولادة. وإليها تعود الجينات الثابتة عند كل البشر، والبالغة نحو خمسة آلاف جين.
وهذا ما جاء في التقرير العلمي الذي نشرته مجلة "نيوزويك" هذا الأسبوع.
ويحدّد العلماء ظهورها على الأرض بأنه وقع في آسيا، أو إفريقية، قبل نحو مئتي ألف سنة، وعلى هذا الأساس يمكننا اعتبارها جدتنا العشرة الألف. وقد ناقضت هذه الاكتشافات كل ما ذهب إليه العلماء من قبل فيما يتعلق بنظرية العالم الإنكليزي "داروين" حول أصل الإنسان. اهـ.
حتى الاتحاد السوفييتي فإن الإدارة الشيوعية فيه قد أنفقت خلال ستين عاماً من الشيوعية ستين ملياراً حتى يثبتوا نظرية "إنجلز" القائلة: "الحياة ما هي إلا تفاعل كيميائي" على مخابر علوم الحياة، فكان قرار العلماء الباحثين في سنة "١٩٦٩م" الذي قدّموه إلى القادة السوفييت:
"ليس للعلوم قدرة على إثبات أن الحياة نتيجة تفاعل كيميائي، وليس
стр. 309
في مستطاع الوسائل العلمية إيجاد الحياة إلا عن طريق الخلايا الحية التي لا نستطيع أن نوجدها من المادة غير الحية، وكذلك النبات".
وتلقّف هذا القرار الصادر عن العلماء السوفييت، علماء مخابر علوم الحياة في أمريكا، فدعوا إلى اجتماعٍ ضم الفريقين في أمريكا، وأعلنوا بياناً مشتركاً جاء فيه ما يلي:
"العلم عاجز عن إيجاد الحياة".
وأضافوا إليه بناءً على اقتراح الوفد السوفييتي:
" بل إن العلم عاجز عن أن يعرف إلا بعض مظاهر المادة، وليس الروح".
نقلاً عن حديث للدكتور معروف الدواليبي نشر في صحيفة المدينة المنورة في العدد (٦٢٨٧) الأربعاء ١٣ رمضان ١٤٠٤هـ.
لقد أثبت الباحثون من العلماء بعد جهد طويل ما ذكره الله بقوله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾
بعد هذا أقول:
إن فكرة التطور لو ثبتت علمياً فإننا لا نجد في الإسلام نصوصاً ترفضها، ما دام الأمر راجعاً إلى حكمة الله الخالق وتقديره، باستثناء خلق الإنسان الذي جاء في القرآن والسنة وصف صريح حول الطريقة التي تم بها خلقه، فهي طريقة ظاهرها ينافي أن يكون الإنسان متطوراً من سلسلة الحيوانات التي هي دونه في الخلق.
لكن يبدو أن من المتعذّر أن تَثبت فكرة التطور علمياً، فهي ستظل في دائرة الاحتمال الافتراضي، والله أعلم.
على أن القرآن الكريم قد وجّه للسير في الأرض والبحث فيها لمعرفة
стр. 310
كيف بدأ الله الخلق، فقال الله في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) :
﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
ولا بدّ أن يكون هذا النظر هادياً، إلى دلائل الإيمان بالله الخالق، لا إلى عكس قضية الإيمان.
* * *
стр. 311
الفصْل الثالث
دوركايْم وَآرَاؤه في علْم الاجتِمَاعِ
(١)
من هو دور كايم - أو دورك حاييم؟.
هو "إميل دوركايم". يهودي فرنسي. عاش ما بين عام (١٨٥٨م و١٩١٧م) تَخَصَّصَ في علم الاجتماع. قالوا: وقد صار رائد علم الاجتماع بعد "كونت". كان أستاذاً بالسوربون. وتأثر اتجاهه في علم الاجتماع بفلسفة "كونت" الوضعية. وكان له أولاً تابعاً، ثمّ صار له ناقداً.
عزا إلى العقل المشترك للمجتمع (العقل الجمعي) أصل الدين والأخلاق، وكذلك بعض التصوّرات الأساسية كالزمان والمكان.
من مؤلفاته: ١- "تقسيم العمل في المجتمع" الصادر عام (١٨٩٣م)
стр. 312
٢- "قواعد المنهاج الاجتماعي" الصادر عام (١٨٩٥م) ٣- "الانتحار" الصادر عام (١٨٩٧م) ٤- "الأشكال" الأولية للحياة الدينية" الصادر عام (١٩١٢م) ٥- "التربية والاجتماع" ... وغيرها.
(٢)
دوافع آرائه في علم الاجتماع
يظهر أن حال "دوركايم" كحال "فرويد" من قبله، وأن القيادات اليهودية السرية قد دفعته لإيجاد أفكار في مجال تخصصه، وهو علم الاجتماع، من شأنها تنفيذ المخطط اليهودي العامّ الرامي إلى هدم أسس الدين والأخلاق في مختلف الأمم والشعوب.
وبوسائل مختلفة متعددة وكثيرة، دعمت الدعاية وأجهزة الإعلام اليهودية رجلها الموجّه "دوركهايم" ورفعته إلى مرتبة غير عادية، حتى صار عند المؤرخين رائد علم الاجتماع بعد "كونت" وأمسى رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية.
(٣)
ما يُهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره في علم الاجتماع
أراد "دوركهايم" أن يهدم الدين والأخلاق من جذورهما، فأقام أولاً فلسفة العقل الجمعي، إذ زعم أن العقل المشترك للمجتمع هو الموجّه لكل فرد فيه، وهو المكوّن لأفكار الأفراد، ومذاهبهم، وعاداتهم، ومفاهيمهم، وذلك عن طريق إلزام المجتمع للفرد، بما يحيط به من قوة اجتماعية ضاغطة.
وفكرة "دوركهايم" في قضية "العقل الجمعي" وأن المجتمع هو الكيان الإنساني، قد قدّمت للشيوعية أساساً من أسس مذهبها الاقتصادي، إذْ تولي المجتمع الأهمية العظمى نظرياً، مضحّيةً بمصالح الأفراد وطموحاتهم، وإن كانت في تطبيقاتها تسخر النظرية أو مبادئ المذهب،
стр. 313
لخدمة المصالح الخاصة لأفراد الحزب ولقياداته، كلٌّ بحسب أهميته في الحزب.
وزعم "دوركهايم" بناءً على أفكاره وآرائه التي أعطاها زوراً وتزييفاً اسم "نظرية" أن عناصر التفكير وأسس المعرفة العقلية نفسها ما هي إلا صور ولدتها حياة الجماعة، وطبعتها على غرار النظم الاجتماعية.
ولما كانت غاية "دوركهايم" تأسيس المعرفة وكل ظواهر الوجود على مذهب الإلحاد بالله، ودعم المنظمات اليهودية، أو التي يسيطر عليها أو يوجهها اليهود، والتي من مخططاتها قيادة الجماهير، وهي معطلة أفكارها الخاصة، فقد اتجه إلى التركيز عن طريق دراساته في علم الاجتماع على عدة أمور:
١- الإصرار على تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيراً مادياً، لا يعترف بالله ولا بأية قوة غيبية، أو موجودات وراء العالم المادي.
٢- ابتكار فكرة "العقل الجمعي" الذي يسيطر على الجماعة دون إرادة منهم ولا تفكير، فهو يحرّكهم كما يحرّك راعي القطيع من الأنعام قطيعه.
وتعريف العقل الجمعي عنده: أنه شيء موجود خارج عقول الأفراد، وهو ليس مجموع عقولهم، ولا يشترط أن يكون موافقاً لعقل أحدٍ منهم، ولا لمزاجه الخاص، وهو يؤثر في عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم، وهم لا يملكون إلا أن يطيعوه، ولو على غير إرادة منهم.
وهو دائم التغير، يُحلُّ اليوم ما كان قد حرّمه بالأمس، أو يُحرّم ما كان قد أحله، دون ضابط، ولا منطق معقول.
فلا يمكن بمقتضى سلطان "العقل الجمعي" المتغير تصوّرُ ثبات شيء من القيم إطلاقاً، فلا الدين ولا الأخلاق ولا سائر القيم لها ثبات، بل هي متغيّرات، بسلطان العقل الجمعي الذي لا سلطان للمجتمع البشري عليه، ولا حول لهم ولا قوة معه.
стр. 314
وادّعاء وجود قيم ثابتة مجردة ادعاء ليس له أساس عقلي أو علمي.
وبفكرة "العقل الجمعي" التي اخترعها "دوركايم" سلب الناس حرياتهم الفردية، وجعل سلوكهم في الحياة سلوكاً جبرياً، لا حول لهم فيه ولا قوة ولا اختيار، ولكنها جبريّةٌ ليست من قبل خالق قادر مهيمن، كما يزعم الجبريون في الدين، وإنما هي من قبل وهم غير معروف الصفات سماه "العقل الجمعي".
٣- التركيز على إلغاء الفطرة الإنسانية النزّاعة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته، وإلى فضائل الأخلاق، وإلى بناء الحياة الاجتماعية الأولى على نظام الأسرة القائم على الزواج وضوابطه.
وفي هذا يقول:
" كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هي أشياء من الفطرة، ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطريّة في الإنسان ".
وهكذا ألغى الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها، والموجودة نوازعها فيهم قديماً وحديثاً وإلى أن ينقرض هذا النوع البشري. ولم يكلّف هذا الإلغاء "دوركايم" إلا أن يقدّم ادعاءً كاذباً يُحيله على التاريخ الذي عثر هو وحده عليه.
٤- تفسير ظاهرتي الدين والأخلاق في المجتمعات الإنسانية بأنهما وليدتا أسباب اجتماعية فقط، وليس لهما سند عقلي أو علمي، وليس لهما دوافع فطرية في النفس الإنسانية.
وقد مهّد "دوركايم" لمذهبه الباطل الفاسد المفسد هذا بتقديم جملة مقدمات:
أهم هذه المقدمات أن خير وسيلة لتفسير ظاهرة معقدة، كالظاهرة الدينية، أن ندرس في بداية نشأتها، قبل أن تخالطها عناصر غريبة عنها،
стр. 315
وأن ذلك إنما يكون بدراسة بيئات الأمم "البدائية".
والأمم البدائية في نظر "دوركايم" هي تلك الأمم التي لا تتميّزُ فيها الأسر الخاصة بخاصية مستقلة، بل تقوم على نظام القبائل، والفصائل، والعشائر.
قال: ومن المعروف أن العشائر - وهي النواة الصغرى في تلك المجتمعات - قوامها وحدة اللقب المشترك بين أفرادها، وهو لقبٌ يشتقّ في الغالب من اسم حيوان، أو نبات، وفي النادر من اسم عنصر جماديّ، أو كوكب من الكواكب.
وتعتقد العشيرة أن لها بمسمى هذا الاسم صلة قديمة، حيوية أو روحية، أي: "إما على أنها تسلسلت عنه، أو أنه كان حليفاً أو حارساً لجدها الأعلى، أو نحو ذلك ".
فالعشيرة لذلك تعظمه، وترسم صورته على مساكنها، وأدواتها، وأسلحتها، وراياتها.
بل يتخذ الأفراد منه وشماً يطبعونه على أجسامهم، كأنه بطاقة شخصية لتحقيق انتساب كلٍ منهم إلى عشيرته.
هذا النظام يسمى بنظام "التوتم=الطوطم" أو اللقب الأسري. وهو
стр. 316
نظام معروف في الشعوب القديمة: "المصرية، والأثيبوبية، والعربية، واليونانية والرومانية، والغالية" وتوجد آثار منه في الأساطير الشعبيّة في أوروبا الآن، ولا يزال منتشراً في القبائل غير المتحضّرة في أمريكا وأستراليا.
ويرى "دوركايم" أن أستراليا أخصب مكان لدراسة هذه الظاهرة، لأن سكانها أقل تطوّراً، وأقرب إلى الطبيعة الأولى من غيرهم، ولذلك استمد منها الوقائع التي بنى عليها أفكاره في مسألة نشأة الدين والأخلاق.
وخلاصة هذه الوقائع أن تلك القبائل في تعظيمها لألقابها تعظّم في الوقت نفسه مسمى تلك الألقاب.
ولما كان الاسم مشتركاً بين الحيوان والجد الأعلى وأفراد العشيرة، وكانت هذه الصلة بين هذه المعاني الثلاثة في نظرها صلة تجانس تام، ترجعها إلى جوهر واحد، شمل التعظيم ثلاثتها، لكن الخط الأكبر من التعظيم يدخرونه لهذا الاسم المشترك، أو لتلك الصورة الجامعة، وهو الوسم، أو الوشم.
حتى إنهم نسبوا إلى هذه الصورة خصائص عجيبة، فزعموا أن الذي يحملها ينصر في الحرب على أعدائه، ويُوفَّق في تسديد السهم إلى رميته، وزعموا أن وضعها على القروح يُسرع في التئامها، إلى غير ذلك.
ويرى "دوركايم" أن هذا التعظيم في العادة، لا يصل إلى درجة العبادة، ولا يوحي فكرة التدين والتقديس والتأليه، ولذلك يقضون جُلَّ أوقاتهم في حياة فاترة، كلٌّ يسعى لقوته منعزلاً في الجبل للاحتطاب، أو على شاطئ البركة للصيد، وليس لهم مظهر من مظاهر التدين في هذه الأحوال العاديّة، سوى التورّع عن بعض المحظورات.
وإنما يأخذ التين حقيقته ومظهره التام عندهم في مواسم خاصة، تقام فيها الحفلات المرحة الصاخبة، التي يطلقون فيها العنان لحركاته العنيفة، وصيحاتهم المنكرة، على إيقاع الطبول، ولحن المزامير، وقد
стр. 317
ركزوا السارية التي تحمل علم العشيرة في سرّة الحفل، فينتهي بهم هذا الحماس الصاخب إلى الذهول والهذيان، بل يفضي بهم إلى انتهاك سياج المحرّمات الجنسية، التي يحترمونها في العادة أشدّ الاحترام.
وربما نسبوا هذا التطور العجيب إلى حضور سر الأجداد فيهم عن طريق هذا الرمز، وعبادتهم للروح التي يرمز إليها، ظناً منهم أنها هي التي أحدثت فيهم هذا التحول الروحي الغريب.
بعد أن يعرض "دوركايم" هذا يقول: ها هنا، وها هنا فقط، تتدخّل النظرية لكشف الغشاوة عن أعينهم، وتنبههم إلى ما حدث من تحوّل شعورهم عن منبعه وهدفه الحقيقيين، وأنهم إذا كان يتوجهون بعبادتهم لمصدر هذا الأثر الجديد، فليعلموا أنه ليس هو النُّصب، ولا ما يرمز إليه النُّصب، وإنّما هو هذا الاجتماع الثائر نفسه، فإن من طبيعة هذه الاجتماعات أن تنسلخ النفوس عن مشخّصاتها الفردية، وتنمحي كلها في شخصية واحدة، هي شخصية الجماعة.
وهكذا يكون الاجتماع هو مبدأ التديّن، وغايته، وتكون الجماعة إنما تعبد نفسها من حيث لا تشعر.
(٤)
كشف الزيف
أولاً: أما إصراره على تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيراً مادياً قائما على إنكار الخالق جل وعلا، فلا داعي هنا لتخصيصه بمناقشة تكشف فساد مذهبه من هذه الناحية.
فقد أفردت بحثاً خاصاً في هذا السفر لمناقشة الملاحدة الماديين، فهو في المذهب المادي الذي يتبناه يدخل في عمومهم. وكشفُ زيوفهم جميعأً هو كَشْفٌ لزيف كل واحد منهم.
* * *
ثانياً: وأما اختراعه لفكرة "العقل الجمعي" فهو تخيُّلٌ خرافي مجرّد من أي دليل عقلي أو علمي.
стр. 318
وللإيهام بوجود شيء اسمه "العقل الجمعي" استغل "دوركايم" ظاهرة موجودة لدى الجماهير، حين تتحكم بها الحركة الغوغائية، لدى سيرها في موكب جماعي، أو لدى اشتراكها في عمل جماهيري، أو لدى تأثُّرها بعاطفة مشتركة أو انفعالٍ طارئ، إذْ يُعطلّ أفرادها عقولهم، اتكالاً على الجماهير المندفعة في المسيرة الغوغائية. وهكذا يفعل كل واحد منهم، فيعطل فكره، ويتكِّل على الجماهير.
أما واقع الأمر فإن مسيرة الجماهير تكون مسيرة تقليدية اتكالية تبعيّة، وقائدها الحقيقي ربما يكون رجلاً واحداً صاحب هوى، أو رجلاً انفعالياً أرعن، أو مجموعة متحزبة لها مصلحة من استغلال الجماهير المندفعة.
وحين تُسلَب الجماهير إرادتها الخاصة، وتتعطل أفكارها بإلقاء كل واحد منهم التبعة والمسؤولية على الجمع الغفير سواه، فلا بُدّ أن تكون الحصيلة أن الجميع يسيرون بلا إرادة، وبلا تفكير، وبلا عقل.
فإذا انفصل كلُّ واحد منهم عن المسيرة الغوغائية عاد إليه رشده، وعادت إليه إرادته، ونظر إلى الجماهير المندفعة اندفاع القطيع، فاستخف اندفاعها الغوغائي، وتعجّب من نفسه كيف كان واحداً من أفراد هذا الجمع المندفع.
استغلّ "دوركايم" هذه الظاهرة الجزئية، التي لا ترجع مطلقاً إلى ما أسماه "دوركايم" بالعقل الجمعي، الذي هو -كما زعم- خارج عقول الأفراد، وله سلطان جبري على الناس. وإنما ترجع إلى توهُّم كل فرد من الجماعة بأن الآخرين يُعملون عقولهم، فيتكل عليهم، فيعطّل عقله وإرادته، باعتبار أن الموضوع يتعلق بمصلحة الجميع لا بمصلحته وحده، وإذْ يدور هذا التوهم على كل الأفراد فإن حصيلة عقول الجميع وإرادتهم، تكون في الغالب صفراً أو عدداً يسيراً.
وعندئذٍ تكون نزوة البعض هي الحاكمة، أو يتسلل فيهم ذو هوى شيطان فيستغل قوتهم واندفاعهم الغوغائي، لتحقيق ما يريد هو.
стр. 319
إن "دوركايم" اليهودي، باختراعه فكرة "العقل الجمعي" وجعلها ظاهرة إنسانية، أو حقيقة من الحقائق المهيمنة على الوجود الإنساني، وقد أراد تهيئة جماهير الشعوب وهي معطلة عقولها وإرادتها، كي تستسلم تلقائياً لشياطين اليهود، حتى يلعبوا فيها كما يريدون.
فمغالطته في هذا الموضوع تعتمد على عنصرين:
الأول: تفسير الظاهرة بغير ما يصح أن تفسّر به، لخدمة أهدافه. وتفسيره هنا تفسير خرافي.
الثاني: تعميم الظاهرة الجزئية على كل السلوك الإنساني.
وهذان العنصران هما من العناصر التي تتكرّر في معظم المغالطات المندسّة في العلوم.
* * *
ثالثاً: وأما تركيزه على إلغاء الفطرة الإنسانية، النزّاعة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته، وإلى بعض فضائل الأخلاق، ونحو ذلك، فهو يعتمد على ثلاثة عناصر:
الأول: الإنكار بدون دليل.
الثاني: إغفال أو طمس الأدلة التي تدلّ على وجود هذه الفطرة، وهي الأدلة المقتبسة من الظواهر الإنسانية، ومن استقراء مشاعر الناس، في مختلف الأمم والعصور.
الثالث: إيجاد تعليلات مخترعة تخيلية، لظواهر التدين في الناس، والظواهر الخلقية المجيدة، وإلباس هذه التعليلات رداء منجزات علمية تزويراً وتزييفاً، وادعاء أنها مما توصل إليه البحث العلمي السليم، الذي بنيت عليه أصول الحضارة الحديثة.
* * *
رابعاً: وأما تفسير "دوركايم" لظاهرتي الدين والأخلاق في المجتمعات
стр. 320
الإنسانية، بأنهما من قبيل عبادة الجماعة لنفسها، وما يلزم عن هذه العبادة.
وهو ما سبق شرحه، إذ ساق قصة القبائل البدائية، وما لديها من اللقب الأسري "الطوطم" وما يكون لدى هذه القبائل من تعظيم له حتى مستوى العبادة.
فآراؤه في هذا التفسير آراءٌ خرافية خيالية، شبيهة بالأفكار الخرافية الخيالية التي فسّر بها "فرويد" بعض الظواهر الإنسانية، بغية دعم المخطط المرسوم لهدم الدين والأخلاق ونشر الإباحية.
ولا يحتاج الباحث المتأمل جهداً كبيراً، حتى يكشف الزيف الذي اشتملت عليه آراء "دوركايم" في هذا الموضوع.
وفيما يلي كواشف زيفه:
الكاشف الأول: إن اعتباره الظاهرة الخليعة الماجنة التي وصفها ظاهرةً تدينية أمر مرفوض تماماً.
إذ هو احتمال واهٍ ضعيف جداً، والأولى اعتبارها ظاهرة قبلية أو قومية، أو لوناً من ألوان الترفيه الذي يمارسه الناس جميعاً في أفراحهم وأعيادهم ومجالس سمرهم، ومناسبةً للتنفيس عن بعض الرغبات الحبيسة، والاستمتاع بالمرح واللهو، والتخلص من القيود الاجتماعية والدينية.
الكاشف الثاني: أن تفسير "دوركايم" الظاهرة التي وصفها بأنها من قبيل عادة الجماعة لنفسها، هو تفسير توهميّ لا أساس له ولا سند، ووضع شعار القبيلة في وسط الاحتفال لا يعني أنهم يعبدون هذا الشعار الذي يرمز إلى ذواتهم بحسب تصوّره.
الكاشف الثالث: زعم "دوركايم" أن القبيلة التي وصفها ووصف أعمالها وممارساتها هي أكثر القبائل الاسترالية بدائية، فهي أصلح من غيرها لتفسير ظاهرتي الدين والأخلاق، زعم يكذبه الواقع.
بدليل أن "روبرت شميث" وهو من كبار الباحثين الذين قاموا
следующие страницы →