← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

نظام معروف في الشعوب القديمة: "المصرية، والأثيبوبية، والعربية، واليونانية والرومانية، والغالية" وتوجد آثار منه في الأساطير الشعبيّة في أوروبا الآن، ولا يزال منتشراً في القبائل غير المتحضّرة في أمريكا وأستراليا. ويرى "دوركايم" أن أستراليا أخصب مكان لدراسة هذه الظاهرة، لأن سكانها أقل تطوّراً، وأقرب إلى الطبيعة الأولى من غيرهم، ولذلك استمد منها الوقائع التي بنى عليها أفكاره في مسألة نشأة الدين والأخلاق. وخلاصة هذه الوقائع أن تلك القبائل في تعظيمها لألقابها تعظّم في الوقت نفسه مسمى تلك الألقاب. ولما كان الاسم مشتركاً بين الحيوان والجد الأعلى وأفراد العشيرة، وكانت هذه الصلة بين هذه المعاني الثلاثة في نظرها صلة تجانس تام، ترجعها إلى جوهر واحد، شمل التعظيم ثلاثتها، لكن الخط الأكبر من التعظيم يدخرونه لهذا الاسم المشترك، أو لتلك الصورة الجامعة، وهو الوسم، أو الوشم. حتى إنهم نسبوا إلى هذه الصورة خصائص عجيبة، فزعموا أن الذي يحملها ينصر في الحرب على أعدائه، ويُوفَّق في تسديد السهم إلى رميته، وزعموا أن وضعها على القروح يُسرع في التئامها، إلى غير ذلك. ويرى "دوركايم" أن هذا التعظيم في العادة، لا يصل إلى درجة العبادة، ولا يوحي فكرة التدين والتقديس والتأليه، ولذلك يقضون جُلَّ أوقاتهم في حياة فاترة، كلٌّ يسعى لقوته منعزلاً في الجبل للاحتطاب، أو على شاطئ البركة للصيد، وليس لهم مظهر من مظاهر التدين في هذه الأحوال العاديّة، سوى التورّع عن بعض المحظورات. وإنما يأخذ التين حقيقته ومظهره التام عندهم في مواسم خاصة، تقام فيها الحفلات المرحة الصاخبة، التي يطلقون فيها العنان لحركاته العنيفة، وصيحاتهم المنكرة، على إيقاع الطبول، ولحن المزامير، وقد

стр. 317

ركزوا السارية التي تحمل علم العشيرة في سرّة الحفل، فينتهي بهم هذا الحماس الصاخب إلى الذهول والهذيان، بل يفضي بهم إلى انتهاك سياج المحرّمات الجنسية، التي يحترمونها في العادة أشدّ الاحترام. وربما نسبوا هذا التطور العجيب إلى حضور سر الأجداد فيهم عن طريق هذا الرمز، وعبادتهم للروح التي يرمز إليها، ظناً منهم أنها هي التي أحدثت فيهم هذا التحول الروحي الغريب. بعد أن يعرض "دوركايم" هذا يقول: ها هنا، وها هنا فقط، تتدخّل النظرية لكشف الغشاوة عن أعينهم، وتنبههم إلى ما حدث من تحوّل شعورهم عن منبعه وهدفه الحقيقيين، وأنهم إذا كان يتوجهون بعبادتهم لمصدر هذا الأثر الجديد، فليعلموا أنه ليس هو النُّصب، ولا ما يرمز إليه النُّصب، وإنّما هو هذا الاجتماع الثائر نفسه، فإن من طبيعة هذه الاجتماعات أن تنسلخ النفوس عن مشخّصاتها الفردية، وتنمحي كلها في شخصية واحدة، هي شخصية الجماعة. وهكذا يكون الاجتماع هو مبدأ التديّن، وغايته، وتكون الجماعة إنما تعبد نفسها من حيث لا تشعر. (٤) كشف الزيف أولاً: أما إصراره على تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيراً مادياً قائما على إنكار الخالق جل وعلا، فلا داعي هنا لتخصيصه بمناقشة تكشف فساد مذهبه من هذه الناحية. فقد أفردت بحثاً خاصاً في هذا السفر لمناقشة الملاحدة الماديين، فهو في المذهب المادي الذي يتبناه يدخل في عمومهم. وكشفُ زيوفهم جميعأً هو كَشْفٌ لزيف كل واحد منهم. * * * ثانياً: وأما اختراعه لفكرة "العقل الجمعي" فهو تخيُّلٌ خرافي مجرّد من أي دليل عقلي أو علمي.

стр. 318

وللإيهام بوجود شيء اسمه "العقل الجمعي" استغل "دوركايم" ظاهرة موجودة لدى الجماهير، حين تتحكم بها الحركة الغوغائية، لدى سيرها في موكب جماعي، أو لدى اشتراكها في عمل جماهيري، أو لدى تأثُّرها بعاطفة مشتركة أو انفعالٍ طارئ، إذْ يُعطلّ أفرادها عقولهم، اتكالاً على الجماهير المندفعة في المسيرة الغوغائية. وهكذا يفعل كل واحد منهم، فيعطل فكره، ويتكِّل على الجماهير. أما واقع الأمر فإن مسيرة الجماهير تكون مسيرة تقليدية اتكالية تبعيّة، وقائدها الحقيقي ربما يكون رجلاً واحداً صاحب هوى، أو رجلاً انفعالياً أرعن، أو مجموعة متحزبة لها مصلحة من استغلال الجماهير المندفعة. وحين تُسلَب الجماهير إرادتها الخاصة، وتتعطل أفكارها بإلقاء كل واحد منهم التبعة والمسؤولية على الجمع الغفير سواه، فلا بُدّ أن تكون الحصيلة أن الجميع يسيرون بلا إرادة، وبلا تفكير، وبلا عقل. فإذا انفصل كلُّ واحد منهم عن المسيرة الغوغائية عاد إليه رشده، وعادت إليه إرادته، ونظر إلى الجماهير المندفعة اندفاع القطيع، فاستخف اندفاعها الغوغائي، وتعجّب من نفسه كيف كان واحداً من أفراد هذا الجمع المندفع. استغلّ "دوركايم" هذه الظاهرة الجزئية، التي لا ترجع مطلقاً إلى ما أسماه "دوركايم" بالعقل الجمعي، الذي هو -كما زعم- خارج عقول الأفراد، وله سلطان جبري على الناس. وإنما ترجع إلى توهُّم كل فرد من الجماعة بأن الآخرين يُعملون عقولهم، فيتكل عليهم، فيعطّل عقله وإرادته، باعتبار أن الموضوع يتعلق بمصلحة الجميع لا بمصلحته وحده، وإذْ يدور هذا التوهم على كل الأفراد فإن حصيلة عقول الجميع وإرادتهم، تكون في الغالب صفراً أو عدداً يسيراً. وعندئذٍ تكون نزوة البعض هي الحاكمة، أو يتسلل فيهم ذو هوى شيطان فيستغل قوتهم واندفاعهم الغوغائي، لتحقيق ما يريد هو.

стр. 319

إن "دوركايم" اليهودي، باختراعه فكرة "العقل الجمعي" وجعلها ظاهرة إنسانية، أو حقيقة من الحقائق المهيمنة على الوجود الإنساني، وقد أراد تهيئة جماهير الشعوب وهي معطلة عقولها وإرادتها، كي تستسلم تلقائياً لشياطين اليهود، حتى يلعبوا فيها كما يريدون. فمغالطته في هذا الموضوع تعتمد على عنصرين: الأول: تفسير الظاهرة بغير ما يصح أن تفسّر به، لخدمة أهدافه. وتفسيره هنا تفسير خرافي. الثاني: تعميم الظاهرة الجزئية على كل السلوك الإنساني. وهذان العنصران هما من العناصر التي تتكرّر في معظم المغالطات المندسّة في العلوم. * * * ثالثاً: وأما تركيزه على إلغاء الفطرة الإنسانية، النزّاعة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته، وإلى بعض فضائل الأخلاق، ونحو ذلك، فهو يعتمد على ثلاثة عناصر: الأول: الإنكار بدون دليل. الثاني: إغفال أو طمس الأدلة التي تدلّ على وجود هذه الفطرة، وهي الأدلة المقتبسة من الظواهر الإنسانية، ومن استقراء مشاعر الناس، في مختلف الأمم والعصور. الثالث: إيجاد تعليلات مخترعة تخيلية، لظواهر التدين في الناس، والظواهر الخلقية المجيدة، وإلباس هذه التعليلات رداء منجزات علمية تزويراً وتزييفاً، وادعاء أنها مما توصل إليه البحث العلمي السليم، الذي بنيت عليه أصول الحضارة الحديثة. * * * رابعاً: وأما تفسير "دوركايم" لظاهرتي الدين والأخلاق في المجتمعات

стр. 320

الإنسانية، بأنهما من قبيل عبادة الجماعة لنفسها، وما يلزم عن هذه العبادة. وهو ما سبق شرحه، إذ ساق قصة القبائل البدائية، وما لديها من اللقب الأسري "الطوطم" وما يكون لدى هذه القبائل من تعظيم له حتى مستوى العبادة. فآراؤه في هذا التفسير آراءٌ خرافية خيالية، شبيهة بالأفكار الخرافية الخيالية التي فسّر بها "فرويد" بعض الظواهر الإنسانية، بغية دعم المخطط المرسوم لهدم الدين والأخلاق ونشر الإباحية. ولا يحتاج الباحث المتأمل جهداً كبيراً، حتى يكشف الزيف الذي اشتملت عليه آراء "دوركايم" في هذا الموضوع. وفيما يلي كواشف زيفه: الكاشف الأول: إن اعتباره الظاهرة الخليعة الماجنة التي وصفها ظاهرةً تدينية أمر مرفوض تماماً. إذ هو احتمال واهٍ ضعيف جداً، والأولى اعتبارها ظاهرة قبلية أو قومية، أو لوناً من ألوان الترفيه الذي يمارسه الناس جميعاً في أفراحهم وأعيادهم ومجالس سمرهم، ومناسبةً للتنفيس عن بعض الرغبات الحبيسة، والاستمتاع بالمرح واللهو، والتخلص من القيود الاجتماعية والدينية. الكاشف الثاني: أن تفسير "دوركايم" الظاهرة التي وصفها بأنها من قبيل عادة الجماعة لنفسها، هو تفسير توهميّ لا أساس له ولا سند، ووضع شعار القبيلة في وسط الاحتفال لا يعني أنهم يعبدون هذا الشعار الذي يرمز إلى ذواتهم بحسب تصوّره. الكاشف الثالث: زعم "دوركايم" أن القبيلة التي وصفها ووصف أعمالها وممارساتها هي أكثر القبائل الاسترالية بدائية، فهي أصلح من غيرها لتفسير ظاهرتي الدين والأخلاق، زعم يكذبه الواقع. بدليل أن "روبرت شميث" وهو من كبار الباحثين الذين قاموا

стр. 321

بدراسات شخصية دقيقة في أستراليا، يقرر أن القبائل التي ذكرها "دوركايم" هي أحدث القبائل الأسترالية، وأكثرها تقدماً، وأن أقدم قبائل أستراليا هم سكان جنوبها الشرقي، وهؤلاء لا يعرفون نظام الألقاب الحيوانية (التوتم) وفي الوقت نفسه توجد عندهم عقيدة "الإله الأعلى" بصفة واضحة. الكاشف الرابع: أهمل "دوركايم" المعتقدات والعبادات والأخلاق والعادات، والنظم ومنها نظام الزواج، وهي الأمور التي يتألف منها هيكل الحياة الشعبية للقبائل التي اعتمد عليها، في بناء آرائه التي قدّمها. ثمّ أخذ الصورة الشاذة التي وصفها، وجعلها دون دليل مظهراً لحقيقة الدين عند هذه القبائل التي وصف ممارساتها، في بعض احتفالاتها النادرة. فقد وصف "دوركايم" نفسه القبائل التي اعتمد عليها وصفاً يدل على أنها قد قطعت أشواطاً واسعاً، في نظامها المدني والاقتصادي، وذلك فيما لديها من قواعد الزواج، والنسب والملكية، وتنظيم مواسم الصيد، غيرها. يضاف إلى هذا أن نظام التسمية وحده يحتاج في إنشائه وتثبيته إلى عصور متطاولة، لتتواضع عليه القبائل جيلاً بعد جيل. لذلك عد الباحثون نظام "الطوطم" نظاماً مدنياً، قضائياً، أكثر منه نظاماً دينياً. بل إن الباحثين المتتبعيْن "لانج" و"فريزر" لم يريا فيه عنصراً دينياً البتة. وقررا أن فكرة الدين والألوهية تكونت في هذه القبائل بعيداً عن نظام اللقب الأسري (الطوطم) . فمغالطة "دوركايم" قائمة على عنصرين:

стр. 322

١- تفسير فاسد من جهة. ٢- وتعميم فاسدٍ من جهة ثانية. الكاشف الخامس: إن "دوركايم" نفسه يعترف بأن عدداً من قبائل أستراليا قد وصلوا إلى فكرة "الإله الأعلى" أو "الإله الأحد"، وأنه كائن أزليٌّ أبديٌ تسير الشمس والقمر والنجوم بأمره، وأنه هو الذي يثير البرق، ويرسل الصواعق، وإليه يُتوَجّه في الاستسقاء وطلب الصحو، وهو الذي خلق الحيوان والنبات، وصنع الإنسان من الطين، ونفخ فيه الروح، وهو الذي علم الإنسان البيان , وألهمه الصناعات، وشرع له العبادات، وهو الذي يقضي في الناس بعد الموت، فيميز بين المحسن والمسيء. ثمّ يقرر "دوركايم" نفسه، أن هذه العقائد كلها ليست مقتبسة من أوروبا، كما ظن "تيلور" بل إنها قديمة في هذه القبائل، قبل أن يصل إليها المبشرون الأوروبيّون. وأنهم يعبّرون عن هذه العقائد بعبادات حقيقية، ترفع فيها الأيدي إلى السماء بالدعاء. هنا نلاحظ أن "دوركايم" أهمل النظر إلى هذه الحقائق التي ذكرها، واعتمد على تفسيرات وهمية سماها هو عبادة، وهي ليست من العبادة في شيء، وقد فعل ذلك ليستكمل صناعة المذهب الذي اخترعه، وأحدث فيه فكرة "العقل الجمعي". الكاشف السادس: لو افترضنا جدلاً صحة ما ادّعاه "دوركايم" فإنه لا يستلزم أن يكون الدين ظاهرة اجتماعية بحتة. وذلك لأن الدين يشتمل على عناصر شخصية فردية تماماً، تكون بين الفرد ومعبوده، ويشتمل أيضاً على عناصر اجتماعية. ولئن كان يمكن للعناصر الاجتماعية أن تكون في بعض أحوالها

стр. 323

ظاهرة اجتماعية يقوم بها الفرد عن طريق الإلزام الجمعي، دون أن يكون له اختيار في تكوينها، فإن العناصر الشخصية الفردية تأبى بطبيعتها أن تكون إلزاماً جمعياً. وهذا ما استدرك به أنصار آراء "دوركايم" عليه. إن كل فرد متى خلا لنفسه وشعر بحاجاته وضروراته، وأعوزته الوسائل المادية، تيقظت فطرته الدينية، فلجأ إلى القوة الخالقة الغيبية، التي يرى آثار قدرتها وحكمتها، ولا يشاهد ذاتها، وهنا تكمن الفطرة الدينية في نفوس الناس. الكاشف السابع: لو كان الدين بما اشتمل عليه في الأديان الربانية، أو الدين الرباني المنزل على الرسل، وبما فيه من سمو ومعارف عظيمة، ثمرة أسباب اجتماعية لا غير، لكانت العلوم، والفنون، والآداب، ومنجزات الحضارات الإنسانية، ثمرة أسباب اجتماعية أيضاً. ولما كان للنبوغ الفردي في أشخاص العباقرة، والمبتكرين، والمخترعين، ومكتشفي قوانين الكون، الذين اعتزلوا مجتمعاتهم للبحث والتأمل، دورٌ فيما أنجزوه، ولكانت أعمالهم ثمرة العقل الجمعي الذي ادعاه "دوركايم" مع أن الواقع بخلاف ذلك تماماً. الكاشف الثامن: إن دراسة ظاهرة الدين بالاستناد إلى دوافع الفطرة التي تتفجر عند صفائها، وعند ضروراتها، هي الدراسة التي تكشف بحقٍّ أصول الدين في النفوس الإنسانية. ثمّ إن دراسة ظاهرة الدين بالاستناد إلى واقع الأديان الكبرى، وما اشتملت عليه من اعتماد على ظاهرة الوحي، الذي يبلغه رجال ممتازون من الناس، متحلون بصفات تؤهلهم لأن يكونوا رسلاً مصطفين من عند الله، هي الدراسة المنهجية السديدة، التي يجب اتباعها ويقضي الإنصاف العلمي باتخاذها منهجاً. وتفسير قضية الإيمان بالله واليوم الآخر، بأنها قضية منطق العقل

стр. 324

ودوافع الفطرة، هو التفسير الذي يتلاءم مع واقع الإنسان المزوّد بالكمالات الفكرية والوجدانية. وهكذا تكمن المغالطة التي اعتمد عليها "دوركايم" في التفسير الفاسد لظاهرة اجتماعية شاذّة، لدى بعض القبائل التي ادعى - على خلاف الواقع - أنها أكثر القبائل بدائية، وفي التعميم الفاسد الذي اعتبر فيه بعض القبائل البدائية مستنداً للحكم على الناس أجمعين، بما فيهم الذين بلغوا أرقى مستوىً حضاري عرفته البشرية حتى يوم الناس هذا. فهل فيما استند إليه "دوركايم" ما يصلح مستنداً لدى أي ذي فكر قويم؟. الواقع أن "دوركايم" قد خالف كلّ أصول وقواعد منهج البحث السليم، التي يعرفها ولا يجهلها، ليدعم أفكاراً وضعها سابقاً نُصْب عينيه، وحاول أن يجد لها ما يؤيّدها، ولو كان وهماً وخرافة. (٥) تعليق يبدو أن الفكر اليهودي مستخِفٌّ استخفافاً مسرفاً بعقول الأمم والشعوب غير اليهودية، مهما بلغت ثقافاتُها ومعارفها. لذلك فهو يرى أن الأوهام والتخيّلات السخيفة متى وضعت في قالب مزخرف، وسمّيت علماً، تلقفتها هذه العقول، وأخذتها بقبول حسن، واعتقدتها على أنها حقائق. وشجّع اليهود على هذا الاستخفاف وجود من يستجيب لهم، ويتقبّل أفكارهم وخرافاتهم، ووجود من يستأجرونه ليقوم بخدمة أغراضهم، وترويج سخافاتهم وضلالاتهم. * * *

стр. 325

الفصْل الرابع برجْسُون وَآرَاؤهُ في نَشأةِ الدّين وَالأخلاَق (١) من هو برجسون؟. هو "هنري برجسون". فيلسوف يهودي فرنسي. عاش ما بين عام (١٨٥٩ و١٩٤١م) . صار أستاذاً في الـ"كوليج دي فرانس" سنة (١٩٠٠م) . حاز على جائزة نوبل في الأدب سنة (١٩٢٧م) . ثنائي في فلسفته، يرى أن في العالم اتجاهين متعارضين، هما الحياة والمادة. فالحياة تصعد وتخلق وتجاهد خلال المادة، وتسمو عليها بالزيادة في الخصوبة ودقة التركيب، أمّا المادة فمثقلة هابطة مقيدة. إلى غير ذلك من آراء. من مؤلفاته: "الزمن والإرادة الحرة" و"المادة والذاكرة" و"الضحك" و"منبعا الأخلاق والدين" و"التطور الخلاق" وبعض هذه الكتب قد ترجم إلى العربية. شاع أنه اعتنق المسيحية في أخريات حياته، ولئن صح هذا فلقد غدا معلوماً تماماً غرض اليهود حينما يعلنون انتماءهم إلى المسيحية أو الإسلام أو غيرهما، إنهم قد يدخلون في أي دين غير الدين اليهودي نفاقاً، ليكون

стр. 326

لمذاهبهم التي يضعونها، وآرائهم التي يصدّرونها، ومكايدهم التي يكيدونها، تأثير أكبر في الأمم التي نافقوها بالانتساب إليها، ويندر فيهم الصادقون. (٢) دوافع آرائه في الدراسات الفلسفية حيث وجدْتَ مكراً يهدف إلى هدم الدين أو الأخلاق، أو النظم الاجتماعية أو السياسية الصالحة، أو من شأنه أن يُفضي إلى تدمير الإنسانية، فابحث عن الأصابع اليهودية وراءه. لقد وضع هذا الفيلسوف اليهودي نُصب عينيه فكرة سابقة وهي أنه ليس للدين ولا للأخلاق مصدر ربّاني مطلقاً، ولا أسس عقلية تجعلهما حقيقة من الحقائق، وأن الوحي خرافة من اختراع الإنسان، وأن اليوم الآخر والحياة الآخرة خرافة. ثمّ أخذ يُجهد نفسه باحثاً عما يَراه أو يُريه قُرّاءه سبباً يُمكن أن يُفسّر به ظهور الدين، وظهور الأخلاق، في المجتمعات الإنسانية، بعيداً عن كونهما من الحقائق. لقد أطال النفس في كتابه: "منبعا الأخلاق والدين" حتى انقطع في الصفحة (٣٤١) . وقد أخذ في غضونه يلهث كدّاً، بغية أن يظفر بتفسير نفسيّ يقنع ضحاياه، بأن الدين والأخلاق خرافة نافعة للحياة. (٣) ما يُهمنا مناقشته من آرائه الفلسفية لقد زعم في كتابه "منبعا الأخلاق والدين" خلال آراء وتلفيقات كثيرة، أن الدين والأخلاق من وضع "الملكة الوهمية" عند الإنسانية، وهي ملكة تصنع الخرافة، ليستفيد منها الإنسان في حياته، فيقي بها نفسه من آثار المخاوف التي يتعرض لها.

стр. 327

وكرر في كتابه المذكور عبارة "وظيفة الخرافة" مؤكداً بها أن للخرافة التي يخترعها الإنسان بمحض تخيُّلاته ظاناً أنها حقيقة، وظيفةً نافعة في حياته. وبالخرافة الدينية يدافع عن نفسه، ويقيها من الخطر الذي يتعرّض له من جرّاء اتجاهه العقليّ الصرف، وهو خطر تجميد نفسه، وتعطيل طاقاته الحيويّة عن التحرّك الفعّال المنتج. وقال عن الدين - وكان يتحدث عن الدين البدائي - في الصفحة (١٣٥) من كتابه ما يلي: " فمما لا شك فيه أن انفعال الإنسان بإزاء الطبيعة أصل من أصول الأديان. ولكننا نعود فنقول: إن الدين ليس خوفاً بقدر ما هو ردّ فعلٍ ضدّ الخوف، ولم يصبح إيماناً بآلهة فوراً ". وقال قبل هذا بقليل ما يلي: "وجدنا أن أصل المعتقدات التي أتينا على دراساتها إنما هي ردّ فعل دفاعي، تقوم به الطبيعة محاربة لتثبيط مصدَرُه العقل. وردّ الفعل هذا يثير في العقل ذاته صوراً وآراءً تُفْني التصوّر المثبط، أو تمنعه من أن يصير إلى فعل. فيرى كائنات تنبثق، وليس من الضروري أن تكون شخصيّات تامّة. بل يكفي أن تكون لها نيّات، بل أن تكون هي نيّات. فالاعتقاد إذن جوهره الثقة، وأصله الأول ليس هو الخوف، بل الأمان من الخوف ". وقال في الصفحة (١٥٠) : "نفترض وجود فعالية غرزية، ثمّ ينبثق العقل، فننظر: هل نجم عن ذلك اختلال خطر. فإذا كان ذلك هبّت الغريزة، فأوجدت في هذا العقل الذي سبّب الاختلال تصوّرات تردّ التوازن إلى ما كان عليه. وهذه التصورات هي الأفكار الدينيّة ". وذكر نظير ذلك في عقيدة الحياة بعد الموت، وأنها ردّ فعل دفاعي من الغريزة لمنطق العقل الذي يرى الموت، ويدرك أن الطبيعة جعلته نهاية حتمية للحياة، دون أن يكون وراءه شيء.

стр. 328

ومثل لما أسماه بوظيفة الخرافة بمثال المرأة التي فتحت باب المصعد في الطابق العالي، لتنزل فيه، فوجدت أن حارس المصعد قد دفعها بقوة، فطرحها أرضاً، ثمّ نهضت وأخذت تفكر فيما جرى لها، فرأت أن باب المصعد مفتوح كما فتحته، لكن غرفة المصعد موجودة في الطابق الأرضي وليس في طابقها، عندئذٍ أدركت أن المصعد معطل لخلل طرأ عليه، وأن الباب قد فتح بسبب الخلل الطارئ، ولو أنها دخلت لهوت في بئر المصعد فتحطّمت، ثمّ أدركت أن الوهم قد أسعفها بالصورة التي تخيلتها في حارس المصعد الذي دفعها، فكان للخرافة الوهمية هذه وظيفة دفع الخطر عن المرأة. وعقّب على هذه القصة بأن فكرة الإله في أفكار الناس مثل صورة حارس المصعد الذي دفع المرأة ليحميها، كلٌّ منها من صنع الوهم، لكنّه وهم دفاعيٌّ نافع، وهكذا كان لهذه الخرافة وظيفتها الدفاعيّة. بهذا نلاحظ أن "برجسون" قد ألغى ابتداءً كل الحقائق العقلية والعلمية التي جاءت بها الأديان الربانية، وأخذ يدرس الأديان البدائية والأديان الوثنية الخرافية، ويجعل لها تفسيرات نفسيّة بعيدة عن منطق العقل وبراهين العلم، لأن هذه الأديان فاسدة لا تملك بطبيعتها مثل هذه البراهين، ثمّ أطلق كلامه وعممه على كل الأديان. وهكذا تعتمد مغالطته على ثلاثة عناصر: العنصر الأول: تفسير الظاهرة الدينية تفسيراً بعيداً عن الحقيقة. ولئن كانت كما يقول في بعض الصور عند بعض الناس، فهي ليست كذلك في كلّ الصور ولا عند كل الناس. العنصر الثاني: التعميم الفاسد، إذ عمم حكمه على كل دين، اعتماداً على ما فسّر به أدياناً بدائية فاسدة باطلة، مع احتمال أن تكون الأديان الباطلة بدائية ذات أصول صحيحة، لكن دخلها التحريف والتبديل بعد ذلك، ودخلت فيها الوثنيّات من صنع الانحراف الإنساني، كما هو

стр. 329

مشاهد في بعض الأديان الكبرى، ذات الأصول الصحيحة، بشهادة الوثائق التاريخيّة. وعلى هذا فالخرافة الإنسانية كان لها وظيفة إفساد وتحريف، لا وظيفة دفاع وحماية كما زعم "برجسون". العنصر الثالث: تجاهل وكتمان الأسباب الحقيقية لقضايا الدين الحقّ، مع أن مثل "برجسون" لا يجهلها. تلخيص أفكار برجسون لخّص "د. محمد عبد الله دراز" أفكار "برجسون" حول تفسيره لظاهرتي الدين والأخلاق. واقتباساً من تلخيصه مع بعض التصرّف أقول: حاول "برجسون" تفسير نشأة التدين والعقيدة الإلهية على أنها من صنع الوهم الذي تفرضه الحياة، وليست وليدة التفكير المنطقي، وربط نشأة العقيدة الإلهية بأمرين: الأول: أن الإنسان لما كان واقعاً تحت تأثير الواجبات الاجتماعية، وهي تتطلب منه التخلي عن بعض رغباته، والتضحية ببعض حريته، وكان استعمال ذكائه العادي في حساب مصلحته يدعوه إلى الأثرة، وإلى التضحية بمصلحة الآخرين من أجل مصلحة نفسه، وهذان الداعيان متعاكسان، متضادان، كان لا بد له من قوة أخرى تحفظ التوازن، وتؤاخي بين مصالح الفرد والجماعة. هذه القوة المطلوبة قد أعَدَّتها الفطرة الإنسانية في النفوس حين أشربتها الفكرة الدينية. وذلك أنها صورت أمامها المحظورات الاجتماعية بصورة مخيفة، تجعل من المخاطرة انتهاكها، وما زالت تبالغ في هذا التصوير، حتى خيلت للنفس أن هذه المحظورات يقوم عليها حارسٌ

стр. 330

معنويٌّ، نَاهٍ، محاسب، ينذر من ينتهكها بالبطش والعقاب، وهذا هو معنى الإله ... وصورة هذا الحارس ضرورية للحياة، وإن لم تكن وليدة التفكير المنطقي، بل هي من عمل الواهمة أو المتخيّلة، التي تشخّص المعنويات، وتجسّم المجرّدات. فهي وَهْمٌ تفرضه الحياة، ومن أجل ذلك وُجدت الملكة الوهمية في طبيعة الإنسان، التي تصنع الخرافات النافعة. الثاني: أن ميدان الأعمال اليومية فيه فراغ نفسي عميق، لا يملؤه إلا العقيدة الإلهية. فكل ذي حاجةٍ ينتظرها وهو لا يدري ما قُدِّر له من النجاح أو الإخفاق، لو تأمَّل بعقله، وقاس أعماله بمقدار نتائجها المحققة أو الغالبة، لقعد عن السعي، ولتوقفت حركة الحياة. غير أن دفعة الحياة حركة تأبى الوقوف والجمود، فكان لا بد لها من ثقل تضعه في الكفة الأخرى من الميزان النفسي، لترجّح به جانب العمل، رغم كلّ تفسير وحساب، وما ذاك إلا الأمل تبعثه، والاعتماد على الحظ المحتمل تُقدِّره، ولا تزال تحث وتشجع، حتى تصور أمام النفس إرادة خفيَّة يركن القلب إليها، ويعتمد عليها، وتلك هي إرادة الإله المستعان. هكذا لخص الدكتور "دراز" فكرة "برجسون"، وهكذا نلاحظ أنه جعل العقيدة بوجود رب خالق مهيمن من صناعة الوهم النفسي. كشف الزيف الكاشف الأول: إن الفطرة الإنسانية التي تتجه لقضية الإيمان بالقوة الغيبية الخلاقة القادرة على تحقيق الأمن عند المخاوف، والإسعاف بالمطالب عند الضرورات الملجئة، لا يجوز عقلاً اتجاهها عملاً وهمياً، يصنعُ الخرافة لتحصيل الأمن، ثمّ يسمح بأن تستمر الخرافة جاثمة على النفس مدى الحياة رغم منطق العقل.

стр. 331

وذلك لأمور خمسة: الأمر الأول: إن اتجاه الفطرة يعتبر منبّهاً للعقل. حتى يبصر طريقه، فيأخذ بأسباب الأمن، إذْ قضية الإيمان بالله بعد التنبيه تغدو قضية عقلية، لا مجرّد، اندفاع غرزي فطريّ آني. الأمر الثاني: إن من الملاحظ بصفة عامة، أن كلّ دوافع الفطرة السليمة، وكل اتجاهات الغرائز حينما تكون بوضعها الفطري السويّ قبل أن تفسد بالعوامل الطارئة، تطابق العقل ومنطقه، بعد كل تجاربه واختباراته، ورؤيته المنطقيّة السليمة. ألا نشاهد في الواقع الإنساني أن معظم الفطر الإنسانية تتجه اتجاهات فيها تحقيق النفع من جهة، وهي في الوقت نفسه أفضل طريقة منطقية، ومطابقة للواقع والحقيقة من جهة ثانية؟. وحينما يحاول العلماء الوصول إلى حقيقة كاملة لها في الطبيعة الموجودة أمثلة وأفراد، فإنهم يتجهون لدراسة هذه الطبيعة، من خلال الموجودات واتجاهاتها الغرزية السويّة، ليصلوا إلى الحق، وعندئذٍ يرون التطابق تاماً بين الغرائز وفطر الكائنات وبين منطق العقل، بشرط أن تكون هذه الغرائز والفِطَر على وضعها السويّ الذي فطرها الله عليه، ولم تفسد بالأوهام وإرادات الناس، والتطبّع المكتسب. الأمر الثالث: من الملاحظ دائماً في سلوك الناس، أن الخطأ والفساد إنما يأتيان من الأوهام، لا من منطق العقل، ودلائل التجربة التي تسير وفق طبائع الأشياء. وقصة المرأة صاحبة المصعد لو صحّت فإنها لا تشبه بحال من الأحوال ظاهرة الدين. إن المرأة تصورت- بحسب الدعوى المطروحة - تصوراً خاطئاً كان به إنقاذها، لكنها بعد لحظات صحت فعاد إليها رشدها، وأبصرت بعقلها الواعي الحقيقة، وعرفت أنها كانت مخطئة.

стр. 332

بخلاف ظاهرة الدين، فإن المخاوف قد تحرك الفطرة للتعلق بأسباب الأمن، وعندها يأتي منطق العقل باحثاً عن القوة الغيبية التي تملك هذا الأمن، ولسنا ندّعي أن العقل وحده سيصل حتماً إلى كمال الحقيقة عن طريق البحث، إلا أنه سيتجه شطرها بحسب تنبيه الفطرة. ثمّ قد يصل إذا سار سيراً صحيحاً، كما وصل كثير من أهل الفكر الصحيح من فلاسفة وغيرهم، وقد يضلّ في بعض الطريق كما ضلّ الوثنيون والمشاركون وأصحاب الأديان الخرافية. الأمر الرابع: إن تدخل الوهم عند الخوف يفسد ولا يصلح، ويوقع في التهلكة، ولا يكون سبباً في تحقيق الأمن. ويلاحظ هذا في حالة المشي على عمود ممتد فوق جدارين مرتفعين بينهما هُوّة، أو على جسر ضيق جداً، فمنطق العقل يسمح بالاجتياز المطمئن، لأنه يقرّر أن الجسر لو كان قريباً من الأرض لاجتازه السائر عليه، دون أن يخطر في باله احتمال السقوط، فهو يسرع في مشيه مطمئناً آمناً. وفي حالة ارتفاعه يتدخل الوهم، فيشتد الخوف، فيسقط الماشي على العمود أو على الجسر فيهلك أو يصاب بأذى. كذلك سائق السيارة، إذا خاف وتدخل الوهم في صناعة أفكاره بعيداً عن منطق العقل. إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة لا تحصى في الواقع الإنساني، يلاحظ فيها أن تدخُّل الوهم يدفع إلى التهلكة. نعم. قد تكون الشجاعة أو الجرأة من عوامل الإقدام ضد مثبطات منطق العقل أحياناً، لكن الأوهام تجلب فرط الجبن المثبط أكثر من منطق العقل. والشجاعة أمل ورغبة وشعور بالقوة الكافية، بخلاف الجبن، فهو وهم وشعور بالضعف، وغشاوة على منطق العقل.

стр. 333

الأمر الخامس: إن قصة المرأة صاحبة المصعد إن صحت كما ذكر "برجسون"، فهي نادرة قد لا تتكرر في حياة الناس. وعكس ما حصل لها هو الأمر الذي يتكرر كثيراً، فكم من الناس سقطوا في بئر المصعد بمثل هذه الحادثة، ولم يظهر لهم هذا الحارس الوهمي، بل تحطموا وتهشموا وأصيبوا من جراء سقوطهم بإصابات خطيرة، وبعضهم أودت بحياته. إن الحوادث الكثيرة التي تحدث لمعظم الناس عند المخاوف المفاجئة تقدّم دليلاً لنقض ما ذكر "برجسون" تماماً. ذلك لأن الإنسان عندئذٍ تتجه غريزته بسرعة، ومن دون وعيٍ في العقل الظاهر إلى اتخاذ أسباب النجاة، ثمّ تأتي بعد ذلك صحوة الفكر للتعلّق بالأسباب الحقيقية الكاملة التي تكون بها النجاة. فمن أمثلة ذلك ما يلي: ١- نكون نازلين على درج أو سلّم، فننزل وفق خطة منتظمة، ثمّ قد نفاجأ بأن إحدى الدرجات مكسورة، أو مفقودة، ونشعر بالأمر حينما تهوي رجلنا أكثر من المسافة التي اعتدناها في نظام الدرجات. عندئذٍ تندفع الغريزة فينا اندفاعاً غير واعٍ إلى التمسُّك بأي شيء في جوار أيدينا خشية السقوط. وهذا حقاً من الفطر المسعفة التي تسبق الفكر الواعي، ولكن قد يكون الذي نمسك به خشية السقوط أشد خطراً من السقوط نفسه. ثمّ يصل الأمر إلى منطقة الفكر الواعي، فإن بقي من الوقت شيء يصلح للتدارك، أخذ العقل يفكّر بأسباب صحيحة للحماية من الخطر. ٢- كذلك يحصل لدينا إذا هبت نارٌ مفاجئة فيها خطر علينا، أو داهم عدوّ بشكل مفاجئ، أو حدث أي حادثٍ مخيف فيه خطر. هذه أحداث تتكرر دائماً في حياة الناس، وفيها دليل يثبت عكس ما ذهب إليه "برجسون". وباستطاعتنا أن نقول: على مثل هذه الحوادث قد تبرز ظاهرة الدين عند المخاوف العظمى التي تنقطع معها الأسباب الإنسانية، فهي تحدث

стр. 334

تنبيهاً قوياً من قبل الفطرة النفسية، ثمّ يصحو العقل الواعي متجهاً شطر الجهة التي نبّهت عليه الفطرة، أو هدت إليها. ثمّ يأخذ العقل باحثاً بمنطقه عن القوة الغيبية المهيمنة على الوجود، وفق مناهجه الاستدلالية. على أن قضية الإيمان بالله تتم في أوضاع نفسية هادئة مستقرة، وتنشأ نشوءاً متدرجاً، معتمدة على منطق العقل من خلال ملاحظاته لظواهر الكون وأحداث الحياة، ولا تتم في حالات نفسية مفاجئة إلا نادراً. الكاشف الثاني: ما دام ميدان الأعمال اليومية يوجد فيه فراغٌ نفسي عميق لا يلمؤه إلا العقيدة الإلهية، كما اعترف بذلك "برجسون" فلماذا يكون اتجاه الفكر لقضية الإيمان بالله عملاً خيالياً، لخدمة حركة الحياة، دون مراعاة لمنطق الفكر الصحيح، وأدلته البرهانية كما زعم؟. ولماذا لايكون هذا الاتجاه نفسه عملاً عقلياً استبصر به الفكرُ الحقيقة، بدليل أن كثيراً من كبار الفلاسفة والعلماء المؤمنين قد بنوا إيمانهم بالله على منطق علمي عقلي، وعلى أدلةٍ هدتهم إليها مناهج البحث الفكري السليم، ولم يقتصر إيمانهم على مجرد الإحساس الفطري الغامض، ولا على رغبة بإحداث توازن نفسي لخدمة حركة الحياة، ولا على خوف من الوقوف والجمود فيها، لولا الأمل الذي يصنعه الإيمان بالله المستعان. الكاشف الثالث: إن رأي "برجسون" الذي اعتبر فيه ظاهرة التدين وهماً ضرورياً، تسعف به الفطرة، لإيجاد التوازن بين مثبطات العقل ومقتضيات مسيرة الحياة، هو رأيٌ خياليٌ تماماً. والسبب في ذلك أن بطلانه يكشفه واقع حال الملاحدة الماديين، فإن كفرهم بكل دين لم يعطل لديهم مسيرة الحياة. وإن كان قد أوجد لديهم متاعب نفسية مشقية لهم، غير خرافة التثبيط التي ادعاها "برجسون". وهذه المتابع النفسية نتيجة حتمية لكفرهم بالحق، إذ يحرمون من الطمأنينة النفسية السعيدة التي يجلبها الإيمان بالله وباليوم الآخر. * * *

стр. 335

الفصْل الخامِسْ سَارْتر وَآراؤهُ الفَلسَفيَّة في الوُجُوديّة (١) من هو سارتر؟. هو "جان بول سارتر" يهودي فرنسي، فيلسوف وأديب. من فلاسفة القرن العشرين المعاصرين، ولد سنة (١٩٠٥م) بباريس ومات سنة (١٩٧٩م) بباريس. اقترنت باسمه الفلسفة الوجودية الإلحادية المعاصرة. اشتغل بالتدريس. ثمّ انخرط في الجيش، وسجنه الألمان سنة (١٩٤٠م) ، وبعد أن أطلق سراحه اشترك في حركة المقاومة. أنشأ (١٩٥٠م) مجلة "العصور الحديثة" التي تتضمن أبحاثاً وجودية في الأدب والسياسة. أطلق كلمة "وجودية" على فلسفته فقط، دون سائر فلسفات الوجودية، وأحرزت مؤلفاته نجاحاً جعله الممثل الأول للوجودية في فرنسا. نشرت الصحيفة أنه اشترك في مظاهرات يهودية صهيونية في فرنسا، وحملات تبرّع لإسرائيل في الستينات، كان من شعارها: ادفع فرنكاً فرنسياً تقتل عربياً (أي: مسلماً) ، فهو على ما يبدو يهودي وصهيوني. حين حضره الموت سأله من كان عنده: تُرى إلى أين قادك مذهبك؟. فأجاب في أسىً عميق ملؤه الندم: "إلى هزيمة كاملة".

стр. 336

استخدم الأدب لنشر أفكاره الوجودية الملحدة المسرفة في "اللامعقول". له عدة مؤلفات أهمها "الكينونة والعدم" أخرجه سنة (١٩٤٣م) خاطب فيه المختصين بشؤون الفلسفة. وله روايات وقصص أدبية ومسرحيات ضمنها آراءه، منها: ١- "الغثيان" ١٩٣٨ م. ٢- "سبل الحرية" في ثلاثة أجزاء. ٣- مسرحية "الفاضلة" ١٩٤٨م. ٤- مسرحية "موتي بلا دفن" ١٩٤٦م. ٥- مسرحية "الذباب" ١٩٤٣م وهي من أشهر مسرحياته. ٦- مسرحية "الأيدي القذرة" ١٩٤٨م. (٢) دوافع آرائه في الفلسفة والأدب هو واحد من قافلة اليهود الذين حملوا رسالة تضليل الناس وإغوائهم على منهج إبليس، لتحقيق أهداف اليهود العالمية، التي رسمتها بروتوكولات مشيختهم الذين مردوا على كل إثم وشر وتضليل. فأهدافه نظير أهداف "فرويد" و"دوركايم" و"برجسون". (٣) تعريف بما يُسمّى في الفلسفة بالوجودية قبل سارتر الوجودية: رأي فلسفيٌّ منتقد، عُرف من عهد فلاسفة اليونان، وفي مقدّمتهم سقراط. ولم يكن هذا الرأي الفلسفيُّ ملازماً للإلحاد بالله، ولا قائماً عليه، ولا دعامة من دعائمه، فقد كان مذهباً لفلاسفة مؤمنين بالله، ومنهم دينيون مسيحيون. يقول: "بول فولكييه" في كتابه: "هذه هي الوجودية": " إن الوجوديّة الدينية أقدم تاريخاً من سائر الوجوديات".

стр. 337

ثمّ ظهر بعض الملحدين الذين رأوا في مذهب الوجودية أفكاراً يمكن أن تنسجم مع إلحادهم. والوجودية المعاصرة مدرسة في الفلسفة ذات ثلاث شعب، والأساس المشترك بين الشعب الثلاث للوجودية، أن الوجود الإنساني هو المشكلة الكبرى، فالعقل وحده عاجز عن تفسير الكون ومشكلاته، وأن الإنسان يستبد به القلق عند مواجهته مشكلات الحياة. وأساس الأخلاق قيام الإنسان بفعل إيجابي، وبأفعاله تتحدد ماهيته، وإذن فوجودُه الفعلي يسبق ماهيته. الشعبة الأولى: الوجودية التي قال بها المسيحي "كيركجارد" ومؤداها أن قلق الإنسان يزول بالإيمان بالله . الشعبة الثانية: الوجودية التي عبر عنها المسيحي "جاك ماريتان" وأقامها على فلسفة "توما الأكويني".

стр. 338

وبناءً عليها يقول: إن الإيمان بالله يحدُّ من الرغبة في الوجود، ويحدُّ من الخوف من العدم. وهذه الشعبة لا يعنينها بحثها هنا أيضاً. الشعبة الثالثة: الوجودية الإلحادية. ورائد هذه الوجودية الإلحادية: "مارتن هيدجر" وهو فيلسوف ألماني من فلاسفة القرن العشرين، من مواليد (١٨٨٩م) . ثمّ تابعه اليهودي "جان بول سارتر" أكبر مروج للوجودية الإلحادية، حتى صارت الوجودية الإلحادية المعاصرة ملازمة لاسمه. ووجودية "سارتر" هي الوجودية التي يعنينا بيان زيفها. (٤) وجودية سارتر خلاصة فلسفة سارتر في وجوديته أن ثمة نوعين من الوجود: النوع الأول: وجود الأشياء الخارجية، وأطلق على هذا النوع من الوجود أنه وجود "في ذاته"، والشيء الموجود في الخارج هو موجود في ذاته. قال: وكل موجود خارجي، أي: في عالم الواقع لا في التصورات

стр. 339

الذهنية وخطط الأفكار، هو كائن بالفعل لا بالقوة، وله ذاتية مستقلة كاملة، وليس فيه مجال للإمكان، أي: لا يحتمل غير الواقع الذي وجد فيه، فلا يمكن أن يكون على خلاف ذلك، إذ تمثلت فيه ماهيته كاملة. فألغى سارتر بادعائه نفيَ الإمكانات، حقيقةً كبرى من حقائق هذا الكون الحادث، الخاضع لإمكانات لا حصر لها، والواقعُ الموجود فيه هو صورة واحدة من الصور الممكنة عقلاً، بدليل أن ما نملك القدرة على التغيير فيه، نجده يتغير وفق الصورة الممكنة التي نرسمها له ذهناً، وبهذا يخترع المخترعون، ويبتكر المبتكرون، ويصنع الصانعون. النوع الثاني: وجود الأشياء في الشعور، وهو ما يعبّر عنه في الفلسفة القديمة "الوجود الذهني". وأطلق سارتر على هذا النوع من الوجود عنوان "الموجود لذاته". أي: إنه موجود في الشعور ليحقق نفسه، ليحقق ذاته فقط، لا ليحقق ماهية خارجة عنه. قال: وهذا الموجود لذاته هو أقرب إلى "مشروع وجود" منه إلى الوجود المكتمل الثابت، لأنه متغير، قوامه النزوع المستمر نحو المستقبل، والتنصّل المستمرّ من الماضي. فهو موجود له في كل لحظة حالة غير حالة اللحظة السابقة، على خلاف الأشياء المادية ذوات الذاتية الثابتة. قال: ولما كان "الشعور" بطبيعته غير مستقر، كان محالاً أن تتحدد ماهيته، كما تتحدد ماهيّات الأشياء الخارجية. ومن هنا كانت حرية الإنسان هي صميم وجوده الشعوري القلق، فهو حرٌّ لأنه يخلق نفسه بنفسه كل لحظة.

стр. 340

ويرى "سارتر" أن قوله: "إن الإنسان حر" مرادف لقوله: "إن الله غير موجود". لأن وجود الإنسان لا يخضع لماهية أو طبيعة محددة، بل هو إمكان مستمر على الإنسان أن يحققه، فليس هناك "طبيعة بشرية" فرضت من الأزل، وليس هناك "تعريف" ثابت للإنسان كيف ينبغي أن يكون. بل إن الإنسان يوجد أولاً، ثمّ يظل يخلق ماهيته، بما يختار لنفسه من شعور، فليس الإنسان إلا ما يختار لنفسه أن يكون. والمدقق في هذه الآراء الفلسفية لسارتر يلاحظ أنها تقع وراء دوائر ما تقبله العقول، وما يستقيم مع موازينها، وفي فقرات كشف الزيف الآتية أحاول قدر الإمكان تعريف القارئ بمنازع ومزالق ادعاءاته غير المعقولة، والتي ألغى فيها من دون أي دليل الأصول والموازين الكبرى التي فطرت عقول الناس على التسليم بها، والتحاكم إليها. جولة في آراء سارتر التي قدمها في كتبه ١- عرض "سارتر" الوجودية مذهباً إلحادياً، في كتابه "الكينونة والعدم" أي: الوجود والعدم. وقد خاطب في هذا الكتاب المختصين في شؤون الفلسفة. إلا أن هؤلاء المختصين يعترفون بأنهم لم يفهموا كل ما جاء في كتابه هذا، كما أفصح عن هذه الحقيقة "بول فولكييه" في كتابه: "هذه هي الوجوديّة". ٢- زعم "سارتر" أن الإنسان بحريته الاختيارية هو الذي يخلق ماهيته، وقال: "إن الإنسان كائن أولاً، ثمّ يصير أخيراً هذا أو ذاك" أي: بحسب أفكاره الحرة التي تصنع ماهيته. قال "بول فولكييه": " وأفضى البحث بسارتر إلى نتائج تتناقض حتى تبلغ درجة المحال، واللامعقول".

стр. 341

٣- وزعم "سارتر" أن الإنسان هو الذي يضع مقاييس الحق والخير والجمال. وخالف في ذلك الفلاسفة المؤمنين بالله،، ومنهم الفيلسوف "ديكارت" فهذا الفيلسوف يرى أن الله هو الذي متى أراد شيئاً وخلقه كان خيراً، وأنه لا يمكن أن ينتج عن قراره إلا الخير المطلق. فردّ سارتر بقوله: "إن ديكارت بوصفه حرية إلهه المطلقة، لم يقم، إلا بوصف المحتوى الضمني لفكرة الحرية، فأعطى لله ما للناس بخاصة". هكذا عكس "سارتر" الحقيقة، لينسجم مع فكرته الإلحادية، التي أراد أن يضع لها فلسفة، فأعطى الإنسان ما هو لله وحده، تحت شبهة أن الإنسان له في حياته قسط من الحرية، وفق المنحة التي منحه الله إياها. وخالف "سارتر" برأيه هذا الذي رآه حقاً، أو أراد أن يُريه للناس ليضلّهم، خالف منطق الواقع والحقيقة. ولما جعل "سارتر" الإنسان هو الذي يضع مقاييس الحق والخير والجمال، لزمه أن يسقط المسؤولية، أو يقع في التناقض، وذلك لأن

стр. 342

المسؤولية إما أن تكون أمام الله، أو أمام المجتمع، أو أما ضمير ذاتي مثالي يحكم على أعمال الذات. لكن "سارتر" أنكر الخالق فلا مسؤولية تجاهه. وأنكر أيضاً الضمير الذاتي المثالي، لأن وجوديته تقرر أن الواقع يكون أولاً، ثمّ تكون الفكرة عنه، لا أن الفكر يكون أولاً بالحكم على ما يمكن أن يكون، ثمّ يكون الواقع، إذ هو لا يعترف بشيء من الفرضيات الذهنية السابقة للوجود على أنها ذات تأثير في الوجود. وأما المجتمع فلا دخل له، ما دام الإنسان بمفرده هو الذي يضع مقاييس الحق والخير والجمال. إذن لم يبق شيء يعتبر الإنسان مسؤولاً عنه في فلسفته الخرافية. لكن الإنسان هو مع ذلك في نظره مسؤول، فوقع "سارتر" في التناقض المفضوح، فقال: " نحن لا نعمل ما نريد، ونحن مع ذلك مسؤولون عما نحن كائنون، هذا هو الواقع". قال "بول فولكييه": "وهذا واقع متناقض، محال، لا هو مفهوم، ولا هو معقول". لقد وقع "سارتر" برأيه هذا في الجبرية الخرافية، إذ فر من قضية الإيمان بالخالق وحكمته، وخلقه الإنسان حراً مكلفاً، ليكون مسؤولاً عن أعماله تجاهه. ولو أنه آمن بالله حقاً، لأدرك أن الإنسان خُلقَ مختاراً، ليمتحن في حدود اختياره، ثمّ ليحاسب ويجازى يوم الدين. وإذ زعم "سارتر" أن الإنسان هو الذي يخلق الخير والشر بنفسه،

стр. 343

وذلك بحسب أفكاره الخاصة، وأنه ليس لأحد أن يوجّه النصح له، قال يخاطب "ماتيو": "إنك تستطيع أن تفعل ما تريد، وليس ثمة من له الحق في توجيه النصح إليك، وليس في نظرك شرٌ وخير إلا إذا خلقتهما ... ". إذن: فليفعل الإنسان أية جريمة، وليرتكب أي عمل قبيح، وله بعد ذلك أن يعتبر ما فعل خيراً لا شر فيه، وليس من حق أي أحدٍ أن يحاكمه، أو يؤاخذه على ما فعل. هل يحتاج قول "سارتر" هذا إلى تفكير عميق، أو إلى تحليل دقيق، لمعرفة دعوته إلى ارتكاب أية جريمة، وفعل أي شر، دون أن يشعر مرتكب ذلك بأي تأنيب من ضميره ووجدانه؟. إنه يلغي بأقواله المدمرة فكرتي الخير والشر مطلقاً، إذ يجعلهما من خلق الإنسان نفسه. وظاهرة أن كل إنسان يملك وفق هذا التضليل أن يعتبر بحسب مزاجه ومصلحته الخاصة أي أمر قبيح خيراً، وأي أمر حسن شراً، في حين قد يعكس غيره الأمر، لأن مزاجه ومصلحته الخاصة قد تلاءما مع العكس. إذن: فلا مفهوم للخير يمكن أن يحصل اتفاقٌ عليه، ولا مفهوم للشرّ يمكن أن يحصل اتفاق عليه. إذن: فلا شيء اسمه خير أو شر مطلقاً. هكذا يريد "سارتر". يريد إبطال الحقائق من جذورها بعبثه الفكري، الذي زعمه مذهباً فلسفياً. ٤- ونمت الفردية الأنانية لدى "سارتر" انسجاماً مع وجوديته الملحدة، حتى جعل الحب نوعاً من أنواع سلب الناس بعضهم لبعض. فالفرد في رأيه بحاجة إلى الحب في سبيل رفع قيمة ذاته عن طريق الآخر، وفي سبيل رفع قيمة ذاته لأنه يوجد إنسان آخر يقدّره.

стр. 344

لذلك يرى أن من ينظر إليه بحب فإنه يحاول أن يسلبه عالمه الخاص به، وفي هذا يقول: " إننا منذ الآونة التي نشعر فيها بأن إنساناً آخر ينظر إلينا، إنما نشعر أيضاً بأن الآخر يسلبنا عالمنا على نحوٍ من الأنحاء، هذا العالم الذي كنا نمتلكه وحدنا حتى هذه اللحظة " ويقول: " إنني ابتداءً من الآونة التي أشعر فيها أن أحداً ينظر إلي، أشعر أنني سُلبتُ عن طريق نظر الآخر الموجّه إلي وإلى العالم. إن العلاقة بيننا وبين الآخرين هي التي تخلق شقاءنا"١. ويقول: " إن الآخرين هم الجحيم". (٥) كشف الزيف لا تحتاج آراء "سارتر" وكذلك كل آراء الوجودية الملحدة إلى جهد كبير لتفنيدها، وبيان أخطائها، وكشف زيوفها. فهي أقل قيمة من أن توضع بين الفلسفات التي تستحق المنقاشة والاعتراض والنقد. ولولا أنها كتبت بأيدي رجال متخصصين في دراسة الفلسفة، ثمّ قامت منظمات ذات مخططات سياسية عالمية هدامة بترويجها في أسواق الفارغين من العقول، لنشر الإلحاد بالله وتدمير الأخلاق وسائر القيم الصحيحة عن طريقها، لما كان لها شأن يذكر، ولمَا رفعها أحدٌ من مجمع قمامات الآراء، لينظر إليها، ويفحص ماهيّتها، ولمَا اشتغل بقراءة كتبها مشتغلون حريصون على أوقاتهم أن تضيع سُدى، في قراءة كلام هراء

стр. 345

متهافت سخيف، لا قيمة له لدى أهل الفكر والنظر. لكن ماذا نعمل وقد أمست مذهباً مُضلاً، وفيما يلي كشف الزيف: الكاشف الأول: باستطاعة الباحث أن يحدد معالم فلسفة "سارتر" الوجودية الملحدة، التي أراد أن يجعلها مذهباً، من خلال تعبيراته الفلسفية المُعَمّاة، والتي فيها كلام كثير غير معقول، بالتحليل التالي: من المعلوم لدى كل العقلاء والفلاسفة أن أحكام العقل الأولى والكبرى، تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ممكن الوجود، وهو كل موجود حادث، وكل ما يمكن عقلاً أن يحدث، فلا يحكم العقل باستحالة وجوده، حين توجد الشروط الكافية لإخراجه من العدم إلى الوجود. وهذا القسم ينطبق على كل ما في الكون من أشياء، وأحداث، وتغيُّرات، وكلّ ما يتصور العقل إمكان حدوثه، سواءٌ بالتغيير والتبديل فيما هو موجود حادث، أو بخلق شيء جديد لا يستحيل عقلاً وجوده، ككائنات غير كائنات هذا العالم، ومخلوقات غير المخلوقات التي فيه. القسم الثالث: مستحيل الوجود عقلاً، وهو ما يجب عقلاً بقاؤه في العدم من الأزل إلى الأبد. ومن المستحيلات العقلية وجود رب خالق آخر غير الله الواحد الأحد، واجتماع النقيضين وجوداً في شيء واحد وزمن واحد. وقد أراد "سارتر" نسف هذه الأحكام العقلية الأولى والكبرى، المتفق عليها عند العقلاء. فحذف من التصور قسم "واجب الوجود عقلاً" فلم يتعرض له مطلقاً، لأنه يريد أن يقيم فلسفته على عدم الاعتراف بوجود رب خالق أزليٍ أبدي.

стр. 346

وحذف من التصور قسم "مستحيل الوجود عقلاً" فلم يتعرض له، لأن إثبات مستحيل الوجود يجر إلى إثبات واجب الوجود حتماً. ثمّ جاء إلى قسم "ممكن الوجود" والذي ينطبق على الكون وما يجري فيه، وكل ما يمكن عقلا أن يحدث. فألغى من هذا القسم وصف "الإمكان". فبقي شيء اسمه "الوجود" دون وصف، وإذ قد ارتفع منه الإمكان، فقد صار أمراً واجباً لا إمكان فيه ما دام قد وُجد. آراء تخيلها وادعاها، ولم يُقِم عليها أي دليل. وهدفه أن يحجب أفكار المستجيبين لآرائه عن كل تفكير في الإمكان القائم في الكون، حتى لا يجرهم ذلك إلى الضرورة العقلية التي تلزمهم بإثباتٍ أزلي أبدي واجب الوجود، به تحوّلت الممكنات من العدم إلى الوجود، ولولاه لكانت إمكاناتها متكافئة القوة في جانب العدم، فلم يستطع أحد منها أن يغلب أكفاءه فيظهر إلى عالم الوجود. وحين ألغى "سارتر" صفة "الإمكان" وأبقى صفة "الوجود" وحدها، اعترضته مشكلة أفكار الناس وتصوراتهم، القادرة على تخيّل أمور ممكنة غير موجودة، وبناء عليها يحاولون اختراع أشياء وصور جديدة بالتغيير والتحويل في مادّة الكون، وذلك يجر إلى إثبات الموجود الأول بعد عدة مراحل فكرية، وهو الأزلي الأبدي الخالق، الذي يرجع إليه تخصيص الممكنات ببعض إمكاناتها، وإخراجها بإرادته وقدرته من العدم، وهذا ما يحذره في فلسفته أشد الحذر. فكان عليه أن يزعم أن الفكر مشاعر متغيرة غير ثابتة، ولا ماهيّة لها، وأن الأشياء توجد أوّلاً في الواقع، والذهن بعد ذلك يصنع ماهيتها. إلى آخر ما قدم من ادعاءات خارجة عن دوائر المعقولات التي تهضمها العقول، أو تستسيغها قبل هضمها.

стр. 347

حتى الفلاسفة الذين قد يستسيغون من غير المعقول ما هو قريب من دوائر المعقولات، لم يستسيغوا ادعاآته. فمغالطته هنا ترجع إلى ما يلي: ١- إهمال حقائق فكرية إهمالاً يشعر ببطلانها. ٢- ادّعاءات غير مقترنة بأي دليل عقلي أو علمي. ٣- طمس الأدلة العقلية والعلمية التي تُسقِط ادعاءاته وتخيلاته وتخريفاته، وتثبت وجود الرب الخالق وصفاته العظمى. ٤- حصر النظر بجانب جزئي واحد، هو جانب مدلول كلمة "وجود" فقط، وإقامة الحجب الكثيفة دون غير ذلك من حقائق، وإلْقَاء الغشاوات الإيهامية على أفكار من يستجيب له، حتى لا يفكر تفكيراً سليماً يهديه إلى الحق. الكاشف الثاني: لقد ألغى الإمكان في الأشياء الموجودة، رغم أن الإمكان قائم في كل شيء من هذا العالم المشهود. وبسبب صفة الإمكان فيه يتصرف الناس ضمن قدراتهم الذهنية والعملية بالتغيير والتبديل، والاختراع والابتكار، وكل وجوه الصناعات، والعمران والهدم. ولولا صفة الإمكان فيه لم يحدث شيء من ذلك. لولا صفة الإمكان في قطعة الحديد الموجودة في الأرض، ما استطاع الصانع أن يصنع منها سكيناً، أو سيفاًَ، أو دولاباً في آلة، أو مسماراً، أو غير ذلك. ولولا صفة الإمكان في الصخر، ما قطّعه الإنسان وبنى منه القصر. هذه بدهيّة، ومع ذلك ادّعى "سارتر" نقيضها، ادعاءً فقط، بدون دليل ولا تعليل. وزعم أن الشيء يوجد أولاً، ثمّ يصنع الشعور الإنساني له ماهيته.

стр. 348

فألغى بذلك قيمة الفكرة، حين يتخيل صورة، ويرسم حدودها، والغاية منها، ثمّ يطبق صنعها من مواد الكون، فتأتي وفق الصورة والحدود التي سبق أن رسمها. أليس هكذا يفعل مهندسو العمران، ومهندسو السيارات والطائرات والآلات الميكانيكية وسائر الصناعات؟!. أليس هكذا يفعل الخياط والحداد والنجار والحذاء والطباخ وكل عامل، وكل صانع؟!. لقد ألغى كل هذا مع أنه من بدهيات الأمور، وادعى خلافه، ووضعه في قوالب ألفاظ فلسفية (وجود - إمكان - ماهية - في ذاته - لذاته - مشروع وجود - تغير مستمر - نزوع للمستقبل - تنصل من الماضي) إيهاماً وتلبيساً. لكنّ أفكاره التخريفية لا يقبلها ذو ميزان عقلي لا يزال على فطرته التي فطره الله عليها، لم يُصب بخلل الزيوف الفلسفية القائمة على مُعَمَّيَاتٍ من مصطلحات لفظيّة يحسبها الجاهل شيئاً، كما يحسب الظمآن السراب ماءً. إنه ذو هدف من إلغائه قيمة الفكر المخطط، لما يريد الإنسان عمله فيما يأتي، فهذه الحقيقة متى وضحت للإنسان واستقرّت في نفسه، استطاع أن يتخذ منها دليلاً هادياً، فإذا رأى صنعة متقنة هداه فكره إلى صانعها المتقن، إذ هي نتاج فكره وعمله. لكن "سارتر" يريد أن يصرف قراءه عن ملاحظة صفة الإتقان العجيب المعجز في خلق السماوات والأرض، وما فيهما من ظاهرة الحياة العجيبة، وخلق الإنسان قمة عجائب الخلق، حتى لا يتنبه الفكر إلى أن الإتقان في هذا الكون إنما هو أثر لصفات خالق قادر عليم حكيم يتقن ما يخلق، فهو الذي قدّر وقضى، وخلق على وفق مقاديره الحكيمة، وهو سبحانه يدير كل أمر بحكمته العظيمة، وحتى لا يتنبه الفكر إلى أن هذه المتقناتِ الكونية لا يمكن أن توجد وجوداً تلقائياً من ذاتها، بعد أن كانت في طي العدم، دون

стр. 349

سابق خطة حكيمة يقدّرها عليم حكيم قادر. لقد أراد "سارتر" أن يصرف قُرّاءه عن هذه الحقيقة ذات الدلالة البرهانية، الموصلة إلى الإيمان بالله الخالق، فوضع فكرته الخرافية المخالفة للبدهيات الأولى، والتي لا تقبلها أكثر العقول بدائية، فضلاً عن العقول المتقدمة في ميادين المعرفة. فهل الواقع كما زعم "سارتر" من أنه لا يوجد فكر يخطط، وإرادة تختار من الاحتمالات الممكنة ما يراه الفكر أصلح وأحكم؟!. وهل الواقع كما زعم "سارتر" أن الأشياء وأعمال الإنسان الإرادية الاختيارية، توجد أوّلاً ضمن طبائعها، ثمّ يأتي الفكر الإنساني فيضع للأشياء ماهياتها بحسب تصوراته لها؟!. إذا كان يمكن للفكر الإنساني أن يستنبط ماهية شيء رآه موجوداً، ولم يكن له دخل في التخطيط السابق له، فهل يدل ذلك على أن كل ما هو موجود حادث قد وجد بنفسه، دون أن يصنعه أحد، ثمّ يصنع الفكر الإنساني له ماهيته في تصوراته؟!. ما هذا الادعاء السخيف؟!. إن كل العقلاء يقيسون ظاهرة الإتقان في الكون على ما يعملون بأنفسهم من أمور متقنة، فيثبتون أن المتقنات الراقية لا يمكن أن توجد من قبل أنفسها، دون أن تكون مسبوقة بخطة حكيمة، تحدد ماهياتها وصفاتها قبل وجودها. العمارة الضخمة لا تظهر إلا مسبوقة بخطَّة مهندس وضع مخطّطها بفكره، ورسمه على ورقه، ثمّ نفذه في الواقع العملي على وفق الفكرة السابقة التي وضعها. والمصنع الذي ينتج نوعاً من الصناعات، لا يظهر إلا مسبوقاً بخطة مهندس، وضع مخططه بفكره، ورسمه على ورقه، ثمّ نفّذه في الواقع

стр. 350

العملي على وفق الفكرة السابقة التي وضعها. هكذا ظهرت في عالم الصناعات الإنسانية كل الصناعات، من أدناها حتى أعلاها وأرقاها وأدقها صنعاً، من صناعة الإبرة، إلى خياطة الثوب، إلى صناعة الطائرات والغواصات، والألكترونيات المعقدة جداً. إن شيئاً منها لم يوجد قبل فكرة رسمته وخططته، ثمّ جاء إيجاده على وفق الخطة الفكرية. لكن "سارتر" أراد أن ينسف هذه الحقائق بادعائه السخيف، فقال: الإنسان يوجد أولاً دون خطة سابقة، وأعماله الإرادية توجد أولاً دون خطة منه، ثمّ يصنع فِكْرُهُ ماهية لها يتخيلها من عند نفسه والعمليات الفكرية ليست وجوداً، إنما هي بمثابة مشروع وجود. الكاشف الثالث: ألغى "سارتر" حقيقتي الخير والشر، بجرّة قلم، تضمّنت ادعاءً كاذباً. وكذلك ألغى الحق والباطل، وألغى الجمال والقبح. وجعل الشعور الإنساني التابع للهوى ونوازغ النفوس هو الذي يخلق قيم الخير والحق والجمال، وأن هذه ليست لها قيم في ذاتها. وخالف في ذلك موازين العقول السليمة، وما تحس به الفطرة الإنسانية السوية. لقد شطب على هذه القيم دون أي دليل، ليقول لمن يستجيب لأقواله: انطلق: أيها الأحمق الغبي في عمل ما تريد أو تشتهي وتهوى، مهما كان ذلك في اعتبار الناس شراً، دون أن يكون لأحد عليك سلطان، فأنت الذي تصنع فكرة الخير حسب مزاجك، وأنت الذي تصنع فكرة الشر، وأنت الذي تخلق فكرة الحق وفكرة الباطل، وأنت الذي تخلق فكرة الحسن وفكرة القبيح.

стр. 351

كذلك يقول الشيطان للإنسان حين يوسوس له، لإغوائه. لست أدري: هل العلوم الرياضية، والهندسيات، والحقائق المجردة، والقضايا المنطقية الكبرى، حتى الوجود نفسه، هي من خلق الفكر الإنساني، وهي أوهام في أوهام، في نظر "سارتر" وكل معتنقي الوجودية الملحدة؟؟!!. هل الظلم والعدوان وكل الجرائم التي يرتكبها المجرمون، ليست في الواقع جرائم، حتى يراها الإنسان المجرم نفسه كذلك، دون أن يكون لغيره سلطان عليه في إملاء مفاهيم، ودون أن يكون في الواقع وجود لحقائق مجردة يمكن التحاكم إليها؟!!. هكذا تقول فلسفة "سارتر" كما ظهر واضحاً من أقواله، مع ظاهر التناقض فيها. ليس غريباً أن يُفرزه فكره مثل هذه السموم القواتل، وهو يهودي صهيوني، فهذه الأفكار وأشباهها قد عرفناها تماماً في المخططات اليهودية، الرامية إلى تدمير البشرية من الأمم غير اليهودية، وقد رأينا آثارها عند كل صانعي الأفكار المدمّرة من اليهود وأجرائهم ومنظماتهم. الكاشف الرابع: يمثل "سارتر" في بعض ما قدّم من آراء فلسفية حضيض الأنانية والشح عند اليهود. فأنانية "سارتر" أنانية عجيبة في دنيا الناس، لا توجد إلا عند الشاذين جداً. لقد جعل الحب الذي هو أسمى الروابط الاجتماعية في الحياة، من قبيل سلب المحب لذاتية محبوبه، وتجاهل ما في الحب من عطاء وتضحية هما في مستوى القمة، ولا نظير لهما إلا في الإيمان الرفيع بالله واليوم الآخر. هل الحب الذي تشعر به الأم في فطرتها تجاه طفلها يتضمن معنى سلب الأم لعالم طفلها وذاتيته؟!.

стр. 352

إن هذا الحب موجود في عالم الحيوان بشكل عام، وليس خاصاً في الإنسان الذي يمكن أن يفكر في مصالح نفسه مع عاطفة الحب. حتى المحب المشبوب بشهوة الرجال للنساء هو حبٌّ فيه تبادل أخذٍ وعطاء، فالمحب لا يأخذ سعادة اللقاء بمحبوبه إلا ويعطي من نفسه عطاءً وتضحيةً هما أكثر من اللقاء الذي يأخذه. لكن "سارتر" يريد أن يقطّع الروابط الاجتماعية كلها، وينمّي في الناس الفردية إلى أضيق حدودها، حتى تكون سبباً في تفتيت المجتمعات الإنسانية، تفتيتاً لا يبقي منها كتلة مترابطة متماسكة. وهذا - كما نعلم - أحد مخططات شياطين اليهود، لتكون شعوب الأرض لُقماً سائغة في أفواه الثعالب والثعابين اليهودية. فحين يرى "سارتر" أن حب الآخرين له سلبٌ لعالمه وسلبٌ لذاتيته، ويرى أن العلاقة بالناس هي التي تخلق لنا الشقاء، ويرى أن الآخرين هم الجحيم. فإنه يدعو إلى تقطيع الروابط الاجتماعية بين الناس. هكذا يقلب حقائق الواقع الإنساني، ويصدّر أفكاراً باطلة سخيفة في ثوبٍ فلسفي، يمكن أن يفتن به بعض مراهقي قُرّاء الوافدات الفكرية (على طريقة مبتكرات الأزياء) مع سيل ما تأتي به الحضارة الغربية. الكاشف الخامس: قدّم "سارتر" آراءه وأفكاره على شكل أحكام تقريرية، دون أن يؤيدها بأي دليل لا من الفكر، ولا من الحس، ولا من الواقع، ولا من المشاعر النفسية. فما قيمة آراء وأفكار من هذا القبيل؟!

стр. 353

إن أي صاحب خيال يستطيع أن يقول أية فكرة تخطر في وهمه، ويزينها بصبغة كلامية، وزخرف من القول، ثمّ يطرحها في الميادين الفكرية، ويجعلها مذهباً فكرياً. ولقد يكثر في الناس الخياليون الخرافيون، لكن المشكلة تبدو حينما يقوم بهذه العملية نفسها أناس عرفوا في الأوساط العلمية علماء باحثين، أو دارسي فلسفة، أو متتبعي معرفة، أو مكتشفي نظريات مقبولة، ولكن يكون لهم هوى، أو يكونون أعضاءً في منظمة ذات مصالح سياسية أو اجتماعية، فيستخدم مركزه العلمي، ليصدّر أفكاراً باطلة تخدم هواه، أو تخدم أهداف منظمته أو قومه، فيتداولها الناس تقديراً لمركزه العلمي، لا تقديراً للأفكار نفسها. وكم قدّم أحكاماً تقريرية بدون أي دليل، أنكر حقائق يشعر بها الناس جميعاً بدون أي دليل أيضاً، وقلب المفاهيم بادعاءات باطلات. وما أسهل على أي مبطل، أن ينكر بلا دليل، أو يثبت بلا دليل. الكاشف السادس: يقول: "بوخينسكي" أستاذ الفلسفة بجامعة "فريبورج" بسويسرا، بعد عرضه آراء "سارتر" في الوجودية: "وليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي ترتبت على هذه الفلسفة ... والتي تمثلت في نكران كل القيم، وكل القوانين الموضوعة، وفي ادعاء عدمية - واستحالة وعدم جدوى الحياة الإنسانية، بل إن الوجودية قد أفرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يدي سارتر. ومن نتائج الوجودية أيضاً، دعوتُها إلى التشكيك في جدوى قيام ما يتسم بروح الجد وطابعه، فهي فلسفة انحلالية عدمية تماماً".

стр. 354

موقف لسارتر: حدثني الأستاذ "محمد العفيفي" أنه سمع من الشيخ الأستاذ الدكتور "علي عبد المنعم" رئيس قسم التفسير والحديث بكلية الشريعة بجامعة الكويت، أنه جلس مرة مع "سارتر" فطرح عليه عدة أسئلة، وأحرجه بها. فسأل سارتر: من هذا؟ فقيل له: عالم أزهري. فقال سارتر لمن عنده: أتجلسونني مع رجل من رجال "محمد" فكيف أناقشه؟ وانصرف عن المجلس ... ! * * *

стр. 355

الفصْل السادس مْكيافيلّي وَفِكرَة: الغاية تبرر الوسيلة (١) من هو مكيافيلّي؟. هو "نيقولا مكيافيلي" إيطالي، ولد في "فلورنسا" وعاش ما بين عام (١٤٦٩-١٥٢٧م) . كان أبوه محامياً متوسط الحال. حصل على وظيفة صغيرة في حكومة "فلورنسا" سنة (١٤٩٨م) . ثمّ ترقّى وتقلّب في وظائف بعثات دبلوماسية ذات أهمية للحكومة، ثمّ أصبح المستشار الثاني للجمهورية. وعندما استولت أسرة "مديتشي" على الحكم سنة (١٥١٢م) سجن لأنه كان معارضاً لهم، ثمّ نُفي في العام التالي، وسمح له بأن يحيا حياة التقاعد في الريف قرب "فلورنسا". وتفرّغ للكتابة والتأليف، أشهر مؤلفاته: ١- كتاب "الأمير" وقد أصدره سنة (١٥١٣م) وأهداه إلى "لورنزو" وكان هدفه أن يسترضي به "الميديتشيين". دعا فيه إلى قيام دولة إيطالية موحدة بحاكم قوي، دون اعتبار القيم الخلقية، ولكنه لم ينجح في استرضائهم. ٢- كتاب "المطارحات" وهو أكبر من كتاب الأمير. ٣- كتاب "فن الحرب" أصدره سنة (١٥٢٠م) تحدّث فيه عن الجيش الضروري لمثل الحكم الذي وصفه في كتابه "الأمير".
следующие страницы →