Полный текст (717 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
كذلك يقول الشيطان للإنسان حين يوسوس له، لإغوائه.
لست أدري: هل العلوم الرياضية، والهندسيات، والحقائق المجردة، والقضايا المنطقية الكبرى، حتى الوجود نفسه، هي من خلق الفكر الإنساني، وهي أوهام في أوهام، في نظر "سارتر" وكل معتنقي الوجودية الملحدة؟؟!!.
هل الظلم والعدوان وكل الجرائم التي يرتكبها المجرمون، ليست في الواقع جرائم، حتى يراها الإنسان المجرم نفسه كذلك، دون أن يكون لغيره سلطان عليه في إملاء مفاهيم، ودون أن يكون في الواقع وجود لحقائق مجردة يمكن التحاكم إليها؟!!.
هكذا تقول فلسفة "سارتر" كما ظهر واضحاً من أقواله، مع ظاهر التناقض فيها.
ليس غريباً أن يُفرزه فكره مثل هذه السموم القواتل، وهو يهودي صهيوني، فهذه الأفكار وأشباهها قد عرفناها تماماً في المخططات اليهودية، الرامية إلى تدمير البشرية من الأمم غير اليهودية، وقد رأينا آثارها عند كل صانعي الأفكار المدمّرة من اليهود وأجرائهم ومنظماتهم.
الكاشف الرابع: يمثل "سارتر" في بعض ما قدّم من آراء فلسفية حضيض الأنانية والشح عند اليهود.
فأنانية "سارتر" أنانية عجيبة في دنيا الناس، لا توجد إلا عند الشاذين جداً.
لقد جعل الحب الذي هو أسمى الروابط الاجتماعية في الحياة، من قبيل سلب المحب لذاتية محبوبه، وتجاهل ما في الحب من عطاء وتضحية هما في مستوى القمة، ولا نظير لهما إلا في الإيمان الرفيع بالله واليوم الآخر.
هل الحب الذي تشعر به الأم في فطرتها تجاه طفلها يتضمن معنى سلب الأم لعالم طفلها وذاتيته؟!.
стр. 352
إن هذا الحب موجود في عالم الحيوان بشكل عام، وليس خاصاً في الإنسان الذي يمكن أن يفكر في مصالح نفسه مع عاطفة الحب.
حتى المحب المشبوب بشهوة الرجال للنساء هو حبٌّ فيه تبادل أخذٍ وعطاء، فالمحب لا يأخذ سعادة اللقاء بمحبوبه إلا ويعطي من نفسه عطاءً وتضحيةً هما أكثر من اللقاء الذي يأخذه.
لكن "سارتر" يريد أن يقطّع الروابط الاجتماعية كلها، وينمّي في الناس الفردية إلى أضيق حدودها، حتى تكون سبباً في تفتيت المجتمعات الإنسانية، تفتيتاً لا يبقي منها كتلة مترابطة متماسكة.
وهذا - كما نعلم - أحد مخططات شياطين اليهود، لتكون شعوب الأرض لُقماً سائغة في أفواه الثعالب والثعابين اليهودية.
فحين يرى "سارتر" أن حب الآخرين له سلبٌ لعالمه وسلبٌ لذاتيته، ويرى أن العلاقة بالناس هي التي تخلق لنا الشقاء، ويرى أن الآخرين هم الجحيم. فإنه يدعو إلى تقطيع الروابط الاجتماعية بين الناس.
هكذا يقلب حقائق الواقع الإنساني، ويصدّر أفكاراً باطلة سخيفة في ثوبٍ فلسفي، يمكن أن يفتن به بعض مراهقي قُرّاء الوافدات الفكرية (على طريقة مبتكرات الأزياء) مع سيل ما تأتي به الحضارة الغربية.
الكاشف الخامس: قدّم "سارتر" آراءه وأفكاره على شكل أحكام تقريرية، دون أن يؤيدها بأي دليل لا من الفكر، ولا من الحس، ولا من الواقع، ولا من المشاعر النفسية.
فما قيمة آراء وأفكار من هذا القبيل؟!
стр. 353
إن أي صاحب خيال يستطيع أن يقول أية فكرة تخطر في وهمه، ويزينها بصبغة كلامية، وزخرف من القول، ثمّ يطرحها في الميادين الفكرية، ويجعلها مذهباً فكرياً.
ولقد يكثر في الناس الخياليون الخرافيون، لكن المشكلة تبدو حينما يقوم بهذه العملية نفسها أناس عرفوا في الأوساط العلمية علماء باحثين، أو دارسي فلسفة، أو متتبعي معرفة، أو مكتشفي نظريات مقبولة، ولكن يكون لهم هوى، أو يكونون أعضاءً في منظمة ذات مصالح سياسية أو اجتماعية، فيستخدم مركزه العلمي، ليصدّر أفكاراً باطلة تخدم هواه، أو تخدم أهداف منظمته أو قومه، فيتداولها الناس تقديراً لمركزه العلمي، لا تقديراً للأفكار نفسها.
وكم قدّم أحكاماً تقريرية بدون أي دليل، أنكر حقائق يشعر بها الناس جميعاً بدون أي دليل أيضاً، وقلب المفاهيم بادعاءات باطلات.
وما أسهل على أي مبطل، أن ينكر بلا دليل، أو يثبت بلا دليل.
الكاشف السادس: يقول: "بوخينسكي" أستاذ الفلسفة بجامعة "فريبورج" بسويسرا، بعد عرضه آراء "سارتر" في الوجودية: "وليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي ترتبت على هذه الفلسفة ...
والتي تمثلت في نكران كل القيم، وكل القوانين الموضوعة، وفي ادعاء عدمية - واستحالة وعدم جدوى الحياة الإنسانية، بل إن الوجودية قد أفرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يدي سارتر.
ومن نتائج الوجودية أيضاً، دعوتُها إلى التشكيك في جدوى قيام ما يتسم بروح الجد وطابعه، فهي فلسفة انحلالية عدمية تماماً".
стр. 354
موقف لسارتر:
حدثني الأستاذ "محمد العفيفي" أنه سمع من الشيخ الأستاذ الدكتور "علي عبد المنعم" رئيس قسم التفسير والحديث بكلية الشريعة بجامعة الكويت، أنه جلس مرة مع "سارتر" فطرح عليه عدة أسئلة، وأحرجه بها.
فسأل سارتر: من هذا؟
فقيل له: عالم أزهري.
فقال سارتر لمن عنده: أتجلسونني مع رجل من رجال "محمد" فكيف أناقشه؟
وانصرف عن المجلس ... !
* * *
стр. 355
الفصْل السادس
مْكيافيلّي وَفِكرَة: الغاية تبرر الوسيلة
(١)
من هو مكيافيلّي؟.
هو "نيقولا مكيافيلي" إيطالي، ولد في "فلورنسا" وعاش ما بين عام (١٤٦٩-١٥٢٧م) . كان أبوه محامياً متوسط الحال. حصل على وظيفة صغيرة في حكومة "فلورنسا" سنة (١٤٩٨م) . ثمّ ترقّى وتقلّب في وظائف بعثات دبلوماسية ذات أهمية للحكومة، ثمّ أصبح المستشار الثاني للجمهورية. وعندما استولت أسرة "مديتشي" على الحكم سنة (١٥١٢م) سجن لأنه كان معارضاً لهم، ثمّ نُفي في العام التالي، وسمح له بأن يحيا حياة التقاعد في الريف قرب "فلورنسا". وتفرّغ للكتابة والتأليف، أشهر مؤلفاته:
١- كتاب "الأمير" وقد أصدره سنة (١٥١٣م) وأهداه إلى "لورنزو" وكان هدفه أن يسترضي به "الميديتشيين". دعا فيه إلى قيام دولة إيطالية موحدة بحاكم قوي، دون اعتبار القيم الخلقية، ولكنه لم ينجح في استرضائهم.
٢- كتاب "المطارحات" وهو أكبر من كتاب الأمير.
٣- كتاب "فن الحرب" أصدره سنة (١٥٢٠م) تحدّث فيه عن الجيش الضروري لمثل الحكم الذي وصفه في كتابه "الأمير".
стр. 356
٤- كتاب في تاريخ فلورنسا، حلّل فيه تطور المدينة حتى سنة (١٤٩٢م) وله بعض الروايات.
أثّرت آراؤه وأفكاره التي بثّها في كتبه في العلم السياسي. وتجمعها الفكرة التي أمست من قواعد السياسة في معظم دول العالم العلمانية، وهي "الغاية تبرر الوسيلة".
(٢)
ما يُهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره
عُني "مكيافيلي" بأن يكشف من التاريخ القديم ومن الأحداث المعاصرة له: كيف تُنال الإمارة، وكيف يُحتفظ بها، وكيف تُفقد.
وانتهى إلى رأي في السياسة يتلخص كما سبق بالعبارة التالية:
"الغاية تبرر الوسيلة" مهما كانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق.
وقد استند في رأيه هذا إلى الواقع المنحرف للأكثرية من الناس، لا إلى مبادئ الحق والعدل والخير والفضيلة.
رأى أن أكثر الحكام لم يكونوا شرعيين، ولم يكونوا ملتزمين المبادئ الأخلاقية الفاضلة، وبذلك استطاعوا أن يصلوا إلى الحكم، وأن يضمنوا استقرار الحكم في أيديهم إلى حين.
بخلاف الحكام الشرعيين، والذين كانوا يلتزمون المبادئ الأخلاقية الفاضلة المستندة إلى الحق والعدل والخير، فأنهم لم يُحقّقوا لأنفسهم النجاح المطلوب، ولا المحافظة على الحكم، كمحافظة الساسة الخائنين الغدارين المرائين المنافقين الكذّابين.
حتى البابوات فقد رأى أنهم قد كانوا في الكثير من الحالات يضمنون
стр. 357
الانتخاب لأنفسهم بوسائل فاسدة، لا تتفق مع الفضائل الخلقية.
وأنكر "مكيافيلي" في كتابه "الأمير" بصراحة تامة الأخلاق المعترف بصحتها، فيما يختص بسلوك الحكام، فالحاكم يهلك إذا كان سلوكه متقيداً دائماً بالأخلاق الفاضلة، لذلك يجب أن يكون ماكراً مكر الذئب، ضارياً ضراوة الأسد.
وفي الفصل الثامن من كتابه "الأمير" ذكر أنه ينبغي للأمير أن يحافظ على العهد حين يعو ذلك عليه بالفائدة فقط. أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غداراً.
ويقول:
"بيد أنه من الضروري أن يكون الأمير قادراً على إخفاء هذه الشخصية. وأن يكون دعياً كبيرا ً، ومرائياً عظيماً، والناس يصلون في السذاجة وفي الاستعداد للخضوع للضراوات الحاضرة، إلى الحد الذي يجعل ذلك الذي يخدع يجد دائماً أولئك الذين يتركون أنفسهم ينخدعون. وسأنوّه فقط بمَثَلٍ حديثٍ واحد، فالإسكندر السادس لم يفعل شيئاً إلا أن يخدع الناس، ولم يخطر بباله أن يفعل شيئاً آخر، ووجد الفرصة لذلك، ولم يكن من هو أقدر منه على إعطاء التأكيدات، وتوثيق الأشياء بأغلظ الإيمان، ولم يكن أحد يرعى ذلك أقل منه، ومع ذلك فقد نجح في خُدعاته، إذ كان يعرف هذه الأمور معرفة طيبة".
واستنتج "مكيافيلي" من هذا أنه لا يلزم الأمير أن يكون متحلياً بفضائل الأخلاق المتعارف عليها، ولكن يجب عليه أن يتظاهر بأنه يتصف بها. وينبغي له أن يبدو فوق كل شيء متديناً.
وفلسفة "مكيافيلي" تعتمد على دراسة النجاحات البشرية في وصول
стр. 358
الناس إلى غاياتهم، ولو كانت هذه النجاحات هي من قبيل نجاحات الأشرار. وما دامت أمثلة الآثمين الناجحين أكثر عدداً من أمثلة القديسين الناجحين , وكانت وسائل الآثمين وسائل آثمة منافية لفضائل الأخلاق، فإن الغاية في السياسة تبرر الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق، من أجل تحقيق النجاح المطلوب، ومن أجل الوصول إلى الغاية المقصودة، وهي الظفر بالحكم والاستئثار به.
فآراء "مكيافيلي" في تبرير الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق تدور حول السياسة، وأخلاق الحكام، وذوي السلطة.
وأخذ معظم أرباب السياسة في الشرق والغرب، بهذا الاتجاه المكيافيلي وفق أقصى صوره المنحرفة.
وهذا الاتجاه المنحرف الشاذ، المعاكس لاتجاه الكمال الإنساني، إذا أخذ على إطلاقه، وهو طريق كل المنحرفين الظالمين المجرمين المفسدين في الأرض، قبل مكيافيلي وبعده، في السياسة، وفي غيرها.
وأخذ هذا الاتجاه المستهين بفضائل الأخلاق الإنسانية لتحقيق غايات الأفراد والجماعات، يسودُ سلوك الناس في الشرق والغرب، ويغزو الأجيال في كلّ الأمم والشعوب، حتى غدا شمول الانحراف في الأخلاق نذير دمار عام شامل لكل الشعوب التي أخذت تنعدم فيها فضائل الأخلاق الفردية والجماعية.
وقد مال الفيلسوف الإنجليزي الملحد "برتراند رسل" إلى تأييد أفكار "مكيافيلي" فقال:
"وفلسفته السياسية علمية تجريبية، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة، ومعنيّة بتقديم الوسائل على الغايات المحدودة، بغضّ النظر عن التساؤل عن ضرورة النظر في كون الغايات حسنة أو سيئة، وعندما يسمح لنفسه أحياناً بأن يشير إلى الغايات التي يرومها، فإنها تكون
стр. 359
بحيث نستطيع جميعنا أن نُطرِيَها، وكثير من القدح المألوف اللاحق باسمه يرجع إلى استنكار المنافقين الذين يكرهون الإقرار بفعل الشرّ".
(٣)
كشف الزيف
الكاشف الأول: يرجع الخطأ في الفكرة الباطلة التي انتهى إليها "مكيافيلي" في السياسة، إلى اعتبار النسبة الغالية من السلوك الإنساني هي المقياس الذي يبرر به السلوك، وإلى إهمال جانب الحق والعدل والخير، وإغضاء النظر عن الشر الذي يشتمل عليه السلوك، وإلى اعتبار سلوك الإنسان مع الناس ذوي المشاعر والآلام والحقوق المتساوية لحقوق صاحب السلوك، كسلوكه مع الأشياء غير ذات الحياة.
مع أن الواجب يقضي بأن تراعى حقوق الناس ومشاعرهم الإنسانية، ومنها آلامهم.
إنه إذا كانت الوسيلة المفضلة لخرق جبل في أماكن خالية من السُّكان هي أن نفجّر في مكان الخرق المطلوب متفجرات قوية، لأن ذلك أسرع وأسهل، وأقل كلفة، فهل يصح قياساً عليه أن يكون مثل هذا التفجير هو الوسيلة المفضلة لفتح طريق داخل مدينة مليئة بالعمارات السكنية، وآهلة بالسكان، دون مراعاة للواجب الذي تفرضه حقوق الناس، ودون اكتراث بالشر الذي ينجم عن هذا العمل، ودون اعتبار لآلام الناس الذين يتعرّضون لشرور هذا التفجير؟.
وهل يصح أن يعتبر ذلك أمراً علمياً وتجريبياً محققاً للمطلوب بأسرع
стр. 360
وقت، وأسهل عمل، وأقل كلفة، كما زعم "برتراند رسل" إذ أيد آراء "مكيافيلي" بأنها علمية وتجريبية، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة.
إن أسس سلوك الإنسان مع الناس ومع الأحياء، غير أسس سلوك الإنسان مع الأشياء غير الحية، التي ليس لها أفكار ولا مشاعر وآلام ولذات ومطالب حياة.
والمنهج العلمي الذي يطبق على الأشياء غير الحية، لا يصح تطبيقه من كل الوجوه على الأحياء، وعلى الناس بشكل خاص، لأن الأحياء بوجه عام لها حقوق تجب مراعاتها، ولأن الناس بوجه خاص لهم حقوق زائدة على حقوق الأحياء الأخرى، فيجب وضع هذه الحقوق في الاعتبار لدى اتخاذ مناهج علمية تطبق على الأحياء عموماً، وعلى الناس خصوصاً.
الكاشف الثاني: أن اعتبار تفوّق المستهينين بفضائل الأخلاق، والمرتكبين لرذائلها، في الوصول إلى الحكم وفي تثبيته، على الملتزمين بفضائل الأخلاق المجتنبين لرذائلها، هو المبرّر العلمي لاتخاذ وسائل غير أخلاقية من أجل الوصول إلى الحكم وتثبيته، مطابق تماماً لاعتبار وسائل الغش، والخديعة، واللصوصية، وأكل أموال الناس بالباطل، هي الوسائل المفضّلة للوصول إلى الثراء الفاحش، والاستمتاع بلذات الحياة، وتدعيم الرأسمالية المفرطة.
فهل هذا مقبول من وجهة نظر الآخذين بآراء "مكيافيلي" من الشيوعيين والاشتراكيين؟.
ومطابق تماماً لاعتبار وسائل القتل الجماعي، وسلب أموال الأغنياء، وإقامة الثورات المدمرة، واستعباد الشعوب، من أجل وصول الأحزاب الشيوعية والاشتراكية إلى السلطة، واستئثارها بكل شيء، وتسلُّطها على كل شيء، بما في ذلك الحريات الإنسانية، والحقوق الإنسانية الأخرى.
стр. 361
فهل هذا مقبول من وجهة نظر الآخذين بآراء "مكيافيلي" من الرأسماليين والديمقراطيين؟
إذا كان الأول غير مقبول أخلاقياً لدى الشيوعيين والاشتراكيين، وكان الثاني غير مقبول أخلاقياً لدى الرأسماليين والديمقراطيين، مع أن الأول والثاني كليهما يمكن تبريرهما بأن الغاية تبرر الوسيلة، وفق مذهب "مكيافيلي" المتبع لدى المذهبين المتناقضين في العالم: "الرأسمالية وديمقراطيتها - والشيوعية وديكتاتوريتها".
فإن الحكم المنطقي يقضي بداهة بأن كلاً من الرأسماليين المكيافيليين، والشيوعيين المكيافيليين متناقضون مع أنفسهم.
وذلك لأن الرذائل الخلقية التي تقتضيها المكيافيلية مقبولة عند كل من الفريقين ومرفوضة معاً.
إنها مقبولة إذا كانوا يمارسونها هم ضد غيرهم، ومرفوضة إذا كان غيرهم يمارسها ضدهم. وهذا تناقض منطقي بدهي، لا يلتزم به من يحاكم الأمور بعقله، ولكن يكابر فيه من يحاكم الأمور بأهوائه وشهواته ومصالحه الخاصة، كلما كان له هوى أو شهوة أو مصلحة، لا تقام عليها حجج علمية ضد الآخرين الذين لهم أيضاً أهواء أو شهوات أو مصالح خاصة تقف في الطرف المقابل.
ويكفي هذا التناقض مع الذات لإسقاط "المكيافيلية". إذِ التناقض في أي مذهب، أو أيَّة فكرة، هو من أقوى البراهين لإبطال المذهب أو الفكرة ونقضهما.
الكاشف الثالث: يتساءل كل من له عقل، بل كل من لديه مقدار يسير منه، عن التفسير المنطقي لهذا الرأي المنحرف الذي يُعبّر عنه بأن الغاية تبرّر الوسيلة، والذي لا يستطيع إنسان في الدنيا أن يقبله على إطلاقه، مهما بلغت به الجريمة، ومهما بلغ به الشذوذ الفكري والنفسي.
من المعروف في الحياة أن لكل إنسان، ولكل مجموعة بشرية،
стр. 362
مطالب نفسية، وحاجات جسدية، وأنه لا بد لتحقيق أي مطلب من مطالب النفس، وأية حاجة من حاجات الجسد، من اتخاذ وسيلة إلى ذلك.
فهل يصح في عقل أي إنسان عاقل اتخاذ أي وسيلة في الدنيا، مهما كان شأنها عظيماً، لأية حاجة مهما كان شأنها حقيراً تافهاً؟
وحينما يروج صغار العقول أو المجرمون آراء "مكيافيلي" هذه التي تقول: "إن الغاية تبرر الوسيلة، ويدعون هذا الكلام يسير على إطلاقه دون قيود المنطق السليم، والحق الثابت، والفضيلة المثلى، فإنهم لا بد أن يتصرفوا في حياتهم تصرف المجانين، أو يكونوا شياطين مجرمين، يخادعون الناس بهذه الآراء التي يطلقون عليها زوراً وتزييفاً اسم "نظرية" ليفعلوا كل جريمة، دون أن يسميهم الناس مجرمين.
لقد ستروا أنفسهم المجرمة بطلاء مما أسموه "نظرية مكيافيلي".
وفي محاكمة هذا الكلام الفاسد، إذا أخذ على إطلاقه، لا بد أن نضع على سبيل التطبيق الفلسفي مجموعة من مطالب النفس، وحاجات الجسد، ونفرض أنها غايات، ثمّ نضع في مقابل ذلك مجموعة مما يمكن أن يكون وسائل لهذه الغايات، ونفرض أنها وسائل.
إنه من البدهي عند ذلك أن تبدوَ لنا أمثلة تطبيقية غريبة ومضحكة جداً، أخف منها ما يجري داخل مستشفيات الأمراض العقلية.
إنه يلزم من تعميم الفكرة المكيافيلية، أن لا يكون من المستغرب أن يحرق المكيافيلي مجموعة من أوراق النقد ذات الأرقام العالية، والقيمة الكبيرة، ليُغلي عليها ما يصلح فيه كأساً من الشاي، أو فنجاناً من القهوة، فغايته التي هي شرب الشاي أو القهوة، تبرر له وسيلة إحراق الأوراق النقدية الكبيرة، وخسارة الألوف، مقابل شراب لا يساوي بضعة فلوس.
ويلزم من هذا المذهب أن لا يرى المكيافيليون مانعاً من إلقاء مخطوطات علمية عظيمة نادرة، في نهر كبير، لتكون بمثابة جسر مؤقت تعبُر عليه جيوش الغزاة.
стр. 363
وليس من المهم بعد ذلك أن تخسر الإنسانية ذخائر المنجزات العلمية والفكرية الحضارية، التي خلفتها القرون الأولى، فالغاية تبرر الوسيلة.
وأن لا يروا مانعاً من تجويع الألوف من البشر، وسرقة خيراتهم، ليستمتع مجرم واحد بمظاهر الترف والرفاهية، فالغاية تبرر الوسيلة.
وأن لا يروا مانعاً من أن يقطع إنسان يد آخر، ليجعل من عظم ساعدها عصاً لمكنسته. وأن يسلخ جلد إنسانٍ حي ليصنع منه طبلاً أو دُقَّاً، يتسلى بالنقر عليه في جلسات السمر. وأن يحرق مدينة كاملة ليتمتع بمشاهدة لهيب نارٍ عظمى عن بعد، ثمّ يدين بها برآء ويعاقبهم بهذه الجريمة النكراء، كما فعل "نيرون" إمبراطور روما. وأن يقذف إلى حلبة المصارعة وحشاً ضارياً جائعاً، وإنساناً بريئاً ليتمتع بمشاهدة ظفر الغالب منهما ومصرع المغلوب، وقد مارست روما في أوج سلطان إمبراطوريتها من ذلك الشيء الكثير.
كل هذا ونظائره ينبغي أن يكون مقبولاً لدى "المكيافيليين" لأن الغاية تبرر الوسيلة.
أليست هذه الأعمال الجنونية أو الإجرامية وسائل لغايات؟ فإذا كانت الغايات مطلقاً تبرر أية وسيلة دون قيدٍ أو شرط، فما أجدر المكيافيلي الذي يأخذ بهذه الفكرة الفاسدة، أن ينحدر إلى أخس مرتبة يمكن أن تُتصوّر في الوجود، ويُردّ إلى أسفل سافلين.
وينبغي عندئذٍ أن يخلع الثوب الإنساني الذي فضّله الخالق به، ويلبس ثوب أخسّ الأحياء شراسة ودناءة.
(٤)
المكيافيليّة اليهودية
إذا كانت المكافيلية العامة تقول: "إن الغاية تبرّر الوسيلة" في شؤون
стр. 364
السياسة فقط، دون أن تَضَعَ لفكرتها هذه أي قيد من قيود المنطق السديد، والحق الثابت، والخير الجلي، والفضيلة والجمال، فإن المكيافيلية اليهودية تأخذ بهذه الفكرة نفسها، في مختلف الشؤون السياسية، والمالية، والعلميّة، والدينية، وغيرها من الشؤون التي تحقق لليهودي غاية من غايته مهما كانت حقيرة. ولو كانت الوسيلة إلى تحقيقها إهدار أي حق لفردٍ أو جماعة أو أمة، باستثناء اليهود، ولو كانت الوسيلة ارتكاب أية رذيلة خلقية، أو جريمة قذرة، أو نشرَ الكفر بالله، وبثَّ الإلحاد به في شعوب الأرض. والمكيافيلّيّة الشيوعيّة بنت المكيافيلية اليهودية.
(٥)
موقف الإسلام بين الوسائل والغايات
لكن الإسلام يتربع على قمة المجد في مراعاة الحق والعدل والخير والفضيلة والجمال.
وهو يأمر المسلمين بالتزام ما أمر الله به، ويكلّفهم أن يراعوا ذلك مع الناس جميعاً، دون تفريق بين الأفراد، وبين الأمم والشعوب، سواء منهم من دان بالإسلام ومن لم يدِن به.
وموقف الإسلام بين الوسائل والغايات تحدده أروع مبادئ تلتزم بالحق والعدل والخير والفضيلة، ولا تقترب من أضدادها، وتلتزم بكل ما أمر الله به من خير، ونهى عنه من شر.
وتفسح صدرها لاتخاذ بعض الوسائل التي يوجب المنطق السليم اتخاذها، ارتكاباً لأخَفِّ الضررين، ووسيلة لدفع أشدهما، وذلك حينما يتعذّر اتخاذ وسيلة أخرى لا ضرر فيها مطلقاً.
وقاعدة الإسلام في ذلك تحدِّدُها البنود التالية:
البند الأول: يجب أولاً أن تكون غايات الإنسان في حياته مقيدة بما أذن الله به في شريعته لعباده.
стр. 365
فما كل غاية تبدو للإنسان يجوز له أن يجعلها إحدى غاياته، ما لم تكن غاية مأذوناً بها شرعاً.
البند الثاني: يجب ثانياً أن يكون سعي الإنسان إلى غايته المأذون بها شرعاً، ضمن الوسائل التي ليس فيها إهدار لحقٍّ أو عدل أو فضيلة أو واجب، وليس فيها ارتكابٌ لمحرم من المحرمات الشرعية، وليس فيها إسراف ولا تبذير وبذل ذي قيمة عالية وسيلة لتحقيق ذي قيمة حقيرة.
البند الثالث: إذا تعارض في حياة الإنسان - ضمن قواعد الحق والعدل والفضيلة والواجب - واجبان، ولم يمكن بحالٍ من الأحوال أو وجه من الوجوه تحقيقهما معاً.
أو تعارض محرّمان، ولم يمكن بحالٍ من الأحوال أو وجه من الوجوه تركهما معاً.
أو تعارض ضرران، ولم يمكن بحال من الأحوال أو وجه من الوجوه دفعهما معاً.
فقاعدة الإسلام عند وجود هذا التعارض الذي لم يمكن تفاديه بوسيلة من الوسائل المأذون بها شرعاً بوجه عام، تتلخّص بما يلي:
أولاً: ترك أدنى الواجبين لتحقيق آكدهما، فيؤثر المسلم القيام بآكدهما، وأكثرهما وجوباً، ويترك الواجب الأدنى.
كمن كان في صلاة مفروضة فداهم العدو بلاده غازياً، ولو تأخّر حتى أنهى صلاته لأعطاه فرصة سانحة للظفر بالمسلمين، فالواجب والحالة هذه أن ينصرف من الصلاة لجهاد العدوّ، لأن واجب الجهاد في هذه الحالة أقوى من واجب إتمام الصلاة، بالنظر إلى النتائج التي تتحقق بكلٍّ منهما.
وكما لو تعارض في حياة أمة واجب التنمية الاقتصادية، وواجب صيانة الدين والخلق والفضيلة، والعلم الضروري لهذه الأصول، فالواجب والحالة هذه أن تحرص الأمة على صيانة هذه الأمور، ولو أفضى ذلك إلى
стр. 366
التقصير بتحقيق واجب التنمية الاقتصادية، على أن الله سوف ييسر للأمة وسائل هذه التنمية المطلوبة، مكافأةً لها على ما التزمت به من واجب أجل في شريعته لهم.
وكما لو تعارض في حياة الأمة الإسلامية واجب إعلاء كلمة الله في الأرض، وواجب صيانة أنفسها من القتل أو القرح، وصيانة غيرها من مضار القتال، ولم تُجْدِ الوسائل الأخرى لتحقيق الواجب الإلهي الذي هو حق الله على عباده جميعاً، فالواجب والحالة هذه أن تعرّض أنفسها وغيرها لمضار القتال الذي يرجى تحقيق الغاية الدينية العظمى به، لأن الكفر بالله وسيادة حكم الطاغوت سيودي بالإنسانية إلى ما هو شر من المضار التي قد تحدث بالجهاد المقدس.
ثانياً: ارتكاب أخف المحرمين لدفع الوقوع بأشدهما، فيؤثر المسلم ارتكاب المحرم الأخف، ليدفع ارتكاب المحرم الأشد، إذا لم يجد وسيلة أخرى مباحة، يجتنب بها المحرمين معاً.
كما لو هُدد إنسان بالقتل المحقق إذا لم يرتكب مثلاً جريمة السرقة، فالواجب والحالة هذه أن يختار أخف المحرمين وهي السرقة، ليدفع عن نفسه القتل الذي يعتبر التمكين منه أشد حرمة، إذ القتل أشد تحريماً من السرقة.
وكما لو تعرضت حياة إنسان بريء للقتل على يد ظالم، ولم يمكن دفع ذلك عنه إلا بارتكاب وسيلة الكذب، فالواجب والحالة هذه دفع أشد المحرمين بأخفهما، وظاهر أن الكذب على الظالم أخف عند الله من تعريض مسلم بريء لظالم يريد قتله أو تعذيبه تعذيباً شديداً.
ثالثاً: تحمّل أهون الضررين وأخفهما وسيلة لدرء أشدهما، كما لو أصيب عضو من أعضاء الإنسان بمرض لا يُستطاع إيقاف سريانه إلى سائر الجسد إلا ببتره، وإلا سرى فقتل صاحبه، فالواجب والحالة هذه بتر العضو
стр. 367
العليل حماية لسائر الجسم، ومن البدهي أن فقد العضو الواحد أهون وأخف من فقد الأعضاء كلها.
ولما توقفت سلامة الأمة في أخلاقها ودينها وأمنها على قطع أيدي السارقين، وجلد الزناة أو رجمهم، وإنزال أشد العقوبات بقطّاع الطرق، كان ذلك أمراً حتماً في أحكام الشريعة الإسلامية، تقضي به ضرورة ارتكاب أخف الضررين وسيلة لدرء أعظمهما.
رابعاً: إذا تساوى الواجبان المتعارضان، أو المحرّمان المتعارضان، أو الضرران المتعارضان، فالمسلم بالخيار، له أن يختار أحد المتعارضين ولو كان الذي اختاره أحبّ إلى نفسه.
وتشتبه أمور، فيختلف فيها الفقهاء المجتهدون، كالإكراه على الزنا.
وتختلف أمور باختلاف الناس، ومنها الإكراه على إعلان الكفر.
فمن كان هو من آحاد الناس، فله أن يقول كلمة الكفر لينجي نفسه من القتل، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، وله أن يصبر ويُقتَل شهيداً، لأن ثباته على إعلان الحق قد ينفع دعوة الإسلام، فيجلب به من صفوف المشركين أو الكافرين عموماً أناساً يسلمون بتأثير صموده.
وقادة الدعوة إلى الله، المعروفون بها، ينبغي لهم أن يثبتوا على إعلان الحق، ولو استشهدوا في سبيل ذلك، وهو بالنسبة إليهم أفضل.
أما الرسل فلا رخصة لهم في أن يقولوا كلمة الكفر، لينجو أنفسهم من القتل، لأن ذلك ينقض رسالتهم.
ومن كان من آحاد الناس ورأى أن بقاءه حيّاً قد يكون أكثر نفعاً للإسلام والمسلمين، وأكثر نكاية بأعداء الله، فإعلانه كلمة الكفر مع طمأنينة قلبه بالإسلام قد يكون هو الأفضل والأحب لله، وربما يكون هو الواجب أحياناً.
стр. 368
ميزان تحديد قيم المتعارضات
وميزان الإسلام لتحديد قيم الواجبات والمحرّمات، وأنواع الضرر ميزان دقيق جداً، يعتمد على مبدأين أساسيين:
المبدأ الأول: فيه تصنيف عام للمنافع واللذات والمصالح الفردية والاجتماعية، والإنسانية، الدينية، والدنيوية، المادّية والمعنوية، مع العلم بأن ما يمسّ منها الجوانب الدينية الكبرى، كالإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، يحتل مركز الصدارة، لأنه يمثل الحق الأول لله على عباده.
المبدأ الثاني: فيه تصنيف عام للمضار والآلام والمفاسد الفردية، والاجتماعية، والإنسانية، الدينية والدنيوية، المادية والمعنوية، مع العلم بأن ما يمس منها الجوانب الدينية الكبرى، كالشرك بالله، أو إنكار وجوده كلياً يحتل مركز الصدارة، لأنه يمثل العدوان الشنيع على حق الله الأول على عباده.
فما بيّن النص حكمه من المتعارضات، فقد أبان الشرع قيمهما، وما لم يبينه فقد تركه لأهل الاستنباط والاجتهاد، وقد تختلف في بعض ذلك آراء المجتهدين.
هكذا نجد الإسلام على قمة المجد في مراعاة الحق والعدل والفضيلة والخير والواجب، بين الوسائل والغايات.
بينما نجد "المكيافيلية" العامة هاوية إلى حضيض الخسة في مجال السياسة.
ونجد "المكيافيلية" اليهودية الشاملة لكل جوانب السلوك الإنساني هاوية إلى حضيض كل خسة، وكذلك "المكيافيلية" الشيوعية ذات الجذور اليهودية، ويسير في هذا الحضيض كل المجرمين والمفسدين في الأرض.
ويتحقق في الإنسان الآخذ بهذه "المكيافيلّية" قول الله في سورة (التين/٩٥ مصحف/٢٨ نزول) :
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ .
* * *
стр. 369
الفصْل السّابع
مَارْكوز وَآرَاؤهُ الثّوريَّة
لإقامة ديكتاتورية حكم الأقلية الواعية
(١)
من هو ماركوز؟
هو "هربرت مرقس. أو ماركوز" فيلسوف يهودي معاصر، ألماني المولد، أمريكي النشأة. عاش من سنة (١٨٩٨ إلى ١٩٧٩م) . استخدم طريقة نقد الفكر الحديث في علاقته بالمجتمع الحديث، فكان من أشدّ نقّاده. وكان له بسبب ذلك تأثير سياسيٌّ فعّال بالغرب. أخذ أتباعه يمجدونه حتى رفعوه إلى مصاف أنبياء بني إسرائيل. له كتاب "فلسفة النفي" وكتاب "الحبّ والحضارة".
وأصدر سنة (١٩٦٤م) كتاباً باسم "الإنسان ذو النظرة الواحدة" أو ذو البعد الواحد. دعا فيه إلى قيام جمهورية القلّة، التي تمارس العقلانية بواسطة الصفوة، ووجه هذه الصفوة لاستغلال الحركات الطلابية الثورية، ولاستغلال المنبوذين، والخوارج، والمستغلّين، والمضطهدين من مختلف الأجناس والعناصر والألوان، والعاطلين عن العمل، وغير القادرين عليه، للقيام بعمل ثوري جذري يحقق هذا الهدف، وتلتقي فيه أشدّ قُوى الوعي الإنساني المتمثلة بالصفوة، بأشدّ العناصر البشرية تعرّضاً للاستغلال، أو الاضطهاد، والتي يمكن دفعها للثورة الهائجة، واستغلال ثورتها.
стр. 370
وروّجت وسائل النشر والإعلام اليهودية لكتاب "ماركوز" هذا ترويجاً عظيماً، وحوّلت "ماركوز" من أستاذ جامعي اشتهر بتفسير فلسفة "هيجل" إلى شخصيّة دولية، يَستشهد به ويتتلمذ عليه بعض اليساريين، ويعتبرونه قدّيسهم الفكري.
ومعلوم أن الدعاية لتمجيد الأشخاص هدفها المعاصر التمجيد بأفكارهم وآرائهم، والتأثير بذلك على الجماهير حتى تؤمن بها، وتنساق وراء قادتها.
(٢)
دوافع آرائه
رأى شياطين اليهود الموجهون لمنظماتهم، والمخططون لحركاتهم في العالم، أنهم قد حققوا في الشرق والغرب قسماً كبيراً من مخططهم الرامي إلى هدم الدين والأخلاق، وإطلاق حرية الفكر، وحرية الجنس والحب، وحرية اختيار أسلوب العيش مهما كان فوضوياً.
فقد أسسوا الشيوعية وأقاموا ثورتها في الشرق، فتمكَّنُوا من الهيمنة على ناصية دولتها الكبرى.
وسيطروا اقتصاديا وسياسياً وإعلامياً وثقافياً على الدول الرأسمالية والاشتراكية في الغرب.
وكان للعبث الفكري دوره التمهيدي العظيم في ذلك، وهو الذي صاغه أئمة منهم أمثال: "ماركس وفرويد ودوركايم" ونشرته مؤسساتهم وأجهزتهم السياسية والإعلامية والتعليمية.
بقي عليهم أن يحضّروا لإقامة الثورات السياسية، ليركبوا صهوتها، ويصلوا فعلاً إلى قمة حكم ديكتاتوري صارم، يحكمون به دول العالم الغربي، تحت ستار حث الصفوة من المثقفين لاستغلال الحركات الطلابية الثورية، ولتحريك المنبوذين والمشردين والهيبيين والعاطلين ومن إليهم للقيام بالثورة المطلوبة.
стр. 371
وإذا حكموا دول العالم الغربي حكموا من بعد ذلك سائر دول العالم، فالقوتان الكبريان تكونان يومئذٍ تحت سلطانهم.
فدفعوا "ماركوز" أحد رجالهم المتخصصين في الدراسات الفلسفية، لنشر أفكار جديدة، ذات صيغة فلسفية، من شأنها إغراء المثقفين التحرريين من كل القيم التقليدية، الذين يتخذون الوجودية والإلحاد بالرب الخالق مذهباً لهم في الحياة، ويؤمنون بحرية الجنس ومشاعيته، وبحرية الفكر مهما انطلق في عبثه، ويستمتعون بأسلوب العيش الفوضوي الذي لا ضابط له ولا نظام، ويؤثرون الانطلاق البَهَمِيّ، ولكن بنوازع وغرائز بشرية.
ولكن ما هو المطلوب إغراء هؤلاء به، ودفعهم إليه؟
المطلوب إغراؤهم به هو التحرك للاستيلاء على الحكم، وإقناعهم بأن الجيش الثوري الذي يمكن أن يستخدموه جسراً يوصلهم إلى هذه الغاية، يؤلف من الحركات الطلابية الثورية، ومن فئات المنبوذين، والخارجين على تقاليد المجتمع، ولا يقيمون وزناً لدين، أو خلقٍ، أو عرف، أو قاعدة اجتماعية، أو فضيلة خلقية، ويعرفون بالهبيين والبوهيميين
стр. 372
ومذهبهم الانعزالي يجعلهم ينفصلون عن الجماهير الواسعة، ثمّ يكون معهم المستغلون، والمضطهدون من قبل مجتمعاتهم، لأي سبب من الأسباب العرقية أو اللونية أو السلوكية أو غير ذلك، ومعهم أيضاً سائر المجرمين في الأرض.
أما طريقة الحكم بعد الظفر به، فينبغي أن تكون ديكتاتورية صارمة.
ولكن المكر اليهودي سيكون وراء كل هؤلاء الثوريين، إذ يتخذهم جميعاً مطايا، وهذه المطايا ستتساقط مطيّة فمطية، ويأكل منها اللاحق السابق، حتى تحين الفرصة المواتية لشياطين المكر المتربصين، وعندئذٍ سيكون شياطين المكر اليهودي هم الديكتاتوريين الحقيقيين، القابضين على كل مراكز القوة، والملوك الفعليين، الذين احتالوا للظفر بمُلك العالم بوسائل التضليل الفكري، والثورات التي تلتهب نيرانها بأجساد الحمقى الذين جعلوا أنفسهم مطايا لشياطين اليهود.
ويتوهم اليهود أنهم إذا حققوا هذا المخطط الأخير ملكوا الدنيا ملكاً علنياً صريحاً، واستعبدوا الشعوب بديكتاتورية صارمة. لكن الله لن يظفرهم بذلك، بل سيعيدهم إلى الوضع الذي هو القاعدة بالنسبة إليهم وما سواها شذوذ عنها.
(٣)
ما يُهمنا عرضه من آراء "ماركوز" وأفكاره
١- مهّد لأفكاره برسم صورة لواقع مجتمعات الدول الصناعية الراقية الغربية، وحاول أن يجد في هذا الواقع ما يمكن أن يطلق منه نيران
стр. 373
الثورة على الإدارات الحاكمة داخل شعور هذه الدول.
٢- أما السلاح الناري الذي أراد تفجيره لدى المستعدين لأن يستجيبوا لأفكاره، فهو سلاح الحرية.
٣- حافظ في فلسفته التي عرضها على البناء الذي أسسه من قبله شياطين اليهود، وهو البناء القائم على الماديّة الإلحادية الإباحية التحرريّة الفوضوية.
٤- أقام فلسفته المزيفة على دعامتين رئيسيتين:
الدعامة الأولى: فكرة مؤسس الشيوعية اليهودي "كارل ماركس في "النظام الجماعي" الذي يمثله في الإدارة صفوة من الأفراد، وهي الفكرة التي تدعمها آراء عالم الاجتماع اليهودي "دوركايم" في خرافة "العقل الجمعي" التي سبق شرحها.
الدعامة الثانية: فكرة مؤسس مدرسة التحليل النفسي، اليهودي "فرويد"، القائمة على توحيد الدوافع الإنسانية كلها بالدافع الجنسي، ووجوب إطلاق هذا الدافع ليحقق رغباته، دون أية قيود دينية أو خلقية أو قواعد وأنظمة وعادات اجتماعية، أو غير ذلك.
٥- أبان في رسمه لصورة واقع مجتمعات الدول الرأسمالية الغربية، أن تقنيّة "تكنولوجيا" المجتمعات الصناعية الراقية، وقد جعلت في وسع هذه المجتمعات أن تزيل التناقضات الموجودة فيها، وذلك من خلال استيعاب جميع أولئك الذين كانوا في ظل الأنظمة الاجتماعية السابقة يشكلون قوىً انشقاقية، وأصواتاً رافضة.
стр. 374
وقد حصل هذا الاستيعاب بسبب الكفاية والوفرة المادية، وتحرر الكثرة الكاثرة من الحاجة المادية، فلم تعد هذه الحاجة المادية تضغط عليهم، لتطلق منهم أصوات الرفض للواع الذي يعيشونه , وتشكّل منهم القُوى الانشقاقية عن المجتمع.
لكنّ تلبية احتياجات الناس الماديّة، التي أزالت أسباب انشقاقهم واحتجاجاتهم وتمرّدهم، وقد ولّدت لديهم العبودية والاستكانة لإداراتهم الحاكمة، وطبقاتهم المالكة لرؤوس الأموال، فغدوا أدوات سلبية للنظام السائد، يدعمون استمراره باستكانتهم، وبرضاهم بما حققه لهم من سعادة مادية، وبعدم قيامهم بأي احتجاج أو رفض، أو تحرك لإحداث قُوىً منشقة.
لكن هذه السعادة التي نالوها، واستكانوا بسبب تخديرها لهم سعادةٌ سطحية وهمية مزيفة. مَثَلُها كمثل الدعايات التجارية حينما تتوسل لإغراء الجماهير بالرسم والصور الجنسية، دون أن تحقق لهم الإشباع الجنسي الحقيقي الذي يتطلّبونه.
وزعم "ماركوز" أن لدى الإنسان قسمين من الاحتياجات:
القسم الأول: الاحتياجات الحقيقية.
القسم الثاني: الاحتياجات الزائفة.
وزعم أن الاحتياجات الزائفة في حياة الإنسان، هي التي يتم بها إخضاع الفرد، وحرمانه من حريته الحقيقية، التي هي إدارة نفسه بنفسه، وعدم استكانته وخضوعه لأية سلطة مهما كانت.
فالكفاية والوفرة قد كان من نتائجهما توليد الاستكانة والخضوع والعبودية لدى المجتمعات الغربية، بسبب ما حققتا لها من تأمين احتياجاتها الزائفة السطحية، القائمة على سعادة الجسد ومتعته، وهي سعادة زائفة، لكنها سبب ذلك تخدّرت فلم تعُد تنشد احتياجاتها الحقيقيّة، وهي حرّيّتها الحقيقية، التي يكون الإنسان فيها سيّد نفسه بنفسه لا يخضع معها لأحد.
стр. 375
لكن مصلحة الإنسان الحقيقية إنما تتمثل بحصوله على احتياجاته الحقيقية، وهذه مسؤولية الصفوة المثقفة الواعية.
إذ أن الأكثرية من الناس قد أصبحوا راضين تماماً عن مجتمع الكفاية والوفرة، وسعداء بما تقدمه الإدارة لهم من سلع وخدمات، والعامل لا يشعر بأن رئيسه يتفوّق عليه في مأكل أو مشرب أو ملبس أو مركب، حتى إنهما يشاهدان برامج تلفزيونية واحدة، ويقرآن جريدة واحدة، ويرتادان أماكن الترويح عن النفس بمستوى واحد.
ولا يعني هذا زوال الطبقات، بل هو يدل على المدى الذي يمكن أن يصل إليه إشباع الحاجات، الذي يخدم هدف الحفاظ على السلام الاجتماعي.
يضاف إلى ذلك أن الإدارة استطاعت أن تمتصّ كلّ أوقات فراغ هذا المجتمع الصناعي الراقي، فأوقات فراغ الناس فيه لم تَعُد حرة برغم ازدهارها ضمنه.
وأظهر "ماركوز" استياءه من أن ظروف العمل في المجتمع الصناعي الراقي تميل إلى جعل العامل سلبياً، وتقضي على أي شعور لديه بمعارضة النظام، وأن ما تستحدثه الدولة من مؤسسات تنشد بها الإصلاح الاجتماعي، يكون في الوقت نفسه وسيلتها للسيطرة على حياة الذين ينعمون بفوائد ومزايا هذه المؤسسات، بسبب هيمنتها على مستوى معيشتهم، وكلما زاد استهلاك الناس كان ذلك ادعى إلى إضعاف حوافز
стр. 376
تقرير المصير. سواء في ذلك الدولة الصناعية الغربية والدولة الشيوعية.
٦- ورأى "ماركوز" أن هذا الواقع في المجتمع الصناعي الراقي، يمكن أن يكون مدخلاً إلى مستقبل ينتهي فيه النزاع بين الطبقات، ذلك لأن المجتمع الصناعي الراقي، هو بحقٍّ نظام توازن القوى الذي يتحقق بسيطرة النخبة من المتنافسين على الحكم، ولا يمكن أن يكون حكم النخبة من السياسيين إلا انعكاساً لصالح هذا النظام، الذي يتمتع فيه أفراد النخبة بما يقرب من السيطرة التامة عليه.
وهذا أمرٌ يسوؤه ويغيط المخطط اليهودي العالمي.
٧- ويرى "ماركوز" أن الوارث الطبيعي للنظام الحر "الليبرالي" الذي أخذ الغرب يطبقه في ديمقراطياته، هو النظام الجماعي "التوتاليتاري" أي: النظام الاستبدادي باسم الجماعة.
قال: وهذا النظام هو المسيطر حالياً على الأفكار الصناعية الراقية، ومعنى ذلك أن النظامين الشيوعي والغربي متشابهان، أو أنه يوجد في النظام الغربي قوى متناهية، يمكن أن تعتبر مماثلة للنظام الفاشي أو الشيوعي.
لكن "التوتاليتارية" أي: الاستبدادية الغربية لا تعبّر عن نفسها من خلال الحكم "الديكتاتوري" الاستبدادي الصريح، بل من خلال القضاء على الثقافة القديمة والفن القديم، بالمؤسسات الحديثة، التي من شأنها
стр. 377
تصفية الإنسان ذي النظرتين، ليحل محلّه الإنسان ذو النظرة الواحدة، ومن هنا أخذ "ماركوز" عنوان كتابه "الإنسان ذو النظرة الواحدة".
ويعني بالنظرة الواحدة نظرة الإنسان إلى حاجاته الجسدية، وإهماله لحاجاته الحقيقية، التي تتحقق بحريته الحقيقية في أن يكون سيّد نفسه بنفسه، لا يخضع لأحد، ولا يستكين لأحد. (أي: إن الثقافة الغربية جعلت الإنسان الغربي لا ينظر إلا بعين احتياجاته الجسدية الماديّة فقط) .
ورأى أن اللغة المعاصرة في المجتمعات الغربية، قد انحطت حتى صارت خادمة للنظام الجماعي "التوتاليتاري" الغربي المعاصر، فقد غدت مجرد اختصارات ورموز لأشياء مادية، حتى الرغبة الجنسية بإطلاقها وإشباعها بطريقة سطحية، قد صارت من الأدوات الخادمة للنظام الاستبدادي القائم، على خلاف ما كان يقصد إليه "فرويد".
٨- بعد أن عرض "ماركوز" تصوراته السالفة عن المجتمعات الغربية، رأى أنه قد هيأ ما يلزم لتوجيه مخططه الثوري، ويبرز ذلك بالنقاط التالية:
* إن مصلحة الإنسان الحقيقية إنما تتحقق بحصوله على احتياجاته الحقيقية، التي تكون بحريّته في إدارة نفسه بنفسه، وبأن يكون هو سيد نفسه بنفسه، لا سلطان لأحد عليه.
* لكن الجماهير في المجتمعات الغربية الصناعية الراقية قد أصبحت راضية سعيدة، مخدّرة بما تُقدِّم لها هذه المجتمعات من تأمين احتياجاتها السطحية الزائفة.
* فمسؤولية إيصال هذه الجماهير الراضية المخدّرة بأمور زائفة، للمستوى الذي تحصل فيه على احتياجاتها الحقيقية، إنما تقع على الصفوة الواعية من الناس، فهي التي تستطيع تغيير هذا الواقع، وتحقيق الأمر المنشود، لأنها هي الأكثر وعياً بمتطلبات العصر وبمتطلبات الأكثرية.
* ولا سبيل أمام الصفوة لتأسيس مجتمع المستقبل القائم على
стр. 378
العقلانية والتحرير والتسامح إلا بالثورة والاستيلاء على مقاليد الحكم، وإعلان ديكتاتورية الأقليّة.
* ووسيلة الصفوة إلى ذلك القوى الثورية الحقيقية، وتتألف عالمياً من الحركات الطلابية، وأنصار جهات التحرير والثورة الثقافية.
وخصص "ماركوز" جزءاً من فلسفته، للثورة الطلابية، ونوّه بطابعها الجمالي الذي زعمه، وبلغتها التي أطلق عليها اسم لغة الروح ولغة الثقافة "الهبيّة".
* وتبرز في اليسار الذي ينتمي إليه "ماركوز" عناصر المنبوذين، والخارجين على تقاليد المجتمع، ولا يقيمون وزناً لدين أو خلق أو عرف أو تقاليد أو عادات أو قواعد اجتماعية، ويعرفون بالهيبيين، والبوهيميين.
* وطبيعيٌّ أن تستغل الثورة عند قيامها كل المضطهدين والمستغلين من قبل مجتمعاتهم، لأي سبب من الأسباب، مع كل المجرمين في الأرض، لتحقق أهدافها.
(٤)
كشف الزيف
١- إن أفكار "ماركوز" التي سبق عرض أهمها، لا تحتاج فيما أرى إلى باحث متعمق يكشف زيوفها، فكلها زيوف، وما فيها من صدق لا يتعدى بعض أوصاف ذكرها لواقع المجتمعات الغربية، وبعض أفكار.
٢- على أن الفكرة الأساسية التي أظهر حماسته من أجلها، وأراد إقامة الثورات على نظم المجتمعات الغربية وإدارتها، بسبب حرمان جماهير هذه المجتمعات منها، وهي ما أسماه بالاحتياجات الحقيقية إلى الحرية الحقيقية، في أن يكون الإنسان سيد نفسه بنفسه، لا سلطان لأحد عليه، وهي التي حرمته منها نظم المجتمعات الغربية وإدارتها، وجعلته
стр. 379
بوسائلها التخديرية راضياً سعيداً، إذ منحته احتياجاته المادية الزائفة، فخدّرته بها.
هذه الفكرة الأساسية التي من أجلها يريد أن يقيم الدنيا ويقعدها، لم يتضمن برنامج الثورة التي يدعو إليها تحقيقها، بل يتضمن تحقيق نقيضها تماماً.
إن برنامج الثورة التي يدعو إليها يقرر إقامة الحكم المنشود على أساس ديكتاتورية الأقلية.
وحين يقام الحكم على أساس ديكتاتورية الأقلية، فماذا سيكون نصيب جماهير الأفراد من الحرية، سواء في احتياجاتهم الحقيقية أو الزائفة بحسب مزاعم "ماركوز"؟
إنهم بداهة وحتماً سيكونون محرومين من كل ألوان الحرية، كما هو الحال في ديكتاتورية الدول الشيوعية، المتسترة بقناع النظام الجماعي، وتأمين مصلحة الجماهير الكادحة.
٣- ما أظن أحداً يخفى عليه أن العبث الفكريّ الذي عرضه وزخرفه لصغار العقول، إنما يقصد منه زلزلة المجتمعات الغربية، التي غدت جماهيرها العامة خاويةً من المبادئ والقيم والعقائد التي تعصمها من عاديات زيوف فكرية، وأوبئة مذاهب هدّامة، لتمكين القلة اليهودية المنظمة، من الظفر بحكمٍ ديكتاتوريّ صارم، مستخدمةً أجراءها وعملاءها، من مختلف هذه المجتمعات.
٤- هل رضا الشعوب بسعاداتها، التي تحققها لها أنظمة مجتمعاتها، يعتبر من سيئات هذه الأنظمة، أم من حسناتها؟!.
٥- هل يوجد بديل حقيقي صالح يكون فيه كل فرد من الناس مالكاً لحريته التامة، التي يكون فيها سيد نفسه بنفسه من كل الوجوه؟!.
حين توجد هذه الحرية تعمُّ الفوضى، ويكون الدمار، ويغلب الأقوياء
стр. 380
المستبدّون، وينقسم الناس إلى سادة وعبيد.
والبديل الذي طرحه "ماركوز" هو الديكتاتورية الصارمة، أي: الحرمان المطلق من كل الحريات.
٦- الأفكار الزيوف الكثيرة التي عرضها ضمن فلسفته، سبق في مواطن أخرى من هذا الكتاب كشفها، وبيان وجوه الحق فيها.
* * *
стр. 381
الفصْل الثامِن
أوجسْت كونتْ
وَدين الإنسَانيّة
(١)
من هو "كونت"؟
هو "أوجست كونت" فيلسوف فرنسي، عاش ما بين عامي (١٧٩٨م و١٨٥٧م) . وُلد في مدينة "مونبلييه" الفرنسية، في أُسرة مسيحية شديدة التعلق بالكاثوليكية، رقيقة الحال.
ولما بلغ سنّ الرابعة عشرة من عمره نبذ الإيمان بمبادئ الدين. كان تلميذاً ممتازاً في الرياضيات، فالتحق بمدرسة الهندسة بباريس، في السادسة عشرة من عمره، ولم يواصل دراسته فيها لظروف سياسية.
عكف على دراسة كتب الفلسفة، معتمداً على قراءته الخاصة لا سيما كتب "هيوم" و"دي مستر" و"دي بونالد".
في سنة "١٨١٩م" تعرّف على الكاتب الفرنسي الشهير "سان سيمون" وهو من رواد المذهب الاشتراكي في القرن التاسع عشر، واتفقا على الاشتغال معاً بالعلم والسياسة، أما "سان سيمون" فقد كان شغوفاً بالسياسة وذا بصر نافذ فيها، وأما "أوجست كونت" فقد كان شغوفاً بالعلم، وغير مهتم
стр. 382
بالأمور السياسية، واعتبر "كونت" صديقه "سان سيمون" بمثابة أستاذ له، فقد كان كاتباً له ومعاوناً حتى سنة "١٨٢٢م".
ثمّ افترق "أوجست كونت" عن أستاذه، نظراً إلى أنه كان يختلف معه في الاتجاه. وانصرف للتأليف، وبدأ بتحرير موسوعة العلوم الواقعيّة، وإلقاء المحاضرات فيها سنة "١٨٢٦م" فأقبل على الاستماع إليه جمهور من العلماء.
وبعد أن ألقى ثلاثة محاضرات انتابته أزمة عقلية، فعُنِيَتْ بِهِ زَوجته، حتى عاد إليه اتزانه العقلي، فاستأنف محاضراته في سنة "١٨٢٩م".
ثمّ تعرض لأزمة عقلية أخرى كان من أسبابها هيامه بسيدة تعرَّف عليها سنة "١٨٤٤" وتوفيت بعد سنتين، فأخذ منها مثال الإنسانية، وكان يتوجه لها بالفكر والصلاة كل يوم، وكانت "شيطانه" الذي يحرّك هواجسه أثناء تحريره كتابه "مذهب في السياسة الواقعية".
ولم يطل به العهد بعد ذلك إذ وافته منيته سنة "١٨٥٧م".
* * *
(٢)
مؤلفاته
١- رأى أن الشرط الأول للنجاح هو إعادة وحدة الاعتقاد إلى العقول، كما كان الحال في العصر الوسيط، ولكن عن طريق العلم لا عن طريق الدين، فكتب كتاباً حول هذا المعنى نشره سنة "١٨٢٢م" بعنوان: "مشروع الأعمال العلمية الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع".
٢- ثمّ نشر كتاباً بعنوان: "السياسة الواقعية" سنة "١٨٢٤م" أبان فيه أن فلسفة القرن الثامن عشر القائمة على حرية الرأي وسلطة الشعب، فلسفة مفيدة في النقد والهدم، لكنها عقيمة في الإنشاء.
стр. 383
٣- وأخرج في سنة "١٨٢٥م" كتاباً بعنوان: "أقوال فلسفية في العلم والعلماء".
٤- وأخرج في سنة "١٨٢٦م" كتاباً بعنوان: "ملاحظات على السلطة الروحية الجديدة".
٥- وأخرج كتاباً في مبادئ علم الهندسة ذي الأبعاد الثلاثة.
٦- وأخرج رسالة فلسفية في علم الفلك الشعبي.
٧- وأخرج كتاباً بعنوان: "كلام عن مجمل الفلسفة الوضعية"، اختصر فيه فلسفته.
٨- وأخرج كتاباً بعنوان: "أقيسة الفلسفة الوضعية السياسية" في أربعة أجزاء، بحث فيه ما أسماه ديانة الإنسانية.
٩- وأنفق عشر سنين من عمره من سنة "١٨٣٢-١٨٤٢م" حتى أخرج كتابه الكبير: "دروس الفلسفة الواقعية" في ستة مجلدات، عرض فيه وقائع العلوم، وقوانينها ومناهجها عرضاً منظماً، وهذا أكبر كتبه.
١٠- وأخرج كتاباً بعنوان: "مذهب في السياسة الواقعية" أو "كتاب في علم الاجتماع" الذي وضع فيه ديانة الإنسانية، نشر سنة "١٨٥٤م" في أربع مجلدات. واختصره في كتاب "التعليم الديني الواقعي".
* * *
(٣)
لمحة عن أسس فلسفته العامّة
(١) تولَّى "أوجست كونت" زعامة الفلسفة الواقعية التي لا تؤمن بما لم تثبته العلوم التجريبية، وتزعم أن الفكر الإنساني لا يُدرك سوى الظواهر المدركة بالحس، والوقائع التي تثبتها التجربة، وما بينها من علاقات، أو قوانين.
стр. 384
لذلك أهمل "كونت" كل بحثٍ في العلل والغايات، وكل تفكير في الأسباب التي نتجت عنها مسبباتها، المدركة بالحس مباشرة، أو عن طريق العلوم التجريبية، وعلّق كلَّ ثقته وإيمانه بنتائج العلوم الطبيعية الحديثة.
* * *
(٢) زعم أن العقل البشري مر منذ تاريخه الأول حتى عصر العلوم التجريبية بحالات ثلاث:
الحالة الأولى: هي ما أسماها "الحالة اللاهوتية" التي كان دأْبُ العقل الإنساني فيها البحث عن كُنه الكائنات، وأصلها، ومصيرها، مُحاولاً إرجاع كل طائفةٍ من الظواهر إلى مبدأٍ مشتركٍ بعلل.
زعم أن هذه "الحالة اللاهوتية" تدرجت وفق ثلاث درجات:
(أ) أما الدرجة الأولى التي كانت في بَدءِ التصوّرات العقلية فيه "الفَتَشِيَّة -أو- الفِيتْشِيَّة".
وهي الإيمان بالأفتاش مفردها "فَتَش" وتُسمَّى أيضاً الْبُدُود، مُفْرَدُها "بُدّ" وعرَّفتها المعاجم بأنها الشياء التي كانت الشعوب البدائية تعتبر أن لها قدرةً سحرية، أو قدرةً غيبية غيرَ مدركة بالحواس، على حماية صاحبها، أو مساعدته.
أقول: إذن فهي كالأصنام والتمائم والأشياء الوثنية من حجارة وغيرها مما يؤمن أهل الأوثان بتأثيراتها الغيبية.
فالفَتَشِيَّةُ على هذا هي الإيمان بالأفتاش والأصنام وأشباهها، والتقرّبُ لها بالعبادة.
والعقيدة الفَتَشِيَُّ (أو الوثنية بالتعبير العربي) تَعْتَبِرُ أَفْتاشَهَا (أي: أوثانها على اخلاتف أشكالها وأنواعها) التي تَعْبُدُها كائناتٍ ماديةً من الطبيعة ذاتَ
стр. 385
حياةٍ روحيةٍ شبيهة بحياة الإنسان، فهي بها تحمي وتساعد، إلا أنَّ حياتها هذه لا تُدْرك للناس، فهي من الأمور الغيبية.
(ب) وأما الدرجة الثانية التي تطوَّر إليها العقل البشري في الحالة اللاهوتية فهي تعدّد الآلهة.
وفي حالة تعدّد الآلهة تَصَوَّر العقلُ التَّصَرُّفات في الظواهر الكونية على أنها آثارٌ لموجوداتٍ غير منظورة، وأن هذه الموجودات ذاتُ عَالَمٍ علوي.
والعقل في هذه الحالة يَجْعَلُ هذه الآلهة التي تَصَوَّرَها عِللاً وأسباباً خارجةً عن الكون ومفارقًة له.
(ج) وأما الدرجة الثالثة التي تطوّر إليها العقل البشري في الحالة اللاهوتية فهي التوحيد، أي: جمع الآلهة المتعدِّدة في إله واحدٍ مفارقٍ لكل الظواهر المادية الطبيعية.
وزعم "أوجست كونت" أن حالة التوحيد هذه قد اتسعت فيها الشُقَّة وازداد التضاد بين الأشياء الكونية وبين المبدأ الذي هو الأصل، والذي صدرت عنه الأشياء، والذي يُفَسَّرُ بِه وُجُودُها، وتُفَسَّرُ بِه ما يَحْدُث فيها من تَغَيُّرات، إذِ الإله الواحد هو العلّة الوحيدة المفارقة للأشياء الكونية.
وزعم "كونت" أن الحالة اللاهوتية قد بَلَغَت قِمَّتَها في المسيحيّة الكاثوليكية، التي تُعلِّلُ بها أو تُفَسِّر به وُجُودُها، وتُفَسَّرُ به ما يَحْدُثُ فيها من تَغَيُّرات، إذِ الإله الواحد هو العلة الوحيدة المفارقة للأشياء الكونية.
وزعم "كُونْت" أن الحالة اللاهوتية قد بَلَغَتْ قِمَّتها في المسيحية الكاثوليكية، التي تُعلِّلُ بها أو تُفَسَّرُ كلُّ الظواهر الطبيعية الفائقة، إذ تَجْعَلُها آثاراً لشيءٍ واحد، يتمثل بفكرة إلهٍ واحد، يُدبّر كلَّ شيءٍ بإرادته، ويتصرَّف فيه بقدرته.
وزعم "كونت" أن الحالة اللاهوتية ذاتُ خصائص نظريةٍ وعملية:
o فمن خصائصها النظرية:
(١) أن موضوعها مطلق..
(٢) وأن تفسيراتها للظواهر الطبيعية فائقة..
стр. 386
(٣) وأن منهاجها خيالي.
* ومن خصائصها العملية أنها ذات أساسٍ متين مُشتَرك للحياة الخلقية والاجتماعية في الاجتماع الإنساني.
فهي بسبب ذلك مفيدة ونافعة، فاعترف هنا بفائدة الدِّين القائم على الإيمان بالإله الواحد، من الناحية العملية.
* * *
الحالة الثانية: التي مرَّ بها العقل البشري في تَطَوُّره، هي ما أسماه: "الحالة الميتافيزيقية".
стр. 387
وزعم "كونت" أن العقل البشري في هذه الحالة صرَف عن تصوُّره العِلَلَ المتعدِّدة وكذلك العلّة الواحدة، إذا كانت مفارقة للطبيعة، وجَعَل بدلَ ذلك عِللاً ذاتيَّة توهَّمها موجودةً في باطن الأشياء الطبيعية، من وراء المنظور منها.
وهذه العِلل ليست أكثر من معانٍ مجرَّدةٍ جَسَّمها له الخيال، فقال العقل: "العِلّة الفاعلة - القوة الفاعلة - الجوهر - الماهية - النفس - الحرية - الغاية" ونحو ذلك. واندفع العقل بمقتضى هذا التصوّر إلى أن يعتقد بوجود قُوى متعدّدة في بواطن الأشياء، من وراء المشهود منها، بعدد أقسام الظواهر الطبيعيّة وطوائفها، مثل: " القوة الكيميائية - القوة الحيوية " ونحو ذلك.
ثمّ انتقل العقل من تعدّدية هذه القوى إلى توحيدها، في قوّة كليّة أوليَّة واحدة، هي "الطبيعة".
وزعم "كونت" أن هذه "الحالة الميتافيزيقيّة" قد بلغت أوجَها في مذهب "وحدة الوجود" الذي يجمع في "الطبيعة" جميع قوى الميتافيزيقية.
ورأى أن الفرق بين الحالة الثانية هذه وبين الحالة الأولى، هو أنّ المجرّد في الحالة الثانية يحلُّ محلّ المشخّص في الحالة الأولى، وأَنّ الاستدلال الفكري في الحالة الثانية، يحلُّ محلَّ الخيال في الحالة الأولى.
ورأى أن العقل في الحالة الثانية يضعُ "معاني" أو "قُوى" موضع الإرادات المتقلبات، فَيُضْعِف من سلطان القوى المفارقة للأشياء الطبيعية.
ورأى "أوجست كونت" أن الحياة الإنسانية بهذه الحالة الثانية قد تعرضت للانحلال، بانتشار الشك والأنانية، وبلجوء الفرد إلى أن يُقَطّع الروابط التي تربِطُهُ بالمجتمع الإنساني، وإلى أن يُثَقِّف عقله على حساب عاطفته، وأن يتصور الاجتماع البشريّ ناشئاً من التعاقد الاجتماعي الذي يكون بين الأفراد، وأن تقوم الدولة على مبدأ سلطة الشعب، وأن يحكمها القانون.
لقد كان كلّ ذلك باستبعاد فكرة الإله العليم المريد المدبّر القدير المتصرف بالظواهر الكونيّة.
وقد ظهر لكونت أن هذه الحالة لا تصلح للمجتمع البشري، بل هي مفسدة له.
* * *
الحالة الثالثة: التي مرّ بها العقل البشري في تَطَوُّره، هي ما أسماه "كونت": "الحالة الواقعية".
وقد رأى "كونت" أن العقل في هذه الحالة يُدْرِك أن الحصول على معارف مطلقة أمرٌ متعذر غير ممكن، لذلك فهو يقتصر على الاهتمام بأن يَتَعرَّف على الظواهر الكونيّة، ويَبْحَث ليكتشف قوانين هذه الظواهر، ويُرَتِّبَها من الخاص إلى العام.
ورأى أنه في هذه الحالة تَحُلُّ الملاحظة للظواهر الكونية محلّ الخيال
стр. 388
الذي كان في الحالة الأولى، ومحلّ الاستِدلالِ الفكريّ الذي كان في الحالة الثانية، وتأتي التجربة فتدعم الملاحظة أو تعدّلها أو تبدّلها.
وفي هذه الحالة الثالثة يجعل الفكر قوانين الطبيعة (أي: العلاقات المطردة بني الظواهر) بدل العلل والأسباب.
ويأتي العلم التجريبي ليجيب عن سؤال: "كيف؟ " لا ليجيب عن سؤال: "لِمَ؟ ".
أي: كيف حَدَثَتِ الظاهرة، مثل ظاهرة وجود الإنسان؟ ولا يجيب عن سؤال: لِمَ حدثت الظاهرة؟ مثل: لِمَ وُجدَ الإنسان؟. وما هي الغاية التي وُجِد من أجلها؟.
ورأى "كونت" أنَّ هذه الحالة الثالثة الواقعية مختلفة تماماً عن الحالتين الأولى والثانية، في الموضوع، وفي التفسير، وفي المنهج.
ورأى أن هذه الحالة هي التي أفلحت في تكوين العلم، وعلى هذا فيجب أن يحلَّ العلم محلّ الفلسفة، فكلّما أمكن أن تُعالج مسألة ما بالملاحظة والتجربة انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم، وبذلك يُعتبَرُ حلُّها حلاًّ نهائياً.
وزعم أن المسائل التي تقع خارج نطاق العلم ودوائر ملاحظته، وتجربته، هي أمور غير قابلة للحل.
ورأى أن هذه الحالة الثالثة تمتاز عن الحالتين الأولى والثانية بأثرها في قيام علم الاجتماع.
* * *
(٤) وفي نظرة كلّيّة جامعة لهذه الحالات الثلاثة، رأى "أوجست كونت" أنها حالات متنافرة فيما بينها، وأنَّها تتعاقب في كل إنسان:
o ففي طفولته الفكرية، يقنع بالتفسيرات اللاهوتية بسهولة.
o وفي شبابه يحاول اكتشاف عِلَلٍ ذاتيةٍ في الأشياء.
стр. 389
o وفي سن النضج يميل غالباً إلى اعتماد الواقع، واستبعاد العِلَل والغايات.
ورأى أيضاً أنه رغم التنافر بين هذه الحالات الثلاث، فإن الإنسان الواحد قد يجمع بينها في وقت واحد، فيقبل تفسيرات لاهوتية، أو تفسيرات ميتافيزيقية في بعض الموضوعات، مع قبوله العلم الواقعي في موضوعات أخرى هل على وجه العموم أقلّ تعقيداً.
كما أن هذه الحالات الثلاث قد تجتمع في مختلف الأفراد، وفي مختلف الشعوب في الزمن الواحد من العصر الواحد.
* * *
(٤) وانتهى الرأي لدى "أوجست كونت" إلى إثبات أن اللاهوت ينجم أولاً، ثمّ تظهر الميتافيزيقيا فتعارضه، وأخيراً يولد العلم الواقعي (أي: العلم القائم على الملاحظة والتجربة) الذي هو وحده القادر على البقاء، لأن الحالتين السابقتين حالتان قائمتان على الخيال، وبسبب ذلك كانتا دائماً مَبْعَثَ ظنونٍ جديدة، ومناقشات جديدة.
بينما يقوم العلم التجريبي مستنداً إلى الواقع، فيجمع العقول على وحدة الرأي، ويحلُّ محلَّهُما تِلقائيّاً، إذ تسقطان من أنفسهما.
* * *
(٥) وأضاف "كونت" أن التجربة ستبقى محدودة دائماً بالنسبة إلى الظواهر الطبيعية التي لا يستطيع حصرها، لذلك فإن كثيراً من هذه الظواهر ستبقى خارج علومنا.
وبما أن الظواهر متباينة، فإن من المتعذر علينا أن نرُد العلوم بعضها إلى بعض، وكذلك من المتعذر أن نَرُدَّ القوانين إلى قانون واحد، لذلك فلا يمكن أن تنتهي الحالة الواقعية إلى وحدة مطلقة، مثل "الله" في الحالة اللاهوتية، ومثل "الطبيعية" في الحالة الميتافيزيقية.
стр. 390
فالفلسفة الواقعية هي جملة القوانين المكتسبة فعلاً بالتجربة، وليست هي كل قوانين الوجود.
غير أننا إذا لم نستطع البلوغ إلى وحدة موضوعية فبوسعنا أن نبلُغ إلى وحدة ذاتية تقوم على تطبيق منهجٍ واحدٍ بعينه في جميع ميادين المعرفة، فننتهي إلى تجانس النظريات وتوافقها، ومن ثمّ ننتهي إلى علم واحد.
فالمنهج الواقعي يحقق الوحدة في عقل الفرد، ويحقق الوحدة بين عقول الأفراد، وهكذا تصير الفلسفة الواقعية هي الأساس العقلي للاجتماع.
* * *
(٦) وتوصل "كونت" بعد رحلته الفلسفية التي استخرج بها عقد آرائه، ونظم حياته بطريقة متسلسلة من وجهة نظره، إلى أن المقابل الوحيد الممكن لمعنى (الله) ولمعنى (الطبيعة) هو (الإنسانية) فرأى أن يُؤلِّه الإنسانية، ويدعوَ إلى عبادتها.
ونظر إلى العلوم الواقعية فظهر له منها ستَّة علوم أساسية مكتسبة بالاستقراء، وهي مرتبة كما يلي من أكثرها بساطة وكليّة، إلى أقلها بساطةً وكلية، وأكثرها تركيباً وتعقيداً:
١- علم الرياضيات: فهو أقل العلوم تعقيداً وتركيباً وأكثرها بساطة وكلية.
٢- فعلم الفلك.
٣- فعلم الطبيعة.
٤- فعلم الكيمياء.
٥- فعلم الحياة.
٦- فعلم الاجتماع الإنساني، وهو أكثر العلوم تركيباً، وأقلها كلية.
* * *
следующие страницы →