Полный текст (717 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
(٣) وأن منهاجها خيالي.
* ومن خصائصها العملية أنها ذات أساسٍ متين مُشتَرك للحياة الخلقية والاجتماعية في الاجتماع الإنساني.
فهي بسبب ذلك مفيدة ونافعة، فاعترف هنا بفائدة الدِّين القائم على الإيمان بالإله الواحد، من الناحية العملية.
* * *
الحالة الثانية: التي مرَّ بها العقل البشري في تَطَوُّره، هي ما أسماه: "الحالة الميتافيزيقية".
стр. 387
وزعم "كونت" أن العقل البشري في هذه الحالة صرَف عن تصوُّره العِلَلَ المتعدِّدة وكذلك العلّة الواحدة، إذا كانت مفارقة للطبيعة، وجَعَل بدلَ ذلك عِللاً ذاتيَّة توهَّمها موجودةً في باطن الأشياء الطبيعية، من وراء المنظور منها.
وهذه العِلل ليست أكثر من معانٍ مجرَّدةٍ جَسَّمها له الخيال، فقال العقل: "العِلّة الفاعلة - القوة الفاعلة - الجوهر - الماهية - النفس - الحرية - الغاية" ونحو ذلك. واندفع العقل بمقتضى هذا التصوّر إلى أن يعتقد بوجود قُوى متعدّدة في بواطن الأشياء، من وراء المشهود منها، بعدد أقسام الظواهر الطبيعيّة وطوائفها، مثل: " القوة الكيميائية - القوة الحيوية " ونحو ذلك.
ثمّ انتقل العقل من تعدّدية هذه القوى إلى توحيدها، في قوّة كليّة أوليَّة واحدة، هي "الطبيعة".
وزعم "كونت" أن هذه "الحالة الميتافيزيقيّة" قد بلغت أوجَها في مذهب "وحدة الوجود" الذي يجمع في "الطبيعة" جميع قوى الميتافيزيقية.
ورأى أن الفرق بين الحالة الثانية هذه وبين الحالة الأولى، هو أنّ المجرّد في الحالة الثانية يحلُّ محلّ المشخّص في الحالة الأولى، وأَنّ الاستدلال الفكري في الحالة الثانية، يحلُّ محلَّ الخيال في الحالة الأولى.
ورأى أن العقل في الحالة الثانية يضعُ "معاني" أو "قُوى" موضع الإرادات المتقلبات، فَيُضْعِف من سلطان القوى المفارقة للأشياء الطبيعية.
ورأى "أوجست كونت" أن الحياة الإنسانية بهذه الحالة الثانية قد تعرضت للانحلال، بانتشار الشك والأنانية، وبلجوء الفرد إلى أن يُقَطّع الروابط التي تربِطُهُ بالمجتمع الإنساني، وإلى أن يُثَقِّف عقله على حساب عاطفته، وأن يتصور الاجتماع البشريّ ناشئاً من التعاقد الاجتماعي الذي يكون بين الأفراد، وأن تقوم الدولة على مبدأ سلطة الشعب، وأن يحكمها القانون.
لقد كان كلّ ذلك باستبعاد فكرة الإله العليم المريد المدبّر القدير المتصرف بالظواهر الكونيّة.
وقد ظهر لكونت أن هذه الحالة لا تصلح للمجتمع البشري، بل هي مفسدة له.
* * *
الحالة الثالثة: التي مرّ بها العقل البشري في تَطَوُّره، هي ما أسماه "كونت": "الحالة الواقعية".
وقد رأى "كونت" أن العقل في هذه الحالة يُدْرِك أن الحصول على معارف مطلقة أمرٌ متعذر غير ممكن، لذلك فهو يقتصر على الاهتمام بأن يَتَعرَّف على الظواهر الكونيّة، ويَبْحَث ليكتشف قوانين هذه الظواهر، ويُرَتِّبَها من الخاص إلى العام.
ورأى أنه في هذه الحالة تَحُلُّ الملاحظة للظواهر الكونية محلّ الخيال
стр. 388
الذي كان في الحالة الأولى، ومحلّ الاستِدلالِ الفكريّ الذي كان في الحالة الثانية، وتأتي التجربة فتدعم الملاحظة أو تعدّلها أو تبدّلها.
وفي هذه الحالة الثالثة يجعل الفكر قوانين الطبيعة (أي: العلاقات المطردة بني الظواهر) بدل العلل والأسباب.
ويأتي العلم التجريبي ليجيب عن سؤال: "كيف؟ " لا ليجيب عن سؤال: "لِمَ؟ ".
أي: كيف حَدَثَتِ الظاهرة، مثل ظاهرة وجود الإنسان؟ ولا يجيب عن سؤال: لِمَ حدثت الظاهرة؟ مثل: لِمَ وُجدَ الإنسان؟. وما هي الغاية التي وُجِد من أجلها؟.
ورأى "كونت" أنَّ هذه الحالة الثالثة الواقعية مختلفة تماماً عن الحالتين الأولى والثانية، في الموضوع، وفي التفسير، وفي المنهج.
ورأى أن هذه الحالة هي التي أفلحت في تكوين العلم، وعلى هذا فيجب أن يحلَّ العلم محلّ الفلسفة، فكلّما أمكن أن تُعالج مسألة ما بالملاحظة والتجربة انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم، وبذلك يُعتبَرُ حلُّها حلاًّ نهائياً.
وزعم أن المسائل التي تقع خارج نطاق العلم ودوائر ملاحظته، وتجربته، هي أمور غير قابلة للحل.
ورأى أن هذه الحالة الثالثة تمتاز عن الحالتين الأولى والثانية بأثرها في قيام علم الاجتماع.
* * *
(٤) وفي نظرة كلّيّة جامعة لهذه الحالات الثلاثة، رأى "أوجست كونت" أنها حالات متنافرة فيما بينها، وأنَّها تتعاقب في كل إنسان:
o ففي طفولته الفكرية، يقنع بالتفسيرات اللاهوتية بسهولة.
o وفي شبابه يحاول اكتشاف عِلَلٍ ذاتيةٍ في الأشياء.
стр. 389
o وفي سن النضج يميل غالباً إلى اعتماد الواقع، واستبعاد العِلَل والغايات.
ورأى أيضاً أنه رغم التنافر بين هذه الحالات الثلاث، فإن الإنسان الواحد قد يجمع بينها في وقت واحد، فيقبل تفسيرات لاهوتية، أو تفسيرات ميتافيزيقية في بعض الموضوعات، مع قبوله العلم الواقعي في موضوعات أخرى هل على وجه العموم أقلّ تعقيداً.
كما أن هذه الحالات الثلاث قد تجتمع في مختلف الأفراد، وفي مختلف الشعوب في الزمن الواحد من العصر الواحد.
* * *
(٤) وانتهى الرأي لدى "أوجست كونت" إلى إثبات أن اللاهوت ينجم أولاً، ثمّ تظهر الميتافيزيقيا فتعارضه، وأخيراً يولد العلم الواقعي (أي: العلم القائم على الملاحظة والتجربة) الذي هو وحده القادر على البقاء، لأن الحالتين السابقتين حالتان قائمتان على الخيال، وبسبب ذلك كانتا دائماً مَبْعَثَ ظنونٍ جديدة، ومناقشات جديدة.
بينما يقوم العلم التجريبي مستنداً إلى الواقع، فيجمع العقول على وحدة الرأي، ويحلُّ محلَّهُما تِلقائيّاً، إذ تسقطان من أنفسهما.
* * *
(٥) وأضاف "كونت" أن التجربة ستبقى محدودة دائماً بالنسبة إلى الظواهر الطبيعية التي لا يستطيع حصرها، لذلك فإن كثيراً من هذه الظواهر ستبقى خارج علومنا.
وبما أن الظواهر متباينة، فإن من المتعذر علينا أن نرُد العلوم بعضها إلى بعض، وكذلك من المتعذر أن نَرُدَّ القوانين إلى قانون واحد، لذلك فلا يمكن أن تنتهي الحالة الواقعية إلى وحدة مطلقة، مثل "الله" في الحالة اللاهوتية، ومثل "الطبيعية" في الحالة الميتافيزيقية.
стр. 390
فالفلسفة الواقعية هي جملة القوانين المكتسبة فعلاً بالتجربة، وليست هي كل قوانين الوجود.
غير أننا إذا لم نستطع البلوغ إلى وحدة موضوعية فبوسعنا أن نبلُغ إلى وحدة ذاتية تقوم على تطبيق منهجٍ واحدٍ بعينه في جميع ميادين المعرفة، فننتهي إلى تجانس النظريات وتوافقها، ومن ثمّ ننتهي إلى علم واحد.
فالمنهج الواقعي يحقق الوحدة في عقل الفرد، ويحقق الوحدة بين عقول الأفراد، وهكذا تصير الفلسفة الواقعية هي الأساس العقلي للاجتماع.
* * *
(٦) وتوصل "كونت" بعد رحلته الفلسفية التي استخرج بها عقد آرائه، ونظم حياته بطريقة متسلسلة من وجهة نظره، إلى أن المقابل الوحيد الممكن لمعنى (الله) ولمعنى (الطبيعة) هو (الإنسانية) فرأى أن يُؤلِّه الإنسانية، ويدعوَ إلى عبادتها.
ونظر إلى العلوم الواقعية فظهر له منها ستَّة علوم أساسية مكتسبة بالاستقراء، وهي مرتبة كما يلي من أكثرها بساطة وكليّة، إلى أقلها بساطةً وكلية، وأكثرها تركيباً وتعقيداً:
١- علم الرياضيات: فهو أقل العلوم تعقيداً وتركيباً وأكثرها بساطة وكلية.
٢- فعلم الفلك.
٣- فعلم الطبيعة.
٤- فعلم الكيمياء.
٥- فعلم الحياة.
٦- فعلم الاجتماع الإنساني، وهو أكثر العلوم تركيباً، وأقلها كلية.
* * *
стр. 391
(٤)
دين الإنسانية عند "كونت"
(١) لم يظهر لدى "أوجست كونت" أن الكون يُهَيمِن عليه ربٌّ خالق مُدبِّر خَلَق الإنسان لِيَبْلُوهُ، في رحلةِ الحياة الدنيا، ثمّ ليُحَاسِبَهُ ويُجازيَهُ بالثواب أو بالعقاب إذْ يُعِيده إلى الحياة بعد الموت، في يوم آخر أبديٍّ غير يوم الحياة الدنيا القصير الذي ينتهي بالنسبة إلى الفرد بأجله المرسوم المعلوم للرب الخالق، والمبين للموكلين به من ملائكته، وينتَهي بالنسبَةِ إلى جميع هذه الحياة الدنيا بقيام الساعة ذات الأجل المرسوم المعلوم للرب الخالق فقط، إذ لم يُطلع عليه أحداً من خلقه.
لكنه رأى أن الدين نافعٌ لحياة الإنسانية وتقدُّمها، بما فيه من توحيدٍ للمبدأ والغاية، وبما فيه من استغلالِ العاطفة لخيرِ المجتمع الإنساني، وصيانته من الانحلال والأنانية والفساد.
فرأى أن يخترع ديناً يجعل فيه "الإنسانية" هي الجهة المقصودة بكل الأعمال الدينية التي رأى أنها تجمع بين الفضيلة والتأملات الفكرية والتوجهات النفسية العاطية، لتكون فكرة "الإنسانية" بدل الرب الخالق، الذي زَعَمهُ قِمَّة الحالة الثانية من الحالات التي مرَّ بها العقل البشري في أطواره.
وحين بدا له أن يخترع هذا الدين رأى أن تُوَجَّه العبادةُ بالفكر، والعاطفة والعمل، لمحبَّة الإنسانية وخيرها، وتقدُّمِها الارتقائي.
* * *
(٢) وضع "كونت" العقل في المرتبة الأولى من جهة المسؤولية، وجعله مسؤولاً عن اكتشاف قوانين الوجود، والتأثير في العاطفة، لتنجُمَ عنها الأخلاق النافعة للمجتمع الإنساني والمؤسسات الاجتماعية.
стр. 392
فقيمة العقل عنده تنحصر في نتائجه العملية، وهذه النتائج تتوقف على الظروف الخارجية كما رأى.
لكنه لما رأى العاطفة هي التي تمنح الرضى الباطني المباشر، ظهر له أن يقدم العاطفة، فيضعها في المرتبة الأولى من جهة القيمة، ويجعلها مسؤولةً عن هداية العقل.
وبذلك انتهى "كونت" إلى مثل الحالة اللاهوتية التي اعتبرها طُُفُولة النوع الإنساني.
وبسبب ذلك كانت تأسِرُه الموسيقى والخيالات الشعرية والفنية.
ورأى أن الإنسان هو قمة الموجودات الخاضعة للملاحظة والتجربة، وأن المجتمع الإنساني هو قمّة ما يَجِبُ توفير الرضى والسعادة له، فانتهى به الأمر إلى أن يجعل فِكرةَ "الإنسانية" أو معنى "الإنسانية" المجرّد بدل (الله) إلهاً واحداً توجّه له العبادة.
* * *
(٣) ورأى "كونت" أن الدين هو الشيء الذي اختص به النوع الإنساني. وأن الدين هو المبدأ الأكبر الموحد لجميع قوى الفرد الواحد من الناس، والموحد لجميع الأفراد من الناس، في مجتمع متماسكٍ متآخٍ متحابب، وذلك بسبب أن الدين يجعل غايةً واحدةً هي الهدف لجميع أفعال القوى في الفرد، ولجميع أفعال أفراد الجماعة.
ولما كان قد رأى أن معنى "الإنسانية" هو أرفع المعاني، بعد أن حذف من تصوره وجود الله ، وكل كائنات وقوى غيبية غير مدركةٍ بوسائل العلم القائم على الملاحظة والتجربة، وبعد أن قصر كل المعرفة على ما يصل الناس إليه بالحس والتجربة المادية.
ورأى أيضاً أن معنى "الإنسانية" هو الشيء الوحيد الذي يكفُلُ وحدةَ المعرفة لكل الناس، إذ تحصل هذه الوحدة بالنظر إلى العالم من جهة علاقته بالإنسانية.
стр. 393
ورأى أن هذا المعنى واقعيٌّ في تاريخ البشر، فليس يوجد الفرد من الناس في الحاضر إلا بفضل الماضي، ولا يستمدُّ أسباب الحياة المادية والعقلية والخلقية إلا من الإنسانية، التي ورَّثَتْ مواريثَها للأجيال، حتَّى يصحُّ أن يُقَال: إن آثار السابقين من الناس في حياة الموجودين منهم، أكثَرُ من آثار الموجودين منهم، فكأنَّ الأموات بآثارِهم أحياءٌ في المجتمع الإنساني أكثَرُ من الأحياء أنفسهم.
لما تجمعت لدى "أوجست كونت" كل هذه الرؤى ظهر له أن معنى "الإنسانية" المجرد عن المشخصات، هو "الموجود الأعظم" الذي تشارك فيه الموجودات الماضية والحاضرة والمستقبلة، والذي تُسَاهِمُ عن طريقه الموجوداتُ في تقدُّم الناسِ وسعادةِ المجتمع البشري.
فهذا "الموجود الأعظم" وهو معنى "الإنسانية" المجرّد عن المشخّصات، هو المعنى الذي ينبغي التوجُّه له بالعبادة.
وسمَّى "كونت" مفاهيمه هذه "دين الإنسانية".
* * *
(٥) أما العبادة في هذا الدين "دين الإنسانية" الذي اخترعه "أوجست كونت" فهي عبادة تُوَجَّهُ لفكرة "الإنسانية" أو لمعنى "الإنسانية".
ورأى "كونت" أن يضع معالم لهذه العبادة، فقسَّمها إلى:
(أ) عبادة مشتركة.
(ب) عبادة فردية.
* فالعبادة المشتركة تكون في أعيادٍ تذكاريّةٍ تكريماً للمحسنين من الناس إلى "الإنسانية" وهذه الأعياد تُمْلأُ بما يَسُرُّ المشتركين فيها، وبما يُشْعر بالعرفان بالجميل، لهؤلاء الذين أحسنوا إلى "الإنسانية".
وفي خطوة عملية وضع "كونتِ" تقويماً من واقع التاريخ البشري الذي
стр. 394
رآه، ذكر فيه أسماء الرجال الذين امتازوا بالعمل على تقدُّم الإنسانية، مع بيان الأيام والشهور التي تُقام فيها الأعياد لذكراهم وتمجيدهم، وإشاعة الفرح والسرور على الناس بمناسبة ذكراهم.
* والعبادة الفردية تكونُ بأن يتّخذ الفرد الأشخاص الأعزاء عليه، كأبيه وأمه وأستاذه وزعيمه، أو مجموعة من أهله أو عشيرته أو قومه، نماذج للمَثَل الأعلى، فيُكرمَهم، رمزاً لتكريم "الموجود الأعظم" الذي هو "الإنسانية".
* * *
(٥) وبما أن كرامة الفرد من الناس إنما تكون باعتباره جزءاً من "الموجود الأعظم" الذي هو "الإنسانية" فإنه يجب على الفرد أن يُوَجِّه جميع أفكاره وأفعاله لصيانة هذا الموجود الأعظم، وإبلاغه حد الكمال.
وبهذا تنطوي الغيرية (أي: التوجُّهُ بالعمل لغير الأنا) على الواجب الأعظم، وعلى السعادة العظمى.
* * *
(٦) ولئلا تكون العبادة لمعنى "الإنسانية" قضيّة مطلقةً غير محدّدة المعالم، ودون ترتيبٍ ونظام، ولئلا تكون واجبات الفرد العمليّة نحو "الإنسانية" غامضة غير مبيّنة الحدود، فقد رأى "كونت" أن يعهد بتدبير أمرَيِ العبادة والتربية إلى هيئة "إكليريكيّة" أي: هيئة دينية عليا، على مثل الأنظمة الكنسية.
لكن أعضاء هذه الهيئة إنما يكونون مجموعةً مؤلفة من:
o الفلاسفة.
o والشعراء.
o والأطباء.
ومهمة هذه الهيئة العمل على اكتشاف ما يكفل خير "الموجود الأعظم" وهو معنى "الإنسانية".
* * *
стр. 395
(٧) وزعم "أوجست كونت" أن أفكاره هذه مستمدة من الواقع، وأن واقعيته هذه قد تحررت من الأوهام الكنسية القديمة، التي تعتمد على الموجودات الغيبية غير الواقعية.
وبعد تحديده لهذه الواقعية لم يَرَ بأساً من أن يَعُودَ إلى التصوُّرِ القديم الذي كان يُضيف إلى الأشياء المادية نفساً وحياةً، باعتبار أن هذه الإضافة مَصدَرُ قُوَّةٍ للغة وللفن ولكل ما من شأنه أن يُفيد في بقاء "الموجود الأعظم" ونمائه.
* * *
(٨) واستولت فكرة الثالوث النصرانية على ذهن ونفس "أوجست كونت" فرأى أن يخترع لدين الإنسانية الذي اخترعه ثالوثاً آخر غير ثالوث النصارى.
* أما العنصر الأول من ثالوثه فهو "الإنسانية" الذي سماه "الموجود الأعظم".
* وأما العنصر الثاني من ثالوثه فهو الأرض، واعتبرها "الفَتَشَ الأَعظم" أي: الكائن المادي الأعظم، وأثبت له حياةً روحيةً ونفسيةً شبيهةً بحياة الإنسان.
* وأما العنصر الثالث من ثالوثه فهو السماء أو الهواء، وقد سمّاه "الوسط الأعظم" الذي تكونت فيه الأرض، التي هي "الفَتَشُ الأعظم".
* * *
(٩) وجعل "كونت" مجتمعه الذي تخيّله مؤلفاً من أربع طبقات:
الطبقة الأولى: طبقة الفلاسفة مع الشعراء والأطباء، الذي رأى أن تتألف من نخبة منهم الهيئة الدينية العليا، كما سبق بيانه، فهم بمثابة العقل المفكر المدبّر الموجّه في الفرد.
الطبقة الثانية: طبقة النساء اللواتي هنَّ بمثابة أعضاء العاطفة في الفرد.
стр. 396
ورأى أن وظيفتهن في المجتمع الإنساني التي يجب عليهن القيام بها، هي إثارة عواطف الحنان والغيرية الكفيلة باستكمال الإنسان، التي هي "الموجود الأعظم".
الطبقة الثالثة: وتأتي بعد طبقة النساء، وهي طبقة رجال الصناعة والمال، ودورهم في المجتمع الإنساني هو بمثابة دور أعضاء التغذية في الفرد.
الطبقة الرابعة: وأخيراً يأتي في نظره دور العمال الذين هم بمثابة أعضاء الحركة في الفرد.
* * *
(١٠) وأخيراً تصور "أوجست كونت" بحسب ما تراءى له في فلسفته ما يلي:
(أ) أن الإنسان قمةُ الواقع، لكنه نظر إليه برؤية عامة اجتماعية جرد منها معنى "الإنسانية" ولم ينظر إليه برؤية فردية، وجعل معنى الإنسانية "الموجود الأعظم".
(ب) ورأى أن الإنسانية "موجود أعظم" ينبغي العمل على تقدُّمهِ وإسعاده.
(ج) وقد وجد أن الأخلاق تخدم الإنسانية، فجعل حماتها العلماء والكهنة.
(د) ووجد أن النظام يخدم الإنسانية، فجعل حماته السلطة الإدارية.
(هـ) ووجد أن العاطفة تخدم الإنسانية، فجعل المرأة هي الراعية لها.
(و) وبدا له أن ينبغي أن تكون السلطة المدبر لشؤون المجتمع الإنساني تدبيراً محكماً، سلطةً روحية، تجمع بين السلطات السياسية، والأمور الطبيعية، ولا توجد سلطة روحية قوية غير سلطة العلماء، الذين يتولون مهمات الحكم بالروح والسياسة استناداً إلى الواجب.
стр. 397
وقد جعل "كونت" شعار هذه السلطة مؤلفاً من ثلاث مبادئ:
o محبة الناس، لأنها واجبة.
o حفظ النظام والأمن، لأنهما أساس المجتمع.
o تيسير السُّبُل لتقدّم المدنيّة، لأنها هدف الإنسانية.
* * *
(٥)
أثر آرائه في الناس
شايعه مستجيباً للدين الذي ابتدعه، ونصب نفسه كاهناً أكبر له، أشياعٌ من الذين رفضوا ما دخل النصرانية من تحريفاتٍ في أصل العقيدة الربانية، بالتثليث الخرافي الذي جرهم إليه محرف النصرانية الأول اليهودي "بولس"، وما دخل فيه من بدع وخرافات كنسيّة، وما دخل فيها من آراء حول الظاهرات الكونية مناقضة للحقائق العلمية.
فكان له بعض المشايعين في "فرنسا" و"إنكلترا" و"السويد" و"أمريكا الشمالية" و"أمريكا الجنوبية" وأقاموا لهم معابد، وتَبِعُوا في كل بلد كاهناً ولوه أمور هذا الدين الذي ابتدعه "أوجست كونت".
واتخذوا لهذا الدين شعاراً مثلثاً وضعه "كونت".
الأول: المحبة، باعتبارها مبدأ، وهذا المبدأ مأخوذ من النصرانية.
الثاني: النظام، باعتباره أساساً.
الثالث: التقدم، باعتباره غاية.
* * *
стр. 398
(٦)
كشف الزيف
باستطاعة المتفكر الباحث بحثاً تفصيلياً أن يكشف زيْفَ كلّ آرائه التي قدمها في فلسفته، ويكشف تهافتها وسقوطها، باستثناء بعض أفكار جزئية هي من قضايا المعرفة الإنسانية المشتركة، التي لا يخلو من أمثالها كلُّ مذهب باطل.
أمّا مخترعاته التي أراد أن يجعلها أسس الدين الذي ابتدعه فلا تستحق أكثر مما تستحق حكايات القصاصين الخرافيين، الذين يصنعون من الأوهام حكاياتهم.
وبصورة إجمالية أقدم للقارئ الكواشف التالية:
الكاشف الأول: إن "أوجست كونت" قد بهره أولاً العلم القائم على الملاحظة والتجربة، فحصر فيه كل الحقيقة، وانتهى بفلسفته التي سماها "واقعية" إلى ما انتهت إليه الفلسفة المادية البحت، على الرغم من أنه تحفظ بالنسبة إلى الغيبيات الثابتة في المفاهيم الدينية، فهو لم يثبتها ولم ينكرها، وذلك لأنه لم يجد في الأدلة المادية من العلم القائم على الملاحظة والتجربة ما يُقْنِعُه بوجودها، فسكت عنها، ولم يعوّل في أفكاره على شيءٍ منها.
واستبعد عن تصوُّره الأدلّة العقلية البرهانيَّة القواطع، متشبثاً باعتماد ما تَبُثُّه الملاحظة والتجربة العلمية فقط.
ولست أسوقُ هنا أدلة الإيمان بالله لكشف سقوط آراء "كونت" حول الغيبيات، لأنني استوفيت عرضها وتعرية آراء الملحدين في الباب الأول "المادية الإلحادية والماديون" من القسم الثالث من أقسام هذا الكتاب.
وأقول هنا: لقد كان الانبهار بالعلوم التجريبية ومنجزاتها سِمَة كثير من مثقفي القرن الثامن والتاسع عشر في أوروبا والغرب عامة، ولكن هذا الانبهار قد بدأ يتناقص ويأخذ طريقه إلى التلاشي، بعد أن تقدّمت المعرفة
стр. 399
الإنسانية، وظهر في عالم العلم التجريبيّ تعديلات لكثير من المفاهيم التي كانت في تصوّر الناس من الحقائق التي قدّمها هذا العلم.
واضطُرَّ العلم التجريبي إلى أن يُثْبت تعليلاتٍ وتفسيراتٍ وأسباباً غَيْرَ مدركة بوسائله، لأنها ضرورية لاستكمال حلقات المعرفة.
لقد اضطُرَّ العلم التجريبي أن يثبت ألكترونات الذرة مع أن أحداً من العلماء لم يشهدْها بوسائل العلم.
واضطُرَّ العلم التجريبي إلى أن يُثْبت قُوى الجاذبية بين الكُتَل المادّيَّة، مع أن وسائل العلم المادي لم تُدرك غير آثارها، فلا يَعْرِفُ العلم التجريبي عن حقيقتها شيئاً.
إلى غير ذلك من غيبيات اضطُرَّ العلم التجريبي أن يثبتها. وقد بدأ الإيمان بالله ، وبالغيبيات التي جاء بها الدين، يظهر من جديد، في مخابر العلوم التجريبية، وفي أروقة الجامعات العلمية الغربية الكبرى، على ألسنة كبار العلماء الماديين.
وبدأت رحلة عودة كبار علماء الطبيعة إلى الأخذ بمعارف الدين الصحيح، الخالي من التحريفات البشرية الدخيلة عليه.
وبدأ يؤمن بالإسلام كبارُ أهل الفكر والعلم في مختلف أرجاء العالم، كُلَّما استبصر بحقائقه منهم باحثٌ متأمّل منصف، يخشى عاقبة عدم استجابته للحق الذي بعث الله به رُسُله.
* * *
الكاشف الثاني: أبْعَدَ "أوجست كونت" عن تصوُّره قضيَّةَ الإيمان بالرب الخالق، لأنه من الغيبيات التي لا تثبتها العلوم التجريبية المادية، ورفض النظر إلى الأدلة العقلية البرهانية، ورفض تصديقَ الأخبار الدينية التي جاء بها رُسُل الله المؤيَّدون منه بالآيات البيِّنات، من خوارق أنظمة الطبيعة وقوانينها الثابتة.
стр. 400
واعتبر قضية الإيمان بالله ومَا أعدَّ لِمَنْ وَضعهم في الحياة الدنيا موضع الابتلاء، من جزاء بالثواب أو بالعقاب على حسب إيمانهم أو كفرهم، وعلى حسب أعمالهم في طاعته أو معصيته، ينالونه بعد أن يبعثهم إلى الحياة الأخرى حياة البقاء والخلود، اعتبر هذه القضية كأنها قضية لا تتعلق به، ولا بالمجتمع الإنساني الذي كان حريصاً على سعادته وتقدُّمه، وغيوراً على محبته، وحفظ النظام والأمن له.
وجازف بتعريض نفسه وتعريض الذين يستجيبون لآرائه للعقاب الأبدي في الدار التي أعدَّها الله للكفار والعصاة الرافضين أن يُسلموا له ويطيعوه في أوامره ونواهيه، وهي جهنّم ذات النار الحامية ن لمجرّد توهُّمه أن الإيمان بعالم الغيب لم ترق عنده إلى مثل المشاهدات الحسية، وما قدمته الملاحظة والتجربة في العلم الإنساني المادي.
ثمّ ادعى حالاته الثلاثة التي زعم أن العقل البشري قد مر بها حول قضية تفسير الظواهر الطبيعية، دون أن يكون لما قدم في هذا الادعاء دليلٌ من العقل، أو من التجربة العلمية، أو من الملاحظة، واكتفى بأن يستند إلى الوهم والخيال.
إذ ليس لدى العلوم التجريبية دليلٌ ما على حالاته، كما أنه ليس لدى العقل دليلٌ ما عليها.
فمن عجيب الأمر أن يرفض اليقين العقلي، ويرفض تصديق أخبار المؤيدين بالمعجزات الخارقات لقوانين الطبيعة، ثمّ يقدم بدائل من تصوراتٍ تخيلها أو توهمها دون أن تقترن بدليل من العلم التجريبي الذي اعتمده فقط، أو من منطق الفكر السليم.
ونلاحظ أنه قرّر تَسَلْسُلاً للحالات التي ذكرها مخالفاً لواقع حال التاريخ الإنساني، منذ بدء وجود الإنسان على سطح الأرض.
فقد أثبتت كلُّ المعارف الدينية المتوارثة في أمم الأرض، أن آدم أبا البشر قد تلقَّ عن الله تعاليم الدين الحقّ، وأنه علّم ذُرّيّتَهُ أصول هذا
стр. 401
الدين القائم على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى الدعوة إلى مكارم الأخلاق الفردية والاجتماعية، وعبادة الله وحده لا شريك له، والالتزام بالحق والواجب، وإقامة العدل.
ثمّ دخلت الوثنيات والانحرافات إلى شعوب الأرض، بتأثير المضلين من شياطين الإنس والجن، وبتأثير اتّباع الناس لأهوائهم وشهواتهم وغرائزهم، التي تضبطها أوامر الدين ونواهيه.
وكان لهذه الوثيات والانحرافات عن أصول الدين مظاهر كثيرة، منها تأليه الماديات التي اتُّخذت منها أوثان. ومنها تأليهُ المبادئ المعنوية التجريدية، ومنها تعدُّدُ الآلهة، ثمّ ظهر تأليه الطبيعة، من قبل بعض المفتونين بالعلوم المادية الطبيعية. ثمّ جاء "كونت" ليقترح على الناس تأليه معنى "الإنسانية" بدلاً عن الله، رغبة في إسعاد المجتمع الإنساني الذي كان مهتماً بإسعاده والارتقاء به في معارج المدنية.
إن آثار الأولين، وأحوال الشعوب البدائية جداً، كما سبق بيانه حول بعض القبائل الأسترالية، لدى كشف الزيف في آراء "دوركايم" تشهد بأن الدين الحق قد كان هو الأول في تاريخ البشرية، ثمّ انحرف الناس عنه، وهذا ما بينه الله في القرآن المجيد، بقوله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
أي: كان الناس أُمَّةً واحدة على الدين الحق المنزل من عند الله، والذي بلغهم إياه آدم أولاً، ثمّ أنبياء الله ورُسُله من بعده، حتى آخرهم محمد بن عبد الله، عليهم الصلاة والسلام.
стр. 402
فلمّا اختلف الناس عن هذا الدين الحق بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ليردُّوهم عن ضلالاتهم وانحرافاتهم إليه.
ومن الملاحظ في تاريخ الأديان ذات الأصول الصحيحة، أن تعاليم الدين تكون في قمة التوحيد والتزام الحق والعدل، والدعوة إلى الكمالات والفضائل، إبَّانَ عُهود الرُّسُل، ثمّ يبدأ التحريف والتغيير بعد أزمانهم، إلى الوثنيات والانحرافات المختلفات، كلما بعد عهد الناس عن زمن بعثة الرسول فيهم.
* * *
الكاشف الثالث: لا نجد في فلسفة "أوجست كونت" إلا ادعاءات خرافية، لا دليل عليها من العقل، ولا من الملاحظة، ولا من وثائق التاريخ البشري، ولا من تجارب العلوم المادية التي بَهَرَتْهُ وتشبَّثَ بما تُقَدِّمه.
فواقعيته التي ادعاها واقعيةٌ خيالية وهمية، لقد قدم مقدماته عن واقعية العلوم التجريبية، وزعم أن سيَبْني أفكاره معتمداً عليها، ثمّ قدّم أفكاراً وآراءً من عنده لا تستند إلى واقعية العلوم التجريبية مطلقاً، بل جاء بتصورات وهمية، لموجود خيالي، سمّاه "الموجود الأعظم" وأضاف إلى الأرض التي نعيش عليها نفساً وحياةً، وجَعَلَها "فَتَشاً" كأفتاش البدائيين الخرافيين، ووثناً كأوثانهم، وجعل السماء أو الهواء "الوسط الأعظم" الذي يسبح فيه مقدَّساهُ الأعظمان "الإنسانية" و"الأرض" ولم يستطع أن يفلت من فكرة الثالوث النصرانية.
فآراؤه كما هو ظاهر تخيُّلاتٌ وتوهُّماتٌ، لا دليل عليها من علم تجريبي، ولا من واقعية مادية، ولا من دليل عقلي، ومع كل هذا ادعى الواقعية لآرائه.
أليس هذا تناقضاً مع الذات؟
إن فلسفته فلسفَةٌ متناقضةٌ متساقطة، ظاهرة الفساد لكل ذي نظر.
* * *
стр. 403
الكاشف الرابع: إن الدين الذي اخترعه "أوجست كونت" وسماه "ديانة الإنسانية" دينٌ خرافيٌ ترفُضه واقعيّةُ المجتمع البشري ولا تتقبله، بشهادة الواقع في دول العالم الغربي الذي أُعجب بفلسفته، وبعد أن اندفع لِتَقَبُّلِ دينه بعض الناس، رأوا بالتجربة الواقعية أنه دين تافه، فتلاشى هذا الاندفاع، وانطوت دعوته في الأحافير.
إن باستطاعة أي إنسان ذي خيالٍ يجول في أوهام التصورات أن يصنع ويَخترِع ديناً أفضل وأتقن من دينه لسعادة الناس وتقدُّمهم، وأن يضع له برنامج عمل أفضل وأتقَنَ من برنامجه، ونجد عند المصابين بلوثات في عقولهم أشباه هذه المخترعات وأكثر منها.
ولكن أين يكون الواقع الحقُّ الذي يرتبط به مصير الناس؟! وكيف تكون النتائج الوخيمة بترك الحق وابتداعِ صُوَرٍ من الباطل؟!
ليست المشكلة في أن نخترع ونبتدع، ولكن المشكلة في أن نهتدي إلى الحق الذي ترتبط به المصلحة والسعادة، لا سيما إذا كان الأمْرُ يتعلّق بمصير أبديٍّ خالد، مقرونٍ بنعيم، أو عذاب أليم.
стр. 404
القِسمُ الثّالِث مِنَ الكِتَاب
أئِمة وَمَذاهِبْ فِكريّة معَاصِرَة كَبيرَة
وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: المادّية الإلحادية والمادّيون.
الباب الثاني: النظم الاقتصادية المعاصرة.
الباب الثالث: النظم السياسية المعاصرة.
стр. 405
البَابْ الأوَّل
الماديَّة الإلحاديّة وَالماديّون
وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: مقدمات عامّة.
الفصل الثاني: أئمة مادّيون ونُبذ من آرائهم الفلسفية الإلحادية.
الفصل الثالث: أسس الفكر المادّي الإلحادي.
الفصل الرابع: كشف زيوف أفكار المادّيين وجدلياتهم.
الفصل الخامس: عقوبة العذاب النفسي للملحدين.
الفصل السادس: المادّية الجدلية في الكون والتاريخ الإنساني.
стр. 406
الفصْل الأوّل
مقدّمات عامة
(١)
تعريف الإلحاد
يراد من الإلحاد هنا المعنى المصطلح عليه في هذا العصر، وهو إنكار وجود ربّ خالق لهذا الكون، متصرف فيه، يدبّر أمره بعلمه وحكمته، ويُجري أحداثه بإرادته وقدرته.
واعتبار الكون أو مادّته الأولى أزلية، واعتبار تغيراته قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة وما تستتبع من شعور وفكر حتى قمّتها عند الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة.
وربما كان يطلق على هذا النوع من الكفر كلمة "زندقة" وصاحبها "زنديق" ويجمع على "زنادقة".
والإلحاد في الأصل هو الميل والعدول والجور والظلم، يقال لغة: لَحَدَ في الدين لَحْداً، وألحد في الدين إلحاداً، لمن مال، وعدل عن صراطه وحاد، أو جار وظلم.
وقول الله تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 407
أي: يجورون في أسمائه عن الحق، ويميلون بها عن معانيها، وعن كمالاتها. ومن ذلك اشتقاق مشركي العرب اسم وثنهم "اللات" من الاسم الأعظم "الله" واشتقاقهم اسم وثنهم "العزّى" من اسم الله "العزيز" ونحو ذلك.
وقول الله تعالى في سورة (فُصّلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
يُلحدون في آياتنا: أي يُحرّفون في دلالاتها ومقاصدها، ويميلون بها عن الحقّ والهدى الذي جاء فيها، بتفسيرات يتبعون فيها أهواءهم ومذاهبهم.
وقول الله في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
أي: ومن يرد فيه عملاً مصحوباً بميل عن صراط الله بظلم في حق الله أو حق عباده، كالصد عن سبيل الله، والعدوان على حقوق عباد الله. فجزاؤه أن يذيقه الله من عذاب أليم.
وجاء في الحديث: "احتكار الطعام في الحرم إلحادٌ فيه" أي: ظلم وعدوان وميل عما أوجب الله في حقه، لتأمين رزق المقيمين فيه والوافدين إليه.
стр. 408
(٢)
ظاهرة الإلحاد في التاريخ الإنساني
١- لم يكن الإلحاد في التاريخ الإنساني ظاهرة بارزة، ذات تجمّع بشري، أو مذهباً مدعّماً بمنظمات ودول، والكفر السائد قد كان كفر الشرك بالله.
إنما كان الإلحاد ظاهرة فردية شاذة، وربما اجتمع عليه فئات قليلة شاذة من هواة الإجرام، والظلم والعدوان، والفسق والفجور والطغيان، وربما كان نزعة متألّه متسلط من البشر، يجحد الرب الخالق ليجعل نفسه إلهاً، فيعبده الناس من دون الله.
ومعظم النزعات الإلحاد التي ظهرت في التاريخ البشري، وعند بعض الأفراد، إنما كانت عرضاً طارئاً على نفوسهم وأفكارهم، ونزغات غير مستقرّات، ظهرت في بعض مراحل حياتهم، ولأسباب نفسيّة أو اجتماعيةٍ مرّوا بها، ثمّ خَبَتْ هذه النزعات والنزغات، ثمّ انطفأت نيرانها.
وكثير من هؤلاء صحا من سكراته ورعوناته، وعاد إلى حظيرة الإيمان.
٢- ولم يصبح الإلحاد ظاهرة وبائية في كتل بشرية وتجمُّعات إنسانية ثقيلة وخطيرة، إلا بعد أن خطط اليهود لنشر الإلحاد في الناس، ولجعله مذهباً، وإقامة منظمات ودول كبيرة تدين به، وتكونُ مناخاً طبيعياً في أيدي شياطينهم، الذي يحتلون من هذه المنظمات والدول مراكز القيادة والتوجيه، ثمّ عملوا بكل ما أوتوا من مكر وخبث ودهاء وقوة ومال، لتحقيق هذا الهدف، الذي زعموه ممهداً لإقامة دولتهم الكبرى، التي يحلُمون بأن تحكم العالم كله.
جاء في البروتوكول الرابع، من برتوكولات شياطين صهيون:
"يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول "الجوييم" الأميين، وأن نضع مكانها عمليات حسابية، ورغبات مادية".
стр. 409
وجاء في البروتوكول السابع قولهم:
" قد عنينا عناية عظيمة بالحطّ من كرامة رجال الدين من "الجوييم" الأميين في أعين الناس، وفي ذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبةً كؤوداً في طريقنا. وإن نفوذ رجال الدين يتضاءل يوماً فيوماً. سنقصر رجال الدين وتعاليمهم على جانبٍ صغيرٍ جدّاً من الحياة، وسيكون تأثيرهم وبيلاً سيئاً على الناس، حتى إن تعاليمهم سيكون لها أثر مناقض للأثر الذي جرت العادة بأن يكون لها ... ".
وفعلاً سخّر اليهود فريقاً من أذكيائهم وشياطينهم، لوضع أفكار باسم "نظريات" حديثة، أو إحياء أفكارٍ قديمة، ووضعها في قوالب نظريات علمية أو فلسفية، تنقض بالكذب والتزييف والمغالطات المبادئ والأسس العلميّة والمنطقية الحقة، التي جاءت بها الأديان الربانية الصحيحة المنزلة على أنبياء الله ورسله - كما سبق بيان كثير منه في هذا الكتاب.
وكان هذا تطبيقاً لقولهم في البروتوكول الثالث عشر: "سنحاول أن نوجّه العقل العام، نحو كل نوعٍ من النظريات المبهرجة، التي يمكن أن تبدو تقدّميّة أو تحرريّة ... ".
وقد نظروا إلى بعض نتائج أعمالهم السابقة في هذا المجال فقالوا في البروتوكول التاسع:
" ولقد خدعنا الجيل الناشئ من "الجوييم" الأميين، وجعلناه فاسداً متعفّناً، بما علّمناه من مبادئ ونظريات معروف لنا زيفها التامّ، وكنّا نحنُ أنفسنا الملقنين لها ... ".
(٣)
سُبُل انتشار الإلحاد المعاصر
أمّا انتشار الإلحاد في الناس خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، فكان له سبيلان اتخذهما اليهود وأجراؤهم ووكلاؤهم والمنظمات الخاضعة لهيمنتهم، أو السائرة في مخططاتهم.
стр. 410
السبيل الأول: رفع شعار العقلانية والعلمانية، الذي سيطر بقوة على الفكر الغربي، بعد التمهيد لذلك بإطلاق مبادئ الحريات الفكرية والسلوكية، وبعض الحريات السياسية والاجتماعية الأخرى.
وضمن شعاري العقلانية والعلمانية، اندس المضللون يصوغون العلوم الإنسانية، وجذور العلوم البحتة، على أسس الإلحاد بالله، والتفسيرات المادية، دون أي مستند علمي حسّيّ تجريبي، أو منطقيٍّ فكري.
ووسيلتهم في ذلك الادعاءات المجرّدة، والأكاذيب، والمغالطات، والتزييفات، والتستر المستمرّ بشعارات المناهج العلمية المادية، وقواعد البحث العلمي، ونبذ الخرافات والغيبيات.
ويتخذون من بعض الخرافات والأحاديث الكاذبات عن أمور الغيب، ذريعةً لإنكار كلِّ حقٍّ دينيّ، وحقٍّ غيبيٍّ ثابتٍ بيقين.
وانطلق المضللون من المتخصصين بالدراسات الفلسفية يصدّرون الآراء الفلسفية المادّية الملحدة، وينشرونها في مختلف المؤسسات التعليمية والإعلامية.
وأخذت الأجهزة الإعلامية العالمية تروّج أفكار المضلّلين، وتعطيها بريقاً مغرياً خادعاً، وتضفي عليها عبارات التمجيد والتعظيم والإكبار، وتلبسها أثواب الحقائق العقلية والعلمية زوراً وبهتاناً، وتزييفاً وغشاً.
وسقطت الشعوب الصليبية في معظم البلدان التي أخذت تتقدّم في مجالات العلوم المادية، في فخ العقلانية والعلمانية ذواتي المكر اليهودي، وساعد هذه الشعوب على هذا السقوط فساد الكنسية، وما دخل في الديانة النصرانية من تحريف وتخريف، كما سبق شرح ذلك في القسم الأول من هذا الكتاب.
ومع التحرّك الصليبي الاستعماري والتبشيري ضدّ العالم الإسلامي، في عمليات الغزو الفكري لسلخ المسلمين عن دينهم، سلخاً كلياً أو
стр. 411
جزئياً، حمل الصليبيون للعالم الإسلامي شعاري العقلانية والعلمانية.
وتسلّل المذهب الإلحادي ضمن هذين الشعارين، وسَرَّ الصليبيين ذلك، بل دعوا إليه، لأنهم لم يستطيعوا تنصير المسلمين، فرأوا أن نقل أجيال المسلمين من الإسلام إلى نبذ الأديان كلها، ثمّ إلى الإلحاد بالرب الخالق، أسهل عليهم من التنصير الذي رفضته غالبية الشعوب الإسلامية، ونفرت منه.
ورأى الصليبيون أن أبناء المسلمين، إذا ألحدوا كانوا أطوع لهم، وأسرع إلى تنفيذ مخططاتهم الاستعمارية. كما أشار عليهم بذلك أيضاً شياطين اليهود.
السبيل الثاني: نشر الماركسية، بكل فلسفتها، وشعاراتها، وبرامجها الاقتصادية، وألوان مكرها وكيدها.
ومعلوم أن الماركسية قد بُنيت بناءً كلياً على الإلحاد بالله، ومقاومة كل دين يصل الإنسان بإله معبود، مهما كان نوع هذه العقيدة الدينية، ولو كانت أدلتها من أقوى البراهين، ومناهجها أفضل مناهج تضمن السعادة للناس.
لكن الماركسية بتأثير جذورها وقياداتها اليهودية، لم تمس اليهودية واليهود بسوء، بل أقامت بين حربها الشرسة الدنيئة، وبين العقيدة اليهودية والعشب اليهودي، حجاباً ساتراً وواقياً.
وبعد أن ظهرت المنظمات الاشتراكية والشيوعية في العالم، صار للإلحاد بالله كُتَلٌ بشرية كبيرة تدين به.
ثمّ لما قامت الثورة الاشتراكية الشيوعية الكبرى، وصار لها دول ذات وزن في الشرق، أمسى الإلحاد في الناس ظاهرة بارزة، يُنشر في بعض دول الأرض بمختلف وسائل الدعاية والإعلام، والإلزام التعلمي، مع الخداع وتزييف الحقائق، ويُنشر في بعض دول الأرض عن طريق فرضه على الأجيال بالقهر والسلطان، مع الإلزام التعلمي، واستخدام مختلف وسائل التضليل.
стр. 412
فالإلحاد دخل وما يزال يدخل إلى بعض أبناء شعوب الأمة الإسلامية، متسللاً في أثواب العلوم والفنون وأنواع الثقافات الغربية والشرقية، أو ضمن مبادئ المنظمات الاشتراكية والشيوعية، والأحزاب القومية العلمانية.
ووسائل هذه المنظمات تتلخص بإرضاء الشهوات والمطامع، ونزعات الكبر والغرور، مع إفساد البصيرة الفكرية، وإفساد الحس الوجداني.
وقد يدخل الإلحاد مفروضاً فرضاً بالقهر وسلطان الحكم، وذلك في البلدان التي تسقط في أيدي الأحزاب الشيوعية، أو في أيدي أجراء الدول الأخرى التي جعلت من مخططاتها تحويل أبناء المسلمين إلى الإلحاد، وسلخهم عن إسلامهم، بغية تطويعهم لتنفيذ أغراضهم، وتطبيعهم على العبودية الذليلة لهم.
ومن أمثلة فرض الإلحاد على المسلمين المستَعمرين من قبل الاتحاد السوفيتي، ما تضمّنته الوثيقة التالية الصادرة عن جهات رسمية في الاتحاد السوفيتي:
"برغم مرور خمسين سنة تقريباً على الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وبرغم الضربات العنيفة التي وجهتها أضخم قوة اشتراكية في العالم إلى الإسلام، فإن الرفاق الذين يراقبون حركة الدين في الاتحاد السوفيتي صرّحوا كما تذكر مجلّة "العلم والدين" الروسية، في عددها الصادر في أوّل كانون الثاني من سنة (١٩٦٤م) بما نصّه:
стр. 413
إننا نواجه في الاتحاد السوفيتي تحدّيات داخليّة في المناطق الإسلامية، وكأنّ مبادئ لينين لم تتشرّبها دماء المسلمين ...
وبرغم القوى اليقظة التي تحارب الدين، فإنّ الإسلام ما يزال يرسل إشعاعاً، وما يزال يتفجر قوة، بدليل أن ملايين من الجيل الجديد في المناطق الإسلامية، يعتنقون الإسلام، ويجاهرون بتعاليمه ... ".
وقد جاء في الوثيقة المذكورة بيان للبنود التي يجب على الشيوعيين محاربة الإسلام ضمن تعليماتها، ومن هذه البنود المقرّرات التالية:
"١- مهادنة الإسلام لتتم الغلبة عليه، والمهادنة لأجل، حتى نضمن أيضاً السيطرة، ونجتذب الشعوب العربية للاشتراكية.
٢- تشويه سمعة رجال الدين، والحكام المتدينين، واتهامهم بالعمالة للاستعمار والصهيونية.
٣- تعميم دراسة الاشتراكية في جميع المعاهد والكليات والمدارس في جميع المراحل ... ومزاحمة الإسلام ومحاصرته حتى لا يصبح قوّة تهدّد الاشتراكية.
٤- الحيلولة دون قيام حركات دينية في البلاد، مهما كان شأنها ضعيفاً، والعمل الدائم بيقظة لمحو أي انبعاث ديني، والضرب بعنف لا رحمة فيه لكل من يدعو إلى الدين ولو أدى إلى الموت.
٥- ومع هذا لا يغيب عنّا أن للدين دوره الخطير في بناء المجتمعات، ولذا وجب أن نحاصره من كل الجهات، وفي كل مكان، وإلصاق التهم به، وتنفير الناس منه، بالأسلوب الذي لا ينم عن معاداة الإسلام.
٦- تشجيع الكتاب الملحدين، وإعطاؤهم الحرية كلها في مواجهة الدين، والشعور الديني، والضمير الديني، والعبقرية الدينية، والتركيز في الأذهان على أن الإسلام انتهى عصره - وهذا هو الواقع - ولم يبق منه اليوم
стр. 414
إلا العبادات الشكلية، التي هي الصوم والصلاة والحج وعقود الزواج والطلاق، وستخضع هذه العقود للنظم الاشتراكية.
أما الصوم والصلاة فلا أثر لهما في الحياة الواقعية، ولا خطر منهما. وأما الحج فمقيّد بظروف الدولة، ويمكن استخدام الحج في نشر الدعوة الاشتراكية بين الحجاج القادمين من جميع الأقطار الإسلامية، والحصول على معلومات دقيقة عن تحركات الإسلام لنستعد للقضاء عليها.
٧- قطع الروابط الدينية بين الشعوب قطعاً تاماً، وإحلال الرابطة الاشتراكية محل الرابطة الإسلامية، التي هي أكبر خطر على اشتراكيتنا العلمية.
٨- إن فصم روابط الدين ومحو الدين لا يتمان بهدم المساجد والكنائس، لأن الدين يكمن في الضمير، والمعابد مظهر من مظاهر الدين في ضمير المؤمنين به، بعد أن نجحنا في جعل السيطرة والحكم والسيادة للاشتراكية، ونجحنا في تعميم ما يهدم الدين، من القصص، والمسرحيات، والمحاضرات، والصحف، والأخبار، والمؤلفات، التي تروّج للإلحاد، وتدعو إليه، وتهزأ بالدين ورجاله، وتدعو إلى العلم وحده، وجعله الإله المسيطر.
٩- مزاحمة الوعي الديني بالوعي العلمي، وطرد الوعي الديني بالوعي العلمي.
١٠- خداع الجماهير بأن يُزعم لهم أن المسيح اشتراكي وإمام الاشتراكية، فهو فقير، ومن أسرة فقيرة، وأتباعه فقراء كادحون، ودعا إلى محاربة الأغنياء. وهذا يمكِّننا من استخدام المسيح نفسه لتثبيت الاشتراكية لدى المسيحيين. ونقول عن محمد: إنه إمام الاشتراكيين، فهو فقير، وتبعه فقراء، وحارب الأغنياء المحتكرين، والإقطاعيين، والمرابين، والرأسماليين، وثار عليهم، وعلى هذا النحو يجب أن نصور الأنبياء
стр. 415
والرسل، ونبعد القداسات الروحية، والوحي، والمعجزات عنهم بقدر الإمكان، لنجعلهم بشراً عاديين، حتى يسهل علينا القضاء على الهالة التي أوجدوها لأنفسهم، وأوجدوها لهم أتباعهم المهووسون.
١١- تحطيم القيم الدينية الروحية، بإظهار ما فيها من خلل وعيوب، وتخدير للقوى الناهضة.
١٢- نشر الأفكار الإلحادية، بل نشر كل فكرة تضعف الشعور الديني، والعقيدة الدينية.
وزعزعة الثقة برجال الدين في كل قطر إسلامي".
* * *
стр. 416
الفصْل الثاني
أئمّة مَادِّيّون وَنُبّذٌ مِنْ آرَائهم الفَلْسَفيَّةِ الإلحَادية
مقدمة
في هذا الفصل أقدم تعريفاً موجزاً بأبرز أئمة الإلحاد من الفلاسفة في التاريخ، منذ عهد الإغريق، حتى عصرنا الحاضر، من الذين كانت لهم آراء ظاهرة، حاولوا فيها تفسير الوجود، والكون، وظاهراته، والتغيرات التي تجري فيه، والحياة وما تستتبع من إرادة وشعور وفكر، تفسيرات تستبعد استبعاداً كلياً فكرة وجود خالق أزلي أبديّ عليم حكيم قدير، يفعل ما يشاء ويختار.
وهم بحسب ما ظهر لي في مجموعة الكتب الفلسفية التي حولي:
١- "ديموقريطس" فيلسوف إغريقي (٤٧٠ - ٣٦١ ق. م) .
٢- "أبيقور" و"الأبيقوريون".
و"أبيقور" فيلسوف إغريقي (٣٤١-٢٧٠ ق. م) .
٣- "توماس هوبز" فيلسوف إنجليزي وهو أوّل المادّيين المحدَثين (١٥٨٨-١٦٧٩م) .
٤- "دافيد هيوم" فيلسوف اسكتلندي (١٧١١-١٧٧٦م) .
٥- "شوبنهور" فيلسوف ألماني (١٨٧٧ - ١٨٦٠م) .
٦- "كارل ماركس" يهودي ألماني مؤسس الشيوعية (١٨١٨-١٨٨٣م) .
٧- "بخنر" فيلسوف ألماني (١٨٢٤-١٨٩٩م) .
стр. 417
٨- "نيتشه" فيلسوف ألماني (١٨٤٤-١٩٠٠م) .
٩- "سبنسر" فيلسوف إنكليزي (١٨٢٠-١٩٠٣م) .
١٠- "برتراند رسل" فيلسوف إنكليزي (١٨٧٣-١٩٧٠م) .
(١)
ديموقريطس وأفكاره الإلحادية
من هو ديموقريطس؟
هو فيلسوف مادّي يوناني، عاش ما بين (٤٧٠-٣٦١ ق. م) وفلسفته المادّية تقول:
إن الوجود واحد، وهو ينقسم إلى عدد غير متناهٍ من الوحدات غير المتجانسة وغير المدركة بالحسّ، والواحد منها هو الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ.
وهذه الوحدات غير المتجانسة قديمة أزلية، نظراً إلى أن الوجود لا يمكن أن يخرج من العدم الكلي المحض، وهي دائمة أبدية، إذْ لا ينتهي الوجود إلى العدم الكلي المحض (اللاوجود مطلقاً) .
وعن "ديموقريطس" وأستاذه "لوقيبوس" أخذ المادّيون بعدهما، حتى فريق المادّيين المعاصرين، فكرة أزلية المادة، وأن وجود الكون ثمرة حركة مادّة الكون الأولى، وأنه سيعود إلى مادّته الأولى، ثمّ يستأنف الكرّة، وهكذا دواليك.
والنفس عند "ديموقريطس" مادّية أيضاً، وهي مؤلفة من أدقّ الجواهر وأسرعها حركة.
فكلّ ظواهر الوجود الكوني عنده تتحكم بوجودها آلية الحركة الذاتية للوحدات غير المتجانسة التي يتألف منها الوجود كله.
ويعرف هذا في الفلسفة بالمذهب الذري.
стр. 418
ومضى "ديموقريطس" بالمذهب الآلي إلى حده الأقصى، ووضعه في صيغته النهائية، فقال: إن كلّ شيء امتداد وحركة فقط.
ولم يستثن النفس الإنسانية ولا الآلهة التي كان يعتقد بها اليونانيّون، فالآلهة في رأيه مركبة من جواهر كالبشر، إلا أن تركيبهم أدقّ، فهم لذلك أحكم وأقدر، وأطول عمراً بكثير، ولكنهم لا يخلدون.
ويقدّم "ديموقريطس" أفكاره هذه آراءً فلسفية، غير مستندة إلى أدلة تؤيدها، ويطرحها ادعاءً تصورياً بلا حجج ولا براهين.
نقد آراء ديموقريطس
لو تأمل ديموقريطس فيما عرض من أفكار ببصيرة نافذة، لكانت كفيلة بنقض مذهبه في أزلية المادية وأبديتها واعتبار أنها هي الوجود كله.
١- أما قوله: إن العدم الكلي المحض لا يمكن أن يتحول إلى الوجود بنفسه، وأن ما هو أزلي لا بد أن يكون أبدياً، فهو قولٌ حقٌّ، برهانه عقلي.
لأن العدم الكلي المحض لا يمكن عقلاً وبداهة أن يتحوّل بنفسه إلى الوجود، فالعدم لا شيء، ويستحيل عقلاً أن يتحول اللاشيء إلى شيء.
وما هو أزلي - أي: واجب الوجود - لا يمكن أن تأتيه حالة يكون فيها ممكناً حتى يقبل فيها العدم.
لكن هذا لا يفيد أزلية المادة، إنما يهدي إلى وجود موجود أزلي هو الذي أوجد المادّة، وخلق الكون بقدرته وعلمه وحكمته واختياره المطلق.
فالمادّة بطبيعتها المتغيّرة والمتحوّلة القابلة للتحليل والتركيب، لا تصلح لأن تكون أزلية، وما ليس أزلياً فهو حادث، وما هو حادث لا بدّ له من مُحْدث.
٢- تضمْنت آراؤه أنّ النظام الكوني الرائع، كان نتيجة المصادفة
стр. 419
العمياء الجاهلة التي لا قصد فيها، ولا يوجهها علم، ولا تدبرها حكمة
وهذا يتنافى مع حقائق الفكر ويقيناته، فاليقينات الرياضية والبحوث العلمية، تثبت استحالة وجود نظام الكون البديع مصادفة، دون خطّة مدبّر عليم حكيم قدير مختار.
٣- وتضمّنت آراؤه أن الحياة، والإرادة في الأحياء، والفكرَ في الإنسان الحي، من ثمرات تطور المادة الخالية من هذه الأشياء الراقية.
فلزمه بهذا أن يقبل تحول الناقص إلى الكامل بنفسه، وهذا نظير وجود الشيء من العدم الكلي المحض، الذي وافق الآخرين على رفضه لبداهته، ومن أجل ذلك قرّر أزلية المادّة.
وهنا نلاحظ تناقضه مع نفسه، وحسبُ التناقض دليلاً على إسقاط أيّ مذهب.
وتناقضه يظهر في أنه أقرّ استحالة تحوّل العدم المطلق إلى الوجود بنفسه، ثمّ أثبت وجود عنصر الكمال في المادة بنفسه مع أنه كان عدماً محضاً، فالمادّة التي لا حياة فيها من أين جاءتها الحياة؟
* * *
(٢)
أبيقور والأبيقوريون
من هو أبيقور؟
هو فيلسوف مادّي يوناني، تلميذ آراء وأفكار "ديموقريطس". عاش ما بين (٣٤١-٢٧٠ ق. م) .
أخذ أسس مذهبه الذري عن أستاذه، في بضع الآراء. وتلاميذ "أبيقور" يُنسبون إليه في الفلسفة اليونانية، فيقال عنهم: أبيقوريون.
أهم مقولاتهم المادّية التي تلتقي مع الفكر الإلحادي
أولاً: أسس مذهب الأبيقوريين ترجع إلى المذهب الذري الذي قال
стр. 420
به "ديموقريطس" من قبل، لكن "أبيقور" أضاف فكرة الميل في التحرّك الآلي في الذرات، ليحصل التصادم بينها، فتتكوّن الظاهرات الكونية.
ونقض المذهب المادّي كلّه يرجع إلى براهين واحدة، منها ما سبق بيانه لدى الكلام على "ديموقريطس". وتفصيلها سيأتي إن شاء الله في فصل خاصّ، يردّ على جميع آراء المادّيين.
ثانياً: للأبيقوريين أقوال يهاجمون فيها الدين الوثني المعدد للآلهة، والذي كان منتشراً بين اليونانيين وغيرهم، في تلك العصور.
فمن أقوال "لوكرتيوس" أحد الأبيقوريين: "إن الدين شرٌّ ما بعده شرّ، وإن الواجب على الإنسان ومهمة الفلسفة الأولى أن تتخلص نهائياً من كل دين، لأن الدين هو ينبوع كل شر ".
وربما لم يكن في عهدهم ذلك صورة صحيحة عن دين رباني صحيح، وإنما لديهم أديان وثنية خرافية، لذلك شجبُوا الدين الذي رأوا نماذجه في عصورهم.
ولذلك نجد في تعبيرات الأبيقوريين: أن الذي يؤمن بالدين الشعبي المألوف ومعتقداته يرتكب خطيئة دينية في الواقع، بينما الذي لا يؤمن بها هو الذي يسلك سبيل الصواب.
وهجومهم على هذا النوع من الأديان لا شأن لنا به، وقد يكون لهم في ذلك عذر، لما عليه هذه الأديان من خرافات وأضاليل وأكاذيب.
ثالثاً: ينكر الأبيقوريون ظاهرة العناية الإلهية، التي هي إحدى أدلة المثبتين وجود الله.
وإنكارهم لها مستند إلى ملاحظة أمور يرونها في الكون شرّاً، ويرون أن وجودها ينقض بحسب تصوّرهم فكرة العناية، حتى زعموا أن فكرة العناية الربانية وهم من الأوهام، وقالوا:
* أين العناية الربانية في عالم حظّ الشرِّ فيه أكبر من حظ الخير،
стр. 421
ومصير فاعل الخير أسوأ من مصير فاعل الشر؟
* وأين العناية الربانية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا جزء ضئيل منه؟
* وأين العناية الربانية التي تركت الإنسان خلواً من كلا سلاح، بل هو الحيوان الأكبر الأعزل؟
إلى نحو ذلك من تساؤلات، تعبّر عن إنكارهم لظاهرة العناية.
كشف بطلان هذه الفكرة
أولاً: إن هذه التساؤلات التي طرحها الأبيقوريون منذ نيّف وعشرين قرناً، ويطرح نظيرها جميع منكري العناية الربانية، تدل على نظرة قاصرة جداً، حكموا بها على الوجود، الأمر الذي يسمح لنا بأن نقول: إن هذه النظرة نظرةٌ سخيفة ومحدودة، وينبغي أن لا تصدر مطلقاً عن ذي فكر عادي، فضلاً عن باحث فيلسوف.
إن الرؤية الناقصة القاصرة المحدودة، التي تتناول جانباً جزئياً صغيراً جداً، من المجموع الكلي الكبير، والتي لا تسمح لصاحبها بأن يدرك معاني الحكمة الكلية، تجعله يصدر أحكاماً باطلة، مبنية على رؤيته هذه.
فمن لم ير من الوجود إلا ما يسوؤه جلب إلى نفسه الاكتئاب، وغدا متشائماً، وحكم على الوجود بأن الشر هو الغالب فيه. وعكسه الذي لا يرى من الوجود إلا ما يسره، فإنه يبتهج بالحياة، ويتفاءل بكل شيء، ويحكم على الوجود بأن الخير هو الغالب فيه، وقد يطغيه ذلك.
لكن النظرة الإيمانية التي منحنا إياها الفهمُ الديني الصحيح الذي بينه لنا الإسلام، تعطي المؤمنين رؤية كلية شاملة، وهذه الرؤية تشاهد حكمة الله في الخلق، بدءاً من حياة الإنسان في دار الامتحان، وهي الدار الدنيا، حتى منازل الخلود في دار الجزاء، وهي الدار الآخرة.
فالإنسان في هذه الحياة مُبتلىً ممتحن، وبديهة الفكر تقرر أن
стр. 422
الإنسان ما دام قد خلق ليمتحن، وليكسب مقادير آخرته باختياره، فإنّ الامتحان في دار الحياة الدنيا هذه يستلزم أن يكون الإنسان فيها عرضة لقسمين من أقسام الامتحان، نظراً إلى أن إحساسه الشعوري قائم على محورين، محور اللذة ومستتبعاتها، ومحور الألم ومستتبعاته.
فالقسم الأول: هو ما يلذه أو يفرحه ويسرّه من محابّ في هذه الحياة الدنيا وهي النعم المادّية أو المعنوية التي تمتعه ليختبر بها حمده وشكره، واستقامته، وعدم بطره وطغيانه، فإذا كان من الناجحين في هذا الامتحان كان من الخالدين في السعادة يوم الدين.
والقسم الثاني: ما يؤلمه ويحزنه ويسوؤه من مكاره في هذه الحياة الدنيا، وهي المصائب التي تمسّه، ليختبر بها صبره واحتماله، ورضاه عن الله فيما تجري به مقاديره، واستقامته على طاعته، وثباته على إيمانه بربه وبكمال حكمته، رغم كل ما أصابه من مكاره.
إذن: فلا بد من وجود مصائب ومكاره في هذه الحياة الدنيا، ليستوفي الامتحان شروطه اللازمة له، بذل تقضي الحكمة.
هذه الحقيقة بينها الله لنا بقوله في سورة (الأنبياء مصحف/٧٣ نزول) :
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ .
وفي ظروف الحياة الدنيا قد تقضي الحكمة بمعاقبة بعض المسيئين والمجرمين، عناية بالمسيء حتى يتوب، أو تنبيهاً على قانون العدل الرباني، أو مكافأة للمظلوم وجبراً لخاطره. على أن الجزاء الأوفى مدّخر إلى يوم الدين، ونظير ذلك يكون في بعض صورة الثواب العجل.
وآلام الذين هم دون التكليف آلام إعداد وتربية، اقتضتها السنن الثابتة العامة.
فكلٌّ من النعم والمصائب في هذه الحياة الدنيا، إما أنها للامتحان
стр. 423
وهو الأصل، وإما أن تكون من معجّل الجزاء، وإما أن تكون للتربية، وكل ذلك مقرون بحكمة عظيمة.
فما زعمه منكرو العناية الإلهية باطل تماماً، وما ادّعوه من أن مصير فاعل الخير أسوأ من مصير فاعل الشر، فالفساد فيه آتٍ من وجهين:
الأول: أننا لا نجد هذه الدعوى منطبقة على الواقع الدنيوي انطباقاً كلياً، بل قد يحدث هذا وقد يحدث عكسه، وكلٌّ من الأمرين مشمول بقانون الابتلاء الرباني. هذا مع حصر النظر في ظروف الحياة الدنيا.
الثاني: أن قصة الوجود لا تنتهي بالموت في هذه الحياة الدنيا، بل الموت عبارة عن انتهاء مدة امتحان الإنسان، الموضوع موضع الامتحان في هذه الحياة.
وبعد ذلك تأتي الحياة الأخرى الخالدة، التي يكون فيها الجزاء الأوفى.
والدين الحق يكشف أن قانون الجزاء الرباني يومئذ، يتضمنه قول الله في الدين الخاتم:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
ولا بد أن نلاحظ في هذا الموضوع أن من لوازم الامتحان المستوفي لشروطه، تمكين المجرمين من ممارسة جرائمهم في الحياة الدنيا، ليستوفوا عقابهم يوم الدين.
ويومئذٍ يكون التعويض عظيماً لمن وقعت عليهم الجرائم، إذا هم آمنوا بالله وعدله وحكمته واستقاموا على طاعته.
وليس معنى ذلك أن لا ينتصروا لأنفسهم في الحياة الدنيا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل ذلك من مسؤولياتهم في حدود استطاعتهم.
ولولا تمكين المجرمين من ممارسة جرائمهم في ظروف هذه الحياة الدنيا، ما استوفى الامتحان الأمثل شروطه اللازمة.
стр. 424
فإذا تركنا موضوعات النعم والمصائب وأنواع الشرور التي يمارسها الناس بإرادتهم الحرة، والتي اقتضتها في هذه الحياة الدنيا مقتضيات الامتحان الأمثل، وانتقلنا إلى كل ظواهر الوجود الأخرى، فإننا نجد عناية الله ظاهرة في كل شيء.
هل يجد الباحثون في ظواهر الكون الكبير إلا التلاؤم التام بين الأشياء، وبينها وبين حاجات الأحياء؟
أليس لكل داء دواء، ولكل مرض وعلة وسيلة شفاء؟
أليس لكل حيّ ما يناسبه في الأرض من غذاء؟
أليست العناية الربانية هي التي أتقنت كل شيءٍ خلقته، من الذرّة إلى المجرّة. من الخلية إلى جسم الكائن الحيّ كله؟
لقد كفتنا العلوم الكونية المعاصرة المتعمقة التي قام بها العلماء المادّيون، فقد أثبتت بشكل قطعي ظاهرة العناية الربّانيّة، بما لا يدع مجالاً للشك مطلقاً.
فلسنا بحاجة إلى إثباتات عقلية، أو استدلالات نعتمد فيها على الظواهر السطحيّة للكائنات بالرؤية العادية.
وأقول أخيراً:
إن قصور النظر إلى الواقع لا يغير من كمال الواقع شيئاً.
ثانياً: قولهم: أين العناية الربانية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا جزء ضئيل منه؟ قول سخيف.
* هل استوعب الإنسان الأرض كلها حتى يبحث عن غيرها؟
* إن الأرض كلها لهذه الحياة الأولى ليست أكثر من مختبر، لامتحان الوافدين إليه، وليست هي الجنة المعدة للخلود. فجنات النعيم فيها كل ما يطلب أصحابها، ومزيد لا يخطر على بالهم من فيض فضل الله وجَوده العظيم.
стр. 425
إن عدم فهم الحكمة من الخلق يوقع في الأغاليط الكثيرة.
* * *
ثالثاً: قولهم: أين العناية الربانية التي تركت الإنسان خلواً من كل سلاح، بل هو الحيوان الأكبر الأعزل؟ هو قولُ ينقضه واقع حال الإنسان، الذي سلّحه الخالق العظيم بالفكر، الذي يستخدم به كل ما في الكون المسخر له بقضاء الله وقدره.
ونقول: أليس من عناية الله بالإنسان أن سخّر له كل ما في الأرض، وما في السماء أيضاً، وقد ظهر ذلك في عصرنا عصر الكشوف العلمية التي جعلت الإنسان يجوب في الآفاق ويصل إلى القمر وغيره من الكواكب؟
أليس الإنسان هو المسلط بفكره ووسائله على كل كائنا البرّ والبحر؟
لقد كان مبلغهم من الرؤية قاصراً، فكان مبلغهم من العلم قليلاً.
والحمد لله الذي هدانا للحق بدينه الخاتم، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
* * *
(٣)
"توماس هوبز" وماديته
من هو "توماس هوبز"؟
هو فيلسوف إنجليزي. أيد الحكم الملكي المطلق. وهو أول الماديين المحَدثين. عاش ما بين (١٥٨٨-١٦٧٩م) . ألف عدة مؤلفات منها: ١- "مبادئ القانون الطبيعي والسياسي" نشره سنة (١٦٤٠م) . ٢- "في الجسم" نشره سنة (١٦٥٥م) وهو يحتوي على المنطق والمبادئ الأساسية أو الفلسفة الأولى، ونظرية الحركات والمقادير، ونظرية الظواهر الطبيعية.
следующие страницы →