Полный текст (532 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كتب مصطفى أمين في زاويةِ (فكرة) في الشرقِ الأوسطِ كلاماً، منه: اصبرْ على كيد الكائدين، وظلمِ الظالمين، وسطوةِ الجبابرةِ، فإنَّ السوط سوف يسقطُ، والقيد سوف ينكسرُ، والمحبوس سوف يخرجُ، والظلام سوف ينقشعُ، لكن عليك أن تصبر وتنتظر.
وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى ... ذرْعاً وعِند الله منها المخرجُ
قابلتُ في الرياضِ مفتي ألبانيا، وقد سُجن عشرين سنةً مِن قبل الشيوعيين في ألبانيا مع الأعمالِ الشاقَّةِ، والحبسِ والكيدِ، والنكَّالِ والظلمِ، والظلامِ وجوعِ، وكان يصلِّى الصلواتِ الخمس في ناحيةٍ من دورةِ المياه خوفاً منهمْ، ومع هذا صَبَرَ واحتسب حتى جاءهُ الفرجُ، ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ .
هذا (نلسون مانديلا) رئيس جنوبِ أفريقيَّة، سُجن سبعاً وعشرين سنةً، وهو ينادي بحريَّةِ أمَّتهِ، وخلوصِ شعبهِ من القهرِ والكبتِ والاستبدادِ والظلمِ، وهو مُصِرٌّ صامدٌ مواصلٌ مستميتٌ، حتى نال مجدهُ الدنيويَّ. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ .
وأشجعُ مني كُلّ يومٍ سلامتي ... وما ثبتتْ إلا وفي نفسِها أَمْرُ
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ .
стр. 177
لا تحزن إذا عرفت الإسلام
ما أشقى النفوس التي لا تعرفُ الإسلام، ولم تهتدِ إليه، إنَّ الإسلام يحتاجُ إلى دعايةٍ منْ أصحابهِ وحَمَلتِهِ، وإعلان عالميٍّ هائل، لأنهُ نبأ عظيمٌ، والدعايةُ له يجبُ أن تكون راقيةً مهذبةً جذابةً، لأنَّ سعادة البشريةِ لا تكونُ إلا في هذا الدينِ الحقِّ الخالدِ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .
سكن داعيةٌ مسلمٌ شهيرٌ مدينة ميونخ الألمانية، وعند مدخلِ المدينةِ تُوجدُ لوحةٌ إعلانيةٌ كبرى مكتوبٌ عليها بالألمانيةِ: «أنت لا تعرفُ كفراتِ يوكوهاما» . فنصب هذا الداعيةُ لوحةً كبرى بجانب هذه اللوحةِ كتب عليها: «أنت لا تعرفُ الإسلام، إنْ أردت معرفتهُ، فاتصل بنا على هاتفِ كذا وكذا» . وانهالتْ عليه الاتصالاتْ من الألمانِ منْ كلِّ حَدَبٍ وصوب، حتى أسلم على يدهِ في سنةِ واحدة قرابة مائة ألفِ ألمانيٍّ ما بين رجلٍ وامرأةٍ وأقام مسجداً ومركزاً إسلامياً، وداراً للتعليمِ.
إن البشرية حائرٌ بحاجةٍ ماسَّةِ إلى هذا الدينِ العظيمِ، ليردَّ إليها أمنها وسكينتها وطمأنينتها، ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
يقول أحدُ العُبَّادِ الكبارِ: ما ظننتُ أنَّ في العالمِ أحداً يعبدُ غير الله.
لكنْ ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ، ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 178
وقد أخبرني أحدُ العلماءِ أن سودانيّاً مسلماً قدم من البادية إلى العاصمةِ الخرطومِ في أثناءِ الاستعمارِ الإنكليزيِّ، فرأى رجل مرورٍ بريطانيّاً في وسطِ المدينةِ، فسأل هذا المسلمُ: منْ هذا؟ قالوا: كافرٌ. قال: كافرٌ بماذا؟ قالوا: باللهِ. قال: وهلْ أحدٌ يكفرُ بالله؟! فأمسك على بطنِهِ ثمَّ تقيَّأ ممَّا سمع ورأى، ثم عاد إلى الباديةِ. ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .!
يقولُ الأصمعيُّ: سمع أعرابيٌّ يقرأُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ ، قال الأعرابيَّ: سبحان اللهِ، ومن أحوج العظيم حتى يقسم؟!
إنه حسنُ الظنِّ والتطلُّعُ إلى كرمِ المولى وإحسانِه ولطفه ورحمته.
وقد صحَّ في الحديثِ أنَّ الرسول ﷺ قال: ((يضحك ربُّنا)) . فقال أعرابيٌّ: لانعدامُ منْ ربٍّ يضحكُ خيراً.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ ، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ .
منْ يقرأُ كتب سيرِ الناسِ وتراجم الرجالِ يستفيدُ منها مسائل مطَّرِدةً ثابتةً منها:
١. أنَّ قيمة الإنسانِ ما يُحسنُ، وهي كلمةٌ لعليِّ بن أبي طالبٍ، ومعناها: أنَّ علم الإنسانِ أو أدبهُ أو عبادتهُ أو كرمهُ أو خلقهُ هي في الحقيقةِ قيمتُهُ، وليستْ صورتُه أو هندامُهُ ومنصبُهُ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَن جَاءهُ الْأَعْمَى﴾ . ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ .
стр. 179
٢. بقدرِ همَّةِ الإنسانِ واهتمامِهِ وبذلِهِ وتضحيِتَه تكونُ مكانُتُه، ولا يعطى لهُ المجْدُ جُزافاً.
لا تحسبِ المجد تمراً أنت آكلُهُ..
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾ . ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ .
٣. أنَّ الإنسان هو الذي يصنعُ تاريخه بنفسِهِ بإذنِ الله، وهو الذي يكتبُ سيرتهُ بأفعالِهِ الجميلةِ أو القبيحةِ: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ .
٤. وإنَّ عمر العبدِ قصيرٌ ينصرمُ سريعاً، ويذهبُ عاجلاً، فلا يقصره بالذنوبِ والهمومِ والغمومِ والأحزانِ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ . ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ﴾ .
كفى حزناً أنَّ الحياة مريرةٌ ... ولا عملٌ يرضى بهِ اللهُ صالحُ
- منْ أسبابِ السعادةِ:
١) العملُ الصالحُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ .
٢) الزوجةُ الصالحةُ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ .
٣) البيتُ الواسعُ: وفي الحديثِ: ((اللهمّ وسِّعْ لي في داري)) .
٤) الكسْبُ الطيبُ: وفي الحديثِ: ((إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً)) .
стр. 180
٥) حُسْنُ الخُلقُ والتودُّدُ للناسِ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ .
٦) السلامةُ من الدَّيْنِ، ومن الإسرافِ في النفقةِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ . ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ .
- مقومات السعادةِ:
قلبٌ شاكرٌ، ولسانٌ ذاكرٌ، وجسمٌ صابرٌ.
وعليك بالشكر عن النعم والصبر عند النقم والاستغفار من الذنوب.
لوْ جمعتُ لك علْم العلماءِ، وحكمة الحكماءِ، وقصائد الشعراءِ عنِ السعادةِ، لما وجدتها حتى تعزم عزيمةً صادقة على تذوُّقِها وجَلْبِها، والبحثِ عنها وطرْدِ ما يضادُّها: «منْ أتاني يمشي أتيتهُ هرولةً» .
ومن سعادةِ العبدِ: كتمُ أسرارِهِ وتدبيرِه أمورهُ.
ذكروا أنّ أعربيّاً استُؤمن على سرٍّ مقابل عشرةِ دنانير، فضاق ذرعاً بالسرِّ، وذهب إلى صاحبِ الدنلنيرِ، وردَّها عليهِ مقابل أنْ يُفشي السرَّ، لأنَّ الكتمان يحتاجُ إلى ثباتٍ وصبرٍ وعزيمةٍ: ﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ ، لأنَّ نِقاط الضعفِ عند الإنسانِ كشفُ أوراقِهِ للناسِ، وإفشاءُ أسرارِه لهمْ، وهو مرضٌ قديمٌ، وداءٌ متأصِّلٌ في البشريةِ، والنفسُ مُولعةٌ بإفشاءِ الأسرارِ، ونقْلِ الأخبار. وعلاقةُ هذا بموضوعِ السعادةِ أنَّ منْ أفشى أسراره فالغالبُ عليه أن يندم ويحزن ويغْتمَّ.
стр. 181
وللجاحظِ في الكتمانِ كلامٌ خلاَّبٌ في رسائلِهِ الأدبيةِ، فليعُدْ إليها منْ أراد. وفي القرآن: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ ، وهذا أصلٌ في كتمانِ السرِّ، والأعرابيُّ يقول: وأكتمُ السرَّ فيه ضربةُ العنقِ.
لن تموت قبل أجلِك
﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
هذه الآيةُ عزاءٌ للجبناءِ الذين يموتون مراتٍ كثيرةً قبل الموتِ، فلْيعلموا أنَّ هناك أجلاً مسمى، لا تقديم ولا تأخير، لا يعجِّلُ هذا الموت أحدٌ، ولا يؤجِّله بشرٌ، ولو اجتمع أهل الخافقيْن، وهذا في حدِّ ذاتهِ يجلبُ للعبدِ الطمأنينة والسكينة والثبات: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ .
واعلمْ أنَّ التعلُّق بغيرِ اللهِ شقاءٌ: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ﴾ .
(سِيَرُ أعلامِ النبلاءِ) للذهبيِّ ثلاثةٌ وعشرون مجلداً، ترجم فيها للمشاهيرِ من العلماءِ والخلفاءِ والملوكِ والأمراءِ والوزراءِ والأثرياءِ والشعراءِ، وباستقراءِ هذا الكتابِ تجدُ حقيقتين مهمتين:
الأولى: أنَّ منْ تعلَّق بغيرِ اللهِ منْ مالٍ أو ولدٍ أو منصبٍ أو حرفةٍ، وكلهُ اللهُ إلى هذا الشيءِ، وكان سبب شقائِهِ وعذابِهِ ومحْقِهِ وسحقِهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ
стр. 182
لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ . فرعونُ والمنصِبُ قارونُ والمالُ، وأُميَّةُ بنُ خلفٍ والتجارةُ، والوليدُ والولدُ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ .
أبو جهل والجاهُ، أبو لهبٍ والنسبُ، أبو مسلم والسلطةُ، المتنبئ والشهرةُ، والحجَّاج والعلوُّ في الأرضِ، ابنُ الفراتِ والوزارةُ.
الثانيةُ: أنَّ منِ اعتزَّ باللهِ وعمل له وتقرَّب منه، أعزَّه ورفعه وشرَّفه بلا نسبٍ ولا منصبٍ ولا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ: بلالُ والأذانُ، سلمانُ والآخرةُ، صُهيبٌ والتضحيةُ، عطاءٌ والعِلْمُ، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ .
«يا ذا الجلالِ والإكرامِ»
صحَّ عنه ﷺ أنهُ قال: «ألظُّوا بيا ذا الجلالِ والإكرامِ» . أي الزموها، وأكثرُوا منها، وداوموا عليها، ومثلُها وأعظمْ: يا حيُّ يا قيومْ. وقيل: إنه الاسمُ الأعظمُ لربِّ العالمين الذين إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. فما للعبدِ إلا أنْ يهتف بها وينادي ويستغيث ويدمن عليها، ليرى الفرَجَ والظفرَ والفلاحَ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ .
стр. 183
في حياةِ المسلمِ ثلاثةُ أيامٍ كأنها أعيادٌ:
يومٌ يؤدّي فيه الفرائض جماعةً، ويسْلمُ من المعاصي: ﴿اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ .
ويومٌ يتوبُ فيه من ذنبِهِ، وينخلعُ من معصيتِهِ، ويعودُ إلى ربِهِ: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ .
ويومٌ يلقى فيه ربِّه على خاتمةٍ حسنةٍ وعملٍ مبرورٍ: ((مَنْ أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءهُ)) .
وبشّرتُ آمالي بشخصٍ هو الورى ... ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هو الدهرُ
قرأتُ سِير الصحابة - رضوانُ اللهِ عليهم -، فوجدتُ في حياتِهمْ خمس مسائل تميزُهم عنْ غيرِهمْ:
الأولى: اليُسْرُ في حياتِهِمْ، والسهولةُ وعدم التكلُّف، وأخذ الأمور ببساطة، وترك التنطع والتعمُّق والتشديد: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ .
الثانيةَ: أن عِلْمهم غزيرٌ مباركٌ متصلٌ بالعملِ، لا فضولَ فيه ولا حواشي، ولا كثرة كلامٍ، ولا رغوة أو تعقيد: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ .
الثالثةَ: أنَّ أعمال القلوبِ لديهمْ أعظمُ من أعمالِ الأبدانِ، فعندهُمُ الإخلاصُ والإنابُةُ والتوكلُ والمحبةُ والرغبةُ والرهبةُ والخشْيةُ ونحوُها، بينما
стр. 184
أمورُهم ميسَّرةٌ في نوافلِ الصلاةِ والصيامِ، حتى إن بعض التابعين أكثرُ اجتهاداً منهمْ في النوافلِ الظاهرةِ: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .
الرابعة: تقلُّلهمْ من الدنيا ومتاعِها، وتخفُّفُهم منها، والإعراضُ عن بهارجها وزخارفِها، مما أكسبهم راحةً وسعادةً وطمأنينةً وسكينةً: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ .
الخامسة: تغليبُ الجهادِ على غيرِه من الأعمالِ الصالحةِ، حتى صار سِمةً لهمْ، ومعْلماً وشعاراً. وبالجهادِ قضوْا على همومِهم وغمومِهم وأحزانِهمْ، لأنَّ فيه ذكراً وعملاً وبذلاً وحركةً.
فالمجاهدُ في سبيل اللهِ منْ أسعدِ الناسِ حالاً، وأشرحِهم صدْراً وأطيبهِم نفساً: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
في القرآن حقائقُ وسُننٌ لا تزولُ ولا تحولُ، أذكرُ ما يتعلقُ منها بسعادةِ العبدِ وراحةِ بالِهِ، منْ هذِهِ السُّننِ الثابتةِ:
أنَّ منِ استنصر باللهِ نَصَرَهُ: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ومنْ سألهُ أجابهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . ومن استغفره غَفَرَ له: ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ . ومنْ تاب إليه قبل منه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ . ومنْ توكَّل عليهِ كفاهُ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
стр. 185
وأنَّ ثلاثةً يعجِّلُها اللهُ لأهلِها بنكالِها وجزائها: البغيُ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ ، والنكثُ: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ، والمكرُ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ . وأنَّ الظالم لنْ يفلت من قبضةِ اللهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ . وأنَّ ثمرة العملِ الصالحِ عاجلةٌ وآجلةٌ، لأنَّ الله غفورٌ شكورٌ: ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ ، وأن من أطاعه أحبَّه: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ . فإذا عَرَفَ العبدُ ذلك سعد وسُرَّ، لأنه يتعاملُ مع ربٍّ يرزقُ ويَنْصُرُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ ، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ ، ويغفرُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ ، ويتوبُ: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، وينتقمُ لأوليائه منْ أعدائِهِ: ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ ، فسبحانه ما أكملهُ وأجلًّهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ؟! .
للشيخِ عبدِالرحمنِ بنِ سعديٍّ ﵀ رسالةٌ قيِّمةٌ اسمُها (الوسائلُ المفيدةُ في الحياةِ السعيدةِ) ، ذكر فيها: «إنَّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ ينظر العبدُ إلى نعمِ اللهِ عليه، فسوف يرى أنهُ يفوقُ بها أمماً من الناسِ لا تُحْصى، حينها يستشعرُ العبدُ فضل اللهِ عليه» .
أقولُ: حتى في الأمورِ الدينيَّةِ مع تقصيرٍ العبدِ، يجُد انه أعلى منْ فئامٍ من الناسِ في المحافظةِ على الصلاةِ جماعةً، وقراءةِ القرآن والذكرِ ونحْو ذلك، وهذه نعمةٌ جليلةٌ لا تُقدَّرُ بثمنٍ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ .
وقدْ ذكر الذهبيُّ عن المحدِّثِ الكبيرِ ابنِ عبدِ الباقي انه: استعرض الناس بعد خروجِهم من جامعِ (دارِ السلامِ) ببغداد، فما وَجَدَ أحداً منهمُ يتمنَّى أنه مكانه وفي مصلاه.
стр. 186
ولهذِهِ الكلمةِ جانبٌ إيجابيٌّ وسلبيٌّ: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ .
كلُّ هذا الخلْقِ غِرٌّ وأنا ... منهمُ فاتركْ تفاصيل الجُمَلْ
وقفةٌ
عن أسماء بنتِ عُميْسٍ ﵂ قالتْ: قال لي رسولُ الله ﷺ :
((ألا أُعلِّمكِ كلماتٍ تقولِينهُن عند الكرْبِ. أو في الكرْبِ.؟ : اللهُ اللهُ ربِّي لا أُشركُ به شيئاً)) .
وفي لفظٍ: ((منْ أصابهُ همٌّ أو غمٌّ أو سقمٌ أو شِدَّةٌ، فقال: اللهُ ربي، لا شريك له. كُشِف ذلك عنه)) .
«هناك أمورٌ مظلمةٌ تورِدُ على القلبِ سحائب متراكماتٍ مظلمةً، فإذا فرَّ إلى ربِّهِ، وسلّم أمره إليهِ، وألقى نفسهُ بين يديهِ مِنْ غيرِ شرِكةِ أحدٍ من الخلقِ، كشَفَ عنه ذلك، فأمَّا منْ قال ذلك بقلبٍ غافلٍ لاهٍ، فهيهات» .
قال الشاعرُ:
وما نبالي إذا أرواحٌنا سلِمتْ ... بما فقدناهُ مِنْ مالٍ ومِنْ نَشَبِ
فالمالُ مكتسبٌ والعِزُّ مُرْتجعٌ ... إذا النفوسُ وقاها اللهُ مِنْ عَطَبِ
стр. 187
مَن خاف حاسداً
١. المعوِّذاتُ مع الأذكارِ والدعاءِ عموماً: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ .
٢. كِتمانُ أمرِك عنِ الحاسِدِ: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ .
٣. الابتعادُ عنه: ﴿وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ .
٤. الإحسانُ إليه لِكفِّ أذاهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ .
حسِّنْ خلُقكَ
حُسْنُ الخُلُقِ يُمْنٌ وسعادةٌ، وسُوءُ الخُلُقِ شُؤمٌ وشقاءٌ.
((إن المرء لَيبْلغ بحسنِ خلُقِهِ درجةَ الصائمِ القائمِ)) . ((ألا أُنبِّئُكم بأحبِّكمُ وأقربِكُمْ منِّي مجلساً يوم القيامةِ؟! أحاسنُكمْ أخلاقاُ)) . ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ . ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ .
وتقولُ أمُّ المؤمنين عائشةُ بنتُ الصديق ﵄ في وصفها المعصوم عليه صلاةُ ربي وسلامُه: ((كان خُلُقُهُ القُران)) .
إن سَعَةَ الخُلُق وبَسْطَهَ الخاطرِ: نعيمٌ عاجلٌ وسرورٌ حاضرٌ لمن أراد به اللهُ خيْراً، وإنَّ سرعة الانفعالِ والحِدَّةِ وثورة الغضبِ: نَكَدٌ مستمرٌّ وعذابٌ مقيمٌ.
стр. 188
دواءُ الأرقِ
ماذا يفعلُ منْ أُصيب بالأرقِ؟
الأرقُ تعسُّرُ النومِ، والتململُ على الفراشِ.
١. الأذكارُ الشرعيَّةُ: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ .
٢. هَجْرُ النومِ بالنهارِ إلا لحاجةٍ ماسَّةٍ: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ .
٣. القراءةُ والكتابةُ حتى النومِ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ .
٤. إتعابُ الجسمِ بالعملِ النافعِ نهاراً: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً﴾ .
٥. التقليلُ منْ شربِ المنبِّهاتِ كالقهوةِ والشايِ.
شكوْنا إلى أحبابِنا طول ليلِنا ... فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا
وذاك بأنَّ النوم يُغشِي عيونهم ... يقيناً ولا يُغشِي لنا النومُ أعْينا
مرارةُ الذنبِ تنافي حلاوة الطاعةِ، وبشاشة الإيمانِ، ومذاق السعادةِ.
يقولُ ابنُ تيمية: المعاصي تمنعُ القلبَ منَ الجولانِ في فضاءِ التوحيدِ: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ .
стр. 189
عواقب المعاصي
١. حجابٌ بين العبدِ وربِّه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ .
٢. يُوحشُ المخلوق من الخالقِ: إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُه.
٣. كآبةٌ دائمةٌ: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .
٤. خوفٌ في القلبِ واضطرابٌ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ﴾ .
٥. نكدٌ في المعيشةِ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ .
٦. قسوةٌ في القلبِ وظلمةٌ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ .
٧. سوادٌ في الوجهِ وعبوسٌ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ .
٨. بغضٌ في قلوبِ الخلْقِ: ((أنتم شهداءُ اللهِ في أرضِهِ)) .
٩. ضيقٌ في الرزقِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ .
١٠. غضبُ الرحمنِ، ونقْصُ الإيمانِ، وحلولُ المصائبِ والأحزانِ: ﴿فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ . ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ .
стр. 190
اطلبِ الرزق ولا تحرِصْ
الدودةُ في الطِّينِ يرزقُها ربُّ العالمين: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ .
الطيورُ في الوكورِ يطعمُها الغفورُ الشكورُ: ((كما يرزقُ الطيرَ، تغدو خِماصاً وتروحُ بِطاناً)) .
السمكُ في الماءِ يرزقُه ربُّ الأرضِ والسماء: ﴿يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ .
وأنت أزكى من الدودةِ والطيرِ والسمكِ، فلا تحزنْ على رزقِك.
عرفتُ أناساً ما أصابُهُمُ الفقرَ والكدرُ وضيقُ الصدر إلا بسببِ بعدِهم عن اللهِ ، فتجدُ أحدهم كان غنيّاً، ورزقُه واسعٌ وهو في عافيةٍ منْ ربِّهِ وفي خيرٍ منْ مولاه، فأعرض عن طاعةِ اللهِ، وتهاون بالصلاةِ، واقترف كبائر الذنوبِ، فسلبَهَ ربُّه عافية بدنِهِ وسعة رزقِهِ، وابتلاهُ بالفقْرِ والهمِّ والغمِّ، فأصبح منْ نكدٍ إلى نكدٍ، ومنْ بلاءٍ إلى بلاءٍ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ . ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ . ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً﴾ .
أتبكي على ليلى وأنت قتلتها ... هنيئاً مريئاً أيُّها القاتلُ الصَّبُّ
стр. 191
﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾
سرُّ الهدايةِ
ولنْ يهتدي للسعادةِ ولنْ يجدها ولنْ ينعم بها، إلا منِ اتبع الصراط المستقيم الذي تركنا محمدٌ ﷺ على طرفِهِ ن وطرفُه الآخرُ في جناتِ النعيمِ: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ .
فسعادةُ من لزم الصراط المستقيم أنهُ مطمئنٌّ لحسْنِ العاقبةِ، واثقٌ منْ طيبِ المصيرِ، ساكنٌ إلى موعودِ ربِّهِ، راضٍ بقضاءِ مولاهُ، مخبتٌ في سلوكِهِ هذا السبيلُ، يعلمُ انَّ له هادياً يهديهِ على هذا الصراطِ، وهو معصومٌ لا ينطقُ عن الهوى، ولا يتبعُ منْ غوى، قَوْلُهُ حجَّةٌ على الورى، محفوظٌ منْ نزغاتِ الشيطانِ، وعثراتِ القرانِ، وسقطاتِ الإنسانِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ .
وهذا العبدُ يجدُ السعادة في سلوكِهِ هذا الصراط؛ لأنهُ يعلمُ أنَّ له إلهاً، وأمامهُ أسوةً، وبيدِهِ كتاباً، وفي قلبِه نوراً، وفي خلدِه، واعظاً، وهو ذاهبٌ إلى نعيمٍ، وعاملٌ في طاعةٍ، وساعٍ إلى خيرٍ: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ﴾ .
أين ما يُدعى ظلاماً يا رفيق الدربِ أينْا ... إنَّ نور اللهِ في قلبي وهذا ما أراهُ
وهما صراطان: معنويٌّ وحِسِّيٌّ، فالمعنويٌّ: صراطُ الهدايةِ والإيمانِ، والحسيُّ: الصراطُ على متْنِ جهنم، فصراطُ الإيمانِ على متنِ الدنيا الفانيةِ
стр. 192
له كلاليبٌ من الشهواتِ، والصراطُ الأخرويُّ على متْنِ جهنم له كلاليبُ كشوكِ السعدانِ، فمنْ تجاوز هذا الصراط بإيمانِهِ تجاوز ذاك الصراط على حسْبِ إيقانهِ، وإذا اهتدى العبدُ إلى الصراطِ المستقيمِ زالتْ همومُه وغمومُه وأحزانُه.
عشرُ زهِراتٍ يقطفُها منْ أراد الحياة الطيبة
١. جلسةٌ في السَّحر للاستغفارِ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ .
٢. وخلوةٌ للتفكُّرِ: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ .
٣. ومجالسةُ الصالحين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ .
٤. والذِّكْر: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ .
٥. وركعتانِ بخشوعٍ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ .
٦. وتلاوةٌ بتدبُّرٍ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ .
٧. وصيامُ يومٍ شديدِ الحرِّ: ((يدع طعامه وشرابه وشهواته منْ أجلي)) .
٨. وصدقةٌ في خفاءٍ: ((حتى لا تعلم شمالهُ ما تنفقُ يمينُه)) .
٩. وكشْفُ كربةٍ عنْ مسلمٍ: ((منْ فرَّج عنْ مسلمِ كربةً منْ كُربِ الدنيا فرَّج اللهُ عنه كربةً منْ كربِ يومِ القيامةِ)) .
١٠. وزهْدٌ في الفانيةِ: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
تلك عشرةٌ كاملةٌ.
стр. 193
منْ شقاءِ ابنِ نوحٍ قولُه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء﴾ . ولو أوى إلى ربِّ الأرضِ والسماءِ لكان أجلَّ وأعزَّ وأمنع.
ومن شقاءِ النمرودِ قولهُ: أنا أُحيي وأُميتُ. فتقمَّص ثوباً ليس له، واغتصب صفةً لا تحلُّ له، فُبِهِت وخسأ وخاب.
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ .
مفتاحُ السعادةِ كلمةٌ، وميراثُ الملَّةِ عبارةٌ، ورايةُ الفلاحِ جملةٌ، فالكلمةُ والعبارةُ والجملةُ هي: لا إله إلا اللهُ. محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ .
سعادةُ منْ نطقها في الأرضِ: أن يُقال لهُ في السماءِ: صدقْتَ: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ .
وسعادةُ منْ عمل بها: أنْ ينجو من الدمارِ والشَّنارِ والعارِ والنارِ: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ .
وسعادةُ منْ دعا إليها: أنْ يٌعان ويُنْصَرَ ويُشْكَرَ: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ .
وسعادةُ منْ أحبَّها: أنْ يُرفع ويُكرَمَ ويُعزَّ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
هتف بها بلالٌ الرقيقُ فأصبح حرّاً: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ .
стр. 194
وتلعثم في نطقهاِ أبو لهبٍ الهاشميُّ، فمات عبداً ذليلاً حقيراً: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ .
إنها الإكسيِرُ الذي يحولِّ الركام البشريَّ الفاني إلى قممٍ لإيمانيةٍ ربانيةٍ طاهرةٍ: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ .
لا تفرحْ بالدنيا إذا أعرضْت عنِ الآخرةِ، فإنَّ العذاب الواصب في طريقِك، والغلَّ والنَّكالُ ينتظرُك: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ ﴿٢٨﴾ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ . ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ .
ولا تفرحْ بالولدِ إذا أعرضت عن الواحدِ الصمدِ، فإنَّ الإعراض عنه كلُّ الخذلانِ، وغايةُ الخسرانِ، ونهايةُ الهوانِ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ .
ولا تفرحْ بالأموالِ إذا أسأت الأعمال، فإنَّ إساءة العمل محقٌ للخاتمةِ وتبابٌ في المصيرِ، ولعنةٌ في الآخرةِ: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ .
وقفةٌ
((يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيثُ)) : في رفع هذا الدعاءِ مناسبةٌ بديعةٌ، فإنَّ صفة الحياةِ متضمِّنةً لجميع صفاتِ الكمالِ، مستلزمةٌ لها، وصفةُ القيَّوميةُ متضمِّنةٌ لجميعِ صفاتِ الأفعالِ، ولهذا كان اسمُ اللهِ الأعظمُ الذي
стр. 195
إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: هو اسمُ الحيُّ القيومُ. والحياةُ التامَّة تضادُّ جميع الأسقامِ والآلام؛ ولهذا لما كمُلتْ حياةُ أهلِ الجنةِ، لمْ يلحقْهُمْ همُّ ولا غمٌّ ولا حَزَنٌ ولا شيءٌ من الآفاتِ. ونقصانُ الحياةِ تضرُّ بالأفعالِ، وتنافي القيومية، فكمالُ القيوميةِ لكمالِ الحياةِ، فالحيُّ المطلقُ التامُّ الحياةِ لا تفوتُه صفةُ الكمالِ ألبتة، والقيومُ لا يتعذَّرُ عليه فعْل ممكن ألبتة، فالتوسلُ بصفةِ الحياةِ والقوميةِ له تأثيرٌ في إزالةِ ما يُضادُّ الحياةَ ويضرُّ بالأفعالِ.
قال الشاعرُ:
لعمْرُك ما المكروهُ منْ حيث تتَّقي ... وتخشى ولا المحبوبُ من حيثُ تَطْمَعُ
وأكثرُ خوفِ الناسِ ليس بكائنِ ... فما درْكُ الهمِّ الذي ليس ينفعُ
تعامَلْ معَ الأمرِ الواقعِ
إذا هوَّنت ما قدْ عزَّ هان، وإذا أيسْت من الشيءِ سلتْ عنهُ نفسُك: ﴿سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ .
قرأتُ أنَّ رجلاً قفز منْ نافذةٍ وكان بأصبعِه اليسرى خاتم، فنشب الخاتمُ بمسمارِ في النافذةِ، ومع سقوطِ الرجلِ اقتلع المسارُ أصبعه من أصلها، وبقي بأربعُ أصابع، يقولُ عنْ نفسِهِ: لا أكادُ أتذكَّرُ أن لي أربعُ أصابع
стр. 196
في يدٍ فحسبُ، أو أنني فقدتُ أصبُعاً من أصابعِي إلا حينما أتذكرُ تلك الواقعةَ، وإلا فعلمي على ما يرامُ، ونفسي راضيةٌ بما حدث: ((قدّر اللهُ وما شاء فعل)) .
وأعرفُ رجلاً بُتِرتْ يدُه اليسرى من الكتِفِ لمرضٍ أصابهُ، فعاش طويلاً وتزوَّج، ورُزق بنين، وهو يقودُ سيارتهُ بطلاقةٍ، ويؤدي عمله بارتياحٍ، وكأنَّ اللهِ لم يخلقْ له إلا يداً واحدةً: ((ارض بما قسم اللهُ لك، تكنْ أغنى الناس)) .
ما أسرع ما نتكيَّف مع واقعِنا، وما أعجب ما نتأقلمُ مع وضعِنا وحياتِنا، قبل خمسين سنةً كان قاعُ البيتِ بساطاً منْ حصيرٍ النخلِ، وقربة ماءٍ، وقدراً منْ فخارٍ، وقصعةً، وجفنةً، وإبريقاً، وقامتْ حياتُنا واستمرتْ معيشتُنا، لأننا رضينا وسلَّمنا وتحاكمْنا إلى واقعِنا.
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتها ... وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقْنعُ
وقعتْ قتنةٌ بين قبيلتينِ في الكوفةِ في المسجدِ الجامعِ، فسلُّوا سيوفهم، وامتشقوا رماحهم، وهاجتْ الدائرةُ، وكادتِ الجماجمُ تفارقُ الأجسادَ، وانسلَّ أحدُ الناسِ من المسجدِ ليبحث عن المُصْلحِ الكبيرِ والرجلِ الحليمِ، الأحنفِ بنِ قيسٍ، فوجدهُ في بيتِه يِحلبُ غنمه، عليه كساءٌ لا يساوي عشرة دراهم، نحيلُ الجسمِ، نحيفُ البنيةِ، أحنفُ الرجلين، فأخبروه الخبرَ فما اهتزتْ في جسمِهِ شعرةٌ ولا اضطرب؛ لأنه قدِ اعتاد الكوارث، وعاش
стр. 197
الحوادث، وقال لهم: خيراً إنْ شاء اللهُ، ثم قُدِّم له إفطارُه وكأنْ لم يحدثْ شيءٌ، فإذا إفطارهٌ كِسْرةٌ من الخبزِ اليابسِ، وزيتٌ وملحٌ، وكأسٌ من الماءِ، فسمَّى وأكل، ثمَّ حمدَ اللهَ، وقال: بُرٌّ منْ بُرِّ العراق، وزيتٌ من الشامِ، مع ماءِ دجلة، وملح مرو، إنها لنعمٌ جليلةٌ. ثم لبس ثوبَهَ، وأخذ عصاهُ، ثم دلف على الجموعِ، فلمّا رآه الناسُ اشرأبَّتْ إليه أعناقُهم، وطفحتْ غليه عيونُهم، وأنصتوا لما يقولُ، فارتحل كلمة صُلْحٍ، ثمَّ طلب من الناسِ التفرُّق، فذهب كلُّ واحداً منهمْ لا يلوي على شيءٍ، وهدأت الثائرةُ، وماتتِ الفتنةُ.
قدْ يدركُ الشرف الفتى ورداؤُهُ ... خَلَقٌ وجيْبُ قميصِه مَرْقوعُ
- في القصةِ دروسٌ، منها:
أنَّ العظمة ليستْ بالأبهةِ والمظهرِ، وأنَّ قلَّة الشيءِ ليستْ دليلاً على الشقاءِ، وكذلك السعادةُ ليستْ بكثرةِ الأشياءِ والترفُّهِ: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴿١٥﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ .
وأنَّ المواهب والصفاتِ الساميةِ هي قيمةُ الإنسان، لا ثوْبُهُ ولا نعلُهُ ولا قَصْرُهُ ولا دارُهُ، إنها وزنهُ في علمهِ وكرمهِ وحلمهِ وعقلهِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ . وعلاقةُ هذا بموضوعِنا أن السعادة ليستْ في الثراءِ الفاحشِ، ولا في القصْرِ المنيفِ، ولا في الذهبِ والفضَّةِ، ولكنَّ السعادةَ في القلبِ بإيمانهِ، برضاهُ، بأنسهِ، بإشراقهِ: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
стр. 198
عوِّدْ نفسك على التسليمِ بالقضاءِ والقدرِ، ماذا تفعلُ إذا لمْ تؤمنْ بالقضاءِ والقدرِ، هلْ تتخذُ في الأرضِ نفقاً أو سُلَّماً في السماءِ، لنْ ينفعك ذلك، ولنْ ينقذك من القضاءِ والقدرِ. إذنْ فما الحلّ؟
الحلُّ: رضينا وسلَّمنا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ .
منْ أعنفِ الأيام في حياتي، ومن أفظعِ الأوقاتِ في عمري: تلك الساعةُ التي أخبرني فيها الطبيبُ المختصُّ ببترِ يد أخي محمدٍ ﵀ من الكتفِ، ونزل الخبرُ على سمعي كالقذيفةِ، وغالبتُ نفسي، وثابتْ روحي إلى قولِ المولى: ﴿َا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، وقولهِ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ .
كانتْ هذه الآياتُ برْداً وسلاماً وروْحاً وريْحاناً.
وليس لنا من حيلةٍ فنحتالُ، إنما الحيلةُ في الإيمانِ والتسليمِ فَحَسْبُ، ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ .
إن الخنساء النخعيةَ تُخبرُ في لحظةٍ واحدةِ بقتلِ أربعةِ أبناءٍ لها في سبيلِ اللهِ بالقادسيةِ، فما كان منها إلا أنْ حمدتِ ربَّها، وشكرتْ مولاها على
стр. 199
حُسْن الصنيعِ، ولطفِ الاختيارِ، وحلولِ القضاءِ؛ لأنَّ هناك معيناً من الإيمانِ، ورافداً من اليقينِ لا ينقطعُ، فمثلُها تشكرُ وتُؤجرُ وتسعدُ في الدنيا والآخرةِ، وإذا لمْ تفعلْ هذا فما هو البديلُ إذنْ؟! التسخُّطُ والتضجُّرُ والاعتراضُ والرفضُ، ثم خسارةُ الدنيا والآخرةِ! ((فمنْ رضي فلهُ الرَّضا، ومنْ سخط فله السخطُ)) .
إن بلسم المصائبِ وعلاج الأزماتِ، قولُنا: إنّا للهِ وإنّا إليه راجعون.
والمعنى: كلُّنا للهِ، فنحنُ خَلْقُه وفي ملكِهِ، ونحنُ نعودُ إليهِ، فالمبدأُ منه، والمعادُ إليه، والأمرُ بيدهِ، فليس لنا من الأمرِ شيءٌ.
نفسي التي تملكُ الأشياء ذاهبةٌ ... فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ .
لو فوجئت بخبرٍ صاعقِ باحتراقِ بيتِك، أو موتِ ابنك، أو ذهابِ مالك فماذا عساك أنْ تفعل؟ من الآنِ وطِّنْ نفسك، لا ينفعُ الهربُ، لا يجدي الفرارُ والتملُّصُ من القضاء والقدر، سلِّمْ بالأمرِ، وارض بالقدرِ، واعترفْ بالواقعِ، واكتسبِ الأجر، لأنه ليس أمامك إلا هذا. نعمْ هناك خيارٌ آخرُ، ولكنه رديءٌ أحذِّرك منُه، إنه: التبرُّمُ بما حَصَلَ والتضجُّرُ مما صار، والثورةُ والغضبُ والهيجان، ولكنْ تحصلُ على ماذا منْ هذا كلِّه؟! إنك سوف تنالُ غضب الربِّ جلَّ في عليائِه، ومقْت الناسِ، وذهاب الأجْرِ، وفادح الوزرِ، ثمَّ لا يعودُ عليك المصاب، ولا ترتفعُ عنك المصيبةُ، ولا ينصرفُ عنك الأمرُ المحتومُ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ .
стр. 200
ما تحزنُ لأجلِهِ سينتهي
فإنَّ الموتَ مقدمٌ على الكلِّ: الظالمِ والمظلومِ، والقويِّ والضعيفِ، والغنيِّ والفقيرِ، فلست بِدعاً من الناسِ أنْ تموت، فقبلك ماتتْ أممٌ وبعدك تموتُ أممٌ.
ذكر ابنُ بطوطة أنَّ في الشمالِ مقبرةً دُفن ألفُ ملِكٍ عليها لوحةٌ مكتوبٌ فيها:
وسلاطينُهم سلِ الطين عنهمُ ... والرؤوسُ العظامُ صارتْ عظاماً
إنَّ الأمرَ المذهل في هذا: غفلةُ الإنسانِ عنْ هذا الفناءِ المداهمِ له صباح مساء، وظنُّه أنهُ خالدٌ مخلَّدٌ منعَّمٌ، وتغافلُه عن المصيرِ المحترمِ وتراخيه عن النهايةِ الحقَّةِ لكلِّ حيٍّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ .
لما أهلك اللهُ الأمم، وأباد الشعوب، ودمَّرَ القُرى الظالمةَ وأهلها، قال-عزَّ مِنْ قائل-: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ؟! انتهى كلُّ شيءٍ عنهمْ إلا الخبرَ والحديث.
هل عندكمْ خبرٌ منْ أهلِ أندلسٍ ... فقدْ مضى بحديثِ القومِ ركبانُ
стр. 201
وقفةٌ
دعاء الكربِ: مشتمِلٌ على توحيدِ الإلهيةِ والربوبيةِ، ووصفِ الربِّ سبحانهُ بالعظمةِ والحِلمِ، وهاتانِ الصفتانِ مستلزمتانِ لكمالِ القدرةِ والرحمةِ، والإحسانِ والتجاوزِ، ووصْفهِ بكمالِ ربوبيتِه للعالمِ العلويِّ والسُّفليِّ والعرشِ الذي هو سقفُ المخلوقاتِ وأعظمُها.
والربوبيةُ التامَّةُ تستلزمُ توحيده، وأنهُ الذي لا تنبغي العبادةُ والحبُّ والخوفُ والرجاءُ والإجلالُ والطاعةُ إلا لهُ. وعظمتُه المطلقةُ تستلزمُ إثبات كلِّ كمالٍ لهُ، وسلب كلِّ نقصٍ وتمثيلٍ عنهُ؛ وحِلمُهُ يستلزمُ كمال رحمتِهِ وإحسانِهِ إلى خلقِهِ.
فعلْمُ القلبِ ومعرفتُهُ بذلك تُوجبُ محبتُهُ وإجلالُهُ وتوحيدُهُ، فيحصلُ له من الابتهاجِ واللذةِ والسرورِ ما يدفعُ عنهُ ألم الكْربِ والهمِّ والغمِّ، وأنت تجدُ المريض إذا ورد عليهِ ما يسُرُّهُ ويُفرحُه، ويُقوِّي نفسهُ، كيف تقوى الطبيعةُ على دفعِ المرضِ الحسيِّ، فحصولُ هذا الشفاءِ للقلبِ أولى وأحرى.
الاكتئابُ طريقُ الشقاءِ
ذكرتْ جريدةُ (المسلمون) عدد ٢٤٠ في شهرِ صفر سنة ١٤١٠هـ، أنَّ هناك ٢٠٠ مليون مكتئبٍ على وجهِ الأرضِ!
الاكتئابُ العالم!! لا يفرِّقُ بين دولةٍ غربيةٍ وأخرى شرقية! أو غنيٍّ وفقيرٍ. إنه مرضٌ يصيبُ الجميع.. ونهايتُه في الغالبِ الانتحارُ!!
стр. 202
الانتحارُ لا يعترفُ بالأسماءِ والمناصبِ والدولِ، لكنَّه يخافُ من المؤمنين، بعضُ الأرقامِ تؤكدُ أنَّ ضحاياهُ وصلوا إلى ٢٠٠ مليون مريضٍ في كلِّ أنحاءِ العالمِ.. إلاَّ أنَّ آخر الإحصاءاتِ تؤكّدُ أنَّ واحداً على الأقلِّ بين كل عشرةِ أفرادٍ على وجهِ الأرضِ مصابٌ بهذا المرضِ الخطير!!
وقد وصلتْ خطورةُ هذا المرضِ أنه لا يصيبُ الكبار فقط، بل يصِلُ إلى حدِّ مداهمةِ الجنينِ في بطنِ أمِّه!!
- الاكتئابُ بوابةُ الانتحار:
﴿َلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ ، ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ .
تذكر الأخبارُ التي تناقلتْها وِكالاتُ الأنباءِ أنَّ مرض الاكتئابِ قد تمكَّن من الرئيسِ السابق للولاياتِ المتحدة الأمريكية (رونالدْ ريجان) . وتعودُ إصابةُ الرئيس الأمريكي بهذا المرضِ لتجاوزِه سنَّ السبعين في الوقتِ الذي لا يزالُ يتعرَّضُ فيه لضغوطٍ عصبيةٍ كبيرةٍ.. بالإضافةِ للعملياتِ الجراحيةِ التي أُجريتْ له على فتراتٍ متلاحقةٍ، ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ .
وهناك الكثيرُ من المشاهيرِ وخاصَّةً مَنْ يعملون بالفنِّ، يداهمُهمْ هذا المرضُ، وقد كان الاكتئابُ سبباً رئيساً - إنْ لم يكنْ الوحيد - في موتِ الشاعرِ صلاح جاهين، وكذلك يُقال: إنَّ نابليون بونابرت مات مكتئباً في منفاهُ ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ .
وما زلنا نذكرُ أيضاً الخبر الذي طيَّرتْه وكِالات الأنباءِ، احتلَّ صدر الصفحاتِ الأولى في أغلبِ صحفِ العالمِ، عن الجريمةِ المروِّعةِ التي
стр. 203
ارتكبتْها أمٌّ ألمانيةٌ بقتلِ ثلاثةٍ منْ أطفالها، واتضح أنَّ السبب هو مرضُها بالاكتئابِ، ولحبِّها الشديدِ لأطفالها خافتْ أنْ تورثهم العذاب والضيق الذي تشعرُ بهِ، فقرّرتْ «إراحتهم» !! منْ هذا العذابِ بقتِلهم الثلاثةِ.. ثم قتلتْ نفسها!!.
وأرقامُ (منظمةِ الصحةِ العالميةِ) تشيرُ إلى خطورةِ الأمرِ.. ففي عام ١٩٧٣ م كان عددُ المصابين بالاكتئابِ في العالمِ ٣%، وارتفعتْ هذه النسبةُ لتصل إلى ٥% في عام ١٩٧٨ م، كما أشارتْ بعضُ الدراساتِ إلى وجودِ فردٍ أمريكيٍّ مصابٍ بالاكتئاب منْ كلِّ أربعةٍ!! في حين أعلن رئيسُ مؤتمرِ الاضطرابِ النفسيِّ الذي عُقد في شيكاغو عام ١٩٨١ م أنَّ هناك ١٠٠ مليونِ شخصٍ في العالمِ يعانون من الاكتئابِ، أغلبُهمْ منْ دولِ العالمِ المتقدم، وقالتْ أرقامٌ أخرى أنهم مائتا مليون مكتئبٍ!! ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾
قال أحدُ الحكماءِ: اصنعْ من الليمونِ شراباً حُلواً. وقال أحدُهم: ليس الذكيُّ الفطِنُ الذي يستطيعُ أنْ يزيد أرباحهُ، لكنّ الذكيَّ الذي يحوِّلُ خسائره إلى أرباحٍ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
وفي المثلِ: لا تنطحِ الحائط!!
والمعنى: لا تعانِدْ منْ لا تستفيدُ منْ عنادِهِ فائدةً تعودُ عليك بخيْرٍ.
إذا لم تستطعْ شيئاً فدَعْهُ ... وجاوِزْه إلى ما تستطيعُ
وقالوا: ولا تطحنِ الدقيق، ﴿فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ .
стр. 204
والمعنى: أنَّ الأمور التي فُرغ منها وانتهتْ لا ينبغي أن تُعاد وتُكرَّر؛ لأنَّ في ذلك قلقاً واضطراباً وتضييعاً للوقت.
وقالوا أيضاً - وهو مثلٌ إنكليزيٌ -: لا تنشرِ النشارة.
والمعنى: أي نشارةَ الخشبِ، لا تأت وتنشرْها مرةً ثانيةُ، فقدْ فرغ منها.
يقولون ذلك لمنْ يشتغلُ بالتوافهِ، واجترار الهمومِ، وإعادةِ الماضي، ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
هناك مجالاتٌ للفارغين من الأعمالِ يمكنُ سدُّها، كالتزودِ بالصالحاتِ، ونفْعِ الناسِ، وعيادةِ المرضى، وزيارةِ المقابرِ، والعنايةِ بالمساجدِ، والمشاركةِ في الجمعياتِ الخيريةِ، ومجالسِ الأحيَّاءِ، وترتيبِ المنزلِ والمكتبةِ والرياضةِ النافعةِ، وإيصالِ النفع للفقراءِ والعجزةِ والأراملِ، ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ .
ولم أر كالمعروفِ أمَّا مذاقُهُ ... فحلوٌ وأماَّ وجهُهُ فجميلُ
اقرأِ التاريخ لتجد المنكوبين والمسلوبين والمصابين.
وبعد فصولٍ منْ هذا البحثِ سوف أطلعك على لوحةٍ من الحزنِ للمنكوبين بعنوان: تعزَّ بالمنكوبين.
اقرأ التاريخ إذْ فيه العِبرْ ... ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخبرْ
﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ ، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
стр. 205
قال عمرُ: أصبحتُ وما لي مطلبٌ إلا التمتُّعُ بمواطنِ القضاءِ.
ومعنى ذلك: أنه مرتاحٌ لقضاءِ اللهِ وقدرهِ، سواءٌ كان فيما يحلو له أو فيما كان مرّاً.
وقال بعضُهمْ: ما أبالي على أيِّ الراحلتيْنِ ركبتُ، إنْ كان الفقرُ لهم الصبرُ، وإنْ كان الغنى لهو الشكرُ.
ومات لأبي ذؤيب الهذليِّ ثمانيةٌ من الأبناءِ بالطاعونِ في عامٍ واحدٍ فماذا عسى أنْ يقول؟ إنه آمن وسلَّم وأذعن لقضاءِ ربهِ، وقال:
وتجلُّدي للشامتين أُريهمُ ... أني لريبِ الدهرِ لا أتضعضعُ
وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها ... ألفيت كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .
وفقد ابنُ عباسٍ بصره فقال - معزِّياً نفسه -:
إنْ يأخذِ اللهُ منْ عينيَّ نورها ... ففي فؤادي وقلبي منهما نورُ
قلبي ذكيٌّ غيرُ ذي عِوجٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيفِ مشهورُ
وهو التسلِّي بما عنده منَ النَّعِم الكثيرةِ إذا فقد القليل منها.
стр. 206
وبُترتْ رِجْلُ عروة بن الزبيرِ، ومات ابنُه في يومٍ واحداً، فقال: اللهمَّ لِك الحمْد، إنْ كنت أخذت فقدْ أعطيْت، وإنْ كنت ابتليْتَ فقدْ عافيْت، منحتني أربعة أعضاءِ، وأخذت عضواً واحداً، ومنحتني أربعة أبناءٍ وأخذت ابناً واحداً. ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ ، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ .
وقُتل عبدُاللهِ بنُ الصِّمَّةِ أخو دريدٍ، فعزَّى دريدٌ نفسه بعد أن ذكر أنه دافع عنْ أخيهِ قدْر المستطاعِ، ولكنْ لا حيلة في القضاءِ، مات أخوه عبدُالله فقال دريدٌ:
وطاعنتُ عنه الخيل حتى تبدَّدتْ ... وحتى علاني حالِكُ اللونِ أسودِ
طعان امرئِ آسى أخاهُ بنفسهِ ... ويعلمُ أنَّ المرء غيرُ مخلَّدِ
وخفَّفتُ وجدي أنني لم أقلْ لهُ ... كذبت ولم أبخلْ بما ملكتْ يدِي
ويروى عنِ الشافعيِّ - واعظاً ومعزِّياً للمصابين -:
دعِ الأيام تفعلْ ما تشاءُ ... وطِبْ نفساً إذا حكم القضاءُ
إذا نزل القضاءُ بأرضِ قومٍ ... فلا أرضٌ تقيةِ ولا سماءُ
وقال أبو العتاهيةِ:
كمْ مرةِ حفَّتْ بك المكارِه ... خار لك اللهُ وأنت كارِهْ؟
كمْ مرةٍ خفنا من الموتِ فما متْنا؟!
كمْ مرةٍ ظننا انها القاضيةُ وأنها النهايةُ، فإذا هي العودةُ الجديدةُ والقوةُ والاستمرارُ؟!
стр. 207
كم مرةٍ ضاقتْ بنا السُّبُلُ، وتقطَّعتْ بنا الحبالُ، وأظلمتْ في وجوهِنا الآفاقُ، وإذا هو الفتحُ والنصرُ والخيرُ والبِشارةُ؟! ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ .
كمْ مرةٍ أظلمتْ أمامنا دنيانا، وضاقتْ علينا أنفسُنا والأرضُ بما رحُبتْ، فإذا هو الخيرُ العميمُ واليسرُ والتأييدُ؟! ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ .
منْ علم أنَّ الله غالبٌ على أمرِه، كيف يخافُ أمر غيرِه؟! منْ علم أنَّ كلَّ شيءٍ دون اللهِ، فكيف يخوَّفونك بالذين منْ دونِه؟! منْ خاف الله كيف يخافُ منْ غيرِه، وهو يقولُ: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ .
معهُ سبحانُهُ العزةُ، والعزةُ للهِ ولرسولهِ وللمؤمنين.
معه الغَلَبَةُ ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ .
ذكر ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه أثراً قدسيّاً: ((وعزتي وجلالي ما اعتصم بي عبدٌ، فكادتْ له السماواتُ والأرضُ، إلا جعلتُ له منْ بينِها فرجاً ومخرجاً. وعزَّتي وجلالي ما اعتصم عبدي بغيري إلا أسخْتُ الأرض من تحتِ قدميْهِ)) .
قال الإمامُ ابنُ تيمية: بـ ((لا حول ولا قوة إلا بالله ِ)) تُحمل الأثقالُ، وتُكابدُ الأهوالُ، ويُنالُ شريفُ الأحوالِ.
فالزمْها أيُّ العبدُ! فإنها كنزٌ منْ كنوزِ الجنةِ. وهي منْ بنودِ السعادةِ، ومنْ مساراتِ الراحةِ، وانشراحِ الصدرِ.
стр. 208
الاستغفارُ يفتحُ الأقفال
يقول ابنُ تيمية: إنَّ المسألة لتغلقُ عليَّ، فأستغفرُ الله ألف مرةٍ أو أكثر أو أقلَّ، فيفتحُها اللهُ عليَّ.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ .
إنَّ منْ أسبابِ راحةِ البالِ، استغفار ذي الجلال.
رُبَّ ضارةٍ نافعةٌ، وكلُ قضاءٍ خيرٌ حتى المعصيةُ بشرطِها.
فقدْ ورد في المسندِ: ((لا يقضي اللهُ للعبدِ قضاء إلا كان خيراً له)) . قيل لابن تيمية: حتى المعصية؟ قال: نعمْ، إذا كان معها التوبةُ والندمُ، والاستغفارُ والانكسارُ. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾
قال أبو تمامٍ في أيامِ السعودِ وأيامِ النحسِ:
مرَّتْ سنونُ بالسعودِ وبالهنا ... فكأنَها مِنْ قِصْرِها أيَّامُ
ثمَّ انْثنتْ أيامُ هجرٍ بعدها ... فكأنها منْ طولِها أعوامُ
ثمَّ انقضت تلك السنونُ وأهلُها ... فكأنَّها وكأنَّهُمْ أحلامُ
﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .
عجبتُ لعظماء عَرَفَهُمُ التاريخُ، كانوا يستقبلون المصائب كأنَّها قطراتُ الغيثِ، أو هفيفُ النسيمُ، وعلى رأسِ الجميع سيدُ الخلْقِ محمدٌ ﷺ ، وهو
стр. 209
في الغارِ، يقولُ لصاحبِه: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ . وفي طريقِ الهجرةِ، وهو مطاردٌ مشرَّدٌ يبشِّرُ سراقة بأنه يُسوَّرُ سواريْ كسرى!
بُشرى مِن الغيبِ ألقتْ في فمِ ... وحْياً وأفضت إلى الدنيا بأسرارِ
الغار
وفي بدر يثبُ في الدرعِ ﷺ وهو يقولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ .
أنت الشجاعُ إذا لقِيت كتيبةً ... أدَّبْت في هوْلِ الردى أبطالها
وفي أُحدٍ - بعد القتلِ والجراحِ - يقولُ للصحابةِ: ((صُفُّوا خلفي، لأُثني على ربي)) . إنها هِممٌ نبويَّةٌ تنطحُ الثريَّا، وعزْمٌ نبويٌ يهزُّ الجبال.
قيسُ بنُ عاصم المنْقرِيُّ منْ حلماءِ العربِ، كان مُحتبياً يكلِّم قومهُ بقصةٍ، فأتاه رجلٌ فقال: قُتِل ابنُك الآن، قَتَلَهُ ابنُ فلانة. فما حلَّ حَبْوَتَهُ، ولا أنهى قصّتهُ، حتى انتهى منْ كلامِه، ثم قال: غسِّلوا ابني وكفِّنوه، ثمَّ آذنِوني بالصلاةِ عليه! ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ .
وعِكرِمةُ بنُ أبي جهلٍ يُعطى الماء في سكراتِ الموتِ، فيقولُ: أعطوه فلاناً. لحارثِ بنِ هشامِ، فيتناولونه واحداً بعد واحداً، حتى يموتُ الجميعُ.
стр. 210
الناسُ عليك لا لك
إنَّ العاقل الحصيف يجعلُ الناس عليهِ لا لهُ، فلا يبني موقفاً، أو يتخذ قراراً يعتمدُ فيهِ على الناسِ، إن الناس لهمْ حدودٌ في التضامنِ مع الغيرِ، ولهمْ مدىً يصلون إليهِ في البذلِ والتضحيةِ لا يتجاوزونهُ.
انظرْ إلى الحسينِ بنِ عليٍّ ﵁ وأرضاهُ - وهو ابنُ بنتِ الرسولِ ﷺ ، يُقتلُ فلا تنبسُ الأمَّةُ ببنتِ شفةٍ، بل الذين قتلوهُ يكبِّرون ويهلّلون على هذا الانتصارِ الضخمِ بِذبحِهِ!! ، ﵁. يقولُ الشاعرُ:
جاؤوا برأسِك يا ابن بنتِ محمدٍ ... مُتزمِّلاً بدمائِهِ تزميلا
ويُكبِّرون بأنْ قُتلت وإنما ... قتلوا بك التكبير والتهليلا
ويُساق أحمدُ بنُ حنبلٍ إلى الحبسِ، ويُجلدُ جلداً رهيباً، ويشرفُ على الموتِ، فلا يتحرّكُ معهُ أحدٌ.
ويُؤخذُ ابنُ تيمية مأسوراً، ويركبُ البغل إلى مصر، فلا تموجُ تلك الجموعُ الهادرةُ التي حضرتْ جنازتهُ، لأنَّ لهمْ حدوداً يصلون إليها فَحَسْبُ، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ ، ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً﴾ .
فالزمْ يديْك بحبلِ اللهِ معتصماً ... فإنَّهُ الركنُ إنْ خانَتْك أركانُ
стр. 211
رفقاً بالمالِ «ما عال منِ اقْتَصَدَ»
قال أحدهُمْ:
اجمعْ نقودك إنَّ العِزَّ في المالِ ... واستغنِ ما شئت عنْ عمٍّ وعنْ خالِ
إنَّ الفلسفة التي تدعو إلى تبذيرِ المالِ وتبديدهِ وإنفاقِه في غيرِ وجْهِهِ أو عدمِ جمعِه أصلاً ليستْ بصحيحةٍ، وإنما هي منقولةٌ منْ عُبَّادِ الهنودِ، ومنْ جهلةِ المتصوفةِ.
إنَّ الإسلام يدعو إلى الكسبِ الشريفِ، وإلى جمعِ المالِ الشريفِ، وإنفاقهِ في الوجهِ الشريفِ، ليكون العبدُ عزيزاً بماله، وقدْ قال ﷺ : ((نِعم المالُ الصالحُ في يدِ الرجلِ الصالحِ)) . وهو حديثٌ حسنٌ.
وإنَّ مما يجلبُ الهموم والغموم كثرةُ الديونِ، أو الفقرُ المضني المهلك: ((فهلْ تنتظرون إلاَّ غنى مطغياً أو فقراً منسياً)) . ولذا استعاذ ﷺ فقال: ((اللهم إني أعوذُ بك منَ الكفرِ والفقْرِ)) . و ((كاد الفقْرُ أنْ يكون كفراً)) .
وهذا لا يتعارضُ مع الحديثِ الذي يرويه ابنُ ماجة: ((ازهدْ في الدنيا يحبّك اللهُ، وازهدْ فيما عند الناسِ يحبُّك الناسُ)) . على أنَّ فيهِ ضعيفاً.
لكنَّ المعنى: أن يكون لك الكفافُ، وما يكفيك عن استجداءِ الناسِ وطلبِ ما عندهم من المالِ، بلْ تكونُ شريفاً نزيهاً، عندك ما يكفُّ وجهكَ عنهمْ، ((ومن يستغنِ يُغنِه اللهُ)) .
стр. 212
وفي الصحيحِ: ((إنك إنْ تَذَرُ ورثَتَكَ أغنياء، خيرٌ منْ أن تَذَرَهُمْ عالةً يتكفَّفونُ الناس)) .
أَسُدُّ به ما قدْ أضاعوا وفرَّطوا ... حقوق أناسٍ ما استطاعوا لها سدّا
يقولُ أحدُهم في عِزَّةِ النفسِ:
أحسنُ الأقوالِ قولي لك خذْ ... أقبحُ الأقوالِ كلاَّ ولعلْ
وفي الصحيح: ((اليدُ العليا خيرٌ من اليدِِ السُّفلى)) . اليدُ العليا المعطيةُ، واليدُ السُّفلى الآخذةُ أو السائلةُ، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .
والمعنى: لا تتملَّق البشرَ فتطلب منهمْ رزقاً أو مكسباً، فإنَّ الله ضمِنَ الرزق والأجلَ والخلْقَ لأنَّ عزَّةَ الإيمانِ قعساءُ، وأهلُه شرفاءُ، والعزةُ لهم، ورؤوسُهم دائماً مرتفعةٌ، وأنوفُهم دائماً شامخةٌ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ . قال ابنُ الورديُّ:
أنا لا أرغبُ تقبيل يدٍ ... قطْعُها أحسنُ منْ تلك القُبلْ
إنْ جزتْني عنْ صنيعِ كنتُ في ... رِقِّها أو لا فيكفيني الخجلْ
لا تتعلقْ بغيرِ اللهِ
إذا كان المحيي والميتُ والرزاقُ هو اللهُ، فلماذا الخوفُ من الناس والقلقُ منهمُ؟! ورأيتُ أنَّ أكثر ما يجلبُ الهموم والغموم التعلُّقُ بالناسِ، وطلبُ
стр. 213
رضاهمْ، والتقربُ منهمُ، والحرصُ على ثنائِهم، والتضرُّر بذمِّهمْ، وهذا من ضعفِ التوحيدِ.
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ ... وليتك ترْضى والأنامُ غضابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكُلُّ هيِّنٌ ... وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ
أسبابُ انشرحِ الصَّدْرِ
أهمُّها: التوحيدُ: فإنهُ بِحسبِ صفائِهِ ونقائِه يوسعُ الصدرَ، حتى يكون أوسع من الدنيا وما فيها.
ولا حياة لمُشركٍ وملحِدٍ، يقولُ : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . وقال سبحانه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ . وقال سبحانه: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ .
وتوعَّد اللهُ أعداءه بضيقِ الصَّدرِ والرهبةِ والخوفِ والقلقِ والاضطرابِ، ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ ، ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ .
стр. 214
ومما يشرحُ الصَّدْرَ: العلمُ النافعُ، فالعلماءُ أشرحُ الناسِ صدوراً، وأكثرُهم حُبوراً، وأعظمُهمْ سروراً، لما عندهمْ من الميراثِ المحمديِّ النبويِّ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
ومنها: العملُ الصالحُ: فإنَّ للحسنةِ نوراً في القلبِ، وضياءً في الوجهِ، وسَعَةَ في الرزقِ، ومحبةً في قلوبِ الخلْقِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً﴾ .
ومنها: الشجاعةُ: فالشجاعُ واسعُ البطانِ، ثابتُ الجَنَانِ، قويُّ الأركانِ، لأنه يؤولُ على الرحمنِ، فلا تهمُّه الحوادثُ، ولا تهزُّهُ الأراجيفُ، ولا تزعزِعُهُ التوجساتُ.
تردَّى ثبات الموتِ حُمْراً فما أتى ... لها الليلُ إلا وهي مِنْ سندسٍ خُضْرُ
وما مات حتى مات مضرِبُ سيفِهِ ... مِن الضربِ واعتلتْ عليه القنا السّمْرُ
ومنها: اجتنابُ المعاصي: فإنها كدرٌ حاضرٌ، ووحشةٌ جاثمةٌ، وظلامٌ قاتمٌ.
رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب ... وقدْ يُورثُ الذُّلَّ إدمانُها
ومنها: اجتنابُ كثرةِ المباحاتِ: من الكلامِ والطعامِ والمنام والخلطةِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ، ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ .
стр. 215
فُرِغ من القضاءِ
سألَ أحدُ المرضى بالهواجسِ والهمومِ طبيب القلقِ والاضطرابِ، فقال له الطبيبُ المسلمُ: اعلمْ أنَّ العالم قدْ فرغَ منْ خلقِهِ وتدبيرِه، ولا يقعُ فيهِ حركةٌ ولا هَمْسٌ إلا بإذن اللهِ، فلِم الهمُّ والغمُّ؟! ((إنَّ الله كتب مقادير الخلائقِ قبل أنْ يَخْلُقَ الخلْق بخمسين ألف سنةٍ)) .
قال المتنبي على هذا:
وتعْظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها ... وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائِمُ
طَعْمُ الحريَّةِ اللذيذُ
يقولُ الراشدُ في كتابِ (المسار) : منْ عندَهُ ثلاثمائةٍ وستون رغيفاً وجرَّة زيتٍ وألفٌ وستمائة تمرة، لم يستعبدْه أحدٌ.
وقال أحدُ السلفِ: منِ اكتفى بالخبزِ اليابسِ والماءِ، سلِم من الرِّقِّ غلا للهِ تعالى ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾ .
قال أحدُهم:
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ... ولوْ أني قِنِعْتُ لكنتُ حراً
وقال آخرُ:
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمونها ... على أنَّهمْ فيها عُراةٌ وجُوَّعُ
أراها وإنْ كانتْ تسُرُّ فإنها ... سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشَّعُ
следующие страницы →