Полный текст (532 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
رفقاً بالمالِ «ما عال منِ اقْتَصَدَ»
قال أحدهُمْ:
اجمعْ نقودك إنَّ العِزَّ في المالِ ... واستغنِ ما شئت عنْ عمٍّ وعنْ خالِ
إنَّ الفلسفة التي تدعو إلى تبذيرِ المالِ وتبديدهِ وإنفاقِه في غيرِ وجْهِهِ أو عدمِ جمعِه أصلاً ليستْ بصحيحةٍ، وإنما هي منقولةٌ منْ عُبَّادِ الهنودِ، ومنْ جهلةِ المتصوفةِ.
إنَّ الإسلام يدعو إلى الكسبِ الشريفِ، وإلى جمعِ المالِ الشريفِ، وإنفاقهِ في الوجهِ الشريفِ، ليكون العبدُ عزيزاً بماله، وقدْ قال ﷺ : ((نِعم المالُ الصالحُ في يدِ الرجلِ الصالحِ)) . وهو حديثٌ حسنٌ.
وإنَّ مما يجلبُ الهموم والغموم كثرةُ الديونِ، أو الفقرُ المضني المهلك: ((فهلْ تنتظرون إلاَّ غنى مطغياً أو فقراً منسياً)) . ولذا استعاذ ﷺ فقال: ((اللهم إني أعوذُ بك منَ الكفرِ والفقْرِ)) . و ((كاد الفقْرُ أنْ يكون كفراً)) .
وهذا لا يتعارضُ مع الحديثِ الذي يرويه ابنُ ماجة: ((ازهدْ في الدنيا يحبّك اللهُ، وازهدْ فيما عند الناسِ يحبُّك الناسُ)) . على أنَّ فيهِ ضعيفاً.
لكنَّ المعنى: أن يكون لك الكفافُ، وما يكفيك عن استجداءِ الناسِ وطلبِ ما عندهم من المالِ، بلْ تكونُ شريفاً نزيهاً، عندك ما يكفُّ وجهكَ عنهمْ، ((ومن يستغنِ يُغنِه اللهُ)) .
стр. 212
وفي الصحيحِ: ((إنك إنْ تَذَرُ ورثَتَكَ أغنياء، خيرٌ منْ أن تَذَرَهُمْ عالةً يتكفَّفونُ الناس)) .
أَسُدُّ به ما قدْ أضاعوا وفرَّطوا ... حقوق أناسٍ ما استطاعوا لها سدّا
يقولُ أحدُهم في عِزَّةِ النفسِ:
أحسنُ الأقوالِ قولي لك خذْ ... أقبحُ الأقوالِ كلاَّ ولعلْ
وفي الصحيح: ((اليدُ العليا خيرٌ من اليدِِ السُّفلى)) . اليدُ العليا المعطيةُ، واليدُ السُّفلى الآخذةُ أو السائلةُ، ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .
والمعنى: لا تتملَّق البشرَ فتطلب منهمْ رزقاً أو مكسباً، فإنَّ الله ضمِنَ الرزق والأجلَ والخلْقَ لأنَّ عزَّةَ الإيمانِ قعساءُ، وأهلُه شرفاءُ، والعزةُ لهم، ورؤوسُهم دائماً مرتفعةٌ، وأنوفُهم دائماً شامخةٌ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ . قال ابنُ الورديُّ:
أنا لا أرغبُ تقبيل يدٍ ... قطْعُها أحسنُ منْ تلك القُبلْ
إنْ جزتْني عنْ صنيعِ كنتُ في ... رِقِّها أو لا فيكفيني الخجلْ
لا تتعلقْ بغيرِ اللهِ
إذا كان المحيي والميتُ والرزاقُ هو اللهُ، فلماذا الخوفُ من الناس والقلقُ منهمُ؟! ورأيتُ أنَّ أكثر ما يجلبُ الهموم والغموم التعلُّقُ بالناسِ، وطلبُ
стр. 213
رضاهمْ، والتقربُ منهمُ، والحرصُ على ثنائِهم، والتضرُّر بذمِّهمْ، وهذا من ضعفِ التوحيدِ.
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ ... وليتك ترْضى والأنامُ غضابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكُلُّ هيِّنٌ ... وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ
أسبابُ انشرحِ الصَّدْرِ
أهمُّها: التوحيدُ: فإنهُ بِحسبِ صفائِهِ ونقائِه يوسعُ الصدرَ، حتى يكون أوسع من الدنيا وما فيها.
ولا حياة لمُشركٍ وملحِدٍ، يقولُ : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . وقال سبحانه: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ . وقال سبحانه: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ .
وتوعَّد اللهُ أعداءه بضيقِ الصَّدرِ والرهبةِ والخوفِ والقلقِ والاضطرابِ، ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ ، ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ .
стр. 214
ومما يشرحُ الصَّدْرَ: العلمُ النافعُ، فالعلماءُ أشرحُ الناسِ صدوراً، وأكثرُهم حُبوراً، وأعظمُهمْ سروراً، لما عندهمْ من الميراثِ المحمديِّ النبويِّ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
ومنها: العملُ الصالحُ: فإنَّ للحسنةِ نوراً في القلبِ، وضياءً في الوجهِ، وسَعَةَ في الرزقِ، ومحبةً في قلوبِ الخلْقِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً﴾ .
ومنها: الشجاعةُ: فالشجاعُ واسعُ البطانِ، ثابتُ الجَنَانِ، قويُّ الأركانِ، لأنه يؤولُ على الرحمنِ، فلا تهمُّه الحوادثُ، ولا تهزُّهُ الأراجيفُ، ولا تزعزِعُهُ التوجساتُ.
تردَّى ثبات الموتِ حُمْراً فما أتى ... لها الليلُ إلا وهي مِنْ سندسٍ خُضْرُ
وما مات حتى مات مضرِبُ سيفِهِ ... مِن الضربِ واعتلتْ عليه القنا السّمْرُ
ومنها: اجتنابُ المعاصي: فإنها كدرٌ حاضرٌ، ووحشةٌ جاثمةٌ، وظلامٌ قاتمٌ.
رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب ... وقدْ يُورثُ الذُّلَّ إدمانُها
ومنها: اجتنابُ كثرةِ المباحاتِ: من الكلامِ والطعامِ والمنام والخلطةِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ ، ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ .
стр. 215
فُرِغ من القضاءِ
سألَ أحدُ المرضى بالهواجسِ والهمومِ طبيب القلقِ والاضطرابِ، فقال له الطبيبُ المسلمُ: اعلمْ أنَّ العالم قدْ فرغَ منْ خلقِهِ وتدبيرِه، ولا يقعُ فيهِ حركةٌ ولا هَمْسٌ إلا بإذن اللهِ، فلِم الهمُّ والغمُّ؟! ((إنَّ الله كتب مقادير الخلائقِ قبل أنْ يَخْلُقَ الخلْق بخمسين ألف سنةٍ)) .
قال المتنبي على هذا:
وتعْظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها ... وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائِمُ
طَعْمُ الحريَّةِ اللذيذُ
يقولُ الراشدُ في كتابِ (المسار) : منْ عندَهُ ثلاثمائةٍ وستون رغيفاً وجرَّة زيتٍ وألفٌ وستمائة تمرة، لم يستعبدْه أحدٌ.
وقال أحدُ السلفِ: منِ اكتفى بالخبزِ اليابسِ والماءِ، سلِم من الرِّقِّ غلا للهِ تعالى ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾ .
قال أحدُهم:
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ... ولوْ أني قِنِعْتُ لكنتُ حراً
وقال آخرُ:
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمونها ... على أنَّهمْ فيها عُراةٌ وجُوَّعُ
أراها وإنْ كانتْ تسُرُّ فإنها ... سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشَّعُ
стр. 216
إنَّ الذين يسعوْن على السعادةِ بجمع المالِ أو المنصبِ أو الوظيفةِ، سوف يعلمون أنهمْ همُ الخاسرون حقّاً، وأنهمْ ما جلبوا إلا الهموم والغموم، ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ﴾ ، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
سفيانُ الثوريُّ مخدَّتُهُ الترابُ
توسَّد سفيانُ الثوريُّ كومْةً منْ الترابِ في مزدلفة وهو حاجٌّ، فقال له الناسُ: أفي مثلِ هذا الموطنِ تتوسَّدُ الترابَ وأنت مُحدِّثُ الدنيا؟ قال: لمخدَّتي هذهِ أعظمُ منْ مخدةِ أبي جعفرٍ المنصورِ الخليفةِ.
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ﴾ .
لا تركنْ إلى المُرجِفِينَ
الوعودُ الكاذبةُ، والإرهاصاتُ الخاطئةُ المغلوبةُ، التي يخافُ منها أكثرُ الناسِ، إنما هي أوهامٌ، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
والقلقُ والأرقُ وقُرْحةُ المعدةِ: ثمراتُ اليأسِ والشعورِ بالإحباطِ والإخفاق.
стр. 217
لنْ يضرَّك السبُّ والشَّتْمُ
كان الرئيسُ الأمريكيُّ (إبراهام لينكولن) يقولُ: أنا لا أقرأُ رسائل الشتمِ التي تُوجَّه إليَّ، ولا أفتحُ مظروفها فضلاً عن الردِّ عليها؛ لأنني لو اشتغلتُ بها لمَا قدَّمت شيئاً لشعبي ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ، ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ .
قال حسَّانُ:
ما أبالي أنبَّ بالحزْنِ تَيْسٌ ... أو لحاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ
المعنى: أنَّ كلماتِ اللؤماءِ والسخفاءِ والحقراءِ الشتّامين المتسلقين على أعراضِ الناسِ، لا تضرُّ ولا تُهُمُّ، ولا يمكنُ أنْ يتلفت لها مسلمٌ، أو أن يتحرك منها شجاعٌ.
كان قائدُ البحريةِ الأمريكيةِ في الحربِ العالميةِ الثانيةِ رجلاً لامعاً، يحرصُ على الشهرةِ، فتعاملَ مع مرؤوسيةِ الذين كالوا له الشتائم والسباب والإهاناتِ، حتى قال: أصبح اليوم عندي من النقدِ مناعةٌ، لقدْ عَجَمَ عودي، وكبرتْ سني، وعلمتُ أنَّ الكلام لا يهدمُ ولا ينسِفُ سُوراً حصيناً.
وماذا تبتغي الشعراءُ منّي ... وقدْ جاوزتُ حدَّ الأربعينا
يُذكرُ عن عيسى ﵇ أنهُ قال: أحبوا أعداءكم.
والمعنى: أنْ تُصدروا في أعدائِكمْ عفواً عامّاً، حتى تسلموا من التشفِّي والانتقامِ والحقدِ الذي ينهي حياتَكُمْ، ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . ((اذهبوا فأنتمُ الطلقاءُ)) ، ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ، ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف﴾ .
стр. 218
اقرأ الجمال في الكوْنِ
مما يشرحُ الصدر قراءةُ الجمالِ في خلْقِ ذي الجلالِ والإكرامِ، والتمتُّعُ بالنظرِ في الكونِ، هذا الكتابُ المفتوحُ، إنَّ الله يقولُ في خلقِهِ: ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ، ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ .
وسوف أنقلُ لك، بعد صفحاتِ، من أخبارِ الكونِ ما يدلُّك على حكمةٍ وعظمةٍ ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ .
قال الشاعرُ:
وكتابي الفضاءُ أَقرأُ فيهِ ... صوراً ما قرأتُها في كتابي
قراءةٌ في الشمسِ اللامعةِ، والنجومِ الساطعةِ، في النهرِ.. في الجدولِ.. في التلِّ.. في الشجرةِ.. في الثمرةِ.. في الضياءِ.. في الهواءِ.. في الماءِ،
وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه الواحدُ
يقول إيليا أبو ماضي:
أيُّها الشاكي وما بك داءٌ ... كيف تغدو إذا غدوت عليلاَ
أترى الشوك في الورودِ وتَعْمَى ... أن ترى فوقهُ النَّدى إكليلاَ
والذي نفسُه بغيرِ جمالٍ ... لا يرى في الوجودِ شيئاً جميلا
стр. 219
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾
يقولُ أيْنشتاين: مَنْ ينظرْ إلى الكونِ يعلمْ أنَّ المبدع حكيمٌ لا يلعبُ بالنَّردِ. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ، ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ .
والمعنىِ: أنَّ كلَّ شيءٍ بِحُسْبانٍ وبحكمةٍ، وبترتيبٍ وبنظامٍ، يعلمُ منْ يرى هذا الكون أنَّ هناك إلهاً قديراً لا يُجري الأمور مجازفةً، جلَّ في علاهُ.
ثمَّ يقولُ : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
لا يجدي الحِرْصُ
قال ﷺ : ((لنْ تموتَ نفسٌ حتى تستكمل رزْقها وأجلَها)) . فلِم الجَزَعُ؟! ولِم الهَلَعُ؟! ولِم الحِرْصُ إذنْ، إذا انتهى منْ هذا وفَرَغَ؟! ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ .
الأزماتُ تكفِّرُ عنك السيئاتِ
يُذكَرُ عن الشاعرِ ابن المعتزِّ أنهُ قال: آللهُ ما أوطأ راحلةً المتوكل على اللهِ، وما أسرع أوْبةَ الواثقِ باللهِ!! وقد صحَّ عنهُ ﷺ أنهُ قال: ((ما يصيبُ
стр. 220
المؤمنَ منْ همٍّ، ولا غمٍّ، ولا وصبٍ، ولا نصبٍ، ولا مرضٍ، حتى الشوكةُ يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها منْ خطاياهُ)) . فهذا لمن صبر واحتسب وأناب، وعَرَفَ أنهُ يتعاملُ مع الواحدِ الوهابِ.
قال المتنبي في أبياتٍ حكيمةٍ تضفي على العبدِ قوةً وانشراحاً:
لا تلق دهرك إلا غيْرَ مكترثٍ ... ما دام يصحبُ فيهِ رُوحك البدنُ
فما يُديمُ سُروراً ما سُرِرْت بهِ ... ولا يردُّ عليك الغائب الحزنُ
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ .
«حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»
«حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» : قالها إبراهيمُ لما أُلقي في النارِ، فصارتْ بردْاً وسلاماً. وقال محمدٌ ﷺ في أُحُدٍ، فنصره اللهُ.
لما وُضِع إبراهيمُ في المنجنيقِ قال له جبريلُ: ألك إليَّ حاجةٌ؟ فقال له إبراهيمُ: أمَّا إليك فلا، وأمَّا إلى اللهِ فَنَعَمْ!
البحرُ يُغْرقُ، والنارُ تَحْرِقُ، ولكن جفَّ هذا، وخمدتْ تلك، بسبب: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» .
رأى موسى البحرَ أمامه والعدَّ خلفه، فقال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . فنجا بإذنِ اللهِ.
стр. 221
ذُكِر في السيرةِ أنَّ الرسول ﷺ لما دخل الغار، سخَّ الله الحمام فبنتْ عشّها، والعنكبوت فبنت بيتها بفمِ الغارِ، فقال المشركون: ما دخل هنا محمدٌ.
ظنُّوا الحمام وظنُّوا العنكبوت على ... خيرِ البريةِ لم تنسِخْ ولم تَحُمِ
عنايةُ اللهِ أغنيتْ عنْ مضاعفةٍ ... من الدروعِ وعنْ عالٍ من الأُطمُِ
إنها العنايةُ الربانيةُ إذا تلمَّحها العبدُ، ونظر أنَّ هناك ربّاً قديراً ناصراً وليّاً راحماً، حينها يركنُ العبدُ إليه.
يقولُ شوقي:
وإذا العنايةُ لاحظتْكَ عيونُها ... نمْ فالحوادثُ كُلُّهن أمانُ
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ، ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
مكوِّناتُ السَّعادةِ
وعند الترمذيِّ عنهُ ﷺ : ((منْ بات آمناً في سِرْبهِ، معافىً في بدنه، عندهُ قوتُ يومِهِ، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافِيرِها)) .
والمعنى: إذا حصل على غذاءٍ، وعلى مأوًى وكان آمناً، فقدْ حصل على أحسنِ السعاداتِ، وأفضلِ الخيراتِ، وهذا يحصلُ عليه كثيرٌ من الناسِ، لكنهمْ لا يذكرونه، ولا ينظرون إليه ولا يلمسونه.
стр. 222
يقولُ لرسوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ . فأيُّ نعمةٍ تمّتْ على الرسولِ ﷺ ؟
أهي المادةُ؟ أهو الغذاءُ؟ أهي القصورُ والدورُ والذهبُ والفِضَّةُ، ولم يملكْ من ذلك شيئاً؟
إنَّ هذا الرسول العظيم ﷺ كان ينامُ في غرفةٍ منْ طينٍ، سقفُها منْ جريدِ النخلِ، ويربطُ حَجَريْنِ على بطنِهِ، ويتوسَّدُ على مخدَّةٍ منْ سَعَف النخلِ تؤثِّر في جنبهِ، ورهن دِرْعهُ عند يهوديٍّ في ثلاثين صاعاً منْ شعيرٍ، ويدورُ ثلاثة أيامٍ لا يجدُ رديء التمرِ ليأكله ويشبع منه.
مِت ودرعُك مرهونٌ على شظفٍ ... من الشَّعيرِ وأبقى رهَكَ الأجلُ
لأنَّ فيك معاني اليُتْمِ أعذبُهُ ... حتى دُعيت أبا الأيتامِ يا بَطَلُ
وقلتُ في قصيدةٍ أخرى:
كفاك عنْ كلِّ قصرٍ شاهقٍ عمدٍ ... بيتٌ من الطينِ أو كهفٌ من العلمِ
تبني الفضائل أبراجاً مشيَّدةً ... نُصْيَ الخيامِ التي منْ أروعِ الخيمِ
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴿٤﴾ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ .
стр. 223
نَصَب المَنْصِب
منْ متاعبِ الحياةِ المنصبُ، قال ابنُ الورديُّ:
نصبُ المنصبِ أوهي جَلَدي ... يا عنائي منْ مداراةِ السفَلْ
والمعنى: انَّ ضريبةَ المنصبِ غاليةٌ، إنها تأخذُ ماء الوَجْهِ، والصِّحِّة والراحةَ، وقليلٌ مَنْ ينجو منْ تلك الضرائبِ التي يدفعُها يوميّاً، منْ عرقِهِ، من دِمِ، منْ سمعتِه، من راحتِه، منْ عزتِه، منْ شرفِه، منْ كرامتِه، ((لا تسألِ الإمارةَ)) . ((نِعْمَتِ المرضعةُ وبِئست الفاطمةُ)) ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ .
قال الشاعرُ:
هبِ الدنيا تصيرُ غليك عفواً ... أليس مصيرُ ذلك للزوالِ؟!
قدِّرْ أنَّ الدنيا أتتْ بكل شيءٍ، فإلى أي شيء تذهبُ؟ إلى الفناءِ، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
قال أحدُ الصالحين لابنه: لا تكنْ يا بُنيَّ رأساً، فإنَّ الرأس كثيرُ الأوجاعِ.
والمعنى: لا تُحِبَّ التصدُّرَ دائماً والتَّرؤُّس، فإنَّ الانتقاداتِ والشتائمِ والإحراجاتِ والضرائبِ لا تصلُ إلا إلى هؤلاء المقدَّمين.
إنَّ نصف الناسِ أعداءٌ لمِنْ ... ولي السلْطة هذا إنْ عدلْ
стр. 224
هيا إلى الصلاة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ .
كان ﷺ إذا حزبه أمرٌ فَزِع إلى الصلاةِ.
وكان يقولُ: ((أرِحنْا بها يا بلالُ)) .
ويقولُ: ((جُعلت قرَّةُ عيني في الصلاةِ)) .
إذا ضاق الصدرُ، وصعُب الأمرُ، وكثر المكْرُ، فاهرعْ إلى المصلَّى فصلِّ.
إذا أظلمتْ في وجهِك الأيامُ، واختلفتْ الليالي، وتغيَّرَ الأصحابُ، فعليك بالصلاةِ.
كان النبيُّ ﷺ في المهمَّاتِ العظيمةِ يشرحُ صدره بالصلاةِ، كيومِ يدْرٍ والأحزابِ وغيرِها من المواطنِ. وذكروا عنِ الحافظِ ابن حجرٍ صاحبِ (الفتحِ) أنه ذهب إلى القلعةِ بمصر فأحط به اللصوصُ، فقام يصلي، ففرَّج اللهُ عنهُ.
وذكر ابنُ عساكر وابنُ القيمِ: أنَّ رجلاً من الصالحين لقيه لصٌّ في إحدى طرقِ الشامِ، فأجهز عليه ليقتله، فطلب منه مهلةٍ ليصلي ركعتين، فقام فافتتح الصلاة، وتذكَّرَ قول اللهِ تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ . فردَّدها ثلاثاً، فنزل ملكٌ من السماءِ بحربةٍ فَقَتَلَ المجرم، وقال: أنا رسولُ منْ يجيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ ، ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ .
стр. 225
وإن ممَّا يشرحُ الصدر، ويزيلُ الهمَّ والغمَّ، الصلاةُ على الرسول ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
صحَّ ذلك عند الترمذيِّ: أنَّ أُبَيَّ بن كعب ﵁ قال: يا رسول اللهِ، كمْ أجعلُ لك من صلاتي؟ قال: ((ما شئت)) . قال: الربع؟ قال: ((ما شئت، وإنْ زدت فخيْرٌ)) . قال: الثُّلُثيْن؟ قال: ((ما شئت، وإنْ زدت فخيرٌ)) . قال: أجعلُ لك صلاتي كلهَّا؟ قال: ((إذنْ يُغفرُ ذنبُك، وتُكْفى همُّك)) .
وهنا الشاهدُ، أنْ الهمَّ يزولُ بالصلاةِ والسلامِ على سيدِ الخلْقِ: ((منْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليهِ بها عَشْراً)) . ((أكِثروا من الصلاةِ عليَّ ليلة الجمعةِ ويوم الجمعةِ، فإنَّ صلاتكمْ معروضةٌ عليَّ)) . قالوا: كيف تُعرضُ عليك صلاتُنا وقدْ أرمْت؟! -أي بليت- قال: ((إنَّ الله حرمَّ على الأرضِ أنْ تأكل أجساد الأنبياءِ)) . إنَّ للذين يقتدون به ﷺ ويتّبعون النور الذي أُنْزِلَ معهُ نصيباً من انشراحِ صدرِه وعُلوِّ قدرِه ورفعةِ ذكرهِ.
يقولُ ابنُ تيمية: أكملُ الصلاةِ على الرسولِ ﷺ هي الصلاةُ الإبراهيميةُ: اللهم صلِّ على محمدِ وعلى آل محمَّدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركْت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم في العالمين. إنك حميدٌ مجيدٌ.
نسينا في ودادِك كُلَّ غالِ ... فأنت اليومَ أغلى ما لَدَيْنَا
نُلامُ على محبَّتِكمْ ويكفي ... لنا شرفاً نلامُ وما علينا
стр. 226
الصَّدَقةُ سَعةٌ في الصَّدْرِ
ويدخلُ في عمومِ ما يجلبُ السعادة ويزيلُ الهمَّ والكدر: فعلُ الإحسانِ، من الصدقةِ والبِرُّ ولإسداءِ الخيرِ للناسِ، فإنَّ هذا منْ أحسنِ ما يُوسَّعُ بهِ الصَّدْرُ، ﴿أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ ، ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ .
وقدْ وصف ﷺ البخيلُ والكريمُ برجليْن عليهما جُبَّتانِ، فلا يزالُ الكريمُ يُعطي ويبذلُ، فتتوسَّعُ عليه الجبَّةُ والدِّرْعُ من الحديدِ حتى يعفُوَ وأثرُه، ولا يزالُ البخيلُ يمسكُ ويمنعُ، فتتقلَّص عليهِ، فتخنقهُ حتى تضيق عليهِ روحهُ! ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ . وقال : ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ .
إنَّ غلَّ الروحِ جزءٌ منْ غلِّ اليدِ، وإنَّ البخلاء أضيقُ الناسِ صدوراً وأخلاقاً؛ لأنهم بخلُوا بفضلِ اللهِ ، ولو عملوا أنَّ ما يعطونه الناس إنما هو جلبٌ للسعادةِ، لسارعوا إلى هذا الفعلِ الخيِّرِ، ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ .
وقال : ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾
اللهُ أعطاك فابذلْ مِنْ عطيتهِ ... فالمالُ عاريةٌ والعمرُ رحَّالُ
المالُ كالماءِ إنْ تحبسْ سواقِيهُ ... يأسنْ يجرِ يعذُبْ منه سلسالُ
стр. 227
يقولُ حاتمُ:
أما والذي لا يعلمُ الغيب غيرهُ ... ويُحيي العظام البيض وهي رميمُ
لقدْ كنتُ أطوي البطن والزادُ يُشتهى ... مخافة يومٍ أنْ يُقال لئيمُ
إنَّ هذا الكريم يأمرُ امرأته أنْ تستضيف له ضيوفاً، وأن تنتظر روَّاده ليأكلوا معه، ويؤانسوهُ ليشرح صدرهُ، يقولُ:
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ ... أكولاً فإني لستُ آكلُه وحدي
ثمّ يقولُ لها وهو يعلنُ فلسفته الواضحة، وهي معادلةٌ حسابيةٌ سافرةٌ:
أريني كريماً مات مِنْ قبلِ حِينهِ ... فيرضى فؤادي أو بخيلاً مخلدَّا
هلْ جمْعُ المالِ يزيدُ في عمرِ صاحبِه؟ هلْ إنفاقُهُ يُنقصُ من أجلِه؟ ليس بصحيحٍ.
لا تغضبْ
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
أوصى ﷺ أحد أصحابه فقال: ((لا تغضبْ، لا تغضبْ، لا تغضبْ)) .
وغضب رجلٌ عنده فأمرهُ ﷺ أنْ يستعيذ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ.
وقال تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ .
стр. 228
إنَّ ممَّا يورِثُ الكَدَرَ والهمَّ والحزن الحِدَّةُ والغضبُ، وله أدواءٌ عند المصطفى ﷺ .
منها: مجاهدةُ الطبعِ على تركِ الغَضَبِ، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ، ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ .
ومنها: الوضوءُ، فإنَّ الغَضَبَ جمرةٌ من النارِ، والنارُ يطفئُها الماءُ، ((الطهورُ شطْرُ الإيمانِ)) ، ((الوضوءُ سلاحُ المؤمنِ)) .
ومنها: إذا كان واقفاً أن يجلس، وإذا كان جالساً أن يضطجع.
منها: أنْ يسكت فلا يتكلمُ إذا غضِب.
ومنها أيضاً: أن يتذكر ثواب الكاظمين لغيظِهم، والعافين عن الناسِ المسامحين.
وِرْدٌ صباحيٌّ
وسوف أخبرُك بورْد من الأذكارِ تداومُ عليه كلَّ صباحٍ، ليجلب لك السعادة، ويحفظك منْ شرِّ شياطينِ الإنسِ والجنَّ، ويكون لك عاصِماً طِيلة يومِك حتى تُمسي.
منْ هذهِ الأدعيةِ، وهي التي صحَّتْ عنه ﷺ :
١. أصبحنا وأصبح الملكُ للهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريك لهُ، لهُ الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ربِّ أسألُك خَيْرَ ما في هذه
стр. 229
الليلةِ، وخَيْرَ ما بعدها، وأعوذُ بك منْ شرِّ هذه الليلةِ وشرِّ ما بعدها، ربِّ أعوذُ بك من الكسلِ وسُوءِ الكبِرِ، ربِّ أعوذُ بك منْ عذابٍ في النارِ وعذابٍ في القبرِ)) .
٢. وحديثُ: ((اللهمَّ عالم الغيبِ والشهادةِ، فاطر السماواتِ والأرضِ، ربَّ كلِّ شيء ومليِكه، أشهدُ أنْ لا إله إلا أنت، أعوذُ بك منْ شرِّ نفسي، وشرِّ الشيطانِ وشركهِ، وأنْ أقترف على نفسي سوءاً أو أجرَّه إلى مسلمٍ)) .
٣. وحديثُ: ((بسمِ اللهِ الذي لا يضرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، وهو السميعُ العليمُ)) . ثلاث مراتٍ.
٤. ((اللهمَّ إني أصبحتُ أشهدُك وأشهدُ حملة عرشِك وملائكتك وجميع خلقِك أنك أنت اللهُ لا إله إلاَّ أنت، وحدك لا شريك لك، وأنَّ محمداً عبدُك ورسولُك ﷺ )) . أربع مرات.
٥. ((اللهمَّ إني أعوذُ بك أنْ أشرك بك شيئاً وأنا أعلمُ، وأستغفرُك لما لا أعلمُ)) .
٦. ((أصبحنا على فِطْرةِ الإسلامِ، وعلى كلمةِ الإخلاصِ، وعلى دينِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، وعلى ملَّةِ أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)) .
٧. ((سبحان اللهِ وبحمدهِ: عَدَدَ خَلْقِهِ، ورضا نفسِهِ، وزِنه عرشِهِ، ومِداد كلماتِهِ)) . ثلاث مراتٍ.
٨. ((رضيتُ باللهِ رَبّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ ﷺ نبياً)) . ثلاث مراتٍ.
стр. 230
٩. ((أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ منْ شرُ ما خَلَقَ)) . ثلاثاً في المساء.
١٠. ((اللهمّ بك أصبحْنا، وبك أمسنا، وبك نحْيا، وبك نموتُ، وإليك النشورُ)) .
١١. ((لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)) . مائة مرة.
وقفة
يقولُ ابنُ القيِّم: ((أجمع العارفون بالله على أنَّ الخِذْلان: أنْ يكلك اللهُ على نفسِك، ويُخلِّي بينك وبينها. والتوفيقُ أنْ لا يكِلك اللهُ إلى نفسِك.
فالعبيدُ متقلِّبون بين توفيقهِ وخذلانِهِ، بلِ العبدُ في الساعةِ الواحدةِ ينالُ نصيبه منْ هذا وهذا، فيطيعهِ ويُرضيهِ، ويذكرُه ويشكرُه بتوفيقِه له، ثم يعصيهِ ويخالفُه، ويُسْخِطُه ويغفلُ عنه بخذلانِهِ له، فهو دائرٌ بين توفيقِه وخِذْلانِهِ.
فمتى شهِد العبدُ هذا المشهد وأعطاهُ حقَّه، علِم شِدَّة ضرورتِه وحاجتِه إلى التوفيق في كلِّ نَفَسٍ وكلِّ لحظةٍ وطرْفةِ عيْنٍ، وأنَّ إيمانه وتوحيده بيدِهِ تعالى، لو تخلَّى عنه طرفة عينٍ لَثُلَّ عَرْشُ توحيدِه، ولخَرَّتْ سماءُ إيمانِهِ على الأرضِ، وأنَّ الممسك له: هو منْ يمسك السماء أنْ تقع على الأرضِ إلا بإذنِهِ)) .
стр. 231
القرآنُ.. الكتابُ المباركُ
ومنْ أسبابِ السعادةِ وانشراحِ الصدرِ قراءةُ كتابِ اللهِ بتدبُّرٍ وتمعُّنٍ وتأمُّلٍ، فإنَّ الله وَصَفَ كتابه بأنه هدىً ونورٌ وشفاءٌ لما في الصدورِ، ووصفه بأنه رحمةٌ، ﴿قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ ، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ .
قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: مباركٌ في تلاوتِهِ، والعملِ به، وتحكيمِه والاستنباطِ منه.
وقال أحدُ الصالحين: أحسسْتُ بغمٍّ لا يعلمهُ إلا اللهُ، وبهمٍّ مقيمٍ، فأخذتُ المصحف وبقيتُ أتلو، فزال عني - والله - فجأةً هذا الغمُّ، وأبدلني اللهُ سروراً وحبوراً مكان ذلك الكدرِ. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ، ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ ، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ .
стр. 232
لا تحرصْ على الشهرةِ
فإنَّ لها ضريبةً من الكدرِ والهمِّ والغمِّ
مما يشتتُ القلب ويكدِّرُ صفاءه واستقراره وهدوءه: الحرصُ على الظهورِ والشهرةِ، وطلبِ رضا الناسِ، ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾ .
ولذلك قال أحدُهم بالمقابلِ:
مَنْ أخمل النفس أحياها وروَّحها ... ولم يبتْ طاوياً منها على ضجرِ
إنَّ الرياح إذا اشتدَّتْ عواصفُها ... فليس ترمي سوى العالي منَ الشجرِ
((منْ راءى راءى اللهُ بهِ، ومنْ سمَّع سمَّع اللهُ بهِ)) . ﴿يُرَآؤُونَ النَّاسَ﴾ ، ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ ، ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ﴾ .
ثوبُ الرياءِ يشِفُّ عمَّا تحتهُ ... فإذا التْحفْت بهِ فإنَّك عاري
الحياةُ الطيبةُ
من القضايا الكبرى المسلَّمةِ أنَّ أعظم هذه الأسبابِ التي أكتبُها هنا في جلبِ السعادةِ هو الإيمانُ باللهِ ربِّ العالمين، وأنَّ السباب الأخرى والمعلوماتِ والفوائد التي جمعتْ إذا أُهديتْ لشخصٍ ولم يحصلْ على الإيمانِ باللهِ، ولم يحُزْ ذلك الكنْز، فلنْ تنفعه أبداً، ولا تفيده، ولا يتعبْ نفسه في البحثِ عنها.
стр. 233
إنَّ الأصل الإيمانُ باللهِ ربّاً، وبمحمدٍ نبيّاً، وبالإسلامِ ديناً.
يقولُ إقبالُ الشاعرُ:
إنما الكافرُ حيرانُ له الآفاقُ تِيهْ ... وأرى المؤمن كوناً تاهتِ الآفاقُ فيِه
وأعظمُ منْ ذلك وأصدقُ، قولُ ربِّنا سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
وهناك شرطان:
الإيمانُ باللهِ، ثمَّ العملُ الصالحُ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ .
وهناك فائدتان:
الحياةُ الطيبةُ في الدنيا والآخرةِ، والأجرُ العظيمُ عند اللهِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ .
البلاءُ في صالحِك
لا تجزعْ من المصائبِ، ولا تكترثْ بالكوارثِ، ففي الحديثِ: ((إن الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمنُ رضي فلهُ الرضا، ومنْ سخط فَلَهُ السخطُ)) .
стр. 234
عبوديةُ الإذعانِ والتسليمِ
ومنْ لوازمِ الإيمانِ أنْ ترضى بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ . إنَّ الأقدار ليستْ على رغباتِنا دائماً وإنما بقصورِنا لا نعرفُ الاختيار في القضاءِ والقدرِ، فلسْنا في مقامِ الاقتراحِ، ولكننا في مقامِ العبوديِّةِ والتسليمِ.
يُبتلى العبدُ على قدرِ إيمانه، ((أُوعكُ كما يُوعَكُ رجلان منكمْ)) ، ((أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثمَّ الصالحون)) ، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ، ((مَن يردِ اللهُ بهِ خيراً يصبْ منهُ)) ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
مِن الإمارة إلى النجارة
عليُّ بنُ المأمون العباسي - أميرٌ وابنُ خليفة - كان يسكنُ قصراً فخماً، وعندهُ الدنيا مبذولةٌ ميسَّرةٌ، فأطلَّ ذات يومٍ منْ شرفةِ القصرِ، فرأى عاملاً يكدحُ طِيلةَ النهارِ، فإذا أضحى النهارُ توضَّأ وصلَّى ركعتين على شاطئ دِجلة، فإذا اقترب الغروبُ ذهب إلى أهلِه، فدعاهُ يوماً من الأيامِ فسألهُ فأخبره أن له زوجةً وأختين وأُمّاً يكدحُ عليهنَّ، وأنه لا قوت لهُ ولا دخل إلا ما يتكسبُه من السوقِ، وأنه يصومُ كلَّ يومٍ ويُفطرُ مع الغروبِ على ما
стр. 235
يحصلُ، قال: فهلْ تشكو منْ شيءٍ؟ قال: لا والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. فترك القصر، وترك الإمارة، وهام على وجههِ، ووُجد ميتاً بعد سنواتٍ عديدةٍ وكان يعملُ في الخشب جهة خرسان؛ لأنهُ وجد السعادة في عملِه هذا، ولم يجدْها في القصرِ، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ .
يذكِّرني هذه بقصةِ أصحاب الكهفِ، الذين كانوا في القصور مع الملكِ، فوجدُوا الضيقَ، ووجدوا التشتُّتَ، ووجدوا الاضطرابَ؛ لأنَّ الكفر يسكنُ القصر، فذهبوا، وقال قائلُهم: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً﴾ .
لبيتٌ تخفقُ الأرياحُ فيهِ ... أحبُّ إليَّ مِنْ قصْرٍ منيفِ
سَمُّ الخِياطِ مع الأحبابِ ميدانُ ...
والمعنى: أن المحلَّ الضيَّق مع الحبِّ والإيمانِ، ومع المودَّةِ يتَّسعُ ويتحمَّلُ الكثير، ((جفانُنا لضيوفِ الدار أجفانُ)) .
منْ أسبابِ الكدرِ والنكدِ مجالسةُ الثقلاءِ
قال أحمدُ: الثقلاءُ أهلُ البدعِ. وقيلَ: الحمقى. وقيل الثقيلُ: هو ثخينُ الطبعِ، المخالفُ في المشربِ، الباردُ في تصرفاتِه، ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ ، ﴿لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ .
стр. 236
قال الشافعيَّ عنهمْ: إنَّ الثقيل ليجلسُ إليَّ فأظنُّ أنَّ الأرض تميلُ في الجهةِ التي هو فيها.
وكان الأعمشُ إذا رأى ثقيلاً، قال: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ .
لا بأس بالقومِ مِنْ طُولٍ ومِنْ قِصرٍ ... جِسْمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ
وكان ابنُ تيمية إذا جالس ثقيلاً، قال: مجالسةُ الثقلاءِ حمَّى الربْعِ، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ . ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ . ((مثلُ الجليسِ السيّئِ كنافخ الكيرِ)) . إنَّ مِن اثقلِ الناسِ على القلوبِ العرِيَّ من الفضائلِ الصغير في المُثُلِ، الواقف على شهواتِه، المستسلم لرغباتِه، ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ .
قال الشاعرُ:
أنت يا هذا ثقيلٌ وثقيلٌ وثقيلْ ... أنت في المنظرِ إنسانٌ وفي الميزان فِيلْ
قال ابنُ القيمِ: إذا ابتُليت بثقيلٍ، فسلِّم له جسمك، وهاجرْ بروحِك، وانتقلْ عنهُ وسافرْ، وملِّكْه أذناً صمَّاء، وعيْناً عمياءَ، حتى يفتح اللهُ بينك وبينه. ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ .
стр. 237
إلى أهلِ المصائبِ
في الحديثِ الصحيحِ: ((منْ قبضتُ صفيَّهُ من أهلِ الدُنْيا ثمَّ احْتَسَبَهُ عوضتهُ منه الجنة)) . رواه البخاري.
وكانتْ في حياتِك لي عظاتٌ ... فأنت اليوم أوعظُ منك حيّاً
وفي الحديثِ الصحيح: ((من ابتليتُه بحبيبتيْهِ (أي عينيْهِ) عوضتُه منهما الجنة)) . ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
وفي حديثٍ صحيحٍ: ((إنَّ الله إذا قبض ابن العبدِ المؤمنِ قال للملائكةِ: قبضتُم ابن عبدي المؤمنِ؟ قالُوا: نعمْ. قال: قبضتُهمْ ثمرة فؤادِه؟ قالوا: نعم. قال: ماذا قال عبدي؟ قالوا: حَمَدَكَ واسترجَعَ. قال: ابْنُوا لعبدي بيتاً في الجنةِ، وسمُّوه بَيْتَ الحَمْدِ)) . رواه الترمذي.
وفي الأثرِ: يتمنَّى أناسٌ يوم القيامةِ أنَّهمْ قُرِضوا بالمقارضِ، لمِا يروْن منْ حُسْنِ عُقبى وثوابِ المصابين. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ ، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ ، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ ، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ .
وفي الحديثِ: ((إنَّ عِظَمَ الجزاءِ منْ عِظمِ البلاءِ، وإنَّ الله إذا أحبَّ قوماً ابتلاهمْ، فمنْ رضي فلهُ الرَّضا، ومنْ سخِط فلُه السخطُ)) . رواه الترمذي.
стр. 238
إنَّ في المصائبِ مسائلَ: الصبرَ والقدرَ والأجرَ، وليعلمِ العبدُ انَّ الذي أخذ هو الذي أعطى، وأنَّ الذي سلب هو الذي منح، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
وما المالُ والأهلون إلا ودِيعةٌ ... ولابدَّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ
مشاهد التوحيد
إنَّ منْ مشاهدِ التوحيدِ عند الأذيَّةِ (استقبالِ الأذى من الناسِ) أموراً:
أولُها مشهدُ العَفْوِ: وهو مشهدُ سلامةِ القلبِ، وصفائهِ ونقائِه لمنْ آذاك، وحبُّ الخيرِ وهي درجةٌ زائدةٌ. وإيصالُ الخَيْرِ والنَّفعِ له، وهي درجة أعلى وأعظمُ، فهي تبدأ بكظْمِ الغَيْظِ، وهو: أنْ لا تُؤذي منْ آذاك، ثمَّ العفو، وهو أنْ تسامحهُ، وأنْ تغفرَ له زلَّتهُ. والإحسانِ، وهو: أنْ تبادله مكان الإساءةِ منه إحساناً منك، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ .
وفي الأثرِ: ((إنَّ الله أمرني أنْ أصِلَ منْ قطعني، وأنْ أعفو عمَّنْ ظلمنِي وأنْ أُعطي منْ حَرَمَنِي)) .
ومشهدُ القضاءِ: وهي أنْ تعلم أنه ما آذاك إلا بقضاءٍ من اللهِ وقَدَرٍ، فإنَّ العبد سببٌ من الأسبابِ، وأنَّ المقدر والقاضي هو اللهُ، فتسلِّمَ وتُذْعن لمولاك.
стр. 239
ومشهدُ الكفارةِ: وهي أنَّ هذا الأذى كفارةٌ منْ ذنوبك وحطٌّ منْ سيئاتِك، ومحوٌ لزلاّتِك، ورفعةٌ لدرجاتِك، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ .
من الحكمةِ التي يؤتاها كثيرٌ من المؤمنين، نَزْعُ فتيلِ العداوةِ، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ، ((المسلمُ منْ سلِم المسلمون منْ لسانِه ويدهِ)) .
أيْ: أن تَلْقَى منْ آذاك بِبِشر وبكلمةٍ لينةٍ، وبوجهٍ طليقٍ، لتنزع منهُ أتون العداوةِ، وتطفئ نار الخصومِة ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ .
كٌن ريِّق البِشْرِ إنَّ الحُرَّ شيمتُهُ ... صحيفةٌ وعليها البِشْرُ عنوانُ
ومنْ مشاهدِ التوحيدِ في أذى منْ يؤذيك:
مشهدُ معرفةِ تقصيرِ النفسِ: وهو انَّ هذا لم يُسلَّطِ عليك إلا بذنوبٍ منك أنت، ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾
وهناك مشهدٌ عظيمٌ، وهو مشهدٌ تحمدُ الله عليهِ وتشكرُه، وهو: أنْ جعلك مظلوماً لا ظالماً.
وبعضُ السلفِ كان يقولُ: اللهمَّ اجعلْني مظلوماً لا ظالماً. وهذا كابنْيْ آدم، إذ قال خيرُهما: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 240
وهناك مشهدٌ لطيفٌ آخرُ، وهو: مشهدُ الرحمةِ وهو: إن ترْحَمَ منْ آذاك، فإنهُ يستحقُّ الرحمةَ، فإنَّ إصراره على الأذى، وجرأته على مجاهرةِ اللهِ بأذيةِ مسلمٍ: يستحقُّ أن ترقَّ لهُ، وأنْ ترحَمَهُ، وأنْ تنقذه من هذا، ((انصرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً)) .
ولمَّا آذى مِسْطَحٌ أبا بكرٍ في عِرْضِهِ وفي ابنتِهِ عائشة، حلف أبو بكرٍ لا ينفقُ على مسطحٍ، وكان فقيراً ينفقُ عليه أبو بكرٍ، فأنزل اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قال أبو بكرٍ: بلى أُحِبُّ أن يغفرَ اللهُ لي. فأعاد له النفقة وعفا عنهُ.
وقال عيينهُ بنُ حِصْنٍ لعمر: هيهِ يا عمرُ؟ والله ما تعطينا الجَزْلَ، ولا تحكمُ فينا بالعدْلِ. فهمّ به عمرُ، فقال الحرُّ بنُ قيس: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، قال: فواللهِ ما جاوزها عمرُ، وكان وقَّفاً عند كتابِ اللهِ.
وقال يوسُفُ إخوتِهِ: ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
وأعلنها ﷺ في الملأِ فيمنْ آذاهُ وطرده وحاربه منْ كفارِ قريش، قال: ((اذهبُوا فأنتمُ الطلقاءُ)) قالها يوم الفتحِ، وفيِ الحديثِ: ((ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفسه عندَ الغضبِ)) .
стр. 241
قال ابنُ المباركِ:
إذا صاحبت قوماً أهل وُدٍّ ... فكْن لهمُ كذي الرَّحِمِ الشفيقِ
ولا تأخذْ بزلَّةِ كلِّ قومٍ ... فتبقى في الزمانِ بلا رفيقِ
قال بعضُهم: موجودٌ في الإنجيل: اغفرْ لمنْ أخطأ عليك مرةً سبع مراتٍ ﴿مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
أيْ: منْ أخطأ عليك مرةً فكرِّرْ عليه العَفْوَ سبع مراتٍ، ليسلم لك دينُك وعِرْضُك، ويرتاح قلبُك، فإنَّ القَصَاصَ منْ أعصابِك ومنْ دمِك، ومنْ نومِك ومنْ راحتِك ومنْ عِرضِك، وليس من الآخرين.
قال الهنودُ في مثلٍ لهم: «الذي يقهرُ نفسه: أشجعُ من الذي يفتحُ مدينةً» . ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾ .
وقفةٌ
«أما دعوةُ ذي النونِ، فإنَّ فيها منْ كمالِ التوحيدِ والتنزيهِ للربِّ تعالى، واعترافِ العبدِ بظلمهِ وذنبه، ما هو منْ أبلغ أدويةِ الكربِ والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائلِ إلى اللهِ سبحانه في قضاءِ الحوائجِ فإنَّ التوحيد والتنزيهَ وتضمَّنانِ إثبات كلِّ كمالٍ للهِ، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه.
стр. 242
والاعترافُ بالظلمِ يتضمَّنُ إيمان العبدِ بالشرعِ والثوابِ والعقابِ، ويُوجبُ انكساره ورجوعهُ إلى اللهِ، واستقالته عثرته، والاعتراف بعبوديتهِ وافتقارِه إلى ربِّه فهاهنا أربعة أمورٍ قدْ وقع التوسُّلُ بها: التوحيدُ، والتنزيهُ، والعبوديةُ، والاعترافُ» .
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
اعتنِ بالظاهرِ والباطنِ
صفاءُ النفسِ بصفاءِ الثوبِ، وهنا أمرٌ لطيفٌ وشيءٌ شريف، وهو أنَّ بعض الحكماءِ يقولُ: منِ اتسخ ثوبُه، تكدَّرتْ نفسُه. وهذا أمرٌ ظاهرٌ.
وكثيرٌ من الناسِ يأتيهِ الكَدَرُ بسببِ اتساخ ثوْبِهِ، أو تغيُّرِ هِندامِهِ، أو عدمِ ترتيبِ مكتبتِهِ، أو اختلاطِ الأوراقِ عنده، أو اضطرابِ مواعيدِه وبرنامِجِه اليوميِّ، والكونُ بُني على النظامِ، فمنْ عَرَفَ حقيقة هذا الدِّينِ، علم أنه جاء لتنظيمِ حياةِ العبدِ، قليلِها وكثيرِها، صغيرِها وجليلِها، وكلُّ شيءٍ عنده بحُسْبانٍ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ . وفي حديثٍ عند الترمذيِّ: ((إنَّ الله نظيفٌ يحبُّ النظافة)) .
وعند مسلمٍ في الصحيحِ: ((إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال)) .
وفي حديثٍ حسنٍ: ((تجمَّلُوا حتى تكونوا كأنكمْ شامةٌ في عيونِ الناسِ)) .
стр. 243
يمشون في الحُللِ المضاعفِ نسْجُها ... مشي الجمالِ إلى الجِمالِ البُزَّلِ
وأولُ الجمالِ: الاهتمامُ بالغسلِ. وعند البخاري: ((حقٌّ على المسلمِ أنْ يغتسل في كلِّ سبعةِ أيامٍ يوماً، يغسلُ فيه رأسه وجسمهُ)) .
هذا على أقلِّ تقديرٍ. وكان بعضُ الصالحين يغتسلُ كلَّ يومٍ مرةً كعثمان بنِ عفان فيما ورد عنهُ، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ .
ومنها خصالُ الفطرةِ: كإعفاءِ اللحيِة وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظافرِ، وأخذِ الشعرِ الزائدِ من الجسمِ، والسواكِ، والطِّيبِ، وتخليلِ الأسنانِ، وتنظيفِ الملابسِ، والاعتناءِ بالمظهرِ، فإنَّ هذا مما يوسِّعُ الصدر ويفسحُ الخاطر. ومنها لُبسُ البياضِ، ((البسوا البياض، وكفِّنوا فيه موتاكمْ)) .
رقاقُ النعالِ طيّباً حُجُزاتُهم ... يُحيّون بالرَّيْحانِ يوم السباسِبِ
وقد عقد البخاريُّ باب: لبسِ البياضِ: ((إنَّ الملائكة تنزلُ بثيابٍ بيضٍ عليهمْ عمائمُ بِيضٌ)) .
ومنها ترتيبُ المواعيدِ في دفترٍ صغيرٍ، وتنظيمُ الوقتِ، فوقتٌ للقراءةِ، ووقتٌ للعبادةِ، ووقتٌ للمطالعةِ، ووقتٌ للراحة، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ .
في مكتبةِ الكونجرسِ لوحةٌ مكتوبٌ عليها: الكونُ بُني على النظامِ. وهذا صحيحٌ، ففي الشرائعِ السماويةِ الدعوةُ إلى التنظيمِ والتنسيقِ والترتيبِ، وأخبر أنَّ الكون ليس لهْواً ولا عبثاً، وأنه بقضاءٍ وقدرٍ، وأنه بترتيب وبحُسبانٍ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ . ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا
стр. 244
أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ . ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ . ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ . ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ . ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴿١٦﴾ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .
﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ﴾ :
كان حكماءُ اليونانِ إذا أرادُوا معالجة المصابِ بالأوهامِ والقلق والأمراضِ النفسيةِ: يجبرونهُ على العملِ في الفلاحة والبساتين، فما يمرُّ وقتٌ قصير إلا وقد عادت إليه عافيته وطمأنينته، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ، ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ﴾ .
إنَّ أهل الأعمالِ اليدويِة همْ أكثُر الناسِ راحةً وسعادةً وبسْطة بالٍ، وانظرْ إلى هؤلاءِ العمَّالِ كيف يملكون منْ البالِ وقوةِ الأجسامِ، بسببِ حركتِهمْ ونشاطِهمْ ومزاولاتِهمْ، ((وأعوذُ بك من العجْزِ والكسلِ)) .
التْجِئ إلى الله
اللهُ: هو الاسم الجليلُ العظيمُ، هو أعرفُ المعارفِ، فيه معنىً لطيفٌ، قيل: هو مِنْ أَلهَ، وهو الذي تألهُهُ القلوبُ، وتحبُّه، وتسكنُ إليه، وترضى بهِ وتركنُ إليهِ، ولا يمكنُ للقلبِ أبداً أن يسكن أو يرتاح أو يطمئنَّ لغيرهِ
стр. 245
سبحانه، ولذلك علّم ﷺ فاطمة ابنتهُ دعاء الكرْبِ: ((اللهُ، اللهُ ربي لا أشركُ به شيئاً)) . وهو حديثٌ صحيحٌ، ﴿قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ ، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، ﴿وْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ .
عليهِ توكَّلْتُ
ومنْ أعظمِ ما يُضفي السعادة على العبدِ ركونُهُ إلى ربِّه، وتوكُّلُه عليهِ، واكتفاؤه بولايتهِ ورعايتهِ وحراستهِ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ، ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
أجمعُوا على ثلاثةٍ
طالعتُ الكتب التي تعتني بمسألةِ القلقِ والاضطرابِ، سواءٌ كانتْ لسلفِنا من محدِّثين وأدباء ومربِّين ومؤرِّخين أو لغيرِهمْ مع النشراتِ والكتبِ الشرقيةِ والغربيةِ والمترجمةِ، والدورياتِ والمجلاَّتِ، فوجدتُ الجميع مجمعين على ثلاثةِ أسسِ لمنْ أراد الشفاء والعافية وانشراح الصدرِ، وهي:
стр. 246
الأولُ: الاتصالُ باللهِ ، وعبوديتُه، وطاعتُه واللجوءُ إليه، وهي مسألةُ الإيمانِ الكبرى، ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ .
الثاني: إغلاقُ ملفِّ الماضي، بمآسيهِ ودموعِه، وأحزانِه ومصائِبِه، وآلامِه وهمومِه، والبدءِ بحياةٍ جديدةٍ مع يومٍ جديدٍ.
الثالثُ: ترْكُ المستقبلِ الغائبِ، وعدمُ الاشتغالِ بهِ والانهماكُ فيهِ، وتركُ التوقعاتِ والانتظاراتِ والتوجُّساتِ، وإنِّما العيشُ في حدودِ اليومِ فَحَسْبُ.
قال عليٌّ: إيَّاكمْ وطول الأملِ، فإنَّه يُنْسِي، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ .
إيَّاك وتصديق الأراجيفِ والشائعاتِ، فإنَّ الله قال عنْ أعدائِه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
وعرفتُ أناساً منْ سنواتٍ عديدةٍ، وهمْ ينتظرون أموراً ومصائب وحوادث وكوارث لمْ تقعْ، ولا يزالون يُخوِّفون أنفسهم وغيرهم منها، فسبحان الله ما أنكدُ عَيْشَهمْ!! ومَثَلُ هؤلاءِ كالسجينِ المعذَّبِ عند الصينيين، فإنهمْ يجعلونه تحت أنبوبٍ يقطُرُ على رأسِهِ قطرةً من الماءِ في الدقيقةِ الواحدةِ، فيبقى هذا السجينُ ينتظرُ كلَّ قطرةٍ ثمَّ يصيبُه الجنونُ، ويفقدُ عقله. وقدْ وصف اللهُ أهل النارِ فقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ ، ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾ ، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ .
стр. 247
أحِلْ ظالمك على الله
إلى الدَّيانِ يوم الحشْرِ نمضي ... وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ
ويكفي العبد إنصافاً وعدْلاً أنهُ ينتظرُ يوماً يجمعُ اللهُ فيهِ الأولين والآخرين، لا ظلم في ذلك اليومِ، والحكمُ هو اللهُ ، والشهودُ الملائكةُ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ .
كسرى وعجوزٍ
ذكر بُزر جمهرُ حكيمُ فارس: أنَّ عجوزاً فارسيةً كان عندها دجاجٌ في كوخٍ مجاورٍ لقصرِ كسرى الحاكمِ، فسافرتْ إلى قريةٍ أخرى، فقالتْ: يا ربِّ أستودعُك الدجاج. فلمَّا غابتْ، عدا كسرى على كوخِها ليوسع قصْره وبستانهُ، فذبح جنودُه الدجاج، وهدمُوا الكوخ، فعادتِ العجوزُ فالتفتتْ إلى السماءِ وقالتْ: يا ربّ، غبتُ أنا فأين أنت! فأنصفها اللهُ وانتقم لها، فعدا ابنُ كسرى على أبيه بالسكينِ فَقَتَلهُ على فراشِهِ. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ، ليتنا جميعاً نكونُ كخيْرَي ابني آدم القائلِ: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ﴾ . ((كنْ عبد اللهِ المقتول، ولا تكنْ عبد الله القاتل)) ، إنَّ عند المسلمِ مبدأ ورسالةً وقضيةً أعظمُ من الانتقامِ والتشفي والحِقْدِ والكراهيةِ.
стр. 248
مُرَكَّبُ النقْصِ قد يكونُ مُرَكَّبَ كمالٍ
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . بعضُ العباقرةِ شقُّوا طريقهم بصمودٍ لإحساسِهم بنقصٍ عارضٍ، فكثيرٌ من العلماءِ كانوا موالي، كعطاءٍ، وسعيدِ بن جُبيْرٍ، وقَتَادَةَ، والبخاريِّ، والترمذيِّ، وأبي حنيفة.
وكثيرٌ منْ أذكياءِ العالمِ وبحورِ الشريعةِ أصابهُم العمى، كابن عباسٍ، وقتادة، وابنِ أمِّ مكتوم، والأعمشِ، ويزيدِ بنِ هارون.
ومن العلماء المتأخرين: الشيخُ محمدُ بنُ إبراهيم آل الشيخ، والشيخُ عبدُاللهِ بنُ حميد، والشيخُ عبدُالعزيزِ بنُ بازٍ. وقرأتُ عن أذكياء ومخترعين وعباقرةٍ عَرَبٍ كان بهمْ عاهاتٌ، فهذا أعمى، وذاك أصمُّ وآخرُ أعوجُ، وثانٍ مُقْعدٌ، ومع ذلك أثَّروا في التاريخ، وأثَّروا في حياةِ البشريةِ بالعلومِ والاختراعاتِ والكشوفِ. ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ .
ليستِ الشهادةُ العلميةُ الراقيةُ كلَّ شيءٍ، لا تهتمَّ ولا تغتمَّ ولا تضِقْ ذرْعاً لأنك لم تنلِ الشهادة الجامعية، أو الماجستير، أو الدكتوراه، فإنها ليستْ كلُّ شيء، بإمكانِك أنْ تؤثِّرَ وأنْ تلمع وأنْ تقدّم للأمةِ خيراً كثيراً، ولوْ لمْ تكنْ صاحب شهادةٍ علميةٍ. كمْ منْ رجلٍ شهيرٍ خطيرٍ نافعٍ لا يحملُ شهادةً، إنما شقَّ طريقه بعصاميَّتِهِ وطموحِه وهمَّتِه وصمودِه. نظرتُ في عصرِنا الحاضرِ فرأيتُ كثيراً من المؤثِّرين في العالمِ الشرعي والدعوةِ والوعي والتربيةِ والفكرِ والأدبِ، لم يكنْ عندهمْ شهاداتٌ عالميةٌ، مثلُ الشيخ ابن بازِ، ومالكِ بنِ نبيٍّ، والعقادِ، والطنطاوي، وأبي زهرة، والمودوديِّ والندويِّ، وجمعٍ كثيرٍ.
стр. 249
ودونك علماء السلفِ، والعباقرة الذين مرُّوا في القرونِ المفضَّلةِ.
نفسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصاما ... وعلَّمتْهُ الكرَّ والإقداما
وعلى الضدِّ منْ ذلك آلافُ الدكاترةِ في العالمِ طولاً وعرضاً، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ . القناعةُ كَنْزٌ عظيمٌ، وفي الحديثِ الصحيحِ: ((ارض بما قسم اللهُ لك تَكُنْ أغنى الناسِ)) .
ارضْ بأهلِك، بدخْلِك، بمرْكبِك، بأبنائِك، بوظيفتِك، تجدِ السعادة والطمأنينة.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((الغِنى غِنى النفسِ)) .
وليس بكثرةِ العرضِ ولا بالأموالِ وبالمنصبِ، لكنَّ راحة النفسِ، ورضاها بما قَسَمَ الله.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((إنَّ الله يحبُّ العبد الغنيَّ التقيَّ الخفيَّ)) . وحديثِ: ((اللهمَّ اجعلْ غناه في قلبِهِ)) .
قال أحدُهم: ركبتُ مع صاحبِ سيارةٍ من المطارِ، متوجّهاً إلى مدينةٍ من المدنِ، فرأيتُ هذا السائق مسروراً جذِلاً، حامداً للهِ وشاكراً، وذاكراً لمولاهُ، فسألُه عن أهلِه فأخبرني أنَّ عنده أسرتين، وأكثر منْ عشرةِ أبناءٍ، ودخلُهُ في الشهرِ ثمانمائةِ ريالٍ فَحَسْبُ، وعنده غُرفٌ قديمةٌ يسكنُها هو وأهلُه، وهو مرتاح البالِ، لأنهُ راضٍ بما قَسَمَ اللهُ لهُ.
стр. 250
قال: فعجبتُ حينما قارنتُ بين هذا وبين أناسٍ يملكونُ ملياراتٍ من الأموالِ والقصورِ والدورِ، وهمْ يعيشون ضنْكاً من المعيشةِ، فعرفتُ أن السعادة ليستْ في المالِ.
عرفتُ خَبَرَ تاجرٍ كبيرٍ، وثريٍّ شهيرٍ عندهُ آلافُ الملايين وعشراتُ القصورِ والدورِ، وكانَ ضيِّق الخُلُقِ، شرس التعاملِ ثائر الطبع، كاسف البالِ، مات في غربةٍ عنْ أهلِه، لأنهُ لم يَرْضَ بما أعطاهُ اللهُ إياه، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ .
منْ معالمِ راحةِ البالِ عند العربيِّ القديمِ أنْ يَخْلُو بنفسِه في الصحراءِ، وينفرد عنِ الأحياءِ، يقولُ أحدُهم:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذْ عوى ... وصوَّت إنسانٌ فكِدْتُ أطِيرُ
وقد خرج أبوٍّ ذر إلى الربذةِ. وقال سفيانُ الثوريَّ: ودِدْتُ أني في شِعْبٍ من الشِّعابِ لا يعرفُني أحدٌ! وفي الحديثِ: ((يُوشِكُ أنْ يكون خَيْرَ مالِ المسلمِ: غَنَمٌ يتبعُ بها مواقع القطرِ وشعف الجبالِ، ويفرُّ بدينِه من الفِتنِ)) .
فإذا حصلتِ الفتنُ كان الأسلمُ للعبدِ الفرار منها، كما فعل ابنُ عُمرَ وأسامةُ بنُ زيدٍ ومحمدُ بنُ مسلمة لما قُتِل عثمانُ.
عَرفْتُ أناساً ما أصابهمُ الفقْرُ والكدرُ وضيِقُ الصَّدْرِ إلا بسببِ بُعْدِهم عنِ اللهِ ، فتجدُ أحدهم كان غنيّاً ورزقُهُ واسعاً، وهو في عافيةٍ منْ ربِّه، وفي خيرٍ منْ مولاه، فأعرض عنْ طاعِة اللهِ، وتهاون بالصلاةِ، واقترف كبائر الذنوبِ، فسلبَه ربُّه عافية بدنِه، وَسَعَةَ رِزْقِهِ، وابتلاهُ بالفقْرِ والهمِّ
следующие страницы →