Полный текст (532 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الأولُ: الاتصالُ باللهِ ، وعبوديتُه، وطاعتُه واللجوءُ إليه، وهي مسألةُ الإيمانِ الكبرى، ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ .
الثاني: إغلاقُ ملفِّ الماضي، بمآسيهِ ودموعِه، وأحزانِه ومصائِبِه، وآلامِه وهمومِه، والبدءِ بحياةٍ جديدةٍ مع يومٍ جديدٍ.
الثالثُ: ترْكُ المستقبلِ الغائبِ، وعدمُ الاشتغالِ بهِ والانهماكُ فيهِ، وتركُ التوقعاتِ والانتظاراتِ والتوجُّساتِ، وإنِّما العيشُ في حدودِ اليومِ فَحَسْبُ.
قال عليٌّ: إيَّاكمْ وطول الأملِ، فإنَّه يُنْسِي، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ .
إيَّاك وتصديق الأراجيفِ والشائعاتِ، فإنَّ الله قال عنْ أعدائِه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
وعرفتُ أناساً منْ سنواتٍ عديدةٍ، وهمْ ينتظرون أموراً ومصائب وحوادث وكوارث لمْ تقعْ، ولا يزالون يُخوِّفون أنفسهم وغيرهم منها، فسبحان الله ما أنكدُ عَيْشَهمْ!! ومَثَلُ هؤلاءِ كالسجينِ المعذَّبِ عند الصينيين، فإنهمْ يجعلونه تحت أنبوبٍ يقطُرُ على رأسِهِ قطرةً من الماءِ في الدقيقةِ الواحدةِ، فيبقى هذا السجينُ ينتظرُ كلَّ قطرةٍ ثمَّ يصيبُه الجنونُ، ويفقدُ عقله. وقدْ وصف اللهُ أهل النارِ فقال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ ، ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾ ، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ .
стр. 247
أحِلْ ظالمك على الله
إلى الدَّيانِ يوم الحشْرِ نمضي ... وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ
ويكفي العبد إنصافاً وعدْلاً أنهُ ينتظرُ يوماً يجمعُ اللهُ فيهِ الأولين والآخرين، لا ظلم في ذلك اليومِ، والحكمُ هو اللهُ ، والشهودُ الملائكةُ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ .
كسرى وعجوزٍ
ذكر بُزر جمهرُ حكيمُ فارس: أنَّ عجوزاً فارسيةً كان عندها دجاجٌ في كوخٍ مجاورٍ لقصرِ كسرى الحاكمِ، فسافرتْ إلى قريةٍ أخرى، فقالتْ: يا ربِّ أستودعُك الدجاج. فلمَّا غابتْ، عدا كسرى على كوخِها ليوسع قصْره وبستانهُ، فذبح جنودُه الدجاج، وهدمُوا الكوخ، فعادتِ العجوزُ فالتفتتْ إلى السماءِ وقالتْ: يا ربّ، غبتُ أنا فأين أنت! فأنصفها اللهُ وانتقم لها، فعدا ابنُ كسرى على أبيه بالسكينِ فَقَتَلهُ على فراشِهِ. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ، ليتنا جميعاً نكونُ كخيْرَي ابني آدم القائلِ: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ﴾ . ((كنْ عبد اللهِ المقتول، ولا تكنْ عبد الله القاتل)) ، إنَّ عند المسلمِ مبدأ ورسالةً وقضيةً أعظمُ من الانتقامِ والتشفي والحِقْدِ والكراهيةِ.
стр. 248
مُرَكَّبُ النقْصِ قد يكونُ مُرَكَّبَ كمالٍ
﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . بعضُ العباقرةِ شقُّوا طريقهم بصمودٍ لإحساسِهم بنقصٍ عارضٍ، فكثيرٌ من العلماءِ كانوا موالي، كعطاءٍ، وسعيدِ بن جُبيْرٍ، وقَتَادَةَ، والبخاريِّ، والترمذيِّ، وأبي حنيفة.
وكثيرٌ منْ أذكياءِ العالمِ وبحورِ الشريعةِ أصابهُم العمى، كابن عباسٍ، وقتادة، وابنِ أمِّ مكتوم، والأعمشِ، ويزيدِ بنِ هارون.
ومن العلماء المتأخرين: الشيخُ محمدُ بنُ إبراهيم آل الشيخ، والشيخُ عبدُاللهِ بنُ حميد، والشيخُ عبدُالعزيزِ بنُ بازٍ. وقرأتُ عن أذكياء ومخترعين وعباقرةٍ عَرَبٍ كان بهمْ عاهاتٌ، فهذا أعمى، وذاك أصمُّ وآخرُ أعوجُ، وثانٍ مُقْعدٌ، ومع ذلك أثَّروا في التاريخ، وأثَّروا في حياةِ البشريةِ بالعلومِ والاختراعاتِ والكشوفِ. ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ .
ليستِ الشهادةُ العلميةُ الراقيةُ كلَّ شيءٍ، لا تهتمَّ ولا تغتمَّ ولا تضِقْ ذرْعاً لأنك لم تنلِ الشهادة الجامعية، أو الماجستير، أو الدكتوراه، فإنها ليستْ كلُّ شيء، بإمكانِك أنْ تؤثِّرَ وأنْ تلمع وأنْ تقدّم للأمةِ خيراً كثيراً، ولوْ لمْ تكنْ صاحب شهادةٍ علميةٍ. كمْ منْ رجلٍ شهيرٍ خطيرٍ نافعٍ لا يحملُ شهادةً، إنما شقَّ طريقه بعصاميَّتِهِ وطموحِه وهمَّتِه وصمودِه. نظرتُ في عصرِنا الحاضرِ فرأيتُ كثيراً من المؤثِّرين في العالمِ الشرعي والدعوةِ والوعي والتربيةِ والفكرِ والأدبِ، لم يكنْ عندهمْ شهاداتٌ عالميةٌ، مثلُ الشيخ ابن بازِ، ومالكِ بنِ نبيٍّ، والعقادِ، والطنطاوي، وأبي زهرة، والمودوديِّ والندويِّ، وجمعٍ كثيرٍ.
стр. 249
ودونك علماء السلفِ، والعباقرة الذين مرُّوا في القرونِ المفضَّلةِ.
نفسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصاما ... وعلَّمتْهُ الكرَّ والإقداما
وعلى الضدِّ منْ ذلك آلافُ الدكاترةِ في العالمِ طولاً وعرضاً، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ . القناعةُ كَنْزٌ عظيمٌ، وفي الحديثِ الصحيحِ: ((ارض بما قسم اللهُ لك تَكُنْ أغنى الناسِ)) .
ارضْ بأهلِك، بدخْلِك، بمرْكبِك، بأبنائِك، بوظيفتِك، تجدِ السعادة والطمأنينة.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((الغِنى غِنى النفسِ)) .
وليس بكثرةِ العرضِ ولا بالأموالِ وبالمنصبِ، لكنَّ راحة النفسِ، ورضاها بما قَسَمَ الله.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((إنَّ الله يحبُّ العبد الغنيَّ التقيَّ الخفيَّ)) . وحديثِ: ((اللهمَّ اجعلْ غناه في قلبِهِ)) .
قال أحدُهم: ركبتُ مع صاحبِ سيارةٍ من المطارِ، متوجّهاً إلى مدينةٍ من المدنِ، فرأيتُ هذا السائق مسروراً جذِلاً، حامداً للهِ وشاكراً، وذاكراً لمولاهُ، فسألُه عن أهلِه فأخبرني أنَّ عنده أسرتين، وأكثر منْ عشرةِ أبناءٍ، ودخلُهُ في الشهرِ ثمانمائةِ ريالٍ فَحَسْبُ، وعنده غُرفٌ قديمةٌ يسكنُها هو وأهلُه، وهو مرتاح البالِ، لأنهُ راضٍ بما قَسَمَ اللهُ لهُ.
стр. 250
قال: فعجبتُ حينما قارنتُ بين هذا وبين أناسٍ يملكونُ ملياراتٍ من الأموالِ والقصورِ والدورِ، وهمْ يعيشون ضنْكاً من المعيشةِ، فعرفتُ أن السعادة ليستْ في المالِ.
عرفتُ خَبَرَ تاجرٍ كبيرٍ، وثريٍّ شهيرٍ عندهُ آلافُ الملايين وعشراتُ القصورِ والدورِ، وكانَ ضيِّق الخُلُقِ، شرس التعاملِ ثائر الطبع، كاسف البالِ، مات في غربةٍ عنْ أهلِه، لأنهُ لم يَرْضَ بما أعطاهُ اللهُ إياه، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ .
منْ معالمِ راحةِ البالِ عند العربيِّ القديمِ أنْ يَخْلُو بنفسِه في الصحراءِ، وينفرد عنِ الأحياءِ، يقولُ أحدُهم:
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذْ عوى ... وصوَّت إنسانٌ فكِدْتُ أطِيرُ
وقد خرج أبوٍّ ذر إلى الربذةِ. وقال سفيانُ الثوريَّ: ودِدْتُ أني في شِعْبٍ من الشِّعابِ لا يعرفُني أحدٌ! وفي الحديثِ: ((يُوشِكُ أنْ يكون خَيْرَ مالِ المسلمِ: غَنَمٌ يتبعُ بها مواقع القطرِ وشعف الجبالِ، ويفرُّ بدينِه من الفِتنِ)) .
فإذا حصلتِ الفتنُ كان الأسلمُ للعبدِ الفرار منها، كما فعل ابنُ عُمرَ وأسامةُ بنُ زيدٍ ومحمدُ بنُ مسلمة لما قُتِل عثمانُ.
عَرفْتُ أناساً ما أصابهمُ الفقْرُ والكدرُ وضيِقُ الصَّدْرِ إلا بسببِ بُعْدِهم عنِ اللهِ ، فتجدُ أحدهم كان غنيّاً ورزقُهُ واسعاً، وهو في عافيةٍ منْ ربِّه، وفي خيرٍ منْ مولاه، فأعرض عنْ طاعِة اللهِ، وتهاون بالصلاةِ، واقترف كبائر الذنوبِ، فسلبَه ربُّه عافية بدنِه، وَسَعَةَ رِزْقِهِ، وابتلاهُ بالفقْرِ والهمِّ
стр. 251
والغمِّ، فأصبح منْ نكدٍ إلى نَكَدٍ، ومنْ بلاءٍ إلى بلاءٍ، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ ، ﴿وَأَن أَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً﴾ .
ودِدتُ أنَّ عندي وصفةً سحريَّة ألقيها على همومك وغمومِك وأحزانِك، فإذا هي تلْقفُ ما يأفِكون، لكنْ مِنْ أين لي؟! ولكنْ سوف أخبرُك بوصفةٍ طبيَّةٍ منْ عيادةِ علماءِ الملَّةِ وروَّاد الشَّريعةِ، وهي: اعبدِ الخالق، وارض بالرزقِ، وسلّمْ بالقضاءِ، وازهدْ في الدُّنيا، وقصَّرِ الأمل. انتهى.
عجبتُ العالِم نفسانٍّي شهيرٍ أمريكيٍّ، اسمُهُ (وليم جايمس) ، هو أبو علِم النفسِ عندهم، يقولُ: إننا نحنُ البشرُ نفكِّرُ فيما لا نملكُ، ولا نشكرُ الله على ما نملكُ، وننظرُ إلى الجانبِ المأسويِّ المظلمِ في حياتِنا، ولا ننظرُ إلى الجانب المشْرقِ فيها، ونتحسَّرُ على ما ينقصُنا، ولا نسعدُ بما عندنا، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ، ((وأعوذُ باللهِ منْ نفسٍ لا تَشْبَعُ)) .
وفي الحديثِ: ((منْ أصبح والآخرةُ همُّه، جمع اللهُ شمله، وجَعَلَ غناه في قلبِه، وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ، ومنْ أصبح والدنيا همُّه، فرَّق اللهُ عليهِ شمله، وجعلَ فَقْرَهُ بين عيْنَيْه، ولم يأتِه من الدنيا إلاَّ ما كٌتِب له)) . ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
стр. 252
وأخيراً اعترفُوا
(سخروف) عالمٌ روسيٌ، نُفِي إلى جزيرةِ سيبيريا، لأفكارِه المخالفةٍ للإلحادِ، والكفرِ باللهِ، فكان يُنادي أنَّ هناك قوةً فاعلةً مؤثرةً في العالمِ خلاف ما يقولُه الشيوعيُّون: لا إله، والحياةُ مادةٌ. ومعنى هذا: أنَّ النفوس مفطورةٌ على التوحيدِ. ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ .
إنَّ الملحد لا مكان له هنا وهناك؛ لأنه منكوسُ الفِطْرةِ، خاوي الضميرِ مبتورُ الإرادةِ، مخالفٌ لمنهجِ اللهِ في الأرضِ.
قابلتُ أستاذاً مسلماً في معهدِ الفكرِ الإسلاميِّ بواشنطن قبل سقوطِ الشيوعيةِ - أو الاتحادِ السوفيتيِّ - بسنتين، فذكر لي هذه الآية: ﴿َنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: سوف تتمُّ هذه الآيةُ فيهمْ: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ ، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ، ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ ، ﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ .
стр. 253
لحظاتٌ مع الحمقى
للزيِّاتِ في مجلةِ (الرسالة) كلامٌ عجيبٌ، ومقالةٌ رائعةٌ في وصفِ الشيوعيةِ، حينما أرسلوا سفينة الفضاءِ إلى القمرِ وعادتْ، فكتبَ أَحَدُ روّادِها مقالاً في صحيفةِ (البرافدا) الروسيةِ، يقولُ فيها: صعِدْنا إلى السماءِ فلمْ نجدْ هناك إلهاً ولا جنةً ولا ناراً ولا ملائكةً.
فكتب الزيَّاتْ مقالةً فيها: «عجباً لكم أيُّها الحُمُرُ الحمْقى!! أتظنون أنكمْ سوف تَرَوْنَ ربَّكُم على عرشِهِ بارزاً، وسوف ترون الحُور العِين في الجناتِ يمشين في الحريرِ، وسوف تسمعون رقرقة الكوْثرِ، وسوف تشمُّون رائحة المعذَّبين في النارِ، إنكمْ إنْ ظننتم ذلك خسرتُم خسرانكم الذي تعيشونه، ولكنْ لا أفسرُ ذلك التيه والضلال والانحراف والحُمْق إلا بالشيوعيةِ والإلحادِ الذي في رؤوسِكمْ. إنَّ الشيوعية يومٌ بلا غدٍ، وأرضٌ بلا سماءٍ، وعملٌ بلا خاتمةٍ، وسعيٌ بلا نتيجةٍ..» إلى آخرِ ما قال، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ، ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ ، ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ، ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ .
ومن كلامِ العقادِ في كتابِ (مذاهبُ ذوي العاهاتِ) ، وهو ينهدُ غاضباً على هذهِ الشيوعيةِ، وعلى هذا الإلحادِ السخيفِ الذي وقع في العالمِ، كلامٌ ما معناه: إنَّ الفطرة السويَّة تقبلُ هذا الدين الحقَّ، دين الإسلامِ، أما
стр. 254
المعاقون عقلياً والمختلفون وأهلُ الأفكارِ العفِنةِ القاصرةِ، فإنها يمكنُ أنْ ترتكب الإلحاد. ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ .
إنَّ الإلحاد ضربةٌ قاصمةٌ للفكرِ، وهو أشبهُ بما يُحدِّثُه الأطفالُ في عالمِهم، وهو خطيئةٌ ما عَرَفَ الدهرُ أكبر منها خطيئةً. ولذلك قال اللهُ : ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ....﴾ !!
يعني: أنَّ الأمر لا شكَّ فيه، وهو ظاهرٌ. بلْ ذكر ابنُ تيمية: أن الصانع - يعني: الله لم ينكرْه أحدٌ في الظاهِرِ إلا فرعونُ، مع العلمٍ أنهُ معترفٌ به في باطنِه، وفي داخلهِ، ولذلك يقولُ موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً﴾ ، ولكنَّ فرعون في آخر المطافِ صرخ بما في قلبِه: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
الإيمانُ طريقُ النجاةِ
في كتابِ (اللهُ يتجلَّى في عصرِ العلمِ) ، وكتاب (الطبُّ مِحْرابُ الإيمانِ) حقيقةٌ وهي: وجدتُ أنَّ أكثر مُعين للعبدِ في التخلُّص منْ همومِه وغمومِه، هو الإيمانُ باللهِ ، وتفويضُ الأمرِ إليه، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
منْ يعلمْ أنَّ هذا بقضاءٍ وقدرٍ، يهدِ قلبه للرضا والتسليمِ أو نحو ذلك، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .
وأعلمُ أني لم تُصِبْني مصيبةٌ ... مِن الله إلا قدْ أصابتْ فتىً قبلي
стр. 255
إن كُتَّاب الغربِ اللامعِين، مثل (كرسي مريسون) ، و (ألكس كاريل) ، و (دايل كارنيجي) ، يعترفون أنَّ المنقذ للغربِ الماديِّ المتدهورِ في حياتهم إنما هو الإيمانُ باللهِ ، وذكروا أنَّ السبب الكبير والسرَّ الأعظم في حوادثِ الانتحاراتِ التي أصبحتْ ظاهرةً في الغربِ، إنّما هو الإلحادُ والإعراضُ عنِ الله ربِّ العالمين، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ .
ذكرتْ جريدةُ (الشرق الأوسط) في عددها بتاريخ ٢١/ ٤/ ١٤١٥ هـ، نقلاً عنْ مذكراتِ عقيلةِ الرئيسِ الأمريكيِّ السابقِ (جورج بوش) : أنَّها حاولتِ الانتحار أكثر منْ مرةٍ، وقادتِ السيارة إلى الهاويةِ تطلبُ الموت مظانَّهُ، وحاولتْ أنْ تختنق.
لقدْ حضر قزمانُ معركة أُحدٍ يقاتلُ فيها مع المسلمين فقاتلُ قتالاً شديداً. قال الناسُ: هنيئاً له الجنةُ. فقال ﷺ : ((إنهُ منْ أهلِ النارِ)) !! فاشتدتْ به جراحُه فلم يصبرْ، فَقَتَلَ نفسه بالسيفِ فمات، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .
وهذا معنى قولِهِ : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ .
إنَّ المسلم لا يقدمُ على مثلِ هذهِ الأمورِ، مهما بلغتْ الحالُ. إنَّ ركعتين بوضوءٍ وخشوعٍ وخضوعٍ كفيلتان أنْ تُنهيا كلَّ هذا الغمِّ والكدرِ والهمِّ والإحباطِ، ﴿وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ .
стр. 256
إنَّ القرآن يتساءلُ عنْ هذا العالمِ، وعنِ انحرافِه وضلالِه فيقولُ: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ؟! ما هو الذي يردُّهمْ عنِ الإيمانِ، وقدْ وضُحتِ المحجةُ، وقامتِ الحجةُ، وبان الدليلُ، وظهر الحقُّ، وسطع البرهانُ. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ، يتبينُ لهمْ أنَّ محمداً ﷺ صادقٌ، وأنَّ الله إلهٌ يستحقُّ العبادة، وأنَّ الإسلام دينٌ كاملٌ يستحقُّ أنْ يعتنقه العالمُ، ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .
حتى الكُفَّارُ درجاتٌ
في مذكراتِ الرئيسِ (جورج بوش) بعنوان (سيرةٌ إلى الأمامِ) : ذكر أنَّه حضر جنازة برجنيف) ، رئيسِ الاتحادِ السوفيتيِّ في موسكو، قال فوجدتُها جنازةً مظلمةً قاتمةً، ليس فيها إيمانٌ ولا روحٌ. لأنّ (بوش) نصرانيٌّ وأولئك ملاحدةٌ ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾ . فانظرْ كيف أدرك هذا مع ضلالِهِ انحراف أولئك، لأنَّ الأمر أصبح نسبيّاً فكيف لو عَرَف بوش الإسلام، دين اللهِ الحقِّ؟! ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
стр. 257
وذكَّرني هذا بمقالةٍ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وهو يتحدَّثُ عن أحدِ البطائحيةِ (الفرقِ الضالًّةِ الصوفيةِ المنحرفةِ) . يقولُ هذا البطائحيُّ لابنِ تيمية: ما لكمْ يا ابن تيمية إذا جئْنا إليكمْ - يعني أهل السنةِ - بارتْ كرامتُنا وبطلتْ، وإذا ذهبْنا إلى التتِر المغولِ الكفارِ ظهرتْ كرامتُنا؟ قال ابنُ تيمية: أتدري ما مثلُنا ومثلُكُم ومثَلُ التتارِ؟ أما نحنُ فخيولٌ بيضٌ، وأنتم بُلْقٌ، والتترُ سُودٌ، فالأبلقُ إذا دخل بين السودِ أصبح أبيض، وإذا خالط البض أصبح أسود، فأنتمْ عندكمْ بقيةٌ منْ نورٍ، إذا دخلتمْ مع أهلِ الكفرِ ظَهَرَ هذا النورُ وإذا أتيتُم إلينا ونحنُ أهل النورِ الأعظمِ والسنة، ظهر ظلامُكم وسوادُكم، فهذا مثلكُم ومثلُنا ومثلُ التتارِ. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
إرادةٌ فولاذيةٌ
ذهب طالبٌ منْ بلادِ الإسلامِ يدرسُ في الغربِ، وفي لندن بالذاتِ، فسكن مع أسرةٍ بريطانيةٍ كافرةٍ، ليتعلَّم اللغة، فكان متديِّناً وكان يستيقظُ مع الفجرِ الباكرِ، فيذهبُ إلى صنبورِ الماءِ ويتوضأُ، وكان ماءً بارداً، ثمَّ يذهبُ إلى مصلاَّهُ فيسجدُ لربِّه ويركعُ ويسبحُ ويَحْمَدُ، وكانتْ عجوزٌ في البيتِ تلاحظهُ دائماً، فسألتْه بعد أيامٍ: ماذا تفعلُ؟ قال: أمرني ديني أنْ أفعل هذا. قالتْ: فلو أخَّرْت الوقت الباكر حتى ترتاح في نومِك ثمَّ تستيقظ. قال: لكنَّ ربي لا يقبلُ منِّي إذا أخّرتُ الصلاة عن وقتِها. فهزَّتْ رأسها، وقالتْ: إرادةٌ تكسرُ الحديد!! ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ .
стр. 258
إنِّها إرادةُ الإيمانِ، وقوةُ اليقينِ، وسلطانُ التوحيدِ. هذهِ الإرادةُ هي التي أوحتْ إلى سحرةِ فرعون وقدْ آمنوا باللهِ ربِّ العالمين في لحظةِ الصراعِ العالميِّ بين موسى وفرعون، قالوا لفرعون: ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ . وهو التحدّي الذي ما سُمع بمثلِهِ، وأصبح عليهمْ أنْ يؤدُّوا هذه الرسالة في هذه اللحظةِ، وأنْ يبلِّغوا الكلمة الصادقة القوية إلى هذا الملحدِ الجبارِ.
لقدْ دخل حبيبُ بنُ زيدٍ إلى مسيلمة يدعوه إلى التوحيدِ، فأخذ مسيلمةُ يقطعُهُ بالسيفِ قطعةً قطعةً، فما أنَّ ولا صاح ولا اهتزَّ حتى لقي ربَّ شهيداً، ﴿وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ .
ورُفع خُبيبُ بنُ عديٍّ على مشنقةِ الموتِ، فأنشد:
ولستُ أبالي حين أُقتلُ مسلماً ... على أيِّ جنبٍ كان في اللهِ مصرعي
فطرة اللهِ
إذا اشتدَّ الظلامُ وزمجر الرَّعْدُ وقصفتِ الريحُ، استيقظتِ الفطرةُ. ﴿جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . غَيْرَ أنَّ المسلم يدعو ربَّه في الشدَّةِ والرخاءِ، والسراءِ والضراءِ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ ﴿١٤٣﴾ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ . إنَّ الكثير يسألُ الله وقت حاجتِه وهو متضرِّعٌ إلى ربِّه، فإذا تحقَّق مطلبُه أعرض ونأى بجانبِه، واللهُ لا يُلعبُ عليه كما يُلعبُ
стр. 259
على الولدانِ، ولا يُخادعُ كما يُخادعُ الطفلُ، ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ . إنَّ الذين يلتجئون إلى اللهِ في وقتِ الصَّنائعِ ما همْ إلا تلاميذٌ لذاك الضالِّ المنحرفِ فرعون، الذي قيل لهُ بعد فواتِ الأوانِ: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
سمعتُ هيئة الإذاعةِ البريطانيةِ تُخبرُ حين احتلَّ العراقُ الكويت: أن تاتشر رئيسة الوزراءِ البريطانية السابقة كانت في ولايةِ كلورادو الأمريكيةِ، فلما سمعتِ الخبر هُرِعتْ إلى الكنيسةِ وسجدتْ!
ولا أفسرُ هذه الظاهرة إلا باستيقاظِ الفطرةِ عند مِثْلِ هؤلاءِ إلى فاطرِها ، مع كفرِهم وضلالِهم، لأنَّ النفوس مفطورةٌ على الإيمانِ بهِ تعالى: ((كلُّ مولودِ يُولدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يهوِّدانِهِ أو ينصِّرانِه أو يمجِّسانِهِ)) .
لا تحزنْ على تأخُّر الرِّزقِ، فإنِّه بأجلٍ مسمّىً
الذي يستعجلُ نصيبه من الرِّزقِ، ويبادرُ الزمن، ويقلقُ منْ تأخُّرِ رغباتِه، كالذي يسابقُ الإمام في الصلاةِ، ويعلُم أنَّه لا يسلِّمُ إلا بعْد الإمام! فالأمورُ والأرزاقُ مقدَّرةٌ، فُرِغ منها قبل خلْقِ الخليقةِ، بخمسين ألف سنةٍ، ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ، ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ .
يقولُ عمرُ: «اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من جلدِ الفاجرِ، وعجزِ الثقةِ» . وهذهِ كلمةٌ عظيمةٌ صادقةٌ. فلقدْ طُفْتُ بفكري في التاريخِ، فوجدتُ كثيراً منْ
стр. 260
أعداءِ اللهِ ، عندهمْ منْ الدَّأبِ والجلدِ والمثابرةِ والطُّموحِ: العَجَبَ العُجابَ. ووجدتُ كثيراً من المسلمين عندهمْ من الكسلِ والفتورِ والتَّواكُلِ والتَّخاذُلِ: ما اللهُ به عليمٌ، فأدركتُ عُمْق كلمةِ عُمَرَ ﵁.
انغمسْ في العملِ النافعِ
أنَّ الوليد بن المغيرةِ وأُمية بن خَلَفٍ والعاص بن وائل أنفقوا أموالهم في محاربةِ الرسالةِ ومجابهةِ الحقِ ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ . ولكنَّ كثيراً من المسلمين يبخلون بأموالِهمْ، لئلاَّ يُشاد بها منارُ الفضيلةِ، ويُبنى بها صرحُ الإيمانِ ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ ، وهذا جَلَدُ الفاجِر وعجْزُ الثقةِ.
في مذكّراتِ (جولدا مائير) اليهوديةِ، بعنوان (الحقد) : فإذا هي في مرحلةٍ منْ مراحلِ حياتِها تعملُ ستَّ عشرة ساعةً بلا انقطاعٍ، في خدمةِ مبادئِها الضّالَّةِ وأفكارِها المنحرفةِ، حتى أوجدتْ مع (بن جوريون) دولةً، ومنْ شاء فلينظُرْ كتابها.
ورأيتُ ألوفاً منْ أبناءِ المسلمين لا يعملون ولو ساعةً واحدةً، إنما همْ في لهو وأكلٍ وشُربٍ ونومٍ وضياعٍ ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ .
كان عمرُ دؤوباً في عمله ليلاً ونهاراً، قليل النوم. فقال أهلُه: ألا تنامُ؟ قال: لو نمتُ في اللّيلِ ضاعتْ نفْسِي، ولو نمتُ في النهارِ ضاعتْ رعيَّتِي.
стр. 261
في مذكراتِ الهالكِ (موشى ديان) بعنوان (السيفُ والحكمُ) : كان يطيرُ من دولةٍ إلى دولةٍ، ومنْ مدينةٍ إلى مدينةٍ، نهاراً وليلاً، سرّاً وجهراً، ويحضرُ الاجتماعاتِ، ويعقدُ المؤتمراتِ، وينسِّقُ الصَّفقاتِ، والمعاهدات، ويكتبُ المذكّراتِ. فقلتُ: واحسرتاهُ، هذا جَلَدُ إخوانِ القردةِ والخنازيرِ، وذاك عَجْزُ كثيرٍ من المسلمين، ولكنْ هذا جلدُ الفاجرِ وعَجْزُ الثقةِ.
لو كنتُ منْ مازنٍ لم تستبِحْ إبِلي ... بنو اللَّقطيةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شيْبانا
لقدْ حارب عمرُ العطالة والبطالة والفراغ، وأخرج شباباً سكنوا المسجد، فضربهم وقال: اخرجوا واطلبوا الرِّزق، فإنَّ السماء لا تمطرُ ذهباً ولا فضةً. إنَّ مع الفراغ والعطالةِ: الوساوس والكدَرَ والمرضَ النفسيَّ والانهيارً العصبيَّ والهمَّ والغمَّ. وإنَّ مع العملِ والنشاطِ: السرور والحُبُور والسعادة. وسوف ينتهي عندنا القلقُ والهمُّ والغمُّ، والأمراضُ العقليَّةُ والعصبيَّةُ والنفسيَّةُ إذا قام كلٌّ بدورِهِ في الحياةِ، فعُمِلتِ المصانعُ، واشتغلتِ المعاملُ، وفتحتِ الجمعيّاتُ الخيريَّةُ والتعاونيَّةُ والدعويَّةُ، والمخيماتُ والمراكزُ والمُلتقياتُ الأدبيَّةُ، والدَّوراتُ العلميَّةُ وغَيْرُها.. ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ﴾ ، ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ، ﴿سَابِقُوا﴾ ، ﴿وَسَارِعُواْ﴾ ، ((وإن نبيَّ اللهِ داود كان يأكلُ من عملِ يدِه)) .
وللرّاشدِ كتابٌ، بعنوان (صناعةُ الحياةِ) ، تحدَّث عنْ هذهِ المسالةِ بإسهابٍ، وذَكَرَ أنَّ كثيراً من الناسِ لا يقومون بدورِهم في الحياةِ.
стр. 262
وكثيرٌ من الناسِ أحياءٌ، ولكنَّهم كالأمواتِ، لا يُدركون سرَّ حياتِهم، ولا يُقدمون لمستقبلهم ولا لأُمَّتِهمْ، ولا لأنفسِهم خيراً ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ ، ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ .
إنَّ المرأة السوداء التي كانتْ تقُمُّ مسجد الرسول ﷺ قامتْ بدورِها في الحياةِ، ودخلتْ بهذا الدَّورِ الجنة ﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ .
وكذلك الغلامُ الذي صَنَعَ المِنْبر للرسولِ ﷺ أدَّى ما عليهِ، وكسب اجراً بهذا الأمرِ، لأنَّ موهلته في النّجارةِ ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ .
سمحتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيَّةُ عام ١٩٨٥ م بدخولِ الدُّعاةِ المسلمين سجون أمريكا، لأنَّ المجرمين والمروِّجين والقَتَلَةَ، إذا اهتدَوْا إلى الإسلامِ، أصبحوا أعضاءً صالحين في مجتمعاتِهمْ ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ .
دعاءانِ اثنانِ عظيمانِ، نافعانِ لمنْ أراد السَّداد في الأمورِ وضبْطِ النفسِ عند الأحداثِ والوقائعِ.
الأولُ: حديثُ عليٍّ، أنَّ الرسول ﷺ قال لهُ: ((قُلْ: اللهمَّ اهدنِي وسدِّدْني)) . رواهُ مسلمٌ.
الثاني: حديثُ حُصيْن بن عبيدٍ، عند أبي داود: قال له ﷺ : ((قلْ: اللَّهمَّ ألهمني رُشدْي، وقِني شرَّ نَفَّسي)) .
إذا لمْ يكنْ عونٌ من اللهِ للفتى ... فأكثرُ ما يجني عليه اجتهادُهُ
стр. 263
التَّعلُّقُ بالحياة، وعشْقُ البقاءِ، وحبُّ العيْشِ، وكراهِيَةُ الموتِ، يُوردُ العبدَ: الكدَرَ وضِيقَ الصَّدرِ والمَلَقَ والقلق والأرق والرَّهق، وقد لام الله اليهود على تعلُّقِهم بالحياةِ الدنيا، فقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ .
وهنا قضايا، منها: تنكيرُ الحياةِ، والمقصودُ: أنَّها أيَّ حياةٍ، ولو كانتْ حياة البهائمِ والعجْماواتِ، ولو كانتْ شخصيةً رخيصةً فإنَّهمْ يحرصون عليها.
ومنها: اختيارُ لفظِ: ألفِ سنةٍ لأنَّ اليهوديَّ كان يلقى اليهوديَّ فيقولُ لهُ: عِمْ صباحاً ألف سنةٍ. أي: عِشْ ألف سنةٍ. فذكر أنهمْ يريدون هذا العمر الطويل، ولكنْ لو عاشوهُ فما النهايةُ؟! مصيرُهم إلى نارٍ تلظَّى ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ .
منْ أحسنِ كلماتِ العامةِ: لا همَّ واللهُ يُدْعى.
والمعنى: أنَّ هناك إلهاً في السماءِ يُدعى، ويُطلبُ منهُ الخيْرُ، فلماذا تهتمّ أنت في الأرضِ، فإذا وكَّلت ربَّك بهمِّك، كشَفَه وأزاله ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ .
أخلِقْ بذي الصَّبرِ أنْ يحظى بحاجتِهِ ... ومُدْمِنِ القرْعِ للأبوابِ أن يلِجا
стр. 264
في حياتِك دقائقُ غاليةٌ
رأيتُ موقفيْنِ مُؤثِّريْنِ مُعبِّريْنِ للشيخِ علي الطنطاويِّ في مذكّراتهِ:
الموقفُ الأولُ: تحدَّثَ عن نفسِه وكاد يغرقُ على شاطئِ بيروت، حينما كان يسبحُ فأشرف على الموتِ، وحُمِل مَغْمِيّاً عليهِ، وكان في تلك اللحظاتِ يُذعِنُ لمولاهُ، ويودُّ لو عادَ ولو ساعةً إلى الحياةِ، ليجدِّد إيمانه وعملهُ الصّالح، فيَصلِ الإيمانُ عنده منتهاه.
والموقفُ الثاني: ذَكَرَ أنه قدِم في قافلةٍ منْ سوريا إلى بيتِ اللهِ العتيقِ، وبينما هو في صحراءِ تبوك ضلُّوا وبَقُوا ثلاثة أيام، وانتهى طعامُهُم واشرابُهُم، وأشرفوا على الموتِ، فقام وألقى في الجموعِ خطبة الوداعِ من الحياةِ، خطبةً توحيديَّة حارَّةً رنَّانة، بكى وأبكى الناس، وأحسَّ أنَّ الإيمان ارتفع، وأنه ليس هناك مُعينٌ ولا مُنقذٌ إلا اللهُ جلَّ في علاه ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ .
يقولُ : ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .
إنَّ الله يحبُّ المؤمنين الأقوياء الذين يتحدَّون أعداءهم بصبرٍ وجلادةٍ، فلا يهِنون، ولا يُصابون بالإحباطِ واليأسِ، ولا تنهارُ قواهُم، ولا يستكينون للذِّلَّةِ والضعْفِ والفشلِ، بل يصمُدون ويُواصلون ويُرابطون، وهي ضريبةُ إيمانِهم بربِّهم وبرسولِهمْ وبدينِهمْ ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ والضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ)) .
стр. 265
جُرحتْ أُصْبُعُ أبي بكرٍ ﵁ في ذاتِ اللهِ فقال:
هلْ أنتِ إلا إصْبَعٌ دَمِيتِ ... وفي سبيلِ الله ما لقِيتِ
ووضع أبو بكرٍ إصبعهُ في ثَقْبِ الغارِ ليحمي بها الرسول ﷺ من العقربِ، فلُدغ، فقرأ عليها ﷺ فبرئتْ بإذِن اللهِ.
قال رجلٌ لعنترة: ما السِّرُّ في شجاعتِك، وأنك تغِلبُ الرِّجال؟ قال: ضعْ إصبعك في فمي، وخُذ إصبعي في فمك. فوضعها في فمِ عنترة، ووضَعَ عنترةُ إصبعه في فمِ الرَّجلِ، وكلٌّ عضَّ إصبع صاحبِه، فصاح الرجلُ من الألم، ولم يصبرْ فأخرجَ له عنترةُ إصبعه، وقال: بهذا غلبتُ الأبطال. أي بالصَّبرِ والاحتمالِ.
إنَّ ممَّ يُفرحُ المؤمن أن لُطفَ اللهِ ورحمته وعفوه قريبٌ منه، فيشعرُ برعايةِ اللهِ وولايتِهِ بحسبِ إيمانِهِ. والكائناتُ والأحياءُ والعجماواتُ والطيورُ والزواحفُ تشعرُ بأنَّ لها ربّاً خالِقاً ورازقاً ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ .
يا ربّ حمداً ليس غيرُك يُحمدُ ... يا منْ لهُ كُلُّ الخلائِقِ تصْمدُ
عندنا، العامَّةُ وَقْتَ الحرْثِ يرمون الحبَّ بأيديهمْ في شقوقِ الأرضِ، ويهتفون: حبٌّ يابسٌ، في بلدٍ يابسٍ، بين يديك يا فاطر السماوات والأرضِ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ . إنَّها نزعةُ توحيدِ البري، وتوجُّهُ إليهِ، .
стр. 266
قام الخطيبُ المِصْقعُ عبدُالحميدِ كشكُ - وهو أعمى - فلمَّا علا المِنْبرَ، أخرج منْ جيبهِ سعفة نخلٍ، مكتوبٌ عليها بنفسِها: اللهُ، بالخطِّ الكوفيِّ الجميلِ، ثم هَتَفَ في الجموعِ:
انظُرْ لتلك الشَّجرهْ ... ذاتِ الغُصُونِ النَّضِرهْ
منِ الذي أنبتها ... وزانها بالخضِرهْ
ذاك هو اللهُ الذي ... قُدرتُه مُقْتدِرهْ
فأجْهش الناسُ بالبكاءِ.
إنهُ فاطرُ السماواتِ والأرضِ مرسومةٌ آياتُه في الكائناتِ، تنطقُ بالوحدانيَّةِ والصَّمديةِ والربوبيَّةِ والألوهيَّةِ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ .
منْ دعائمِ السرورِ والارتياحِ، أنْ تشْعُرَ أنَّ هناك ربّاً يرحمُ ويغفرُ ويتوبُ على منْ تاب، فأبشِرْ برحمةِ ربِّك التي وسعتِ السماواتِ والأرض، قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، وما أعظم لطفهُ ، وفي حديثٍ صحيحٍ: أنَّ أعرابيّاً صلًّى مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا أصبح في التَّشهُّدِ قال: اللهمَّ ارحمني ومحمداً، ولا ترحمْ معنا أحداً. قال ﷺ : ((لقدْ حجرت واسعاً)) . أي: ضيَّقت واسعاً، إنَّ رحمة الهِ وسعتْ كلَّ شيءٍ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ، ((اللهُ أرحمُ بعبادِهِ منْ هذهِ بولدِها)) .
أحرق رجلٌ نفسه بالنارِ فراراً منْ عذابِ اللهِ ، فجمعه وقال له: ((يا عبْدِي، ما حَمَلَك على ما صنعت؟ قال: يا ربِّ، خِفْتُك، وخشيتُ ذنوبي. فأدخلهُ اللهُ الجنّة)) . حديثٌ صحيحٌ.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ .
стр. 267
حاسب اللهُ رجلاً مُسرفاً على نفسِه موحِّداً، فلمْ يجدْ عندهُ حسَنَةً، لكنَّه كان يُتاجرُ في الدنيا، ويتجاوزُ عنِ المُعْسِرِ، قال اللهُ: نحنُ أولْى بالكرمِ منك، تجاوزوا عنهُ. فأدخله اللهُ الجنّة.
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ، ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ .
عند مسلمٍ: أنّ الرسول ﷺ صلَّى بالناسِ، فقام رجلٌ فقال: أصبْتُ حدّاً، فأقِمْهُ عليَّ. قال: ((أصليت معنا؟)) . قال: نعمْ. قال. ((اذهبْ فقد غُفِر لك)) .
﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
هناك لُطفٌ خفيٌّ يكْتنف العبدَ، مِنْ أمامِهِ ومنْ خلفه، وعن يمينهِ وعنْ شمالِهِ، ومِنْ فوقِه ومنْ تحتِ قدميْهِ، صاحبُ اللُّطفِ الخفيِّ هو اللهُ ربُّ العالمين، انطبقتْ عليهمُ الصَّخْرةُ في الغارِ، وأنْجى إبراهيم من النارِ، وأنجى موسى من الغرقِ، ونُوحاً من الطُّوفانِ، ويوسف من الجُبِّ وأيوب من المرضِ.
وقفة
عن أمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالتْ: سمعتُ رسول اللهِ ﷺ يقولُ: ((ما منْ مسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ، فيقولُ ما أمره اللهُ: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ اللَّهمَّ اجُرْني في مصيبتي وأخلفْ لي خيراً منْها؛ إلاَّ أخلف اللهُ لهُ خيراً منْها)) .
стр. 268
قال الشاعرُ:
خليليَّ لا واللهِ ما مِنْ مُلِمَّةٍ ... تدُومُ على حيٍّ وإنْ هِي جلَّتِ
فإنْ نزلتْ يوماً فلا تخْضَعَنْ لها ... ولا تُكثِر الشَّكْوى إذا النَّعلُ زلَّتِ
فكمْ مِنْ كريمٍ قدْ بُليْ بنوائبٍ ... فصابرها حتى مضتْ واضمحلَّتِ
وكانتْ على الأيامِ نفسي عزيزةً ... فلمَّا رأتْ صبري على الذُّلِّ ذلَّتِ
وقال آخر:
يضيقُ صدري بغمٍّ عند حادِثةٍ ... ورُبَّما خِير لي في الغمِّ أحيانا
ورُبَّ يومٍ يكونُ الغمُّ أوَّلهُ ... وعند آخرِه روْحاً وريْحانا
ما ضِقتُ ذرْعاً عند نائِبةٍ ... إلاَّ ولي فرجٌ قد حلَّ أوْ حانا
الأفعالُ الجميلةُ طريقُ السعادةِ
رأيتُ في أوّلِ ديوانِ حاتمٍ الطّائيِّ كلمةً جميلةً لهُ، يقولُ فيها: إذا كان تركُ الشَّرِّ يكفيك، فدَعْهُ.
ومعناهُ: إذا كان يسع السُّكوتُ عنِ الشَّرِّ واجتنابُه، فحسبُه بذلك ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ، ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ .
محبَّةُ للناسِ موهبةٌ ربَّانيَّةٌ، وعطاءٌ مباركٌ من الفتَّاحِ العليمِ.
يقول ابنُ عباسٍ متحدِّثاً بنعمةِ اللهِ : فيَّ ثلاثُ خصالٍ: ما نزل غيثٌ بأرضٍ، إلاَّ حمدتُ الله وسُررتُ بذلك، وليس لي فيها شاةٌ ولا بعيرٌ. ولا سمعتُ بقاضٍ عادلٍ، إلاَّ دعوتُ الله له، وليس عنده لي قضيَّةٌ. ولا عَرَفتُ آيةً منْ كتابِ اللهِ، إلاَّ ودِدتُ أنَّ الناس يعرفون منها ما أعرفُ.
стр. 269
إنه حُبُّ الخيرِ للناسِ، وإشاعةُ الفضيلةِ بينهمْ وسلامةُ الصَّدرِ لهمْ، والنَّصْحُ كلُّ النصحِ للخليقةِ.
يقولُ الشاعرُ:
فلا نزلتْ علىَّ ولا بأرضي ... سحائِبُ ليس تنْتَظِمُ البلادا
المعنى: إذا لم تكنِ الغمامةُ عامَّةً، والغيْثُ عامّاً في الناسٍ، فلا أريدُها أنْ تكون خاصَّةً بي، فلستُ أنانيّاً ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾
ألا يُشجيك قوْلُ حاتمٍ، وهو يتحدَّثُ عنْ رُوحِه الفيَّاضةِ، وعن خلقِهِ الجمِّ:
أما والذي لا يعلمُ الغيب غيرُهُ ... ويُحْيي العِظام البيض وهْي رميمُ
لقدْ كنتُ أطوِي البطن والزَّادُ يُشتهى ... مخافة يومٍ أن يُقالَ لئيمُ
العِلْمُ النافعُ والعلمُ الضَّارّ
لِيهْنِك العِلْمُ إذا دلَّك على اللهِ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ . إنَّ هناك علماً إيمانيّاً، وعلماً كافراً، يقولُ عنْ أعدائِهِ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ . ويقول عنهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ﴾ . ويقولُ عنهم ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ....﴾ .
стр. 270
ويقولُ جلَّ وعلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . وقال عنِ اليهودِ وعنْ علمِهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ : إنَّه علمٌ لكنَّه لا يهدي، وبرهانٌ لا يشفي، وحجَّةٌ ليستْ قاطعةً ولا فالجِةً، ونَقْلٌ ليس بصادِقٍ، وكلامٌ ليس بحقٍّ، ودلالةٌ ولكن إلى الانحرافِ، وتوجُّهٌ ولكن إلى غيٍّ، فكيف يجدُ أصحابُ هذا العلمِ السعادة، وهمْ أوَّلُ منْ يسحقُها بأقدامِهم: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ .
رأيتُ مئاتِ الألوفِ من الكتبِ الهائلةِ المذهلةِ في مكتبةِ الكونجرس بواشنطن، في كلِّ فنٍّ، وفي كلِّ تخصُّصٍ، عنْ كلِّ جيلٍ وشعبٍ وأُمةٍ وحضارةٍ وثقافةٍ، ولكنَّ الأمة التي تحتضنُ هذه المكتبة العظمى، أُمَّةٌ كافرةٌ بربِّها، إنها لا تعلمُ إلا العالم المنظور المشهود، وأمّا ما وراء ذلك فلا سمْع ولا بَصَرَ ولا قلْبَ ولا وَعْيَ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ﴾ .
إن الرَّوضَ أخْضَرُ، ولكنَّ العنْزَ مريضةٌ، وإنَّ التَّمْرَ مقفزيٌّ، ولكنّ البُخل مرْوزِيٌّ، وإن الماء عذْبٌ زُلالٌ، ولكن في الفم مرارةً ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ . ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ .
стр. 271
أكْثِرْ من الاطِّلاعِ والتَّأمُّلِ
إنَّ ممَّا يشرحُ الصدر: كثْرةُ المعرفةِ، وغزارةُ المادّةِ العلميَّةِ، واتِّساعُ الثقافةِ، وعُمقُ الفكرِ، وبُعدُ النَّظْرةِ، وأصالةُ الفهْمِ، والغوْصُ على الدليلِ، ومعرفةُ سرِّ المسألةِ، وإدراكُ مقاصدِ الأمورِ، واكتشافُ حقائقِ الأشياءِ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ ، ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ . إنَّ العالِم رحْب الصدرِ، واسع البالِ، مطمئنّ النفْسِ، منشرحُ الخاطرِ..
يزيدُ بكثْرةِ الإنفاقِ منهُ ... وينقصُ إنْ به كفّاً شددْتا
يقولُ أحد مفكَّري الغربِ: لي ملفٌّ كبيرٌ في درجِ مكتبي، مكتوبٌ عليه: حماقاتٌ ارتكبتُها، أكتبُه لكلِّ سقطاتِ وتوافه وعثراتٍ أُزاولُها في يومي وليلتي، لأتخلَّص منها.
قلت: سبقك علماءُ سلفِ هذه الأُمَّةِ بالمُحاسبةِ الدقيقةِ والتَّنْقيبِ المُضني لأنفسِهم ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ .
قال الحسنُ البصريُّ: المسلمُ لنفسِهِ أشدُّ مُحاسَبَةً من الشريكِ لشريكِهِ.
وكان الربيعُ بنُ خُثيْمٍ يكتُبُ كلامهُ من الجمعةِ إلى الجمعةِ، فإنْ وَجَدَ حسنةً حمِد الله، وإنْ وَجَدَ سيِّئةً استغفر.
стр. 272
وقال أحدُ السلفِ: لي ذنبٌ منْ أربعين سنةً، وأنا أسألُ الله أنْ يغفرهُ لي، ولا زلتُ أُلحُّ في طلبِ المغفرةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ .
حاسِبْ نَفْسَكَ
احتفظِ بمذكّرةٍ لديك، لتُحاسب بها نفْشك، وتذكر فيها السلبيَّاتِ الملازمة لك، وتبدأ بذكْر التَّقدُّمِ في معالجتِها.
قال عمرُ: حاسِبوا أنفُسكُمْ قبل أنْ تُحاسبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزنوا، وتزيَّنوا للعرضِ الأكبرِ.
ثلاثةُ أخطاءٍ تتكرَّرُ في حياتِنا اليومية:
الأولُ: ضياعُ الوقتِ.
الثاني: التَّكلُّمُ فيما لا يعني: ((مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركهُ ما لا يعنيهِ)) .
الثالثُ: الاهتمامُ بتوافِهِ الأمورِ، كسماعِ تخويفاتِ المُرجِفين، وتوقُّعاتِ المثبِّطين، وتوهُّماتِ المُوسوسِين، كَدَرٌ عاجلٌ، وهمٌّ معجَّلٌ، وهو منْ عوائقِ السعادةِ وراحةِ البالِ.
يقولُ امرؤُ القيسِ:
ألا عِمْ صباحاً أيها الطَّللُ البالي ... وهلْ يعِمنْ منْ كان في العُصُر الخالي
وهلْ يعِمنْ إلا سعيدٌ منعَّمٌ ... قليلُ الهموم لا يبِيتُ بأوجالِ
стр. 273
علَّم الرسولُ ﷺ عمَّ العباس دعاءً يجمعُ سعادة الدنيا والآخرةِ، وهو قولُه ﷺ : ((اللهم إني أسألُك العَفْوَ والعافية)) .
وهذا جامعٌ مانعٌ شافٍ كافٍ فيه خيرُ العاجلِ والآجلِ.
﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ ، ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ .
خُذوا حِذْرَكَمْ
منْ سعادةِ العبدِ اخْذُ الحَيْطةِ واستعمالُ الأسبابِ، مع التَّوكُّلِ على اللهِ ، فإن الرسول ﷺ بارز في بعضِ الغزواتِ وعليه دِرعٌ، وهو سيِّدُ المتوكَّلين، وقال لأحدِهم لما قال له: أعقِلُها يا رسول اللهِ، أوْ أتوكَّلُ؟ قال: ((اعقِلها وتوكَّل)) .
فالأخْذُ بالسببِ والتَّوكُّلُ على اللهِ قُوامُ التوحيدِ، وترْكُ السبب مع التوكُّلِ على اللهِ قدْحٌ في الشرعِ، وأخذُ السببِ مع ترْكِ التوكُّلِ على اللهِ قَدْحٌ في التوحيدِ.
وذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ في هذا: أنَّ رجلاً قصَّ ظفره، فاستفحل عليه فمات، ولم يأخُذْ بالحيْطةِ.
ورجُلٌ دَخَلَ على حمارٍ منْ سردان، فهصر بطنهُ فمات.
стр. 274
وذكروا عنْ طه حسين - الكاتبِ المصريِّ - أنه قال لسائقِهِ: لا تُسرعْ حتى نصِل مبكِّرين.
وهذا معنى مثلٍ: رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريْثاً.
قال الشاعرُ:
قد يُدرِكُ المُتأنِّي بعض حاجتِه ... وقدْ يكونُ مع المتعجِّلِ الزَّللُ
فالتَّوقِّي لا يُعارضُ القدر، بلْ هو منهُ، ومنْ لُبِّهِ ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ ، ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ .
اكْسبِ الناس
ومنْ سعادةِ العبدِ قُدرتُه على كسْبِ الناس، واستجلاب محبَّتِهم وعطفِهم، قال إبراهيمُ ﵇: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ، قال المفسرون: الثّناءُ الحسنُ. وقال عنْ موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ . قال بعضُهم: ما رآك أحدٌ إلا أحبَّك.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((أنتم شهداءُ اللهِ في الأرض)) . وألسنةُ الخلْقِ أقلامُ الحقِّ.
وصحَّ: ((أن جبريل يُنادي في أهلِ السماءِ: إنَّ يحبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيُحبُّهُ أهلُ السماءِ، ويُوضعُ له القبُول في الأرضِ)) .
стр. 275
ومنْ أسبابِ الودِّ: بسْطةُ الوجهِ ولِينُ الكلامِ وسَعَةُ الخُلقُ.
إنَّ منْ العواملِ القويةِ في جلْبِ أرواحِ الناسِ إليك: الرِّفقُ؛ ولذلك يقولُ ﷺ : ((ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع منْ شيءٍ إلا شانهُ)) .
ويقول: ((من يُحرم الرفق، يُحرم الخير كلّه)) .
قال أحد الحكماء: الرفق يُخرج الحيَّة من جُحْرها.
قال الغربيُّون: اجْنِ العسل، ولا تَكْسِرِ الخلِيَّة.
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((المؤمُن كالنَّحْلةِ تأكلُ طيِّباً، وتضعُ طيّباً، وإذا وقعتْ على عودٍ، لم تكسِرْهُ)) .
تنقَّلْ في الدِّيارِ واقرأْ آياتِ القُدرة
وممَّا يجلُب الفرح والسُّرور: الأسْفارُ والتَّنقُّلُ في الدِّيارِ ورؤيةُ الأمصارِ، وقد سبقتْ كلمةٌ في أوّل هذا الكتابِ عنْ هذا. قال سبحانه: ﴿انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ ، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ﴾ .
قال الشاعرُ:
ولا تلبثْ بِربْعٍ فيه ضيْمٌ ... يُذيبُ القلب إلا إنْ كُبِلْتا
وغرِّبْ فالتَّغرُّبُ فيه نفْعٌ ... وشرِّقْ إنْ بِرِِيِقك قدْ شرِقْتا
стр. 276
ومنْ يقرأْ رحلة ابنِ بطُّوطة، على ما فيها من المبالغاتِ، يجِدِ العَجَبَ العجاب مِن خلْقِ اللهِ ، وتصريفِه في الكونِ، ويرى أنها من العِبر العظيمةِ للمؤمنِ، ومن الراحةِ له أنْ يسافر، وأنْ يغِّيرَ أجواءه ومكانه ومحلَّه، لقرأ في هذا الكتابِ الكونيِّ المفتوحِ.
يقولُ أبو تمام - وهو يتحدَّث عن التنقلِ في الدِّيارِ -:
بالشَّامِ أهلي وبغدادُ الهوى وأنا ... بالرَّقْمتينِ وبالفسطاطِ جِيراني
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ، ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ ، ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ .
تهجَّدْ مع المتهجِّديِن
ومما يُسعدُ النَّفْس ويشرحُ الصدر: قيامُ الليلِ.
وقدْ ذكر ﷺ في الصحيح: أنَّ العبد إذا قام من الليلِ، وذكر الله، ثم توضَّأ وصلَّى، أصبح نشيطاً طيِّب النفْسِ. ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ .
وقيامُ الليلِ يُذهبُ الدّاء عن الجسدِ، وهو حديثٌ صحيحٌ عند أبي داود: ((يا عبد الله، لا تُكنْ مثْل فلانٍ، كان يقومُ الليل، فتَركَ قيامَ الليلِ)) ، ((نِعْمَ الرجلُ عبدُاللهِ لو كان يقومُ من الليلِ)) .
стр. 277
لا تأسفْ على الأشياءِ الفانيةِ، كلُّ شيءٍ في هذه الحياةِ فانٍ إلا وجْههُ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ .
إنَّ الإنسان الذي يأسفُ على دنياه، كالطِّفلِ الذي يبكي على فقْدِ لعبتِهِ.
وَقْفَةٌ
«كلُّ اثنينِ منهما قرينانِ، وهما منْ آلامِ الرُّوح ومعذّباتِها، والفرْق بينهما أنَّ الهمَّ توقُّع الشَّرِّ في المستقبلِ، والحزُن التَّألُّمُ على حُصُولِ المكروهِ في الماضي أو فواتُ المحبوبِ، وكلاهما تألُّمٌ وعذابٌ يرِدُ على الرُّوحِ، فإنْ تعلَّق بالماضي سُمِّي حزناً، وإنْ تعلّق بالمستقبلِ سُمِّي همّاً» .
((اللَّهمَّ إني أسألك العافية في الدُّنيا والآخرةِ، اللَّهمَّ إني أسألُك العفْو والعافية في ديِني ودُنياي وأهلي ومالي، اللهمَّ استُرْ عوراتي وآمِنْ روْعاتي، اللهم احفظني منْ بينِ يديَّ ومِنْ خلْفي، وعنْ يميني وعنْ شمالي ومِنْ فوقي، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغْتال مِنْ تحتي)) .
قال الشاعرُ:
ألم تر أنَّ ربَّك ليس تٌحصى ... أيادِيهِ الحديثةُ والقديمهْ
تَسَلَّ عنِ الهمومِ فليس شيءٌ ... يُقيِمُ ولا همومُك بالمُقيمهْ
لعلَّ الله ينظُرُ بعد هذا ... إليك بنظرةٍ مِنْهُ رحيِمهْ
стр. 278
ثَمَنُك الجنَّةُ
يقولُ للشاعرُ:
نفسْي التي تملِكُ الأشياء ذاهبةٌ ... فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا
إنَّ الدنْيا بذهبِها وفضَّتِها ومناصبِها ودُورِها وقصورِها لا تستأهلُ قطرة دمعٍ، فعند الترمذيِّ أنَّ الرسول ﷺ قال: ((الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ذكْر اللهِ، وما والاه، وعالماً ومتعلَّماً)) .
إنها ودائعُ فحسْبُ، كما يقولُ لبِيدُ:
وما المالُ والأهلون إلا ودِيعةٌ ... ولابدَّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ
إن الملياراتِ والعقاراتِ والسياراتِ لا تؤخِّرُ لحظةً واحدةً منْ أجلِ العبدِ، قال حاتمُ الطّائيُّ:
لعَمْرُكَ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى ... إذا حشرجتْ يوماً وضاق بها الصَّدْرُ
ولذلك قال الحكماءُ: اجعلْ للشيء ثمناً معقولاً، فإنَّ الدنيا وما فيها لا تُساوي المؤمنِ: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ .
ويقولُ الحسنُ البصريُّ: لا تجعلْ لنفسِك ثمناً غير الجنةِ، فإنَّ نفْس المؤمنِ غاليةٌ، وبعضُهم يبيعها برُخْصٍ.
إنَّ الذين ينوحون على ذهابِ أموالِهمْ وتهدُّمِ بيوتِهم واحتراقِ سياراتِهم، ولا يأسفون ويحزنون على نقْصِ إيمانِهم وعلى أخطائِهم وذنوبِهم، وتقصيرِهم في طاعةِ ربِّهمْ سوف يعلمون أنهمْ كانوا تافهين بقدْرِ ما ناحُوا على تلك، ولم يأسفوا على هذهِ؛ لأنَّ المسألة مسألةُ قيمٍ ومُثُلٍ ومواقف ورسالةٍ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ .
стр. 279
الحبُّ الحقيقيُّ
كُنْ منْ أولياءِ اللهِ وأحبائهِ لِتسْعدَ، إنَّ منْ أسعْدِ السعداءِ ذاك الذي جعل هدفه الأسمى وغايتُه المنشودة حُبَّ اللهِ ، وما ألْطف قولهُ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
قال بعضُهم: ليس العَجَبُ منْ قولهِ: يحبُّونه، ولكنَّ العجب منْ قولِهِ يحبُّهم؛ فهو الذي خلقهم ورزقهم وتولاَّهُم وأعطاهُمْ، ثم يحبُّهم: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ .
وانظرْ إلى مكرُمةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهي تاجٌ على رأسهِ: رجلٌ يُحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه اللهُ ورسولهُ.
إنَّ رجلاً من الصحابة أحبَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، فكان يردِّدُها في كلِّ ركعةٍ، ويتَولَّهُ بذكْرِها، ويعيدها على لسانه، ويُشجي بها فؤاده، ويحرِّكُ بها وجدانه، قال له ﷺ : ((حبُّك إيَّاها أدْخَلَك الجنة)) .
ما أعجب بيتين كنتُ أقرؤهما قديماً، في ترجمةٍ لأحدِ العلماءِ، يقول:
إذا كان حُبُّ الهائِمين من الورى ... بليلى وسلمى يسلُبُ اللُّبَّ والعقْلا
فماذا عسى أن يفعل الهائِمُ الذي ... سَرَى قلبُه شوقاً على العالمِ الأعلى
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ .
إنَّ مجنون ليلى قتلهُ حبُّ امرأةٍ، وقارون حبُّ مالٍ، وفرعون حبُّ منصبٍ، وقُتل حمزةُ وجعفرُ وحنظلةُ حبّاً لله ولرسوله، فيا لبُعْدِ ما بين الفريقين.
стр. 280
وقفة
«ينتحرُ ٣٠٠ ضابطِ شرطةٍ سنويّاً في أمريكا، منهمْ عشرةٌ في نيويورك وحدها.. ومنذُ عام ١٩٨٧ م يتزايدُ عدد ضُبّاط الشرطةِ المُنتحِرِين هناك.. وهي ظاهرةٌ أقلقتِ السُّلطاتِ، وقام الاتحادُ الوطنيُّ لضبّاطِ الشرطةِ ببحْثِها.
لقدْ وجد الاتحادُ أنَّ أبرز أسبابِ انتحارِ الضباطِ هو: توتُّرُ الأعصابِ الدّائمِ الذي يعيشون فيه، فهمْ مُطالبون دائماً بالثَّباتِ في الأزماتِ، وتحمُّلِ الضُّغوطِ المتزايدةِ مع ارتفاعِ نسبةِ الجريمةِ، وتحمُّل الآلامِ النّاتجة عن التَّعامُلِ مع المجرمين، ورؤيةِ جثثِ الضحايا منْ أطفالٍ ونساءٍ وعجائز. والسببُ الثاني هو: وجودُ الأسلحةِ معهمْ بشكلٍ دائمٍ، فهي تُساعدُهم أو تسهِّلُ عليهمُ عمليَّة الانتحارِ.
وقد وُجد أنَّ ثمانين بالمائةِ منْ حوادثِ انتحارِ الضباطِ تتمُّ بسلاحِهم الخاصّ، في ثلاثةِ أيامٍ متتاليةٍ انتحر ثلاثُة ضُبّاطٍ، كلٌّ منهم بواسطِة مسدسِهِ الميري» .
شريعةٌ سهْلةٌ مُيسَّرةٌ
إنَّ مما يُثلجُ صدر المسلم ظاهرةُ اليُسْرِ والسَّماحةِ في الشريعةِ الإسلاميةِ ﴿طه ﴿١﴾ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ ، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
стр. 281
وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ، ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ .
((رُفع عنْ أُمَّتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكْرِهُوا عليهِ)) ، ((إنَّ الدِّين يُسْرٌ، ولنْ يُشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلبه)) ، سدِّدُوا وقارِبُوا وأبشِرُوا)) ، ((بُعثتُ بالحنيفيِّة السِّمْحةِ)) ، ((خَيْرُ دينكم أيْسَرُه)) .
عُرِضتْ على شاعرٍ معاصرٍ في دولةٍ وزارةٌ يتولاَّها، على أنْ يترُك طموحاتِه ورسالاتِه وأطرُوحاتِه الحقَّةِ، فقال:
خُذوا كلَّ دنياكُمُ واتركُوا ... فؤادي حُراً طليِقاً غريبا
فإنِّي أعْظمُكم ثروةً ... وإنْ خِلْتُمُوني وحيداً سليِنا
أُسُسٌ للرّاحةِ
في مجلّةِ (أهلاً وسهلاً) بتاريخ ٣ / ٤ / ١٤١٥هـ مقالةٌ بعنوان «عشرون وصفةٍ لتجنُّبِ القلق» بقلم د. حسان شمسي باشا.
من معاني هذه المقالةِ:
إنَّ الأجلَ قد فُرِغ منهُ، وإنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ، فلا يأْسفِ العبدُ، ولا يحزنْ على ما يجري. إنَّ رزق المخلوقِ عند الخالقِ في السماءِ، فلا يملكُه
стр. 282
أحدٌ، ولا يتصرَّفُ فيه قومٌ، ولا يمنعُه إنسانٌ. وإنَّ الماضي قدْ ذَهَبَ بهمومِه وغمومِه، وانتهى فلنْ يعود، ولو اجتمع العالمُ بأسْرِه على إعادتِه. وإنَّ المستقبل في عالمِ الغيْبِ، ولم يحضرْ إلى الآن، ولم يستأذِن عليك، فلا تسْتدْعِهِ حتى يأتي. وإنَّ الإحسان إلى الناسِ يُضفي على القلبِ سروراً، وعلى الصدرِ انشراحاً، وهو يعودُ على مُسديِه أعْظَمَ بركةٍ وثوابٍ وأجرٍ وراحةٍ ممنْ أُسدي إليهِ.
ومنْ شِيم المؤمنِ عدمُ الاكتراثِ بالنقْدِ الجائر الظالمِ، فلمْ يَسْلَمْ من السَّبِّ والشَّتْمِ حتى ربُّ العالمين، الذي هو الكاملُ الجليلُ الجميلُ، تقدَّستْ أسماؤُه.
قلتُ في أبياتٍ لي:
فعلام تَحْرِقُ أدمُعاً قد وُضِّئتْ ... ويظلُّ يُقْلِقُ قلْبَك الإرهابُ
وكِّلْ بها ربّاً جليلاً كلَّما ... نام الخلِيُّ تَفَتَّحتْ أبوابُ
احْذرِ العِشق
إياك وعِشْق الصُّورِ، فإنَّها همٌّ حاضِر، وكَدَرٌ مستمرٌّ. منْ سعادةِ المسلمِ يُعدُه عنْ تأوُّهاتِ الشعراءِ وولهِهِم وعشقِهم، وشكواهُم الهجْر والوصْل والفراق، فإنَّ هذا منْ فراغ القلبِ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ .
وأنا الذي جَلَبَ المنيَّة طَرْفُهُ ... فمنِ المُطالبُ والقتيلُ القاتِلُ
стр. 283
والمعنى: إنني أستحقُّ وأستأهلُ ما ذُقتُ من الألمِ والحسرةِ؛ لأنني المتسبِّبُ الأعظمُ فيما جرى لي.
وآخرُ أندلسٌّ يتباهى بكثرةِ هيامِه وعشقِه وولهِهِ، فيقولُ:
شكا ألم الفِراقِ النَّاسُ قبْلي ... ورُوِّع بالجوى حيٌّ وميْتُ
وأمّا مِثْلما ضمَّتْ ضلوعي ... فإنِّي ما سمعتُ ولا رأيْتُ
ولو ضمَّ بين ضلوعهِ التقوى والذْكر وروحانيّةً وربّانيّةً، لَوَصَلَ إلى الحقِّ، ولَعَرَ الدليل، ولأبصر الرُّشد، ولَسَلَك الجادَّة: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ .
إنَّ ابن القيِّمِ عالج هذهِ المسألة علاجاً شافياً كافياً في كتابِهِ (الداءُ والدواءُ) فليُرْجَعْ إليهِ.
إن للعشق أسباباً منها:
١. فراغُ منْ حُبِّه وذكْرِهِ وشُكرِه وعبادتِهِ.
٢. إطلاقُ البصرِ، فإنهُ رائدٌ يجلبُ على القلبِ أحزاناً وهموماً: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ، ((النظرةُ سهمٌ منْ سهامِ إبليس)) .
وأنت متى أرسلت طرْفك رائداً ... إلى كلِّ عينٍ أتعبتْكَ المناظِرُ
رأيت الذي لا كُلُّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عنْ بعضِهِ أنت صابِرُ
стр. 284
٣. التقصيرُ في العبوديَّةِ، والتقصيرُ في الذِّكْرِ والدُّعاءِ والنوافلِ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ .
أمَّ دواءُ العِشْقِ، فمنْهُ:
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ .
١. الانطراحُ على عتباتِ العبوديِّةِ، وسؤالُ المولى الشِّفاء والعافية.
٢. وغضُّ البصرِ وحفْظُ الفرْجِ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ .
٣. وهجْرُ ديارِ منْ تعلَّق بهِ القلبُ، وتركُ بيتهِ وموطنِهِ وذكْرِهِ.
٤. والاشتغالُ بالأعمالِ الصالحةِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ .
٥. والزَّواجُ الشَّرْعيُّ ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ، ((يا معشر الشبابِ، منِ استطاع منكمُ الباءة فليتزوَّجْ)) .
حقوقُ الأخوَّةِ
مما يُسعدُ أخاك المسلم أنْ تُناديهِ بأحبِّ الأسماءِ إليهِ.
أُكْنِيهِ حين أُناديِه لأُكرِمهُ ... ولا أُلقِّبُهُ والسَّوْءَةُ اللَّقبُ
стр. 285
وأنْ تهشَّ وتَبَشَّ في وجهِه ((ولو أنْ تلْقى أخاك بوجه طلْقٍ)) ، ((تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ)) . وأنْ تشجِّعهُ على الحديثِ معك - أي تتركَ له فرصةً ليتكلَّم عنْ نفسِه وعن أخبارِهِ - وتأل عنْ أمورِه العامّةِ والخاصّةِ، التي لا حَرَجَ في السؤالِ عنها، وأنْ تهتمّ بأموره ((منْ لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهمْ)) ، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ .
ومنها: أنْ لا تلومه ولا تعْذله على شيءٍ مضى وانتهى، ولا تحرجه بالمزاحِ: ((لا تُمارِ أخاك ولا تُمازِحْه، ولا تعِدهُ موعداً فتُخْلِفه)) .
«أسرارٌ في الذنوبِ.. ولكنْ لا تذنبْ !»
ذكر بعضُ أهلِ العلمِ: أنَّ الذنب كالختْمَ على العبد، ومنْ أسرارها بعد التوبةِ: قصْمُ ظهر العُجْبِ، وكثرةُ الاستغفارِ والتوبةُ والإنابةُ والتَّوجُّهُ والانكسارُ والندامة، ووقوع القضاءِ والقدرِ، والتَّسليمُ بعبوديَّةِ مُقابلةِ القضاءِ والقدرِ.
ومنها: تحقُّقُ أسماءِ اللهِ الحسنى وصفاتِه العُلى مثلِ: الرحيمِ والغفورِ والتَّوّابِ.
اطْلُبِ الرزق ولا تحرِصْ
سبحان الخالقِ الرازقِ، أعطى الدودةَ رزقها في الطَّينِ، والسمكة في الماءِ، والطائرَ في الهواءِ، والنملةَ في الظَّلماءِ، والحيَّة بين الصخورِ الصَّمّاءِ.
ذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ لطيفةً من اللَّطائفِ: أنَّ حيَّةُ عمياء كانتْ في رأسِ نخلةٍ، فكان يأتيها عصفورٌ بلحمٍ في فمِه، فإذا اقترب منها وَرْوَرَ وصفَّرَ،
следующие страницы →