Полный текст (532 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ ، ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ .
((رُفع عنْ أُمَّتي الخطأُ والنسيانُ وما استُكْرِهُوا عليهِ)) ، ((إنَّ الدِّين يُسْرٌ، ولنْ يُشادَّ الدين أحدٌ إلاَّ غلبه)) ، سدِّدُوا وقارِبُوا وأبشِرُوا)) ، ((بُعثتُ بالحنيفيِّة السِّمْحةِ)) ، ((خَيْرُ دينكم أيْسَرُه)) .
عُرِضتْ على شاعرٍ معاصرٍ في دولةٍ وزارةٌ يتولاَّها، على أنْ يترُك طموحاتِه ورسالاتِه وأطرُوحاتِه الحقَّةِ، فقال:
خُذوا كلَّ دنياكُمُ واتركُوا ... فؤادي حُراً طليِقاً غريبا
فإنِّي أعْظمُكم ثروةً ... وإنْ خِلْتُمُوني وحيداً سليِنا
أُسُسٌ للرّاحةِ
في مجلّةِ (أهلاً وسهلاً) بتاريخ ٣ / ٤ / ١٤١٥هـ مقالةٌ بعنوان «عشرون وصفةٍ لتجنُّبِ القلق» بقلم د. حسان شمسي باشا.
من معاني هذه المقالةِ:
إنَّ الأجلَ قد فُرِغ منهُ، وإنَّ كلَّ شيءٍ بقضاءٍ وقدرٍ، فلا يأْسفِ العبدُ، ولا يحزنْ على ما يجري. إنَّ رزق المخلوقِ عند الخالقِ في السماءِ، فلا يملكُه
стр. 282
أحدٌ، ولا يتصرَّفُ فيه قومٌ، ولا يمنعُه إنسانٌ. وإنَّ الماضي قدْ ذَهَبَ بهمومِه وغمومِه، وانتهى فلنْ يعود، ولو اجتمع العالمُ بأسْرِه على إعادتِه. وإنَّ المستقبل في عالمِ الغيْبِ، ولم يحضرْ إلى الآن، ولم يستأذِن عليك، فلا تسْتدْعِهِ حتى يأتي. وإنَّ الإحسان إلى الناسِ يُضفي على القلبِ سروراً، وعلى الصدرِ انشراحاً، وهو يعودُ على مُسديِه أعْظَمَ بركةٍ وثوابٍ وأجرٍ وراحةٍ ممنْ أُسدي إليهِ.
ومنْ شِيم المؤمنِ عدمُ الاكتراثِ بالنقْدِ الجائر الظالمِ، فلمْ يَسْلَمْ من السَّبِّ والشَّتْمِ حتى ربُّ العالمين، الذي هو الكاملُ الجليلُ الجميلُ، تقدَّستْ أسماؤُه.
قلتُ في أبياتٍ لي:
فعلام تَحْرِقُ أدمُعاً قد وُضِّئتْ ... ويظلُّ يُقْلِقُ قلْبَك الإرهابُ
وكِّلْ بها ربّاً جليلاً كلَّما ... نام الخلِيُّ تَفَتَّحتْ أبوابُ
احْذرِ العِشق
إياك وعِشْق الصُّورِ، فإنَّها همٌّ حاضِر، وكَدَرٌ مستمرٌّ. منْ سعادةِ المسلمِ يُعدُه عنْ تأوُّهاتِ الشعراءِ وولهِهِم وعشقِهم، وشكواهُم الهجْر والوصْل والفراق، فإنَّ هذا منْ فراغ القلبِ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ .
وأنا الذي جَلَبَ المنيَّة طَرْفُهُ ... فمنِ المُطالبُ والقتيلُ القاتِلُ
стр. 283
والمعنى: إنني أستحقُّ وأستأهلُ ما ذُقتُ من الألمِ والحسرةِ؛ لأنني المتسبِّبُ الأعظمُ فيما جرى لي.
وآخرُ أندلسٌّ يتباهى بكثرةِ هيامِه وعشقِه وولهِهِ، فيقولُ:
شكا ألم الفِراقِ النَّاسُ قبْلي ... ورُوِّع بالجوى حيٌّ وميْتُ
وأمّا مِثْلما ضمَّتْ ضلوعي ... فإنِّي ما سمعتُ ولا رأيْتُ
ولو ضمَّ بين ضلوعهِ التقوى والذْكر وروحانيّةً وربّانيّةً، لَوَصَلَ إلى الحقِّ، ولَعَرَ الدليل، ولأبصر الرُّشد، ولَسَلَك الجادَّة: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ .
إنَّ ابن القيِّمِ عالج هذهِ المسألة علاجاً شافياً كافياً في كتابِهِ (الداءُ والدواءُ) فليُرْجَعْ إليهِ.
إن للعشق أسباباً منها:
١. فراغُ منْ حُبِّه وذكْرِهِ وشُكرِه وعبادتِهِ.
٢. إطلاقُ البصرِ، فإنهُ رائدٌ يجلبُ على القلبِ أحزاناً وهموماً: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ، ((النظرةُ سهمٌ منْ سهامِ إبليس)) .
وأنت متى أرسلت طرْفك رائداً ... إلى كلِّ عينٍ أتعبتْكَ المناظِرُ
رأيت الذي لا كُلُّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عنْ بعضِهِ أنت صابِرُ
стр. 284
٣. التقصيرُ في العبوديَّةِ، والتقصيرُ في الذِّكْرِ والدُّعاءِ والنوافلِ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ .
أمَّ دواءُ العِشْقِ، فمنْهُ:
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ .
١. الانطراحُ على عتباتِ العبوديِّةِ، وسؤالُ المولى الشِّفاء والعافية.
٢. وغضُّ البصرِ وحفْظُ الفرْجِ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ .
٣. وهجْرُ ديارِ منْ تعلَّق بهِ القلبُ، وتركُ بيتهِ وموطنِهِ وذكْرِهِ.
٤. والاشتغالُ بالأعمالِ الصالحةِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ .
٥. والزَّواجُ الشَّرْعيُّ ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ، ((يا معشر الشبابِ، منِ استطاع منكمُ الباءة فليتزوَّجْ)) .
حقوقُ الأخوَّةِ
مما يُسعدُ أخاك المسلم أنْ تُناديهِ بأحبِّ الأسماءِ إليهِ.
أُكْنِيهِ حين أُناديِه لأُكرِمهُ ... ولا أُلقِّبُهُ والسَّوْءَةُ اللَّقبُ
стр. 285
وأنْ تهشَّ وتَبَشَّ في وجهِه ((ولو أنْ تلْقى أخاك بوجه طلْقٍ)) ، ((تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ)) . وأنْ تشجِّعهُ على الحديثِ معك - أي تتركَ له فرصةً ليتكلَّم عنْ نفسِه وعن أخبارِهِ - وتأل عنْ أمورِه العامّةِ والخاصّةِ، التي لا حَرَجَ في السؤالِ عنها، وأنْ تهتمّ بأموره ((منْ لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهمْ)) ، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ .
ومنها: أنْ لا تلومه ولا تعْذله على شيءٍ مضى وانتهى، ولا تحرجه بالمزاحِ: ((لا تُمارِ أخاك ولا تُمازِحْه، ولا تعِدهُ موعداً فتُخْلِفه)) .
«أسرارٌ في الذنوبِ.. ولكنْ لا تذنبْ !»
ذكر بعضُ أهلِ العلمِ: أنَّ الذنب كالختْمَ على العبد، ومنْ أسرارها بعد التوبةِ: قصْمُ ظهر العُجْبِ، وكثرةُ الاستغفارِ والتوبةُ والإنابةُ والتَّوجُّهُ والانكسارُ والندامة، ووقوع القضاءِ والقدرِ، والتَّسليمُ بعبوديَّةِ مُقابلةِ القضاءِ والقدرِ.
ومنها: تحقُّقُ أسماءِ اللهِ الحسنى وصفاتِه العُلى مثلِ: الرحيمِ والغفورِ والتَّوّابِ.
اطْلُبِ الرزق ولا تحرِصْ
سبحان الخالقِ الرازقِ، أعطى الدودةَ رزقها في الطَّينِ، والسمكة في الماءِ، والطائرَ في الهواءِ، والنملةَ في الظَّلماءِ، والحيَّة بين الصخورِ الصَّمّاءِ.
ذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ لطيفةً من اللَّطائفِ: أنَّ حيَّةُ عمياء كانتْ في رأسِ نخلةٍ، فكان يأتيها عصفورٌ بلحمٍ في فمِه، فإذا اقترب منها وَرْوَرَ وصفَّرَ،
стр. 286
فتفتحُ فاها، فيضعُ اللحم فيهِ سبحان منْ سخرَّ هذا لهذِه ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ .
وإذا ترى الثعبان ينفُثُ سُمَّهُ ... فاسألهُ منْ ذا بالسُّمومِ حشاكا
واسألهُ كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو ... تحيا وهذا السُّمُّ يَمْلأُ فاكا
كانتْ مريمُ ﵍ يأتيها رزقُها في المحرابِ صباح مساء، فقيل لها: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
لا تحزنْ فرزقُك مضمونٌ ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ . لتعلم البشريَّةُ أنَّ رازق الوالدِ، هو الذي لم يلدْ ولمْ يولدْ.
﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ إنَّ صاحب الخزائنِ الكبرى جلَّ في علاهُ قد تكفَّل بالرزقِ، فِبم القلقُ والزعيمُ بذلك اللهُ؟!
﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ .
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ .
وقفة
«أمّا الصلاةُ فشأُنها في تفريغِ القلبِ وتقويتِه، وشرْحِه، وابتهاجهِ ولذَّتِه، أكبَرْ شأنٍ، وفيها اتِّصالُ القلبٍ والرُّوحِ باللهِ، وقُربِه والتَّنعُّمِ بذكرِهِ، والابتهاجِ بمُناجاتِه، والوقوفِ بين يديْهِ، واستعمالِ جميعِ البدنِ وقُواهُ وآلاتِهِ
стр. 287
في عبوديَّتِهِ، وإعطاءِ كلِّ عضو حظَّه منها، واشتغالِه عن التَّعلُّقِ بالخلقِ ومُلابستِهم ومُحاوَرَتِهم، وانجذاب قوى قلبِهِ وجوارحِهِ إلى ربِّه وفاطرِهِ، وراحتهِ منْ عدوِّه حالة الصلاةِ ما صارتْ بهِ منْ أكبرِ الأدويةِ والمفرحاتِ والأغذيِةِ التي لا تُلائمُ إلا القلوب الصحيحة. وأمّا القلوبُ العليلةُ فهي كالأبدانِ، لا تُناسبها إلاَّ الأغذيةُ الفاضلةُ» .
«فالصلاةُ منْ أكبرِ العوْنِ على تحصيلِ مصالحِ الدنيا والآخرةِ، ودفْع مفاسِد الدنيا والآخرةِ، وهي منْهاةٌ عن الإثْمِ، ودافعةٌ لأدواءِ القلوبِ، ومطْردةٌ للداءِ عن الجسدِ، ومُنَوِّرةٌ للقلبِ، ومُبيِّضةٌ للوجهِ، ومنشِّطةٌ للجوارحِ والنفْسِ، وجالِبةٌ للرزقِ، ودافعةٌ للظُّلْمِ، وناصِرةٌ للمظلوم، وقامعةٌ لأخلاطِ الشّهواتِ، وحافظةٌ للنعمةِ، ودافعةٌ للنقمةِ، ومُنزلةٌ للرحمةِ، وكاشفةٌ للغُّمةِ» .
شريعةٌ سَمْحةٌ
ممَّا يُفرِّحُ العبد المسلم، ما في الشريعةِ من الثَّوابِ الجزيلِ والعطاءِ الضخْمِ، يتجلَّى ذلك في المكفِّراتِ العشْرِ، كالتوحيدِ وما يكفِّرُه من الذنوبِ. والحسناتِ الماحيةِ، كالصلاةِ، والجمعةِ إلى الجمعةِ، والعمرةِ إلى العمرةِ، والحجِّ، والصومِ، ونحو ذلك من الأعمالِ الصالحةِ. وما هناك منْ مُضاعَفَةِ الأعمالِ الصالحةِ، كالحسنةِ بعشرِ أمثالِها إلى سبعمائةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ. ومنها التوبةُ تجُبُّ ما قبلها من الذنوبِ والخطايا. ومنها المصائبُ المكفِّرةُ فلا يصيبُ المؤمن منْ أذىً إلا كفَّرَ اللهُ بهِ منْ خطاياهُ. ومنها دعواتُ المسلمين لهُ بظهْرِ الغيبِ. ومنها ما يُصيبُه من الكرْبِ وقت الموتِ.
стр. 288
ومنها شفاعةُ المسلمين له وقت الصلاةِ عليهِ. ومنها شفاعةُ سيِّد الخلقِ ﷺ ، ورحمةُ أرحم الراحمين ﵎ ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ ، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ .
﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى﴾
أوجس موسى في نفسِهِ خِيفةً ثلاث مرَّاتٍ:
الأولى: عندما دخل ديوان الطاغيةِ فرعون، فقال: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ ، قال اللهُ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ .
وحقِيقٌ بالمؤمنِ أن تكون في ذاكرتهِ وفي خلدِه: لا تخفْ، إنني أسمعُ وأرى.
والثانية: عندما ألقى السحرةُ عِصِيَّهم، فأوْجس في نفسِه خيِفةً موسى.
فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى﴾ .
الثالثةُ: لما أتْبعهُ فرعونٌ بجنودِه، فقال له اللهُ: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ﴾ وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .
إياك وأربعاً
أربعٌ تُورثُ ضنْكَ المعيشةِ وكَدَرَ الخاطرِ وضيِقَ الصَّدْرِ:
الأولى: التَّسخُّطُ من قضاءِ اللهِ وقدرِه، وعَدَمُ الرِّضا بهِ.
الثانيةُ: الوقوعُ في المعاصي بلا توبةٍ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
стр. 289
الثالثةُ: الحقدُ على الناسِ، وحُبُّ الانتقامِ منهمْ، وحَسَدُهم على ما آتاهُمُ اللهُ منْ فضلِه ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ، ((لا راحة لحسودِ)) .
الرابعةُ: الإعراضُ عنْ ذكرِ اللهِ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ .
اسكُنْ إلى ربِّك
راحةُ العبدِ في سكونِه إلى ربِّه .
وقد ذَكَرَ اللهُ السكينةَ في مواطن منْ كتابِه عزَّ من قائلٍ، فقال: ﴿َأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ، ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ، ﴿فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ .
والسَّكينةُ هي ثباتُ القلبِ إلى الرَّبّ، أو رسوخُ الجنان ثقةً بالرحمنِ، أو سُكُونُ الخاطرِ توكُّلاً على القادرِ. والسكينةُ هدوءُ لواعِجِ النفْسِ وسكونُها، واستئناسُها ورُكُودُها وعدمُ تفلُّتِها، وهي حالةٌ من الأمنِ، يَحْظَىَ بها أهلُ الإيمانِ، تُنقذُهُمْ منْ مزالقِ الحيْرةِ والاضطرابِ، ومهاوي الشَّكِّ والتَّسخُّطِ، وهي بحسب ولايةِ العبدِ لربِّه، وذكْرِه وشُكرِه لمولاهُ، واستقامتِه على أمرهِ، واتِّباعِ رسولِهِ ﷺ ، وتمسُّكِه بهدْيِه، وحبِّه لخالقِهِ، وثقتِه في مالكِ أمرهِ، والإعراضِ عمَّ سواهُ، وهجْر ما عداهُ، لا يدعو إلا الله، ولا يعبدُ إلا أياهُ ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ .
стр. 290
كلمتان عظيمتان
قال الإمامُ أحمد: كلمتان نفعني اللهُ بهما في المحنةِ
الأولى: لرجُلٍ حُبس في شربِ الخمْرِ، فقال: يا أحمدُ، اثبتْ، فإنك تُجلدُ في السُّنَّةِ، وأنا جُلِدُتُ في الخمرِ مراراً، وقدْ صبرْتُ. ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ ، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ .
الثانيةُ: لأعرابيٍّ قال للإمامِ أحمد - والإمامُ أحمدُ قدْ أُخِذَ إلى الحبْسِ، وهو مقيَّدٌ بالسلاسلِ: يا أحمدُ، اصبرْ، فإنَّما تُقتل منْ هنا، وتدخُلُ الجنة منْ هنا. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ .
منْ فوائدِ المصائبِ
استخرجُ مكنونِ عبوديةِ الدعاءِ، قال أحدُهم: سبحان منِ استخرج الدعاء بالبلاءِ. وذكَرُوا في الأثرِ: أنَّ الله ابتلى عبداً صالحاً منْ عبادِهِ، وقال لملائكتِه: لأسمع صوتهُ. يعني: بالدعاءِ والإلحْاحِ.
ومنها: كَسْرُ جماحِ النفسِ وغيِّها؛ لأنَّ الله يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
ومنها: عطفُ الناسِ وحبُّهم ودعاؤُهم للمصابِ، فإنَّ الناس يتضامنون ويتعاطفون مع منْ أُصيب ومنِ ابتُلي.
стр. 291
ومنها: صرْفُ ما هو أعظمُ منْ تلك المصيبةِ، فغنها صغيرةٌ بالنسبةِ لأكبر منها، ثمَّ هي كفَّارةٌ للذنوبِ والخطايا، وأجرٌ عند اللهِ ومثوبةٌ. فإذا عَلِمَ العبدُ أنَّ هذه ثمارُ المصيبةِ أنس بها وارتاح، ولم ينزعجْ ويَقْنطْ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
العلم هُدى وشِفاءٌ:
ذَكَرَ ابنُ حزمٍ في (مُداواة النفوس) أنَّ منْ فوائدِ العلمِ: نَفْيَ الوسواسِ عن النَّفْسِ، وطرْدَ الهمومِ والغمومِ والأحزانِ.
وهذا كلامٌ صحيحٌ خاصَّةً لمنْ أحبَّ العِلْم وشغف به وزاولهُ، وعمل به وظهر عليه نفْعُه وأثرُه.
فعلى طالبِ العلمِ أن يوزِّع وقته، فوقتٌ للحفْظِ والتكرارِ والإعادةِ، ووقتٌ للمطالعةِ العامَّةِ، ووقتٌ للاستنباطِ، ووقتٌ للجَمْعِ والتَّرتيبِ، ووقتٌ للتأمُّلِ والتدبُّرِ.
فكُنْ رجُلاً رِجْلُه في الثَّرى ... وهامةُ هِمَّتِهِ في الثُّريَّا
عسى أن يكون خيراً
للسيوطي كتابٌ بعنوان (الأرجُ في الفرج) : ذَكَرَ منْ كلامِ أهلِ العلمِ ما مجموعُه يُفيدُنا أنَّ المحَابَّ كثيرةٌ في المكارهِ، وأنَّ المصائب تُسفرُ عن عجائب وعن رغائب لا يُدركُها العبدُ، إلا بعد تكشُّفِها وانجلائِها.
стр. 292
لعَمْرُك ما يدري الفتى كيف يتَّقي ... نوائب هذا الدَّهرِ أمْ كيف يحْذرُ
يرى الشيء ممَّا يُتَّقى فيخافُه ... وما لا يرى مما يقِي اللهُ أَكْبَرُ
السعادةُ موهبةٌ ربَّانيَّة
ليس عجباً أنْ يكون هناك نفرٌ من الناسِ يجلسون على الأرصفةِ، وهم عُمَّالٌ لا يجدُ احدُهم إلا ما يكفي يومه وليلته، ومع ذلك يبتسمون للحياةِ، صدورُهم منشرِحةٌ وأجسامُهم قويةٌ، وقلوبُهم مطمئنَّةٌ، وما ذلك إلا لأنَّهم عَرَفوا أنَّ الحياة إنما هي اليومُ، ولم يشتغلوا بتذكُّرِ الماضي ولا بالمستقبلِ وإنما أفنوْا أعمارهم في أعمالِهم.
وما أُبالي إذا نفسي تطاوعُني ... على النَّجاةِ بمنْ قدْ عاش أو هلكا
وقارِنْ بين هؤلاء وبين أناسٍ يسكنون القصور والدُّور الفاخرة، ولكنَّهمْ بَقُوا في فراغٍ وهواجس ووساوس، فشتتهُمُ الهمُّ، وذهب بهم كلَّ مذهبِ.
لحا اللهُ ذي الدِّنيا مُناخاً لراكِبٍ ... فكُلُّ بعيدٍ الهمِّ فيها مُعذَّبُ
الذِّكْرُ الجميلُ عمرٌ طويلٌ
منْ سعادِة العبدِ المسلمِ أنْ يكون لهُ عمرٌ ثانٍ، وهو الذِّكْرُ الحسنُ، وعجباً لمنْ وجد الذكْر الحسنَ رخيصاً، ولمْ يشترِهِ بمالِه وجاهِه وسعيِه وعملِه.
стр. 293
وقدْ سبق معنا أنَّ إبراهيم ﵇ طلب منْ ربِّه لسان صدْقٍ في الآخرِين، وهو: الثَّناءُ الحسنُ، والدعاءُ له.
وعجبْتُ لأُناسٍ خلَّدوا ثناءً حسناً في العالمِ بحُسْنِ صنيعهِم وبكرمهِم وبذْلِهم، حتى إنَّ عُمَرَ سأل أبناء هرِم بنِ سنانٍ: ماذا أعطاكمْ زهيرٌ، وماذا أعطيتُموهُ؟ قالوا: مَدَحَنا، وأعطيناهُ مالاً. قال عمرُ: ذهب واللهِ ما أعطيتموهُ، وبقي ما أعطاكمْ.
يعني: الثناءُ والمديحُ بقي لهمْ أبد الدّهرِ.
أولى البرِيَّةِ طُرَّا أنْ تُواسِيهُ ... عند السُّرورِ الذي واساك في الحزنِ
إن الكرام إذا ما أُرسِلُوا ذكرُوا ... منْ كان يألفُهم في المنزلِ الخشنِ
أُمَّهاتُ المراثي
هناك ثلاثُ قصائد خلَّدتْ منْ قِيلتْ فيهم:
ابنُ بقيَّة الوزيرُ الشهيرُ، قتلهُ عَضُدُ الدولةِ، فرثاهُ أبو الحسنِ الأنباريُّ بقصيدتِه الرائعةِ العامرةِ، ومنها:
عُلُوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... لحقٌّ تِلْك إحدى المُعجزاتِ
كأنَّ الناس حوْلك حين قاموا ... وفودُ نداك أيام الصِّلاتِ
كأنَّك واقِفٌ فيهم خطيباً ... وهمْ وقفُوا قِياماً للصَّلاةِ
стр. 294
مددت يديْك نحوهمُو اختفاءً ... كمدِّهما إليهمْ بالهِباتِ
ولما ضاق بطنُ الأرضِ عنْ أنْ ... يُواروا فيه تلك المكْرُماتِ
أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا ... عليك اليوم صوت النّائِحاتِ
وما لك تُربةٌ فأقولُ تُسقى ... لأنَّك نُصْب هطْلِ الهاطِلاتِ
عليك تحيَّة الرحمنِ تتْرى ... بتبريكِ الفؤادِ الرّائِحاتِ
لِعظْمِك في النُّفُوسِ تباتُ تُرعى ... بحُراسٍ وحُفَّاظٍ ثقاتِ
وتُوقدُ حولك النيرانُ ليلاً ... كذلك كُنت أيام الحياةِ
ما أجمل العباراتِ، وما أجمل الأبياتِ، وما أنْبَلَ هذهِ المُثُل، وما أضخم هذهِ المعاني. الله ما أجْملها من أوسمةٍ، وما أحسنها من تِيجان!!
لمَّا سمع هذه الأبيات عضدُ الدولة الذي قتلهُ، دمعتْ عيناه وقال: وددتُ واللهِ أنني قُتلتُ وصُلِبْتَ، وقيِلتْ فيَّ.
ويُقتلُ محمدُ بنُ حميدٍ الطوسيُّ في سبيلِ اللهِ، فيقولُ أبو تمام يرثيه:
كذا فليجلَّ الخطبُ وليَفْدحِ الأمرُ ... فليْس لِعَيْنٍ لم يفِضْ ماؤها عُذْرُ
تُوفِّيتِ الآمالُ بعد محمَّدٍ ... وأصبح في شُغلٍ عن السَّفرِ السَّفرُ
تردَّ ثياب الموت حُمْراً فما دَجَى ... لها الليلُ إلا وهي منْ سُنْدُسٍ خُضْرُ
إلى آخرِ ما قال في تلك القصيدةِ الماتِعةِ، فسمِعها المعتصمُ، وقال: ما مات من قِيلتْ فيه هذهِ الأبياتُ.
стр. 295
ورأيتُ كريماً آخر في سلالةِ قُتيبة بنِ مسلمٍ القائدِ الشهيرِ، هذا الكريمُ بذل ماله وجاههُ، وواسى المنكوبين، ووقف مع المصابين وأعطى المساكين، وأطعم الجائعين، وكان ملاذاً للخائفين، فلمَّا مات، قال أحدُ الشعراء:
مضى ابنُ سعيدٍ حين لم يبق مشرِقٌ ... ولا مغرِبٌ غلاَّ لهُ فيهِ مادحُ
وما كنتُ أدري ما فواضِلُ كفِّهِ ... على الناسِ حتى غيَّبتْهُ الصَّفائحُ
وأصبح في لحدٍ مِن الأرضِ ضيِّقٍ ... وكانتْ به حيّاً تضِيقُ الصَّحاصحُ
سأبكيك ما فاضتْ دموعي فإنْ تفِضْ ... فحسْبُك مني ما تجِنُّ الجوابِحُ
فما أنا مِنْ رُزْءٍ وإنْ جلَّ جازِعٌ ... ولا بسرورٍ بعد موتِك فارِحُ
كأنْ لم يُمتْ حيٌّ سواك ولم تقُمْ ... على أحدٍ إلا عليك النَّوائِحُ
لئنْ عظُمتْ فيك المراثي وذكْرُها ... لقد عظمتْ مِنْ قبلُ فيك المدائحُ
وهذا أبو نواس يكتبُ تاريخ الخصيبِ أميرِ مِصْرِ، ويسجِّل في دفترِ الزمانِ اسمه فيقولُ:
إذا لم تزُرْ أرض الخصيبِ ركابُنا ... فأيَّ بلادٍ بعدهنَّ تزورُ
فما جازهُ جودٌ ولا حلَّ دونه ... ولكنْ يسيرُ الجودُ حيثُ يسيرُ
فتىً يشتري حُسْن الثَّناءِ بمالِه ... ويعلمُ أنَّ الدَّائراتِ تدورُ
ثم لا يذكُرُ الناسُ منْ حياةِ الخصيبِ، ولا منْ أيامِه إلا هذهِ الأبيات.
стр. 296
وقفةٌ
((اللهمَّ اقِسمْ لنا مِنْ خشيتِك ما تحُولُ به بيننا وبين معاصيك، ومنْ طاعتِك ما تُبلُغُنا به جنَّتك، ومن اليقينِ ما تُهوِّنُ به علينا مصائب الدنيا، ومتِّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتِنا ما أحْييْتنا، واجْعلْه الوارِث منا، واجعلْ ثأرنا على منْ ظَلَمَنا، وانصُرْنا على منْ عادانا، ولا تجعلْ مصيبتنا في ديننِا، ولا تجعلِ الدُّنيا أكبر همنا، ولا مبلغ عِلْمِنا، ولا تُسلِّطْ علينا بذنوبنا منْ لا يرحمُنا)) .
قال عليُّ بنُ مقلة:
إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ ... وضاق لما بهِ الصَّدرُ الرَّحيبُ
وأوْطنتِ المكارهُ واطمأنَّتْ ... وأرستْ في أماكنِها الخطوبُ
ولم تر لانكشافِ الضُّرِّوجهاً ... ولا أغنى بحِيلتِهِ الأريبُ
أتاك على قُنُوطِك منهُ غَوْثٌ ... يمُنُّ به القريبُ المُستجيِبُ
وكُلُّ الحادثاتِ وإن تناهتْ ... فموصولٌ بها فرجٌ قريبُ
ربٌّ لا يظْلِمُ ولا يَهْضِمُ
ألا يحقُّ لك أنْ تَسْعَدَ، وأنْ تهدأ وأنْ تسكن إلى موعودِ اللهِ، إذا علمت أنَّ في السماء ربّاً عادلاً، وحكماً مُنصفاً، أدخل امرأةُ الجنة في كلبٍ، وأدخل امرأةً النار في هِرَّة.
стр. 297
فتلك امرأةٌ بغيٌّ منْ بني إسرائيل، سقتْ كلباً على ظمأٍ، فغفر اللهُ لها وأدخلها الجنة، لمِا قام في قلبِها منْ إخلاصِ العملِ للهِ.
وهذهِ حبست قطَّةً في غُرفةٍ، لا هي أطعمتْها، ولا سقتْها، ولا تركتْها تأكلُ منْ خشاشِ الأرضِ، فأدخلها اللهُ النار.
فهذا ينفعُك ويُثلجُ صدرك بحيثُ تعلمُ أنه يجزي على القليلِ، ويُثيبُ على العملِ الصغيرِ، ويُكافئُ عبدهُ على الحقيرِ.
وعند البخاريِّ مرفوعاً: ((أربعون خصْلةً، أعلاها منِحةُ العنزِ ما من عاملٍ يعملُ بخصلةٍ منها رجاء موعودِها وتصديق ثوابِها إلا أدخله اللهُ الجنة)) ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ .
فرِّجْ عنْ مكروبٍ، وأعطِ محروماً، وانصرْ مظلوماً، وأطعمْ جائعاً، واسْقِ ظامئاً، وعُدْ مريضاً، وشيِّع جنازةً، وواسِ مصاباً، وقُدْ أُعْمى، وأرشِدْ تائِهاً، وأكرم ضيفاً، وبِرَّ جاراً، واحترمْ كبيراً، وارحمْ صغيراً، وابذُلْ طعامك، وتصدَّقْ بدِرْهمِك، وأحسِنْ لفظك، وكُفَّ أذاك، فإنه صدقةٌ لك.
إنَّ هذه المعاني الجميلة، والصفاتِ السامية، منْ أعظمِ ما يجلبُ السعادة، وانشراح الصدرِ، وطردَ الهمِّ والغمِّ والقلق والحزن.
لله دِرُّ الخُلُقِ الجميلِ، لو كان رجلاً لكان حَسَنَ الشّارةِ، طيِّب الرائحةِ حَسَنَ الذكْرِ، باسِم الوجهِ.
стр. 298
اكتبْ تأريخك بَنفْسِك
كنتُ جالساً في الحرَمِ في شدَّةِ الحرّ، قبل صلاةِ الظهرِ بساعةٍ، فقام رجلٌ شيخٌ كبيرٌ، وأخذ يُباشِرُ على الناسِ بالماءِ الباردِ، فيأخذُ بيدهِ اليُمنى كوباً، وفي اليُسرى كوباً، ويسقيهمُ منْ ماءِ زمزم، فكلَّما شرب شاربٌ، عاد فأسقى جارهُ، حتى أسقى فِئاماً من الناسِ، وعَرَقُه يتصبَّبُ، والناسُ جلوسٌ كلٌّ ينتظرُ دوره ليشرب منْ يدِ هذه الشيخِ الكبيرِ، فعجبتُ منْ جلدِهِ ومنْ صبرِهِ ومنْ حبِّه للخيرِ، ومن إعطائِه هذا الماءَ للناسِ وهو يتبسَّمُ، وعلمتُ أنَّ الخير يسيرٌ على منْ يسرَّه اللهُ عليه، وأنَّ فِعْلَ الجميِل سَهْلٌ على منْ سهَّلهُ اللهُ عليه، وأنَّ للهِ ادِّخاراتٍ من الإحسانِ، يمنحُها منْ يشاءُ منْ عبادهِ، وأنَّ اللهُ يُجري الفضائل ولو كانتْ قليلةً على يدِ أناسٍ خيرِّين، يحبُّون الخيْر لعبادِ اللهِ، ويكرهون الشَّرَّ لهم.
أبو بكر يعرِّضُ نفسه للخطرِ في الهجرةِ، حمايةً للرسولِ ﷺ .
وحاتمُ ينامُ جائعاً، ليشبع ضيوفه.
وأبو عبيدة يسهرُ على راحةِ جيشِ المسلمين.
وعمرُ يطوفُ المدينة والناسُ نيامٌ.
ويتلوى من الجوعِ عام الرَّمادة، ليُطعم الناس.
وأبو طلحة يتلقى السهام في أُحُدٍ، ليقي رسول اللهِ ﷺ .
وابنُ المباركِ يُباشِرُ على الناسِ بالطعامِ وهو صائمٌ.
ذهبوا يرون الذكر عمراً ثانيا ... ومضوا يعدُّون الثناء خلودا
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ .
стр. 299
أنْصِتْ لكلامِ اللهِ
هدِّئ أعصابك بالإنصاتِ إلى كتابِ ربِّك، تلاوةً مُمتعةً حسنةً مؤثِّرةً منْ كتابِ اللهِ، تسمعُها منْ قارئٍ مجوِّدٍ حَسَنِ الصوتِ، تصلُك على رضوانِ اللهِ ، وتُضفي على نفسِك السكينة، وعلى قلبِك يقيناً وبرداً وسلاماً.
كان ﷺ يحبُّ أنْ يسمع القرآن منْ غيرِهِ، وكان ﷺ يتأثَّرُ إذا سمع القرآن منْ سواهُ، وكان يطلُبُ منْ أصحابِه أنْ يقرؤوا عليهِ، وقد أُنزل عليهِ القرآنُ هو، فيستأنسُ ﷺ ويخشعُ ويرتاحُ.
إنَّ لك فيهِ أسوةً أنْ يكون لك دقائقُ، أو وقتٌ من اليومِ أو الليلِ، تفتحُ فيهِ المذياع أو مسجّلاً، لتستمع إلى القارئِ الذي يعجبُك، وهو يتلو كلام اللهِ .
إنَّ ضجَّة الحياةِ وبلبلة الناسِ، وتشويش الآخرين، كفيلٌ بإزعاجِك، وهدِّ قُواك، وبتشتيتِ خاطرِك. وليس لك سكينةٌ ولا طمأنينةٌ، إلاَّ في كتابِ ربِّك وفي ذكرِ مولاك: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ .
يأمرُ ﷺ ابن مسعودٍ، فيقرأ عليه منْ سورةِ النساءِ، فيبكي ﷺ حتى تنهمر دموعُه على خدِّه، ويقولُ: ((حسْبُك الآن)) .
ويمرُّ بأبي موسى الأشعريِّ، وهو يقرأُ في المسجدِ، فيُنصتُ لهُ، فيقولُ له في الصباحِ: ((لو رأيتني البارحة وأنا أستمعُ لقراءتِك)) ، قال أبو موسى: لو أعلمُ يا رسول الله أنك تستمعُ لي، لحبَّرْتُهُ لك تحبيراً.
стр. 300
عند ابن أبي حاتم يمرُّ ﷺ بعجوزٍ، فيُنصت إليها منْ وراءِ بابها، وهي تقرأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ، تعيدُها وتكرِّرُها، فيقولُ: ((نعم أتاني، نعم أتاني)) .
إنَّ للاستماعِ حلاوةً، وللإنصاتِ طلاوةً.
أحدُ الكُتاّبِ اللامعين المسلمين سافر إلى أوربا، فأبحر في سفينةٍ، وركبتُ معه امرأةٌ منْ يوغسلافيا، شيوعيَّةٌ فرَّتْ منْ ظُلمٍ ومنْ قهرِ تيتو، فأدركتْه صلاةُ الجمعةِ مع زملائِه، فقام فخطبهم، ثم صلَّى بهمْ وقرأ سورة الأعلى والغاشية، وكانتِ المرأةُ لا تجيدُ العربية، كانتْ تُنصتُ إلى الكلام وإلى الجرْسِ وإلى النَّغمةِ، وبعد الصلاةِ سألتْ هذا الكاتب عن هذهِ الآياتِ؟ فأخبرها أنها من كلامِ اللهِ ، فبقيتْ مدهوشةً مذهولةً، قال: ولم تمكنّي لغتي لأدعُوها إلى الإسلامِ: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ .
إنَّ للقرآنِ سلطاناً على القلوبِ، وهيبةٌ على الأرواحِ، وقوةً مؤثَّرةً فاعلةً على النفوسِ.
عجبتُ لأناسٍ من السلفِ الأخبارِ، ومن المتقدِّمين الأبرار، انهدُّوا أمام تأثيرِ القرآن، وأمام إيقاعاتِه الهائلةِ الصادقةِ النافذةِ: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ .
فذاك عليُّ بنُ الفُضيل بن عياضٍ يموتُ لمَّا سمع أباه يقرأُ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ .
стр. 301
وعمرُ ﵁ وأرضاهُ منْ سماعِه لآيةٍ، ويبقى مريضاً شهراً كاملاً يُعادُ، كما يُعادُ المريضُ، كما ذكر ذلك ابنُ كثيرٍ. ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ .
وعبدُاللهِ بنُ وهبٍ، مرَّ يوم الجمعةِ فسمع غلاماً يقرأُ: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ... ﴾ فأُغمي عليه، ونُقل إلى بيتهِ، وبقي ثلاثة أيامٍ مريضاً، ومات في اليوم الرابعِ. ذَكَرَه الذهبيُّ.
وأخبرني عالمٌ أنه صلَّى في المدينةِ، فقرأ القارئُ بسورةِ الواقعةِ، قال: فأصابني من الذهولِ ومن الوجلِ ما جعلني اهتزُّ مكاني، وأتحرَّكُ بغيرِ إرادةٍ مني، مع بكاءٍ، ودمعِ غزيرٍ. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ .
ولكنْ ما علاقةُ هذا الحديثِ بموضوعِنا عنِ السعادةِ؟!
إنَّ التشويش الذي يعيشُه الإنسانُ في الأربعِ والعشرين ساعةً كفيلٌ أنْ يُفقِده وعيهُ، وأن يُقلقه، وأن يُصيبه بالإحباطِ، فإذا رَجَعَ وأنصت وسَمَعَ وتدبَّر كلام المولى، بصوتٍ حسنٍ منْ قارئٍ خاشعٍ، ثاب إليه رُشدُه، وعادتْ إليه نفسهُ، وقرَّتْ بلابلهُ، وسكنتْ لواعِجُه. إنني أُحذَّرك بهذا الكلامِ عنْ قومٍ جعلُوا الموسيقى أسباب أُنسِهمْ وسعادتِهمْ وارتياحِهم، وكتبُوا في ذلك كُتُباً، وتبجَّح كثيرٌ منهمْ بأنَّ أجمل الأوقات وأفضل الساعات يوم يُنصت إلى الموسيقى، بلْ إنَّ الكُتَّاب الغربيين الذين كتبُوا عن السعادةِ وطردِ القلقِ يجعلون منْ عواملِ السعادةِ الموسيقى. ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ ، ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ .
стр. 302
إنَّ هذا بديلٌ آثِم، واستماعٌ محرَّم، وعندنا الخيْرُ الذي نزل على محمدٍ ﷺ ، والصِّدقُ والتوجيهُ الرَّاشدُ الحكيمُ، الذي تضمَّنه كتاب اللهِ : ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
فسماعٌنا للقرآنِ سماعٌ إيمانيٌّ شرعيٌّ محمديٌّ سنيٌّ ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ، وسماعُهم للموسيقى سماعٌ لاهٍ عابثٌ، لا يقومُ به إلا الجَهَلةُ والحمقى والسُّفهاءُ من الناسِ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
كلٌّ يبحثُ عنِ السعادةِ ولكنْ
للعالمِ الإسكافيِّ كتابٌ بعنوان (لُطْفُ التدبيرِ) وهو كتابٌ جمُّ الفائدةِ، أخَّاذٌ جذَّابٌ جلاَّبٌ، مؤدَّى الكلامِ فيه البحثُ عن السيادةِ والسعادةِ والرِّيادةِ، فإذا الاحتيالُ والمكرُ والدهاءُ، وضَرْبٌ من السياسةِ، وأفانينُ من الالتواءِ، فَعًَلها كثيرٌ من الملوكِ والرؤساءِ، والأدباءِ والشعراءِ، وبعضِ العلماءِ، كلُّهم يريدُ أنْ يهدأ وأنْ يرتاح، وأنْ يحصل على مطلوبهِ، حتى إنّهُ منْ عناوينِ هذا الكتابِ:
في لطفِ التدبيرِ، تسكيرُ شغْبٍ، وإصلاحُ نِفارٍ أو ذاتِ بيْن، ماذا يفعلُ المنهزمُ في مكائدِ الأعداءِ، مُكايَدَةُ صغيرٍ لكبيرٍ، في دفعِ مكروهٍ بقولٍ، في دفعِ مكروهٍ بمكروهٍ، في دفعِ مكروهٍ بلُطفٍ، في لُطفِ التدبيرِ في دفعِ مكروهٍ، في مُداراةِ سلطانٍ، في الانتقامِ منْ سالِب مُلكٍ، في الخلاصِ منْ نِقْمةٍ في الفتْكِ والاحترازِ منُه في إظهارِ أمرٍ لإخفاءِ غيرِه. إلى آخرِ تلك الأبوابِ.
стр. 303
ووجدتُ أنَّ الجميع كلَّهمْ يبحثون عنِ السعادِة والاطمئنانِ، ولكنْ قليلٌ منهمْ منِ اهتدى إلى ذلك ووُفِّق لنيْلِها. وخرجتُ من الكتابِ بثلاثِ فوائد:
الأولى: أنَّ منْ لم يجعلِ الله نصب عينيه، عادتْ فوائدُه خسائِر وأفراحُه أتراحاً، وخيراتُه نكباتٍ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
الثانيةِ: أنَّ الطرق الملتوية الصَّعْبة التي يسعى إليها كثيرٌ من الناسِ في غيرِ الشريعةِ، لنيلِ السعادةِ، يجدونها - بطُرُقٍ أسهَلَ وأقرَبَ - في طريق الشرعِ المحمديِّ، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ فينالون خَيْرَ الدنيا وخَيْرَ الآخرةِ.
الثالثةِ: أنَّ أُناساً ذهبتْ عليهمْ دنياهم وأخراهم، وهمْ يظُنُّون أنهم يُحسنون صُنعاً، وينالون سعادةً، فما ظفرُوا بهذه ولا بتلك، والسببُ إعراضُهم عن الطريقِ الصحيحِ الذي بعث اللهُ به رُسُلَهُ، وأنزل به كتبه، وهي طلبُ الحقِّ، وقولُ الصدْقِ، ﴿َتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ .
كان أحدُ الوزراءِ في لهوهِ وطربِه، فأصابه غمٌّ كاتِمٌ، وهمٌّ جاثِمٌ فصرخ:
ألا موتٌ يُباعُ فأشترِيهِ ... فهذا العيشُ ما لا خير فيهِ
إذا أبصرتُ قبراً من بعيدٍ ... وددتُ لو أنني ممَّا يليِهِ
ألا رحِم المهيمنُ نفْس حُرٍّ ... تصدَّق بالوفاةِ على أخيهِ
стр. 304
وقفةٌ
«فليُكْثِرِ الدُّعاء في الرَّخاءِ: أيْ في حالِ الرَّفاهيةِ والأمنِ والعافيةِ؛ لأنَّ مِنْ سمةِ المؤمنِ الشاكرِ الحازمِ، أنْ يرِيش الشهم قبل الرمْي، ويلتجئ إلى اللهِ قبْل الاضطرارِ، بخلافِ الكافرِ الشَّقيِّ والمؤمنِ الغبيِّ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً﴾ .
فتعيَّن على منْ يريدُ النجاةَ مِنْ ورطاتِ الشَّدائدِ والغُمومِ، أنْ لا يفعل بقلبهِِ ولسانِه عنِ التَّوجُّهِ إلى حضرةِ الحقِّ - تقدّسَ - بالحمْدِ والابتهالِ إليه والثَّناء عليه، إذ المراد بالدعاء في الرخاء - كما قاله الإمام الحليمي - دعاء الثناءِ والشُّكرِ والاعترافِ بالمِنن، وسؤالِ التوفيقِ والمعونةِ والتَّأييدِ. والاستغفارِ لعوارضِ التَّقصيرِ، فإنَّ العبد - وإنْ جهِد - لم يُوفِّ ما عليهِ منْ حقوقِ الله بتمامِها، ومنْ غفل عنْ ذلك، ولم يُلاحظْه في زَمَنِ صِحَّتِهِ وفراغِه وأمْنِهِ، فقدْ صدقَ عليه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ » .
نعيمٌ وجحيمٌ
نشرتْ الصحفُ العالميةُ خبراً عن انتحارِ رئيسِ وزراءِ فرنسا في حُكمِ الرئيسِ ميتران، والسببُ في ذلك أنَّ بعض الصحفِ الفرنسية شنَّتْ عليهِ غارةً من النقْدِ والشتْمِ والتَّجريحِ، فلمْ يجدْ هذا المسكينُ إيماناً ولا سكينةً ولا استقراراً يعودُ إليه، ولم يجدْ منْ يركنُ إليه، فبادر فأزْهَقَ رُوحَه.
стр. 305
إنَّ هذا الرجل المسكين الذي أقدم على الانتحارِ لم يهتدِ بالهدايةِ الرَّبّانيَّةِ المتمثَّلةِ في قولِهِ سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وقولِه سبحانه: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ ، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ ، لأنَّ الرجل فَقَدَ مفتاح الهدايةِ، وطريق السَّدادِ وسبيل الرَّشادِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ .
إنَّ منْ وصايا الآخرين لكلِّ مُثْقلٍ بالهمِّ والحزنِ، أنْ يأمروه بالجلوسِ على ضفافِ النهرِ، ويستمتع بالموسيقى، ويلعب النَّرْد، ويتزلَّج على الثْلجِ.
لكنْ وصايا أهل الإسلامِ، وأهلَ العبوديَّةِ الحقَّةِ: جلسةٌ بين الأذانِ والإقامِة في روضةٍ منْ رياضِ الجنَّةِ، وهتافٌ بذِكرِ الواحد الأحدِ، وتسليمٌ بالقضاءِ والقدرِ، ورضاً بما قسم اللهُ، وتؤكُّلٌ على اللهِ جلَّ وعلا.
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾
نَزَلَ هذا الكلامُ على رسولِ اللهِ ﷺ فتحقَّقتْ فيه هذهِ الكلمةُ، فكان سهل الخاطرِ، منشرح الصدرِ، متفائلاً، جيَّاشَ الفؤادِ، حيَّ العاطفةِ، ميسَّراً في أمورِهِ، قريباً من القلوبِ، بسيطاً في عظمةٍ، دانياً من الناسِ في هيبةٍ، متبسماً في وقارٍ، متحبباُ في سموٍّ، مألوفاً للحاضر والبادي، جمَّ الخُلُقِ، طلْقَ المُحيَّا، مشرق الطلْعةِ، غزير الحياءِ، يهشُّ للدُّعابةِ، ويَبَشُّ للقادِم، مسروراً بعطاءِ اللهِ، جذِلاُ بالهِباتِ الرَّبانيَّةِ، لا يعتريه اليأسُ، ولا يعرفُ الإحباط، ولا يخلدُ إلى التَّخْذِيلِ، ولا يعترفُ بالقنوطِ، ويُعجبُه الفألُ الحسنُ، ويكرهُ
стр. 306
التَّعمُّق والتَّشدُّق، والتَّفيْهُق والتَّكلُّف والتَّنطُّع؛ لأنهُ صاحبُ رسالةٍ، وحاملُ مبدأ، وقدوةُ أُمَّةٍ، وأُسوةُ أجيالٍ، ومعلِّمُ شعوبٍ، وربُّ أسرةٍ، ورجُلُ مجتمعٍ، وكنْز مُثُلٍ، ومَجْمَعُ فضائل، وبحرُ عطايا، ومشرِقُ نورٍ.
إنه باختصارٍ: ميسرٌ لليُسرى،، وإنه بإيجازٍ ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أو بعبارةٍ أخرى: ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وكفى!! ﴿شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴿٤٥﴾ وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ .
إنَّ مما يُعارضُ الرسالة الميسَّرة السهلة: تنطُّعُ الخوارجِ، وتزندُقُ أهلِ المنطقِ عبيدِ الدنيا، وانحرافُ مرتزقةِ الأفكار ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
مفهومُ الحياةِ الطَّيِّبةِ
يقولُ أحدُ أذكياءِ الإنكليزِ: بإمكانك وأنت في السجنِ منْ وراءِ القضبانِ الحديديةِ أنْ تنظُرَ إلى الأُفُقِ، وأنْ تُخْرِج زهرةً منْ جيبِك فتشُمَّها وتبتسم، وأنت مكانك، وبإمكانِك وأنت في القصْرِ على الديباج والحريرِ، أنْ تحتدَّ وأنْ تغضب وأنْ تثور ساخطاً منْ بيتِك وأسرتِك وأموالِك.
إذنْ السعادةُ ليستْ في الزمانِ ولا في المكانِ، ولكنَّها في الإيمانِ، وفي طاعةِ الدَيَّانِ، وفي القلبِ. والقلبُ محلُّ نظرِ الرَّبَّ، فإذا استقرَّ اليقينُ فيه، انبعثتِ السعادةُ، فأضفتْ على الروح وعلى النفسِ انشراحاً وارتياحاً، ثمَّ فاضتْ على الآخرين، فصارتْ على الظِّرابِ وبطونِ الأودية ومنابتِ الشجرِ.
стр. 307
أحمدُ بنُ حنبل عاش سعيداً، وكان ثوبُه أبيض مرقَّعاً، يخيطُه بيدِهِ، وعندهُ ثلاثُ غُرفٍ منْ طينٍ يسكُنها، ولا يجدُ إلا كِسرَ الخُبْزِ مع الزيتِ، وبقي حذاؤه - كما قال المترجمون عنهُ - سبع عشرة سنةً يرقِّعها ويخيطُها، ويأكلُ اللحم في شهرٍ مرَّةً ويصومُ غالب الأيامِ، يذرعُ الدنيا ذهاباً وإياباً في طلَبِ الحديثِ، ومع ذلك وجد الراحة والهدوء والسكينة والاطمئنان؛ لأنهُ ثابتُ القدم، مرفوعُ الهامةِ، عارفٌ بمصيرِه، طالبٌ لثوابٍ، ساعٍ لأجرٍ، عاملٌ لآخرةٍ، راغبٌ في جنَّةٍ.
وكان الخلفاءُ في عهدِه - الذين حكموا الدنيا - المأمونُ، والواثقُ، والمعتصمُ، والمتوكلُ عندهم القصورُ والدُّورُ والذهبُ والفضةُ والبنودُ والجنودُ، والأعلامُ والأوسمةُ والشاراتُ والعقاراتُ، ومعهمْ ما يشتهون، ومع ذلك عاشُوا في كَدَرٍ، وقَضَوْا حياتَهم في همٍّ وغمٍّ، وفي قلاقل وحروبٍ وثوراتٍ وشَغَبٍ وضجيجٍ، وبعضُهم كان يتأوَّهُ في سكراتِ الموتِ نادماً على ما فرَّط، وعلى ما فعل في جنبِ اللهِ.
ابنُ تيمية شيخُ الإسلامِ، لا أهل ولا دار ولا أسرة ولا مال ولا منصب، عندهُ غرفةٌ بجانبِ جامعِ بني أمية يسكنُها، ولهُ رغيفٌ في اليومِ، وله ثوبانِ يغيِّر هذا بهذا، وينامُ أحياناً في المسجدِ، ولكنْ كما وَصَف نفسه: جنَّتُه في صدرِه، وقتْلُه شهادةٌ، وسجْنه خِلْوةٌ، وإخراجهُ منْ بلدِهِ سياحةٌ؛ لأن شجرة الإيمانِ في قلبِهِ استقامتْ على سُوقِها، تُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها يمُدُّها زيتُ العنايةِ الربانيةِ، ﴿يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ ، ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ، ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ .
стр. 308
خرج أبو ذرٍّ ﵁ وأرضاهُ إلى الرَّبذةِ، فنصب خيمتهُ هناكَ، وأتى بامرأتِه وبناتِهِ، فكان يصومُ كثيراً من الأيامِ، يذكُرُ مولاهُ، ويسبِّحُ خالقهُ، ويتعبَّدُ ويقرأُ ويتلو ويتأمَّلُ، لا يملكُ من الدنيا إلا شمْلةً أو خيمةً، وقطعةً من الغنمِ مع صحْفةٍ وقصْعةٍ وعصا، زارَهُ أصحابُه ذات يوم، فقالوا: أين الدنيا؟ قال: في بيتي ما أحتاجُه من الدنيا، وقدْ أخبرنا ﷺ أنَّ أمامنا عقبةً كؤوداً لا يجيزُها إلا المُخِفُّ.
كان منشرحَ الصدرِ، ومنثلج الخاطرِ، فعندهُ ما يحتاجُه من الدنيا، أمّا ما زاد على حاجتِه، فأشغالٌ وتبِعاتٌ وهمومٌ وغمومٌ.
قلتُ في قصيدةٍ بعنوان: أبو ذرٍّ في القرن الخامسِ عَشَرَ، متحدِّثاً عنْ غُربةِ أبي ذرٍّ وعن سعادتِه، وعن وحدتِه وعزلتِه، وعن هجرتِه بروحِه ومبادئِه، وكأنه يتحدثُ عن نفسِه:
لاطفُوني هدَّدْتُهم هدَّدُوني ... بالمنايا لاطفتُ حتى أحسَّا
أركبُوني نزلتُ أركبُ عزْمي ... أنزلُوني ركِبتُ في الحقِّ نفْسا
أطرُدُ الموت مُقْدِماً فيُولِّي ... والمنايا أجتاحُها وهْي نعْسَى
قد بكتْ غربتي الرمالُ وقالتْ ... يا أبا ذرٍّ لا تخفْ وتأسَّا
قلتُ لا خوف لم أزلْ في شبابٍ ... مِنْ يقيني ما مِتُّ حتى أُدسَّا
أنا عاهدتُ صاحِبِي وخليلي ... وتلقَّنْتُ منْ أمالِيهِ درْسا
стр. 309
إذنْ فما هي السعادةُ ؟!
((كنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل)) ، ((فطوبى للغرباءِ)) .
ليسِ السعادةُ قصر عبدِالملك بنِ مروان، ولا جيوش هارونِ الرشيدِ ولا دُور ابنِ الجصَّاصِ، ولا كنوز قارون، ولا في كتابِ الشفاءِ لابنِ سينا، ولا في ديوانِ المتنبي، ولا في حدائقِ قرطبة، أو بساتينِ الزهراءِ.
السعادةُ عند الصحابِة مع قلَّةِ ذاتِ اليدِ، وشظفِ المعيشةِ، وزهادهِ المواردِ، وشُحِّ النَّفقةِ.
السعادةُ عند ابنِ المسيبِ في تألُّهِه، وعند البخاري في صحيحِهِ، وعند الحسنِ البصريِّ في صِدْقِهِ، ومع الشافعيِّ في استنباطاتِه، ومالكٍ في مُراقبتِه، وأحمد في ورعِهِ، وثابتٍ البنانيِّ في عبادتهِ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ .
ليستِ السعادةُ شيكاً يُصرفُ، ولا دابةً تُشترَى، ولا وردةً تُشَمّ، ولا بُرّاً يُكالُ، ولا بزّاً يُنشرُ.
السعادةُ سلوةُ خاطرٍ بحقٍّ يحمِلُه، وانشراحُ صدرٍ لمبدأ يعيشُه، وراحةُ قلبٍ لخيرٍ يكْتنِفُه.
كنّا نظُنُّ أننا إذا أكثْرنا من التوسٌّعِ في الدُّوِر، وكثْرةِ الأشياءِ، وجمْعِ المسهِّلاتِ والمرغِّباتِ والمشتهياتِ، أننا نسعدُ ونفرحُ ونمرحُ ونُسرُّ، فإذا هي سببُ الهمِّ والكَدَرِ والتنغيصِ؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ بهمِّه وغمِّه وضريبةِ كدِّهِ وكدْحِهِ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ .
стр. 310
إنَّ أكبر مُصلِحٍ في العالمِ رسولُ الهدى محمدٌ ﷺ ، عاش فقيراً، يتلوَّى من الجوعِ، لا يجدُ دقْلَ التمرِ يسدُّ جوعه، ومع ذلك عاش في نعيمٍ لا يعلمُه إلا اللهُ، وفي انشراحٍ وارتياحٍ، وانبساطٍ واغتباطٍ، وفي هدوءٍ وسكينةٍ ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ ، ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ .
في الحديثِ الصحيحِ: ((البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثم ما حاك في صدرِك وكرهْت أن يطلع عليه الناسُ)) .
إنَّ البرَّ راحةٌ للضميرِ، وسكونٌ للنفسِ، حتى قال بعضُهم:
البرُّ أبقى وإنْ طال الزَّمانُ به ... والإثمُ أقبحُ ما أوعيت منْ زادِ
وفي الحديث: ((البرُّ طُمأنينةٌ، والإثم ريبةٌ)) . إنَّ المحسن صراحةً يبقى في هدوءٍ وسكينةٍ، وإنَّ المريب يتوجَّسُ من الأحداثِ والخطراتِ ومن الحركاتِ والسَّكناتِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ . والسببُ أنه أساء فحسْبُ، فإنَّ المسيء لابدَّ أنْ يقلق وأنْ يرتبِك وأنْ يضطرب، وأنْ يتوجَّس خِيفةً.
إذا ساءِ فِعْلُ المرءِ ساءتْ ظنونُهُ ... وصدَّق ما يعتادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
والحلُّ لمنْ أراد السعادة، أنْ يُحْسن دائماً، وأنْ يتجنَّب الإساءة، ليكون في أمنٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ .
стр. 311
أقبل راكبٌ يحثُّ السير، يثورُ الغبارُ منْ على رأسِهِ، يريدُ سعد بن أبي وقَّاصٍ، وقدْ ضرب سعدٌ خيمتهُ في كبِدِ الصحراءِ، بعيداً عنِ الضجيجِ، بعيداً عنِ اهتماماتِ الدَّهْماءِ، منفرداً بنفسِهِ وأهلِهِ في خيمتِهِ، معهُ قطيعٌ من الغنمِ، فاقترب الراكبُ فإذا هو ابنُه عُمَرُ، فقال ابنُه له: يا أبتاهُ، الناسُ يتنازعون الملك وأنت ترعى غنمك. قال: أعوذُ باللهِ منْ شرِّك، إني أولى بالخلافةِ منِّي بهذا الرداءِ الذي عليَّ، ولكن سمعتُ الرسول ﷺ يقولُ: ((إنَّ الله يحبُّ العبد الغنيَّ التَّقيَّ الخفيَّ)) .
إن سلامة المسلمِ بدينِه أعْظمُ منْ مُلكِ كسرى وقيصر؛ لأنَّ الدين هو الذي يبقى معك حتى تستقرَّ في جناتِ النعيمِ، وأما الملكُ والمنصبُ فإنَّهُ زائلٌ لا محالة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ .
إليهِ يصعدُ الكلِمُ الطَّيَّبُ
كان للصحابةِ كنوزٌ من الكلماتِ المباركاتِ الطَّيِّباتِ، التي عَّمهم إياها صفوةُ الخلْقِ ﷺ .
وكلُّ كلمةٍ عند أحدِهم خيرٌ من الدنيا وما فيها، ومِنْ عظمتِهمْ معرفتُهم بقيمةِ الأشياءِ ومقاديرِ الأمورِ.
أبو بكرٍ يسألُ الرسول ﷺ أنْ يُعلِّمه دعاءً، فقال له: ((قلْ: ربِّ إني ظلمتُ نفسي ظُلماً كثيراً، ولا يغفرُ الذنوب غلا أنت، فاغفرْ لي مغفرةً منْ عندِك وارحمني، إنك أنت الغفورُ الرحيمُ)) .
стр. 312
ويقولُ ﷺ للعباسِ: ((اسألِ الله العفو والعافية)) .
ويقولُ لعليٍّ: ((قلْ: اللَّهمَّ اهدنِي وسدِّدْني)) .
ويقولُ لعبيدِ بنِ حصينٍ: ((قلْ: اللهمَّ ألهمْنِي رُشدي، وقِنِي شرَّ نفسْي)) .
ويقولُ لشدَّادِ بن أوسٍ: ((قلْ: اللهمَّ إني أسالُك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشدِ، وشُكرَ نعمتِك، وحُسْنَ عبادتِك، وأسألُك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألُك مِنْ خَيْرِ ما تعْلمُ، وأعوذُ بك منْ شرِّ ما تعلمُ، وأستغفرُك لما تعلمُ، إنك أنت علاَّمُ الغيوبِ)) .
ويقولُ لمعاذٍ: ((قلْ: اللهمَّ أعني على ذكرِك وشُكْرِك وحُسْنِ عبادتِك)) .
ويقولُ لعائشة: ((قولي: اللهم إنك عفُوٌّ تحبُّ العَفْوَ، فاعْفُ عنِّي)) .
إنَّ الجامعَ لهذهِ الأدعيةِ: سؤالُ رضوانِ اللهِ ورحمتِهِ في الآخرةِ، والنَّجاةِ منْ غضبِه، وأليمِ عقابِه، والعونِ على عبادتِه وشكرِه.
وإنَ الرّابط بينها: طَلَبُ ما عند اللهِ، والإعراضُ عمَّ في الدنيا. إنهُ ليس فيها طلبُ أموالِ الدنيا الفانيةِ، وأعراضِها الزائلِة، أو زخرِفها الرخيصِ.
стр. 313
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
إنَّ منْ تعِاسةِ العبدِ، وعثْرةِ قدمِهِ وسقوطِ مكانتِهِ: ظُلمُهُ لعبادِ اللهِ، وهضْمُهُ حقوقهم، وسحْقُه ضعيفهم، حتى قال أحدُ الحكماءِ: خفْ ممَّن لم يجدْ له عليك ناصراً إلا الله.
ولقدْ حفظ لنا تاريخُ الأممِ أمثلةً في الأذهانِ عنْ عواقبِ الظَّلمةِ.
فهذا عامرُ بنُ الطفيل يكيد للرسول ﷺ ، ويحاولُ اغتيالهُ، فيدعو عليه ﷺ ، فيبتليه اللهُ بغدَّةٍ في نحْرِه، فيموتُ لساعتِه، وهو يصرخُ من الألمِ.
وأربدُ بنُ قيسٍ يؤذي رسول اللهِ ﷺ ، ويسعى في تدبيِر قتْلِهِ، فيدعو عليه، فيُنزلُ اللهُ عليه صاعقةً تحرقُه هو وبعيرُه.
وقبل أنْ يقتُل الحجاجُ سعيد بن جبيرٍ بوقتٍ قصيرٍ، دعا عليه سعيدٌ وقال: اللَّهمَّ لا تسلِّطْهُ على أحدٍ بعدي. فأصاب الحجاجَ خُرَّاجٌ في يدهِ، ثمَّ انتشر في جسمِهِ، فأخذ يخوُر كما يخورُ الثورُ، ثم مات في حالةٍ مؤسفةٍ.
واختفى سفيانُ الثوريُّ خَوْفاً منْ أبي جعفرِ المنصورِ، وخرج أبو جعفر يريدُ الحرمَ المكِّيَّ وسفيانُ داخل الحرمِ، فقام سفيانُ وأخذ بأستارِ الكعبةِ، ودعا الله أن لا يُدِخِلَ أبت جعفر بيته، فمات أبو جعفر عند بئرِ ميمونٍ قبل دخولِه مكَّةَ.
стр. 314
وأحمدُ بن أبي دؤادٍ القاضي المعتزليُّ يُشاركُ في إيذاءِ الإمامِ أحمدِ بن حنبل فيدعو عليهم فيُصيبُه اللهُ بمرض الفالجِ فكان يقول: أمَّا نصفُ جسمي، فلوْ وقع عليه الذبابُ لظننتُ أنَّ القيامة قامتْ، وأمَّا النصفُ الآخرُ، فلو قُرِض بالمقاريض ما أحسستُ.
ويدعو أحمدُ بنُ حنبل أيضاً على ابن الزَّيّاتِ الوزيرِ، فيسلِّطُ اللهُ عليه منْ أخذَهُ، وجعَلَهُ في فرنٍ من نارٍ، وضرب المسامير في رأسِه.
وحمزةُ البسيونيُّ كان يعذِّبُ المسلمين في سجنِ جمالِ عبدِالناصر، ويقولُ في كلمةٍ له مؤذية: «أين إلُهكمْ لأضعَهُ في الحديدِ» ؟ تعالى اللهُ عمَّا يقولُ الظالمون علوّاً كبيراً. فاصطدمتْ سيارتُه - وهو خارجٌ من القاهرةِ إلى الإسكندريةِ - بشاحنةٍ تحملُ حديداً، فدخل الحديدُ في جسمه منْ أعلى رأسِهِ إلى أحشائِه، وعَجَزَ المنقذون أنْ يُخرجوُه إلا قطعاً ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ ، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ .
وكذلك صلاحُ نصرٍ منْ قادةِ عبدِالناصرِ، وممَّنْ أكثرَ في الأرضِ الظلُّم والفساد، أصيب بأكثر منْ عشرةِ أمراضٍ مؤلمةٍ مُزمِنةٍ، عاش عدَّة سنواتٍ منْ عمرِهِ في تعاسةٍ، ولم يجدْ لهُ الطبُّ علاجاً، حتى مات سجيناً مزجوجاً بهِ في زنزاناتِ زعمائِه الذين كان يخدمُهمْ.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴿١١﴾ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴿١٢﴾ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ ، ((إنَّ الله ليُمْلي للظالمِ، حتى إذا أخذهُ لم يُفْلِتْه)) ، ((واتَّقِ دعوة المظلومِ، فإنه ليس بينها وبين اللهِ حجابٌ)) .
стр. 315
قال إبراهيمُ التيميُّ: إنَّ الرجل ليظلمُني فأرحَمُهُ.
وسُرقتْ دنانيرُ لرجلٍ صالح منْ خراسان، فجعل يبكي، فقال له الفضيلُ: لِم تبكي؟ قال: ذكرتُ أنَّ الله سوف يجمعُني بهذا السارقِ يوم القيامةِ، فبكيتُ رحمةً له.
واغتاب رجُلٌ أحد علماءِ السلفِ، فأهدى للرجُلِ تمراً وقال: لأنهُ صنع لي معروفاً.
قلتُ: بالبابِ أنا
على هيئةِ الأممِ المتحدةِ بنيويورك لوحةٌ، مكتوبٌ عليها قطعةٌ جميلةٌ للشاعرِ العالميِّ السعدي الشيرازي، وقدْ ترجمتْ إلى الإنجليزيةِ وهي تدعو إلى الإخاءِ والأُلفةِ والاتحادِ، يقول:
قال لي المحبوبُ لمَّا زرتُهُ ... منْ ببابي قلتُ بالبابِ أنا
قال لي أخطأت تعريف الهوى ... حينما فرَّقت فيه بيْنَنَا
стр. 316
ومضى عامٌ فلمَّا جئتُهُ ... أطرُقُ الباب عليه مُوهِنا
قال لي منْ أنتَ قلتُ أنْظُرْ فما ... ثم َّ إلاَّ أنتَ بالبابِ هُنا
قال لي أحسنت تعريف الهوى ... وعَرَفْتَ الحُبَّ فادخُلْ يا أنا
لابُدَّ للعبد منْ أخٍ مفيدٍ يأنسُ إليه، ويرتاحُ إليه، ويُشاركُه أفراحهُ وأتراحهُ، ويبادلُه ودّاً بودٍّ. ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿٣٢﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ﴿٣٣﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ .
ولابدُّ منْ شكوى إلى ذي قرابةٍ ... يُواسيك أو يُسلِيك أو يَتَوجَّعُ
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ، ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
لابدَّ منْ صاحبٍ
إنَّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ تجد منْ تنفعُك صُحبتُه، وتُسعدُك رفقتُه. ((أين المتحابُّون في جلالي، اليوم أُظِلُّهمْ في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلا ظلِّي)) .
((ورجلانِ تحابَّا في اللهِ، اجتمعا عليهِ وتفرَّقا عليِه)) .
стр. 317
الأمْنُ مطلبٌ شرعيٌّ وعقليٌّ
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ، ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ، ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ ، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ .
((منْ بات آمِناً في سِرْبِهِ، مُعافىً في بدنِهِ، عنده قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزتْ له الدنيا بحذافيرِها)) .
فأمنُ القلبِ: إيمانُه ورسوخُه في معرفةِ الحقِّ، وامتلاؤُه باليقينِ.
وأمْنُ البيتِ: سلامتُه من الانحرافِ، وبُعْدُه عنِ الرذيلةِ، وامتلاؤُهُ بالسكينةِ، واهتداؤه بالبرهانِ الرَّبّانيِّ.
وأمْنُ الأمةِ: جمْعُها بالحبِّ، وإقامةُ أمرِها بالعَدْلِ، ورعايتُها بالشريعةِ.
والخوف عدوُّ الأمنِ ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ، ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .
ولا راحة لخائفٍ ولا أمْن لملحِدٍ، ولا عيش لمريضٍ.
إنَّما العُمرُ صحَّةٌ وكفافٌ ... فإذا وليا عن العُمرِ ولَّى
للهِ ما أتْعسَ الدَّنيا، إنْ صحَّتْ منْ جانبٍ فسدتْ منْ جانبٍ آخر، إنْ أقبل المالُ مَرِضَ الجسمُ، وإنْ صحَّ الجسمُ حلَّتِ المصائبُ، وإنْ صلُح الحالُ واستقام الأمرُ حلَّ الموتُ.
стр. 318
خرج الشاعرُ الأعشى منْ (نجدٍ) إلى الرسولِ ﷺ يمتدحُه بقصيدةٍ ويسلمُ، فعرض له أبو سفيان فأعطاهُ مائة ناقةٍ، على أنْ يترك سفَرَهُ ويعود إلى ديارِهِ، فأخذ الإبل وعاد، وركب أحدها فهو جلتْ به، فسقط على رأسِهِ، فاندقَّتْ عنقُهُ، وفارق الحياة، بلا دينٍ ولا دنيا. أمَّ قصيدتُه التي هيَّأها ليقولها بين يديْ رسول اللهِ ﷺ ، فهي بديعةُ الحُسْنِ يقولُ فيها:
شبابٌ وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌ ... فللهِ هذا الدَّهرُ كيف تردَّدا
إذا أنت لمْ ترْحلْ بزادٍ من التُّقى ... ولاقيت بعد الموتِ منْ قدْ تزوَّدا
ندمْت على أنْ لا تكون كمثْلِهِ ... وأنَّك لمْ تُرْصِدْ لما كان أرْصدَا
أمجادٌ زائلةٌ
إنَّ منْ لوازمِ السعادةِ الحقَّةِ أنْ تكون دائمةً تامَّةً، فدوامُها أنْ تكون في الدنيا والآخرةِ، في الغيبِ والشهادةِ، اليوم وغداً.
وتمامُها أنْ لا يُنغِّصها نكَدٌ، وأنْ لا يخْدشَ وجهُ محاسِنها بسخطٍ.
جلس النعمانُ بنُ المنذرِ - ملكُ العراقِ - تحت شجرةٍ متنزَّهاً يشربُ الخَمْرَ فأراد عديُّ بنُ زيد - وكان حكيماً - أنْ يعظه بلفظٍ فقال له: أيُّها الملكُ، أتدري ماذا تقولُ هذهِ الشَّجرةُ؟ قال الملكُ: ماذا تقول: قال عديٌّ: تقولُ:
رُبَّ ركبِ قدْ أناخُوا حولنا ... يمْزُجُون الخمر بالماءِ الزُّلالْ
ثمَّ صاروا لَعِب الدَّهْرُ بهمْ ... وكذاك الدَّهرُ حالاً بعد حالْ
فتنغصُ النعمانُ، وترك الخمر، وبقي متكدِّراً حتى مات.
стр. 319
وهذا شاهُ إيران الذي احتفل بمرورِ ألفينِ وخمسمائةِ سنةٍ على قيام الدولةِ الفارسيِّةِ، وكان يُخطِّطُ لتوسيعِ نفوذِه، وبسْطِ ملكهِ على بقعةٍ أكبر منْ بلدِهِ، ثم يُسلب سلطانُه بين عشيَّةٍ وضحاها ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾ .
ويطرُدُ منْ قصورِهِ ودُورِهِ ودنياه طرداً، ويموتُ مشرَّداً بعيداً محرُوماً مفلساً، لا يبكي عليه أحدٌ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٢٦﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ .
وكذلك شاوشيسكو رئيسُ رومانيا، الذي حكم اثنتين وعشرين سنة، وكان حَرَسُه الخاصُّ سبعين ألفاً، ثمَّ يحيطُ شعبُه بقصرِهِ، فيمزِّقونهُ وجنودهُ إرباً إرباً ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ﴾ . لقدْ ذهب، فلا دنيا ولا آخرة.
وذاك رئيسُ الفلبينِ ماركوس: جمع الرئاسة والمال، ولكنَّه أذاق أمَّته أصناف الذُّلّ، وأسقاها كأس الهوانِ، فأذاقه اللهُ غُصص التعاسةِ والشقاءِ، فإذا هو مشرَّدٌ منْ بلادِهِ ومنْ أهلِه وسلطانِه، لا يملكُ مأوى يأوي إليه، ويموتُ شقيّاً، يرفضُ شعبُهُ أن يُدفَنَ في بلدِهِ: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ، ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ .
стр. 320
اكتسابُ الفضائل أكاليلٌ على هامِ الحياةِ السعيدةِ
مطلوبٌ من العبدِ لكيْ يكسب السعادة والأمن والراحة، أن يُبادر إلى الفضائل، وأنْ يُسارع إلى الصفاتِ الحميدةِ والأفعالِ الجميلةِ ((احرصْ على ما ينفعُك واستعِنْ باللهِ)) .
أحدُ الصحابةِ يسألُ الرسول ﷺ مرافقَتَهُ في الجنةِ فيقول: ((أعِنِّي على نفسِك بكثْرةِ السجودِ، فإنَّك لا تسجُدُ للهِ سجدةً، إلاَّ رَفَعَك بها درجة)) . والآخرُ يسألُ عنْ بابٍ جامعٍ من الخيرِ، فيقولُ له: ((لا يزالُ لسانُك رطباُ من ذكر اللهِ)) . وثالثٌ يسألُ فيقولُ له: ((لا تسُبَّنَّ أحداً، ولا تضرِبنَّ بيدِك أحداً، وإنْ أحدٌ سبَّك بما يعلمُ فيك فلا تسُبَّنَّه بما تعلمُ فيه، ولا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً، ولو أنْ تُفْرِغ منْ دَلْوِك في إناءِ المستقي)) .
إنَّ الأمر يقتضي المبادَرَةَ والمُسارعة: ((بادرِوا بالأعمالِ فتناً)) ، ((اغتنِمْ خمساً قبل خمسٍ)) ، ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ .
لا تُهمِلْ في فِعْلِ الخَيْرِ، ولا تنتظرْ في عملِ البِرِّ، ولا تُسوِّفْ في طَلَبِ الفضائلِ:
دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له ... إنَّ الحياة دقائقٌ وثوانِ
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .
عمرُ بنُ الخطابِ بعد أنْ طُعِن وثَجَّ دمُه، يرى شابّاً يجرُّ إزاره، فقال له عمرُ: ((يا ابن أخي، ارْفَعْ إزارك، فإنهُ أتقى لربِّك، وأنْقى لثوبك)) . وهذا أمرٌ بالمعروفِ في سكراتِ الموتِ ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ .
следующие страницы →