Полный текст (532 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومضى عامٌ فلمَّا جئتُهُ ... أطرُقُ الباب عليه مُوهِنا
قال لي منْ أنتَ قلتُ أنْظُرْ فما ... ثم َّ إلاَّ أنتَ بالبابِ هُنا
قال لي أحسنت تعريف الهوى ... وعَرَفْتَ الحُبَّ فادخُلْ يا أنا
لابُدَّ للعبد منْ أخٍ مفيدٍ يأنسُ إليه، ويرتاحُ إليه، ويُشاركُه أفراحهُ وأتراحهُ، ويبادلُه ودّاً بودٍّ. ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي ﴿٢٩﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿٣٢﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ﴿٣٣﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ .
ولابدُّ منْ شكوى إلى ذي قرابةٍ ... يُواسيك أو يُسلِيك أو يَتَوجَّعُ
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ ، ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
لابدَّ منْ صاحبٍ
إنَّ منْ أسبابِ السعادةِ أنْ تجد منْ تنفعُك صُحبتُه، وتُسعدُك رفقتُه. ((أين المتحابُّون في جلالي، اليوم أُظِلُّهمْ في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلا ظلِّي)) .
((ورجلانِ تحابَّا في اللهِ، اجتمعا عليهِ وتفرَّقا عليِه)) .
стр. 317
الأمْنُ مطلبٌ شرعيٌّ وعقليٌّ
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ ، ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ ، ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ ، ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ ، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ .
((منْ بات آمِناً في سِرْبِهِ، مُعافىً في بدنِهِ، عنده قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزتْ له الدنيا بحذافيرِها)) .
فأمنُ القلبِ: إيمانُه ورسوخُه في معرفةِ الحقِّ، وامتلاؤُه باليقينِ.
وأمْنُ البيتِ: سلامتُه من الانحرافِ، وبُعْدُه عنِ الرذيلةِ، وامتلاؤُهُ بالسكينةِ، واهتداؤه بالبرهانِ الرَّبّانيِّ.
وأمْنُ الأمةِ: جمْعُها بالحبِّ، وإقامةُ أمرِها بالعَدْلِ، ورعايتُها بالشريعةِ.
والخوف عدوُّ الأمنِ ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ، ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .
ولا راحة لخائفٍ ولا أمْن لملحِدٍ، ولا عيش لمريضٍ.
إنَّما العُمرُ صحَّةٌ وكفافٌ ... فإذا وليا عن العُمرِ ولَّى
للهِ ما أتْعسَ الدَّنيا، إنْ صحَّتْ منْ جانبٍ فسدتْ منْ جانبٍ آخر، إنْ أقبل المالُ مَرِضَ الجسمُ، وإنْ صحَّ الجسمُ حلَّتِ المصائبُ، وإنْ صلُح الحالُ واستقام الأمرُ حلَّ الموتُ.
стр. 318
خرج الشاعرُ الأعشى منْ (نجدٍ) إلى الرسولِ ﷺ يمتدحُه بقصيدةٍ ويسلمُ، فعرض له أبو سفيان فأعطاهُ مائة ناقةٍ، على أنْ يترك سفَرَهُ ويعود إلى ديارِهِ، فأخذ الإبل وعاد، وركب أحدها فهو جلتْ به، فسقط على رأسِهِ، فاندقَّتْ عنقُهُ، وفارق الحياة، بلا دينٍ ولا دنيا. أمَّ قصيدتُه التي هيَّأها ليقولها بين يديْ رسول اللهِ ﷺ ، فهي بديعةُ الحُسْنِ يقولُ فيها:
شبابٌ وشيبٌ وافتقارٌ وثروةٌ ... فللهِ هذا الدَّهرُ كيف تردَّدا
إذا أنت لمْ ترْحلْ بزادٍ من التُّقى ... ولاقيت بعد الموتِ منْ قدْ تزوَّدا
ندمْت على أنْ لا تكون كمثْلِهِ ... وأنَّك لمْ تُرْصِدْ لما كان أرْصدَا
أمجادٌ زائلةٌ
إنَّ منْ لوازمِ السعادةِ الحقَّةِ أنْ تكون دائمةً تامَّةً، فدوامُها أنْ تكون في الدنيا والآخرةِ، في الغيبِ والشهادةِ، اليوم وغداً.
وتمامُها أنْ لا يُنغِّصها نكَدٌ، وأنْ لا يخْدشَ وجهُ محاسِنها بسخطٍ.
جلس النعمانُ بنُ المنذرِ - ملكُ العراقِ - تحت شجرةٍ متنزَّهاً يشربُ الخَمْرَ فأراد عديُّ بنُ زيد - وكان حكيماً - أنْ يعظه بلفظٍ فقال له: أيُّها الملكُ، أتدري ماذا تقولُ هذهِ الشَّجرةُ؟ قال الملكُ: ماذا تقول: قال عديٌّ: تقولُ:
رُبَّ ركبِ قدْ أناخُوا حولنا ... يمْزُجُون الخمر بالماءِ الزُّلالْ
ثمَّ صاروا لَعِب الدَّهْرُ بهمْ ... وكذاك الدَّهرُ حالاً بعد حالْ
فتنغصُ النعمانُ، وترك الخمر، وبقي متكدِّراً حتى مات.
стр. 319
وهذا شاهُ إيران الذي احتفل بمرورِ ألفينِ وخمسمائةِ سنةٍ على قيام الدولةِ الفارسيِّةِ، وكان يُخطِّطُ لتوسيعِ نفوذِه، وبسْطِ ملكهِ على بقعةٍ أكبر منْ بلدِهِ، ثم يُسلب سلطانُه بين عشيَّةٍ وضحاها ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء﴾ .
ويطرُدُ منْ قصورِهِ ودُورِهِ ودنياه طرداً، ويموتُ مشرَّداً بعيداً محرُوماً مفلساً، لا يبكي عليه أحدٌ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٢٥﴾ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿٢٦﴾ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ .
وكذلك شاوشيسكو رئيسُ رومانيا، الذي حكم اثنتين وعشرين سنة، وكان حَرَسُه الخاصُّ سبعين ألفاً، ثمَّ يحيطُ شعبُه بقصرِهِ، فيمزِّقونهُ وجنودهُ إرباً إرباً ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ﴾ . لقدْ ذهب، فلا دنيا ولا آخرة.
وذاك رئيسُ الفلبينِ ماركوس: جمع الرئاسة والمال، ولكنَّه أذاق أمَّته أصناف الذُّلّ، وأسقاها كأس الهوانِ، فأذاقه اللهُ غُصص التعاسةِ والشقاءِ، فإذا هو مشرَّدٌ منْ بلادِهِ ومنْ أهلِه وسلطانِه، لا يملكُ مأوى يأوي إليه، ويموتُ شقيّاً، يرفضُ شعبُهُ أن يُدفَنَ في بلدِهِ: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ ، ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ .
стр. 320
اكتسابُ الفضائل أكاليلٌ على هامِ الحياةِ السعيدةِ
مطلوبٌ من العبدِ لكيْ يكسب السعادة والأمن والراحة، أن يُبادر إلى الفضائل، وأنْ يُسارع إلى الصفاتِ الحميدةِ والأفعالِ الجميلةِ ((احرصْ على ما ينفعُك واستعِنْ باللهِ)) .
أحدُ الصحابةِ يسألُ الرسول ﷺ مرافقَتَهُ في الجنةِ فيقول: ((أعِنِّي على نفسِك بكثْرةِ السجودِ، فإنَّك لا تسجُدُ للهِ سجدةً، إلاَّ رَفَعَك بها درجة)) . والآخرُ يسألُ عنْ بابٍ جامعٍ من الخيرِ، فيقولُ له: ((لا يزالُ لسانُك رطباُ من ذكر اللهِ)) . وثالثٌ يسألُ فيقولُ له: ((لا تسُبَّنَّ أحداً، ولا تضرِبنَّ بيدِك أحداً، وإنْ أحدٌ سبَّك بما يعلمُ فيك فلا تسُبَّنَّه بما تعلمُ فيه، ولا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئاً، ولو أنْ تُفْرِغ منْ دَلْوِك في إناءِ المستقي)) .
إنَّ الأمر يقتضي المبادَرَةَ والمُسارعة: ((بادرِوا بالأعمالِ فتناً)) ، ((اغتنِمْ خمساً قبل خمسٍ)) ، ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ .
لا تُهمِلْ في فِعْلِ الخَيْرِ، ولا تنتظرْ في عملِ البِرِّ، ولا تُسوِّفْ في طَلَبِ الفضائلِ:
دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له ... إنَّ الحياة دقائقٌ وثوانِ
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ .
عمرُ بنُ الخطابِ بعد أنْ طُعِن وثَجَّ دمُه، يرى شابّاً يجرُّ إزاره، فقال له عمرُ: ((يا ابن أخي، ارْفَعْ إزارك، فإنهُ أتقى لربِّك، وأنْقى لثوبك)) . وهذا أمرٌ بالمعروفِ في سكراتِ الموتِ ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ .
стр. 321
إنَّ السعادة لا تحصلُ بالنومِ الطويلِ، والخلودِ إلى الدَّعةِ، وهَجْرِ المعالي، واطِّراحِ الفضائلِ. ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ .
إنَّ منطق أصحابِ الهممِ الدَّنيَّةِ والنفوسِ الهابطةِ يقولُ: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ﴾ ، ﴿لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ .
وقد نهي العبدُ بالوحي عن التَّأخرِ عنْ فِعلِ الخيرِ: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ ، ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ ، ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ ، ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ ، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ ، ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ ، ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ ، ((اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من الكسلِ)) ، ((والكيُسُ منْ دان نفْسه وعمِل لما بعد الموتِ، والعاجزُ منْ أتْبَعَ نَفْسَه هواها، وتمنَّى على اللهِ الأماني)) .
الخُلدُ والنعيمُ هناك لا هُنا
هلْ تريدُ أن تبقى شابّاً مُعافىً غنيّاً مخلَّداً؟ إنْ كنت تريدُ ذلك فإنهُ ليس في الدنيا، بلْ هناك في الآخرةِ، إنَّ هذهِ الحياة الدنيا كَنَبَ اللهُ عليها الشقاء والفناء، وسمَّاها لهواً ولعِباً ومتاع الغرورِ.
عاش أحدُ الشعراءِ معدماً مُفِلساً، وهو في عنفوان شبابِهِ، يريدُ درهماً فلا يجدُهُ، يريدُ زوجةً فلا يحصُلُ عليها، فلمَّا كبرتْ سِنُّ وشاب رأسُه،
стр. 322
ورقَّ عَظْمُهُ، جاءهُ المالُ منْ كلِّ مكانٍ، وسهُلَ أمرُ زواجهِ وسكنِه، فتأوَّه منْ هذه المتَادّاتِ وأنشد:
ما كنتُ أرجوهُ إذ كنتُ ابن عشرينا ... مُلِّكْتُهُ بعد ما جاوزتُ سبعينا
تطُوفُ بي منْ بناتِ التُّركِ أغْزِلةٌ ... مِثلُ الظِّباءِ على كُثبانِ يبرينا
قالوا أنينُك طول الليلِ يُسْهِرُنا ... فما الذي تشتكي قلتُ الثمانينا
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ ، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ ، ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ .
إنَّ مَثَلَ هذهِ الحياةِ الدنيا كمسافرٍ استظلَّ تحت ظلِّ شجرةٍ ثم ذهب وتركها.
أعداءُ المنهجِ الرَّبانيّ
قرأتُ كتباً للملاحدِة الصَّادِّين عنْ منهج اللهِ شعراً ونثراً، فرأيتُ كلام هؤلاءِ المنحرفين عنْ منهجِ الله في الأرضِ، وطالعتُ سخافاتِهم، ووجدتُ الاعتداء الجارف على المبادئِ الحقةِ، وعلى التعاليمِ الرَّبّانيَّة، ووجدتُ هذا الرُّكام الرخص الذي تفوَّهَ به هؤلاء ورأيتُ منْ سُوءِ أدبِهم، ومنْ قلَّةِ حيائِهم، ما يستحي الإنسانُ أنْ ينقُل للناسِ ما قالوه وما كتبوه وما أنشدوهُ.
وعلمتُ أنَّ الإنسان إذا لمْ يحملْ مبدأً ولم يستشعِرْ رسالةً، فإنَّهُ يتحوَّلُ إلى دابَّةٍ في مِسْلاخ إنسانٍ، وإلى بهيمةٍ في هيكلٍ رجُلٍ: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ .
стр. 323
وسألتُ نفسي، وأنا أقرأُ الكتاب: كيف يَسْعَدُ هؤلاءِ وقدْ أعرضُوا عنِ اللهِ الذي يملكُ السعادة ويعطيها لمنْ يشاءُ؟!
كيف يسعدُ هؤلاءِ وقدْ قطعوا الحبال بينهم وبينه، وأغلقوا الأبواب بين أنفسِهم الهزيلةِ المريضِ وبين رحمةِ اللهِ الواسعةِ؟!
كيف يسعدُ هؤلاءِ وقد أغضبُوا الله؟!
وكيف يجدون ارتياحاً وقدْ حاربُوه؟!
ولكنِّي وجدتُ أنَّ أول النَّكالِ أخذ يُصيبُهم في هذه الدارِ بمقدِّماتِ نكالٍ أخرويٍّ - إنْ لم يتوبوا - في نار جهنمِّ، نكالُ الشقاءِ، وعدمُ المبالاةِ، والضِّيقُ، والانهيارُ والإحباطُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ .
حتى إنَّ كثيراً منهمْ يريدُ أنْ يزول العالمُ، وأنْ تنتهي الحياةُ، وأنْ تُنسف الدنيا، وأن يُفارق هذه المعيشة.
إنَّ القاسم المشترك الذي يجمعُ الملاحدة الأوَّلين والآخِرين هو: سوءُ الأدبِ مع اللهِ، والمجازفةُ بالقيمِ والمبادئِ، والرُّعُونةُ في الأخْذِ والعطاءِ والإعراضُ عن العواقبِ، وعدمُ المبالاةِ بما يقولون ويكتبون ويعملون: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
إنَّ الحلَّ الوحيد لهؤلاءِ الملاحدةِ، للتَّخلُّصِ منْ همومِهم وأحزانِهم - إنّ لم يتوبوا ويهتدوا - أنْ ينتحرُوا ويُنهُوا هذا العيش المُرَّ، والمرَ التافِه الرخيص: ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ ، ﴿فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
стр. 324
حقيقةُ الدُّنيا
إنَّ ميزان السعادةِ في كتابِ اللهِ العظيمِ، وإنَّ تقدير الأشياءِ في ذِكْرِهِ الحكيم، فهو يقرِّرُ الشيء وقيمتهُ ومردودَهُ على العبدِ في الدُّنيا والآخرةِ ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ ﴿٣٤﴾ وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
هذهِ هي حقيقةُ الحياةِ، وقصورُها ودُورُها، وذهبُها وفضَّتُها ومناصبُها.
إنَّ منْ تفاهتِها أنْ تعطي الكافر جملةً واحدةً، وأن يُحْرَمَهَا المؤمنُ ليبيّن للناسِ قيمة الحياةٍ الدنيا.
إنَّ عتبة بن غزوان الصحابيَّ الشهير يستغربُ وهو يخطبُ الناس الجمعة: كيف يكونُ في حالةٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، مع سيِّدِ الخَلْقِ يأكلُ معهُ وَرَقَ الشجرِ مجاهداً في سبيلِ اللهِ، في أرْضى ساعاتِ عمرِهِ، وأحلى أيامِهِ، ثمَّ يتخلَّفُ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فيكونُ أميراً على إقليمٍ، وحاكماً على مقاطعةٍ، إنَّ الحياة التي تُقبلُ بعد وفاةِ الرسولِ ﷺ حياةٌ رخيصةٌ حقّاً.
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمُونها ... على أنَّهمْ فيها عراةٌ وجُوَّعُ
أراها وإنْ كانت تُسِرُّ فإنها ... سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشَّعُ
سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ يصيبُهُ الذهولُ وهو يتولَّى إمرة الكوفةِ بعدَ وفاةِ الرسولِ ﷺ ، وقدْ أكل معه الشجر، ويأكلُ جلداً ميِّتاً، يشويهِ ثمَّ يسحقُه، ثم
стр. 325
يحتسيهِ على الماءِ، فما لهذهِ الحياةِ وما لقصورِها ودُورِها، تُقبلُ بعد إدبارِ الرسولِ ﷺ ، وتأتي بعد ذهابهِ ﷺ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ .
إذنْ في الأمر شيءٌ، وفي المسألةِ سرٌّ، إنها تفاهةُ الدنيا فَحَسْبُ ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ ، ((واللهِ ما الفقر أخشى عليكمْ)) .
لمَّ دخل عُمر على رسولِ اللهِ ﷺ وهو في المشْرَبِة، ورآه على حصيرٍ أثَّر في جنبهِ، وما في بيتهِ إلا شعيرٌ معلّقٌ، دمعتْ عينا عُمَرَ.
إنَّ الموقف مؤثِّرٌ، أنْ يكون رسولُ الله ﷺ قدوةُ الناسِ وإمامُ الجميع، في هذهِ الحالةِ ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ .
ثمَّ يقولُ له عُمَرُ ﵁: كسرى وقيصر فيما تعلمُ يا رسول اللهِ! قال رسولُ الله ﷺ : ((أفي شكٍّ أنت يا بن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرةُ ولهم الدنيا)) .
إنها معادلةٌ واضحةٌ، وقسمةٌ عادلةٌ، فلْيَرْضَ مَنْ يرضى، ولْيَسخطْ منْ يسخطُ، وليطلُبِ السعادة منْ أرادها في الدِّرهمِ والدينارِ والقصرِ والسيارةِ ويعملْ لها وحدها، فلنْ يجدها والذي لا إله إلا هو.
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
عفاءٌ على دنيا رَحَلْتُ لغيرِها ... فليس بها للصّالحين مُعَرَّجُ
стр. 326
مفتاحُ السعادةِ
إذا عرفت الله وسبَّحْته وعبدْتَهُ وتألَّهْتهُ وأنت في كوخٍ، وجدت الخَيْرَ والسعادةَ والراحة والهدوء.
ولكنْ عند الانحرافِ، فلوْ سكنت أرقى القصورِ، وأوسع الدورِ، وعندك كلُّ ما تشتهي، فاعلمْ أنَّها نهايتُك المُرَّةُ، وتعاستُك المحققةُ؛ لأنك ما ملكت إلى الآنِ مفتاح السعادةِ.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ .
وقفةٌ
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . إي: يدفعُ عنهمُ شرور الدنيا والآخرة.
«هذا إخبارٌ ووعدٌ وبشارةٌ من اللهِ للذين آمنوا، أنه يدفعُ عنهمْ كلَّ مكروهٍ، ويدفعُ عنهم - بسببِ إيمانِهم - كلَّ شرٍّ منْ شرورِ الكفارِ، وشرورِ وسوسةِ الشيطانِ، وشرورِ أنفسِهم، وسيئاتِ أعمالِهم، ويحملُ عنهمْ عند نزولِ المكارهِ ما لا يتحملونه، فيُخفِّف عنهمْ غاية التخفيفِ، كلُّ مؤمنٍ له منْ هذه المدافعةِ والفضيلةِ بحسب إيمانِه، فمُستقلٌّ ومُستكثِرٌ» .
«منْ ثمراتِ الإيمانِ أنه يُسلِّى العبدُ به عند المصائبِ، وتُهوَّن عليه الشدائدُ والنَّوائبُ ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وهو العبدُ الذي تصيبُه المصيبةُ، فيعلمُ أنها منْ عندِ اللهِ، وأنَّ ما أصابه لم يكُنْ ليُخطئه، وما أخطأهُ لم يكُنْ ليُصيبه، فيرضى ويُسَلِّمُ للأقدارِ المؤلمِة، وتهونُ عليه المصائبُ المزعجةُ، لصدورِها منْ عندِ اللهِ، ولإيصالِها إلى ثوابِهِ» .
стр. 327
كيف كانُوا يعيشُ
تعال إلى يومٍ منْ أيام أحدِ الصحابةِ الأخبارِ، وعظمائِهم الأبرارِ، عليِّ بن أبي طالبٍ مع ابنهِ رسولِ اللهِ ﷺ ، مع فلذةِ كبدِهِ، بصحُو عليٌّ في الصباحِ الباكرِ، فيبحثُ هو وفاطمةُ عن شيءٍ منْ طعامٍ فلا يجدانِ، فيرتدي فرواً على جسمِهِ منْ شدَّةِ البردِ ويخرجُ، ويتلمَّسُ ويذهبُ في أطرافِ المدينةِ، ويتذكرُ يهوديّاً عنده مزرعةٌ، فيقتحمُ عليٌّ عليه باب المزرعةِ الضَّيِّقِ الصغيرِ ويدخلُ، ويقولُ اليهوديُّ: يا أعرابيُّ، تعالى وأخرِج كلَّ غَرْبٍ بتمرةٍ. والغربُ هو الدلوُ الكبيرُ، وإخراجُه، أيْ: إظهارُه من البئرِ مُعاوَنَةً مع الجملِ. فيشتغلُ عليٌّ ﵁ معهُ برهةً من الزمنِ، حتى ترِم يداه ويكلُّ جسمُه، فيُعطيهِ بعددِ الغروبِ تمراتٍ، ويذهبُ بها ويمرُّ برسولِ اللهِ ﷺ ويُعطيه منها، ويبقى هو وفاطمةُ يأكلان مِنْ هذا التمرِ القليلِ طيلة النهارِ.
هذهِ هي حياتهم، لكنَّهم يشعرون أنَّ بيتهُمْ قد امتلأ سعادةً وحبوراً ونوراً وسروراً.
إنَّ قلوبهم تعيشُ المبادئ الحقَّةَ التي بُعثَ بها الرسولُ ﷺ ، والمُثُل السامية، فهمْ في
أعمالٍ قلبيَّةٍ، وفي روحانيَّة قُدسيَّةٍ يُبصرون بها الحقَّ، ويُنصرون بها الباطل، فيعملون لذاك ويجتنبون هذا، ويُدركون قيمة الشيءِ وحقيقة الأمرِ، وسرَّ المسألةِ.
أين سعادةُ قارون، وسرورُ وفرحُ وسكينةُ هامان؟! فالأولُ مدفونٌ، والثاني ملعون ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ .
стр. 328
السعادةُ عند بلالِ وسلمان وعمّارٍ، لأنَّ بلالاً أذَّن للحقِّ، وسلمان آخى على الصِّدقِ، وعمّاراً وفّى الميثاق ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ .
أقوالُ الحكماءِ في الصَّبْرِ
يُحكى عنْ أنوشروان أنهُ قال: جميعُ المكارِهِ في الدنيا تنقسمُ على ضربين: فضربٌ فيه حِيلةٌ، فالاضطرابُ دواؤه، وضربٌ لا حيلة فيه، فالاصطبارُ شفاؤُهُ.
كان بعضُ الحكماءِ يقولُ: الحِيلةُ فيما لا حيلة فيه، الصبرُ.
وكان يقالُ: منِ اتَّبع الصبر، اتَّبعَهُ النصرُ.
ومن الأمثالِ السائرة، الصبرُ مفتاحُ الفَرَجِ منْ صَبَرَ قَدَرَ، ثمرةُ الصبرِ الظَّفرُ، عند اشتدادِ البلاءِ يأتي الرَّخاءُ.
وكان يقالُ: خفِ المضارَّ منْ خللِ المسارِّ، وارجُ النفْع منْ موضعِ المنْعِ، واحرصْ على الحياةِ بطلبِ الموتِ، فكمْ منْ بقاءٍ سببُه استدعاءُ الفناءِ، ومنْ فناءٍ سببُه البقاءِ، وأكثرُ ما يأتي الأمنُ منْ قِبل الفزعِ.
والعربُ تقولُ: إنَّ في الشرَّ خِياراً.
قال الأصمعيَّ: معناهُ: أنَّ بعض الشَّرِّ أهونُ منْ بعْضٍ.
وقال أبو عبيدة: معناهُ: إذا أصابتْك مصيبةٌ، فاعلمْ أنهُ قدْ يكونُ أجلُّ منها، فلتهُنْ عليك مصيبتُك.
стр. 329
قال بعضُ الحكماءِ: عواقبُ الأمورِ تتشابهُ في الغيوب، فرُبَّ محبوبٍ في مكروهٍ، ومكروهٍ في محبوبٍ، وكمْ مغبوطٍ بنعمةٍ هي داؤُه، ومرحومٍ من داءٍ هو شفاؤُه.
وكان يُقالُ: رُبَّ خيرٍ منْ شرٍّ، ونفعٍ منْ ضرٍّ.
وقال وداعةُ السهميُّ، في كلامٍ له: اصبرْ على الشَّرِّ إنْ قَدَحَك، فربَّما أجْلى عما يُفرحُك، وتحت الرَّغوةِ اللبنُ الصَّريحُ.
يأتي اللهُ بالفرحِ عند انقطاعِ الأملِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ ، ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
يقولُ بعضُ الكُتّابِ: وكما أنَّ الله - جلَّ وعلا - يأتي بالمحبوبِ من الوجهِ الذي قدَّرّ ورودّ المكروهِ منه، ويفتحُ بفرج عند انقطاعِ الأملِ، واستبهامِ وجوهِ الحِيل، ليحُضَّ سائر خلْقه بما يريدهم من تمام قدرته، على صرف الرجاء إليهِ، وإخلاصِ آمالِهم في التَّوكُّلِ عليه، وأنْ لا يَزْوُوا وجوههُم في وقتٍ من الأوقاتِ عنْ توقُّعِ الرَّوْحِ منه، فلا يعدلُوا بآمالِهم على أيِّ حالٍ من الحالاتِ، عنِ انتظارِ فرجٍ يصدُر عنه، وكذلك أيضاً يسرُّهم فيما ساءهم، بأنْ كفاهم بمحنةٍ يسيرةٍ، ما هو أعظمُ منها، وافتداهُمْ بمُلِمَّةٍ سهلةٍ، ممَّ كان أنكى فيهمْ لو لحِقهُمْ.
لعلَّ عتْبك محمودٌ عواقبُهُ ... فربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعِللِ
стр. 330
قال إسحاقُ العابدُ: ربما امتحنَ اللهُ العبْدَ بمحنةٍ يخلِّصُه بها من الهلكةِ، فتكون تلك المحنةُ أجلَّ نعمةٍ.
يقالُ: إنَّ منِ احتمل المحنة، ورضي بتدبيرِ اللهِ تعالى في النكْبةِ، وصبر على الشِّدَّةِ، كشف له عنْ منفعتِها، حتى يقف على المستورِ عنه منْ مصلحتِها.
حُكي عن بعضِ النصارى أنَّ بعض الأنبياءِ ﵈ قال: المِحنُ تأديبٌ من اللهِ، والأدبُ لا يدومُ، فطوبى لمنْ تصبَّر على التأديبِ، وتثبَّت عند المحنةِ، فيجبُ له لُبسُ إكليِلِ الغَلَبَةِ، وتاجِ الفلاحِ، الذي وعَدَ اللهُ به مُحِبِّيه، وأهلِ طاعتِهِ.
قال إسحاقُ: احذرِ الضَّجَرَ، إذا أصابتْك أسِنَّةُ المحنِ، وأعراضُ الفِتنِ، فإنَّ الطريق المؤدِّي إلى النجاةِ صعْبُ المسْلكِ.
قال بزرجمهرُ: انتظارُ الفَرَجِ بالصبرِ، يُعقبُ الاغتباط.
حُسْنُ الظَّنِّ باللهِ لا يخيبُ
((أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء)) .
لبعضِ الكُتّابِ: إنَّ الرجاء مادَّةُ الصبرِ، والمُعينُ عليه. فكذلك عِلَّةُ الرجاءِ ومادَّتهُ، حُسْنُ الظَّنِّ باللهِ، الذي لا يجوزُ أن يخيب، فإنَّا قد نستقري الكرماء، فنجدُهم يرفعون منْ أحسن ظنَّهُ بهمْ، ويتحوَّبُون منْ تخيّب أملُه فيهمْ، ويتحرَّ جون مِنْ قصدَهم، فكيف بأكرمِ الأكرمين، الذي لا يعوزُه أنْ يمنح مؤمِّليه، ما يزيدُ على أمانيِّهم فيه.
стр. 331
وأعدلُ الشواهدِ بمحبَّةِ الله جلَّ ذِكْرُه، لتمسُّكِ عبدِه برحابهِ، وانتظارُ الرَّوحِ منْ ظلِّهِ ومآبِه، أنَّ الإنسان لا يأتيه الفَرَجَ، ولا تُدركُه النجاةُ، إلا بعد إخفاقِ أملهِ في كلِّ ما كان يتوجِّه نحوه بأملِه ورغبتِه، وعند انغلاقِ مطالبِهِ، وعَجْزِ حيلتِه، وتناهي ضَرِّهِ ومحنتِه، ليكون ذلك باعثاً له على صَرْفِ رجائِهِ أبداً إلى اللهِ ، وزاجراً له على تجاوز حُسْنِ ظنِّه به ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
يُدركُ الصَّبُورُ أحْمَدَ الأمورِ
رُوِي عنْ عبدِالله بنِ مسعودٍ: الفَرَجُ والروحُ في اليقيِن والرضا، والهمُّ والحزنُ في الشَّكِّ والسخطِ.
وكان يقولُ: الصَّبُورُ، يُدركُ أحْمد الأمورِ.
قال أبانُ بنُ تغلب: سمعتُ أعربيّاً يقولُ: منْ أفْضلِ آداب الرجالِ أنهُ إذا نزلتْ بأحدِهمْ جائحةٌ استعمل الصبر عليها، وألهم نفْسه الرجاء لزوالِها، حتى كأنه لصبرِه يعاينُ الخلاص منها والعناء، توكُّلاً على اللهِ ، وحُسْنِ ظنٍّ به، فمتى لزِم هذه الصفة، لم يلبثْ أن يقضي اللهُ حاجته، ويُزيل كُربيه، ويُنجح طِلْبتهُ، ومعهُ دينُه وعِرضُه ومروءتُه.
روى الأصمعيُّ عنْ أعرابيٍّ أنه قال: خفِ الشَّرّ منْ موضعِ الخيْرِ، وارجُ الخيْرَ منْ موضعِ الشَّرِّ، فرُبَّ حياةٍ سببُها طلبُ الموتِ، وموتٍ سببُه طلبُ الحياةِ، وأكْثَرُ ما يأتي الأمنُ من ناحيِة الخوْفِ.
وإذا العنايةُ لاحظتْك عيونُها ... نَمْ فالحوادِثُ كلُّهُنَّ أمانُ
стр. 332
وقال قطريُّ بنُ الفجاءةِ:
لا يَرْكَنَنْ أحدٌ إلى الإحجامِ ... يوم الوغى مُتَخَوِّفاً لحمِامِ
فلقدْ أراني للرِّماحِ دريئة ... من عن يميني مرَّةً وأمامي
حتى خضبتُ بما تحدَّر مِن دمي ... أحناء سرْجي أو عنان لجامي
ثم انصرفتُ وقدْ أصبتُ ولم أُصبْ ... جذع البصيرةِ قارِح الإقدامِ
وقال بعضُ الحكماءِ: العاقلُ يتعزَّى فيما نزل به منْ مكروهٍ بأمرينِ:
أحدهما: السرورُ بما بقي له.
والآخر: رجاءُ الفَرَجِ مما نَزَلَهُ به.
والجاهل يجزعُ في محنتِهِ بأمرينِ:
أحدهما: استكثارُ ما أوى إليه.
والآخر: تخوُّفُه ما هو أشدُّ منهُ.
وكان يقالُ: المِحنُ آدابُ اللهِ لخلقِهِ، وتأديبُ اللهِ يفتحً القلوب والأسماع والأبصار.
ووصف الحّسَنُ بنُ سَهْلٍ المِحن فقال: فيها تمحيصٌ من الذنبِ، وتنبيهٌ من الغفلةِ، وتعرُّضٌ للثوابِ بالصبرِ، وتذكيرٌ بالنعمةِ، واستدعاءٌ للمثوبةِ، وفي نظرِ اللهِ وقضائِهِ الخيارُ.
فهذا من أحبَّ الموت، طلباً لحياةِ الذِّكْرِ. ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ .
стр. 333
أقوالٌ في تهوينِ المصائبِ:
قال بعضُ عقلاءِ التُّجَّارِ: ما أصْغرَ المصيبة بالأرباحِ، إذا عادتْ بسلامةِ الأرواحِ.
وكان منْ قولِ العربِ: إنّ تسْلمِ الجِلَّةُ فالسَّخْلةُ هَدَرٌ.
ومنْ كلامِهم: لا تيأسْ أرضٌ من عمرانٍ، وإن جفاها الزمانُ.
والعامَّة تقول: نهرٌ جرى فيه الماءُ لابدَّ أن يعود إليه.
وقال ثامسطيوس: لم يتفاضلْ أهلُ العقولِ والدِّينِ إلا في استعمالِ الفضْلِ في حالِ القُدرةِ والنعمةِ، وابتذالِ الصبرِ في حالِ الشِّدَّةِ والمحنةِ.
وقفةٌ
﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ .
ولهذا يوجدُ عند المؤمنين الصادقين حين تصيبُهم النَّوازلُ والقلاقِلُ والابتلاءُ مِن الصبرِ والثباتِ والطُّمأنينِة والسكُّونِ والقيامِ بحقِّ اللهِ مالا يوجدُ عُشْرُ مِعْشارِهِ عند من ليس كذلك، وذلك لقوَّةِ الإيمانِ واليقينِ.
عن معقلِ بن يسارٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : ((يقولُ ربُّكم ﵎: يا بن آدم، تفرَّغْ لعبادتي، أملأ قلبك غنى، وأملأ يديْك رزِقاً. يا بن آدم، لا تباعدْ مني، فأملأْ قلبك فقراً، وأملأْ يديك شُغلاً)) .
стр. 334
«الإقبالُ على اللهِ تعالى، والإنابةُ إليه، والرِّضا بهِ وعنهُ، وامتلاءُ القلبِ من محبَّتِه، واللَّهجُ بذكْرِهِ، والفرحُ والسرورُ بمعرفتِه ثوابٌ عاجِل، وجنَّةٌ، وعيشٌ، لا نسبة لعيشِ الملوكِ إليه ألبتَّةَ» .
لا تحزنْ إنْ قلَّ مالُك أو رثَّ حالُك
فقيِمتُك شيءٌ آخرُ
قال عليٌّ ﵁: قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنُ.
فقيمةُ العالمِ عِلْمُهُ قلَّ منهُ أو كُثرَ، وقيمةُ الشاعرِ شعرُه أحسن فيهِ أو أساء. وكلُّ صاحبِ موهبةٍ أو حرفةٍ إنما قيمتُه عند البشرِ تلك الموهبةُ أو تلك الحرفةُ ليس إلا، فليحرصِ العبدُ على أنْ يرفع قيمتهُ، ويُغلي ثمنه بعملِهِ الصالحِ، وبعلْمِه وحكمتِه، وجُودِهِ وحفْظِهِ، ونبوغِه واطِّلاعِه، ومُثابرتِه وبحْثِهِ، وسؤالِه وحِرْصِهِ على الفائدةِ، وتثقيفِ عقْلِهِ وصقْلِ ذهنهِ، وإشعالِ الطموحِ في رُوحِهِ، والنُّبلِ في نفسِهِ، لتكون قيمتُه غاليةً عاليةً.
لا تحزنْ، واعلمْ أنك بوساطةِ الكُتُبِ
يمكنُ أن تُنمِّي مواهبك وقدراتِك
مطالعةُ الكتبِ تُفتِّقُ الذِّهن، وتهدي العِبر والعظاتِ، وتمدُّ المطَّلعِ بمددٍ من الحِكم، وتُطلقُ اللسان، وتُنمِّي مَلَكةَ التفكيرِ، وترسِّخُ الحقائق، وتطردُ الشُّبَهَ، وهي سلوةٌ للمتفرِّدِ، ومناجاةٌ للخاطر، ومحادثةٌ للسامرِ، ومتعةٌ
стр. 335
للمتأمِّلِ، وسراجٌ للسَّاري، وكلَّما كٌرِّرتِ المعلومُةٌ وضُبطتْ، ومُحِّصتْ، أثمرتْ وأينعتْ وحان قِطافُها، واستوتْ على سوقِها، وآتت أُكُلها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها، وبلغ الكتابُ بها أجَلَهُ، والنبأُ مستقرَّهُ.
وهجْرُ المطالعةِ، وترْكُ النظرِ في الكتبِ والانفرادُ بها، حُبْسهٌ في اللسانِ، وحَصْرٌ للطَّبعِ، وركودٌ للخاطرِ، وفتورٌ للعقلِ، وموتٌ للطبيعةِ، وذبولٌ في رصيدِ المعرفةِ، وجفافٌ للفكرِ، وما منْ كتابٍ إلا وفيهِ فائدةٌ أو مَثَلٌ، أو طُرفةٌ أو حكايةٌ، أو خاطرةٌ أو نادرةٌ.
هذا وفوائدُ القراءةِ فوق الحَصْرِ، ونعوذُ باللهِ منْ موتِ الهِممِ وخِسَّةِ العزيمةِ، وبرودِ الرُّمحِ، فإنها منْ أعظمِ المصائبِ.
لا تحزنْ، واقرأْ عجائب خلقِ اللهِ في الكونِ
وطالِعْ غرائب صُنعِهِ في المعمورةِ، تجدِ العَجَبَ العُجابَ، وتقضي على همومِك وغمومِك، فإنَّ النَّفْس مُولعةٌ بالطَّريفِ الغريبِ.
رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ، عنْ جابرِ بن عبدِاللهِ ﵁، قال: بَعَثَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، وأمَّر علينا أبا عبيدة، نتلقَّى عِيراً لقريشٍ، وزوَّدنا جِراباً منْ تمرٍ لمْ يجِدْ لنا غَيْرَه، فكان أبو عبيدة يُطينا تمرةً تمرةً.
قال - الراوي عنْ جابرٍ -: فقلتُ: كيف كنتُمْ تصنعون بها؟ قال: نمصُّها كما يمُصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشربُ عليها من الماءِ، فتكفينا يومنا إلى الليلِ، وكنَّا نضربُ بِعصيِّنا الخَبَطَ - أي ورق الشجرِ - ثم نبُلُّه فنأكُلَهُ.
стр. 336
قال: وانطلْقْنا على ساحلِ البحرِ فإذا شيءٌ كهيئةِ الكثيبِ الضخمِ - أي كصورةِ التَّلَّ الكبيرِ المستطيلِ المُحْدَوْدبِ من الرملِ - فأتيناهُ، فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنْبَرَ. قال: قالَ أبو عبيدة: ميْتةٌ. ثم قال: لا بلْ نحنُ رُسُلُ رسول الله ﷺ ، وفي سبيلِ اللهِ، وقدْ اضطُررْتُم فكُلُوا. قال: فأقمْنا عليه شهراً ونحنُ ثلاثمائة حتى سمِنَّا. قال: ولقدْ رأيتُنا نغترفُ منْ وَقْبِ عينِه - أي منْ داخلِ عينِه - ونفرقُها بالقلالِ - أي بالجرارِ الكبيرةِ - الدُّهْنَ، ونقتطعُ منه الفِدر - أيْ القِطع - كالثورِ أو قدْرِ الثورِ. فلقدْ أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشرَ رجلاً، فأقعدهم في وقبِ عينِهِ، وأخذ ضلعاً منْ أضلاعِهِ فأقامها، ثمَّ رحَّل أعظم بعيرٍ، ونظر إلى أطولِ رجُلٍ فحملهُ عليهِ، فمرَّ منْ تحتِها.
وتزوَّدْنا منْ لحْمِه وشائِق، فلمَّا قدمْنا المدينة، أتينا رسول اللهِ ﷺ ، فذكرنا له ذلك، فقال: ((هو رزقٌ أخرجه اللهُ لكمْ، فهل معكمْ منْ لحمِهِ شيءٌ فتُطعمونا؟)) ، قال: فأرسلْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأكل منه.
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
البذرةُ إذا وُضِعتْ في الأرضِ لا تنبتُ حتى تهتزَّ الأرضُ هِزَّةً خفيفةً، تُسجَّلُ بجهاز رِخْتَرَ، فتفقسُ البذرةُ وتنبتُ: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ .
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
قال أبو داود في كتابهِ (السنن) في بابِ زكاةِ الزرعِ: شَبَرْتُ قثاءةً بمصر ثلاثة عشر شِبْراً، ورأيتُ أُتْرُجَّةً على بعيرٍ بقطعتيْن، قُطعتْ وصيِّرَتْ على مثْلِ عِدلْينِ.
стр. 337
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
ذكر الدكتورُ زغلولُ النجّارُ الدارسُ للآياتِ الكونيةِ - في إحدى محاضراتِه - أنَّ هناك نجوماً انطلقتْ منْ آلافِ السنواتِ، وهي في سرعةِ الضوءِ، ولم تصلْ حتى الآن إلى الأرضِ، وما بقي إلا مواقعُها ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ .
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
جاء في (جريدة الأخبارِ الجديدة) في العددِ ٣٩٦ بتاريخِ ٢٧/ ٩/ ١٩٥٣ م ص ٢ أنه: «دخلُ صباح اليومِ (أونا) باريس دخول الفاتحين، يحرسُه عشراتُ منْ رجالِ البوليس، الراكبِ والراجلِ. أمَّا (أونا) هذا فهو حوتٌ نرويجيٌّ ضخمٌ محنَّطٌ، وزنه ٨٠٠٠٠ كيلو، وكان محمولاً على عَشْرِ جراراتٍ مربوطةٍ بسيارةِ نقلٍ ضخمةٍ، وسيُعرضُ الحوتُ لمدةِ شهْر ويُسمحُ للناسِ بدخولِ كرشِهِ المضاءِ بالكهرباءِ، ويستطيعُ عشرةُ أشخاص أنْ يدخلوا بطنَه مرَّةً واحدةً.
لكنَّ المشرفين على معرضِ (أونا) وبوليس المدينةِ، لم يتفقا على المكانِ الذي يوضعُ فيه الحوتُ، وهمْ يخشون وضْعَهُ فوق محطةِ القطارِ الأرضيِّ خشيةَ أنْ ينهار الشارعُ.
وبرغمِ أنَّ سِنَّ هذا الحوتِ لا يزيدُ على ١٨ شهراً، فإنَّ طوله ٢٠ متراً، وقد صيد في شهرِ سبتمبر من العامِ الماضي في مياهِ النرويج، وقدْ صُنِعتْ لهُ عربةُ قطارٍ خاصَّةٌ، لنقْلِه في جولةٍ عَبْرَ أوربا، ولكنَّها انهارتْ تحته، فصنُعتْ له سيارةُ جرٍّ، طولها ٣٠ متراً» .
стр. 338
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
النملةُ تدَّخِرُ قُوتها من الصيفِ للشتاءِ؛ لأنَّها لا تخرجُ في الشتاءِ، فإذا خشيتْ أنْ تنبت الحبَّةُ، كسرتْها نصفين، والحيَّةُ في الصحراءِ إذا لم تجدْ طعاماً، نصبت نفسها كالعودِ، فيقعُ عليها الطائرُ فتأكلهُ.
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
قال عبدُالرزاقِ الصنعانيُّ: سمعتُ معمر بن راشدٍ البصريَّ يقولُ: رأيتُ باليمنِ عنقود عنبٍ، وقْرَ بَغْلٍ تامٍّ. ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ . كلّ الأشجارِ والنباتاتِ تُسقى بماءٍ واحدٍ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ . وللنباتاتِ مناعةٌ خاصَّةٌ، فمنها القويَّةُ بنفسهِا، ومنها الشوكيَّةُ التي تدافعُ بشوكِها، ومنها الحامضةُ اللاّذِعةُ.
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
قال كمالُ الدين الأُدفويُّ المِصْريُّ في كتابِه (الطالع السعيد الجامع نجباء أنباء الصعيد) : «رأيت قطف عنبٍ، جاءتْ زنُته ثمانيةُ أرطالٍ باللّيثيِّ، ووُزِنتْ حبَّةُ عنبٍ، جاءتْ زنتُها عشرةُ دراهم، وذلك بأُدفو بلدِنا» .
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
وقد ذكر علماءُ الفلكِ أنَّ الكون لا يزالُ يتَّسعُ شيئاً فشيئاً كما تتَّسع البالونةُ: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ . وذكروا أنَّ الأرض اليابسة تنقصُ، وأنَّ المحيطات تتَّسعُ، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ .
стр. 339
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ :
جاء في مجلةِ (الفيصل) عدد ٦٢ سنة ١٤٠٢ هـ ص ١١٢ صورةٌ لثمرةِ كرنبٍ (ملفوف) وزنت ٢٢ كيلو غراماً، وبلغ قطرُها متراً واحداً، وصورةٌ لبصلةٍ يابسةٍ واحدة، وزنت ٢,٣ كيلو غراماً، وبلغ قطرها ٣٠ سم.
وذكرتِ المجلةُ عقِب ذلك، أنَّ ثمرة بندورةٍ (طماطم) واحدةٍ بلغ محيطُها أكثر منْ ٦٠ سم، وأنَّ هذه الأشياء غَيْرَ العاديةِ، نبتتْ في أرضِ المُزارِعِ المكسيكي (جوزيه كارمن) ذي الخبرةِ الطويلةِ في الزراعةِ والعنايةِ بالأرضِ، مما جعلَهُ المزارع الأوَّل في المكسيكِ.
стр. 340
يا الله يا الله
﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ .
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ .
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ .
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ .
وقال عنْ آدم: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ .
ونوحٍ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ .
وإبراهيم: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ .
стр. 341
ويعقوب: ﴿عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ .
ويوسف: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ .
وداود: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ .
وأيوب: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ .
ويونس: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ .
وموسى: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ .
ومحمد: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ ، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى ﴿٦﴾ وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ﴿٧﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ .
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ :
قال بعضُهم: يغفرُ ذنباً، ويكشفُ كرْباً، ويرفع أقواماً، ويضعُ آخرين.
اشْتدِّي أزمةُ تنْفرِجي ... قد آذن صُبْحُكِ بالبَلَجِ
سحابة ثمَّ تنقشع: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
لا تحزنْ، فإنَّ الأيام دُوَلٌ
سَجَنَ ابنُ الزبير محمد بن الحنفيَّةِ في سجنِ (عارمٍ) بمكة، فقال كُثِّر عزة:
وما رونقُ الدُّنيا بباقٍ لأهلها ... وما شدَّةُ الدُّنيا بضرْبةِ لازِمِ
لهذا وهذا مُدَّةٌ سوف تنقضي ... ويُصبِحُ ما لاقيتُهُ حلم حالكِ
стр. 342
وتأمَّلتُ بعد هذا الحدث بقرونٍ، فإذا ابنُ الزبيرِ وابنُ الحنفية وسِجْنُ عارمِ كحلمِ حالمٍ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ .
مات الظالمُ والمظلومُ والحابسُ والمحبوسُ.
كلُّ بطَّاحٍ مِن الناسِ له يومٌ بطوحٌ.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾
وفي الحديثِ: ((لتُؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلهِا حتى يُقاد للشاةِ الجلْحاءِ من القرْناءِ))
مثِّلْ أنفْسِك أيُّها المغرورُ ... يوم القيامةِ والسَّماءُ تمورُ
هذا بلا ذنبٍ يخافُ لِهوْلِهِ ... كيف الذي مرَّتْ عليهِ دُهُوُرُ
لا تحزنْ، فيُسرَّ عدوُّك
إنَّ حزنك يُفْرحُ خصمك، ولذلك كان منْ أصولِ الملَّةِ إرغامُ أعدائِها: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ .
وقولُه ﷺ لأبي دُجانة، وهو يخطرُ في الصفوفِ متبختراً في أُحًد: ((إنها لمشيةٌ يبغضُها اللهُ إلا في هذا الموطنِ)) . وأمر أصحابهُ بالرَّمل حَوْلَ البيتِ، ليُظهروا قوتهم للمشركين.
стр. 343
إنَّ أعداء الحقِّ وخصوم الفضيلةِ سوف يتقطَّعون حسرةً إذا علمُوا بسعاتِنا وفرحِنا وسرورِنا، ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ ، ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ ، ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ .
رُبَّ منْ أنضجتُ يوماً قلْبهُ ... قد تمنَّى لي شراً لم يُطعْ
وقال آخر:
وتجلُّدي للشَّامتين أُريِهمُ ... أنِّي لريْبِ الدَّهرِ لا أتضعْضعُ
وفي الحديثِ: ((اللهمّ لا تُشمِتْ بي عدُواً ولا حاسِداً)) .
وفيه: ((ونعوذُ بك منْ شماتِةِ الأعداءِ)) .
كُلُّ المصائبِ قد تمُرُّ على الفتى ... وتهونُ غير شماتةِ الأعداءِ
وكانوا يتبسَّمون في الحوادِثِ، ويصبرون للمصائبِ، ويتجلَّدُون للخطوبِ، لإرغامِ أُنُوفِ الشّامِتِين، وإدخالِ الغيْظ في قلوبِ الحاسدين: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ .
стр. 344
تفاؤلٌ وتشاؤمٌ
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ .
كثيرٌ من الأخيارِ تفاءلوا بالأمرِ الشّاقِّ العسير، ورأوْا في ذلك خيْراً على المنهجٍ الحقِّ: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ .
فهذا أبو الدرداءِ يقولُ: أُحبُّ ثلاثاً يكرهُها الناسُ: أحبُّ الفَقْرَ والمرَضَ والموْتَ، لأنَّ الفقرَ مسكنةٌ، والمرضَ كفَّرةٌ، والموت لقاءٌ باللهِ .
ولكنَّ الآخرَ يكرهُ الفقر ويذُمُّه، ويُخبرُ أنَّ الكلاب حتى هي تكرهُ الفقير:
إذا رأتْ يوماً فقيراً مُعدماً ... هرَّتْ عليهِ وكشرَّتْ أنيابها
والحُمَّى رحَّب بها بعضُهم فقال:
زارتْ مكفِّرةُ الذنوبِ سريعةً ... فسألتُها باللهِ أن لا تُقْلِعِي
لكنّ المتنبي يقولُ عنها:
بذلتُ لها المطارف والحشايا ... فعافتْها وباتتْ في عِظامي
وقال يوسُفُ ﵇ عنِ السجنِ: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ .
وعليُّ بنُ الجهم يقولُ عنِ الحبْسِ أيضاً:
قالوا حُبِسْت فقلتُ ليس بضائري ... حبسْي وأيُّ مهنَّدٍ لا يُغْمدُ
стр. 345
ولكنّ عليَّ بن محمدٍ الكاتب يقولُ:
قالوا حُبست فقلتُ خطْبٌ نكِدٌ ... أنْحى عليَّ به الزمانُ المُرْصدُ
والموتُ أحبَّه كثيرٌ ورحَّبوا بهِ، فمعاذٌ يقولُ: مرحباً بالموتِ، حبيبٌ جاء على فاقةٍ، أفلح منْ ندم.
ويقولُ في ذلك الحُصيُن بنُ الحمامِ:
تأخَّرتُ أستبقي الحياة فلمْ أجِدْ ... لنفسي حياةً مثْل أن أتقدَّمَا
ويقولُ الآخرُ: لا بأس بالموتِ إذا الموتُ نزلْ.
ولكنَّ الآخرين تذمَّرُوا من الموتِ وسبُّوه وفرُّوا منهُ.
فاليهودُ أحرصُ الناسِ على حياةٍ، قال عنهمْ: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ .
وقال بعضُهم:
ومالي بعد هذا العيشِ عيشٌ ... ومالي بعد هذا الرأسِ رأسُ
والقتلُ في سبيل اللهِ أمنيةٌ عذْبةٌ عند الأبرارِ الشرفاءِ: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ .
وابنُ رواحة ينشدُ:
لكنَّني أسألُ الرحمنَ مغفرةً ... وطعنةً ذات فزعٍ تقذِفُ الزَّبدا
стр. 346
ويقولُ ابنُ الطِّرِمَّاح:
أيا ربَّ لا تجعلْ وفاتِي إنْ أتتْ ... على شرْجَعَ يعلو بحُسْنِ المطارِفِ
ولكنْ شهيداً ثاوياً في عصابةٍ ... يُصابون في فجٍّ مِن الأرض خائفِ
غير أنَّ بعضهمْ كرِه القتْلَ وفرَّ منه، يقولُ جميلُ بثينة:
يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍ ... وأيُّ جهادٍ غيرهُنَّ أُريدُ
وقال الأعرابيُّ: واللهِ إني أكرهُ الموت على فراشي، فكيف أطلبُه في الثغورِ ﴿قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ . إنَّ الوقائع واحدةٌ لكنَّ النفوس هي التي تختلفُ.
أيُّها الإنسان
أيُّها الإنسانُ: يا منْ ملَّ من الحياةِ، وسئِم العيش، وضاق ذرعاً بالأيامِ وذاق الغُصص، أنَّ هناك فتحاً مبيناً، ونصراً قريباً، وفرجاً بعد شدَّة، ويُسراً بعد عُسْرٍ.
إنَّ هناك لُطفاً خفيّاً منْ بينِ يديْك ومنْ خلقِك، وإنَّ هناك أملاً مشرقاً، ومستقبلاً حافلاً، ووعداً صادقاً، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ . إن لضِيقِك فُرْجةً وكشْفاً، ولمصيبتِك زوالٌ، وإن هناك أنساً وروحاً وندىً وطلاً وظلاً. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ .
стр. 347
أيُّها الإنسانُ: آنَ أنْ تُداوي شكَّك باليقينِ، والتواء ضميرِك بالحقِّ، وعِوج الأفكارِ بالهُدى، واضطراب المسيرةِ بالرُّشدِ.
آن أنْ تقشع عنك غياهب الظلامِ بوجْهِ الفجرِ الصادقِ، ومرارةِ الأسى بحلاوةِ الرَّضا، وحنادسِ الفِتن بنورٍ يلقفُ ما يأفكُون.
أيُّها الإنسانُ: إنَّ وراء بيدائِكمْ القاحلِةِ أرضاً مطمئنَّةً، يأتيها رزقُها رَغَداً منْ كلِّ مكانٍ
وإنَّ على رأسِ جبلٍ المشقَّة والضَّنى والإجهاد، جنَّةً أصابها وابلٌ، فهي مُمرعةً، فإنْ لم يصبْها وابلٌ فطلٌّ من البُشرى والفألِ الحسنِ، والأملِ المنشودِ.
يا منْ أصابه الأرقُ، وصرخ في وجهِ الليلِ: ألا أيُّها الليل الطويلُ ألا انْجلِ، أبشِرْ بالصبحِ ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ . صبحٌ يملؤُك نوراً وحبوراً وسروراً.
يا منْ أذهب لُبَّه الهمُّ: رُويْدك، فإنَّ منْ أُفُقِ الغيبِ فَرَجاً، ولك منْ السُّننِ الثابتِة الصادقِة فُسْحةً.
يا منْ ملأت عينك بالدمعِ: كفْكِفْ دموعك، وأرِحْ مُقلتيْك، اهدأْ فإنَّ لك منْ خالقِ الوجودِ ولايةً، وعليك منْ لطفهِ رعايةً، اطمئنَّ أيُّها العبدُ، فقدْ فُرغ من القضاءِ، ووقع الاختيارُ، وحَصَلَ اللُّطفُ، وذهب ظمأُ المشقَّةِ، وابتلَّتْ عروقُ الجهدِ، وثبت الأجرُ عند منْ لا يخيبُ لديهِ السعْيُ.
стр. 348
اطمئنَّ: فإنك تتعاملُ مع غالبٍ على أمرِهِ، لطيفٍ بعبادِه، رحيمٍ بخْلقِهِ، حسنِ الصُّنعِ في تدبيرِهِ.
اطمئنَّ: فإنَّ العواقب حسنةٌ، والنتائج مريحةٌ، والخاتمة كريمةٌ.
بعد الفقرِ غِنَّى، وبعد الظَّمأ رِيٌّ، وبعد الفراقِ اجتماعٌ، وبعد الهجْر وَصْلٌ، وبعد الانقطاعِ اتِّصالٌ، وبعد السُّهادِ نومٌ هادئٌ، ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ .
لمعتْ نارُهُم وقْد عسْعَسَ الليـ ... ـلُ وملَّ الحادي وحار الدَّلِيلُ
فتأمَّلتُها وفِكْري من البيْـ ... ـنِ عليلٌ وطرْفُ عيني كلِيلُ
وفؤادي ذاك الفؤادُ المعنَّى ... وغرامي ذاك الغرامُ الدَّخِيلُ
وسألْنا عن الوكيلِ المرجَّى ... للمُلِمَّاتِ هل إليهِ سبيلُ؟
فوجدْناه صاحب المُلْكِ طُرّاً ... أكرم المُجزِلِين فردٌ جليلُ
أيُّها المعذَّبُون في الأرضِ، بالجوعِ والضَّنْكِ والضَّنى والألمِ والفقْرِ والمرضِ، أبشرُوا، فإنكم سوف تشبعون وتسعدون، وتفرحون وتصِحُّون، ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ .
فلابُدَّ لِلَّيلِ أنْ ينجلِيْ ... ولابدَّ للقيْدِ أنْ ينكسِرْ
ومنْ يتهيَّبْ صُعُود الجبالِ ... يعِشْ أبد الدَّهْرِ بين الحُفرْ
وحقٌّ على العبدِ أن يظُنَّ بربِّه خيراً، وان ينتظر منهُ فضلاً، وأنْ يرجُو من مولاهُ لُطفاً، فإنَّ منْ أمرُه في كلمةِ (كُن) ، جديرٌ أنْ يُوثق بموعودِهِ، وأنْ يُتعلَّقَ بعهودِهِ، فلا يجلبُ النفع إلا هو، ولا يدفع الضُّرَّ إلا هو، ولهُ في كلِّ
стр. 349
نفسٍ لُطفٌ، وفي كلِّ حركةٍ حكمةٌ، وفي كلِّ ساعةٍ فَرَجٌ، جعل بعدَ الليلِ صُبحاً، وبعد القحْطِ غَيْثاً، يُعطي ليُشْكر، ويبتلي ليعلم من يصْبِرُ، يمنحُ النَّعْماء ليسمع الثَّناء، ويُسلِّطُ البلاء ليُرفع إليه الدُّعاءُ، فحريٌّ بالعبدِ أن يقوِّي معه الاتِّصال، ويُمدَّ إليه الحبال، ويُكِثرُ السؤال ﴿وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ ، ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ .
لو لمْ تُرِدْ نيْل ما أرجو وأطْلُبُهُ ... مِن جُودِ كفِّك ما علَّمْتني الطَّلبا
انقطع العلاءُ بنُ الحضرميِّ ببعضِ الصحابةِ في الصحراءِ، ونفِد ماؤُهم، وأشرفُوا على الموتِ، فنادى العلاءُ ربَّه القريب، وسأل إلهاً سميعاً مجيباً، وهتف بقولِهِ: يا عليُّ يا عظيمُ، يا حكيمُ يا حكيمُ. فنزل الغيثُ في تلك اللحظةِ، فشربُوا وتوضؤوا، واغتسلوا وسَقوْا دوابَّهم. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ .
وقفةٌ
«محبَّةُ اللهِ تعالى، ومعرفُته، ودوامُ ذِكْرِه، والسُّكُونُ إليه، والطمأنينةُ إليه، وإفرادُه بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ والتَّوكُّلُ، والمعاملةُ، بحيثُ يكون هو وَحْدَهُ المستولي على همومِ العبدِ وعزماتِه وإرادتِه. هو جنَّةُ الدنيا، والنعيمُ الذي لا يُشبِههُ نعيمٌ، وهو قُرَّة عينِ المُحِبين، وحياةُ العارفين» .
«تعلُّقُ القلبِ باللهِ وحدهُ واللَّهجُ بذِكرِهِ والقناعةُ: أسبابٌ لزوالِ الهمومِ والغمومِ، وانشراحُ الصدرِ والحياةُ الطَّيِّبة. والضِّدُّ بالضِّدِّ، فلا أضْيقُ صدراً، وأكْثَرُ همّاً، ممَّنْ تعلَّق قلبُه بغيرِ اللهِ، ونسي ذِكْر اللهِ، ولم يقْنَعْ بما آتاهُ اللهُ، والتَّجرِبةُ أكبرُ شاهدٍ» .
стр. 350
تعزَّ بالمنكوبين
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى﴾ .
وممَّنْ نُكِب نكبةً داميةً ساحقةً ماحقةً: البرامكةُ، أُسرةُ الأُسرةُ الأُبَّهةِ والتَّرَفِ والبذْلِ والسَّخاءِ، وأصبحتْ نكْبتُهم عِبرةً وعظةً ومثلاً، فإنَّ هارون الرشيد سطا عليهمْ بيْن عشيَّةٍ وضُحاها، وكانوا في النعيمِ غافلين، وفي لحافِ الرَّغدِ دافِئين، وفي بستانِ الترفِ مُنعَّين، فجاءهم أمرُ اللهِ ضُحىً وهم يلعبون، على يدِ أقربِ الناسِ إليهم، فخرَّب دُورهم، وهدمَ قصورهُم، وهتك سُتُورهُم، واستلب عبيدهُمْ، وأسال دماءهم، وأوردهم موارد الهالِكين، فَجَرَحَ بمصابِهم قلوب أحبابِهم، وقرَّح بنكالِهم عيون أطفالِهم، فلا إله إلا اللهُ، كم منْ نعمةٍ عليهم سُلبتْ، وكمْ منْ عبرةٍ منْ أجلهِم سُفكتْ، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . قبل نكبتهم بساعةٍ، كانوا في الحرير يرْفُلون، وعلى الدِّيباجِ يزحفون، وبكأسِ الأماني يترعُون، فيها لهوْلِ ما دهاهُم، ويا لفجيعةِ ما علاهم
هذا المصابُ وإلاَّ غيرُه جللُ ... وهكذا تُمحقُ الأيَّامُ والدُّولُ
اطمأنوا في سِنةٍ من الدهرِ، وأمْنٍ من الحدثان، وغفْلةٍ من الأيامِ ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ . خفقتْ على رؤوسِهِمُ البنودُ، واصطفَّتْ على جوانِبِهم الجنودُ.
كأنْ لم يكُن بين الحَجُونِ إلى الصفّا ... أنيسٌ ولم يسْمُرْ بمكَّة سامِرُ
стр. 351
رتعُوا في لذَّةِ العيشِ لاهين، وتمتَّعُوا في صفْو الزمان آمنِين، ظنُّوا السراب ماءً، والورم شحْماً، والدنيا خُلُوداً، والفناء بقاءً، وحسبوا الوديعة لا تُستردُّ، والعارية لا تُضمنُ، والأمانة لا تُؤدَّى، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ .
فجائعُ الدهرِ ألوانٌ مُنوَّعةٌ ... وللزَّمانِ مَسَرَّاتٌ وأحزانُ
وهذه الدارُ لا تبقي على أحدٍ ... ولا يدومُ على حالٍ لها شأنُ
أصبحوا في سرورٍ وأمسوْا في القبورِ، وفي لحظةٍ منْ لحظاتِ غَضَبِ هارونِ الرشيدِ، سلَّ سيف النّقمةِ عليهمْ، فقتل جعفر بن يحيى البرمكيَّ، وصلبهُ ثمَّ أحرق جثمانه، وسجن أباه يحيي بن خالدٍ، وأخاه الفضْل بن يحيى، وصادر أموالهمْ وأملاكهم.
стр. 352
ولما قَتَلَ أبو جعفر المنصورُ محمد بن عبدِاللهِ بن الحَسَنِ، بعث برأسِهِ إلى أبيهِ عبدِاللهِ بن الحسنِ في السجنِ مع حاجبِهِ الربيعِ، فوضعَ الرأسَ بين يديهِ، فقال: رحمك اللهُ يا أبا القاسم، فقدْ كنت من الذين يُفون بعهدِ اللهِ، ولا ينقُضون الميثاق، والذين يصِلون ما أمر اللهُ بهِ أنْ يُوصل ويخشوْن ربَّهم ويخافون سوء الحسابِ، ثم تمثَّل بقولِ الشاعرِ:
فتى كان يحميه مِنْ الذُّلِّ سيفُه ... ويكفيه سوءاتِ الأمورِ اجتنابُها
стр. 353
والتفت إلى الربيع حاجبِ المنصورِ، وقال له: قُلْ لصاحبِك: قدْ مضى منْ بُؤسِنا مُدَّةٌ، ومنْ نعيمِك مِثُلها، والموعدُ اللهُ تعالى!
وقدْ أخذ هذا المعنى العباسُ بنُ الأحنفِ - وقيل: عمارةُ بنُ عقيلٍ - فقال:
فإنْ تلحظي حالي وحالكِ مرَّةً ... بنظرةِ عينٍ عنْ هَوَى النَّفْسِ تُحْجبُ
نجِد كُلَّ مرَّ منْ بُؤسِ عيشتي ... يمُرُّ بيومٍ منْ نعيمكِ يُحْسبُ
كما في (قولٍ على قول) .
والآن: أين هارون الرشيدُ وأين جعفرُ البرمكيُّ؟ أين القاتلُ والمقتولُ؟ أين الآمرُ والمأمورُ؟ أين الذين أصدر أمره وهو على سريرهِ في قصرهِ؟ وأين الذي قتِل وصُلِب؟ لا شيء، أصبحوا كأمسِ الدَّابر، وسوف يجمعُهم الحكمُ العدْلُ ليومِ لا ريب فيه، فلا ظُلْم ولا هضْم، ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ .
قيل ليحيى بن خالدٍ البرمكيِّ: أرأيت هذه النكْبة، هل تدري ما سببُها؟ قال: لعلَّها دعوةُ مظلومٍ، سرتْ في ظلامِ الليلِ ونحنُ عنها غافلون.
ونُكب عبدُالله بنُ معاوية بنِ عبدِاللهِ بنِ جعفر، فقال في حبْسهِ:
خَرَجْنَا من الدنيا ونحنُ مِن أهلِها ... فلسْنا مِن الأمواتِ فيها ولا الأحياء
إذا دخل السَّجانُ يوماً لحاجةٍ ... عجِبْنا وقلنا: جاء هذا من الدُّنيا
стр. 354
ونفرحُ بالرُّؤْيا فجُلُّ حديثِنا ... إذا نحنُ أصبحنا الحديث عن الرُّؤْيا
فإنْ حسُنتْ كانتْ بطيئاً مجيئُها ... وإنْ قبُحتْ لم تنتظر وأتتْ سعيا
سجنَ أحدُ ملوكِ فارس حكيماً منْ حكمائِهمْ، فكتب لهُ رقعةً يقولُ: إنها لنْ تمُرَّ عليَّ فيها ساعةٌ، إلا قرَّبتْني من الفرجِ وقرَّبتْك من النِّقمةِ، فأنا أنتظرُ السَّعة، وأنت موعودٌ بالضيِّقِ.
ويُنكبُ ابنُ عبَّادٍ سلطانُ الأندلسِ، عندما غلب عليه الترفُ، وغلب عليهِ الانحرافُ عنِ الجادَّةِ، فكثرُتِ الجواري في بيتهِ، والدُّفوفُ والطَّنابيرُ، والعزْفُ وسماعُ الغناءِ، فاستغاث يوماً بابن تاشفين - وهو سلطانُ المغربِ - على أعدائِهِ الروم في الأندلسِ، فعبر ابنُ تاشفين البحر، ونصرَ ابن عبَّادِ، فأنزلهُ ابنُ عبَّادٍ في الحدائقِ والقصورِ والدُّورِ، ورحَّب به وأكرمه. وكان ابنُ تاشفين كالأسدِ، ينظرُ في مداخلِ المدينة وفي مخارجِها، لأنَّ في نفسه شيئاً.
وبعد ثلاثةِ أيام هجم ابنُ تاشفين بجنودِه على المملكةِ الضعيفةِ، وأسر ابن عبَّادٍ وقيَّده وسَلَبَ مُلكه، وأخذ دُوره ودمَّر قصوره، وعاث في حدائقِهِ، ونَقَلَهُ إلى بلدِه (أغماتٍ) أسيراً، ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ . فتقلَّد ابنُ تاشفين زِمام الحُكمِ، وادعى أنَّ أهل الأندلسِ همُ الذين استدعوْه وأرادوه.
стр. 355
ومرَّتِ الأيامُ، وإذا ببناتِ ابنِ عبَّادٍ يصِلْنه في السجنِ، حافياتٍ باكياتٍ كسيِفاتٍ جائعاتٍ، فلمَّا رآهنّ بكى عند البابِ، وقال:
فيما مضى كُنت بالأعيادِ مسرورا ... فساءك العيدُ في أغمات مأسورا
ترى بناتِك في الأطمارِ جائعةً ... يغزِلْن للناسِ ما يمْلِكْن قطميرا
بَرَزْنَ نحْوك للتَّسليمِ خاشعةً ... أبصارُهُنَّ حسيراتٍ مَكاسِيرا
يطأْن في الطينِ والأقدامُ حافيةٌ ... كأنَّها لم تطأ مِسكاً وكافُورا
ثمَّ دخل الشاعرُ ابنُ اللَّبانةِ على ابنِ عبّادٍ، فقال له:
تَنَشَّقْ رياحين السَّلامِ فإنَّما ... أصُبُّ بها مِسْكاً عليك وحَنْتَما
وقُلْ مجازاً إن عدمت حقيقةً ... بأنك ذو نُعمى فقد كُنت مُنعما
بكاك الحيا والريحُ شقَّتْ جُيُوبها ... عليها وتاه الرَّعدُ باسمِك مُعْلِما
وهي قصيدةٌ بديعة، أوْرَدَها الذهبيُّ ومدحها.
روى الترمذيُّ، عن عطاءٍ، عنْ عائشة ﵂ وأرضاها - أنَّها مرَّتْ بقبرِ أخيها عبدِالله الذي دُفن فيه بمكة، فسلَّمت عليهِ، وقالتْ: يا عبد اللهِ، ما مثلي ومثُلك إلا كما قال مُتمِّمٌ:
وكُنَّا كندْماني جُذيْمَةَ بُرهةً ... من الدهرِ حتى قِيل لنْ يتصدَّعا
وعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتُبَّعا
فلمَّا تفرَّقْنا كأنِّي ومالِكاً ... لطُولِ اجتماعٍ لم نبِتْ ليلةً معا
ثمَّ بكتْ وودَّعتْه.
следующие страницы →