← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

إِلَى المعلقات السَّبع لجودتها. وَقد أورد الشَّارِح الْمُحَقق فِي شَرحه عدَّة أَبْيَات مِنْهَا. وَقبل هَذَا الْبَيْت: (كأنّ رحلي وَقد زَالَ النَّهَار بِنَا ... بِذِي الْجَلِيل على مستانس وحد) (من وَحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي الْمصير كسيف الصيقل الْفَرد) (سرت عَلَيْهِ من الجوزاء سَارِيَة ... تزجي الشمَال عَلَيْهِ جامد الْبرد) (فارتاع من صَوت كلاّب فَبَاتَ لَهُ ... طوع الشوامت من خوف وَمن صرد)) (فهاب ضمران مِنْهُ حَيْثُ يوزعه ... طعن المعارك عِنْد المجحر النجد) (شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذها ... شكّ المبيطر إِذْ يشفي من الْعَضُد) (كَأَنَّهُ خَارِجا من جنب صفحته ... سفّود شرب نسوه عِنْد مفتأد) (فظلّ يعجم أَعلَى الرّوق منقبضاً ... فِي حالك اللَّوْن صدق غير ذِي أود) (لما رأى واشق إقعاص صَاحبه ... وَلَا سَبِيل إِلَى عقل وَلَا قَود) (قَالَت لَهُ النَّفس: إِنِّي لاأرى طَمَعا ... وغن مَوْلَاك لم يسلم وَلم يصد) (فَتلك تبلغني النُّعْمَان إِن لَهُ ... فضلا على النَّاس فِي الْأَدْنَى وَفِي الْبعد) الرحل: النَّاقة. وَزَالَ النَّهَار أَي: انتصف وَهُوَ من الزَّوَال. وبنا: الْبَاء بِمَعْنى على. والجليل: بِضَم الْجِيم: الثمام وَهُوَ مَوضِع أَي: بِموضع فِي هَذَا النبت. وَهَذَا النبت لَا تَأْكُله الدَّوَابّ. والمستأنس: النَّاظر بِعَيْنيهِ.

стр. 1122

وَرُوِيَ: مستوجس: وَهُوَ الَّذِي قد أوجس فِي نَفسه الْفَزع فَهُوَ ينظر. والوحد بِفتْحَتَيْنِ: الوحيد الْمُنْفَرد وَهُوَ صَاحبهَا: وعَلى بِمَعْنى مَعَ. وَجُمْلَة وَقد زَالَ النَّهَار الخ حَال. وَهَذِه الْأُمُور مِمَّا يُوجب الْإِسْرَاع فَإِن الْمُسَافِر فِي فلاة يجد يجد فِي السّير بعد الزَّوَال ليصل إِلَى منزل يجد فِيهِ رَفِيقًا وعلفاً لدابته. وَقَوله: من وَحش شبه نَاقَته بثور وَحشِي مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات الْآتِيَة. وَخص وَحش وجرة لِأَنَّهَا فلاة بَين مران وَذَات عرق سِتُّونَ ميلًا والوحش يكثر فِيهَا وَيُقَال: إِنَّهَا قَليلَة الشّرْب فِيهَا. والموشي بِفَتْح الْمِيم: اسْم مفعول من وشيت الثَّوْب أشيه وشياً وشية أَي: لونته ألواناً مُخْتَلفَة. وَأَرَادَ بِهِ الثور الوحشي فَإِنَّهُ أَبيض وَفِي أكارعه أَي: قوائمه نقط سود وَفِي وَجهه سفعة. وموشي: بِالْجَرِّ صفة وَحش وأكارعه: فَاعله. وطاوي الْمصير أَي: ضامره والمصير المعى وجمعهخ مصران وَجمع مصران مصارين. وَقَوله: كسيف الصيقل أَي: يلمع. والفرد بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وسكونها: الثور الْمُنْفَرد إِن أنثاه وَكَذَلِكَ الفارد والفريد. وَقَوله: سرت عَلَيْهِ الخ والسارية: السحابة الَّتِي تَأتي لَيْلًا. وَمعنى سرت عَلَيْهِ الخ أَي: مطر بِنَوْء الجوزاء. وتزجى مصدره الإزجاء بالزاي وَالْجِيم وَهُوَ السُّوق. وَالشمَال فَاعله وَهِي ريح مَعْرُوفَة. وجامد الْبرد: مَفْعُوله أَي: مَا صلب من الْبرد. وَقَوله: فارتاع من صَوت الخ أَي: فزع الثور وَخَافَ. وَالْكلاب بِالْفَتْح: الصياد صَاحب) الْكلاب. وَله: أَي: للكلاب. وَالْفَاء فِي قَوْله: فَبَاتَ عاطفة. وطوع مَرْفُوع ببات. وَالْمعْنَى عِنْد الْأَصْمَعِي: فَبَاتَ للكلاب

стр. 1123

مَا أطَاع شوامته من الْخَوْف والصرد. وَعند أبي عُبَيْدَة: فَبَاتَ لَهُ مَا يسر الشوامت. وَرُوِيَ طوع بِالنّصب فمرفوع بَات ضمير الْكلاب وَله أَي: لأجل الثور والشوامت: القوائم جمع شامتة. أَي: فَبَاتَ قَائِما بَين خوف وصرد وَهُوَ مصدر صرد من بَاب فَرح: إِذا وجد الْبرد. وَقَوله: فبثهن عَلَيْهِ الخ بَث: فرق وفاعله ضمير الْكلاب وَضمير الْمُؤَنَّث الْمَجْمُوع للكلاب المفهومة من الْكلاب وَضمير عَلَيْهِ للثور وَكَذَلِكَ ضمير بِهِ. وَأَرَادَ بصمع الكعوب قَوَائِم الْكلاب والصمع: الضوامر الْخفية الْوَاحِدَة صمعاء. والكعوب: جمع كَعْب وَهُوَ الْمفصل من الْعِظَام. قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: يَعْنِي بصمع الكعوب أَن قوائمه لَازِقَة محددة الْأَطْرَاف ملس لَيست بهزيلات. وأصل الصمع دقة الشَّيْء ولطافته. وبريئات حَال من الكعوب. والحرد بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: أَرَادَ بِهِ الْعَيْب وَأَصله استرخاء عصب فِي يَد الْبَعِير من شدَّة العقال وَرُبمَا كَانَ خلقَة وَإِذا كَانَ بِهِ نفض يَدَيْهِ وَضرب بهما الأَرْض ضربا شَدِيدا. وَقَوله: فهاب ضمران هُوَ بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْم كلب. مِنْهُ أَي: من الثور. وروى الْأَصْمَعِي وَأَبُو عُبَيْدَة: فَكَانَ ضمران مِنْهُ. ويوزعه: يغريه. فِي الصِّحَاح: أوزعته بالشَّيْء فأوزع بِهِ فَهُوَ موزع بِهِ أَي: مغرى بِهِ. أَي: كَانَ الْكَلْب من الثور حَيْثُ أمره الْكلاب أَن يكون. وَطعن

стр. 1124

المعارك بِالنّصب أَرَادَ: يطعن طَعنا مثل طعن المعارك. وَرُوِيَ: ضرب المعارك وَهُوَ مثله. والمعارك اسْم فَاعل بِمَعْنى الْمقَاتل. والمجحر: اسْم مفعول من أجحرته بِتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة أَي: ألجأته إِلَى أَن دخل جُحْره فانجحر. والنجد: يرْوى بِفَتْح النُّون وَضم الْجِيم بِمَعْنى الشجاع من النجدة وَهِي الشجَاعَة يُقَال: نجد الرجل بِالضَّمِّ فَهُوَ وصف للمعارك. وَرُوِيَ النجد بِفَتْح النُّون وَكسر الْجِيم وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الشجاع فَإِن الْوَصْف من النجدة جَاءَ بِضَم الْجِيم وَكسرهَا وَأما وصف من نجد الرجل من بَاب فَرح أَي: عرق من عمل أَو كرب وَشدَّة وَاسم الْعرق النجد بِفتْحَتَيْنِ وَمِنْه قَوْله فِي هَذِه القصيدة: بعد الأين والنجد. وَقد نجد ينجد بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول نجداً بِفتْحَتَيْنِ أَي: كرب فَهُوَ منجود ونجيد أَي: مكروب. وعَلى هَذَا فَهُوَ وصف المجحر. وَرُوِيَ أَيْضا النجد بِفتْحَتَيْنِ فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: ذِي النجد.) وروى أَبُو عُبَيْدَة: حَيْثُ يوزعه طعن بِالرَّفْع وَقَالَ: رفع ضمران بكان وَجعل الْخَبَر فِي مِنْهُ أَي: كَانَ الْكَلْب من الثور كانه قِطْعَة مِنْهُ فِي قربه. وارتفع الطعْن بيوزعه. وَقَالَ: سَمِعت يُونُس بن حبيب يُجيب بِهَذَا الْجَواب فِي هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: شكّ الفريصة الخ فَاعل شكّ ضمير الثور. والفريصة: اللحمة بَين الْجنب والكتف الَّتِي لَا تزَال ترْعد من الدَّابَّة وَهِي مقتل. وَأَرَادَ بالمدرى قرن الثور أَي: شكّ الثور بقرنه فريصة الْكَلْب. وشكّ: مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي: شكّاً مثل شكّ المبيطر وَهُوَ البيطار. ويشفي: يداوي ليحصل الشِّفَاء. والْعَضُد بِفتْحَتَيْنِ: دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فِي أعضادها فيبط تَقول مِنْهُ: عضد الْبَعِير من بَاب فَرح.

стр. 1125

وَقَوله: كَأَنَّهُ خَارِجا الخ أَي: كَأَن الْقرن فِي حَال خُرُوجه سفّود. وَمثله قَول أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ: (فكأنّ سفّودين لمّا يقترا ... عجلا لَهُ بشواء شرب ينْزع) أَي: فَكَأَن سفودين لم يقترا بشواء شرب ينْزع أَي: هما جديدان. شبّه قرنيه بالسفّودين. وَقَوله: عجلا لَهُ أَي: للثور بالطعن الْوَاقِع بالكلاب. وَقَوله: فظلّ يعجم الخ عجمه يعجمه: إِذا مضغه. والرّوق بِالْفَتْح: الْقرن. والحالك: الشَّديد السوَاد. والصدق بِالْفَتْح هُوَ الصلب بِالضَّمِّ. والأود بِفتْحَتَيْنِ: العوج أَي: ظلّ الْكَلْب يمضغ أَعلَى الْقرن لمّا خرج من جَنْبَيْهِ فِي حالك يَعْنِي الْقرن فِي شدّة سوَاده. أَي: تقبّض وَاجْتمعَ فِي الْقرن لما يجد من الوجع كَمَا تَقول: صلّى فِي ثِيَابه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَقد شرح أبياتاً خَمْسَة إِلَى هُنَا: من عَادَة الشُّعَرَاء إِذا كَانَ الشّعْر مديحاً وَقَالَ: كَأَن نَاقَتي بقرة أَو ثَوْر أَن تكون الْكلاب هِيَ المقتولة. فَإِذا كَانَ الشّعْر موعظة ومرثية أَن تكون الْكلاب هِيَ الَّتِي تقتل الثور وَالْبَقَرَة: لَيْسَ على أَن ذَلِك حِكَايَة قصَّة بِعَينهَا. وَقَوله: لمّا راى واشق إقعاص الخ واشق: اسْم كلب. والإقعاص: الْمَوْت السَّرِيع يُقَال: رَمَاه فأقعصه: إِذا قَتله وَأَصله من القعاص بِالضَّمِّ وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْغنم فتموت سَرِيعا. وَالْعقل: إِعْطَاء الدِّيَة. يَقُول: قتل صَاحبه فَلم يعقل بِهِ وَلم يقد بِهِ.

стр. 1126

وَقَوله: قَالَت لهالنفس الخ هَذَا تَمْثِيل أَي: حدثته نَفسه بِهَذَا أَي باليأس مِنْهُ. وَالْمولى: النَّاصِر والصاحب وَهُوَ هُنَا الْكَلْب. لم يسلم من الْمَوْت وَلم يصد الثور. وَقيل: الْمولى صَاحب الْكلاب) لم يسلم من الضَّرَر لِأَن كَلْبه قتل. وَقَوله: فَتلك تبلغني النُّعْمَان الخ أَي: تِلْكَ النَّاقة الَّتِي تشبه هَذَا الثور تبلغني النُّعْمَان. وَقَوله: فِي الْأَدْنَى الخ الْبعد بِفتْحَتَيْنِ قيل: إِنَّه مصدر وَيَسْتَوِي فِيهِ لفظ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث وَقيل: إِنَّه جمع باعد مثل خَادِم وخدم وعَلى هَذَا اقْتصر صَاحب الصِّحَاح وَأنْشد الْبَيْت أَي: فِي الْقَرِيب والبعيد. وروى ابْن الأعرابيّ وَفِي الْبعد بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ جمع بعيد. وروى أَبُو زيد وَفِي الْبعد بِضَم فَفتح وَهُوَ جمع بعدى مثل دنىً جمع دنيا وسفل جمع سفلى. وَقد لخّصت شرح هَذِه الأبيات مَعَ إِيضَاح وزيادات من شرح ديوَان النَّابِغَة وَمن شرح القصيدة للخطيب التبريزي وَمن أَبْيَات الْمعَانِي لِابْنِ قُتَيْبَة. وَللَّه الْحَمد. وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: (فأرسلها العراك وَلم يذدها ... وَلم يشفق على نغص الدّخال) على أَن الْمصدر الْمُعَرّف بِاللَّامِ قد يَقع حَالا كَمَا فِي الْبَيْت: فَإِن العراك مصدر عارك يعارك معاركة وعراكاً يُقَال: أورد إبِله العراك: إِذا أوردهَا جَمِيعًا المَاء كَمَا فِي قَوْلهم: اعترك الْقَوْم أَي: ازدحموا فِي المعركة.

стр. 1127

وَفِيه مَذَاهِب: الأول مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ: أَنه مصدر وَقع حَالا. الثَّانِي: مَذْهَب أبي علىّ الفارسيّ. وَبَينهمَا الشَّارِح الْمُحَقق. الثَّالِث: مَذْهَب ابْن الطراوة وَهُوَ أَن العراك نعت مصدر مَحْذُوف وَلَيْسَ بِحَال أَي: فأرسلها الْإِرْسَال العراك. وَزعم ثَعْلَب أَن الرِّوَايَة: وأوردها العراك وَأَن العراك مفعول قان لأوردها. وَأما قَوْلهم: أرسلها العراك فَهُوَ عِنْد الْكُوفِيّين مضمّن أرسلها معنى أوردهَا فَهُوَ مفعول ثَان لأوردها. والإرسال: بِمَعْنى التَّخْلِيَة وَالْإِطْلَاق وفاعله ضمير الْحمار وَضمير الْمُؤَنَّث لأتنه وَهِي جمع أتانة. والذّود: الطَّرْد. وَلم يشفق أَي: الْحمار من أشْفق عَلَيْهِ: إِذا رَحمَه. والنغص بِفَتْح النُّون والغين الْمُعْجَمَة وإهمال الصَّاد مصدر فِي الصِّحَاح: نغص الرجل بِالْكَسْرِ ينغص نغصاً: إِذا لم يتم مُرَاده وَكَذَلِكَ الْبَعِير: إِذا لم يتمّ شربه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَرُوِيَ: نغض بالضاد الْمُعْجَمَة أَيْضا لكنه بِسُكُون الْغَيْن وَهُوَ التحرك وإمالة الرَّأْس نَحْو الشَّيْء يُرِيد: أَنَّهَا تميل أعناقها إِلَى المَاء بِشدَّة وتعب. قَالَ السيرافي: يُرِيد أَن بَعْضهَا يزحم بَعْضًا حَتَّى لَا) يقدر أَن يَتَحَرَّك لشدَّة الازدحام فَهُوَ وَاقِف مزحوم لَا يقدر أَن يشرب وَلَا يتَمَكَّن من الْحَرَكَة. والدّخال بِكَسْر الدَّال: أَن يداخل بعير قد شرب مرّة فِي الْإِبِل الَّتِي لم تشرب حَتَّى يشرب مَعهَا إِذا كَانَ كَرِيمًا أَو شَدِيد الْعَطش أَو ضَعِيفا. وَقَالَ الأعلم: الدخال: ان يدْخل القويّ بَين ضعيفين أَو الضَّعِيف بَين قويين فيتنغص عَلَيْهِ شربه. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وصف بِهِ حمر وَحش

стр. 1128

تعدو إِلَى المَاء. يَقُول: أورد العير أتنه المَاء دفْعَة وَاحِدَة مزدحمة وَلم يشفق على بَعْضهَا أَن يتنغص عِنْد الشّرْب وَلم يذدها لِأَنَّهُ يخَاف الصيّاد. بِخِلَاف الرّعاء الَّذين يدبّرون أَمر الْإِبِل فَإِنَّهُم إِذا أوردوا الْإِبِل جعلوها قطعا قطعا حَتَّى تروي. وَقَبله: (رفعن سرادقاً فِي يَوْم ريح ... يصفّق بَين ميل واعتدال) أَرَادَ بالسرادق: الْغُبَار. ويصفق يردّد تَارَة مائلاً وَتارَة مستوياً. وَالنُّون ضمير الأتن. وَرَأَيْت فِي ديوانه: فأوردها العراك. وفاعله ضمير العير. وهذهالقصيدة مطْلعهَا: (ألم تلمم على الدّمن الخوالي ... لسلمى بالمذانب فالقفال) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة هُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: جاؤوا قضّهم بقضيضهم هَذَا مَأْخُوذ من بَيت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ. (أَتَتْنِي سليم قضّها بقضيضها ... تمسّح حَولي بِالبَقِيعِ سبالها) أنْشدهُ على أَن قضهم مصدر وَقع حَالا. وَبَينه الشَّارِح الْمُحَقق بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ. وَقَالَ الأعلم: معنى قضّها بقضيضها: منقضّاً آخِرهم على أَوَّلهمْ وأصل

стр. 1129

القضّ الْكسر وَقد اسْتعْمل الْكسر مَوضِع الانقضاض كَقَوْلِهِم: عِقَاب كاسرة أَي: منقضة انْتهى. وَالْكَسْر: الْوُقُوع على الشَّيْء بِسُرْعَة. وَهَذَا الْبَيْت للشماخ. وَبعده: (يَقُولُونَ لي: يَا احْلِف وَلست بحالف ... أخادعهم عَنْهَا لكيما أنالها) (ففرجت غم النَّفس عني بحلفة ... كَمَا قدت الشقراء عَنْهَا جلالها) فَقَوله: أَتَتْنِي سليم بِالتَّصْغِيرِ وَرُوِيَ بدله تَمِيم وهما قبيلتان. والسبال: جمع سبلة وَهِي مقدم اللِّحْيَة. أَرَادَ أَنهم يمسحون لحاهم وهم يتهددونه ويتوعدونه. وَقَالَ الأعلم: يمسحون لحاهم تأهباً للْكَلَام. وَالْبَقِيع: مَوضِع بِمَدِينَة رَسُول الله ﷺ َ. وَقَوله: يَقُولُونَ لي احْلِف أَي: يَا رجل احْلِف أَو يَا للتّنْبِيه. وَقَوله: أخادعهم عَنْهَا أَي: عَن الحلفة الَّتِي طالبوني أَن أَحْلف بهَا فَأَقُول لَهُم لَا أَحْلف وَأظْهر أَن الْحلف يشق عَليّ حَتَّى يلحوا فِي استحلافي فَإِذا استحلفوني انْقَطَعت الْخُصُومَة بَيْننَا. وَقَوله: لكيما أنالها أَي: أنال الحلفة وَالْيَمِين. وَمثله قَول بَعضهم: (سَأَلُونِي الْيَمين فارتعت مِنْهَا ... ليغروا بذلك الإنخداع) (ثمَّ أرسلتها كمنحدر السي ... ل تَعَالَى من الْمَكَان اليفاع) وَمثله لِابْنِ الرُّومِي: (وَإِنِّي لذُو حَلِيف كَاذِب ... إِذا مَا اضطررت وَفِي الْحَال ضيق) (وَهل من جنَاح على مُسلم ... يدافع بِاللَّه مَا لَا يُطيق)

стр. 1130

إِسْلَام وَقد بِمَعْنى شقّ وَقطع طولا. يُرِيد: كشفت هَذَا الْغم عني بِالْيَمِينِ الكاذبة كَمَا كشفت الشقراء) ظهرهَا بسق جلها عَنهُ. وَسبب هَذِه الأبيات على مَا روى مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: كَانَت عِنْد الشماخ امْرَأَة من بني سليم إِحْدَى بني حرَام بن سمال فنازعته وَادعت عَلَيْهِ طَلَاقا فَحَضَرَ مَعهَا قَومهَا فأعانوها. فاختصموا إِلَى كثير بن الصَّلْت وَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قد أقعده للنَّظَر بَين النَّاس فَرَأى كثير أَن لَهُم عَلَيْهِ يَمِينا فالتوى الشماخ بِالْيَمِينِ يحرضهم عَلَيْهَا ثمَّ حلف. وَقَالَ هَذِه الأبيات. وَعَن الْقَاسِم بن معن قَالَ: كَانَ للشماخ امْرَأَة من بني سليم فأساء إِلَيْهَا وضربها وَكسر يَدهَا ثمَّ لما دخل الْمَدِينَة فِي بعض حَوَائِجه تعلّقت بِهِ بَنو سليم يطْلبُونَ بظلامة صاحبتهم فَأنْكر فَقَالُوا لَهُ: احْلِف فَجعل يغلظ أَمر الْيَمين وشدتها عَلَيْهِ ليرضوا بهَا مِنْهُ حَتَّى رَضوا. فَحلف وَقَالَ: (أَلا أَصبَحت عرسي من الْبَيْت جامحاً ... بِخَير بلَاء أَي أَمر بدا لَهَا) (على خيرة كَانَت أم الْعرس جامح ... فَكيف وَقد سقنا إِلَى الْحَيّ مَالهَا) (سترجع غَضَبي نزرة الْحَظ عندنَا ... كَمَا قطعت عَنَّا بلَيْل وصالها) أَتَتْنِي سليم قضها بقضيضها وَقيل: سَببهَا أَنه هجا قوما فاستحلفوه فَحلف وتخلص مِنْهُم. والشماخ اسْمه معقل بن ضرار الْغَطَفَانِي. وَهُوَ مخضرم: أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَله صُحْبَة. وَجعله الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة من شعراء الْإِسْلَام

стр. 1131

وقرنه بالنابغة الْجَعْدِي ولبيد وَأَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ. وَقَالَ: إِنَّه كَانَ شَدِيد متون الشّعْر وَأَشد كلَاما من لبيد وَفِيه كزازة ولبيد أسهل مِنْهُ منطقاً. وَقَالَ الحطيئة فِي وَصيته: أبلغوا الشماخ أَنه أشعر غطفان. وَهُوَ أوصف النَّاس للحمير يرْوى أَن الْوَلِيد بن عبد الْملك أنْشد شَيْئا من شعره فِي وصف الْحمير فَقَالَ: مَا أوصفه لَهَا إِنِّي لأحسب أَن أحد أَبَوَيْهِ كَانَ حمارا وَكَانَ الشماخ يهجو قومه وضيفه ويمن عَلَيْهِم بقراه. وَهُوَ أوصف النَّاس للقوس وأرجز النَّاس على البديهة وَشهد الشماخ وقْعَة الْقَادِسِيَّة. قَالَ المرزباني: وَتُوفِّي فِي غَزْوَة موقان فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: أم الشماخ من ولد الخرشب وَفَاطِمَة بنت الخرشب أم ربيع) بن زِيَاد وَإِخْوَته العبسيين الَّذين يُقَال لَهُم: الكملة. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة قَول المتنبي: وقبّلتني على خوف فَمَا لفم وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة قَالَهَا فِي صباه مطْلعهَا:

стр. 1132

(ضيف ألمّ برأسي غير محتشم ... وَالسيف أحسن فعلا مِنْهُ باللمم) (ابعد بَعدت بَيَاضًا لَا بَيَاض لَهُ ... لأَنْت أسود فِي عَيْني من الظُّلم) (بحب قاتلتي والشيب تغذيتي: ... هواي طفْلا وشيبي بَالغ الْحلم) (فَمَا أمرّ برسم لَا أسائله ... وَلَا بِذَات خمار لَا تريق دمي) (تنفّست عَن وَفَاء غير منصدع ... يَوْم الرحيل وَشعب غير ملتئم) (قبّلتها ودموعي مزج أدمعها ... وقبّلتني على خوف فَمَا لفم) (فذقت مَاء حَيَاة من مقبّلها ... اَوْ صاب ترباً لأحيا سالف الْأُمَم) قَوْله: ضيف ألمّ برأسي الخ عَنى بالضيف الشيب. والمحتشم: المنقبض المستحي. يُرِيد: أَن الشيب ظهر فِي رَأسه دفْعَة من غير أَن يظْهر فِي تراخ. وَهَذَا معنى قَوْله: غير محتشم. ثمَّ فضل فعل السَّيْف بالشعر على فعل الشيب بِهِ لِأَن الشيب أقبح ألوان الشّعْر. وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول البحتريّ: (وددت بَيَاض السيفيوم لقينني ... مَكَان بَيَاض الشيب مِنْهُ بمفرقي) وَقَوله: ابعد بَعدت بَيَاضًا الخ دُعَاء على الشيب. وَبعد يبعد من بَاب فَرح: إِذا هلك وذلّ. وَالْبَيَاض الأول: الشيب وَالثَّانِي: الرونق وَالْحسن. وأسود نَا: وَاحِد السود. وَالظُّلم: اللَّيَالِي الثَّلَاث فِي آخر الشَّهْر. يَقُول

стр. 1133

لبياض شَيْبه: أَنْت عِنْدِي وَاحِد من تِلْكَ الظُّلم. كَقَوْل أبي تَمام فِيهِ: (لَهُ منظر فِي الْعين أَبيض ناصع ... وَلكنه فِي الْقلب أسود أسفع) وَقيل: أسود أفعل تَفْضِيل جَاءَ على مَذْهَب الْكُوفِيّين. وَهَذَا من أَبْيَات مُغنِي اللبيب. وَقَوله: بحب قاتلتي الخ عَنى بقاتلته حبيبته. يَعْنِي: أَن حبها بقتْله. وَالْبَاء من صلَة التغذية. يَقُول: تغذيت بِهَذَيْنِ: الْحبّ والشيب. ثمَّ فسر ذَلِك بِمَا بعده. يَقُول: هويت وَأَنا طِفْل وشبت) حِين احْتَلَمت لشدَّة مَا قاسيت من الْهوى: فَصَارَ غذائي. فَقَوله: هواي مُبْتَدأ وطفلاً حَال سدّ مسدّ الْخَبَر وَمثله مَا بعده. وَقد فصّل بِهَذَا ماأجمله أَولا لِأَنَّهُ بيّن وَقت الْعِشْق وَوقت الشيب. وَقَوله: فَمَا امرّ برسم الخ الرَّسْم من أثر الدَّار: مَا كَانَ ملاصقاً بِالْأَرْضِ. والطلل: مَا كَانَ شاخصاً. يَقُول: كل رسم يذطّرني رسم دارها فَاسْأَلْهُ تسلّياً وكل ذَات خمار تذكرنيها فتريق دمي وَقَوله: تنفست عَن وَفَاء الخ يَقُول: تنفست يَوْم الْوَدَاع تحسّراً على يَوْم فراقي عَن وَفَاء يَعْنِي عَمَّا فِي قَلبهَا من وَفَاء صَحِيح غير منشق. وَيُرِيد: بِالشعبِ: الْفِرَاق من قَوْلهم: شعبته: إِذا فرقته. وَالْمعْنَى: وَعَن حزن شعب. فَحذف الْمُضَاف. وَقَوله: قبّلتها ودموعي الخ أَي: بكينا جَمِيعًا حَتَّى امتزجت دموعي بدموعها فِي حَال التَّقْبِيل. والمزج: المزاج مصدر سمّي بِهِ الْفَاعِل. يَقُول: دموعي مازجت دموعها. وَنصب فَمَا على الْحَال. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: قَالَ الفرّاء: أَكثر كَلَام الْعَرَب كلّمته فَاه إِلَى فيّ بِالنّصب وَالرَّفْع صَحِيح وَفِيمَا أشبه هَذَا نَحْو: حاذيته ركبته

стр. 1134

إِلَى ركبتي وَالْأَكْثَر فِيهِ بِالرَّفْع. وَإِذا كَانَ نكرَة فالنصب الْمُؤثر الْمُخْتَار نَحْو: كلّمته فَمَا لفم وحاذيته ركبةً لركبة. وَرَفعه وَهُوَ نكرَة جَائِز على ضعف إِذا جعلت اللَّام خَبرا لفم وَإِن وضعت الْوَاو مَوضِع الصّفة فَقلت: كلّمته فوه وفيّ. وحاذيته ركبته وركبتي فالواو تعْمل مَا تعْمل إِلَى وَالنّصب مَعهَا سَائِغ على غعمال الْمُضمر اه. كَلَام الفرّاء. قَالَ أَبُو حَيَّان وَيَعْنِي بقوله: وَالنّصب مَعهَا أَي: مَعَ الْوَاو فِي الثَّانِي. سَائِغ على إِعْمَال الْمُضمر يَعْنِي جاعلاً أَي: جاعلاً فَاه وجاعلاً ركبته. ويقتصر فِي هَذَا على مورد السماع. وَلَو قدّمت حرف الجرّ فَقلت: كلمني عبد الله إِلَى فيّ فوه لم يجز النصب بِإِجْمَاع من الْكُوفِيّين وتقتضيه قَاعِدَة قَول سِيبَوَيْهٍ فِي أَنه لَا يجوز: إِلَى فيّ تَبْيِين كلك بعد سقيا لَك وَتَقْدِيم لَك على سقيا لَا يجوز فَيَنْبَغِي أَن لَا يجوز هَذَا. فَلَو قدّمت فَاه إِلَى فيّ على كَلمته فَقلت: فَاه إِلَى فيّ كلمت فَلَو قلت: فوه إِلَى فيّ كلمني عبد الله لم يجز ذَلِك عِنْد أحد من الْكُوفِيّين وَلَا أحفظ نصا عَن الْبَصرِيين وَالْقِيَاس يَقْتَضِي الْجَوَاز اه. وَقَوله: فذقت مَاء حَيَاة الخ جعل رِيقهَا مَاء الْحَيَاة على معنى ان العاشق إِذا ذاقه حييّ بِهِ.) وَمعنى لَو أصَاب ترباً لَو نزل على تُرَاب: من قَوْلهم: صاب الْمَطَر يصوب صوباً بِمَعْنى أصَاب. يَقُول: لَو وَقع رِيقهَا على الأَرْض لحيا الْمَوْتَى من الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة. وَأول هَذَا الْمَعْنى للأعشى: (لَو أسندت مَيتا إِلَى نحرها ... عَاشَ وَلم ينْقل إِلَى قابر)

стр. 1135

فَنقل أَبُو الطّيب الْإِحْيَاء إِلَى رِيقهَا. وَمَا شرحت بِهِ هَذِه الأبيات فَهُوَ من شرح الإِمَام الواحديّ لخصته مِنْهُ بِاخْتِصَار: وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الْبَيْت الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده: (وَلَقَد أمرّ على اللَّئِيم يسبذني ... فمضيت ثمّت قلت لَا يعنيني) على أَن اللَّام فِي اللَّئِيم زَائِدَة. قد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أَن أَسد العرين واء النجف حالان غما على تَقْدِير مثل وَإِمَّا على تأويلهما بِوَصْف أَي: شجعاناً وضعافاً. وَهَذَا ظَاهر. وَهَذَا الْبَيْت آخر أَبْيَات أَرْبَعَة لأحد أَصْحَاب عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهِي: (أيمنعنا الْقَوْم مَاء الْفُرَات ... وَفينَا السيوف وَفينَا الحجف) ...

стр. 1136

(وَفينَا عليّ لَهُ صولة ... إِذا خوّفوه الردى لم يخف) (وَنحن الَّذين غَدَاة الزبير ... وَطَلْحَة خضنا غمار التّلف) فَمَا بالنا أمس أَسد العرين ومنشؤها على مَا ذكر فِي كتاب الْفتُوح وَكتاب الرَّوْضَة للحجوريّ: أَن عليّ بن أبي طَالب ﵁ لما نزل يصفين وصفّين مَدِينَة عتيقة من بِنَاء الْأَعَاجِم على شاطئ الْفُرَات بِالْقربِ من قنّسرين فسبقه مُعَاوِيَة إِلَى الْفُرَات وَمنع عليا وَأَصْحَابه من المَاء فَأرْسل عليّ ﵁ إِلَى مُعَاوِيَة الْأَشْعَث بن قيس وصعصعة بن صوحان وَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى مُعَاوِيَة وقولا لَهُ: خيلك حَالَتْ بَيْننَا وَبَين المَاء وَنحن نكره قتالكم قبل الْإِعْذَار فأبلغاه الرسَالَة وَجرى بَينهم كَلَام: فَقَالَ الْأَشْعَث: إِنَّك إِن تَمْنَعنَا بِالْمَاءِ تَرَ منّا مَا لَا تُرِيدُ فخلّ عَن المَاء قبل أَن تغلب عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن صوحان: إِنَّا لَا نموت عطشاً وسيوفنا على عواتقنا فَاسْتَشَارَ مُعَاوِيَة أَصْحَابه) فَقَالَ لَهُ الْوَلِيد بن عتبَة وَهُوَ اخو عُثْمَان من امهِ: امنعهم كَمَا منعُوهُ عُثْمَان فَقَالَ عمروب ن الْعَاصِ: مَا أظنّ عليا يظمأ وَفِي يَده أعنّة الْخَيل وَهُوَ ينظر إِلَى الْفُرَات فخلّ عَنهُ وَعَن المَاء. وَقَالَ ابْن أبي سرح: أمنعهم المَاء مَنعهم الله إِيَّاه فَقَالَ ابْن صوحان: غنما مَنعه الله الفجرة مثلك وَمثل هَذَا الْفَاسِق: الْوَلِيد. وَبَقِي أَصْحَاب عليّ يومهم وليلتهم عطاشاً. فَسمع عليّ ﵁ صَبيا ينشد: أيمنعنا الْقَوْم مَاء الْفُرَات وَرجع الْأَشْعَث فَقَالَ: أيمنعنا الْقَوْم وَأَنت فِينَا خلّ عني وعنهم غَدا قَالَ عليّ: ذَلِك إِلَيْك. فَنَادَى مُنَاد لَهُ: من كَانَ يُرِيد المَاء وَالْمَوْت فميعاده

стр. 1137

الصُّبْح فَأصْبح على بَاب مضربه أَرْبَعَة عشر ألفا وَسَار الْقَوْم وكلّ يرتجز برجزه ثمَّ قَالَ الْأَشْعَث: تقدّموا فَلَمَّا أشرفوا على المَاء قَالَ لأَصْحَاب مُعَاوِيَة: خلّوا عَن المَاء وَإِلَّا وردناه فَقَالَ أَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ: لَا وَالله حَتَّى تأخذنا السيوف وَإِيَّاكُم فَقَالَ: الْأَشْعَث للأشتر: أقحم الْخَيل فأقحمها حَتَّى غمست سنابكها فِي المَاء وَأخذ الْقَوْم السيوف فولّوا عَن المَاء. اه. فَقَوله: وَفينَا السيوف وَفينَا الحجف هُوَ جمع حجفة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم يُقَال: للترس إِذا كَانَ من جُلُود لَيْسَ فِيهِ خشب وَلَا عقب: حجفة ودرقة كَذَا فِي الْعباب. وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: هِيَ جُلُود من جُلُود الْإِبِل يطارق بَعْضهَا على بعض وَيجْعَل مِنْهَا الترسة. وَقَوله: وَنحن الَّذين غَدَاة الزبير يُشِير بِهِ إِلَى وقْعَة الْجمل. والغمار: جمع غمرة بِالْفَتْح وَهِي الشدَّة. وَقَوله: أسسد العرين هُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة. فِي الصِّحَاح: العرين والعرينة: مأوى الْأسد الَّذِي يألفه يُقَال: لَيْث عرينة وَلَيْث غابة. وأصل العرين جمَاعَة الشّجر. وَقَوله: شار النجف الشَّاء: جمع شَاة فِي الصِّحَاح: الشَّاة من الْغنم تذكر وتؤنث وَالْجمع شِيَاه بِالْهَاءِ فِي أدنى الْعدَد تَقول: ثَلَاث شِيَاه إِلَى الْعشْرَة فَإِذا حاوزت فبالتاء فَإِذا كثرت قيل هَذِه شَاءَ كَثِيرَة. زجمع الشَّاء شويّ. والنجف بِفَتْح النُّون وَالْجِيم قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: هُوَ الْحَلب الْجيد حَتَّى ينفض الضَّرع يُقَال: انتجفت الْغنم: إِذا استخرجت أقْصَى مَا فِي الضَّرع من اللَّبن وانتجفت الرّيح السَّحَاب: إِذا استفرغته وانتجاف

стр. 1138

الشَّيْء: استخراجه وَكَذَلِكَ استنجافه. والنجف والنجفة أَيْضا: مَكَان لَا يعلوه المَاء مستطيل منقاد وَالْجمع نجاف. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النجفة المسنّاة والنجف: التل. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: النجفة الَّتِي هِيَ بِظَاهِر) الْكُوفَة هِيَ المسناة تمنع مَاء السَّيْل أَن يَعْلُو منَازِل الْكُوفَة ومقابرها وَفِيه مرقد عليّ بن أبي طَالب ﵁. قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلّي يمدح النجف: (مَا إِن أرى النَّاس فِي سهل وَفِي جبل ... أصفى هَوَاء وَلَا أعذى من النجف) والبال هُنَا بِمَعْنى الشَّأْن وَالْحَال وَهُوَ الْعَامِل فِي أمس وَفِي الْحَال لكَونه بِمَعْنى الْفِعْل. قَالَ التَّفْتَازَانِيّ عِنْدَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة آل عمرَان: مَا باله وَهُوَ آمن قَوْله: وَهُوَ آمن حَال من عَامله مَا فِي بَال من معنى الْفِعْل وَلم نجد فِي الِاسْتِعْمَال هَذِه الْحَال بِالْوَاو قَالَ: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب وَاعْلَم ان مَجِيء الْحَال بَعْدَمَا بَال أكثريّ وَقد يَأْتِي بِدُونِهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: فَمَا بَال الْقُرُون الأولى. وَقد وَردت الْحَال بعده على وُجُوه: مِنْهَا مُفْردَة كبيت الشَّاهِد كَقَوْلِه:

стр. 1139

(فَمَا بَال النُّجُوم معلّقات ... بقلب الصّبّ لَيْسَ لَهَا براح) وَمِنْهَا ماضيّة مقرونة بقد كَقَوْل العامري: (مَا بَال قَلْبك يَا مَجْنُون قد هلعا ... من حبّ من لَا ترى فِي نيله طَمَعا) وبالواو مَعهَا كَقَوْلِه: (مَا بَال جهلك بعد الْحلم وَالدّين ... وَقد علاك مشيب حِين لَا حِين) وَبِدُون قد كَقَوْلِه أَيْضا: (فَمَا بَال قلبِي هدّه الشوق والهوى ... وَهَذَا قَمِيصِي من جوى الْحزن بَالِيًا) ومضارعية مثبتة كَقَوْل أبي العتاهيّة: وبالواو كَقَوْلِه: (فَمَا بَال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وَيَنْوِي من سفاهته كسري) ومنفيّة كَمَا أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي: وقائلة مَا باله لَا يزورها وَمِنْهَا اسميّة غير مقترنة بواو كَقَوْل ذِي الرمّة: مَا بَال عَيْنك مِنْهَا المَاء ينسكب

стр. 1140

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س: وَمَا حلّ سعديّ غَرِيبا ببلدة على انه يجوز تنكير صَاحب الْحَال إِذا سبقه نفي: فَإِن غَرِيبا حَال من سعديّ وَهُوَ نكرَة. وَجَاز لِأَنَّهُ قد تخصص بِالنَّفْيِ. وببلدة مُتَعَلق بقوله جلّ أَي: نزل وَأقَام. وَهَذَا صدر وعجزه: فينسب إِلَّا الزّبرقان لَهُ أَب قَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: قيل: نصب الشَّاعِر غَرِيبا على الْحَال فِي قَوْله فينسب كأنّ قَالَ: وَمَا حلّ سعديّ ببلدة فينسب إِلَى الغربة. وَهَذَا لَا يجوز: أَعنِي نصب غَرِيبا بينسب لتقدّمه عَلَيْهِ لِأَن تَقْدِيم الصِّلَة على الْمَوْصُول لَا يجوز والفرار مِمَّا لَا يجوز إِلَى مَا لَا يجوز مرفوض. وَلكنه حَال من النكرَة. فَاعْلَم ذَلِك. اه. وَرُوِيَ أَيْضا: وَمَا حلّ سعديّ غَرِيب بِالرَّفْع فعلى هَذَا هُوَ وصف لسعديّ. اسْتشْهد بِهِ سِيبَوَيْهٍ على نصب ينْسب بعد الْفَاء عبى الْجَواب مَعَ دُخُول إِلَّا بعده للْإِيجَاب لِأَنَّهَا عرضت بعد اتِّصَال الْجَواب بِالنَّفْيِ ونصبه على مَا يجب لَهُ. . وَيجوز الرّفْع أَيْضا.

стр. 1141

وَأوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي نواصب الْفِعْل الْمُضَارع أَيْضا على أَن النَّفْي رَاجع إِلَى ينْسب أَي: يحلّ وَلَا ينْسب قَالَ: وَلَوْلَا أنّ مَا بعد الْفَاء منفيّ لما جَازَ الِاسْتِثْنَاء إِذْ المفرغ لَا يكون فِي الْوَاجِب إِذْ التَّقْدِير مَا نسب ذَلِك السَّعْدِيّ إِلَى أحد إِلَّا إِلَى الزبْرِقَان. فالزبرقان مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ إِلَى وَجُمْلَة لَهُ أَب حَال من الزبْرِقَان أَي: فِي حَال كَون الزبْرِقَان أَبَا لذَلِك السَّعْدِيّ. والزبرقان سيّد قومه وأشهرهم فَإِذا تغرّب رجل من بني سعد وهم رَهْط الزبْرِقَان فَسئلَ عَن نسبه ينتسب إِلَيْهِ لشرفه وشهرته. والزبرقان من الصَّحَابَة وَهُوَ حُصَيْن بن بدر بن امْرِئ الْقَيْس بن خلف بن بَهْدَلَة بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَالَ ابْن عبد البرّ فِي الِاسْتِيعَاب: وَفد على رَسُول الله ﷺ َ فِي قومه وَكَانَ أحد ساداتهم فأسلموا. وَذَلِكَ فِي سنة تسع. فولاّه صدقَات قومه. وأقرّه أَبُو بكر وَعمر على ذَلِك. وَإِنَّمَا سمّي الزبْرِقَان لحسنه شبّه بالقمر لِأَن الْقَمَر يُقَال لَهُ: الزبْرِقَان. قَالَ الْأَصْمَعِي: الزبْرِقَان: الْقَمَر والزبرقان: الرجل الْخَفِيف اللِّحْيَة. وَقد قيل: إِن) اسْم الزبْرِقَان الْقَمَر ابْن بدر. وَالْأَكْثَر على أَنه الْحصين بن بدر. وَقيل: بل سمّي الزبْرِقَان لِأَنَّهُ لبس عِمَامَة مزبرقة بالزعفران. وَالله أعلم ا. هـ. ة هَذَا الْبَيْت من قصيدة للّعين المنقريّ. واسْمه منَازِل بن زمعه. وكنيته أَبُو أكيدر مصّغر أكدر من بني منقر بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْقَاف وَهُوَ

стр. 1142

منقر بن عبيد بِالتَّصْغِيرِ ابْن مقاعس وَهُوَ الْحَارِث بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. واللّعين شَاعِر إسلامي فِي الدولة الأموية قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء والمبرّد فِي الاعتنان وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ رَاوِيا عَن أبي عُبَيْدَة: اعْترض لعين بني منقر لجرير والفرزدق فَقَالَ: (سأقضي بَين كلب بني كُلَيْب ... وَبَين الْقَيْن قين بني عقال) (بِأَن الْكَلْب مرتعه وخيم ... وَأَن الْقَيْن يعْمل فِي سفال) فَلم يجبهُ أحد مِنْهُمَا فَقَالَ: (فدونكما انظرا: أهجوت أم لَا ... فذوقا فِي المواطن من نبالي) (وَمَا كَانَ الفرزدق غير قين ... لئيم خَاله للّؤم تالي) (وَيتْرك جدّه الخطفى جرير ... وَينْدب حاجباً وَبني عقال) فَلم يلتفتا إِلَيْهِ فَسقط اه. قَوْله: فَمَا بقيا عليّ الخ البقيا بِالضَّمِّ: الرَّحْمَة والشفقة. وصرد السهْم من بَاب فَرح من الأضداد إِذا نفذ وَإِذا نكل. فَيكون الْمَعْنى على النّفُوذ إنَّكُمَا خفتما نُفُوذ سهامي فيكما أَي: هجائي. وعَلى معنى النّكُول أَي: خفتما أَن لَا تنفذ سهامكما فيّ فعجزتما عني. وَقد تمثل بِهَذَا الْبَيْت هَارُون الرشيد لما أَرَادَ قتل جَعْفَر بن يحيى الْبَرْمَكِي. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَكَانَ اللعين هجّاء للأضياف قَالَ:

стр. 1143

(وَأبْغض الضَّيْف مَا بِي جلّ مأكله ... إِلَّا تنفّجه عِنْدِي إِذا قعدا) (مَا زَالَ ينفج كَتفيهِ وحبوته ... حَتَّى أَقُول: لعلّ الضَّيْف قد ولدا) وَوجه تلقيب اللعين بِهَذَا على مَا رَوَاهُ صَاحب زهر الْآدَاب قَالَ: سَمعه عمر بن الْخطاب ينشد شعرًا وَالنَّاس يصلّون فَقَالَ: من هَذَا اللعين فعلق بِهِ هَذَا الِاسْم. وَأنْشد بعده وَهُوَ لميّة موحشاً طلل قديم) على أَنهم اسْتشْهدُوا بِهِ لتقدم الْحَال على صَاحبهَا المنكّر. وَفِيه مَا بيّنه الشَّارِح الْمُحَقق. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على أَبْيَات المفصّل: يجوز أَن يكون موحشاً حَالا من الضَّمِير فِي لميّة فَجعل الْحَال من الْمعرفَة أولى من جعلهَا من النكرَة مُتَقَدّمَة عَلَيْهَا لِأَن هَذَا هُوَ الْكثير الشَّائِع وَذَلِكَ قَلِيل فَكَانَ أولى. وَمِمَّنْ اسْتشْهد بِهَذَا الْبَيْت على مَا ذكره الشَّارِح ابْن جني فِي شرح الحماسة عِنْد قَوْله: (وهلاّ أعدّوني لمثلي تفاقدوا ... وَفِي الأَرْض مبثوثاً شُجَاع وعقرب) قَالَ: من نصب مبثوثاً فلأنّه وصف نكرَة قدّم عَلَيْهَا فنصب على الْحَال مِنْهَا كَقَوْلِه: لعزّة موحشاً طلل قديم

стр. 1144

وَمِنْهُم صَاحب الْكَشَّاف أوردهُ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَجَعَلنَا فِيهَا فجاجاً سبلاً على انّ فجاجاً كَانَ وَصفا لقَوْله سبلاً فَلَمَّا تقدم صَار حَالا مِنْهُ. وَمِنْهُم الخبيصيّ فِي شَرحه للكافية الحاجبية قَالَ: قدّم الْحَال وَهُوَ موحشاً على ذِي الْحَال وَهُوَ طلل لِئَلَّا يلتبس بِالصّفةِ. . قَالَ شَارِح شَوَاهِد الْكرْمَانِي: هَذَا لَا يصلح لمطلوبه من وُجُوه: الأول أَنه مُحْتَمل غير مَنْصُوص إِذْ لَا نسلّم أَنه حَال من طلل لجَوَاز كَونه حَالا من ضمير الظّرْف الثَّانِي: أَنه لَو تَأَخّر عَن ذِي الْحَال لَا يلتبس بِالصّفةِ لِأَن ذَا الْحَال مَرْفُوع وَالْحَال مَنْصُوب. الثَّالِث: أَنه لَا يجوز أَن يكون حَالا من كلل لِأَنَّهُ مُبْتَدأ وَالْحَال لَا تكون إِلَّا من الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول أَو مَا فِي قوتهما اه. وَفِي كل من الْأَخيرينِ نظر ظَاهر. وَقد تكلم السخاوي على هَذَا الْبَيْت فِي سفر السَّعَادَة بِمَا يشبه كَلَام الشَّارِح إِلَّا أَن فِيهِ زِيَادَة تتَعَلَّق بِمذهب الْأَخْفَش. وَهَذَا ملخّصه: قَالَ النُّحَاة: انتصب موحشاً على الْحَال من طلل وَالْعَامِل الجارّوالمجرور. وَهَذَا كَلَام فِي نظر لِأَن الجارّ وَالْمَجْرُور إِمَّا أَن يُقَال فِيهِ مَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَو مَا قَالَ الْأَخْفَش وَبَين مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَمَا يرد عَلَيْهِ من اخْتِلَاف الْعَامِل فِي الْحَال وذيها ثمَّ قَالَ: وَإِن قُلْنَا بقول الْأَخْفَش فارتفاع طلل على أَنه فَاعل والرافع لَهُ الجارّ وَالْمَجْرُور وَلَا مرية على قَول الْأَخْفَش أَن الْعَامِل فِي الْحَال

стр. 1145

هُوَ الْعَامِل فِي ذيها. فَإِذا كَانَ الْعَامِل غير متصرّف لم تتقدم الْحَال عَلَيْهِ وَلَا على صَاحب الْحَال أَلا ترى أَنه لَا يجوز هَذَا قَائِما زيد. وَلَا قَائِما هَذَا زيد. وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال: الْعَامِل فِي الْحَال الجارّ وَالْمَجْرُور وَصَاحب الْحَال الضَّمِير الَّذِي فِي الجارّ) وَالْمَجْرُور اه. وَبعد هَذَا: والطلل: مَا شخص من آثَار الدَّار. والموحش: من أوحش الْمنزل: إِذا ذهب عَنهُ النَّاس وَصَارَ ذَا وَحْشَة وَهِي الْخلْوَة والهمّ كَذَا فِي الصِّحَاح. وعفاه بِمَعْنى درسه وغيّره. وَعَفا يَأْتِي متعدّياً يُقَال: عفت الرّيح الْمنزل وَيَأْتِي لَازِما يُقَال عَفا الْمنزل: إِذا اندرس وتغيّر. والأسحم: هُوَ الْأسود وَالْمرَاد هُنَا السَّحَاب لِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَا مَاء يرى أسود لامتلائه. والمستديم: صفة كلّ وَهُوَ السَّحَاب الممطر مطر الديمة والديمة: مطرة أقلهَا ثلث النَّهَار أَو ثلث اللَّيْل. وَهَذَا الْبَيْت من روى أوّله لعزة موحشاً الخ قَالَ: هُوَ لكثير عزة مِنْهُم أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية. وَمن رَوَاهُ لميّة موحشاً قَالَ: إِنَّه لذِي الرّمة فَإِن عزة اسْم محبوبة كثيّر وميّة اسْم محبوبة ذِي الرمة. وَالشَّاهِد الْمَشْهُور فِي هَذَا الْمَعْنى هُوَ: (لميّة موحشاً طلل ... يلوح كَأَنَّهُ خلل) وَقد قيل: إِنَّه لكثير عزّة. والخلل بِالْكَسْرِ: جمع خلة قَالَ

стр. 1146

الْجَوْهَرِي: الخلّة بِالْكَسْرِ: وَاحِدَة خلل السيوف وَهِي بطائن يغشّى بهَا أجفان السيوف منقوشة بِالذَّهَب وَغَيره. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أَن الْحَال تقدّمت على صَاحبهَا الْمَجْرُور بالحرف: فَإِن قَوْله: حرّان صادياً حالان إِمَّا مُتَرَادِفَانِ أَو متداخلتان تقدمتا على صَاحبهمَا وَهُوَ الْيَاء الْمَجْرُور بإلي. وإليّ: بِمَعْنى عِنْد مُتَعَلقَة بقوله حبيباً وَهُوَ خبر كَانَ. قَالَ ابْن جنّي فِي إِعْرَاب الحماسة: وَقد يجوز فِي هَذَا عِنْدِي وَجه آخر لطيف الْمَعْنى وَهُوَ أَن يكون حرّان صادياً حَالا من المَاء أَي: كَانَ برد المَاء فِي حَال حرّته وصداه حبيباً إليّ وصف المَاء بذلك مُبَالغَة فِي الْوَصْف وَجَاء بذلك شَاعِرنَا فَقَالَ: وَجَبت هجيراً يتْرك المَاء صادياً وَإِذا صدي فحسبك بِهِ عطشاً فَإِن أمكن هَذَا كَانَ حمله عَلَيْهِ جَائِزا حسنا وَرَأَيْت أَبَا عليّ يستسهل تَقْدِيم حَال الْمَجْرُور فينحو هَذَا عَلَيْهِ وَيَقُول: هُوَ قريب من حَال الْمَنْصُوب اه. أَقُول: أَرَادَ بشاعره أَي: بشاعر عصره أَبَا الطيّب المتنبي. الْوَجْه

стр. 1147

الَّذِي أبداه تخيّل صَحِيح فَإِن الْإِنْسَان يحب أَن يكون المَاء بَارِدًا فِي جال كَونه حاراً. وَلَكِن الْوَجْه الأول أحسن وأبلغ فَإِن المَاء الْبَارِد أحب إِلَى الْإِنْسَان عِنْد عطشه وحرارته من كل شَيْء. وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ المتداول الشَّائِع قَالَ المبرّد فِي الْكَامِل: هُوَ معنى صَحِيح وَقد اعتوره الْحُكَمَاء وَكلهمْ أَجَاد فِيهِ. وَمثل بَيت الشَّاهِد قَول عمر بن ابي ربيعَة: فَإِن قَوْله: إِذا مَا منعت برد الشَّرَاب يُفِيد مَا أَفَادَهُ قَوْله: إليّ حران صادياً فَإِنَّهُ يُرِيد عِنْد وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ وَبِذَلِك صَحَّ الْمَعْنى. وَمثله قَول القطاميّ: (فهنّ ينبذن من قَول يصبن بِهِ ... مواقع المَاء من ذِي الغلّة الصادي) ينبذن: يرمين بِهِ ويتكلمن. والغلّة بِالضَّمِّ: حرارة الْعَطش. ويروى عَن عَليّ ﵁ أَن سَائِلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: كَيفَ كَانَ حبّكم لرَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: كَانَ وَالله أحبّ إِلَيْنَا من أَمْوَالنَا واولادنا وَآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا وَمن المَاء الْبَارِد على الظمأ. وَالْقَوْل فِيهِ كثير. وَتَعْلِيق كَونهَا حَبِيبَة إِلَيْهِ على كَون المَاء حبيباً إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالة من بَاب التَّعْلِيق على الْمُحَقق. وَقد تعسف بَعضهم فِي جعل الْبرد مصدرا ناصباً لحرّان وصادياً على) المفعولية بِتَقْدِير الْمَوْصُوف أَي: جوفاً حرّان وأنّ المُرَاد جَوف نَفسه. وَذَلِكَ هرباً من وُقُوع الْحَال فِي مثل هَذِه

стр. 1148

الصُّورَة. حَتَّى إِن بَعضهم مَعَ عدم التَّأْوِيل يَقُول: لَا حجَّة فِيهِ لِأَن الشّعْر محلّ الضَّرُورَة. وَقَوله: لَئِن كَانَ اللَّام هِيَ اللَّام المؤذنة وَهِي الدَّاخِلَة على أَدَّاهُ شَرط للإيذان بِأَن الْجَواب بعْدهَا مبنيّ على قسم قبلهَا لَا على الشَّرْط. وَتسَمى الموطئة أَيْضا لِأَنَّهَا وطأت الْجَواب للقسم أَي: مهدته لَهُ سَوَاء كَانَ الْقسم غير مَذْكُور كَقَوْلِه تَعَالَى: لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون أم كَانَ مَذْكُورا قبلهَا كَمَا هُنَا فَإِن قبل هَذَا الْبَيْت قَوْله: (حَلَفت بربّ الراكعين لربّهم ... خشوعاً وَفَوق الراكعين رَقِيب) فجملة إِنَّهَا لحبيب جَوَاب الْقسم الْمَذْكُور وَهُوَ حَلَفت. وَقد أَخطَأ من قَالَ: إِن هَذِه الْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط. مَعَ أَن هَذَا الْقَائِل نقل ضابطة اللَّام الموطئة عَن مُغنِي اللبيب. وَضمير إِنَّهَا لعفراء بنت عَم عُرْوَة بن حزَام والبيتان لَهُ من قصيدة أوّلها: (وَإِنِّي لتعروني لذكراك روعة ... لَهَا بَين جلدي وَالْعِظَام دَبِيب) (وَمَا هُوَ إِلَّا ان أَرَاهَا فجاءة ... فأبهت حَتَّى مَا أكاد أُجِيب) (وأصرف عَن رَأْيِي الَّذِي كنت أرتئي ... وأنسى الَّذِي أَعدَدْت حِين تغيب) (ويضمر قلبِي عذرها ويعينها ... عَلَيْهِ فَمَا لي فِي الْفُؤَاد نصيب) (وَقد علمت نَفسِي مَكَان شفائها ... قَرِيبا وَهل مَا لَا ينَال قريب) حَلَفت بربّ الراكعين لرَبهم ... الْبَيْتَيْنِ (وَقلت لعرّاف الْيَمَامَة: داوني ... فَإنَّك إِن أبرأتني لطبيب) ...

стр. 1149

(عَشِيَّة لَا عفراء دَان مزارها ... فترجى وَلَا عفراء مِنْك قريب) (فلست براءي الشَّمْس إِلَّا ذكرتها ... وَلَا الْبَدْر إِلَّا قلت سَوف تؤوب) (عَشِيَّة لَا خَلْفي مفرّ وَلَا الْهوى ... قريب وَلَا وجدي كوجد غَرِيب) (فوا كبداً أمست رفاتاً كَأَنَّمَا ... يلذّعها بالكفّ كفّ طَبِيب) وَفِي الْبَيْتَيْنِ الْأَخيرينِ إقواء. وَعُرْوَة بن حزَام هُوَ من عذرة أحد عشاق الْعَرَب الْمَشْهُورين بذلك إسلاميّ: كَانَ فِي مُدَّة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵁.) قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيديّ فِي رِوَايَته ديوَان عُرْوَة بن حزَام عَن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب عَن لَقِيط بن بكير المحاربيّ قَالَ: كَانَ من حَدِيث عُرْوَة بن حزَام وَابْنَة عمّه عفراء ابْنة مَالك العذريين أَنَّهُمَا نشئا جَمِيعًا فتعلقها علاقَة الصبيّ وَكَانَ قَدِيما فِي حجر عمّه وَبلغ فَكَانَ يسْأَله أَن يزوّجه إِيَّاهَا فيسوّفه حَتَّى خرج فِي عير لأَهله إِلَى الشَّام فَقدم على أبي عفراء ابْن عَم لَهَا من أهل البلقاء وَكَانَ حاجّاً فَخَطَبَهَا فزوّجه إِيَّاهَا فحملها. وَأَقْبل عُرْوَة فِي عيره حَتَّى إِذا كَانَ بتبوك نظر إِلَى رفْقَة مقبلة من قبل الْمَدِينَة فِيهَا امْرَأَة على جمل فَقَالَ لأَصْحَابه: وَالله لكأنها شمائل عفراء فَقَالُوا: وَيحك مَا تزَال تذكر عفراء مَا تخلّ بذكرها فِي

стр. 1150

وَإِنِّي لتعروني لذكراك روعة ثمَّ أَخذه مرض السلّ حَتَّى لم يبْق مِنْهُ شَيْئا. فَقَالَ قوم: هُوَ مسحور وَقَالَ قوم: بِهِ جنَّة. وَكَانَ بِالْيَمَامَةِ طَبِيب يُقَال لَهُ: سَالم فَصَارَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ أَهله فَجعل يسْقِيه الدَّوَاء فَلَا يَنْفَعهُ فَخَرجُوا بِهِ إِلَى طَبِيب بِحجر فَلم ينْتَفع بعلاجه فَقَالَ: (جعلت لعرّاف الْيَمَامَة حكمه ... وعرّاف حجر إِن هم شفياني) (فَمَا تركا من حِيلَة يعلمانها ... وَلَا سلوة إِلَّا بهَا سقياني) (فَقَالَا: شفاك الله وَالله مَا لنا ... بِمَا حمّلت مِنْك الضلوع يدان) قَالَ النُّعْمَان بن بشير: بَعَثَنِي مُعَاوِيَة مصدّقاً على بني عذرة فصدّقتهم ثمَّ أَقبلت رَاجعا فَإِذا أَنا بِبَيْت مُفْرد لَيْسَ قربه أحد وَإِذا رجل بفنائه لم يبْق مِنْهُ إِلَّا عظم وَجلد فَلَمَّا سمع وجسي ترنّم بقوله: (وعينان: مَا أوفيت نشزاً فتنظرا ... بمأقيهما إِلَّا هما تكفان) (كَأَن قطاة علّقت بجناحها ... على كَبِدِي من شدَّة الخفقان) قَالَ: وَإِذا أخواته حوله أَمْثَال الدمى فَنظر فِي وجوههن ثمَّ قَالَ: (من كَانَ من أخواتي باكياً أبدا ... فاليوم إِنِّي أَرَانِي الْيَوْم مَقْبُوضا

стр. 1151

) قَالَ: فبرزن وَالله يضربن وجوههن وينتفن شعورهن. فَلم أَبْرَح حَتَّى قضى. فهيّات من أمره ودفنته. كَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء. زحكى هذهالرواية رَاوِي شعره عَن عُرْوَة بن الزبير ثمَّ قَالَ: ومرّ ركب بوادي الْقرى فسألوا عَن الميّت فَقيل: عُرْوَة بن حزَام وَكَانُوا يردون البلقاء فَقَالَ بَعضهم لبَعض: وَالله لنأتين) عفراء بِمَا يسوءها. فَسَارُوا حَتَّى مروا بمنزلها وَكَانَ ليللاً فصاح صائح مِنْهُم وَهِي تسمع فَقَالَ: (أَلا أَيهَا الْبَيْت المغفّل أَهله ... إِلَيْكُم نعينا عُرْوَة بن حزَام) ففهمت عفراء الصَّوْت وَنَادَتْ بهم: (أَلا أَيهَا الركب المخبّون وَيحكم ... أحقاً نعيتم عُرْوَة بن حزَام) فَقَالَ بَعضهم: (نعم قد دفنّاه بِأَرْض نطيّة ... مُقيما بهَا فِي سبسب وإكام) فأجابته وَقَالَت: (فَإِن كَانَ حَقًا مَا تَقولُونَ فاعلموا ... بِأَن قد نعيتم بدر كل تَمام) (نعيتم فَتى يسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... إِذا هِيَ أمست غير ذَات غمام)

стр. 1152

. (وبتن الحبالى لَا يرجين غَائِبا ... وَلَا فرحات بعده بِغُلَام) ثمَّ أَقبلت على زَوجهَا فَقَالَت لَهُ: إِنَّه قد بَلغنِي من أَمر ذَلِك الرجل مَا قد بلغك وَالله مَا كَانَ إِلَّا على الْحسن الْجَمِيل وَقد بَلغنِي أَنه مَاتَ فَإِن رَأَيْت أَن تَأذن لي فَأخْرج إِلَى قَبره فَأذن لَهَا فَخرجت فِي نسْوَة من قومه تندبه وتبكي عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَت. قَالَ: وَبَلغنِي أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قَالَ: لَو علمت بهما لجمعت بَينهمَا. تَنْبِيه: نسب المبرّد فِي الْكَامِل بَيت الشَّاهِد إِلَى قيس بن ذريح وَذكر مَا قبله كَذَا: (حَلَفت لَهَا بالمشعرين وزمزم ... وَذُو الْعَرْش فَوق المقسمين رَقِيب) لَئِن كَانَ برد المَاء حرّان صادياً وَنسبه العينيّ إِلَى كثيّر عزّة وَقَالَ: هُوَ من قصيدة أوّلها: (أَبى الْقلب إِلَّا أم عَمْرو وبغّضت ... إليّ نسَاء مَا لَهُنَّ ذنُوب) (حَلَفت لَهَا بالمأزمين وزمزم ... وَللَّه فَوق الحالفين رَقِيب) لَئِن كَانَ برد المَاء حرّان صادياً وَالصَّحِيح مَا قدمْنَاهُ. والبيتان من شعر غَيره دخيل. وَالله أعلم.

стр. 1153

الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة (إِذا الْمَرْء أعيته الْمُرُوءَة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عَلَيْهِ شَدِيد) لما تقدم قبله. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: كهلاً حَال من الْهَاء فِي عَلَيْهِ تَقْدِيره: فمطلبها عَلَيْهِ كهلاً شَدِيد. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فهلاّ جعلت كهلاً حَالا من الضَّمِير فِي الْمطلب قيل: الْمصدر الْخَبَر لَا يضمر يه الْفَاعِل بل يحذف مَعَه حذفا. انْتهى. وهذاالبيت أحد أَبْيَات أَرْبَعَة مَذْكُورَة فِي الحماسة وَهِي: (مَتى مَا يرى النَّاس الغنيّ وجاره ... فَقير يَقُولُوا: عَاجز وجليد) (وَلَيْسَ الْغنى والفقر من حِيلَة الْفَتى ... وَلَكِن أحاظ قسّمت وجدود) إِذا الْمَرْء أعيته الْمُرُوءَة ناشئاً (وكائن رَأينَا من غنيّ مذمّم ... وصعلوك قوم مَاتَ وَهُوَ حميد) جملَة وجاره فَقير: من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر حَال من الغنيّ. ويقولوا جَوَاب الشَّرْط. وَقَوله: عَاجز وجليد خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هَذَانِ عَاجز وجليد وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. والجليد: من الجلادة وَهِي الصلابة أَرَادَ الْقُوَّة على السَّعْي وَتَحْصِيل المَال. وَقَوله: وَلَكِن أحاظ قَالَ الأعلم: جمع حَظّ على غير قِيَاس وَيُقَال: هُوَ جمع أحظ وأحظ جمع حَظّ وَأَصله أحظظ فأبدل من إِحْدَى الظاءين يَاء كَرَاهَة التَّضْعِيف. وَيجوز عِنْدِي أَن يكون أحظ جمع حظوة وَهِي بِمَعْنى الْحَظ وفعلها حظيت أحظى فَلَا شذوذ. انْتهى. والحظّ: النَّصِيب. والجدود: جمع جدّ بِفَتْح الْجِيم وَهُوَ البخت. أَي: أَن الْغنى والفقر مِمَّا قدره الله فَهِيَ حظوظ وجدود خلقُوا لَهَا على مَا علم الله من مصَالح عباده. وَقَوله: أعيته أَي: أتعبته متعدي عيي بِالْأَمر إِذا عجز عَنهُ

стр. 1154

من بَاب تَعب. والمروءة: آدَاب نفسانية تحمل مراعاتها الْإِنْسَان على الْوُقُوف عِنْد محَاسِن الْأَخْلَاق وَجَمِيل الْعَادَات. يُقَال: مرؤ الْإِنْسَان فَهُوَ مريء مثل قرب فَهُوَ قريب أَي: ذُو مُرُوءَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَقد تشدّد فَيُقَال مروّة. وَرُوِيَ: أعيته السِّيَادَة. وناشئاً مَهْمُوز اللَّام فِي الصِّحَاح: النَّاشِئ: الْحَدث الَّذِي جَاوز حدّ الصغر وَالْجَارِيَة نَاشِئ أَيْضا. وَهُوَ حَال من مفعول اعيته. وَالْمطلب: مصدر بِمَعْنى الطّلب. والكهل: الرجل الَّذِي جَاوز الثَّلَاثِينَ ورخطه الشيب) وَقيل: من بلغ الْأَرْبَعين وَالْمَرْأَة كهلة. وكائن بِمَعْنى كم للتكثير ومذمّم أَي: غير مَحْمُود كثيرا وَالتَّشْدِيد للْمُبَالَغَة من الذمّ وَهُوَ خلاف الْمَدْح. والصعلوك بِالضَّمِّ: الْفَقِير أَي: كم من غَنِي ساعدته الدُّنْيَا ثمَّ أصبح مذموماً لبخله وَهَذِه الأبيات لرجل من بني قريع بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ قريع بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم كَذَا فِي حماسة أبي تَمام وحماسة الأعلم. وعيّنه ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة فَقَالَ: هُوَ المعلوط بن بدل القريعيّ. وَفِي حَاشِيَة صِحَاح الْجَوْهَرِي فِي مَادَّة حَظّ هِيَ للمعلوط السعديّ وتروى لسويد بن خذّاق العبديّ وَكَذَا قَالَ ابْن بري فِي أَمَالِيهِ على الصِّحَاح وَالله أعلم.

стр. 1155

والمعلوط اسْم مفعول من علطه بِسَهْم علطاً: إِذا أَصَابَهُ بِهِ. وَهُوَ بِالْعينِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ. ثمَّ رَأَيْت فِي كتاب الْعباب فِي شرح أَبْيَات الْآدَاب تأليف حسن بن صَالح العدويّ اليمنيّ قَالَ: الْبَيْت الشَّاهِد لمخبّل السعديّ من أَبْيَات مَشْهُورَة متداولة فِي أَفْوَاه النَّاس أَولهَا: (أَلا يَا لقومي للرسوم تبيد ... وعهدك مِمَّن حبلهنّ جَدِيد) (وللدار بعد الحيّ يبكيك رسمها ... وَمَا الدَّار إِلَّا دمنة وصعيد) (لقد زَاد نَفسِي بِابْن ورد كَرَامَة ... عليّ رجال فِي الرِّجَال عبيد) (يسوقون أَمْوَالًا وَمَا سعدوا بهَا ... وهم عِنْد مثناة الْقيام قعُود) (ولاسوّد المَال اللَّئِيم وَلَا دنا ... لذاك ولكنّ الْكَرِيم يسود) (وكائن رَأينَا من غنيّ مذمّم ... وصعلوك قوم مَاتَ وَهُوَ حميد) (وَمَا يكْسب المَال الْفَتى بجلاده ... لَدَيْهِ وَلَكِن خائب وَسَعِيد) إِذا الْمَرْء أعيته الْمُرُوءَة ناشئاً وترجمة المخبّل السَّعْدِيّ تَأتي فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الأربعمائة. وَأنْشد بعده: (فَمَا بالنا أمس أَسد العرين ... وَمَا بالنا الْيَوْم اء النجف)

стр. 1156

. وَتقدم شَرحه قَرِيبا. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة (بَدَت قمراً ومالت خوط بَان ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا) على أَن قمراً وَمَا بعده من المنصوبات أحوالاً مؤولةً بالمشتق أَي: بَدَت مضيئة كَالْقَمَرِ ومالت متثنية كخوط بَان وفاحت: طيبَة النشر كالعنبر ورنت: مليحة المنظر كالغزال. قَالَ الواحدي: هَذِه أَسمَاء وضعت مَوضِع الْحَال. وَالْمعْنَى: بَدَت مشبهة قمراً فِي حسنها ومالت مشبهة غُصْن بَان فِي تثنّيها وفاحت مشبهة عنبراً فِي طيب رائحتها ورنت مشبهة غزالاً فِي سَواد مقلتها. وَهَذَا يُسمى التدبيج فِي الشّعْر وَمثله: (سفرن بدوراً وانتقبن أهلّة ... ومسن غصوناً والتفتن جآذرا) انْتهى. فَقَوله: بَدَت يُقَال: بدا يَبْدُو وبدوّاً. أَي: ظهر ظهوراً بيّناً. والخوط بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْغُصْن الناعم لسنة. وَقيل: كلّ قضيب.

стр. 1157

وفاحت. من فاح الْمسك فوحاً وفيحاً: انتشرت رَائِحَته خَاص فِي الطّيب. ورنا: من الرنوّ كدنو وَهُوَ إدامة النّظر بِسُكُون الطّرف كالرنا وَلَهو مَعَ شغل قلب وبصر وَغَلَبَة هوى والرّنا: مَا يرنى إِلَيْهِ لحسنه. كَذَا فِي الْقَامُوس. وَضمير بَدَت رَاجع إِلَى حبيبته فِي قَوْله قبل هَذَا: (بجسمي من برته فَلَو أصارت ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا) أَي: أفدي بجسمي الحبيبة الَّتِي نحلته وبرته حَتَّى لَو جعلت قلادتي ثقب درّة لجال جسمي فِيهِ لدقّته. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لأبي الطّيب المتنبي مدح بهَا بدر بن عمار بن إِسْمَاعِيل الْأَسدي. وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الْبَيْت الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الْمِائَة على أنّ الدأب يعبر بِهِ عَن كل حدث لَازم: كالحسن وَالْجمال. أَو غير لَازم: كالضرب وَالْقَتْل وَلِهَذَا يتَعَلَّق بِهِ الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف وَالْحَال. فَقَوله: كدأبك بِمَعْنى كتمتعك. فكنّى وَلم يصرّح. أَقُول: جعل الدأب هُنَا كِنَايَة عَن التَّمَتُّع لَا وَجه لَهُ كَمَا يعلم قَرِيبا.

стр. 1158

وَهَذَا الْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة ومطلعها: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بَين الدُّخُول فحومل) (فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل) (وقوفاً بهَا صحبي عليّ مطيّهم ... يَقُولُونَ: لَا تهْلك أسىً وتحمّل) (وَإِن شفائي عِبْرَة مهراقة ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معوّل) (كدأبك من أم الْحُوَيْرِث قبلهَا ... وجارتها أمالرباب بمأسل) والبيتان الْأَوَّلَانِ يَأْتِي شرحهما إِن شَاءَ الله ّ فِي أَوَاخِر الْكتاب فِي الْفَاء العاطفة. وقوفاً بهَا صحبي الخ مُتَعَلق بقوله: قفا نبك فَكَأَنَّهُ قَالَ: قفا وقُوف صحبي بهَا على مطيّهم أَو قفا حَال وقُوف صحبي. وَقَوله: بهَا: مُتَأَخّر فِي الْمَعْنى يُرِيد: قفا نبك فِي حَال وقف أَصْحَابِي مطيّهم عليّ. وَقَوله: وَإِن شفائي عِبْرَة الخ الْعبْرَة: الدمعة. والمهراقة: المصبوبة وَأَصلهَا مراقة من الإراقة وَالْهَاء زَائِدَة. ومعوّل: مَوضِع عويل أَي بكاءن اَوْ بِمَعْنى مَوضِع ينَال فِيهِ حَاجَة: يُقَال: عوّلت على فلَان أَي: اعتمدت عَلَيْهِ. قَالَ الباقلاّني فِي معجز الْقُرْآن عِنْد الْكَلَام على معايب هَذِه القصيدة: هَذَا الْبَيْت مختلّ من جِهَة انه جعل الدمع فِي اعْتِقَاده شافياً كَافِيا فَمَا حَاجته بعد ذَلِك إِلَى طلب حِيلَة أُخْرَى عِنْد الرسوم وَلَو أَرَادَ أَن يحسن

стр. 1159

الْكَلَام لوَجَبَ أَن يدلّ على أَن الدمع لَا يشفيه لشدَّة مَا بِهِ من الْحزن ثمَّ يسائل هَل عِنْد الرّبع من حِيلَة أُخْرَى وَفِي هَذَا مَعَ قَوْله سَابِقًا لم يعف رسمها تنَاقض الكلامان وَلَيْسَ فِي هَذَا اقْتِصَار لِأَن معنى عَفا ودرس وَاحِد فَإِذا قَالَ: لم يعف رسمها ثمَّ قَالَ: قد عَفا فَهُوَ تنَاقض لَا محَالة. واعتذار أبي عُبَيْدَة أقرب لَو صحّ وَلَكِن لم يرد هَذَا القَوْل مورد الِاسْتِدْرَاك على مَا قَالَه زُهَيْر فَهُوَ إِلَى الْخلَل أقرب. انْتهى.) وَقَوله: كدأبك من أمّ الخ قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شَرحه وَتَبعهُ الْخَطِيب التبريزي: الْكَاف تتَعَلَّق بقوله: قفا نبك كَأَنَّهُ قَالَ: قفا نبك كدأبك فِي الْبكاء فَهِيَ فِي مَوضِع مصدر. وَالْمعْنَى بكاء مثل عادتك. وَيجوز أَن تتَعَلَّق بقوله: وَإِن شفائي عِبْرَة وَالتَّقْدِير: كعادتك فِي أَن تشفى من أمّ الْحُوَيْرِث. وَالْبَاء فِي قَوْله: بمأسل مُتَعَلقَة بدأبك كَأَنَّهُ قَالَ: كعادتك بمأسل. وَهُوَ جبل. وَزَاد الْخَطِيب: وَأم الْحُوَيْرِث هِيَ هرّ أم الْحَارِث بن حُصَيْن بن ضَمْضَم الكلبيّ وَأم الربَاب من كلب أَيْضا. يَقُول: لقِيت

стр. 1160

من وقوفك على هَذِه الديار وتذكرك أَهلهَا كَمَا لقِيت من أم الْحُوَيْرِث وجارتها. وَقيل: الْمَعْنى: كَأَنَّك أَصَابَك من التَّعَب وَالنّصب من هَذِه الْمَرْأَة كَمَا أَصَابَك من هَاتين الْمَرْأَتَيْنِ انْتهى. وَقَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح أمالي القالي: أم الْحُوَيْرِث الَّتِي كَانَ يشبب بهَا فِي أشعاره هِيَ أُخْت الْحَارِث حُصَيْن بن ضَمْضَم من كلب وَهِي امْرَأَة حجر أبي امْرِئ الْقَيْس فَلذَلِك كَانَ أَبوهُ طرده ونفاه وهمّ بقتْله انْتهى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَقَالَ الزوزني: يَقُول عادتك فِي حب هَذِه كعادتك فِي تينك أَي: قلَّة حظك من وصال هَذِه كمعاناتك الوجد بهما. وَقَوله: قبلهَا أَي: قبل هَذِه الَّتِي شغفت بهَا الْآن. والدأب: الْعَادة وأصلهما مُتَابعَة الْعَمَل والجدّ فِي السَّعْي انْتهى كَلَامه. فَجعل الزوزني قَوْله: كدأبك خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَهَذَا أقرب من الْأَوَّلين. فَعلم مِمَّا ذكرنَا أَن الدأب كِنَايَة إِمَّا عَن الْبكاء وَإِمَّا عَن المعاناة وَالْمَشَقَّة. والتمتع لَا مساس لَهُ هَا هُنَا فَتَأمل. وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ. وانشد بعده وَهُوَ ...
следующие страницы →