← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء مرّة ختم الشّعْر بِذِي الرمة وَالرجز برؤبة وَقَالَ أُخْرَى كَمَا فِي الموشح للمرزباني شعر ذِي الرمة نقط عروس تضمحل عَن قَلِيل وأبعار ظباء لَهَا مشم فِي أول شمها ثمَّ تعود إِلَى أَرْوَاح البعر وَإِنَّمَا وضع مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يحسن الهجاء والمدح قَالَ الْمبرد معنى قَوْله نقط عروس أَنَّهَا تبقى أول يَوْم ثمَّ تذْهب وبعر الظباء إِذا شممته من سَاعَته وجدت فِيهِ كرائحة الْمسك فَإِذا غب ذهب ذَلِك مِنْهُ وَقد أسْند هَذَا التَّعْبِير فِي حَقه إِلَى جمَاعَة مِنْهُم الفرزدق وَجَرِير قَالَ الْأَصْمَعِي إِن شعر ذِي الرمة حُلْو أول مَا تسمعه فَإِذا كثر إنشاده ضعف وَلم يكن لَهُ حسن لِأَن أبعار الظباء أول مَا تشم تُوجد لَهَا رائحه مَا أكلت من الشيح والقيصوم والجثجاث والنبت الطّيب الرّيح فَإِذا أدمت شمه ذهبت تِلْكَ الرَّائِحَة ونقط الْعَرُوس إِذا غسلتها ذهبت وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة وقف ذُو الرمة فِي سوق الْإِبِل ينشد شعره الَّذِي يذكر فِيهِ نَاقَته صيدح فَوقف عَلَيْهِ الفرزدق فَقَالَ كَيفَ ترى مَا تسمع يَا أَبَا فراس قَالَ مَا أحسن مَا تَقول قَالَ فَمَالِي لَا أذكر مَعَ الفحول قَالَ قصر بك عَن غاياتهم بكاؤك فِي الدمن ونعتك الأبعار والعطن وَمَات بالبادية وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ أَنا ابْن نصف الْهَرم أَي ابْن الْأَرْبَعين وَقَالَ الْمفضل الضَّبِّيّ كنت أنزل على بعض الْأَعْرَاب إِذا حججْت فَقَالَ لي يَوْمًا هَل لَك فِي خرقاء صَاحِبَة ذِي الرمة قلت بلَى فتوجهنا نريدها

стр. 107

فَعدل بِي عَن الطَّرِيق بِقدر ميل فَإِذا أَبْيَات فقرع بَابا مِنْهَا فَخرجت إِلَيْنَا امْرَأَة حسانة بهَا قُوَّة فتحدثا طَويلا فَقَالَت أحججت قبل هَذِه قلت بلَى قَالَت فَمَا مَنعك من زيارتي أما علمت أَنِّي منسك من مَنَاسِك الْحَج قلت وَكَيف ذَلِك قَالَت أما سَمِعت قَول ذِي الرمة (الوافر) (تَمام الْحَج لَا تقف المطايا ... على خرقاء وَاضِعَة اللثام) وَفِي الأغاني عَن ابْن قُتَيْبَة أَن مية جعلت لله عَلَيْهَا أَن تنحر بَدَنَة يَوْم ترَاهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ رجلا دميما أسود وَكَانَت من أجمل النَّاس فَقَالَت وأسوءتاه واضيعة بدنتاه فَقَالَ ذُو الرمة (الطَّوِيل) (على وَجه مي مسحة من ملاحة ... وَتَحْت الثِّيَاب الشين لَو كَانَ باديا) قَالَ فَكشفت ثوبها عَن بدنهَا وَقَالَت أشينا ترى لَا أم لَك فَقَالَ (الم تَرَ أَن المَاء يخْبث طعمه ... وَإِن كَانَ لون المَاء أَبيض صافيا) فَقَالَت أما مَا تَحت الثِّيَاب فقد رَأَيْته وَعلمت أَن لَا شين فِيهِ وَلم يبْق إِلَّا أَن أَقُول لَك هَلُمَّ حَتَّى تذوق مَا وَرَاءه وَالله لَا ذقت ذَلِك أبدا فَقَالَ (فيا ضَيْعَة الشّعْر الَّذِي لج وانقضى ... بمي وَلم أملك ضلال فؤاديا) قَالَ ثمَّ صلح الْأَمر بَينهمَا بعد ذَلِك فَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من حبها ثمَّ قَالَ صَاحب الأغاني أَن مية كَانَت لَهَا بنت عَم قَالَت على لِسَان ذِي الرمة ...

стр. 108

(على وَجه مي مسحة من ملاحة) الأبيات فَكَانَ ذُو الرمة إِذا ذكر ذَلِك لَهُ يتمعض مِنْهُ وَيحلف أَنه مَا قَالَه قطّ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع (الوافر) (إِذا اجْتَمعُوا على ألف وواو ... وياء هاج بَينهم جِدَال) على أَن أَسمَاء حُرُوف المعجم تعرب إِذا ركبت وَإِن كَانَ بناؤها أَصْلِيًّا قيل حَيْثُ كَانَت معربة لأجل التَّرْكِيب علم أَنَّهَا قبل التَّرْكِيب غير معربة وَهَذَا حكم جَمِيع الْأَسْمَاء سَوَاء قُلْنَا إِنَّهَا قبل التَّرْكِيب مَوْقُوفَة أم مَبْنِيَّة فَمَا الْفرق بَينهَا وَبَين سَائِر الْأَسْمَاء أَقُول الْفرق أَن أَسمَاء حُرُوف الهجاء إِنَّمَا وضعت لسردها مُفْردَة للتعليم لَا لِأَن تكون مركبة مَعَ عَامل فالتركيب فِيهَا عَارض بِخِلَاف سَائِر الْأَسْمَاء فَإِنَّهَا إِنَّمَا وضعت للتركيب وسردها منثورة أَمر عَارض ثمَّ رَأَيْت الشَّارِح الْمُحَقق قد ذكر مَا قلته فِي مَوَاضِع أخر من شَرحه فَقَالَ إِن أَسمَاء حُرُوف المعجم لم تُوضَع إِلَّا لتستعمل مُفْرَدَات لتعليم الصّبيان وَمن يجْرِي مجراهم مَوْقُوفا عَلَيْهِم فَإِذا اسْتعْملت مركبة مَعَ عاملها فقد خرجت عَن حَالهَا الْمَوْضُوعَة لَهَا وَهَذَا مَذْهَب ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة حَيْثُ قَالَ أعلم أَن هَذِه الْحُرُوف مَا دَامَت حُرُوف هجاء فَإِنَّهَا سواكن الْأَوَاخِر فِي الدرج وَالْوَقْف لِأَنَّهَا أصوات بِمَنْزِلَة صه ومه فَإِن وَقعت موقع الْأَسْمَاء أعربت

стр. 109

وَأَرَادَ الشَّارِح بإعرابها عِنْد التَّرْكِيب وجوب إعرابها كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي مَوضِع آخر فَقَالَ إِذا أردْت إِعْرَاب أَسمَاء حُرُوف المعجم الكائنة على حرفين ضعفت الْألف وقلبتها همزَة وَلَا تجوز الْحِكَايَة فِي أَسمَاء حُرُوف المعجم مَعَ التَّرْكِيب مَعَ عاملها وَأغْرب السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع وَشَرحه فَقَالَ وَأَسْمَاء الْحُرُوف ألف با تا ثا إِلَى آخرهَا وقف إِلَّا مَعَ عَامل فالأجود حِينَئِذٍ فِيهَا الْإِعْرَاب وَمد الْمَقْصُور مِنْهَا وَيجوز فِيهَا الْحِكَايَة كهيئتها بِلَا عَامل وَيجوز ترك الْمَدّ بِأَن يعرب مَقْصُورا منونا كَمَا إِذا تعاطفت فَإِن الأجود فِيهَا الْإِعْرَاب وَالْمدّ وَإِن لم يكن عَامل انْتهى فجوز مَعَ الْعَامِل الْحِكَايَة وَالْقصر كَمَا إِذا لم تكن مَعَ عَامل وَجوز أَيْضا إعرابها مَعَ الْقصر وَجوز فِي التعاطف مَعَ عدم الْعَامِل الْإِعْرَاب وَالْمدّ وَأما الأول فَصرحَ بِمَنْعه ابْن جني وَالشَّارِح وَأما الثَّانِي فَمَنعه ابْن جني أَيْضا فَقَالَ فَأَما مَا كَانَ من نَحْو با تا فَإنَّك مَتى أعربته لزمك أَن تمده وَذَلِكَ أَنه على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا حرف؟ لين والتنوين يدْرك الْكَلِمَة فتحذف الْألف لالتقاء الساكنين فيلزمك أَن تَقول بن وتن يَا فَتى فَيبقى الِاسْم على حرف وَاحِد فَإِن ابتدأته وَجب أَن يكون متحركا وَإِن وقفت عَلَيْهِ وَجب أَن يكون سَاكِنا وَهَذَا ظَاهر الاستحالة فَأَما مَا روى شربت مَا يُرِيد مَاء فحكاية شَاذَّة لَا نَظِير لَهَا وَلَا يسوغ قِيَاس غَيرهَا عَلَيْهَا وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك زِدْت على ألف با تا ألفا أُخْرَى كَمَا رَأَيْت الْعَرَب فعلت حِين أعربت لوا فَقَالُوا (الْخَفِيف) (إِن لوا وَإِن ليتا عناء)

стр. 110

وَأما قَول الشَّاعِر (بِخَط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل) إِنَّمَا أَرَادَ وَالرَّاء ممدودة فَلم يُمكنهُ ذَلِك لِئَلَّا يكسر الْوَزْن فَحذف الْهمزَة من الرَّاء وَجَاء بذلك على قِرَاءَة أبي عَمْرو وتحقيقه الأولى من الهمزتين إِذا التقتا من كَلِمَتَيْنِ وكانتا جَمِيعًا متفقتي الحركتين نَحْو فقد جَاءَ أشراطها وَشاء أنشره وَكَذَلِكَ كَانَ أصل هَذَا وَالزَّاي وَالرَّاء أَيّمَا تهليل فَلَمَّا اتّفقت الحركتان حذف الأولى من الهمزتين وَأما الثَّالِث فَلَا وَجه للإعراب وَالْمدّ جَمِيعًا مَعَ عدم الْعَامِل وأظن أَن السُّيُوطِيّ لخص كَلَامه من الارتشاف لأبي حَيَّان وَأَصله من الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ الْأَنْبَارِي وَتَبعهُ أَبُو عَليّ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهُ أَيْضا حرفا بِحرف فَقَالَا وَمَا كَانَ من حُرُوف الهجاء على حرفين فالعرب تمده وتقصره فَيَقُولُونَ بَاء وتاء وَمِنْهُم من يقصر فَيَقُول با وتا وَمِنْهُم من ينون فَيَقُول با وتا قَالَ يزِيد بن الحكم يذكر النَّحْوِيين (إِذا أجتمعوا على ألف وواو ... وياء الْبَيْت) وَالزَّاي فِيهَا خَمْسَة أوجه من الْعَرَب من يمدها فَيَقُول زاء فَاعْلَم وَمِنْهُم من يَقُول زَاي وَمِنْهُم من يَقُول هَذِه زا فيقصرها وَمِنْهُم من ينون فَيَقُول زا وَمِنْهُم من يَقُول زِيّ فيشدد وَأنْشد الْفراء (بِخَط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل) انْتهى فَأَنت تراهما كَيفَ أطلقا وَلم يفصلا وَهُوَ مُخَالف لكَلَام النَّاس وَمُرَاد الشَّارِح بالتركيب أَن تقع مَعَ عَامل نَحْو أول الْجِيم جِيم وأوسط السِّين يَاء وكتبت يَاء حَسَنَة وَكَذَلِكَ الْعَطف فَيُقَال مَا هجاء بكر فَنَقُول

стр. 111

بَاء وكاف وَرَاء وكبيت الشَّاهِد فَإِن لم تعطف تبن فَتَقول بَاء كَاف رَاء بِإِسْكَان الْأَوَاخِر وَبَيت الشَّاهِد ليزِيد بن الحكم كَمَا نسبه إِلَيْهِ الزّجاج فِي أول تَفْسِيره وَابْن الْأَنْبَارِي وَأَبُو عَليّ القالي وروى الحريري فِي درة الغواص عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ أَنْشدني عِيسَى بن عمر بَيْتا هجا بِهِ النَّحْوِيين يَعْنِي أَنهم إِذا اجْتَمعُوا للبحث عَن إعلال حُرُوف الْعلَّة ثار بَينهم جِدَال والجدال مصدر جادل إِذا خَاصم بِمَا يشغل عَن ظُهُور الْحق ووضوح الصَّوَاب وَهَذَا أَصله ثمَّ اسْتعْمل فِي لِسَان حَملَة الشَّرْع فِي مُقَابلَة الْأَدِلَّة لظُهُور أرجحها وَهُوَ مَحْمُود إِن كَانَ للوقوف على الْحق وَإِلَّا فمموم يُقَال إِن أول من دون الجدل أَبُو عَليّ الطَّبَرِيّ ويروى بدله قتال أما يزِيد بن الحكم فَهُوَ يزِيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ الشَّاعِر الْمَشْهُور وَمن قَالَ يزِيد بن الحكم بن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ فقد وهم فَإِن عُثْمَان جده أَو عَم أَبِيه أحد من أسلم من ثَقِيف يَوْم الطَّائِف حدث عَن عَمه عُثْمَان الْمَذْكُور وروى عَنهُ مُعَاوِيَة بن قُرَّة وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق حكى أَن الفرزدق مر على يزِيد هَذَا وَهُوَ ينشد فِي الْمَسْجِد فَقَالَ من هَذَا الَّذِي ينشد شعرًا كَأَنَّهُ شعرنَا قَالُوا يزِيد بن الحكم فَقَالَ أشهد بِاللَّه أَن عَمَّتي وَلدته وَأم يزِيد بكرَة بنت الزبْرِقَان بن بدر وَأمّهَا هنيدة بنت صعصعة بن نَاجِية وَكَانَت بكرَة أول عَرَبِيَّة ركبت الْبَحْر وروى الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى قَالَ ورد يزِيد بن الحكم الثَّقَفِيّ من

стр. 112

الطَّائِف على الْحجَّاج بن يُوسُف بالعراق وَكَانَ شريفا شَاعِرًا فولاه الْحجَّاج فَارس فَلَمَّا جَاءَ لأخذ عَهده قَالَ لَهُ يَا يزِيد أنشدنا من شعرك يُرِيد أَن ينشده مديحا لَهُ فأنشده (الوافر) (من يَك سَائِلًا عني فَإِنِّي] ... أَنا ابْن الصَّيْد من سلفي ثَقِيف) (وَفِي وسط البطاح مَحل بَيْتِي ... مَحل اللَّيْث من وسط الغريف) (وَفِي كَعْب وَمن كالحي كَعْب ... حللت ذؤابة الْجَبَل المنيف) (حويت فخارها غوا ونجدا ... وَذَلِكَ مُنْتَهى شرف الشريف) (نماني كل أصيد لَا ضَعِيف ... بِحمْل المعضلات وَلَا عنيف) فَوَجَمَ الْحجَّاج وأطرق سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ الْحَمد لله أَحْمَده وأشكره إِذْ لم يَأْتِ علينا زمَان إِلَّا وَفينَا أشعر الْعَرَب ثمَّ قَالَ أنشدنا يَا يزِيد فَأَنْشَأَ يَقُول (الْكَامِل) ... وَأبي الَّذِي فتح الْبِلَاد بِسَيْفِهِ ... فأذلها لبني الزَّمَان الغابر) (وَأبي الَّذِي سلب ابْن كسْرَى راية ... فِي الْملك تخفق كالعقاب الكاسر) (وَإِذا فخرت فخرت غير مكذب ... فخرا أدق بِهِ فخار الفاخر) فَقَامَ الْحجَّاج مغضبا وَدخل الْقصر وَانْصَرف يزِيد والعهد فِي يَده فَقَالَ الْحجَّاج لِخَادِمِهِ اتبعهُ وَقل لَهُ ارْدُدْ علينا عهدنا فَإِذا أَخَذته فَقل لَهُ هَل ورثك أَبوك مثل هَذَا الْعَهْد فَفعل الْخَادِم وأبلغه الرسَالَة فَرد عَلَيْهِ الْعَهْد فَقَالَ قل للحجاج أورثني أبي مجدة وفعاله وأورثك أَبوك أَعْنُزًا ترعاها ثمَّ سَار تَحت اللَّيْل فلحق بِسُلَيْمَان وَهُوَ ولي عهد الْوَلِيد فضمه إِلَيْهِ وَجعله فِي خاصته ومدحه بقصائد فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان كم كَانَ أجري لَك فِي عمالة فَارس قَالَ عشْرين ألفا قَالَ هِيَ لَك عَليّ مَا دمت حَيا

стр. 113

وَمِمَّا مدحه بِهِ هَذِه القصيدة ومطلعها (الْبَسِيط) (أَمْسَى بأسماء هَذَا الْقلب معمودا ... إِذا أَقُول صَحا يعتاده عيدا) (كَأَن أحور من غزلان ذِي بقر ... أهْدى لنا شبه الْعَينَيْنِ والجيدا) (أجري على موعد مِنْهَا فتخلفني ... فَلَا أمل وَلَا توفّي المواعيدا) (كأنني يَوْم أمسي لَا تكلمني ... ذُو بغية يَشْتَهِي مَا لَيْسَ مَوْجُودا) وَمِنْهَا (سميت باسم امرىء أشبهت شيمته ... فصلا وعدلا سُلَيْمَان بن داودا) (أَحْمد بِهِ فِي الورى الماضين من ملك ... وَأَنت أَصبَحت فِي البَاقِينَ مَحْمُودًا) (لَا يبرأ النَّاس من أَن يحْمَدُوا ملكا ... أولاهم فِي الْأُمُور الْحلم والجودا) وَمن النَّاس من ينْسب هَذِه الأبيات لعمر بن أبي ربيعَة وَذَلِكَ خطأ وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَائِشَة قَالَ دخل يزِيد بن الحكم على يزِيد ابْن الْمُهلب فِي سجن الْحجَّاج وَهُوَ يعذب وَقد حل عَلَيْهِ نجم كَانَ قد نجم عَلَيْهِ وَكَانَت نجومه فِي كل أُسْبُوع سِتَّة عشر ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ (المنسرح) (أصبح فِي قيدك السماحة والجود وَفضل الصّلاح والحسب) (لَا بطر إِن تَتَابَعَت نعم ... وصابر فِي الْبلَاء محتسب) (برزت سبق الْجِيَاد فِي مهل ... وَقصرت دون سعيك الْعَرَب) قَالَ فَالْتَفت يزِيد إِلَى مولى لَهُ وَقَالَ أعْطه نجم هَذَا الْأُسْبُوع وَنَصْبِر على الْعَذَاب إِلَى السبت الآخر

стр. 114

وليزيد بن الحكم عدَّة قصائد يُعَاتب فِيهَا أَخَاهُ عبد ربه بن الحكم وَابْن عَمه عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَمِمَّا قَالَ فِي ابْن عَمه (الطَّوِيل) (وَمولى كذئب السوء لَو يستطيعني ... أصَاب دمي يَوْمًا بِغَيْر قَتِيل) (وَأعْرض عَمَّا سَاءَهُ وكأنما ... يُقَاد إِلَى مَا سَاءَنِي بِدَلِيل) (مجاملة مني وإكرام غَيره ... بِلَا حسن مِنْهُ وَلَا بجميل) (وَلَو شِئْت لَوْلَا الْحلم جععت أَنفه ... بإيعاب جدع بادىء وعليل) (حفاظا على أَحْلَام قوم رزئتهم ... رزان يزينون الندي كهول) وَقَالَ فِي أَخِيه عبد ربه (الْبَسِيط) (أخي يسر لي الشحناء يضمرها ... حَتَّى ورى جَوْفه من غمره الدَّاء) (حران ذُو غُصَّة جرعت غصته ... وَقد تعرض دون الغصة المَاء) (حَتَّى إِذا مَا أساغ الرِّيق أنزلني ... مِنْهُ كَمَا ينزل الْأَعْدَاء أَعدَاء) (أسعى فيكفر سعي مَا سعيت لَهُ ... إِنِّي كَذَاك من الإخوان لِقَاء) (وَكم يَد وَيَد لي عِنْده وَيَد ... يعدهن ترات وَهِي آلَاء) والغريف بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة هُوَ الأجمة والغابة وَأما عِيسَى بن عمر فَهُوَ عِيسَى بن عمر الثَّقَفِيّ مولى خَالِد بن الْوَلِيد أَخذ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَعبد الله بن إِسْحَاق وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ والعجاج ورؤبة وَجَمَاعَة وَعنهُ أَخذ الْأَصْمَعِي وَغَيره وَكَانَ يتقعر فِي كَلَامه حكى عَنهُ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح أَنه سقط عَن حمَار فَاجْتمع عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ مَالِي أَرَاكُم تكأكأتم عَليّ تكأكؤكم على ذِي جنَّة افرنقعوا عني واتهمه عمر ابْن هُبَيْرَة بوديعة فَضَربهُ نَحْو ألف سَوط فَجعل يَقُول

стр. 115

وَالله إِن كَانَت إِلَّا أثيابا فِي أسيفاط قبضهَا عشاروك مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَقيل سنة خمسين وَمِائَة كَذَا فِي مُعْجم النَّحْوِيين للسيوطي وَالْبَيْت الَّذِي مثل بِهِ ابْن جني ووعدنا بشرحه هُوَ من أَبْيَات رَوَاهَا أَبُو زيد فِي نوادره قَالَ إِنَّهَا لراجز يصف بهَا جندبا وَهِي (يحجل فِيهَا مقلز الحجول ... بغيا على شقيه كالمشكول) (يخط لَام ألف مَوْصُول ... وَالزَّاي والرا أَيّمَا تهليل) (خطّ يَد المستطرق المسؤول) الجندب بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا ضرب من الْجَرَاد وَقَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي شرح نَوَادِر أبي زيد قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب إِنَّه عَنى غرابا يحجل قَالَ فِي الْعباب الحجلان مَشْيه الْمُقَيد يُقَال حجل الطَّائِر يحجل بِضَم الْجِيم وَكسرهَا إِذا نزا فِي مَشْيه والحجول بِفَتْح الْمُهْملَة وَضم الْجِيم صفة الجندب أَو الْغُرَاب وَضمير فِيهَا للْأَرْض والمقلز بِكَسْر الْمِيم وَفتح اللَّام أَرَادَ بِهِ رجل الجندب أَو الْغُرَاب لِأَنَّهُ اسْم آلَة من قلز الْغُرَاب والعصفور فِي مشيهما وكل من لَا يمشي مشيا فَهُوَ يقلز بِضَم اللَّام وَكسرهَا قلزا بِسُكُون اللَّام وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام فَيكون مصدرا ميميا وَزعم الْأَخْفَش فِي شرح النَّوَادِر أَنه مقلوب مقزل من القزل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ أسوا العرج وَقد قزل بِالْكَسْرِ فَهُوَ أقزل والقزلان العرجان وَقد قزل بِالْفَتْح قزلانا إِذا مَشى مشْيَة العرجان وَلَا حَاجَة إِلَى ادِّعَاء الْقلب لِأَن مَادَّة قلز ثَابِتَة مَذْكُورَة

стр. 116

فِي الْعباب والقاموس وَلم يقل أحد إِنَّهَا مَقْلُوبَة من قزل ثمَّ قَالَ الْأَخْفَش روى لي ثَعْلَب مقلز الحجول بِكَسْر الْمِيم وَلَا وَجه لَهُ عِنْد أهل الْعَرَبيَّة لِأَن المقلز هُوَ الحجول وَلَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى نَفسه وَالرَّفْع فِي الحجول أَجود وَإِن كَانَ الشّعْر يصير مقوى وَقد رُوِيَ بِالرَّفْع وَفِيه مَعَ هَذَا عيب وَهُوَ أَنه حذف التَّنْوِين من مقلز لسكونها وَسُكُون اللَّام وَحذف التَّنْوِين هُوَ الَّذِي شجع من رَوَاهُ مخفوضا وَلم يتَأَمَّل الْمَعْنى والإقواء أصلح من الإحالة انْتهى أَقُول هَذَا تَطْوِيل بِلَا طائل يعلم فَسَاده مِمَّا قدمْنَاهُ على ان المقلز لم يقل أحد إِنَّه بِمَعْنى الحجول وَالْبَغي هُنَا الاختيال والمرح والمشكول الَّذِي فِي رجلَيْهِ شكال يُقَال شكلته شكلا من بَاب قتل قيدته بالشكال وشكلت الْكتاب شكلا أعلمته بعلامات الْإِعْرَاب وَقَوله بِخَط الْبَاء مُتَعَلقَة بيحجل وَيجوز أَن يكون بمثناة تحتية مضارع خطّ فَيكون ضَمِيره الْمُسْتَتر للمقلز وَلَام ألف مَفْعُوله وموصول وصف اللَّام والصلة محذوفة أَي مَوْصُول بهَا أَي بِالْألف وَالزَّاي والرا منصوبان بالْعَطْف على مَحل لَام ألف وَقَوله (أَيّمَا تهليل) مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف وَمَا زَائِدَة أَي هلل تهليلا أَي تهليل وَهُوَ مصدر هلل بِمَعْنى نكص وَجبن وفر وَخط مَنْصُوب على الْمصدر التشبيهي أَي بِخَط لَام ألف كخط يَد الكاهن المسؤول مِنْهُ التكهن والمستطرق الكاهن الَّذِي يطْرق الْحَصَى بعضه بِبَعْض والطرق ضرب الكاهن الْحَصَى وَقد استطرقته أَنا رُوِيَ بِكَسْر الرَّاء وَفتحهَا وَقد أورد هَذِه الأبيات ابْن الْأَعرَابِي أَيْضا فِي نوادره قَالَ أنشدنيها الْمفضل وَذكر دَارا خلت من أَهلهَا فَصَارَ فِيهَا الْغرْبَان والظباء والوحش ثمَّ قَالَ المستطرق الَّذِي يتكهن فَإِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء خطّ فِي التُّرَاب وَنظر وَحكى عَن أَعْرَابِي قَالَ عَالَجت جَارِيَة شابه فَإِذا قلزة كَأَنَّهَا أتان وَحش

стр. 117

قَالَ القلزة الشَّدِيدَة والقلز النّحاس الَّذِي لَا يعْمل فِيهِ الْحَدِيد وَقَالَ أَبُو الْمنْهَال هُوَ القلز وَلم يعرف القلز ا. هـ. وَرُوِيَ الحجول بِضَمَّتَيْنِ على أَنه مصدر وَرُوِيَ نعبا بدل بغيا بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة وَهُوَ صَوت الْغُرَاب وَرُوِيَ تَفْصِيل بدل تهليل وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْعَاشِر وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ (أحضر الوغى) وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ (الطَّوِيل) (إِلَّا ايهذا اللائمي أحضر الوغى ... وَأَن أشهد اللَّذَّات هَل أَنْت مخلدي) على ان نصب أَن الْمقدرَة فِي مثل هَذَا ضَعِيف وَقَالَ فِي بَاب نواصب الْفِعْل نصبها فِي مثله شَاذ والكوفيون يجوزون النصب فِي مثله قِيَاسا أَقُول ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهَا تعْمل محذوفة فِي غير الْمَوَاضِع المعدودة وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت فَقَالُوا الدَّلِيل على صِحَة هَذَا التَّقْدِير أَنه عطف عَلَيْهِ قَوْله (وَأَن أشهد) فَدلَّ على أَنَّهَا تنصب مَعَ الْحَذف وَمنع البصريون ذَلِك بِأَن عوامل الْأَفْعَال ضَعِيفَة لَا تعْمل مَعَ الْحَذف وَإِذا حذفت ارْتَفع الْفِعْل وَمِنْه عِنْد سِيبَوَيْهٍ قَوْله تَعَالَى ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد﴾ وَقَالُوا رِوَايَة الْبَيْت عندنَا إِنَّمَا هِيَ بِالرَّفْع فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ أَصله أَن أحضر فَلَمَّا حذفت

стр. 118

أَن أرتفع وَأَن أحضر مجرور بفي مقدرَة وَأَن أشهد مَعْطُوف عَلَيْهِ وَقَالَ الْمبرد جملَة أحضر حَال من الْيَاء وَأَن أشهد مَعْطُوف على الْمَعْنى لِأَنَّهُ لما قَالَ أحضر دلّ على الْحُضُور كَمَا تَقول من كذب كَانَ شرا لَهُ أَي كَانَ الْكَذِب كَذَا نقلوا عَنهُ وَلَئِن صحت رِوَايَة النصب فَهُوَ مَحْمُول على أَنه توهم أَنه أَتَى بِأَن فنصب كَقَوْلِه (الطَّوِيل) (بدا لي أَنِّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سَابق شَيْئا إِذا كَانَ جائيا) بجر سَابق على توهم أَنه قَالَ لست بمدرك مَا مضى وَهَذَا لَا يجوز الْقيَاس عَلَيْهِ وَرُوِيَ أَلا أيهذا الزاجري وَرُوِيَ أَيْضا أَلا أَيهَا اللاحي بتَشْديد الْيَاء والوغي الْحَرْب وَأَصله الْأَصْوَات الَّتِي تكون فِيهَا وَقَالَ ابْن جني الوغي بِالْمُهْمَلَةِ الصَّوْت وبالمعجمة الْحَرْب نَفسهَا وَالشُّهُود الْحُضُور يُقَال شهِدت الْمجْلس بِمَعْنى حَضرته وأخلده أبقاه وَمعنى الْبَيْت يَا من يلومني فِي حُضُور الْحَرْب لِئَلَّا أقتل وَفِي ان أنْفق مَالِي لِئَلَّا أفتقر مَا أَنْت مخلدي إِن قبلت مِنْك فَدَعْنِي أنْفق مَالِي فِي الفتوة وَلَا أخلفه لغيري وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لطرفة بن العَبْد وَهِي إِحْدَى المعلقات السَّبع وَنَذْكُر تَرْجَمته وأخباره فِي مَوضِع آخر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبعد هَذَا الْبَيْت (فَإِن كنت لَا تسطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بِمَا ملكت يَدي)

стр. 119

يَقُول إِن كنت لَا تقدر أَن تدفع موتِي فذرني أسبق الْمَوْت بالتمتع بإنفاق مَالِي يُرِيد أَن الْمَوْت لابد مِنْهُ فَلَا معنى للبخل وَترك اللَّذَّات وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي عشر (أدنو فأنظور) وَهُوَ قِطْعَة من بَيت ثَان أنشدهما الْفراء وهما (الْبَسِيط) (الله يعلم أَنا فِي تلفتنا ... يَوْم الْفِرَاق إِلَى أحبابنا صور) (وأنني حوثما يثني الْهوى بَصرِي ... من حوثما سلكوا أدنو فأنظور) على أَن الْوَاو حَاصِلَة من إشباع الضمة وَأَصله أنظر ويروى إِلَى إِخْوَاننَا بدل أحبابنا والصور بصاد مُهْملَة جمع أصور وَهُوَ المائل من الشوق من صور يصور صورا بِالتَّحْرِيكِ مَال وأصاره فانصار أماله فَمَال وَيجوز أَن يكون جمع صُورَة أَي إِذا تلفتنا إِلَى الأحباب عِنْد رحيلهم فكأننا أشكال وأشباح لَيْسَ فِيهَا أَرْوَاح وأنني بِفَتْح الْهمزَة ووحوث ظرف مَكَان لُغَة فِي حَيْثُ بِتَثْلِيث الثَّاء فيهمَا وَهُوَ خبر أَن وَمَا زَائِدَة وثناه أماله والهوى الْعِشْق وَهُوَ فَاعل وبصري مَفْعُوله أَي أَنا فِي الْجِهَة الَّتِي يمِيل الْهوى بَصرِي إِلَيْهَا وَقَوله (من حوثما) روى فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَيْثُمَا مُتَعَلق بأدنو وبأنظر أَي أدنو فَأنْظر إِلَيْهِم من الْجِهَة الَّتِي سلكوا فِيهَا وروى ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة

стр. 120

وَفِي الخصائص وَفِي الْمُبْهِج يسري بدل يثني وَزَاد فِي الْمُحْتَسب فَقَالَ هَكَذَا روى أَبُو عَليّ يسري من سريت وَرَوَاهُ ابْن الْأَعرَابِي يشري بالشين مُعْجمَة اي يعلق ويحرك الْهوى بَصرِي وَمَا أحسن هَذِه الرِّوَايَة وأظرفها انْتهى أما الأول فَهُوَ مضارع سريت الثَّوْب عني سريا لُغَة فِي سروته عني سروا بِمَعْنى أَلقيته وَأما الثَّانِي فَهُوَ مضارع أشريته متعدي شري الْبَرْق شرى من بَاب فَرح إِذا كثر لمعانه وشري زِمَام النَّاقة إِذا كثر اضطرابه وشرى الرجل واستشرى إِذا لج فِي الْأَمر وَقَوله (أدنو فأنظور) روى ابْن جني مَوْضِعه أثني فأنظور أَي أثني عنقِي فَأنْظر نحوهم من ثناه بِمَعْنى لواه قَالَ أَبُو عَليّ وَتَبعهُ ابْن جني لَو سميت رجلا بأنظر لمنعته الصّرْف للتعريف وَوزن الْفِعْل وَلَو سميته بأنظور من قَول الشَّاعِر أدنو فأنظور لصرفته لزوَال لفظ الْفِعْل وَإِن كُنَّا نعلم أَن الْوَاو إِنَّمَا تولدت من إشباع ضمة الظَّاء وَأَن المُرَاد عِنْد الْجَمِيع أنظر وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي عشر (الْكَامِل) (ينباع من ذفرى غضوب جسرة) تَمَامه (زيافة مثل الفنيق المكدم) على أَن الْألف تولدت من إشباع الفتحة وَالْأَصْل يَنْبع كَذَا قَالَ جمَاعَة وَقَالَ أبن الْأَعرَابِي ينباع ينفعل من بَاعَ يبوع إِذا مر مرا لينًا فِيهِ تلو وَأنكر أَن يكون الأَصْل فِيهِ يَنْبع وَقَالَ يَنْبع يخرج كَمَا يَنْبع المَاء من الأَرْض وَلم يرد هَذَا إِنَّمَا أَرَادَ السيلان وتلويه على رقبَتهَا وَفِي الْعباب

стр. 121

وانباع الْعرق سَالَ وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ ويروى يَنْبع وَقيل يَنْبع فتولدت الْألف من إشباع الفتحة ويروى ينهم أَي يذوب يُقَال همه الْمَرَض إِذا أذابه وَأَنَّهُمْ الشَّحْم وَالْبرد ذابا وإنكار ابْن الْأَعرَابِي رِوَايَة يَنْبع مَرْدُود بِرِوَايَة الثِّقَات وَقَوله لَيْسَ المُرَاد يَنْبع إِلَخ مَرْدُود أَيْضا فَإِن الذفري هُوَ الْموضع الَّذِي يعرق من الْإِبِل خلف الْأذن وفاعل ينباع ضمير عَائِد على الرب أَو الكحيل فِي الْبَيْت السَّابِق وَجُمْلَة ينباع خبر كَأَن وَهُوَ (الْكَامِل) (وَكَأن رَبًّا أَو كحيلا معقدا ... حش الْوقُود بِهِ جَوَانِب قمقم) الرب بِضَم الْمُهْملَة مَعْرُوف وَهُوَ شَبيه الدبس والكحيل بِضَم الْكَاف وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة القطران شبه عرق النَّاقة بهما وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي وَقيل الكحيل هناء تهنأ بِهِ الْإِبِل من الجرب شَبيه بالنفط يُقَال لَهُ الخضخاض وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحْوِيّ هُوَ رَدِيء القطران يضْرب إِلَى الْحمرَة ثمَّ يسود إِذا عقد وَفِي الْعباب الكحيل مصغر الَّذِي يطلي بِهِ الْإِبِل للجرب وَهُوَ النفط قَالَه الْأَصْمَعِي قَالَ والقطران إِنَّمَا يطلى بِهِ للدبر والقراد وَشبه ذَلِك وانشد هَذَا الْبَيْت ومعقد اسْم مفعول من أعقد وَهُوَ الَّذِي أوقد تَحْتَهُ النَّار حَتَّى انْعَقَد وَغلظ قَالَ فِي الصِّحَاح وَعقد الرب وَغَيره اي غلظ فَهُوَ عقيد أعقدته تعقيدا قَالَ الْكسَائي يُقَال للقطران والرب وَنَحْوه أعقدته حَتَّى تعقد وَهُوَ وصف الثَّانِي لَا الأول فَإِن الرب يكون معقدا وَحش بِالْحَاء الْمُهْملَة يُقَال حششت النَّار إِذا أوقدتها والوقود بِفَتْح الْوَاو الْحَطب والوقود بِالضَّمِّ الْمصدر وَهُوَ فَاعل حش وجوانب مَفْعُوله وَيجوز أَن يكون حش بِمَعْنى احتش أَي اتقد كَمَا يُقَال هَذَا لَا يخلطه شَيْء بِمَعْنى لَا يخْتَلط بِهِ فَيكون جَوَانِب مَنْصُوبًا على الظّرْف كَذَا فِي شرح أبي جَعْفَر النَّحْوِيّ والقمقم كهدهد الجرة

стр. 122

وآنية مَعْرُوفَة قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن الزوزني فِي شَرحه شبه الْعرق السَّائِل من رَأسهَا وعنقها بِرَبّ أَو قطران جعل فِي قمقم أوقدت عَلَيْهِ النَّار فَهُوَ يترشح بِهِ عِنْد الغليان وعرق الْإِبِل شبهه بهما وَشبه رَأسهَا بالقمقم فِي الصلابة وَتَقْدِير الْبَيْت وَكَأن رَبًّا أَو كحيلا حش الْوقُود بإغلائه فِي جَوَانِب قمقم عرقها الَّذِي ينرشح مِنْهَا ا. هـ. والذفرى بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْفَاء من الْقَفَا الْموضع الَّذِي يعرق من الْإِبِل خلف الْأذن يُقَال هَذِه ذفرى أسيلة لَا تنون لِأَن ألفها للتأنيث وَبَعْضهمْ ينون وَيجْعَل ألفها للإلحاق وَهِي ماخوذة من ذفر الْعرق لِأَنَّهَا أول مَا يعرق من الْإِبِل الذفريان وَأول مَا يَبْدُو فِيهِ السّمن لِسَانه وكرشه وَآخر مَا يبْقى فِيهِ السّمن عينه وسلاماه وَعِظَام أخفافه والغضوب بالغين وَالضَّاد المعجمتين قَالُوا هِيَ النَّاقة العبوس وَالْمرَاد النَّاقة الصعبة الشَّدِيدَة المراس قَالَ الْخَطِيب فِي شَرحه تبعا لأبي جَعْفَر الغضوب والغضبى وَاحِد وغضوب للتكثير كَمَا يُقَال ظلوم وغشوم وروى شَارِح شَوَاهِد التفسيرين من ذفرى أسيل قَالَ والأسيل من كل شَيْء المسترسل الطَّوِيل السهل وَهَذِه الرِّوَايَة غير صَحِيحَة لِأَنَّهُ إِن كَانَ بِإِضَافَة ذفرى إِلَيْهِ فَكَانَ يجب ان يَقُول أسيلة لِأَن كَلَامه فِي النَّاقة بِدَلِيل مَا بعده وَإِن كَانَ الأسيل وَصفا للذفرى وَإِن صَحَّ بِتَقْدِير ألفها للإلحاق لَكِن تبقى الذفرى غير مُقَيّدَة والجسرة بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح الجسر الْعَظِيم من الْإِبِل وَالْأُنْثَى جسرة وَفِي الشُّرُوح الجسرة الْمَاضِيَة فِي سَيرهَا وَمِنْه جسر فلَان على كَذَا وَقيل هِيَ الضخمية

стр. 123

القوية وروى بدله حرَّة وَالْحر الْجيد الأَصْل والخالص من كل شَيْء والزيافة بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَالْفَاء مُبَالغَة زائف وَهُوَ من زاف يزيف زيفا وزيفانا إِذا تبختر فِي مشيته كَذَا فِي الْعباب وَقَالَ الْخَطِيب هِيَ المسرعة والفنيق بِفَتْح الْفَاء وَكسر النُّون الْفَحْل المكدم الَّذِي لَا يُؤْذِي وَلَا يركب لكرامته على أَهله والمكدم بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْكَاف اسْم مفعول قِيَاسه أَن يكون من أكدمه لكِنهمْ لم ينقولا إِلَّا كدمه ثلاثيا من الْبَاب الأول وَالثَّانِي قَالُوا الكدم العض بِأَدْنَى الْفَم كَمَا يكدم الْحمار والمكدم بِالتَّشْدِيدِ المعضض وروى مَوْضِعه المقرم على وَزنه وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل وَإِنَّمَا هُوَ للفحلى بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة قَالَ الزوزني يَقُول يَنْبع هَذَا الْعرق من خلف أذن نَاقَة غضوب مؤثقة الْخلق شَدِيدَة التَّبَخْتُر فِي سَيرهَا مثل فَحل من الْإِبِل قد كدمته الفحول شبهها بالفحل فِي تبخترها ووثاقة خلقهَا وضخمها وَهَذَانِ البيتان من معلقَة عنترة وَهِي من أَجود شعره وَكَانَت الْعَرَب تسميها المذهبة بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول من الإذهاب أَو التذهيب وهما بِمَعْنى التمويه والتطلية بِالذَّهَب وَمعنى الْمُعَلقَة أَن الْعَرَب كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة يَقُول الرجل مِنْهُم الشّعْر

стр. 124

فِي أقْصَى الأَرْض فَلَا يعبأ بِهِ وَلَا ينشده أحد حَتَّى يأتى مَكَّة فِي موسم الْحَج فيعرضه على أندية قُرَيْش فَإِن استحسنوه رُوِيَ وَكَانَ فخرا لقائله وعلق على ركن من أَرْكَان الْكَعْبَة حَتَّى ينظر إِلَيْهِ وَإِن لم يستحسنوه طرح وَلم يعبأ بِهِ وَأول من علق شعره فِي الْكَعْبَة أمرؤ الْقَيْس وَبعده علقت الشُّعَرَاء وَعدد من علق شعره سَبْعَة ثانيهم طرفَة بن العَبْد ثالثهم زُهَيْر بن أبي سلمى رابعهم لبيد بن ربيعَة خامسهم عنترة سادسهم الْحَارِث بن حلزة سابعهم عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق وَقَالَ مُحَمَّد بن أبي الْخطاب فِي كِتَابه الموسوم بجمهرة أشعار الْعَرَب إِن أَبَا عُبَيْدَة قَالَ أَصْحَاب السَّبع الَّتِي تسمى السموط امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة والأعشى ولبيد وَعَمْرو وطرفه قَالَ وَقَالَ الْمفضل من زعم أَن فِي السَّبع الَّتِي تسمى السموط لأحد غير هَؤُلَاءِ فقد أبطل فاسقطا من أَصْحَاب المعلقات عنترة والْحَارث بن حلزة وأثبتا الْأَعْشَى والنابغة وَكَانَت المعلقات تسمى المذهبات وَذَلِكَ أَنَّهَا اختيرت من سَائِر الشّعْر فَكتبت فِي الْقبَاطِي بِمَاء الذَّهَب وعلقت على الْكَعْبَة فَلذَلِك يُقَال مذهبَة فلَان إِذا كَانَت أَجود شعره ذكر ذَلِك غير وَاحِد من الْعلمَاء وَقيل بل كَانَ الْملك إِذا استجيدت قصيدة يَقُول عَلقُوا لنا هَذِه لتَكون

стр. 125

فِي خزانته وَنَذْكُر إِن شَاءَ الله خبر كل وَاحِد من أَصْحَاب القصائد وأنسابهم وَالسَّبَب الَّذِي دعاهم إِلَى قَول تِلْكَ القصائد عِنْدَمَا يَأْتِي شعر كل مِنْهُم وَقد طرح عبد الْملك بن مَرْوَان شعر أَرْبَعَة مِنْهُم وَأثبت مكانهم أَرْبَعَة وَرُوِيَ أَن بعض أُمَرَاء بني أُميَّة أَمر من أخْتَار لَهُ سَبْعَة أشعار فسماها المعلقات وَالسَّبَب الَّذِي حمل عنترة على نظم هَذِه القصيدة أَنه كَانَ لَا يَقُول من الشّعْر إِلَّا الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَة حَتَّى سابه رجل من قومه فعابه بسواده وَسَوَاد أمه وَأَنه لَا يَقُول الشّعْر فَأَجَابَهُ عنترة أبلغ جَوَاب نَقله ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَقَالَ أما الشّعْر فستعلم فَقَالَ هَذِه القصيدة ويستحسن مِنْهَا قَوْله فِي وصف روضه (الْكَامِل) (وخلا الذُّبَاب بهَا فَلَيْسَ ببارح ... غردا كَفعل الشَّارِب المترنم) (هزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزِّنَاد الأجذم) البراح الزَّوَال والغرد وصف من غرد من بَاب فَرح إِذا تغنى يَقُول خلا الذُّبَاب بِهَذِهِ الرَّوْضَة فَلَا زَالَ يرجع صَوته بِالْغنَاءِ كشارب الْخمر والهزج تراكب الصَّوْت وَمعنى يحك ذراعه بذراعه يمر إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى والأجذم بالمعجمتين صفة المكب وَهُوَ الْمَقْطُوع الْيَد شبه الذُّبَاب إِذا سنّ إِحْدَى ذِرَاعَيْهِ بِالْأُخْرَى بأجذم يقْدَح نَارا بذراعيه وَهَذَا من عَجِيب التَّشْبِيه يُقَال إِنَّه لم يقل أحد فِي مَعْنَاهُ مثله وَقد عده

стр. 126

أَرْبَاب الْأَدَب من التشبيهات العقم وَهِي الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا وَلَا يقدر أحد عَلَيْهَا مُشْتَقّ من الرّيح الْعَقِيم وَهِي الَّتِي لَا تلقح شَجَرَة وَلَا تنْتج ثَمَرَة وَقد شبه بَعضهم من يفرك يَدَيْهِ ندامة بِفعل الذُّبَاب وزاده اللَّطْم فَقَالَ (الْكَامِل) (فعل الأديب إِذا خلا بهمومه ... فعل الذُّبَاب يرن عِنْد فَرَاغه) (فتراه يفرك راحتيه ندامة ... مِنْهُ ويتبعها بلطم دماغه) \ وعنترة هُوَ عنترة الْعَبْسِي بن شَدَّاد بن عَمْرو بن قراد قَالَ الْكَلْبِيّ شَدَّاد جده غلب على اسْم أَبِيه وَإِنَّمَا هُوَ عنترة بن عَمْرو بن شَدَّاد وَقَالَ غَيره شَدَّاد عَمه تكفله بعد موت أَبِيه فنسب إِلَيْهِ وَيُقَال إِن أَبَاهُ ادَّعَاهُ بعد الْكبر وَذَلِكَ أَنه كَانَ لأمة سَوْدَاء يُقَال لَهَا زبيبة وَكَانَت الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا كَانَ لأَحَدهم ولد من أمة استعبده وَكَانَ لعنترة إخْوَة من أمه عبيد وَكَانَ سَبَب ادِّعَاء أبي عنترة إِيَّاه أَن بعض أَحيَاء الْعَرَب أَغَارُوا على قوم من بني عبس فَأَصَابُوا مِنْهُم فَتَبِعهُمْ العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم وَفِيهِمْ عنترة فَقَالَ لَهُ أَبوهُ كرّ يَا عنترة فَقَالَ العَبْد لَا يحسن الْكر إِنَّمَا يحسن الحلاب والصر قَالَ كرّ وانت حر فَقَاتلهُمْ واستنقذ مَا فِي أَيدي الْقَوْم من الْغَنِيمَة فَادَّعَاهُ أَبوهُ بعد ذَلِك وَهُوَ أحد أغربة الْعَرَب وهم ثَلَاثَة وَالثَّانِي خفاف كغراب وَاسم أمه ندبة كتمرة وَالثَّالِث السليك بِالتَّصْغِيرِ وأسم أمه السلكة بِضَم فَفتح وَأُمَّهَات الثَّلَاثَة سود وَكَانَ عنترة أَشْجَع أهل زَمَانه وأجودهم بِمَا ملكت يَده وَكَانَ شهد حَرْب داحس والغبراء وحمدت مشاهده فِيهَا وَقتل فِيهَا ضمضما المري

стр. 127

أَبَا الْحصين بن ضَمْضَم وَأَبا أَخِيه هرم وَلذَلِك قَالَ فِي هَذِه القصيدة (وَلَقَد خشيت بِأَن أَمُوت وَلم تدر ... للحرب دَائِرَة على ابْني ضَمْضَم) (الشاتمي عرضي وَلم أشتمهما ... والناذرين إِذا لم القهما دمي) (إِن يفعلا فَلَقَد تركت أباهما ... جزر السبَاع وكل نسر قشعم) وَهَذَا آخر الْمُعَلقَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن عنترة بعد مَا أوت عبس إِلَى غطفان بعد يَوْم جبلة وَحمل الدِّمَاء احْتَاجَ وَكَانَ صَاحب غارات فَكبر وَعجز عَنْهَا وَكَانَ لَهُ يَد على رجل من غطفان فَخرج يتجازاه فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وَنقل عَن أبي عُبَيْدَة أَيْضا أَن طيئا تَدعِي قتل عنترة ويزعمون أَن الَّذِي قَتله الْأسد الرهيص وَهُوَ الْقَائِل (الوافر) (أَنا الْأسد الرهيص قتلت عمرا ... وعنترة الفوارس قد قتلت) وَالله أعلم والعنتر فِي اللُّغَة الذُّبَاب الْأَزْرَق الْوَاحِد عنترة قَالَ سِيبَوَيْهٍ نونه لَيست بزائدة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث عشر (الرجز) (فِي كلت رِجْلَيْهَا سلامى زائده ... كلتاهما قد قرنت بواحده) على أَن كلت أَصْلهَا كلتا حذفت الفها ضَرُورَة وفتحة التَّاء دَلِيل عَلَيْهَا رَأَيْت فِي حَاشِيَة الصِّحَاح أَن هَذَا الْبَيْت من رجز يصف بِهِ نعَامَة

стр. 128

فضمير رِجْلَيْهَا عَائِد على النعامة والسلامى على وزن حبارى عظم فِي فرسن الْبَعِير وَعِظَام صغَار طول إِصْبَع أَو أقل فِي الْيَد وَالرجل وَالْجمع سلاميات والفرسن بِكَسْر أَوله وثالثه هُوَ للبعير بِمَنْزِلَة الْحَافِر للْفرس وَالضَّمِير فِي كلتاهما للرجلين وَقَوله فِي كلت خبر مقدم والكسرة مقدرَة على الْألف المحذوفة وسلامى مُبْتَدأ مُؤخر وزائدة وَصفه وكلتاهما مُبْتَدأ وَمَا بعده الْخَبَر وَهَذَا المصراع تَأْكِيد للْأولِ وَفِيه قلب يَجْعَل الْمَجْرُور وَالْمَرْفُوع فِي الأول مَرْفُوعا ومجرورا فِي الثَّانِي أَي قرنت بِوَاحِدَة من السلاميات وَأوردهُ الشَّارِح مرّة ثَانِيَة هُنَا على أَن الْكُوفِيّين زَعَمُوا أَن كلت مُفْرد كلتا لَكِن هَذَا الْمُفْرد لم يسْتَعْمل وَيجوز اسْتِعْمَاله للضَّرُورَة كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت أَقُول الْكُوفِيُّونَ ذَهَبُوا إِلَى أَن كلا وكلتا فيهمَا تَثْنِيَة لفظية ومعنوية وأصلهما كل فَكسرت الْكَاف وخففت اللَّام وزيدت الْألف للتثنية وَالتَّاء للتأنيث وَقد بَين الشَّارِح مَذْهَبهم وَاسْتَدَلُّوا على أَنَّهُمَا مثنيان لفظا وَمعنى وَأَن ألفهما للتثنية بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاس أما السماع فنحو هَذَا الْبَيْت فأفرد كلت وَهِي بِمَعْنى إِحْدَى فَدلَّ عَن أَن كلتا تَثْنِيَة وَأما الْقيَاس فَقَالُوا الدَّلِيل على أَن ألفهما للتثنية أَنَّهَا تنْقَلب إِلَى الْيَاء فِي النصب والجر إِذا أضيفا إِلَى الْمُضمر وَلَو كَانَت ألف قصر لم تنْقَلب وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهُمَا ليستا بمأخوذتين من كل لِأَن كلا للإحاطة وهما لِمَعْنى مَخْصُوص لَيْسَ أحد القبيلين مأخوذا من الآخر بل مادتهما الْكَاف وَاللَّام وَالْوَاو وهما مفردان لفظا مثنيان معنى وَالْألف فِي كلا كألف عَصا وَفِي كلتا للتأنيث وَيدل لما قَالُوا عود الضَّمِير إِلَيْهِمَا تَارَة مُفردا حملا على اللَّفْظ وَتارَة مثنى حملا على الْمَعْنى وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله

стр. 129

(الْبَسِيط) (كِلَاهُمَا حِين جد الجري بَينهمَا ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي وَلَو كَانَا مثنيين حَقِيقَة للزمهم أَمْرَانِ) الأول كَانَ يجب عود الضَّمِير إِلَيْهِمَا مثنى مَعَ أَن الْحمل على اللَّفْظ فيهمَا أَكثر من الْحمل على الْمَعْنى ونظيرهما كل فَإِنَّهُ يجوز عود الضَّمِير إِلَيْهَا مُفردا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَفظهَا نَحْو كل الْقَوْم ضَربته وَعوده جمعا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْنَاهَا نَحْو كل الْقَوْم ضربتهم لَكِن الْحمل على الْمَعْنى فِيهِ أَكثر من الْحمل على اللَّفْظ عكس كلا وكلتا الثَّانِي كَانَ يمْتَنع نَحْو كلا أخويك لِأَنَّهُ يلْزم إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه وَيدل على أَن ألفهما ألف مَقْصُورَة إمالتها كَمَا قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَخلف بإمالة قَوْله تَعَالَى ﴿إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا﴾ فَلَو كَانَت للتثنية لما جَازَ إمالتها وَأَجَابُوا عَن الدَّلِيل الأول بِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي الْبَيْت فَإِن أَصله كلتا، حذفت الْألف ضَرُورَة وَاكْتفى عَنْهَا بفتحة التَّاء، كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (الرجز) (وصاني العجاج فِيمَا وصني) أَرَادَ وصاني. وَقَالَ الآخر: (الوافر) (فلست بمدرك مَا فَاتَ مني ... بلهف وَلَا بليت وَلَا لَو أَنِّي) أَرَادَ بلهفى، فحذفت الْألف مِنْهُمَا ضَرُورَة، مثله كثير. أَقُول: استدلالهم بِهَذَا الْبَيْت على الْإِفْرَاد يردهُ مَعْنَاهُ، فَإِن الْمَعْنى على التَّثْنِيَة، بِدَلِيل تأكيده بالمصراع الثَّانِي، فَتَأمل.

стр. 130

وَأَجَابُوا عَن الدَّلِيل الثَّانِي بِأَنَّهَا إِنَّمَا قلبت فِي حَال الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر لوَجْهَيْنِ: " أَحدهمَا ": أَنه لما كَانَ فيهمَا إِفْرَاد لَفْظِي وتثنية معنوية، وَكَانَا تَارَة يضافان إِلَى الْمظهر وَتارَة إِلَى الْمُضمر، جعلُوا لَهما حظاً من حَالَة الْإِفْرَاد وحظاً من حَالَة التَّثْنِيَة. وَإِنَّمَا جعلوهما مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْمظهر بِمَنْزِلَة الْمُفْرد لِأَن الْمُفْرد هُوَ الأَصْل؛ وجعلوهما مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْمُضمر بِمَنْزِلَة التَّثْنِيَة لِأَن الْمُضمر فرع والتثنية فرع، فَكَانَ الْفَرْع أولى بالفرع. و" الثَّانِي ": أَنه لم تقلب ألفهما مَعَ الْمظهر لِأَنَّهُمَا لزمتا الْإِضَافَة وجر الِاسْم بعدهمَا، فأشبهتا لَدَى، وَإِلَى، وعَلى. وكما أَن هَذِه الثَّلَاثَة لَا تقلب ألفها مَعَ الْمظهر وتقلب مَعَ الْمُضمر، وَكَانَ " كلا " و" كلتا " كَذَلِك. وَيدل على صِحَة ذَلِك أَن الْقلب فيهمَا يخْتَص بِحَالَة النصب والجر دون الرّفْع، لِأَن لديك إِنَّمَا تسْتَعْمل فِي حَالَة النصب والجر، دون الرّفْع، فَلهَذَا الْمَعْنى كَانَ الْقلب مُخْتَصًّا بهما دون حَالَة الرّفْع. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف وَهَذَا الْوَجْه أوجه الْوَجْهَيْنِ وَبِه علل أَكثر الْمُتَقَدِّمين قَالَ وَالدَّلِيل على أَن الْألف فيهمَا لَيست للتثنية أَنَّهَا لَو كَانَت للتثنية لانقلبت فِي حَالَة النصب والجر إِذا أضيفتا إِلَى الْمظهر لِأَن الأَصْل هُوَ الْمظهر والمضمر فَرعه فَلَمَّا لم تنْقَلب دلّ على أَنَّهَا ألف مَقْصُورَة لَا أَنَّهَا للتثنية وَالله أعلم هَذَا وَقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته هَذَا الْبَيْت من اضطرار الشُّعَرَاء وكلت لَيْسَ بِوَاحِد كلتا بل هُوَ جَاءَ بِمَعْنى كلا غير أَنه أسقط الْألف اعْتِمَادًا

стр. 131

على الفتحة الَّتِي قبلهَا وَعَملا على أَنَّهَا تَكْفِي من الْألف الممالة إِلَى الْيَاء وَمَا من الْكُوفِيّين أحد يَقُول كلت وَاحِدَة كلتا وَلَا يَدعِي أَن لِكِلَا وكلتا وَاحِدًا مُنْفَردا فِي النُّطْق مُسْتَعْملا فَإِن ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مُدع فَهُوَ تشنيع وتفحيش من الْخُصُوم على قَول خصومهم انْتهى وَيُؤَيِّدهُ مَا رَأَيْته فِي مَعَاني الْقُرْآن للفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿كلتا الجنتين آتت أكلهَا﴾ وَهَذِه عِبَارَته وَقد تفرد الْعَرَب إِحْدَى كلتي بالإمالة وهم يذهبون بإفرادها إِلَى تثنيتها وأنشدني بَعضهم (فِي كلت رِجْلَيْهَا سلامى واحده ... كلتاهما قد قرنت بزائده) يَعْنِي الظليم يُرِيد بكلت كلتي وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع عشر (الرمل) (كلت كفيه توالي دَائِما ... بجيوش من عِقَاب وَنعم) على أَن كلت مُفْرد كلتا عِنْد الْكُوفِيّين وَالْكَلَام عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ على الْبَيْت الَّذِي قبله ووالى بَين الْأَمريْنِ مُوالَاة وَوَلَاء تَابع والجيش الْجند وَقيل الْجند السائر لِحَرْب أَو غَيرهَا وَالْعِقَاب النكال وَالنعَم جمع نعْمَة وَهُوَ المَال هُنَا وَالظَّاهِر أَن مُرَاد الشَّاعِر أَن إِحْدَى يَدَيْهِ تفِيد النعم لأوليائه وَالْأُخْرَى توقع النقم بأعدائه كَمَا قَالَ آخر (المتقارب) (يداك يَد خَيرهَا يرتجى ... وَأُخْرَى لأعدائها غائظه)

стр. 132

وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى قَول الْكُوفِيّين إِن كلت هُنَا بِمَعْنى إِحْدَى فَوَجَبَ أَن يكون أَصله كلتا حذفت الْألف ضَرُورَة كَمَا تقدم بَيَانه فِي الْبَيْت السَّابِق وَفِيه أَيْضا مَا نَقَلْنَاهُ وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس عشر (الطَّوِيل) (كِلَانَا إِذا مَا نَالَ شَيْئا أفاته) تَمَامه (وَمن يحترث حرثي وحرثك يهزل) على أَن كلا وكلتا لَو كَانَتَا مثنيين حَقِيقَة لم يجز عود ضمير الْمُفْرد إِلَيْهِمَا كَمَا عَاد ضمير نَالَ الْمُفْرد إِلَى كلا فِي هَذَا الْبَيْت فَلَمَّا عَاد إِلَيْهَا ضمير الْمُفْرد علم أَنَّهَا مُفْردَة لفظا مثناة معنى فَعَاد إِلَيْهَا بِاعْتِبَار اللَّفْظ وَهُوَ الْكثير وَيجوز أَن يثنى الضَّمِير الْعَائِد إِلَيْهَا بِاعْتِبَار الْمَعْنى وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات أَرْبَعَة رَوَاهَا الروَاة لتأبط شرا مِنْهُم الْأَصْمَعِي وَأَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَخَالفهُم أَبُو سعيد السكرِي وَزعم أَنَّهَا لامرئ الْقَيْس وَرَوَاهَا فِي معلقته الْمَشْهُورَة بعد قَوْله كَأَن الثريا علقت فِي مصامها ... بأمراس كتَّان إِلَى صم جندل) والأبيات هَذِه (الطَّوِيل) (وقربة أَقوام جعلت عصامها ... على كَاهِل مني ذَلُول مرحل) ...

стр. 133

(وواد كجوف العير قفر قطعته ... بِهِ الذِّئْب يعوي كالخليع المعيل) (فَقلت لَهُ لما عوى إِن شَأْننَا ... قَلِيل الْغنى إِن كنت لما تمول) (كِلَانَا إِذا مَا نَالَ شَيْئا أفاته ... وَمن يحترث حرثي وحرثك يهزل) وَهَذَا الشّعْر أشبه بِكَلَام اللص والصعلوك لَا بِكَلَام الْمُلُوك الْوَاو وَاو رب والعصام الْحَبل الَّذِي تحمل بِهِ الْقرْبَة ويضعه الرجل على عَاتِقه وعَلى صَدره والكاهل موصل الْعُنُق وَالظّهْر والذلول فعول من ذلت الدَّابَّة ذلا بِالْكَسْرِ سهلت وانقادت فَهِيَ ذَلُول والمرحل اسْم مفعول من رحلته ترحيلا إِذا أظعنته من مَكَانَهُ وأرسلته يصف نَفسه بِأَنَّهُ يخْدم أَصْحَابه قَوْله وواد كجوف العير إِلَخ الْوَاو حرف عطف عطفت على مجرور وَاو رب وجوف العير فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه مثل مَا لَا ينْتَفع مِنْهُ بِشَيْء قَالَ أَبُو نصر وَالْعير عِنْد الْأَصْمَعِي الْحمار يذهب بِهِ إِلَى أَنه لَيْسَ فِي جَوف الْحمار شَيْء يُؤْكَل وَينْتَفع بِهِ إِذا صيد فجوف الْحمار عِنْدهم بِمَنْزِلَة الْوَادي القفر وَفِي كتاب العشرات للتميمي فِي الْمثل تَركه جَوف حمَار أَي لَيْسَ فِيهِ مَا ينْتَفع بِهِ الثَّانِي أَن العير رجل من العمالقة وَقيل من عَاد كَانَ لَهُ بنُون وواد خصيب وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة فَخرج بنوه يتصيدون فَأَصَابَتْهُمْ صَاعِقَة فَأَحْرَقَتْهُمْ فَكفر بِاللَّه وَقَالَ لَا أعبد رَبًّا أحرق بني وَأخذ فِي عبَادَة الْأَصْنَام ودعا قومه إِلَيْهَا فَمن أَبى قَتله فَسلط الله على واديه نَارا فَأَهْلَكَهُ وأخرب واديه والوادي بلغَة الْيمن الْجوف

стр. 134

قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله قَالَ أَبُو نصر قَالَ الْأَصْمَعِي حَدثنِي ابْن الْكَلْبِيّ عَن فَرْوَة بن سعيد عَن عفيف الْكِنْدِيّ أَن هَذَا الَّذِي ذكرته الْعَرَب كَانَ رجلا من بقايا عَاد يُقَال لَهُ حمَار بن مويلع فعدلت الْعَرَب عَن ذكر الْحمار إِلَى ذكر العير لِأَنَّهُ فِي الشّعْر أخف وأسهل مخرجا ا. هـ. وَقد ضربت الْعَرَب الْمثل بِهِ فِي الخراب والخلاء فَقَالُوا أخرب من جَوف حمَار وأخلى من جَوف حمَار قَالَ الشَّاعِر (الرمل) (وبشؤم الْبَغي والغشم قَدِيما ... مَا خلا جَوف وَلم يبْق حمَار) وَقَالُوا أَيْضا أكفر من حمَار وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ بجوف العير وسط السَّيْف وَالْعير وسط السَّيْف والخليع قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي هُوَ الَّذِي قد خلعه أَهله لجناياته والمعيل الَّذِي ترك يذهب وَيَجِيء حَيْثُ شَاءَ وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي الخليع المقامر وَيُقَال هُوَ الَّذِي خلع عذاره فَلَا يُبَالِي مَا ارْتكب والمعيل الْكثير الْعِيَال وَأَرَادَ يعوي عواء مثل عواء الخليع وَقَوله إِن كنت لما تمول لما نَافِيَة وتمول مضارع مَحْذُوف مِنْهُ التَّاء الْمَاضِي تمول إِذا صَار ذَا مَال وَمثله مَال الرجل يمول ويمال مولا ومؤولا يَقُول إِن كنت لم تصب من الْغنى مَا يَكْفِيك فَإِن شَأْننَا قَلِيل الْغنى أَي أَنا لَا أغْنى عَنْك وَأَنت لَا تغني عني شَيْئا أَي أَنا أطلب وَأَنت تطلب فكلانا لَا غنى لَهُ وَمن رَوَاهُ طَوِيل الْغنى أَرَادَ همتي تطول فِي طلب الْغنى وروى ابْن قُتَيْبَة وَقلت لَهُ لما عوى إِن ثَابتا قَلِيل الخ

стр. 135

وَقَوله كِلَانَا إِذا مَا نَالَ إِلَخ نَالَ ينَال نيلا أَصَابَهُ وأفاته فَوته وَلم يدخره وَرَوَاهُ ابْن قُتَيْبَة (كِلَانَا مضيع لَا خزانَة عِنْده) والمضيع من أضاع المَال بِمَعْنى أهلكه وروى الدينَوَرِي (كِلَانَا مقل لَا خزانَة عِنْده) وَقَالَ يُقَال للْعَمَل فِي الْحَرْث لزرع كَانَ أَو لغرس الحراثة والفلاحة والإكارة ثمَّ قيل للْعَمَل فِي كل شَيْء حرث فَقيل فلَان يحرث لآخرته يَقُول من يكْسب كسبي وكسبك لَا يَسْتَغْنِي لِأَنَّهُ يعِيش من الخلس وَلَا يقتني وَقَالَ الْخَطِيب التبريزي أَي من طلب مني ومنك شَيْئا لم يدْرك مُرَاده وَقَالَ قوم مَعْنَاهُ من كَانَت صناعته وطلبته مثل طلبتي وطلبتك فِي هَذَا الْموضع مَاتَ هزالًا لِأَنَّهُمَا كَانَا بواد لَا نَبَات فِيهِ وَلَا صيد وتأبط شرا اسْمه ثَابت وكنيته أَبُو زُهَيْر بن جَابر بن سُفْيَان بن عميثل ابْن عدي بن كَعْب بن حَرْب بن تيم بن سعد بن فهم بن عَمْرو بن قيس عيلان وَأمه أُمَيْمَة من قين بطن من فهم وَفِي تلقيبه بتأبط شرا أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا وَهُوَ الْمَشْهُور أَنه تأبط سَيْفا وَخرج فَقيل لأمه أَيْن هُوَ فَقَالَت لَا أَدْرِي تأبط شرا وَخرج

стр. 136

الثَّانِي أَن أمه قَالَت لَهُ فِي زمن الكمأة أَلا ترى غلْمَان الْحَيّ يجتنون لأهلهم الكمأة فيروحون بهَا فَقَالَ لَهَا أعطيني جرابك حَتَّى أجتني لَك فِيهِ فَأَعْطَتْهُ فملأه لَهَا أفاعي من أكبر مَا قدر عَلَيْهِ وأتى بِهِ متأبطا لَهُ فَأَلْقَاهُ بَين يَديهَا ففتحته فسعين بَين يَديهَا فِي بَيتهَا فَوَثَبت وَخرجت مِنْهُ فَقَالَ لَهَا نسَاء الْحَيّ مَاذَا كَانَ الَّذِي تأبطه الْيَوْم قَالَت تأبط شرا الثَّالِث أَنه رأى كَبْشًا فِي الصَّحرَاء فاحتمله تَحت إبطه فَجعل يَبُول طول الطَّرِيق عَلَيْهِ فَلَمَّا قرب من الْحَيّ ثقل عَلَيْهِ حَتَّى لم يقلهُ فَرمى بِهِ فَإِذا هُوَ الغول فَقَالَ لَهُ قومه بِمَ تأبطت يَا ثَابت فَأخْبرهُم فَقَالُوا لقد تأبط شرا الرَّابِع أَنه أَتَى بالغول فَأَلْقَاهُ بَين يَديهَا فَسُئِلت أمه عَمَّا كَانَ متأبطا فَقَالَت ذَلِك فَلَزِمَهُ وَكَانَ أحد لصوص الْعَرَب يَغْزُو على رجلَيْهِ وَحده وَكَانَ إِذا جَاع نظر إِلَى الظباء فيتنقى على نظره أسمنها ثمَّ يجْرِي خَلفه فَلَا يفوتهُ حَتَّى يَأْخُذهُ وترجمته مَذْكُورَة فِي الأغاني بحكايات كَثِيرَة يتعجب مِنْهَا الْعقل لغرابتها وَقيس عيلان تركيب إضافي لِأَن عيلان اسْم فرس قيس لَا أَبِيه كَمَا ظَنّه بعض النَّاس كَذَا فِي الْقَامُوس وَغَيره وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَلَيْسَ عيلان فِي لُغَة الْعَرَب غَيره وَمَا عداهُ غيلَان بِالْمُعْجَمَةِ وَقيس أَبُو قَبيلَة من مُضر واسْمه النَّاس ابْن مُضر بن نزار وَقيس لقبه يُقَال تقيس فلَان إِذا تشبه بهم أَو تمسك مِنْهُم بِسَبَب إِمَّا بِحلف أَو جوَار أَو وَلَاء قَالَ رؤبة (الرجز) (وَقيس عيلان وَمن تقيسا) ثمَّ رَأَيْت فِي شرح أدب الْكَاتِب للجواليقي قَالَ عِنْد بَيت رؤبة هَذَا قيس عيلان بن مُضر وَيُقَال قيس بن عيلان واسْمه النَّاس بالنُّون وَأَخُوهُ

стр. 137

إلْيَاس بِالْيَاءِ وَفِيه الْعدَد وَكَانَ النَّاس متلافا وَكَانَ إِذا نفذ مَا عِنْده أَتَى أَخَاهُ إلْيَاس فيناصفه مَاله أَحْيَانًا ويواسيه أَحْيَانًا فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ وَأَتَاهُ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ قَالَ لَهُ إلْيَاس غلبت عَلَيْك الْعيلَة فَأَنت عيلان فَسُمي لذَلِك عيلان وَجَهل النَّاس وَمن قَالَ قيس ابْن عيلان فَإِن عيلان كَانَ عبدا لمضر حضن ابْنه النَّاس فغلب على نِسْبَة ا. هـ. وَمثله فِي الْأَنْسَاب للكلبي قَالَ كَانَ عيلان عبدا لمضر فحضن ابْنه النَّاس وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس عشر وَهُوَ من شَوَاهِد س (الوافر) (فَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا) على أَن الذوين دَاخل فِي حد الْجمع الْمَذْكُور على أَي وَجه كَانَ لِأَن واحده ذُو وأنشده أَيْضا فِي آخر بَاب الْإِضَافَة على أَن قطع ذُو وَإِدْخَال اللَّام عَلَيْهِ شَاذ وَذَلِكَ لإجرائه مجْرى صَاحب وأنشده أَيْضا فِي بَاب الْجمع الْمُذكر السَّالِم على أَنه لَو اعْتبر اللَّام أَي لَام الْفِعْل لقَالَ الذوين كالأعلين فَإِن ذُو مَفْتُوح الْعين عِنْد س قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح الشعري كسر الْعين من الذوين

стр. 138

وَكَانَ حَقّهَا أَن تفتح لِأَن ذوين جمع ذوى وَقد ثَبت ب ذواتا أفنان أَن الْعين مَفْتُوحَة ا. هـ. قَالَ فِي الصِّحَاح وَلَو سميت رجلا ذُو لَقلت هَذَا ذوى قد أقبل فَترد مَا ذهب مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يكون اسْم على حرفين أَحدهمَا حرف لين لِأَن التَّنْوِين يذهبه فَيبقى على حرف وَاحِد وأنشده س أَيْضا فِي بَاب تَغْيِير الْأَسْمَاء المبهمة إِذا صَارَت أعلاما خَاصَّة فَإِنَّهُ جمع ذُو جمعا سالما وأفرده من الْإِضَافَة وَأدْخل عَلَيْهِ اللَّام وَجعله أسما على حياله قَالَ فِي الصِّحَاح وَلَو جمعت ذُو مَال لَقلت هَؤُلَاءِ ذوون لِأَن الْإِضَافَة قد زَالَت وَأنْشد بَيت الْكُمَيْت وَقَالَ أَرَادَ أذواء الْيمن وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح النَّحْوِيّ للفارسي إِنَّمَا جَازَ هَذَا لِأَنَّهُ أَرَادَ مُلُوك الْيمن فقد أخرجه إِلَى بَاب الْمُفْرد وَلذَلِك قَالُوا الأذواء فِي هَؤُلَاءِ لَكِن قَالَ أَبُو بكر الزبيدِيّ فِي كتاب لحن الْعَامَّة لَا يجوز أَن تدخل اللَّام على ذُو وَلَا على ذَات فِي حَال إِفْرَاد وَلَا تَثْنِيَة وَلَا جمع وَلَا تُضَاف إِلَى الْمُضْمرَات وَإِنَّمَا تقع مُضَافَة إِلَى الظَّاهِر وَقد غلط فِي ذَلِك اهل الْكَلَام وَأكْثر النَّحْوِيين من الشُّعَرَاء وَالْكتاب وَالْفُقَهَاء فَأَما قَوْلهم فِي ذِي رعين وَذي أصبح وَذي كلاع الأذواء وَقَوله ...

стр. 139

(وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا) فَلَيْسَ من كَلَامهم الْمَعْرُوف أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول هَؤُلَاءِ أذواء الدَّار وَلَا مَرَرْت بأذواء المَال وَإِنَّمَا أحدث ذَلِك بعض أهل النّظر كَأَنَّهُ ذهب إِلَى جمعه على الأَصْل لِأَن أصل ذُو ذوى فَجَمعه على أذواء مثل قفا وأقفاء وَكَذَلِكَ الذوون كَأَنَّهُ جمعه مُفردا وَأخرجه مخرج الأذواء فِي الِانْفِرَاد وَذَلِكَ غير مقول لِأَن ذُو لَا تكون إِلَّا مُضَافَة وكما لَا يجوز أَن تَقول هَذَا الذو والذوان فتفرد فَكَذَلِك لَا تَقول الأذواء وَلَا الذوون لِأَن ذُو لَا تكون إِلَّا مُضَافَة وَكَذَلِكَ جمعهَا ا. هـ. وَالصَّحِيح عِنْد س وَمن تبعه جَوَاز جمع ذُو فِي نَحْو ذِي رعين مِمَّا هُوَ جُزْء علم على الأذواء والذوين كَمَا فِي شعر الْكُمَيْت وَهُوَ عَرَبِيّ فصيح وَمُرَاد الزبيدِيّ بتغليط من ذكر أَنهم يَقُولُونَ الذَّات وذاته فَيدْخلُونَ اللَّام عَلَيْهِ ويضيفونه إِلَى الضَّمِير وَهُوَ مؤنث ذُو وَهَذَا جَائِز أَيْضا وَإِن توقف فِيهِ أَكثر النَّاس فَإِن الذَّات قد أجري مجْرى الْأَسْمَاء الجامدة فَإِن المُرَاد بِهِ حَقِيقَة الشَّيْء وَنَفسه من غير مُلَاحظَة مَوْصُوف يجْرِي عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي تَذكرته سُئِلَ الزَّمَخْشَرِيّ عَن إِطْلَاق الذَّات على الله فَأجَاب بِأَنَّهَا تَأْنِيث ذُو بِمَعْنى صَاحب وَهِي مَوْضُوعَة ليوصف بهَا مَا تلبس بِمَا يلْزمهَا الْإِضَافَة إِلَيْهِ من الْأَجْنَاس فِي نَحْو قَوْلهم رجل ذُو مَال وَامْرَأَة ذَات جمال ثمَّ قطعت عَن مقتضاها وأجريت مجْرى الْأَسْمَاء الجوامد فَلَا تلْزم الْإِضَافَة وَلَا الإجراء على مَوْصُوف وعني بهَا نفس الْبَارِي وَحَقِيقَته وَأَصلهَا فِي التَّقْدِير نفس ذَات علم وَغَيره من الصِّفَات ثمَّ اسْتغنى بِالصّفةِ عَن الْمَوْصُوف وَمثله كثير وَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لإِرَادَة التَّعْمِيم كَمَا تحذف المفاعيل فَإِن قلت كَيفَ جَازَ إِطْلَاقه على الله مَعَ مَا فِيهِ من التَّأْنِيث

стр. 140

وهم يمْنَعُونَ إِطْلَاق الْعَلامَة عَلَيْهِ مَعَ أَن تاءه للْمُبَالَغَة لما فِيهِ من الْإِيهَام قلت سَاغَ من حَيْثُ سَاغَ النَّفس والحقيقة وَوَجهه أَن امْتنَاع عَلامَة لِأَنَّهُ صفة حذي بهَا حَذْو الْفِعْل فِي التفصلة بَين الْمُذكر والمؤنث بِخِلَاف الْأَسْمَاء الَّتِي لَا تجْرِي على مجْرى الْأَفْعَال فِي الْفرق فَلَمَّا انسلكت الذَّات فِي مَسْلَك الْأَسْمَاء جرت مجْرى النَّفس والحقيقة فَإِن صَحَّ مَا حُكيَ عَن الْعَرَب من قَوْلهم جعل الله مَا بَيْننَا فِي ذَاته وَعَلِيهِ بنى حبيب قَوْله (الطَّوِيل) (وَيضْرب فِي ذَات الْإِلَه فيوجع) فالكلمة إِذن عَرَبِيَّة وعَلى ذَلِك اسْتِعْمَال الْمُتَكَلِّمين ا. هـ. وَأعلم أَن استشهادهم بِشعر حبيب وَبِمَا وَقع فِي الحَدِيث من قَوْله ثَلَاث كذبات فِي ذَات الله لتصحيح هَذِه اللفظه فِيهِ أَن بعض الْمُحَقِّقين قَالَ لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذَكرُوهُ وَإِنَّمَا معنى ذَات فِيهِ أُمُور تستند إِلَى الله مِمَّا أَرَادَهُ وأوجبه على عبَادَة من طَاعَته وعبادته وَالْإِيمَان بِهِ وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ الْمُتَبَادر مِنْهُ بشهاده السِّيَاق والتأمل الصَّادِق وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة الْكُمَيْت بن زيد هجا بهَا أهل الْيمن تعصبا لمضر وَسَيَأْتِي فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين سَبَب عصبيته لمضر ونظمه لهَذِهِ القصيدة يَقُول لَا أعنى بهجوي إيَّاكُمْ أراذلكم وَإِنَّمَا أعنى عليتكم وملوككم وروى

стр. 141

(الوافر) (لم أقصد بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي عنيت بِهِ الذوينا) يُقَال عنيته عنيا من بَاب رمى قصدته فمفعوله أسفليكم وَهُوَ جمع مُذَكّر سَالم واعتنيت بأَمْري اهتممت واحتفلت وعنيت بِهِ أَعنِي من بَاب رمى أَيْضا عناية كَذَلِك وَأما الْمَبْنِيّ لمفعول نَحْو عنيت بِأَمْر فلَان عناية وعنيا فَهُوَ بِمَعْنى شغلت بِهِ ولتعن بحاجتي أَي لتكن حَاجَتي شاغلة لسرك وَرُبمَا قيل عنيت بأَمْره بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل كَذَا فِي الْمِصْبَاح والأسفلون جمع أَسْفَل وَهُوَ خلاف الْأَعْلَى يُقَال سفل سفولا من بَاب قعد وسفل من بَاب قرب لُغَة صَار أَسْفَل من غَيره وسفل فِي خلقه وَعَمله سفلا من بَاب قتل وسفالا وَالِاسْم السّفل بِالضَّمِّ وَمِنْه قيل للأراذل سفلَة بِفَتْح السِّين وَكسر الْفَاء وَيجوز التَّخْفِيف بِنَقْل الكسرة إِلَى مَا قبلهَا وَأَرَادَ بالذوين الأذواء وهم مُلُوك الْيمن المسمون بِذِي يزن وَذي جدن وَذي نواس وهم التبابعة وَقَالَ ابْن الشجري فِي أمالية وأذواء الْيمن مِنْهُم مُلُوك وَمِنْهُم أقيال والقيل دون الْملك ثمَّ سرد من سمي بِذِي كَذَا من مُلُوك الْيمن وَبَالغ فِي جمعهَا وَشَرحهَا فَمن أرادها فَلْينْظر ثمَّة وَمن يُقَال لَهُ الْكُمَيْت من الشُّعَرَاء كَمَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي ثَلَاثَة من بني أَسد بن خُزَيْمَة أَوَّلهمْ الْكُمَيْت الْأَكْبَر بن ثَعْلَبَة بن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة ابْن فقعس وَالثَّانِي الْكُمَيْت بن مَعْرُوف بن الْكُمَيْت الْأَكْبَر

стр. 142

وَالثَّالِث هُوَ صَاحب الشَّاهِد وَهُوَ الْكُمَيْت بن زيد بن الْأَخْنَس بن مجَالد بن ربيعَة بن قيس بن الْحَارِث بن عَامر بن دويبة بن عَمْرو بن مَالك بن سعد بن ثَعْلَبَة ابْن دودان بن أَسد وَهُوَ كُوفِي شَاعِر مقدم عَالم بلغات الْعَرَب خَبِير بأيامها وَمن شعراء مُضر وألسنتها المتعصبين على القحطانية المقارعين الْعَالمين بالمثالب يُقَال مَا جمع أحد من علم الْعَرَب ومناقبها وَمَعْرِفَة أنسابها مَا جمع الْكُمَيْت فَم صحّح الْكُمَيْت نسبه صَحَّ وَمن طعن فِيهِ وَهن وَسُئِلَ معَاذ الهراء عَن أشعر النَّاس فَقَالَ من الجاهليين امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر وَعبيد ابْن الأبرص وَمن الإسلاميين الفرزدق وَجَرِير والأخطل فَقيل لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا رَأَيْنَاك ذكرت الْكُمَيْت قَالَ ذَاك أشعر الْأَوَّلين والآخرين وَقَالَ أَبُو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ لَوْلَا شعر الْكُمَيْت لم يكن للغة ترجمان وَلَا للْبَيَان لِسَان يُقَال إِن شعره بلغ أَكثر من خَمْسَة آلَاف بَيت وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لَو لم يكن لبني أَسد منقبة غير الْكُمَيْت لكفاهم حببهم إِلَى النَّاس وَأبقى لَهُم ذكرا وَقَالَ بَعضهم فِي الْكُمَيْت خِصَال لم تكن فِي شَاعِر كَانَ خطيب بني أَسد وفقيه الشِّيعَة وحافظ الْقُرْآن وَكَانَ ثَبت الْجنان وَكَانَ كَاتبا حسن الْخط وَكَانَ نسابة وَكَانَ جدليا وَهُوَ أول من نَاظر فِي التَّشَيُّع مجاهرا بذلك وَله فِي أهل الْبَيْت القصائد الْمَشْهُورَة وَهِي أَجود شعره وَكَانَ فِي صغره ذكيا لوذعيا يُقَال إِنَّه وقف وَهُوَ صبي على الفرزدق

стр. 143

وَهُوَ ينشد فأعجبه سَمَاعه فَلَمَّا فرغ قَالَ يَا غُلَام كَيفَ ترى مَا تسمع قَالَ حسن يَا عَم قَالَ أَيَسُرُّك أَنِّي أَبوك قَالَ أما أبي فَلَا أبغي بِهِ بَدَلا وَلَكِن يسرني أَنَّك أُمِّي فحصر الفرزدق وَقَالَ مَا مر بِنَا مثلهَا وَحكى صاعد مولى الْكُمَيْت قَالَ دخلت مَعَ الْكُمَيْت على عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ فَقَالَ إِنِّي قد مدحتك بِمَا أَرْجُو أَن يكون لي وَسِيلَة عِنْد رَسُول الله ثمَّ أنْشدهُ قصيدته الَّتِي أَولهَا (الْخَفِيف) (من لقلب متيم مستهام ... غير مَا صبوة وَلَا أَحْلَام) فَلَمَّا أَتَى على آخرهَا قَالَ لَهُ ثوابك نعجز عَنهُ وَلَكِن مَا عجزنا عَنهُ فَإِن الله لَا يعجز عَن مكافأتك اللَّهُمَّ أَغفر للكميت اللَّهُمَّ أَغفر للكميت ثمَّ قسط لَهُ على نَفسه وعَلى أَهله أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم وَقَالَ لَهُ خُذ يَا أَبَا المستهل فَقَالَ لَهُ لَو وصلتني بدانق لَكَانَ شرفا لي وَلَكِن إِن أَحْبَبْت أَن تحسن إِلَيّ فادفع إِلَيّ بعض ثِيَابك الَّتِي تلِي جسدك أتبرك بهَا فَقَامَ فَنزع ثِيَابه وَدفعهَا إِلَيْهِ كلهَا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن الْكُمَيْت جاد فِي آل رَسُولك وذرية نبيك بِنَفسِهِ حِين ضن النَّاس وَأظْهر مَا كتمه غَيره من الْحق فأحيه سعيدا وَأمته شَهِيدا وأره الْجَزَاء عَاجلا وأجزل لَهُ جزيل المثوبة آجلا فَإنَّا قد عجزنا عَن مكافاته قَالَ الْكُمَيْت مَا زلت أعرف بركَة دُعَائِهِ وَحدث مُحَمَّد بن سهل قَالَ دخلت مَعَ الْكُمَيْت على جَعْفَر الصَّادِق فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ جعلت فداءك أَلا أنْشدك قَالَ إِنَّهَا أَيَّام عِظَام قَالَ إِنَّهَا فِيكُم قَالَ هَات فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل) (أَلا هَل عَم فِي رَأْيه متأمل ... وَهل مُدبر بعد الْإِسَاءَة مقبل) ...

стр. 144

(وَهل أمة مستيقظون لدينهم ... فَيكْشف عَنهُ النعسة المتزمل) (فقد طَال هَذَا النّوم واستخرج الْكرَى ... مساويهم لَو أَن ذَا الْميل يعدل) (وعطلت الْأَحْكَام حَتَّى كأننا ... على مِلَّة غير الَّتِي نتنحل) (كَلَام النَّبِيين الهداة كلامنا ... وأفعال أهل الْجَاهِلِيَّة نَفْعل) (رَضِينَا بدنيا لَا نُرِيد فراقها ... على أننا فِيهَا نموت ونقتل) (وَنحن بهَا مستمسكون كَأَنَّهَا ... لنا جنَّة مِمَّا نَخَاف وَمَعْقِل) فَكثر الْبكاء وَارْتَفَعت الْأَصْوَات فَلَمَّا مر على قَوْله فِي الْحُسَيْن ﵁ (كَأَن حُسَيْنًا والبهاليل حوله ... لأسيافهم مَا يختلي المتبقل) (وَغَابَ نَبِي الله عَنْهُم وفقده ... على النَّاس رزء مَا هُنَاكَ مجلل) (فَلم أر مخذولا أجل مُصِيبَة ... وَأوجب مِنْهُ نصْرَة حِين يخذل) فَرفع جَعْفَر الصَّادِق ﵁ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للكميت مَا قدم وَمَا آخر وَمَا أسر وَمَا أعلن وأعطه حَتَّى يرضى ثمَّ أعطَاهُ ألف دِينَار وكسوه فَقَالَ لَهُ الْكُمَيْت وَالله مَا أحببتكم للدنيا وَلَو أردتها لأتيت من هِيَ فِي يَدَيْهِ ولكنني أحببتكم للآخرة فَأَما الثِّيَاب الَّتِي أَصَابَت أجسادكم فَإِنِّي أقبلها لبركتها وَأما المَال فَلَا أقبله وَكَانَت ولادَة الْكُمَيْت سنة سِتِّينَ وَهِي أَيَّام مقتل الْحُسَيْن ﵁ وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد وَكَانَ السَّبَب فِي مَوته أَنه مدح يُوسُف بن عمر بعد عزل خَالِد الْقَسرِي

стр. 145

عَن الْعرَاق فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أنْشدهُ مديحة معرضًا بِخَالِد وَكَانَ الْجند على رَأس يُوسُف متعصبين لخَالِد فوضعوا سيوفهم فِي بَطْنه وَقَالُوا أتنشد الْأَمِير وَلم تستأمره فَلم يزل ينزف الدَّم مِنْهُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى والكميت مُشْتَقّ من الكمتة يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مُصَغرًا وَهُوَ تَصْغِير أكمت على غير قِيَاس والأسم الكمته وَهُوَ من الْخَيل بَين الْأسود والأحمر قَالَ أَبُو عبيد وَيفرق بَين الْكُمَيْت والأشقر بِالْعرْفِ والذنب فَإِن كَانَا أحمرين فَهُوَ أشقر وَإِن كَانَا أسودين فَهُوَ الْكُمَيْت وَوجه تصغيره س بِمَا يستحسن فَقَالَ لِأَنَّهُ لم يخلص لَهُ لون بِعَيْنِه فينفرد بِهِ مكبرا وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع عشر (المتقارب) (وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع) على أَن الْكُوفِيّين وَبَعض الْبَصرِيين جوزوا للضَّرُورَة ترك صرف المنصرف بِشَرْط العلمية وأنشده أَيْضا هُنَا فِي آخر الْكَلَام على مُنْتَهى الجموع على أَن الْكُوفِيّين يمْنَعُونَ الصّرْف بالعلمية وَحدهَا لِأَنَّهَا سَبَب قوي فِي بَاب منع الصّرْف أَرَادَ بِبَعْض الْبَصرِيين أَبَا الْحسن الْأَخْفَش وَأَبا عَليّ الْفَارِسِي وَابْن برهَان وَاشْتِرَاط العلمية لمنع الصّرْف إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب السُّهيْلي لَا غير وَأما الْكُوفِيُّونَ فهم يجيزون ترك الصّرْف للضَّرُورَة مُطلقًا فِي الْأَعْلَام وَغَيرهَا وَمن جملَة شواهدهم قَول الشَّاعِر
следующие страницы →