Полный текст (5 658 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(الوافر)
(لم أقصد بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي عنيت بِهِ الذوينا)
يُقَال عنيته عنيا من بَاب رمى قصدته فمفعوله أسفليكم وَهُوَ جمع مُذَكّر سَالم واعتنيت بأَمْري اهتممت واحتفلت وعنيت بِهِ أَعنِي من بَاب رمى أَيْضا عناية كَذَلِك وَأما الْمَبْنِيّ لمفعول نَحْو عنيت بِأَمْر فلَان عناية وعنيا فَهُوَ بِمَعْنى شغلت بِهِ ولتعن بحاجتي أَي لتكن حَاجَتي شاغلة لسرك وَرُبمَا قيل عنيت بأَمْره بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل كَذَا فِي الْمِصْبَاح والأسفلون جمع أَسْفَل وَهُوَ خلاف الْأَعْلَى يُقَال سفل سفولا من بَاب قعد وسفل من بَاب قرب لُغَة صَار أَسْفَل من غَيره وسفل فِي خلقه وَعَمله سفلا من بَاب قتل وسفالا وَالِاسْم السّفل بِالضَّمِّ وَمِنْه قيل للأراذل سفلَة بِفَتْح السِّين وَكسر الْفَاء وَيجوز التَّخْفِيف بِنَقْل الكسرة إِلَى مَا قبلهَا وَأَرَادَ بالذوين الأذواء وهم مُلُوك الْيمن المسمون بِذِي يزن وَذي جدن وَذي نواس وهم التبابعة وَقَالَ ابْن الشجري فِي أمالية وأذواء الْيمن مِنْهُم مُلُوك وَمِنْهُم أقيال والقيل دون الْملك ثمَّ سرد من سمي بِذِي كَذَا من مُلُوك الْيمن وَبَالغ فِي جمعهَا وَشَرحهَا
فَمن أرادها فَلْينْظر ثمَّة وَمن يُقَال لَهُ الْكُمَيْت من الشُّعَرَاء كَمَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي ثَلَاثَة من بني أَسد بن خُزَيْمَة أَوَّلهمْ الْكُمَيْت الْأَكْبَر بن ثَعْلَبَة بن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأشتر بن جحوان بِتَقْدِيم الْمُعْجَمَة ابْن فقعس وَالثَّانِي الْكُمَيْت بن مَعْرُوف بن الْكُمَيْت الْأَكْبَر
стр. 142
وَالثَّالِث هُوَ صَاحب الشَّاهِد وَهُوَ الْكُمَيْت بن زيد بن الْأَخْنَس بن مجَالد بن ربيعَة بن قيس بن الْحَارِث بن عَامر بن دويبة بن عَمْرو بن مَالك بن سعد بن ثَعْلَبَة ابْن دودان بن أَسد وَهُوَ كُوفِي شَاعِر مقدم عَالم بلغات الْعَرَب خَبِير بأيامها وَمن شعراء مُضر وألسنتها المتعصبين على القحطانية المقارعين الْعَالمين بالمثالب يُقَال مَا جمع أحد من علم الْعَرَب ومناقبها وَمَعْرِفَة أنسابها مَا جمع الْكُمَيْت فَم صحّح الْكُمَيْت نسبه صَحَّ وَمن طعن فِيهِ وَهن وَسُئِلَ معَاذ الهراء عَن أشعر النَّاس فَقَالَ من الجاهليين امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر وَعبيد ابْن الأبرص وَمن الإسلاميين الفرزدق وَجَرِير والأخطل فَقيل لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا رَأَيْنَاك ذكرت الْكُمَيْت قَالَ ذَاك أشعر الْأَوَّلين والآخرين وَقَالَ أَبُو عِكْرِمَة الضَّبِّيّ لَوْلَا شعر الْكُمَيْت لم يكن للغة ترجمان وَلَا للْبَيَان لِسَان يُقَال إِن شعره بلغ أَكثر من خَمْسَة آلَاف بَيت وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لَو لم يكن لبني أَسد منقبة غير الْكُمَيْت لكفاهم حببهم إِلَى النَّاس وَأبقى لَهُم ذكرا وَقَالَ بَعضهم فِي الْكُمَيْت خِصَال لم تكن فِي شَاعِر كَانَ خطيب بني أَسد
وفقيه الشِّيعَة وحافظ الْقُرْآن وَكَانَ ثَبت الْجنان وَكَانَ كَاتبا حسن الْخط وَكَانَ نسابة وَكَانَ جدليا وَهُوَ أول من نَاظر فِي التَّشَيُّع مجاهرا بذلك وَله فِي أهل الْبَيْت القصائد الْمَشْهُورَة وَهِي أَجود شعره وَكَانَ فِي صغره ذكيا لوذعيا يُقَال إِنَّه وقف وَهُوَ صبي على الفرزدق
стр. 143
وَهُوَ ينشد فأعجبه سَمَاعه فَلَمَّا فرغ قَالَ يَا غُلَام كَيفَ ترى مَا تسمع قَالَ حسن يَا عَم قَالَ أَيَسُرُّك أَنِّي أَبوك قَالَ أما أبي فَلَا أبغي بِهِ بَدَلا وَلَكِن يسرني أَنَّك أُمِّي فحصر الفرزدق وَقَالَ مَا مر بِنَا مثلهَا وَحكى صاعد مولى الْكُمَيْت قَالَ دخلت مَعَ الْكُمَيْت على عَليّ بن الْحُسَيْن ﵁ فَقَالَ إِنِّي قد مدحتك بِمَا أَرْجُو أَن يكون لي وَسِيلَة عِنْد رَسُول الله
ثمَّ أنْشدهُ قصيدته الَّتِي أَولهَا (الْخَفِيف)
(من لقلب متيم مستهام ... غير مَا صبوة وَلَا أَحْلَام)
فَلَمَّا أَتَى على آخرهَا قَالَ لَهُ ثوابك نعجز عَنهُ وَلَكِن مَا عجزنا عَنهُ فَإِن الله لَا يعجز عَن مكافأتك اللَّهُمَّ أَغفر للكميت اللَّهُمَّ أَغفر للكميت ثمَّ قسط لَهُ على نَفسه وعَلى أَهله أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم وَقَالَ لَهُ خُذ يَا أَبَا المستهل فَقَالَ لَهُ لَو وصلتني بدانق لَكَانَ شرفا لي وَلَكِن إِن أَحْبَبْت أَن تحسن إِلَيّ فادفع إِلَيّ بعض ثِيَابك الَّتِي تلِي جسدك أتبرك بهَا فَقَامَ فَنزع ثِيَابه وَدفعهَا إِلَيْهِ كلهَا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن الْكُمَيْت جاد فِي آل رَسُولك وذرية نبيك بِنَفسِهِ حِين ضن النَّاس وَأظْهر مَا كتمه غَيره من الْحق فأحيه سعيدا وَأمته شَهِيدا وأره الْجَزَاء عَاجلا وأجزل لَهُ جزيل المثوبة آجلا فَإنَّا قد عجزنا عَن مكافاته قَالَ الْكُمَيْت مَا زلت أعرف بركَة دُعَائِهِ وَحدث مُحَمَّد بن سهل قَالَ دخلت مَعَ الْكُمَيْت على جَعْفَر الصَّادِق فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ جعلت فداءك أَلا أنْشدك قَالَ إِنَّهَا أَيَّام عِظَام قَالَ إِنَّهَا
فِيكُم قَالَ هَات فأنشده قصيدته الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل)
(أَلا هَل عَم فِي رَأْيه متأمل ... وَهل مُدبر بعد الْإِسَاءَة مقبل)
...
стр. 144
(وَهل أمة مستيقظون لدينهم ... فَيكْشف عَنهُ النعسة المتزمل)
(فقد طَال هَذَا النّوم واستخرج الْكرَى ... مساويهم لَو أَن ذَا الْميل يعدل)
(وعطلت الْأَحْكَام حَتَّى كأننا ... على مِلَّة غير الَّتِي نتنحل)
(كَلَام النَّبِيين الهداة كلامنا ... وأفعال أهل الْجَاهِلِيَّة نَفْعل)
(رَضِينَا بدنيا لَا نُرِيد فراقها ... على أننا فِيهَا نموت ونقتل)
(وَنحن بهَا مستمسكون كَأَنَّهَا ... لنا جنَّة مِمَّا نَخَاف وَمَعْقِل)
فَكثر الْبكاء وَارْتَفَعت الْأَصْوَات فَلَمَّا مر على قَوْله فِي الْحُسَيْن ﵁
(كَأَن حُسَيْنًا والبهاليل حوله ... لأسيافهم مَا يختلي المتبقل)
(وَغَابَ نَبِي الله عَنْهُم وفقده ... على النَّاس رزء مَا هُنَاكَ مجلل)
(فَلم أر مخذولا أجل مُصِيبَة ... وَأوجب مِنْهُ نصْرَة حِين يخذل)
فَرفع جَعْفَر الصَّادِق ﵁ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للكميت مَا قدم وَمَا آخر وَمَا أسر وَمَا أعلن وأعطه حَتَّى يرضى ثمَّ أعطَاهُ ألف دِينَار وكسوه فَقَالَ لَهُ الْكُمَيْت وَالله مَا أحببتكم للدنيا وَلَو أردتها لأتيت من هِيَ فِي يَدَيْهِ ولكنني أحببتكم للآخرة فَأَما الثِّيَاب الَّتِي أَصَابَت أجسادكم فَإِنِّي أقبلها لبركتها وَأما المَال فَلَا أقبله وَكَانَت ولادَة الْكُمَيْت سنة سِتِّينَ وَهِي أَيَّام مقتل الْحُسَيْن ﵁ وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد
وَكَانَ السَّبَب فِي مَوته أَنه مدح يُوسُف بن عمر بعد عزل خَالِد الْقَسرِي
стр. 145
عَن الْعرَاق فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أنْشدهُ مديحة معرضًا بِخَالِد وَكَانَ الْجند على رَأس يُوسُف متعصبين لخَالِد فوضعوا سيوفهم فِي بَطْنه وَقَالُوا أتنشد الْأَمِير وَلم تستأمره فَلم يزل ينزف الدَّم مِنْهُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى والكميت مُشْتَقّ من الكمتة يُقَال للذّكر وَالْأُنْثَى وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مُصَغرًا وَهُوَ تَصْغِير أكمت على غير قِيَاس والأسم الكمته وَهُوَ من الْخَيل بَين الْأسود والأحمر قَالَ أَبُو عبيد وَيفرق بَين الْكُمَيْت والأشقر بِالْعرْفِ والذنب فَإِن كَانَا أحمرين فَهُوَ أشقر وَإِن كَانَا أسودين فَهُوَ الْكُمَيْت وَوجه تصغيره س بِمَا يستحسن فَقَالَ لِأَنَّهُ لم يخلص لَهُ لون بِعَيْنِه فينفرد بِهِ مكبرا وَالله أعلم وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع عشر (المتقارب)
(وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع)
على أَن الْكُوفِيّين وَبَعض الْبَصرِيين جوزوا للضَّرُورَة ترك صرف المنصرف بِشَرْط العلمية وأنشده أَيْضا هُنَا فِي آخر الْكَلَام على مُنْتَهى الجموع على أَن الْكُوفِيّين يمْنَعُونَ الصّرْف بالعلمية وَحدهَا لِأَنَّهَا سَبَب قوي فِي بَاب منع الصّرْف أَرَادَ بِبَعْض الْبَصرِيين أَبَا الْحسن الْأَخْفَش وَأَبا عَليّ الْفَارِسِي وَابْن برهَان وَاشْتِرَاط العلمية لمنع الصّرْف إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب السُّهيْلي لَا غير وَأما الْكُوفِيُّونَ فهم يجيزون ترك الصّرْف للضَّرُورَة مُطلقًا فِي الْأَعْلَام وَغَيرهَا وَمن جملَة شواهدهم
قَول الشَّاعِر
стр. 146
(الطَّوِيل)
(فأوفض مِنْهَا وَهِي ترغو حشاشة ... بِذِي نَفسهَا وَالسيف عُرْيَان أَحْمَر)
قَالُوا ترك صرف عُرْيَان وَهُوَ منصرف لِأَن مؤنثه عُرْيَانَهُ لَا عريا وَسَيَأْتِي مثله للشَّارِح فِي هَذَا الْبَاب وَقَول الفرزدق وَقيل هُوَ لِابْنِ أَحْمَر (الطَّوِيل)
(إِذا قَالَ عاو من تنوخ قصيدة ... بهَا جرب عدت عَليّ بزوبرا)
قَالُوا ترك صرف زوبر وَهُوَ منصرف وَمَعْنَاهُ نسبت إِلَيّ بكمالها من قَوْلهم أَخذ الشَّيْء بزوبره إِذا أَخذه كُله وَقيل بزوبرا أَي كذبا وزورا وَإِن كَانَ زوبر عِنْد الْبَصرِيين معرفَة قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج وَهُوَ تَفْسِير أسامي شعراء الحماسة سَأَلت أَبَا عَليّ عَن ترك صرف زوبر فَقَالَ جعلهَا علما لما تضمنته القصيدة من الْمَعْنى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل هُوَ علم للكلية كسبحان علم للتسبيح وَكَذَا ذكره الشَّارِح فِي بَاب الْعلم نعم أَكثر شواهدهم جَاءَت فِي الْأَعْلَام وَكَأَنَّهُم راعوا بِحَسب الْأَغْلَب العلمية فِي منع الصرغ وَحدهَا للضَّرُورَة كَمَا أهملوها أَيْضا للضَّرُورَة فَالْمَسْأَلَة ثلاثية الْجَوَاز مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين وَالْمَنْع مُطلقًا وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَالْجَوَاز مَعَ العلمية وَهُوَ مَذْهَب السُّهيْلي وَقد حكى هَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة الشاطبي فِي شرح الألفية وَقَالَ الْمبرد الرِّوَايَة
(يَفُوقَانِ شَيْخي فِي مجمع)
قَالَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل وللمبرد إقدام فِي رد مَا لم يرو مَعَ أَن الْبَيْت بِذكر مرادس ثَابت بِنَقْل الْعدْل عَن الْعدْل فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَذكر
стр. 147
شَيْخي لَا يعرف لَهُ سَنَد صَحِيح وَلَا سَبَب يُدْنِيه من التَّسْوِيَة فَكيف من التَّرْجِيح وَقَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة بعد أَن عَارض الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة بِرِوَايَة الْمبرد على أَن الْمبرد قد حكى عَنْهُم سَلام عَلَيْكُم غير منون وَالْقَوْل فِيهِ أَن اللَّفْظَة كثرت فِي كَلَامهم فَحذف تنوينها تَخْفِيفًا كَمَا قَالُوا لم يَك وَلَا تبل وَلَا أدر انْتهى يُرِيد إِن سلمنَا رِوَايَة الْكُوفِيّين فَهُوَ من بَاب حذف التَّنْوِين لَا من بَاب منع الصّرْف وَهَذَا ظَاهر فِي الْمَنْصُوب وليت شعري مَا يَقُول فِي الْمَجْرُور إِذا جر بالفتحة كَقَوْل الشَّاعِر (الْكَامِل)
(قَالَت أُمَيْمَة مَا لِثَابِت شاخصا ... عاري الأشاجع ناحلا بالمفصل)
ف ثَابت علم جر بالفتحة وَقَول الآخر (الْكَامِل)
(وَإِلَى ابْن أم أنَاس تعمد نَاقَتي ... عَمْرو لتنجح نَاقَتي أَو تتْلف)
فجر أنَاس بالفتحة وَأم أنَاس بنت ذهل بن شَيبَان وَعَمْرو هُوَ عَمْرو بن حجر الْكِنْدِيّ وَقَوله (الطَّوِيل)
(وقائلة مَا بَال دوسر بَعدنَا ... صَحا قلبه عَن آل ليلى وَعَن هِنْد)
وَنَحْو هَذَا من أَبْيَات أخر وَاسْتدلَّ الْكُوفِيُّونَ على جَوَاز ترك الصّرْف ضَرُورَة بِالسَّمَاعِ وَالْقِيَاس أما
السماع فكثرة الشواهد وَهِي تزيد على عشْرين بَيْتا ذكرهَا ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف واثبتها البصريون بروايات لَيْسَ فِيهَا ترك الصّرْف فَقَالُوا فِي قَوْله ...
стр. 148
(وقائلة مَا بَال دوسر بَعدنَا)
الرِّوَايَة
(وقائلة مَا للقريعي بَعدنَا)
وَقَالُوا فِي قَوْله (مجزوء الوافر)
(وَمصْعَب حِين جد الْأَمر ... أَكْثَرهَا وأطيبها)
الرِّوَايَة وَأَنْتُم حِين جد الْأَمر وَهَكَذَا رووا فِي سَائِر الأبيات فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة مَا روينَاهُ وَلَو سلمنَا صِحَة روايتكم فَمَا جوابكم عَمَّا روينَاهُ مَعَ صِحَّته وشهرته وَأما الْقيَاس فَإِنَّهُ لما جَازَ صرف مَالا ينْصَرف اتِّفَاقًا وَهُوَ خلاف الْقيَاس جَازَ الْعَكْس أَيْضا إِذْ لَا فرق بَينهمَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا جَازَ حذف الْوَاو المتحركة ضَرُورَة من قَوْله (الطَّوِيل)
(فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب)
وَأَصله فَبينا هُوَ فجواز حذف التَّنْوِين ضَرُورَة من بَاب أولى لِأَن الْوَاو من هُوَ متحركة والتنوين سَاكن وَلَا خلاف أَن حذف الْحَرْف السَّاكِن أسهل من حذف المتحرك وَأما البصريون فَقَالُوا لَا يجوز ترك الصّرْف لِأَن الأَصْل فِي الْأَسْمَاء الصّرْف فَلَو أَنا جَوَّزنَا ذَلِك أدّى إِلَى رده عَن الأَصْل إِلَى الْفَرْع وَلَا لتبس مَا ينْصَرف بِمَا لَا ينْصَرف وعَلى هَذَا يخرج حذف الْوَاو من هُوَ نَحْو قَوْله فبيناه يشري رَحْله
فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى لبس وَإِنَّمَا جَازَ فِي الضَّرُورَة صرف مَالا ينْصَرف لِأَنَّهُ من أصل الِاسْم فَإِذا اضطروا ردُّوهُ إِلَى أَصله وَإِن لم ينطقوا إِلَيْهِ فِي السعَة كَمَا لم ينطقوا بِنَحْوِ ضننوا فِي السعَة بِخِلَاف منع الصّرْف لِأَنَّهُ لَيْسَ من أصل المنصرف أَلا ينْصَرف
стр. 149
وَقد ذهب ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف مَذْهَب الْكُوفِيّين لِكَثْرَة النَّقْل الَّذِي خرج عَن هَذَا الشذوذ والقلة فَقَالَ وَلما صحت الرِّوَايَة عِنْد الْأَخْفَش والفارسي وَابْن برهَان من الْبَصرِيين صَارُوا إِلَى جَوَاز ترك الصّرْف ضَرُورَة تبعا للكوفيين وهم من أكَابِر أَئِمَّة الْبَصرِيين والمشار إِلَيْهِم من الْمُحَقِّقين وَأجَاب عَن كَلِمَات الْبَصرِيين فَقَالَ أما قَوْلهم يُؤَدِّي ترك الصّرْف إِلَى الْفَرْع قُلْنَا هَذَا يبطل بِحَذْف الْوَاو من هُوَ فِي قَوْله فبيناه يشري خُصُوصا على أصل الْبَصرِيين فَإِن الْوَاو عِنْدهم أَصْلِيَّة وَقَوْلهمْ لَا التباس بحذفها غير مُسلم فَإنَّك إِذا قلت غزا هُوَ بتأكيد الضَّمِير الْمُتَّصِل بالمنفصل فَإِذا حذفت الْوَاو حصل اللّبْس وَكَذَلِكَ يحصل اللّبْس بِصَرْف مَا لَا ينْصَرف فَإِنَّهُ يُوقع لبسا بَين المنصرف وَغَيره وَمَعَ هَذَا وَقع الْإِجْمَاع على جَوَازه فَإِن قَالُوا الْكَلَام هُوَ الَّذِي يتَحَصَّل القانون بِهِ دون الشّعْر وَصرف مَا لَا ينْصَرف لَا يُوقع لبسا بَين مَا ينْصَرف وَبَين مَا لَا ينْصَرف لِأَنَّهُ لَا يلتبس ذَلِك فِي أختيار الْكَلَام قُلْنَا وَهَذَا هُوَ جَوَابنَا عَمَّا ذكرتموه فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْكَلَام هُوَ الَّذِي يتَحَصَّل بِهِ القانون فَترك صرف مَا لَا ينْصَرف فِي الضَّرُورَة لَا يُوجب لبسا بَينهمَا إِذْ لَا يلتبس مَا ينْصَرف وَمَا لَا ينْصَرف فِي اخْتِيَار الْكَلَام وَأطَال الْكَلَام فِي الرَّد على الْبَصرِيين وَقد أورد الْفَارِسِي فِي تَذكرته على أصل الْبَصرِيين سؤالا لم يجب عَنهُ فَقَالَ أفيجوز فِي الضَّرُورَة أَن لَا يعرب الْفِعْل الْمُضَارع لِأَن الأَصْل كَانَ فِيهِ
стр. 150
أَن لَا يعرب كَمَا كَانَ الأَصْل فِي الِاسْم أَن لَا يصرف فَإِذا لم تعربه رَددته إِلَى الأَصْل فِي
الضَّرُورَة كَمَا رددت الِاسْم إِلَى الصّرْف فِي الضَّرُورَة وَاسْتشْهدَ على ذَلِك بقوله فاليوم أشْرب وَنَحْو ذَلِك قيل أما الأبيات فَلَيْسَتْ بِدَلِيل قَاطع لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون أجريت فِي الْوَصْل مجْرى الْوَقْف وَبَقِي النّظر فِي هَل يجوز أَن لَا يعرب
هَذَا مَا قَالَه وَلم يجب عَنهُ قَالَ الشاطبي وَكَأَنَّهُ إِشْكَال على مَذْهَب الْبَصرِيين لَكِن الْجَواب يظْهر عَنهُ بِأَدْنَى نظر انْتهى وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات سَبْعَة للْعَبَّاس بن مرداس الصَّحَابِيّ ﵁ ابْن أبي عَامر بن حَارِثَة بن عبد بن عبس بن رِفَاعَة بن الْحَرْث بن بهثة بن سليم أسلم قبل فتح مَكَّة بِيَسِير وَأمه الخنساء الصحابية الشاعرة كَمَا يَأْتِي بَيَانه فِي ترجمتها وَكَانَ عَبَّاس هَذَا من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَلما فرغ رَسُول الله
من رد سَبَايَا حنين إِلَى أَهلهَا أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَكَانُوا أَشْرَاف يتألفهم ويتألف بهم قَومهمْ فَأعْطى أَبَا سُفْيَان وَابْنه مُعَاوِيَة وَحَكِيم بن حزَام والْحَارث بن الْحَارِث بن كلدة والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى وَصَفوَان بن أُميَّة وكل هَؤُلَاءِ من أَشْرَاف قُرَيْش والأقرع بن حَابِس بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان الْمُجَاشِعِي التَّمِيمِي وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ وَمَالك ابْن عَوْف النصري أعْطى كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ مائَة بعير
стр. 151
وَأعْطى دون الْمِائَة رجَالًا من قُرَيْش وَأعْطى عَبَّاس بن مرداس أباعر فسخطها وَقَالَ يُعَاتب النَّبِي
(المتقارب)
(أَتجْعَلُ نَهْبي وَنهب العبيد ... بَين عُيَيْنَة والأقرع)
(وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس ... يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع)
(وَمَا كنت دون امْرِئ مِنْهُمَا ... وَمن تضع الْيَوْم لَا يرفع)
(وَقد كنت فِي الْحَرْب ذَا تدرإ ... فَلم أعْط شَيْئا وَلم أمنع)
(إِلَّا أفائل من حَرْبَة ... عديد قوائمه الْأَرْبَع)
(وَكَانَت نهابا تلافيتها ... ... بكري على الْمهْر فِي الأجرع)
(وإيقاظي الْقَوْم أَن يرقدوا ... إِذا هجع النَّاس لم أهجع)
النهب الْغَنِيمَة وَالْعَبِيد بِالتَّصْغِيرِ اسْم فرس الْعَبَّاس وَكَانَ يدعى فَارس العبيد وتدرأ تفعل بِضَم التَّاء وَفتح الْعين مَهْمُوز من الدرء وَهُوَ الدّفع قَالَ فِي الصِّحَاح وَقَوْلهمْ السُّلْطَان ذُو تدرإ أَي ١ ذُو عدَّة وَقُوَّة على دفع أعدائه عَن نَفسه وَهَذَا اسْم مَوْضُوع للدَّفْع وَقَوله فَلم أعْط شَيْئا إِلَخ أَي لم أعْط شَيْئا طائلا أَو لم أعْط شَيْئا اسْتَحَقَّه وَهُوَ الْمِائَة وَلم أمنع من الْإِعْطَاء لِأَنِّي أَعْطَيْت بَعْضًا قيل كَانَ أعطي خمسين وَاسْتشْهدَ بِهِ النُّحَاة على حذف الصّفة لِئَلَّا يلْزم التَّنَاقُض والأفائل جمع أفيل بِالْفَاءِ كالفصيل وزنا وَمعنى وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ ابْن سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة وَيجمع على إفال أَيْضا بِكَسْر الْهمزَة وَهَذِه رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة وروى ابْن عقبَة وَابْن إِسْحَاق إِلَّا افائل أعطيتهَا كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر فَلَمَّا أنْشد هَذِه الأبيات بَين يَدي النَّبِي
قَالَ اقْطَعُوا عني لسانة فَأعْطِي حَتَّى رَضِي وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة
стр. 152
أتمهَا لَهُ مائَة وَقَالَ ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير قَالَ لعَلي يَا عَليّ اقْطَعْ لِسَانه عني فَقبض على يَده وَخرج بِهِ فَقَالَ أقاطع أَنْت لساني يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ إِنِّي لممض
فِيك مَا أمرت ثمَّ مضى بِهِ إِلَى إبل الصَّدَقَة فَقَالَ خُذ مَا أَحْبَبْت قَالَ وَقَول عَليّ ﵁ أحسن مواربة سَمعتهَا فِي كَلَام الْعَرَب وَفِيه رِوَايَات آخر حَكَاهَا السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي والمرداس الْحَصَاة الَّتِي يَرْمِي بهَا فِي الْبِئْر لينْظر هَل فِيهَا مَاء أم لَا وَأَخْطَأ شَارِح اللب حَيْثُ قَالَ إِن مرداسا هَذَا هُوَ رَأس الْخَوَارِج وكنيته أَبُو بِلَال وَحكى رِوَايَة الأبيات للصحابي بقيل وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن عشر (الرجز)
(أرقني اللَّيْلَة برق بالتهم ... يَا لَك برقا لَا يشقه لَا يلم)
قَالَ الشَّارِح وَكَذَا تهام بِفَتْح التَّاء فِي الْمَنْسُوب إِلَى التهم بِمَعْنى تهَامَة يُرِيد أَن الْألف فِي تهام بِالْفَتْح عوض من إِحْدَى ياءي النّسَب كَمَا فِي يمَان إِذْ هُوَ مَنْسُوب إِلَى يمن وَإِنَّمَا قيد بِفَتْح التَّاء لِأَنَّك إِذا كسرتها قلت تهامي بتَشْديد الْيَاء لِأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى تهَامَة بِالْكَسْرِ فالألف من لَفظهَا وَلَيْسَت بَدَلا قَالَ المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب رجل تهام أَي من أهل تهَامَة وَالْأَصْل تهمي لِأَن تهما قد وضع مَوضِع تهَامَة لكِنهمْ حذفوا إِحْدَى ياءي النِّسْبَة وأبدلوا مِنْهَا ألفا وَأنْشد هَذَا الْبَيْت عَن أبي عَليّ الْفَارِسِي
стр. 153
وَقَالَ ابْن جني فِي الخصائص فَإِن قلت فَإِن فِي تهَامَة ألفا فَلم ذهبت إِلَى أَن هَذِه الْألف فِي تهام عوض من إِحْدَى الياءين للإضافة قيل قَالَ الْخَلِيل فِي هَذَا كَأَنَّهُمْ نسبوه إِلَى فعل أَو فعل وَكَأَنَّهُم كفوا صِيغَة تهَامَة وأصاروها إِلَى تهم أَو تهم ثمَّ أضافوا إِلَيْهِ فَقَالُوا تهام وَإِنَّمَا مثل الْخَلِيل بَين فعل وَفعل وَلم يقطع بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ قد جَاءَ هَذَا الْعَمَل فِي هذَيْن المثالين جَمِيعًا وَهُوَ الشأم واليمن وَهَذَا التَّرْخِيم الَّذِي أشرف عَلَيْهِ الْخَلِيل ظنا قد جَاءَ بِهِ السماع نصا أنشدنا أَبُو عَليّ قَالَ أنْشد أَحْمد بن يحيى
(أرقني اللَّيْلَة برق بالتهم الْبَيْت)
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم التهم بِفَتْح أَوله وثانية قَالَه ابْن الْأَعرَابِي وَأنْشد
(أرقني اللَّيْلَة برق بالتهم الْبَيْت)
ثمَّ قَالَ تهَامَة بِكَسْر أَوله أَرض طرفها من قبل الْحجاز مدارج العرج وأولها من قبل نجد مدارج ذَات عرق وَسميت تهَامَة لتغير هوائها من قَوْلهم تهم الدّهن وتمه إِذا تَغَيَّرت رَائِحَته ا. هـ.
وَقَالَ ابْن حجر فِي شرح البُخَارِيّ وتهامة اسْم لكل مَا نزل من بِلَاد الْحجاز سميت بذلك من التهم بِفَتْح الْمُثَنَّاة وَالْهَاء وَهُوَ شدَّة الْحر وركود الرّيح وَقيل تغير الْهَوَاء لَكِن صَاحب الصِّحَاح والقاموس قَالَا إِن التهم مصدر من تهَامَة وَبَينه صَاحب الْقَامُوس فَقَالَ وتهامة بِالْكَسْرِ مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَأَرْض لَا بلد وَوهم الْجَوْهَرِي ثمَّ قَالَ والتهمة بِالْفَتْح الْبَلدة ولغة فِي تهَامَة وبالتحريك الأَرْض المتصوبه إِلَى الْبَحْر كالتهم كَأَنَّهُمَا مصدران من تهَامَة لِأَن التهائم متصوبة إِلَى الْبَحْر
стр. 154
وأرقني أسهرني من الأرق بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ السهر بِاللَّيْلِ وَفعله من بَاب فَرح ونعديته بالتضعيف وَيَا لَك برقا تعجب من الْبَرْق واستعظام لَهُ وَقد شرح الشَّارِح فِي بَاب الاستغاثة نَحْو هَذَا التَّرْكِيب وبرقا تَمْيِيز وَفِيه الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والشوق إِلَى الشَّيْء نزاع النَّفس إِلَيْهِ يُقَال شاقني الشَّيْء أَي جعلني مشتاق وَإِنَّمَا جعله الْبَرْق مشتاقا لِأَن حبيبته فِي تِلْكَ الأَرْض تذكر بالبرق وميض ثناياها فَلم تَأْخُذهُ سنة كَمَا قَالَ الشَّاعِر (الرجز)
(جَارِيَة فِي رَمَضَان الْمَاضِي ... تقطع الحَدِيث بالإيماض)
وَقَالَ المتنبي (الطَّوِيل)
(إِذا الْغُصْن أم ذَا الدعص أم أَنْت فتْنَة ... وذيا الَّذِي قبلته الْبَرْق أم ثغر)
وأستحسن قَول ابْن نَبَاته الْمصْرِيّ (الطَّوِيل)
(تذكرت لما أَن رَأَيْت جبينها ... هِلَال الدجى وَالشَّيْء بالشَّيْء يذكر)
وفاعل يشقه ضمير الْبَرْق وَالْهَاء مفعول وَهُوَ ضمير من الشّرطِيَّة وَلَا يلم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مناللوم وَهُوَ العذل جَوَاب من وَوُجُود لَا النافية لَا يمْنَع الْجَزْم فَإِن الْمُضَارع الْمَنْفِيّ بِلَا إِذا وَقع جَزَاء يجوز جزمه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن تدعوهم لَا يسمعوا دعاءكم﴾ وَيجوز رَفعه لَكِن يجب أقترانة حِينَئِذٍ بِالْفَاءِ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا﴾ وَأورد ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره بعد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ثَلَاثَة أَبْيَات آخر وَلم يعز الشّعْر لأحد وَهِي
стр. 155
(الرجز)
(مَا زَالَ يسري منجدا حَتَّى عتم ... كَأَن فِي رِيقه إِذا ابتسم)
(بلقاء تَنْفِي الْخَيل عَن طِفْل متم)
ومنجد من أنجد إِذا ذهب إِلَى النجد والنجد كل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد وعتم دخل فِي الْعَتَمَة وَالْمَشْهُور أعتم بِالْألف وَالْعَتَمَة بِالتَّحْرِيكِ الثُّلُث الأول من اللَّيْل بعد غيبوبة الشَّفق والريق بِالتَّشْدِيدِ وريق كل شَيْء أَوله والبلقاء الْفرس الَّتِي فِيهَا البلق وَهُوَ بَيَاض وَسَوَاد وتنفي تطرد وَالْخَيْل مَفْعُوله وَعَن مُتَعَلق بتنفي والمتم بِفَتْح التَّاء الْوَلَد الَّذِي يُولد لتَمام مدَّته وَهَذَا الْبَيْت مثل بَيت أَوْس بن حجر فِي رصف الْبَرْق وَهُوَ (الْبَسِيط)
(كَانَ رِيقه لما علا شطبا ... أقراب أبلق يَنْفِي الْخَيل رماح)
قَالَ شارحة ابْن السّكيت رِيقه مسترقه لَيْسَ بمعظمه والأقراب جمع الْقرب وَهُوَ الكشح يَقُول ينْكَشف الْبَرْق كَمَا يرمح الأبلق فيبدو بياضه ا. هـ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(يَحْدُو ثَمَانِي مُولَعا بلقاحها)
على أَن ثَمَانِي لم يصرف فِي الشّعْر شذوذا لما توهم الشَّاعِر أَن فِيهِ معنى الْجمع وَلَفظه يشبه لفظ الْجمع وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول ثمانيا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي ثَمَانِي لُغَتَانِ الصّرْف لِأَنَّهُ اسْم عدد وَلَيْسَ بِجمع وَمنع الصّرْف لِأَنَّهُ جمع من جِهَة مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ عدد يَقع للْجمع بِخِلَاف يمَان وشآم
стр. 156
لِأَنَّهُ غير جمع وَفِيه جمع فَإِن س وَغَيره قَالُوا إِنَّه شَاذ توهم الشَّاعِر فِيهِ معنى الْجمع فَلم يصرفهُ وَلم يقل أحد إِنَّه لُغَة وَفِي شرح شَوَاهِد الْكتاب للنحاس قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد جعل بعض الشُّعَرَاء ثَمَانِي بِمَنْزِلَة حذَارِي حَدثنِي أَبُو الْخطاب أَنه سمع الْعَرَب ينشدون هَذَا الْبَيْت غير منون وَسمعت أَبَا الْحسن يَقُول إِن هَذَا الْأَعرَابِي غلط وتوهم أَن ثَمَانِي جمع على الْوَاحِد وتوهم أَنه من الثّمن ا. هـ.
أَي توهم أَنه الْجُزْء الَّذِي صير السَّبْعَة ثَمَانِيَة فَهُوَ ثمنهَا وَقَالَ الأعلم الشنتمري كَأَنَّهُ توهم أَن واحده ثمنية كحذرية ثمَّ جمع فَقَالَ ثَمَانِي كَمَا يُقَال حذَارِي فِي جمع حذرية وَالْمَعْرُوف صرفهَا على أَنَّهَا اسْم وَاحِد أَي بِلَفْظ الْمَنْسُوب نَحْو يمَان والحذرية بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قِطْعَة غَلِيظَة من الأَرْض وَهَذَا المصراع صدر وعجزه
(حَتَّى هممن بزيغة الإرتاج)
وَقبل هَذَا الْبَيْت
(وَكَأن أصل رِحَالهَا وحبالها ... علقن فَوق قويرح شحاج)
وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لِابْنِ ميادة كَمَا قَالَ السيرافي شبه نَاقَته بسرعتها بِحِمَار وَحش قارح يَحْدُو ثَمَانِي أتن أَي يَسُوقهَا مُولَعا بلقاحها حَتَّى تحمل وَهِي لَا تمكنه فتهرب مِنْهُ لِأَن الْأُنْثَى من الْحَيَوَان غير الْإِنْسَان لَا تمكن الْفَحْل إِذا حملت والرحال جمع رَحل وَهُوَ كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن وَضمير رِحَالهَا للناقة وعلقن بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالنُّون ضمير الرّحال والحبال واكتسب الْمُضَاف
стр. 157
الجمعية من الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصح سُقُوطه والقويرح مصغر قارح وَهُوَ من ذِي الْحَافِر الَّذِي انْتَهَت أَسْنَانه وَإِنَّمَا يَنْتَهِي أَسْنَانه فِي خمس سِنِين والتصغير للتعظيم والشحاج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ الْحمار الوحشي وَهُوَ بدل من قويرح أَو عطف بَيَان ويحدو بِمَعْنى يَسُوق وفاعله ضمير الشحاج وَالْجُمْلَة صفة لَهُ وَأَرَادَ بالثماني أتنه وَلِهَذَا حذف التَّاء مِنْهُ أَو لِأَن الْمَعْدُود مَحْذُوف والمولع من أولع بالشَّيْء بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فَهُوَ مولع بِهِ بِفَتْح اللَّام أَي أغرى بِهِ وعلق بِهِ واللقاح كسحاب مَاء الْفَحْل فِي رحم النَّاقة وَفِي الْمِصْبَاح اللقَاح بِفَتْح اللَّام وبكسرها اسْم من ألقح الذّكر وَالْأُنْثَى أَي أحبلها وَحَتَّى غَايَة لقَوْله يَحْدُو وهم بالشَّيْء من بَاب قتل إِذا أَرَادَهُ وَلم يَفْعَله والزيغة بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وبالغين الْمُعْجَمَة مصدر زاغ يزِيغ أَي مَال والإرتاج بِالْكَسْرِ مصدر أرتجت النَّاقة إِذا أغلقت رخمها على مَاء الْفَحْل يُرِيد أَن هَذَا الْحمار عدا خلف أتنه ليلقحها ويركبها حَتَّى تحبل فهربت مِنْهُ فَكَأَنَّهُ سَاقهَا سوقا عنيفا حَتَّى هَمت بِإِسْقَاط مَا أرتجت عَلَيْهِ أرحامها من الأجنة وإزلاقه وَكَأن زِمَام هَذِه النَّاقة مُرْتَبِط بِهَذَا الْحمار الشَّديد الْحِرْص على اللقَاح بأتنه فَهِيَ تعدو بعدوه وَهَذَا غَايَة فِي سرعَة النَّاقة وروى بربقة الإرتاج والربقة بِكَسْر الرَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُوَحدَة وبالقاف أَرَادَ بِهِ العقد لِأَنَّهَا إِذا أغلقت فَم الرَّحِم على مَاء الْفَحْل فَكَأَنَّهَا عقدته وَمِنْه الحَدِيث فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه أَي عقد الْإِسْلَام وأصل الربقة وَاحِد الربق بِالْكَسْرِ وَهُوَ حَبل فِيهِ عدَّة عرى تشد بِهِ البهم الْوَاحِدَة من العرى ربقة ولابد من تَقْدِير مُضَاف على هَذِه الرِّوَايَة أَي حَتَّى هممن بِحل ربقة
الإنتاج يَعْنِي أرتجت هَذِه الأتن وانحلت من شدَّة الجري حَتَّى لم تقدر أَن تضبط مَا فِي أرحامها
стр. 158
وَلم يقف الأعلم الشتنتمري على الْبَيْت الأول فَظن أَنه فِي وصف رَاع فَقَالَ وصف إبِلا أولع راعيها بلقاحها حَتَّى لقحت ثمَّ حداها أَشد الحداء حَتَّى هَمت بِإِسْقَاط مَا فِي بطونها من الأجنة وابْن ميادة هُوَ أَبُو شرَاحِيل وَقيل أَبُو شُرَحْبِيل واسْمه الرماح كشداد بن يزِيد وَهُوَ من بني مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان رَهْط الْحَارِث بن ظَالِم كَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وميادة أمة وَهِي أم ولد بربرية وَقيل صقلبية وَكَانَ هُوَ يزْعم أَنَّهَا فارسية وَفِي ذَلِك يَقُول (الطَّوِيل)
(أَنا ابْن أبي سلمى وجدي ظَالِم ... وَأمي حصان حصنتها الْأَعَاجِم)
(أَلَيْسَ غُلَام بَين كسْرَى وظالم ... بأكرم من نيطت عَلَيْهِ التمائم)
وَسبب تَسْمِيَتهَا أَنه لما أَقبلُوا بهَا من الشَّام نظر إِلَيْهَا رجل وَهِي ناعسة تتمايل على بَعِيرهَا فَقَالَ أَنَّهَا لميادة فسميت بِهِ وَغلب عَلَيْهَا وَابْن ميادة شَاعِر مقدم فصيح لكنه كَانَ متعرضا للشر طَالبا لمهاجاه النَّاس ومسابة الشُّعَرَاء وَله مَعَ الحكم الخضري مهاجاة ومناقضات كَثِيرَة وأراجيز طَوِيلَة وَقد أدْرك الدولتين كَانَ فِي أَيَّام هِشَام بن عبد الْملك وَبَقِي إِلَى زمن الْمَنْصُور ومدح من بني أُميَّة الْوَلِيد بن يزِيد وَعبد الْوَاحِد بن سُلَيْمَان وَمن بني هَاشم أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وجعفر بن سُلَيْمَان وَلما قَالَ من قصيدة (الطَّوِيل)
(فضلنَا قُريْشًا غير رَهْط مُحَمَّد ... وَغير بني مَرْوَان أهل الْقَبَائِل)
стр. 159
قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم بن هِشَام أَأَنْت فضلت قُريْشًا وجرده وضربه اسواطا وَلما سمع الْبَيْت الْوَلِيد بن يزِيد قَالَ لَهُ قدمت آل مُحَمَّد علينا قَالَ مَا كنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَظُنهُ يكون غير ذَلِك فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى بني الْعَبَّاس قدم على الْمَنْصُور فمدحه فَقَالَ لَهُ لما دخل عَلَيْهِ كَيفَ قَالَ لَك الْوَلِيد فَأخْبرهُ فَجعل يتعجب وَلم يعد إِلَى الْمَنْصُور بعْدهَا لما رأى قلَّة رغبته فِي مدائح الشُّعَرَاء ونزارة ثَوَابه لَهُم وَتُوفِّي فِي صدر خِلَافَته فِي حُدُود السِّت وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة وَبَنُو ذبيان تزْعم أَن ابْن ميادة آخر الشُّعَرَاء الَّذين يستشهد بأشعارهم روى أَبُو دَاوُود الْفَزارِيّ أَن ابْن ميادة وقف يَوْمًا فِي الْمَوْسِم ينشد (الطَّوِيل)
(لَو أَن جَمِيع النَّاس كَانُوا بتلعة ... وَجئْت بجدي ظَالِم وَابْن ظَالِم)
(لظلت رِقَاب النَّاس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم)
والفرزدق وَاقِف عَلَيْهِ متلثم فَقَالَ لَهُ يَا ابْن يزِيد أَنْت صَاحب هَذِه الصّفة كذبت وَالله وَكذب سامع ذَلِك مِنْك فَلم يكذبك قَالَ فَمن يَا أَبَا فراس قَالَ أَنا أولى بِهِ مِنْك وَقَالَ
(لَو أَن جَمِيع النَّاس كَانُوا بتلعة ... وَجئْت بجدي دارم وَابْن دارم)
(لظلت رِقَاب النَّاس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم)
فَأَطْرَقَ ابْن ميادة وَلم يجبهُ وَمضى الفرزدق وانتحلها وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْعشْرُونَ (الرجز)
(بلغتهَا وَاجْتمعت أشدي)
على أَن أَشد جمع شدَّة على غير قِيَاس أَو جمع لَا وَاحِد لَهُ بِدَلِيل تانيث الْفِعْل لَهُ
стр. 160
وَفِي الصِّحَاح كَانَ س يَقُول وَاحِدَة شدَّة وَهُوَ حسن فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يُقَال بلغ الْغُلَام شدته وَلَكِن لَا يجمع فعلة على أفعل وَأما أنعم فَإِنَّمَا هُوَ جمع نعم بِالضَّمِّ ضد الْبُؤْس وَقيل هُوَ جمع شدّ بِالْفَتْح نَحْو كلب وأكلب وَقيل جمع شدّ بِالْكَسْرِ مثل ذِئْب وأذوب وكلا هذَيْن الْقَوْلَيْنِ قِيَاس وليسا بمسموعين وَقيل هُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه مثل محَاسِن ومشابه وَقيل هُوَ لَيْسَ بِجمع وَإِنَّمَا هُوَ مُفْرد جَاءَ على صِيغَة الْجمع مثل أَنَّك وَهُوَ الأسرب وَلَا نَظِير لَهما وَهَذَا قَول أبي زيد وَحكى فِي همزته الضمة لُغَة فِي فتحهَا وَمعنى الأشد الْقُوَّة وَهُوَ مَا بَين ثَمَانِي عشرَة سنة إِلَى ثَلَاثِينَ وَقيل إِلَى أَرْبَعِينَ أَو إِلَى خمسين قَالَ سحيم بن وثيل (الوافر)
(أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي ... ونجذني مداورة الشوون)
وَفِي عُمْدَة الْحفاظ للسمين هُوَ جمع شدَّة بِمَعْنى الْقُوَّة والجلادة فِي الْبدن وَالْعقل وَقد شدّ يشد شدَّة إِذا كَانَ قَوِيا وأصل الشدَّة العقد الْقوي وشددت الشَّيْء قويت عقده وَأَشد يسْتَعْمل فِي الْعقل وَفِي الْبدن وَفِي قوى النَّفس هَذَا واستدلال الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لِابْنِ الْحَاجِب فِي شرح الْمفصل بتأنيث الْفِعْل لكَون أَشد جمعا مَحل بحث فَإِن أهل التَّفْسِير واللغة أَجمعُوا على تَفْسِيره بِالْقُوَّةِ فَيحْتَمل أَن يكون تَأْنِيث الْفِعْل لَهُ بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ لَا لكَونه جمعا وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ بمادة الْفِعْل وصيغته فَإِن الْجمع مَعْنَاهُ تأليف
стр. 161
المتفرق والاجتماع مطاوعه وَهُوَ تألف المتفرق فَلَا يتَصَوَّر مَعْنَاهُ إِلَّا بَين مُتَعَدد وَلَا يكون الِاجْتِمَاع من شَيْء وَاحِد على أَن الرِّوَايَة
(بلغتهَا مُجْتَمع الأشد)
بِالْخِطَابِ لَا بالتكلم
وَهُوَ من أرجوزة لأبي نخيلة مدح بهَا هِشَام بن عبد الْملك مِنْهَا (الرجز)
(وَقلت للعيس اعتلي وجدي ... فَهِيَ تخدى أحسن التخدي)
(قد ادرعن فِي مسير سمد ... لَيْلًا كلون الطيلسان الجرد)
(إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ المجدي ... رب معد وَسوى معد)
(ممضن دَعَا من أصيد وَعبد ... ذِي الْمجد والتشريف بعد الْمجد)
(فِي وَجهه بدر بدا بالسعد ... أَنْت الْهمام القرم عِنْد الْجد)
(بلغتهَا مُجْتَمع الأشد ... فانهل لما قُمْت صوب الرَّعْد)
والعيس الْإِبِل الْبيض يخالط بياضها شقرة مفرده الْمُذكر أعيس والمؤنث عيساء واعتلي ارتفعي وَالْجد بِالْكَسْرِ الِاجْتِهَاد فِي الْأُمُور تَقول جد فِي الْأَمر يجد بِالضَّمِّ وتخدى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة أَصله تتخدى أَي تسرع حذفت مِنْهُ التَّاء من خدى الْبَعِير يخدي خديا أسْرع وزج بقوائمه والسمد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم فِي الصِّحَاح وسمدت الْإِبِل فِي سَيرهَا جدت وَفِي الْقَامُوس هُوَ السرمد أَي الطَّوِيل الدَّائِم يُقَال هُوَ لَك سمدا أَي سرمدا والادراع افتعال لبس الدرْع وَهُوَ قَمِيص الْمَرْأَة والطيلسان من لِبَاس الْعَجم لَونه أسود للمهابة والجرد الْخلق يُقَال ثوب جرد والمجدي اسْم فَاعل من أجدي عَلَيْهِ بِمَعْنى أعطَاهُ عطاءا كثيرا من الجداء والجدوى بِفَتْح الْجِيم فيهمَا وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي لَا يعرف
стр. 162
أقصاه وَقيل الْمَطَر الْعَام وَرب كل شَيْء مَالِكه ومستحقه ومعد أَبُو الْعَرَب وَهُوَ معد بن عدنان وَقَوله مِمَّن دَعَا بَيَان لقَوْله سوى معد وَقَوله من أصيد إِلَخ بَيَان لمن دَعَا أَي هُوَ سيد من دَعَا لنَفسِهِ من ملك وسوقة والأصيد الْملك وَقَوله أَنْت الْهمام الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة وَالسَّيِّد الشجاع وَالْقَرْمُ بِالْفَتْح السَّيِّد وَأَصله الْفَحْل المكرم لَا يركب وَلَا يرحل وَالْجد بِالْكَسْرِ ضد الْهزْل تَقول جد يجد بِالْكَسْرِ وَقَوله بلغتهَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وروى بلغتهَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّشْدِيد أَيْضا وروى أَيْضا طوقتها بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّشْدِيد أَيْضا والطوق حلي
الْعُنُق وكل مَا اسْتَدَارَ بِشَيْء وتطوقه لبسه وَضمير بلغتهَا للخلافة الْمَعْهُودَة ذهنا ومجتمع اسْم فَاعل حَال من ضمير الْمُخَاطب وَلَا تضر بِالْإِضَافَة لِأَنَّهَا لفظية وَظهر بِهَذَا أَن بَيت الشَّاهِد على غير وَجهه وَيحْتَمل أَن يكون من أرجوزة أُخْرَى وَالله أعلم وأنهل بِمَعْنى سَالَ إِن كَانَ الصوب بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَبِمَعْنى ارْتَفع إِن كَانَ الصَّوْت بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة يُرِيد إِنَّك لما قُمْت بِأَمْر الْخلَافَة انْفَتح أَبْوَاب الْخَيْر وَفِي الأغاني أَن أَبَا نخيلة قَالَ قرأتها حَتَّى أتيت إِلَى آخرهَا وهممت أَن أسأله فِيهَا ثمَّ تذكرت أَن النَّاس نصحوني على أَن لَا أسأله شَيْئا فَإِنَّهُ يحرم من يسْأَله فَلَمَّا فرغت أقبل على جُلَسَائِهِ فَقَالَ الْغُلَام السَّعْدِيّ أشعر من الشَّيْخ أبي النَّجْم الْعجلِيّ وَخرجت فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام أَتَتْنِي جائزته وَلما أفضت الْخلَافَة إِلَى السفاح نقل هَذِه الأرجوزة الدالية إِلَيْهِ فَهِيَ إِلَى الْآن فِي ديوانه منسوبة إِلَى السفاح
стр. 163
وأَبُو نخيلة بِضَم النُّون وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة اسْم الشَّاعِر لَا كنيته كَذَا فِي الأغاني وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة اسْمه يعمر وكني أَبَا نخيلة لِأَن أمه وَلدته إِلَى جنب نَخْلَة ويكنى أَبَا الْجُنَيْد وَأَبا العرماس وَهُوَ من بني حمان بن كَعْب بن سعد بِكَسْر الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم وَكَانَ عاقا لِأَبِيهِ فنفاه أَبوهُ عَن نَفسه فَخرج إِلَى الشأم فَأَقَامَ هُنَاكَ إِلَى أَن مَاتَ أَبوهُ ثمَّ عَاد وَبَقِي مشكوكا فِي نسبه مطعونا عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَغْلَب على شعره الرجز وَله قصيد لَيْسَ بالكثير وَمن شعره (الطَّوِيل)
(وَإِن بِقوم سودوك لحَاجَة ... إِلَى سيد لَو يظفرون بِسَيِّد)
وَلما خرج إِلَى الشأم اتَّصل بِمسلمَة بن عبد الْملك فاصطنعه وَأحسن إِلَيْهِ وأوصله إِلَى الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد واستماحهم لَهُ فأغنوه وَكَانَ بعد ذَلِك قَلِيل الْوَفَاء
انْقَطع إِلَى بني الْعَبَّاس ولقب نَفسه بشاعر بني هَاشم فمدح الْخُلَفَاء من بني الْعَبَّاس وهجا بني أُميَّة وَكَانَ طامعا فَحَمله طمعه على أَن قَالَ فِي الْمَنْصُور أرجوزة يغريه فِيهَا بخلع عِيسَى بن مُوسَى وبعقد الْعَهْد لِابْنِهِ مُحَمَّد الْمهْدي فوصله أَبُو جَعْفَر بألفي دِرْهَم وَأمره أَن ينشدها بحضره عِيسَى فَفعل فَطَلَبه عِيسَى فهرب مِنْهُ وَبعث فِي طلبه مولى لَهُ فأدركه فِي طَرِيق خُرَاسَان فذبحة وسلخ وَجهه
стр. 164
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعشْرُونَ (الرجز جذب الصواريين بالكرور) على أَن الصراري جمع صراء وَهُوَ جمع صَار بِمَعْنى الملاح وَهُوَ السفان الَّذِي يجْرِي السَّفِينَة والصاري بالصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ على وزن القَاضِي معتل اللَّام بِالْيَاءِ وَجمعه على صوار قِيَاس مطرد لِأَنَّهُ جمع فَاعل اسْما لَا وَصفا بِخِلَاف جمعه على صراء إِذْ جمع فَاعل المعتل اللَّام على فعال نَادِر نَحْو جَان وجناء وغاز وغزاء وقار وقراء وَلما شابه صراء وزن الْمُفْرد نَحْو زنار وكلاب جَازَ جمعه على فعاعيل نَحْو صراري كَمَا تَقول زنانير وكلاليب ثمَّ جمع الصراري جمع تَصْحِيح فَقيل الصراريون هَذَا تَقْرِير كَلَام الشَّارِح وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الْإِيضَاح الشعري الْأَشْبَه أَن يكون صراء مُفردا جمعه صراري أَلا ترى أَن فعالا جمعا كشهاد وَلم نعلمهُ جَاءَ مكسرا كَمَا جَاءَ تكسير فعال نَحْو جمال وجمائل وعَلى هَذَا يكون الصراء كالصارى وكلا هذَيْن الْقَوْلَيْنِ خلاف الْمَنْقُول والمسموع أما الأول فقد نقل الثِّقَات كَابْن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق والجواليقي وَابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَصَاحب الصِّحَاح والعباب والقاموس أَن الصراري مُفْرد مثل الصاري وَأَن جمعه الصراريون وأنشدوا لَهُ هَذَا الْبَيْت وَأَن جمع الصاري الصراء كَقَوْلِه
(إشراف مردي على صرائه)
فَيكون الصراري من مَادَّة الثلاثي المضعف والصاري من مَادَّة الثلاثي المعتل إِلَّا أَن صَاحب الْقَامُوس أَسَاءَ حَيْثُ أورد الصراري فِي المعتل
стр. 165
أَيْضا جمعا للصاري مَعَ أَن فَاعِلا لَا يجمع على فعاعيل وَإِنَّمَا الَّذِي يجمع عَلَيْهِ فعال بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد كَمَا مر أَو فعال بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد نَحْو جَبَّار وجبابير وَزنه فعالي غير مَوْجُودَة فِي أوزان الْمُفْردَات من أبنية سِيبَوَيْهٍ وَغَيرهَا فَيكون فِي الأَصْل مَنْسُوبا إِلَى صرارة وَهُوَ اسْم نهر وَالَّذِي لم يحجّ وَالَّذِي لم يتَزَوَّج أَو إِلَى صرار بِدُونِ هَاء وَهُوَ كسحاب وَكتاب اسْم وَاد بالحجاز وَأما الثَّانِي فقد قَالَ الفرزدق البسبيط)
(ترى الصراري والأمواج تضربه ... لَو يَسْتَطِيع إِلَى بَريَّة عبرا)
وَقَالَ خَليفَة بن حمل الطهوي أَيْضا (الْبَسِيط)
(ترى الصراري فِي غبراء مظْلمَة ... تعلوه طورا ويعلو فَوْقهَا تيرا)
فقد رَجَعَ الضَّمِير إِلَيْهِ فِي الْبَيْت الأول مُفردا ثَلَاث مَرَّات وَفِي الْبَيْت الثَّانِي رَجَعَ إِلَيْهِ مُفردا مرَّتَيْنِ وَقَالَ الْقطَامِي فِي وصف غواص درة شبه حبيبته بهَا من قصيدة (الْبَسِيط)
(حَتَّى إِذا السفن كَانَت فَوق معتلج ... ألْقى المعاوز عَنهُ ثمت انكتما
стр. 166
)
(فِي ذِي جلول يقْضِي الْمَوْت صَاحبه ... إِذا الصراري من أهواله ارتسما)
فَلَو كَانَ جمعا كَمَا زعما لقَالَ ارتسموا قَالَ شَارِح ديوانه أَبُو سعيد السكرِي والصراري الملاح والصراء الملاحون وَالْوَاحد صَار
وَأورد الحريري فِي درة الغواص الْبَيْت الثَّانِي وَزعم أَنه يصف فلكا والمعتلج اسْم فَاعل من اعتلجت الأمواج التطمت واضطربت والمعاوز بِالْفَتْح جمع معوز بِالْكَسْرِ وَهُوَ الثَّوْب الْخلق الَّذِي لَا يتبدل لِأَنَّهُ لِبَاس المعوزين والمعاوز مفعول ألْقى وفاعله ضمير الغواص فِي بَيت قبله وأنكتم مَعْطُوف على ألْقى وضميره كضميره وَقَوله فِي ذِي جلول مُتَعَلق بانكتم أَي توارى فِي مَاء كثير عَظِيم والجلول جمع جلّ وَهُوَ مُعظم الشَّيْء وَقيل الجلول جمع جلّ بِفَتْح الْجِيم بِمَعْنى الشراع يَعْنِي مَاء فِيهِ سفن لَهَا شرع والارتسام بِالسِّين الْمُهْملَة التَّكْبِير والتعوذ وَالدُّعَاء يَقُول إِن الملاح دَعَا وعوذ حِين شَاهد عظم الْأَهْوَال بتلاطم الأمواج وَبَيت الشَّاهِد من أرجوزه للعجاج يصف فِيهَا سفينة وَقَبله (الرجز)
(لأيا ينائيها من الجئور ... جذب الصرارين بالكرور)
(إِذْ نفحت فِي جلها الْمَسْجُور ... حدواء جَاءَت من حِيَال الطّور)
اللاي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة البطء والشدة وَهُوَ مَنْصُوب على نزع الْخَافِض أَي بلاي وينائيها يباعدها من النأي وروى يثانيها بِالْمُثَلثَةِ وَالنُّون من ثناه إِذا عطفه والجئور مصر جَار إِذا عدل عَن
стр. 167
الْقَصْد وَهُوَ مصدر سَمَاعي جَاءَ على فعول بِالضَّمِّ لَكِن همز عينه على مُقْتَضى الْقَاعِدَة وَلم أر من نبه على هَذَا الْمصدر غير ابْن السيرافي فِي شرح شَوَاهِد إصْلَاح الْمنطق وَابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وكلاهم نبها عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت وَكَذَلِكَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب أَيْضا والكرور الحبال وَاحِدهَا كرّ بِالْفَتْح قَالَ أَبُو حنيفَة فِي كتاب النَّبَات
قَالَ أَبُو خيرة الْكر الغليظ من الحبال وَقَالَ الطوسي هُوَ حَبل يكون من جُلُود وَغَيرهَا وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وجذب فَاعل ينائيها يَقُول إِذا عدلت هَذِه السَّفِينَة وجارت عَن الْقَصْد لم يصرفهَا الملاحون عَن ذَلِك إِلَّا بعد بطء ومشقة ونفحت بِالْحَاء الْمُهْملَة هبت والجل بِفَتْح الْجِيم الشراع كَمَا تقدم والمسجور بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم الَّذِي شدّ بالحبال قَالَ فِي الْعباب اللُّؤْلُؤ الْمَسْجُور المنظوم المسترسل قَالَه أَبُو عبيد وَأنْشد للمخبل السَّعْدِيّ (الْكَامِل)
(وَإِذا ألم خيالها طرفت ... عَيْني فماء شؤونها سجم)
(كاللولؤ الْمَسْجُور أغفل فِي ... سلك النظام فخانه النّظم)
والحدواء فَاعل نفحت بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهِي الرّيح الَّتِي تحدو السَّحَاب أَي تسوقها وَهِي ريح الشمَال وَالطور جبل وَالرِّيح الَّتِي تَجِيء من قبله هِيَ الشمَال وحيال الطّور ناحيته وإزاوه وَهِي بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالمثناة التَّحْتِيَّة يُقَال قعد حياله وبحياله أَي بإزائه وروى من بِلَاد الطّور
стр. 168
والعجاج اسْمه عبد الله وكنيته أَبُو الشعْثَاء وَتقدم نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده روبة فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَكَانَ يُقَال لَهُ عبد الله الطَّوِيل ولقب بالعجاج لقَوْله (الرجز) (حَتَّى يعج عِنْدهَا من عجعجا)
\ وَهُوَ أول من رفع الرجز وَجعل لَهُ أَوَائِل وَشبهه بالقصيد وَأنْشد بعده للكميت وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ (المتقارب)
(وَلم يستريثوك حَتَّى رمي ت ... فَوق الرِّجَال خِصَالًا عشارا)
على أَن عشار المعدول عَن عشرَة قد جَاءَ فِي قَول الْكُمَيْت وَالْمَسْأَلَة مفصلة فِي الشَّرْح قَالَ الحريري فِي درة الغواص روى خلف الْأَحْمَر أَنهم صاغوا هَذَا الْبناء متسقا إِلَى عشار وَأنْشد عَلَيْهِ مَا عزي إِلَى أَنه مَصْنُوع وَمِنْه (مجزوء الرمل)
(قل لعَمْرو يَا ابْن هِنْد ... لَو رَأَيْت الْيَوْم شنا)
(لرأت عَيْنَاك مِنْهُم ... كل مَا كنت تمنى)
(إِذْ أتتنا فيلق شهباء من هُنَا وَهنا)
(وَأَتَتْ دوسر والملحاء ... سيرا مطمئنا)
(وَمَشى الْقَوْم إِلَى الْقَوْم ... أحاد وَأثْنى)
(وَثَلَاثًا ورباعا ... وخماسا فاطعنا)
стр. 169
.
(وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا)
(وتساعا وعشارا ... فأصبنا وأصبنا)
(لَا ترى إِلَّا كميا ... قَاتلا مِنْهُم وَمنا)
وَدَلَائِل الْوَضع فِي هَذِه الأبيات ظَاهِرَة وَكَانَ خلف الْأَحْمَر مُتَّهمًا بِالْوَضْعِ وَشن قَبيلَة وَالْفَيْلَق الْجَيْش وأنثه بِاعْتِبَار الكتيبة وَهنا بِالْفَتْح اسْم
إِشَارَة للقريب ودوسر كَتِيبَة للنعمان بن الْمُنْذر والملحاء كَتِيبَة أَيْضا لآل الْمُنْذر وترجمة الْكُمَيْت قد مَضَت فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَمعنى يستريثوك يجدونك رائثا أَي بطيئا من الريث وَهُوَ البطء ورميت زِدْت يُقَال رمى على الْخمسين وأرمى أَي زَاد يَقُول لما نشأت نشء الرِّجَال أسرعت فِي بُلُوغ الْغَايَة الَّتِي يطْلبهَا طلاب الْمَعَالِي وَلم يقنعك ذَلِك حَتَّى زِدْت عَلَيْهِم بِعشر خِصَال فقت السَّابِقين وأيأست الَّذين راموا أَن يَكُونُوا لَك لاحقين انْتهى وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جني فِي الخصائص عَلَوْت مَوضِع رميت وروى أَبُو جَعْفَر النّحاس
(حَتَّى أتيت فَوق الرِّجَال خلالا عشارا)
وروى الحريري فِي الدرة نصالا بدل خِصَالًا وَالْأول هُوَ الصَّحِيح وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للكميت يمدح بهَا أبان بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَقَبله
стр. 170
(المتقارب) ... رجوك وَلم يبلغ الْعُمر مِنْك ... عشرا وَلَا نبت فِيك اتغارا)
(لأدنى خسا أَو زكا من سنيك ... إِلَى أَربع فبقوك انتظارا)
وَبعده بَيت الشَّاهِد يَقُول تبينوا فِيك السؤدد لسنة أَو سنتَيْن من مولدك فَرجوا أَن تكون سعيدا أَمِيرا مُطَاعًا رفيع الذّكر وَلم تبلغ عشْرين سنة وَقَوله وَلَا نبت فِيك أتغارا أَي أثغرت وَلم تنْبت أسنانك بعد فِي الصِّحَاح وَإِذا سَقَطت رواضع الصَّبِي قيل ثغر فَهُوَ مثغور فَإِذا نَبتَت قيل اتغر وَأَصله اثتغر فقلبت الثَّاء تَاء ثمَّ أدغمت وَإِن شِئْت قلت اثغر يَجْعَل الْحَرْف الأصلى هُوَ الظَّاهِر وَقَوله لأدنى خسا أَو زكا الخسا بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة الْفَرد والزكا
بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة الزَّوْج وخسا وزكا ينون وَلَا ينون وَالْمعْنَى أَنهم رجوك أَن تكون كَذَلِك لأَقل مَا يعبر عَنهُ بخسا وزكا وَهُوَ سنة أَو سنتَانِ إِلَى أَن سَار لَك أَربع سِنِين فَظهر للنَّاس مَا دلهم على مَا رجوه مِنْك وتفرسوك عِنْد كَمَال سنك وَقَوله فبقوك أَي انتظروك يُقَال بقوت الشَّيْء إِذا انتظرته وَمِنْه يُقَال للمؤذنين بقاة لأَنهم ينتظرون أَوْقَات الصَّلَاة وانتظارا مَنْصُوب بقوله بقوك لِأَنَّهُ فِي معنى انتظروك انتظارا وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ مجزوء الْكَامِل
(إِلَّا علالة أَو بدا ... هة سابح نهد الجزاره)
على أَن الْمُضَاف يحذف مَعَ دلَالَة مَا أضيف إِلَيْهِ تَابع ذَلِك الْمُضَاف عَلَيْهِ
стр. 171
ذكر الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب الْإِضَافَة أَن هَذَا مَذْهَب الْمبرد وأيده بِمَا ذكره هُنَاكَ على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ أَن علالة مُضَاف إِلَيْهِ الْمَجْرُور الظَّاهِر وبداهة فِي الأَصْل مُضَاف إِلَى ضميرَة وَالتَّقْدِير إِلَّا علالة سابح أَو بداهته ثمَّ حذف الضَّمِير وَجعل بداهة بَين المتضايقين إِلَى آخر مَا ذكره وَسَيَأْتِي عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للاعشى يُخَاطب هبا شَيبَان بن شهَاب مِنْهَا
(وَهُنَاكَ يكذب ظنكم ... أَن لَا اجْتِمَاع وَلَا زياره)
(وَلَا بَرَاءَة للبريء ... وَلَا عَطاء وَلَا خفاره)
(إِلَّا علالة أَو بدا ... هة سابح نهد الجزارة)
إِلَى أَن قَالَ
(وَلَا نُقَاتِل بِالْعِصِيِّ ... وَلَا نرامي بالحجاره)
يَقُول إِذا غزوناكم علمْتُم أَن ظنكم بأننا لَا نغزوكم كذب وَهُوَ زعمكم أننا لَا نَجْتَمِع وَلَا نزوركم بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح غازين لكم وَمن كَانَ بَرِيئًا مِنْكُم لم تَنْفَعهُ بَرَاءَته لِأَن الْحَرْب إِذا عظمت لحق شَرها البريء كَمَا يلْحق الْمُسِيء يُرِيد أننا ننال مِنْكُم من الْمُسِيء والبريء بِمَا تَكْرَهُونَ وَلَا نقبل مِنْكُم عَطاء وَلَا نعطيكم خفارة تفتدون بهما منا والخفارة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر الذِّمَّة قَالَ فِي الْمِصْبَاح خفر بالعهد من بَاب ضرب وَفِي لُغَة من بَاب قتل إِذا وفى بِهِ وخفرت الرجل حميته وأجرته من طَالبه وَالِاسْم الخفارة بِضَم الْخَاء وَكسرهَا وَقَوله أَلا علالة اسْتثِْنَاء مُنْقَطع من قَوْله لَا اجْتِمَاع أَي لَكِن نزوركم بِالْخَيْلِ والعلالة بِضَم الْعين
стр. 172
الْمُهْملَة بَقِيَّة جري الْفرس وَبَقِيَّة كل شَيْء أَيْضا وَهُوَ من التعلل بِمَعْنى التلهي والبداهة بِضَم الْمُوَحدَة أول جرى الْفرس وأو للإضراب وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة والخصائص تَقْدِيم بداهة فَهُوَ على هَذَا لأحد الشَّيْئَيْنِ والسابح الْفرس الَّذِي يدحو الأَرْض بيدَيْهِ فِي الْعَدو ويروى بدله القارح وَهُوَ من الْخَيل الَّذِي بلغ أقْصَى أَسْنَانه يُقَال قرح ذُو الْحَافِر يقرح بفتحهما قروحا انْتَهَت أسنانة وَذَلِكَ عِنْد أكمال خمس سِنِين والنهد بِفَتْح النُّون الْمُرْتَفع والجزارة بِضَم الْجِيم الرَّأْس وَالْيَدَانِ وَالرجلَانِ وَهَذَا فِي الأَصْل فِيمَا يذبح وَسميت بذلك لِأَن الجزار يَأْخُذهَا فِي مُقَابلَة ذَبحهَا كَمَا يُقَال أَخذ الْعَامِل عمالته بِالضَّمِّ فَبَقيَ هَذَا الِاسْم عَلَيْهَا يُرِيد أَن فِي عُنُقه وقوائمه طولا وارتفاعا فَإِنَّهُ يسْتَحبّ فِي عنق الْخَيل الطول واللين وَقد فرق سُلَيْمَان بن ربيعَة بَين الْعتاق والهجن بالأعناق فَدَعَا بطست من مَاء فَوضعت بِالْأَرْضِ ثمَّ قدمت الْخَيل إِلَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا فَمَا ثنى سنبكة وَهُوَ مقدم الْحَافِر ثمَّ شرب هجنة وَمَا شرب وَلم يثن سنبكه جعله عتيقا وَذَلِكَ لِأَن فِي أَعْنَاق الهجن قصرا فَهِيَ لَا تنَال المَاء على تِلْكَ الْحَالة حَتَّى تثنى سنابكها وَيسْتَحب أَيْضا أَن يكون مَا فَوق السَّاقَيْن من الفخذين طَويلا فيوصف حِينَئِذٍ بطول القوائم
قَالَ الشَّاعِر (الْخَفِيف)
(شرحب سلهب كَأَن رماحا ... حَملته وَفِي السراة دموج)
والشرحب والسلهب كِلَاهُمَا على وزن جَعْفَر بِمَعْنى الطَّوِيل والسراة بِفَتْح الْمُهْملَة أَعلَى الظّهْر والدموج دُخُول بعض الشَّيْء فِي بعضه من شدته واكتنازه وَأما الساقان فَيُسْتَحَب قصرهما وَقَالَ الشَّاعِر (المتقارب)
(لَهُ متن عير وساقا ظليم)
стр. 173
العير الْحمار الوحشي والظليم ذكر النعام كَذَا فِي أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة وَبِه يعلم سُقُوط قَول الشنتمري النهد الغليظ والجزارة الرَّأْس والقوائم وَيسْتَحب غلظهما مَعَ قلَّة لحمهما وأوهى مِنْهُ قَول الْجَوْهَرِي وَتَبعهُ صَاحب الْعباب وَنَقله الْعَيْنِيّ إِذا قَالُوا فرس نهد أَو عبل الجزارة فَإِنَّمَا يُرَاد غلظ الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَكَثْرَة عصبهما وَلَا يدْخل الرَّأْس فِي هَذَا لِأَن عظم الرَّأْس هجنة فِي الْخَيل وخبط المطرزي فِي شرح الْمفصل خبط عشواء فَقَالَ يَعْنِي كُنَّا فِي سفر أَو حَرْب انْقَطع فِيهَا جَمِيع الأفراس عَن السّير وَلم يبْق لَهَا جري إِلَّا علالة أَو بداهة فرس سابح هَذَا كَلَامه وَكَأَنَّهُ لم يقف على مَا قبله من الأبيات وَقَوله وَلَا نُقَاتِل بِالْعِصِيِّ إِلَخ يصف قومه بِأَنَّهُم أَصْحَاب حروب يُقَاتلُون على الْخَيل لَا أَصْحَاب أبل يرعونها فَيُقَاتل بَعضهم بَعْضًا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَة والأعشى كنيته أَبُو بَصِير واسْمه مَيْمُون بن قيس بن جندل بن شرَاحِيل بن عَوْف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل وَكَانَ أَبوهُ قيس يدعى قَتِيل الْجُوع وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي جبل فَدخل غارا فَوَقَعت صَخْرَة من الْجَبَل فَسدتْ فَم الْغَار فَمَاتَ فِيهِ جوعا وَكَانَ الْأَعْشَى من فحول شعراء الْجَاهِلِيَّة وَمِمَّنْ قدم على سَائِرهمْ سلك فِي شعره كل مَسْلَك وَقَالَ فِي أَكثر أعاريض الْعَرَب وَلَيْسَ مِمَّن تقدم من الفحول
أَكثر شعرًا مِنْهُ وَسُئِلَ ابْن أبي حَفْصَة من أشعر الْعَرَب قَالَ شَيخا وَائِل الْأَعْشَى فِي الْجَاهِلِيَّة والأخطل فِي الْإِسْلَام وَسُئِلَ يُونُس النَّحْوِيّ من أشعر النَّاس قَالَ لَا أومئ إِلَى رجل بِعَيْنِه وَلَكِنِّي أَقُول امْرُؤ الْقَيْس إِذا ركب والنابغة إِذا رهب وَزُهَيْر إِذا رغب والأعشى إِذا طرب
стр. 174
وَهُوَ أول من سَأَلَ بِشعرِهِ وَكَانُوا يسمونه صناجة الْعَرَب لجودة شعره وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يفخم مِنْهُ ويعظم مَحَله وَيَقُول شَاعِر مجيد كثير الأعاريض والافتنان وَإِذا سُئِلَ عَنهُ وَعَن لبيد قَالَ لبيد رجل صَالح والأعشى رجل شَاعِر وروى الْمفضل بِسَنَدِهِ عَن الشّعبِيّ قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لمؤدب أَوْلَاده أدبهم بِرِوَايَة شعر الْأَعْشَى فَإِنَّهُ قَاتله الله مَا كَانَ أعذب بحره وأصلب صخره قَالَ الْمفضل من زعم أَن أحدا أشعر من الْأَعْشَى فَلَيْسَ يعرف الشّعْر وَكَانَ الْأَعْشَى يفد على الْمُلُوك لَا سِيمَا مُلُوك فَارس وَلذَلِك كثرت الْأَلْفَاظ الفارسية فِي شعره قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَكَانَ الْأَعْشَى جاهليا قَدِيما وَأدْركَ الْإِسْلَام فِي آخر عمره ورحل إِلَى النَّبِي ﷺ َ فِي صلح الحديبة فَسَأَلَهُ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب عَن وَجهه الَّذِي يُرِيد فَقَالَ أردْت مُحَمَّدًا قَالَ إِنَّه يحرم عَلَيْك الْخمر والزني والقمار قَالَ أما الزِّنَى فقد تركني وَلم أتركه وَأما الْخمر فقد قضيت مِنْهَا وطرأ وَأما الْقمَار فلعلي أُصِيب مِنْهُ عوضا قَالَ فَهَل لَك إِلَى خير من هَذَا قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ بَيْننَا وَبَينه هدنة فترجع عامك هَذَا وَتَأْخُذ مائَة نَاقَة حَمْرَاء فَإِن ظفر بعد ذَلِك أَتَيْته وَإِن ظفرنا كنت قد أصبت من رحلتك عوضا فَقَالَ لَا أُبَالِي فَأَخذه أَبُو سُفْيَان إِلَى منزله وَجمع عَلَيْهِ أَصْحَابه وَقَالَ يَا معشر قُرَيْش هَذَا أعشى قيس وَلَئِن وصل إِلَى مُحَمَّد ليضربن عَلَيْكُم الْعَرَب قاطبة فَجمعُوا لَهُ مائَة نَاقَة حَمْرَاء فَانْصَرف فَلَمَّا صَار بِنَاحِيَة الْيَمَامَة أَلْقَاهُ بعيرة فَقتله انْتهى
стр. 175
وَقَالَ شَارِح ديوانه مُحَمَّد بن حبيب وَكَانَ الْأَعْشَى فِيمَا رُوِيَ رَحل عِنْد ظُهُور النَّبِي
حَتَّى أَتَى مَكَّة وَكَانَ قد سمع قِرَاءَة الْكتب فَنزل عِنْد عتبَة بن ربيعَة فَسمع بِهِ أَو جهل فَأَتَاهُ فِي فتية من قُرَيْش وَأهْدى لَهُ هَدِيَّة ثمَّ سَأَلَهُ مَا جَاءَ بك قَالَ جِئْت إِلَى مُحَمَّد إِنِّي كنت سَمِعت مبعثه فِي الْكتب لأنظر مَاذَا يَقُول وماذا يَدْعُو إِلَيْهِ فَقَالَ أَبُو جهل إِنَّه يحرم الزِّنَى فَقَالَ لقد كَبرت وَمَالِي فِي الزِّنَى حَاجَة قَالَ فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْك الْخمر قَالَ فَمَا أحل فَجعلُوا يحدثونه بِأَسْوَأ مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ فَقَالُوا أنشدنا مَا قلت فِيهِ فَأَنْشد (الطَّوِيل)
(ألم تغتمض عَيْنَاك لَيْلَة أرمدا ... وعادك مَا عَاد السَّلِيم المسهدا)
وَهِي قصيدة جَيِّدَة عدتهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بَيْتا فَلَمَّا أنشدهم قَالُوا هَذَا رجل لَا يمدح أحد إِلَّا رَفعه وَلَا يهجو أحدا إِلَّا وَضعه فَمن لنا يصرفهُ عَن هَذَا الْوَجْه فَقَالَ أَبُو جهل للأعشى أما أَنْت فَلَو أنشدته هَذِه لم يقبلهَا فَلم يزَالُوا بِهِ لشقاوته حَتَّى صدوه وَخرج من فورته حَتَّى وصل الْيَمَامَة فَمَكثَ بهَا قَلِيلا ثمَّ مَاتَ وروى ابْن دأب وَغَيره أَن الْأَعْشَى خرج يُرِيد النَّبِي
وَقَالَ شعرًا حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق نفرت بِهِ رَاحِلَته فَقتلته فَلَمَّا أنْشد شعره الَّذِي يَقُول فِيهِ (الطَّوِيل)
(وآليت لَا أرثي لَهَا من كلاله ... وَلَا من حفى حَتَّى تلاقي مُحَمَّدًا)
(مَتى مَا تناخي عِنْد بَاب ابْن هَاشم ... تراحي وتلقي من فواضلة ندى)
стр. 176
فَقَالَ النَّبِي
كَاد ينجو وَلما وَترد هَذِه القصيدة إِن شَاءَ الله مشروحة فِي شَوَاهِد مُغنِي اللبيب فَإِنَّهُ اسْتشْهد بغالب أبياتها وَلم يَقع مِنْهَا شَيْء فِي هَذِه الشواهد.
وللأعشى أَخْبَار أخر تَأتي مُتَفَرِّقَة فِي شرح شَوَاهِد من شعره والْأَعْشَى فِي اللُّغَة الَّذِي لَا يبصر بِاللَّيْلِ ويبصر بِالنَّهَارِ وَالْمَرْأَة عشواء وعشي الرجل بِالْكَسْرِ عشا بِالْقصرِ إِذا ضعف بَصَره وَكَانَ هَذَا الْأَعْشَى عمي فِي أَوَاخِر عمره وعدة من هُوَ أعشى من الشُّعَرَاء سَبْعَة عشر شَاعِرًا ذكرهم الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ (الوافر)
(حلائل أسودين وأحمرينا)
وأوله
(فَمَا وجدت بَنَات بني نزار)
على أَن جمع أسود وأحمر جمع تَصْحِيح شَاذ كَمَا يَجِيء فِي بَاب الْجمع وَقَالَ فِي بَاب الْجمع فَكل صفة لَا تلحقها التَّاء فَكَأَنَّهَا من قبيل الْأَسْمَاء فَلِذَا لم يجمع هَذَا الْجمع أفعل فعلاء وفعلان فعلى وَأَجَازَ ابْن كيسَان أحمرون وسكرانون وَاسْتدلَّ بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ عِنْد غَيره شَاذ ا. هـ.
وبَنَات فَاعل وجدت وحلائل مَفْعُوله نزار بِكَسْر النُّون هُوَ وَالِد مُضر بن نزار بن معد بن عدنان والحلائل جمع حليل بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ
стр. 177
الزَّوْج والحليلة الزَّوْجَة سميا بذلك لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل للأخر وَلَا يحرم أَو لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل من صَاحبه محلا لَا يحله غَيره وأسودين صفة حلائل وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحكيم الْأَعْوَر ابْن عَيَّاش الْكَلْبِيّ من شعراء الشَّام هجا بهَا مُضر وَرمى فِيهَا أمْرَأَة الْكُمَيْت بن زيد بِأَهْل الْحَبْس لما فر مِنْهُ بِثِيَاب امْرَأَته
وَسبب حبس الْكُمَيْت على وَجه الِاخْتِصَار أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ ولعا بِهِجَاء مُضر فَكَانَت شعراء مُضر تهجوه وتجيبه وَكَانَ الْكُمَيْت يَقُول هُوَ وَالله أشعر مِنْكُم قَالُوا فأجب الرجل قَالَ إِن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي محسن إِلَيّ فَلَا أقدر أَن أرد عَلَيْهِ قَالُوا فاسمع بأذنك مَا يَقُول فِي بَنَات عمك وَبَنَات خَالك من الهجاء فأنشدوه ذَلِك فحمي الْكُمَيْت لعشيرته فَقَالَ المذهبة الَّتِي أَولهَا
(أَلا حييت عَنَّا يَا مدينا)
وَأحسن فِيهَا وَهِي زهاء ثَلَاثمِائَة بَيت لم يتْرك فِيهَا حَيا من أَحيَاء الْيمن إِلَّا هجاهم وَمِنْهَا (الوافر)
(وَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا)
وَتقدم شَرحه وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس عشر وَعرض الْكُمَيْت فِيهَا بِأخذ الْفرس والحبشة وَغَيرهمَا نسَاء الْيمن بقوله
(لنا قمر السَّمَاء وكل نجم ... تُشِير إِلَيْهِ أَيدي المهتدينا)
...
стр. 178
(وَمَا ضربت بَنَات بني نزار ... هوائج من فحول الأعجمينا)
(وَمَا حملُوا الْحمير على عتاق ... مطهمة فيلفوا منغلينا)
والهوائج جمع هائج وَهُوَ الْفَحْل الَّذِي يشتهى الضراب وَبلغ خَالِدا الْقَسرِي خبر هَذِه القصيدة فَقَالَ وَالله لأقتلنه ثمَّ اشْترى ثَلَاثِينَ جَارِيَة فِي نِهَايَة الْحسن فرواهن القصائد الهاشميات للكميت ودسهن مَعَ نخاس إِلَى هِشَام بن عبد الْملك فاشتراهن فأنشدنه يَوْمًا القصائد الْمَذْكُورَة فَكتب إِلَى خَالِد وَكَانَ يَوْمئِذٍ عَامله بالعراق أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْس الْكُمَيْت فَأَخذه خَالِد وحبسه فَوجه الْكُمَيْت إِلَى امْرَأَته وَلبس ثِيَابهَا وَتركهَا فِي مَوْضِعه وهرب من الْحَبْس فَلَمَّا علم خَالِد أَرَادَ أَن ينكل بِالْمَرْأَةِ فاجتمعت بَنو أَسد إِلَيْهِ وَقَالُوا مَا سَبِيلك على امْرَأَة لنا خدعت فخافهم وخلى سَبِيلهَا ثمَّ إِن الْكُمَيْت أتصل بِمسلمَة بن هِشَام فشفع فِيهِ عِنْد وَالِده فشفعه
وَقيل إِن سَبَب هجاء الْكُمَيْت أهل الْيمن أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ يهجو عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَبني هَاشم جَمِيعًا وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني أُميَّة فَانْتدبَ لَهُ الْكُمَيْت رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فهجاه وسبه وأجابه ولج الهجاء بَينهمَا وَكَانَ الْكُمَيْت يخَاف أَن يفصح بِشعرِهِ عَن عَليّ ﵁ لما وَقع بَينه وَبَين هِشَام وَكَانَ يظْهر أَن هجاءه إِيَّاه للعصبية الَّتِي بَين عدنان جد مُضر وَبَين قحطان أبي الْيمن وَقَالَ المستهل بن الْكُمَيْت يَوْمًا لوالده لما افتخر فِي قصيدة بائية مُوَحدَة ببني أَيَّة هاجيا بهَا قحطان كَيفَ فخرت ببني أُميَّة وَأَنت تشهد عَلَيْهَا بالْكفْر فَهَلا فخرت بعلي وَبني هَاشم الَّذين تتولاهم فَقَالَ يَا بني أَنْت تعلم انْقِطَاع الْكَلْبِيّ إِلَى بني أُميَّة وهم أَعدَاء عَليّ ﵁ فَلَو ذكرت
стр. 179
عليا لترك ذكري وَأَقْبل على هجائه فَأَكُون قد عرضت عليا لَهُ وَلَا أجد لَهُ ناصرا من بني أُميَّة ففخرت عَلَيْهِ ببني أُميَّة وَقلت إِن نقضهَا عَليّ قَتَلُوهُ وَإِن أمسك عَن ذكرهم ثنيته عَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ أمسك الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ عَن جَوَابه فغلب عَلَيْهِ وأفحم الْكَلْبِيّ وَقَالَ الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ يَوْمًا (الْبَسِيط)
(مَا سرني أَن أُمِّي من بني أَسد ... وَأَن رَبِّي نجاني من النَّار)
(وَأَنَّهُمْ زوجوني من بناتهم ... وَأَن لي كل يَوْم ألف دِينَار)
فَأَجَابَهُ الْكُمَيْت (الْبَسِيط)
(يَا كلب مَالك أم من بني أَسد ... مَعْرُوفَة فَاحْتَرَقَ يَا كلب بالنَّار)
فَأَجَابَهُ الْكَلْبِيّ
(لن يبرح اللؤم هَذَا الْحَيّ من أَسد ... حَتَّى يفرق بَين السبت والأحد)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ (الرجز)
(قدذ صرت البكرة يَوْمًا أجمعا)
على أَن الْكُوفِيّين جوزوا تَأْكِيد النكرَة المحدودة وَقد أوردهُ الشَّارِح فِي بَاب التوكيد أَيْضا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا الْبَيْت مَجْهُول لَا يعرف قَائِله حَتَّى قَالَ جمَاعَة من الْبَصرِيين إِنَّه مَصْنُوع
والبكرة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف إِن كَانَت البكرة الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا المَاء من الْبِئْر ف صرت بِمَعْنى صوتت من صر الْبَاب يصر صَرِيرًا
стр. 180
أَي صَوت فَيكون الْمَعْنى مَا انْقَطع استقاء المَاء من الْبِئْر يَوْمًا كَامِلا وَإِن كَانَت الْفتية من الْإِبِل مؤنث الْبكر وَهُوَ الفتي مِنْهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْبكر من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْفَتى من الْإِنْسَان والبكرة بِمَنْزِلَة الفتاة والقلوص بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة وَالْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان والجمل بِمَنْزِلَة الرجل والناقة بِمَنْزِلَة الْمَرْأَة ف صرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال صررت النَّاقة شددت عَلَيْهَا الصرار وَهُوَ خيط يشد فَوق الْخلف والتوديه لِئَلَّا يرضعها وَلَدهَا والفتي بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْمُثَنَّاة وَتَشْديد الْيَاء هُوَ من الدَّوَابّ خلاف المسن وَهُوَ كالشاب من النَّاس وَالْأُنْثَى فتية والفتى بِالْقصرِ الشَّاب وَالْأُنْثَى فتاة وَالْخلف بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام هُوَ لذوات الْخُف كالثدي للْإنْسَان والتودية بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الدَّال وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة هِيَ خَشَبَة تشد على خلف النَّاقة إِذا صرت وَجَمعهَا تواد كمساجد قَالَ الْعَيْنِيّ بعد أَن شَرحه على الْوَجْه الأول صَدره
(إِنَّا إِذا خطافنا تقعقعا)
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن الأول أَن بَيت الشَّاهِد بَيت من الرجز وَلَيْسَ مصراعا من بَيت حَتَّى يكون مَا ذكره صَدره وَالثَّانِي أَنه غير مُرْتَبِط بِبَيْت الشَّاهِد فَإِن بَيت الشَّاهِد لَا يَصح أَن يكون خَبرا لقَوْله إِنَّا وَلَا جَوَابا ل إِذا اللَّهُمَّ إِلَّا إِن قدر الرابط أَي صرت البكرة فِيهِ وَتَكون حِينَئِذٍ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبرا لإنا فَافْهَم والخطاف بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد حَدِيدَة معوجة تكون فِي جَانِبي البكرة فِيهَا المحور وكل حَدِيدَة معطوفة خطَّاف والقعقعة تَحْرِيك الشَّيْء الْيَابِس الصلب مَعَ صَوت والتقعقع مطاوعه
следующие страницы →