Полный текст (5 658 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فَقَالَ النَّبِي
كَاد ينجو وَلما وَترد هَذِه القصيدة إِن شَاءَ الله مشروحة فِي شَوَاهِد مُغنِي اللبيب فَإِنَّهُ اسْتشْهد بغالب أبياتها وَلم يَقع مِنْهَا شَيْء فِي هَذِه الشواهد.
وللأعشى أَخْبَار أخر تَأتي مُتَفَرِّقَة فِي شرح شَوَاهِد من شعره والْأَعْشَى فِي اللُّغَة الَّذِي لَا يبصر بِاللَّيْلِ ويبصر بِالنَّهَارِ وَالْمَرْأَة عشواء وعشي الرجل بِالْكَسْرِ عشا بِالْقصرِ إِذا ضعف بَصَره وَكَانَ هَذَا الْأَعْشَى عمي فِي أَوَاخِر عمره وعدة من هُوَ أعشى من الشُّعَرَاء سَبْعَة عشر شَاعِرًا ذكرهم الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ (الوافر)
(حلائل أسودين وأحمرينا)
وأوله
(فَمَا وجدت بَنَات بني نزار)
على أَن جمع أسود وأحمر جمع تَصْحِيح شَاذ كَمَا يَجِيء فِي بَاب الْجمع وَقَالَ فِي بَاب الْجمع فَكل صفة لَا تلحقها التَّاء فَكَأَنَّهَا من قبيل الْأَسْمَاء فَلِذَا لم يجمع هَذَا الْجمع أفعل فعلاء وفعلان فعلى وَأَجَازَ ابْن كيسَان أحمرون وسكرانون وَاسْتدلَّ بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ عِنْد غَيره شَاذ ا. هـ.
وبَنَات فَاعل وجدت وحلائل مَفْعُوله نزار بِكَسْر النُّون هُوَ وَالِد مُضر بن نزار بن معد بن عدنان والحلائل جمع حليل بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ
стр. 177
الزَّوْج والحليلة الزَّوْجَة سميا بذلك لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل للأخر وَلَا يحرم أَو لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل من صَاحبه محلا لَا يحله غَيره وأسودين صفة حلائل وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحكيم الْأَعْوَر ابْن عَيَّاش الْكَلْبِيّ من شعراء الشَّام هجا بهَا مُضر وَرمى فِيهَا أمْرَأَة الْكُمَيْت بن زيد بِأَهْل الْحَبْس لما فر مِنْهُ بِثِيَاب امْرَأَته
وَسبب حبس الْكُمَيْت على وَجه الِاخْتِصَار أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ ولعا بِهِجَاء مُضر فَكَانَت شعراء مُضر تهجوه وتجيبه وَكَانَ الْكُمَيْت يَقُول هُوَ وَالله أشعر مِنْكُم قَالُوا فأجب الرجل قَالَ إِن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي محسن إِلَيّ فَلَا أقدر أَن أرد عَلَيْهِ قَالُوا فاسمع بأذنك مَا يَقُول فِي بَنَات عمك وَبَنَات خَالك من الهجاء فأنشدوه ذَلِك فحمي الْكُمَيْت لعشيرته فَقَالَ المذهبة الَّتِي أَولهَا
(أَلا حييت عَنَّا يَا مدينا)
وَأحسن فِيهَا وَهِي زهاء ثَلَاثمِائَة بَيت لم يتْرك فِيهَا حَيا من أَحيَاء الْيمن إِلَّا هجاهم وَمِنْهَا (الوافر)
(وَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم ... وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا)
وَتقدم شَرحه وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس عشر وَعرض الْكُمَيْت فِيهَا بِأخذ الْفرس والحبشة وَغَيرهمَا نسَاء الْيمن بقوله
(لنا قمر السَّمَاء وكل نجم ... تُشِير إِلَيْهِ أَيدي المهتدينا)
...
стр. 178
(وَمَا ضربت بَنَات بني نزار ... هوائج من فحول الأعجمينا)
(وَمَا حملُوا الْحمير على عتاق ... مطهمة فيلفوا منغلينا)
والهوائج جمع هائج وَهُوَ الْفَحْل الَّذِي يشتهى الضراب وَبلغ خَالِدا الْقَسرِي خبر هَذِه القصيدة فَقَالَ وَالله لأقتلنه ثمَّ اشْترى ثَلَاثِينَ جَارِيَة فِي نِهَايَة الْحسن فرواهن القصائد الهاشميات للكميت ودسهن مَعَ نخاس إِلَى هِشَام بن عبد الْملك فاشتراهن فأنشدنه يَوْمًا القصائد الْمَذْكُورَة فَكتب إِلَى خَالِد وَكَانَ يَوْمئِذٍ عَامله بالعراق أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْس الْكُمَيْت فَأَخذه خَالِد وحبسه فَوجه الْكُمَيْت إِلَى امْرَأَته وَلبس ثِيَابهَا وَتركهَا فِي مَوْضِعه وهرب من الْحَبْس فَلَمَّا علم خَالِد أَرَادَ أَن ينكل بِالْمَرْأَةِ فاجتمعت بَنو أَسد إِلَيْهِ وَقَالُوا مَا سَبِيلك على امْرَأَة لنا خدعت فخافهم وخلى سَبِيلهَا ثمَّ إِن الْكُمَيْت أتصل بِمسلمَة بن هِشَام فشفع فِيهِ عِنْد وَالِده فشفعه
وَقيل إِن سَبَب هجاء الْكُمَيْت أهل الْيمن أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ يهجو عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَبني هَاشم جَمِيعًا وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني أُميَّة فَانْتدبَ لَهُ الْكُمَيْت رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فهجاه وسبه وأجابه ولج الهجاء بَينهمَا وَكَانَ الْكُمَيْت يخَاف أَن يفصح بِشعرِهِ عَن عَليّ ﵁ لما وَقع بَينه وَبَين هِشَام وَكَانَ يظْهر أَن هجاءه إِيَّاه للعصبية الَّتِي بَين عدنان جد مُضر وَبَين قحطان أبي الْيمن وَقَالَ المستهل بن الْكُمَيْت يَوْمًا لوالده لما افتخر فِي قصيدة بائية مُوَحدَة ببني أَيَّة هاجيا بهَا قحطان كَيفَ فخرت ببني أُميَّة وَأَنت تشهد عَلَيْهَا بالْكفْر فَهَلا فخرت بعلي وَبني هَاشم الَّذين تتولاهم فَقَالَ يَا بني أَنْت تعلم انْقِطَاع الْكَلْبِيّ إِلَى بني أُميَّة وهم أَعدَاء عَليّ ﵁ فَلَو ذكرت
стр. 179
عليا لترك ذكري وَأَقْبل على هجائه فَأَكُون قد عرضت عليا لَهُ وَلَا أجد لَهُ ناصرا من بني أُميَّة ففخرت عَلَيْهِ ببني أُميَّة وَقلت إِن نقضهَا عَليّ قَتَلُوهُ وَإِن أمسك عَن ذكرهم ثنيته عَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ أمسك الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ عَن جَوَابه فغلب عَلَيْهِ وأفحم الْكَلْبِيّ وَقَالَ الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ يَوْمًا (الْبَسِيط)
(مَا سرني أَن أُمِّي من بني أَسد ... وَأَن رَبِّي نجاني من النَّار)
(وَأَنَّهُمْ زوجوني من بناتهم ... وَأَن لي كل يَوْم ألف دِينَار)
فَأَجَابَهُ الْكُمَيْت (الْبَسِيط)
(يَا كلب مَالك أم من بني أَسد ... مَعْرُوفَة فَاحْتَرَقَ يَا كلب بالنَّار)
فَأَجَابَهُ الْكَلْبِيّ
(لن يبرح اللؤم هَذَا الْحَيّ من أَسد ... حَتَّى يفرق بَين السبت والأحد)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعشْرُونَ (الرجز)
(قدذ صرت البكرة يَوْمًا أجمعا)
على أَن الْكُوفِيّين جوزوا تَأْكِيد النكرَة المحدودة وَقد أوردهُ الشَّارِح فِي بَاب التوكيد أَيْضا وَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهَذَا الْبَيْت مَجْهُول لَا يعرف قَائِله حَتَّى قَالَ جمَاعَة من الْبَصرِيين إِنَّه مَصْنُوع
والبكرة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْكَاف إِن كَانَت البكرة الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا المَاء من الْبِئْر ف صرت بِمَعْنى صوتت من صر الْبَاب يصر صَرِيرًا
стр. 180
أَي صَوت فَيكون الْمَعْنى مَا انْقَطع استقاء المَاء من الْبِئْر يَوْمًا كَامِلا وَإِن كَانَت الْفتية من الْإِبِل مؤنث الْبكر وَهُوَ الفتي مِنْهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْبكر من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الْفَتى من الْإِنْسَان والبكرة بِمَنْزِلَة الفتاة والقلوص بِمَنْزِلَة الْجَارِيَة وَالْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان والجمل بِمَنْزِلَة الرجل والناقة بِمَنْزِلَة الْمَرْأَة ف صرت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال صررت النَّاقة شددت عَلَيْهَا الصرار وَهُوَ خيط يشد فَوق الْخلف والتوديه لِئَلَّا يرضعها وَلَدهَا والفتي بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْمُثَنَّاة وَتَشْديد الْيَاء هُوَ من الدَّوَابّ خلاف المسن وَهُوَ كالشاب من النَّاس وَالْأُنْثَى فتية والفتى بِالْقصرِ الشَّاب وَالْأُنْثَى فتاة وَالْخلف بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون اللَّام هُوَ لذوات الْخُف كالثدي للْإنْسَان والتودية بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الدَّال وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة هِيَ خَشَبَة تشد على خلف النَّاقة إِذا صرت وَجَمعهَا تواد كمساجد قَالَ الْعَيْنِيّ بعد أَن شَرحه على الْوَجْه الأول صَدره
(إِنَّا إِذا خطافنا تقعقعا)
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن الأول أَن بَيت الشَّاهِد بَيت من الرجز وَلَيْسَ مصراعا من بَيت حَتَّى يكون مَا ذكره صَدره وَالثَّانِي أَنه غير مُرْتَبِط بِبَيْت الشَّاهِد فَإِن بَيت الشَّاهِد لَا يَصح أَن يكون خَبرا لقَوْله إِنَّا وَلَا جَوَابا ل إِذا اللَّهُمَّ إِلَّا إِن قدر الرابط أَي صرت البكرة فِيهِ وَتَكون حِينَئِذٍ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبرا لإنا فَافْهَم والخطاف بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد حَدِيدَة معوجة تكون فِي جَانِبي البكرة فِيهَا المحور وكل حَدِيدَة معطوفة خطَّاف والقعقعة تَحْرِيك الشَّيْء الْيَابِس الصلب مَعَ صَوت والتقعقع مطاوعه
стр. 181
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالْعشْرُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد الْمفصل (الطَّوِيل)
(أَتَانِي وَعِيد الحوص من آل جَعْفَر ... فيا عبد عَمْرو لَو نهيت الأحاوصا)
على أَن الْأَحْوَص بِالنّظرِ إِلَى الوصفية جمع على الحوص وبالنظر إِلَى نَقله إِلَى الإسمية بالغلبة جمع على الأحاوص وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل على أَن الْأَحْوَص يجمع على هذَيْن الجمعين أَحدهمَا فعل وَلَا يجمع على هَذَا إِلَّا أفعل صفة وَشَرطه أَن يكون مؤنثه على فعلاء كَمَا هُوَ مُبين فِي جمع التكسير وَالثَّانِي أفَاعِل وَلَا يجمع على هَذَا إِلَّا أفعل اسْما أَو أفعل التَّفْضِيل وَالْبَيْت من قصيدة لأعشى قيس نفر فِيهَا عَامر بن الطُّفَيْل قَاتله الله تَعَالَى ابْن مَالك بن جَعْفَر على ابْن عَمه عَلْقَمَة الصَّحَابِيّ ﵁ ابْن علاثة بن عَوْف بن الْأَحْوَص بن جَعْفَر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة الْكلابِي العامري قَالَ فِي الِاسْتِيعَاب وَكَانَ سيدا فِي قومه حَلِيمًا عَاقِلا وَلم يكن فِيهِ ذَاك الْكَرم والْوَعيد التهديد والتخويف وَأَرَادَ ب الحوص والأحاوص أَوْلَاد الْأَحْوَص بن جَعْفَر وهم عَوْف بن الْأَحْوَص وَعَمْرو بن الْأَحْوَص وَشُرَيْح ابْن الْأَحْوَص والأحوص اسْمه ربيعَة سمي أحوص لضيق كَانَ فِي عينه قَالَ فِي الصِّحَاح والحوص اي بمهملتين ضيق فِي مُؤخر الْعين وَالرجل أحوص وَيُقَال بل هُوَ الضّيق فِي إِحْدَى الْعَينَيْنِ وَالْمَرْأَة حوصاء وَعبد عَمْرو
стр. 182
قَالَ ابْن السيرافي فِي شَرحه لشواهد إصْلَاح الْمنطق هُوَ عبد بن عَمْرو بن الْأَحْوَص وَقَالَ فِي الصِّحَاح عبد عَمْرو وَهُوَ ابْن شُرَيْح بن الْأَحْوَص وَجَوَاب لَو مَحْذُوف أَي لَو نهيتهم لَكَانَ خيرا لَهُم وَيجوز أَن تكون لِلتَّمَنِّي على سَبِيل التهكم
وَإِنَّمَا وَجه الْخطاب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ رئيسهم حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا قَالَ الْأَعْشَى هَذَا الْكَلَام لِأَن عَلْقَمَة بن علاثة كَانَ أوعده بِالْقَتْلِ وَيدل عَلَيْهِ قَوْله بعد هَذَا بِأَبْيَات (الطَّوِيل)
(فَإِن تتعدني أتعدك بِمِثْلِهَا ... وسوف أَزِيد الْبَاقِيَات القوارصا)
والقوارص الْكَلِمَات المؤذية يُرِيد إِنِّي أزيدك على الإيعاد بقصائد الهجو وَلَوْلَا أَنَّهَا فِي صَحَابِيّ لأوردت مِنْهَا أبياتا وَكَانَ سَبَب تهديد عَلْقَمَة بِالْقَتْلِ للأعشى هُوَ أَن عَلْقَمَة بن علاثة كَانَ نافر ابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل وَكَانَ عَلْقَمَة كَرِيمًا رَئِيسا وَكَانَ عَامر عاهرا سَفِيها وساقا إبِلا جمة لينحر لَهما المنفر فهاب حكام الْعَرَب أَن يحكموا بَينهمَا بِشَيْء وَأتوا هرم بن قُطْبَة بن سِنَان فَقَالَ أَنْتُمَا كركبتي الْبَعِير تقعان مَعًا وتنهضان مَعًا قَالَا فأينا الْيُمْنَى قَالَ كلاكما يَمِين وَأَقَامَا سنة لَا يَجْسُر أحد أَن يحكم بَينهمَا بِشَيْء إِلَى أَن جَاءَ الْأَعْشَى عَلْقَمَة مستجيرا بِهِ فَقَالَ أجيرك من الْأسود والأحمر قَالَ وَمن الْمَوْت قَالَ لَا فَأتى عَامِرًا فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَقَالَ وَمن الْمَوْت قَالَ نعم قَالَ وَكَيف قَالَ إِن مت فِي جواري وديتك فَقَالَ عَلْقَمَة لَو علمت أَن ذَلِك مُرَاده لهان عَليّ ثمَّ إِن الْأَعْشَى ركب نَاقَته ووقف فِي نَادَى الْقَوْم وانشدهم قصيدة نفر فِيهَا عَامِرًا على عَلْقَمَة مِنْهَا
стр. 183
(السَّرِيع)
(أَقُول لما جَاءَنِي فخره ... سُبْحَانَ من عَلْقَمَة الفاخر)
وَمِنْهَا
(وَلست بِالْأَكْثَرِ مِنْهُم حَصى ... وَإِنَّمَا الْعِزَّة للكاثر)
وهما شَاهِدَانِ من شَوَاهِد هَذَا الْكتاب وَسَيَأْتِي شرحهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي مَحلهمَا وَبعد أَن أنْشد القصيدة نَادَى النَّاس نفر عَامر على عَلْقَمَة وَرووا الشّعْر وأمضوا حكم الْأَعْشَى ودعواه أَنَّهُمَا حكماه بَاطِلَة كَمَا يُعلمهُ النَّاس وَكَانَ رَأْي هرم خلاف ذَلِك فَلَمَّا سمع عَلْقَمَة بِهَذَا هدده بِالْقَتْلِ فَقَالَ الْأَعْشَى هَذِه القصيدة الصادية وَمعنى المنافرة كَمَا فِي الصِّحَاح المحاكمة فِي الْحسب يُقَال نافرة فنفره ينفره بِالضَّمِّ لَا غير أَي غَلبه والمنفور المغلوب والنافر الْغَالِب ونفره عَلَيْهِ تنفيرا أَي قضى عَلَيْهِ بالغلبة وَكَذَلِكَ أنفره والحسب هُوَ من الحسبان وَهُوَ مَا يعده الْإِنْسَان من مفاخر آبَائِهِ وَيُقَال حَسبه دينه وَيُقَال مَاله وَقَالَ ابْن السّكيت الْحسب وَالْكَرم يكونَانِ فِي الرجل وَإِن لم يكن لَهُ آبَاء لَهُم شرف وَالْمجد لَا يكون إِلَّا بِالْآبَاءِ وترجمة الْأَعْشَى مرت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ (الْبَسِيط)
(يابى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
وأوله
(أَخُو رغائب يُعْطِيهَا ويسألها)
على أَن الزفر بِمَعْنى السَّيِّد قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق فِي فعل بِضَم الْفَاء إِذا كَانَ علما يشْتَرط لمنع صرفه جمع شرطين ثُبُوت فَاعل وَعدم فعل
стр. 184
قبل العلمية أما عمر وَزفر علمين فَكَانَ الْوَاجِب صرفهما لِأَنَّهُ لما جَاءَ لَهما فَاعل قبل العلمية جَاءَ فعل أَيْضا نَحْو عمر جمع عمْرَة والزفر السَّيِّد قَالَ الْأَعْشَى وَأنْشد الشّعْر
ثمَّ قَالَ لكنهما لما سمعا غير منصرفين حكمنَا بِأَنَّهُمَا علمَان غير منقولين عَن فعل الجنسي بل هما معدولان عَن فَاعل انْتهى يفهم مِنْهُ أَنه لم يسمع صرف زفر فِي العلمية لَكِن يجوز صرفه بِاعْتِبَار كَونه معدولا من الزافر كَمَا صرح بِهِ ابْن جني نَاقِلا عَن أبي عَليّ فِي كِتَابه الْمُبْهِج وَهُوَ شرح أَسمَاء شعراء الحماسة وَعبارَته زفر معدول عَن زَافِر وَلذَلِك لم يصرف لِاجْتِمَاع التَّعْرِيف وَالْعدْل فِيهِ وَيدل على أَنه معدول أَنَّك لَا تَجدهُ فِي الْأَجْنَاس كَمَا تَجِد صرد ونغر وَأما قَوْله
(يَأْبَى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
فَقَالَ أَبُو عَليّ إِنَّك لَو سميت بِهَذَا صرفته كَمَا تصرفه إِذا سميته صردا وجرذا وحطما ولبدا وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من هَذَا الْكتاب الزفر الناهض بِحمْلِهِ وَلَيْسَ زفر هَذَا الِاسْم مَنْقُولًا من هَذَا الْوَصْف وَلَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ صرفه إِلَّا تعلم أَن فعلا المعدول عَن فَاعل لَا يجوز دُخُول اللَّام عَلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو زحل وَقثم وَقد قَالَ
(يَأْبَى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
فدخول اللَّام عَلَيْهِ يعرفك أَن زفر الَّذِي لَيْسَ مصروفا لَيْسَ بِهَذَا لداخلية اللَّام وَلَو سميت رجلا بزفر هَذَا بعد خلعك اللَّام عَنهُ لوَجَبَ صرفه لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كصرد ونغر وَهَذَا وَاضح وَهُوَ رَأْي أبي عَليّ وَتَفْسِيره انْتهى
стр. 185
وَالْأَخ هُنَا بِمَعْنى الملابس والملازم للشَّيْء فَإِن الْعَرَب اسْتعْملت الْأَخ على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا هَذَا كَقَوْلِهِم أَخُو الْحَرْب وَالثَّانِي الْمجَالِس والمشابة كَقَوْلِهِم هَذَا الثَّوْب آخو هَذَا وَالثَّالِث الصّديق وَالرَّابِع أَخُو النّسَب وَهُوَ قِسْمَانِ نسب قرَابَة وَهُوَ الْمَشْهُور وَنسب قَبيلَة وَقوم كَقَوْلِهِم يَا أَخا تَمِيم يَا أَخا فَزَارَة لمن هُوَ مِنْهُم وَبِه فسر قَوْله تَعَالَى (يَا أُخْت هرون) والرغائب جمع
رغيبة وَهِي العطايا الْكَثِيرَة كَذَا فِي الصِّحَاح وَفِي شرح شَوَاهِد الْغَرِيب المُصَنّف لِابْنِ السيرافي والرغائب الْأَشْيَاء الَّتِي يرغب فِيهَا يُرِيد يُعْطي مَا يرغب الرِّجَال فِي إدخاره ويحرصون على التَّمَسُّك بِهِ لنفاسته وأخو خبر مبتدا مَحْذُوف أَي هُوَ أَخُو رغائب وَجُمْلَة يُعْطِيهَا ويسألها مفسرة لوجه الملابسة فِي قَوْله أَخُو رغائب ويسألها بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول من السُّؤَال ويروي مَوْضِعه ويسلبها بِالْبِنَاءِ للمعلوم من السَّلب والظلامة بِالضَّمِّ وَمثله الظليمة والمظلمة بِكَسْر اللَّام وَضمّهَا وَهُوَ مَا تطلبه عِنْد الظَّالِم وَهُوَ اسْم مَا أَخذ مِنْك والنوفل الْبَحْر وَالْكثير الْعَطاء وَقَالَ ثَعْلَب النوفل الْعَزِيز الَّذِي ينفل عَنهُ الضيم أَي يَدْفَعهُ والزفر الْكثير النَّاصِر والأهل وَالْعدة وَقَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ السَّيِّد لِأَنَّهُ يزدفر اي يتَحَمَّل بالأموال فِي الحمالات من دين ودية مطيقا لَهَا وأنشاد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يريديه بِعَيْنِه كَقَوْلِك لَئِن لقِيت فلَانا ليلقينك مِنْهُ الْأسد
ومحصل كَلَامهم أَن من تجريدية والتجريد كَمَا فِي الْكَشْف هُوَ تَجْرِيد الْمَعْنى المُرَاد عَمَّا قَامَ بِهِ تصويرا لَهُ بِصُورَة المستقل مَعَ إِثْبَات مُلَابسَة بَينه وَبَين الْقَائِم بِهِ بأداة أَو سِيَاق وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة عدَّة أبياتها أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لأعشى باهله رثى صَاحب الشَّاهِد
стр. 186
بهَا الْمُنْتَشِر بن وهب الْبَاهِلِيّ قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف اعشى باهلة يكنى أَبَا قحطان جاهلي واسْمه عَامر بن الْحَارِث أحد بني عَامر بن عَوْف بن وَائِل ابْن معن ومعن أَبُو باهلة وباهلة امْرَأَة من هَمدَان وَهُوَ الشَّاعِر الْمَشْهُور صَاحب القصيدة المرثية فِي أخية لأمة الْمُنْتَشِر انْتهى والمنتشر هُوَ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة ابْن وهب بن سَلمَة بن كراثة بن هِلَال ابْن عَمْرو بن سَلامَة بن ثَعْلَبَة بن وَائِل بن معن بن مَالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان وَكَانَ الْمُنْتَشِر رَئِيسا فَارِسًا وَكَانَ رَئِيس الْأَبْنَاء يَوْم أرمام وَهُوَ أحد
يومي مُضر فِي الْيمن كَانَ يَوْمًا عَظِيما قتل فِيهِ مرّة بن عاهان وصلاءة بن العنبر والجموح ومعارك وَقَالَ الْأَصْمَعِي الْمُنْتَشِر هُوَ ابْن هُبَيْرَة بن وهب بن عَوْف بن حَارِث بن ورقة ابْن مَالك قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ الْمُسَمَّاة غرر الْفَوَائِد ودرر القلائد وَهَذِه القصيدة من المراثي المفضلة الْمَشْهُورَة بالبراعة والبلاغة قَالَ وَقد رويت أَنَّهَا للدعجاء أُخْت الْمُنْتَشِر وَقيل لليلى أُخْته قَالَ وَمن هُنَا اشْتبهَ الْأَمر على عبد الْملك بن مَرْوَان فَظن أَنَّهَا لليلى الأخيلية وَيَنْبَغِي أَن نورد هَذِه القصيدة مشروحة لأمور مِنْهَا أَنَّهَا نادرة قَلما تُوجد وَمِنْهَا أَنَّهَا جَيِّدَة فِي بَابهَا وَمِنْهَا أَن كثيرا من أبياتها شَوَاهِد فِي كتب الْعلمَاء
стр. 187
ونورد أَولا خبر الْمُنْتَشِر حَتَّى يظْهر بِنَاء القصيدة عَلَيْهِ وَكَانَ من حَدِيثه على مَا رَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى ثَعْلَب فِي رِوَايَته ديوَان الْأَعْشَى قَالَ خرج الْمُنْتَشِر ابْن وهب الْبَاهِلِيّ يُرِيد حج ذِي الخلصة وَمَعَهُ غلمه من قومه والأقيصر بن جَابر أَخُو بني فراص وَكَانَ بَنو نفَيْل بن عَمْرو بن كلاب أَعدَاء لَهُ فَلَمَّا رَأَوْا مخرجه وعورته وَمَا يَطْلُبهُ بِهِ بَنو الْحَارِث بن كَعْب وَطَرِيقَة عَلَيْهِم وَكَانَ من حج ذَا الخلصة أهْدى لَهُ هَديا يتحرم بِهِ مِمَّن لقِيه فَلم يكن مَعَ الْمُنْتَشِر هدي فَسَار حَتَّى إِذا كَانَ بهضب النباع انْكَسَرَ لَهُ بعض غلمته الَّذين كَانُوا مَعَه فَصَعِدُوا فِي شعب من النباع فَقَالُوا فِي غَار فِيهِ وَكَانَ الأقيصر يتكهن وأنذر بَنو نفَيْل بالمنتشر بني الْحَارِث بن كَعْب فَقَالَ الأقيصر النَّجَاء يَا منتشر فقد أتيت فَقَالَ لَا أَبْرَح حَتَّى أبرد فَمضى الأقيصر وَأقَام الْمُنْتَشِر وَأَتَاهُ غلمته بسلاحه واراد قِتَالهمْ فأمنوه وَكَانَ قد أسر رجلا من بني الْحَارِث بن كَعْب يُقَال لَهُ هِنْد بن أَسمَاء بن زنباع فَسَأَلَهُ أَن يفْدي نَفسه فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقطع أُنْمُلَة ثمَّ أَبْطَأَ فَقطع مِنْهُ أُخْرَى وَقد أَمنه الْقَوْم
وَوضع سلاحه فَقَالَ أتؤمنون مقطعا وإلهي لَا أؤمنه ثمَّ قَتله وَقتل غلمته انْتهى وَذُو الخلصة بِفَتَحَات الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وَالصَّاد الْمُهْملَة الْكَعْبَة اليمانية الَّتِي كَانَت بِالْيمن أنفذ إِلَيْهَا رَسُول الله
جرير بن عبد الله فخربها وَقيل هُوَ بَيت كَانَ فِيهِ صنم لدوس وخثعم وبجيلة وَغَيرهم كَذَا فِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير وَفِي الصِّحَاح هُوَ بَيت لخثعم كَانَ يَدعِي الْكَعْبَة اليمانية وَكَانَ فِيهِ صنم يدعى الخلصة فهدم وَفِي شرح البُخَارِيّ لِابْنِ حجر ذُو الخلصة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام بعْدهَا مُهْملَة وَحكى ابْن دُرَيْد فتح
стр. 188
أَوله وَإِسْكَان ثَانِيَة وَحكى ابْن هِشَام ضمهما وَقيل بِفَتْح أَوله وَضم ثَانِيَة وَالْأول أشهر والخلصة نَبَات لَهُ حب أَحْمَر كخرز العقيق وَذُو الخلصة اسْم الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ الصَّنَم وَقيل اسْم الْبَيْت الخلصة وَاسم الصَّنَم ذُو الخلصة وَحكى الْمبرد أَن مَوضِع ذِي الخلصة صَار مَسْجِدا جَامعا لبلدة يُقَال لَهَا العبلات من أَرض خثعم وَوهم من قَالَ إِنَّه كَانَ فِي بِلَاد فَارس انْتهى وَرَأَيْت فِي كتاب الْأَصْنَام لِابْنِ الْكَلْبِيّ أَن ذَا الخلصة كَانَ مروة بَيْضَاء منقوشة عَلَيْهَا كَهَيئَةِ التَّاج وَكَانَت بتبالة بَين مَكَّة واليمن مسيرَة سبع لَيَال من مَكَّة وَكَانَ سدنتها بَنو أُمَامَة من باهلة بن أعصر وَكَانَت تعظمها وتهدي لَهَا خثعم وبجيلة وأزد السراة وَمن قاربهم من بطُون الْعَرَب من هوَازن وفيهَا يَقُول خِدَاش بن زُهَيْر العامري لعثعث بن وَحشِي فِي عهد كَانَ بَينهم فغدر بهم (الطَّوِيل)
(وذكرته بِاللَّه بيني وَبَينه ... وَمَا بَيْننَا من هَذِه لَو تذكرا)
(وبالمروة الْبَيْضَاء يَوْم تباله ... ومحبسة النُّعْمَان حَيْثُ تنصرا)
فَلَمَّا فتح رَسُول الله
مَكَّة وَأسْلمت الْعَرَب ووفدت عَلَيْهِ وفودها قدم عَلَيْهِ جرير بن عبد الله مُسلما فَقَالَ لَهُ يَا جرير أَلا تكفيني ذَا الخلصة فَقَالَ بلَى فوجهه إِلَيْهِ فَخرج حَتَّى أَتَى أحمس من بجيلة فَسَار بهم إِلَيْهِ فقاتلته خثعم وباهلة دونه فَقتل من سدنته من باهلة
стр. 189
يؤمئذ مائَة رجل وَأكْثر الْقَتْل فِي خثعم وَقتل مِائَتَيْنِ من بني قُحَافَة بن عَامر بن خثعم فظفر بهم وَهَزَمَهُمْ وَهدم بُنيان ذِي الخلصة واضرم فِيهِ النَّار فَاحْتَرَقَ وَذُو الخلصة الْيَوْم عتبَة بَاب مَسْجِد تبَالَة وبلغنا أَن رَسُول الله
قَالَ لَا تذْهب الدُّنْيَا حَتَّى تصطك أليات نسَاء دوس على ذِي الخلصة يعبدونه كَمَا كَانُوا يعبدونه انْتهى وَالْقَصِيدَة هَذِه
(إِنِّي أَتَتْنِي لِسَان لَا أسر بهَا ... من علو لَا عجب مِنْهَا وَلَا سخر)
هَذَا الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي الظروف على أَن علو رُوِيَ بِضَم الْوَاو وَكسرهَا وَفتحهَا وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف على أَن اللِّسَان فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا﴾ أطلق على مَا يُوجد بهَا من الْعَطِيَّة وَاللِّسَان هُنَا بِمَعْنى الرسَالَة وَأَرَادَ بهَا نعي الْمُنْتَشِر وَلِهَذَا أنث لَهُ الْفِعْل فَإِنَّهُ إِذا أُرِيد بِهِ الْكَلِمَة أَو الرسَالَة يؤنث وَيجمع على ألسن وَإِذا كَانَ بِمَعْنى جارحة الْكَلَام فَهُوَ مُذَكّر وَيجمع على أَلْسِنَة روى ثَعْلَب
(إِنِّي أتيت بِشَيْء لَا أسر بِهِ ... من علو لَا عجب فِيهِ وَلَا سخر)
وروى أَبُو زيد فِي نوادره
(إِنِّي أَتَانِي شَيْء لَا أسر بِهِ ... من عل لَا عجب فِيهِ وَلَا سخر)
قَالَ: ويروى " من علو " و" سخر " - بِضَمَّتَيْنِ -. قَالَ فِي " الصِّحَاح ": " وعلو مثلث الْوَاو، أَي: أَتَانِي خبر من أَعلَى نجد ". وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ الْعَالِيَة. وَقَالَ ثَعْلَب:
стр. 190
أَي: من أعالي الْبِلَاد. وَيُقَال من علو بِتَثْلِيث الْوَاو وَمن عل بِكَسْر اللَّام وضمهما، وَمن علا، وَمن أَعلَى، وَمن معال. وَقَوله " لَا عجب " إِلَخ، أَي: لَا أعجب مِنْهَا، وَإِن كَانَت عَظِيمَة، لِأَن مصائب الدُّنْيَا كَثِيرَة؛ " وَلَا سخر ": بِالْمَوْتِ، وَقيل مَعْنَاهُ لَا أَقُول ذَلِك سخرية، وَهُوَ بِفتْحَتَيْنِ وبضمتين: مصدر سخر مِنْهُ كفرح وسخرا بِضَمَّتَيْنِ ومسخرا: اسْتَهْزَأَ بِهِ.
(فظلت مكتئباً حران أندبه ... وَكنت أحذره لَو ينفع الحذر)
وروى: وَكنت ذَا حذر:
(فَجَاشَتْ النَّفس لنا جَاءَ جمعهم ... وراكب جَاءَ من تثليت مُعْتَمر)
فِي " الصِّحَاح ": " جَاشَتْ نَفسه أَي: غثت، وَيُقَال دارت للغثيان. فَإِن أردْت أَنَّهَا ارْتَفَعت من حزن أَو فزع. قلت: جشأت، بِالْهَمْز ". وروى بدل " جمعهم " أَي: الَّذين شهدُوا مَقْتَله: " فَلهم " بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام؛ يُقَال جَاءَ فل الْقَوْم أَي: منهزموهم، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع، وَرُبمَا قَالُوا: فلول وفلال. وتثليت بِالْمُثَلثَةِ. اسْم مَوضِع. و" مُعْتَمر " صفة رَاكب بِمَعْنى زائر، وَيُقَال من عمْرَة الْحَج.
(يَأْتِي على النَّاس لَا يلوي على أحد ... حَتَّى الْتَقَيْنَا وَكَانَت دُوننَا مُضر)
فَاعل " يَأْتِي " ضمير الرَّاكِب. و" يلوي ": مضارع لوى بِمَعْنى توقف وعرج، أَي: يمر هَذَا الرَّاكِب على النَّاس وَلم يعرج على أحد حَتَّى أَتَانِي؛ لِأَنِّي كنت صديقه. و" دون " بِمَعْنى قُدَّام.
(إِن الَّذِي جِئْت من تثليث تندبه ... مِنْهُ السماح وَمِنْه النَّهْي والغير)
أَي: فقت لهَذَا الرَّاكِب: إِن الَّذِي جِئْت إِلَخ، يُقَال ندب الْمَيِّت من بَاب
стр. 191
نصر: بَكَى عَلَيْهِ وَعدد محاسنه. وَجُمْلَة " مِنْهُ السماح " إِلَخ خبر إِن. و" النَّهْي ": خلاف الْأَمر. و" الْغَيْر "، بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة: اسْم من غيرت الشَّيْء فَتغير، أَقَامَهُ مقَام الْأَمر.
(ينعى امرا لَا تغب الْحَيّ جفنته ... إِذا الْكَوَاكِب أخطا نوءها الْمَطَر)
النعي خبر الْمَوْت يُقَال نعاه ينعاه قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت الْعَرَب إِذا مَاتَ ميت لَهُ قدر ركب رَاكب فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول نعاء فلَانا أَي انعه وَأظْهر خبر وَفَاته وَهِي مَبْنِيَّة على الْكسر وَلَا يغب هُوَ من قَوْلهم فلَان لَا يغبنا عطاؤه أَي لَا يأتينا يَوْمًا دون يَوْم بل يأتينا كل يَوْم والجفنة الْقَصعَة وأخطاه كتخطاه تجاوزه والنوء سُقُوط نجم من الْمنَازل فِي الْمغرب مَعَ الْفجْر وطلوع رقيبه من الْمشرق يُقَابله من سَاعَته فِي كل لَيْلَة إِلَى ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَهَكَذَا كل نجم إِلَى انْقِضَاء السّنة
وَكَانَت الْعَرَب تضيف الأمطار والرياح وَالْحر وَالْبرد إِلَى السَّاقِط مِنْهَا يُرِيد أَن جفانه لَا تَنْقَطِع فِي الْقَحْط والشدة ... وراحت الشول مغبرا مناكبها ... شعثا تغير مِنْهَا الني والوبر)
مَعْطُوف على مَدْخُول إِذا فِي الْقَامُوس الشائلة من الْإِبِل مَا أَتَى عَلَيْهَا من حملهَا أَو وَضعهَا سَبْعَة أشهر فجف لَبنهَا وَالْجمع شول على غير قِيَاس وَفِي النِّهَايَة الشول مصدر شال لبن النَّاقة أَي ارْتَفع وَتسَمى النَّاقة الشول أَي ذَات شول لِأَنَّهُ لم يبْق فِي ضرْعهَا إِلَّا شول من لبن اي بَقِيَّة وَيكون ذَلِك بعد سَبْعَة أشهر من حملهَا وروى مباءتها أَي مراجها بدل مناكبها ومغبرا يَعْنِي من الرِّيَاح والعجاج والني بِفَتْح النُّون الشَّحْم
стр. 192
ومصدر نَوَت النَّاقة تنوي نواية ونيا إِذا سمنت يُرِيد أَن الجدب وَقلة المرعى خشن لَحمهَا وَغَيره
(وَأَلْجَأَ الْكَلْب مبيض الصقيع بِهِ ... وَأَلْجَأَ الْحَيّ من تناحه الْحجر)
مَعْطُوف أَيْضا على مَدْخُول إِذا وَأَلْجَأَ اضْطر ويروي أجحر يُقَال أجحرته أَي ألجأته إِلَى أَن دخل جحرة والصقيع الجليد وتنفاحه ضربه وَهُوَ مصدر نفحت الرّيح إِذا هبت بَارِدَة وَالضَّمِير للصقيع وَالْبَاء فِي بِهِ بِمَعْنى على وَالضَّمِير للكلب وَالْحجر بِضَم الْحَاء وَفتح الْجِيم جمع حجرَة بِالضَّمِّ الغرفة وحظيرة الْإِبِل من شجر يَقُول هُوَ فِي مثل هَذِه الْأَيَّام الشَّدِيدَة يطعم النَّاس الطَّعَام
(عَلَيْهِ أول زَاد الْقَوْم قد علمُوا ... ثمَّ الْمطِي إِذا مَا أرملوا جزر)
يَعْنِي أَنه يرتب على نَفسه زَاد أصحابة أَولا وَإِذا فني الزَّاد نحر لَهُم وأرمل الرجل نفد زَاده والمطي جمع مَطِيَّة وَهِي النَّاقة والجزر بِضَمَّتَيْنِ جمع جزور وَهِي النَّاقة الَّتِي تنحر وَرُوِيَ بِفتْحَتَيْنِ جمع جزرة وَهِي النَّاقة وَالشَّاة تذبح
(قد تكظم البزل مِنْهُ حِين تبصره ... حَتَّى تقطع فِي أعناقها الجرر)
ويروى
(وتفزع الشول مِنْهُ حِين يفجؤها)
يُقَال كظم الْبَعِير بِالْفَتْح يَكْظِم بِالْكَسْرِ كظوما إِذا أمسك عَن الجرة وَقيل الكظم أَن لَا تجتر لشدَّة الْفَزع إِذا رَأَتْ السَّيْف والبزل جمع بازل وَهُوَ الدَّاخِل فِي السّنة التَّاسِعَة والجرر جمع جرة بِكَسْر الْجِيم فيهمَا وَهِي مَا يُخرجهُ الْبَعِير للاجترار يَقُول تعودت الْإِبِل أَنه يعقر مِنْهَا فَإِذا
стр. 193
رَأَتْهُ كظمت على جرتها فَزعًا مِنْهُ وتقطع فعل مضارع مَنْصُوب بِأَن
(أَخُو رغائب يُعْطِيهَا ويسألها ... يَأْبَى الظلامة مِنْهُ النوفل الزفر)
(لم تَرَ أَرضًا وَلم] تسمع بساكنها ... إِلَّا بهَا من نوادي وقعه أثر)
نوادي كل شَيْء بالنُّون أَوَائِله وَمَا ندر مِنْهُ وَاحِدَة نَادِيَةَ وَمِنْه قَوْلهم لَا ينداك مني سوء أبدا أَي لَا ينْدر إِلَيْك والوقع النُّزُول
(وَلَيْسَ فِيهِ إِذا استنظرته عجل ... وَلَيْسَ فِيهِ إِذا ياسرته عسر)
(وَإِن يصبك عَدو فِي مناوأة ... يَوْمًا فقد كنت تستعلي وتنتصر)
ويروي فقد كَانَ يستعلي وينتصر المناوأة المعاداة يُقَال ناوأت الرجل مناوأة وَقيل هِيَ الْمُحَاربَة ناوأته أَي حاربته قَالَ الشَّاعِر (الطَّوِيل) ... إِذا أَنْت ناوأت الْقُرُون فَلم تنؤ ... بقرنين عزتك الْقُرُون الكوامل)
(من لَيْسَ فِي خَيره من يكدره ... على الصّديق وَلَا فِي صَفوه كدر)
(أَخُو شروب ومكساب إِذا عدموا ... وَفِي المخافة مِنْهُ الْجد والحذر)
الشروب جمع شرب وَهُوَ جمع شَارِب كصحب جمع صَاحب ويروى أَخُو حروب والمكاسب مُبَالغَة كاسب والعدم الْفقر وَفعله من بَاب فَرح
(مردى حروب وَنور يستضاء بِهِ ... كَمَا أَضَاء سَواد الظلمَة الْقَمَر)
المردى بِكَسْر الْمِيم قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ حجر يَرْمِي بِهِ وَمِنْه قيل للشجاع إِنَّه لمردى حروب وَمَعْنَاهُ أَنه يقذف فِي الحروب ويرجم فِيهَا وروى ...
стр. 194
(كَمَا أَضَاء سَواد الطخية الْقَمَر)
الطخية بِضَم الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُعْجَمَة الظلمَة والطخياء بِالْمدِّ اللَّيْلَة الْمظْلمَة يُرِيد أَنه كَامِل شجاعة وعقلا فشجاعته كَونه يرْمى فِي الحروب وعقله كَون رَأْيه نورا يستضاء بِهِ وهما وصفان متضادان غَالِبا
(مهفهف أهضم الكشحين منخرق ... عَنهُ الْقَمِيص لسير اللَّيْل محتقر)
المهفهف الخميص الْبَطن الدَّقِيق الخصر والأهضم المنضم الجنبين والكشح مَا بَين الخاصرة إِلَى الضلع الْخلف وَهَذَا مدح عِنْد الْعَرَب فَإِنَّهَا تمدح الهزال والضمر وتذم السّمن وَفِي الْعباب وَرجل منخرق السربال إِذا طَال سَفَره فشققت ثِيَابه ولسير اللَّيْل مُتَعَلق بِمَا بعده وَهَذَا يدل على الجلادة وَتحمل الشدائد
(طاوي الْمصير على العزاء منجرد ... بالقوم لَيْلَة لَا مَاء وَلَا شجر)
الطوى الْجُوع وَفعله من بَاب فَرح وطوى بِالْفَتْح يطوي بِالْكَسْرِ طيا إِذا تعمد الْجُوع والمصير المعى الرَّقِيق وَجمعه مصران كرغيف ورغفان وَجمع هَذَا مصارين أَرَادَ طاوي الْبَطن والعزاء بِفَتْح الْعين المهمله وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة الشدَّة والجهد وَقَالَ فِي الصِّحَاح هِيَ السّنة الشَّدِيدَة والمنجرد المتشمر وَقَوله لَيْلَة لَا مَاء وَلَا شجر أَي يرْعَى
(لَا يصعب الْأَمر إِلَّا ريث يركبه ... وكل أَمر سوى الْفَحْشَاء يأتمر)
أصعب الْأَمر وجده صعبا وكل مفعول مقدم ليأتمر أَي يفعل كل خير وَلَا يدنو من الْفَاحِشَة ...
стр. 195
(لَا يهتك السّتْر عَن أُنْثَى يطالعها ... وَلَا يشد إِلَى جاراته النّظر)
(لَا يتأرى لما فِي الْقدر يرقبه ... وَلَا يعَض على شرسوفه الصفر)
لَا يتأرى لَا يتجبس ويتلبث يُقَال تأرى بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ فِيهِ أَي لَا يلبث لإدراك طَعَام الْقدر وَجُمْلَة يرقبه حَال من الْمُسْتَتر فِي يتأرى يمدحه بِأَن همته لَيْسَ فِي الْمطعم وَالْمشْرَب وَإِنَّمَا همته فِي طلب الْمَعَالِي فَلَيْسَ يرقب نضج مَا فِي الْقدر إِذا هم بِأَمْر لَهُ شرف بل يَتْرُكهَا ويمضى والشرسوف طرف الضلع والصفر دويبة مثل الْحَيَّة تكون فِي الْبَطن تعتري من بِهِ شدَّة الْجُوع قَالَ فِي النِّهَايَة فِي حَدِيث لَا عدوى وَلَا هَامة وَلَا صفر إِن الْعَرَب كَانَت تزْعم أَن فِي الْبَطن حَيَّة يُقَال لَهَا الصفر تصيب الْإِنْسَان إِذا جَاع وتؤذيه وَأَنَّهَا تعدِي فَأبْطل الْإِسْلَام ذَلِك وَقيل أَرَادَ بِهِ النَّبِي
النسيء الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ تَأْخِير الْمحرم إِلَى صفر ويجعلون صفر هُوَ الشَّهْر الْحَرَام فأبطله انْتهى وَلم يرد الشَّاعِر أَن فِي جَوْفه صفرا لَا يعَض على شراسيفه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه لَا صفر فِي جوفة فيعض يصفه بِشدَّة الْخلق وَصِحَّة البنية
(لَا يغمز السَّاق من أَيْن وَلَا وصب ... وَلَا يزَال أَمَام الْقَوْم يقتفر)
لَا يغمز السَّاق لَا يجسها يصف جلده وتحمله للمشاق والأين الإعياء والوصب الوجع والاقتفار بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء اتِّبَاع الْآثَار فِي الصِّحَاح وقفرت أَثَره أقفره بِالضَّمِّ أَي قفوته وأقتفرت مثله وَأنْشد هَذَا
стр. 196
الْبَيْت وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاس فِي شرح نَوَادِر أبي زيد يقتفر بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول وَمَعْنَاهُ أَنه يفوت النَّاس فَيتبع وَلَا يلْحق
(لَا يَأْمَن النَّاس ممساه ومصبحه ... فِي كل فج وَإِن لم يغز ينْتَظر)
اي لَا يأمنه النَّاس على كل حَال سَوَاء كَانَ غازيا أم لَا فَإِن كَانَ غازيا يخَافُونَ أَن يُغير عَلَيْهِم وَإِن لم يكن غازيا فَإِنَّهُم قي قلق أَيْضا لأَنهم يترقبون غَزْوَة وينتظرونه ... تكفيه حزة فلذان ألم بهَا ... من الشواء ويروي شربه الْغمر)
الحزة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة قِطْعَة من اللَّحْم قطعت طولا والفلذان جمع فلذ بِكَسْر الْفَاء فيهمَا الْقطعَة من الكبد وَاللَّحم وألم بهَا أَصَابَهَا يَعْنِي أكلهَا والغمر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفتح الْمِيم قدح صَغِير لَا يروي
(لَا تأمن البازل الكوماء عدوته ... وَلَا الأمون إِذا مَا أخروط السّفر)
البازل الْبَعِير الَّذِي فطر نأبه بِدُخُولِهِ فِي السّنة التَّاسِعَة وَيُقَال للناقة بازل أَيْضا يستوى فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى والكوماء بِالْفَتْح النَّاقة الْعَظِيمَة السنام والعدوة التَّعَدِّي فَإِنَّهُ يَنْحَرهَا لمن مَعَه سَوَاء كَانَت المطية مُسِنَّة كالبازل أَو شَابة كالأمون وَهِي النَّاقة الموثقة الْخلق يُؤمن عثارها وضعفها واخروط امْتَدَّ وَطَالَ
(كَأَنَّهُ بعد صدق الْقَوْم أنفسهم ... باليأس تلمع من قدامه الْبشر)
لمع أَضَاء والبشر بِضَمَّتَيْنِ جمع بشير يَقُول إِذا فزع الْقَوْم وأيقنوا بِالْهَلَاكِ عِنْد الحروب أَو الشدائد فَكَأَنَّهُ من ثقته بِنَفسِهِ قدامه بشير يبشره
стр. 197
بالظفر والنجاح فَهُوَ منطلق الْوَجْه نشيط غير كسلان قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أمالية قَالَ الْمبرد لَا نعلم بَيْتا فِي يمن النقيبة وبركه الطلعة أبرع من هَذَا الْبَيْت
(لَا يعجل الْقَوْم أَن تغلي مراجلهم ... ويدلج اللَّيْل حَتَّى يفسح الْبَصَر)
يُرِيد أَنه رابط الجأش عِنْد الْفَزع لَا يستخفه الْفَزع فيعجل أَصْحَابه عَن الأطباخ وَقَوله حَتَّى يفسح الْبَصَر أَي يجد متسعا من الصُّبْح وَقيل مَعْنَاهُ لَيْسَ
هُوَ شَرها يتعجل بِمَا يُؤْكَل والمراجل الْقُدُور جمع مرجل
(عِشْنَا بِهِ حقبة حَيا ففارقنا ... كَذَلِك الرمْح ذُو النصلين ينكسر)
وروى
(عِشْنَا بذلك دهرا ثمَّ وَدعنَا)
والنصلان هما السنان وَهِي الحديدة الْعليا من الرمْح والزج وَهِي الحديدة السُّفْلى وَيُقَال لَهما الزجان أَيْضا وَهَذَا مثل أَي كل شَيْء يهْلك وَيذْهب
(فَإِن جزعنا فقد هدت مصابتنا ... وَإِن صَبرنَا فَإنَّا معشر صَبر)
المصابة بِضَم الْمِيم بِمَعْنى الْمُصِيبَة يُقَال جبر الله مصابته وَهُوَ فَاعل وَالْمَفْعُول مَحْذُوف أَي قوانا وَالصَّبْر بِضَمَّتَيْنِ جمع صبور مُبَالغَة صابر
(أصبت فِي حرم منا أَخا ثِقَة ... هِنْد بن أَسمَاء لَا يهني لَك الظفر)
خَاطب قَاتل الْمُنْتَشِر هِنْد بن أَسمَاء وَأَرَادَ بِالْحرم ذَا الخلصة ثمَّ دَعَا عَلَيْهِ والتهنئة خلاف التَّعْزِيَة
(لَو لم تخنه نفَيْل وَهِي خَائِنَة ... لصبح الْقَوْم وردا مَا لَهُ صدر)
стр. 198
صبحه سقَاهُ الصبوح وَهُوَ الشّرْب بِالْغَدَاةِ أَرَادَ أَنه كَانَ يقتلهُمْ
(وَأَقْبل الْخَيل من تثليث مصغية ... وَضم أعينها رغوان أَو حضر)
أقبل الْخَيل جعلهَا مقبلة ومصغية مائلة نحوكم ورغوان وَحضر موضعان أَي كَانَت تَأتي خيله عَلَيْكُم فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ وَمَا كَانَت تنام فِي منزل إِلَّا فيهمَا
(إِذا سلكت سَبِيلا أَنْت سالكه ... فَاذْهَبْ فَلَا يبعدنك الله منتشر)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعشْرُونَ
(شمس بن مَالك)
وَهُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ (الطَّوِيل)
(إِنِّي لمهد من ثنائي وقاصد ... بِهِ لِابْنِ عَم الصدْق شمس بن مَالك)
على أَنه مَصْرُوف مَعَ أَنه معدول عَن شمس بِالْفَتْح وَعَلِيهِ اقْتصر فِي بَاب الْعلم وَإِنَّمَا صرف لكَونه لم يلْزم الضَّم فَإِنَّهُ سمع فِيهِ الْفَتْح أَيْضا فَلَمَّا لم يلْزم الضَّم لم يعْتَبر عدله وَلَو لزم الضَّم لصرف أَيْضا لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ مَنْقُولًا من جمع شموس لَا معدولا من شمس بِالْفَتْح وَقد تبع الشَّارِح الْمُحَقق فِي رِوَايَة الضَّم وَالْفَتْح شرَّاح الحماسة مِنْهُم ابْن جني فِي إعرابها فَإِنَّهُ قَالَ أما من روى شمس فتح الشين فَأمره وَاضح كَمَا يُسمى ببدر وَنَحْوه وَمن رَوَاهُ شمس بِضَم الشين فَيحْتَمل أَن يكون جمع شموس سمي بِهِ من قَول الأخطل
стр. 199
(الْبَسِيط)
(شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يستقاد لَهُم ... وَأعظم النَّاس أحلاما إِذا قدرُوا)
وَيجوز أَن يكون ضم الشين على وَجه تَغْيِير الْأَعْلَام نَحْو معد يكرب وثهلل وموهب وموظب ومكوزة وَغير ذَلِك مِمَّا غير فِي حَال نَظَائِره لأجل العلمية الْحَادِثَة فِيهِ وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب شمس إِلَّا هَذَا الْموضع ا. هـ.
وَفِيه نظر فَإِن شمسا فِي هَذَا الْبَيْت مضموم الشين لَا غير وَإِن المضموم غير المفتوح كَمَا فَصله الْحسن العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا أورد هَذَا الْبَيْت شمس مضموم الشين بطن من الأزد من مَالك بن فهم وكل مَا جَاءَ فِي أَنْسَاب الْيمن فَهُوَ شمس بِالضَّمِّ وكل مَا جَاءَ فِي قُرَيْش فَهُوَ شمس بِالْفَتْح انْتهى
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات عشرَة لتأبط شرا أثبتها أَبُو تَمام فِي أول الحماسة قَالَ ابْن جني ضمير بِهِ عِنْدِي رَاجع إِلَى مَوْصُوف مَحْذُوف أَي ثَنَاء من ثنائي وراجع عِنْد الْأَخْفَش إِلَى نفس ثنائي وَمن عِنْده زَائِدَة وسيبويه لَا يرى زيادتها فِي الْوَاجِب انْتهى فعلى الأول يكون مَا أهْدى محذوفا وعَلى الثَّانِي مَذْكُورا وَاللَّام فِي قَوْله لِابْنِ عَم مُتَعَلقَة بقاصد عِنْد الْبَصرِيين يُقَال قصدته بِكَذَا وقصدت لَهُ بِهِ قَالَ فِي الْعباب كل مَا نسب إِلَى الصّلاح وَالْخَيْر أضيف إِلَى الصدْق فَقيل رجل صدق وصديق صدق وتأبط شرا تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس عشر
стр. 200
وَأما مُصَنف كتاب التَّصْحِيف فَهُوَ أَبُو أَحْمد الْحسن بن عبد الله بن سعيد بن إِسْمَاعِيل العسكري ولد يَوْم الْخَمِيس لست عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَمَات يَوْم الْجُمُعَة لسبع خلون من ذِي الْحجَّة من سنة أثنتين وَثَمَانِينَ وثلاثمائة قَالَ أَبُو طَاهِر السلَفِي إِن أَبَا أَحْمد هَذَا كَانَ من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين بِالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم والتبحر فِي فنون الفهوم وَمن الْمَشْهُورين بجودة التَّأْلِيف وَحسن التصنيف وَمن جملَته كتاب صناعَة الشّعْر كتاب الحكم والأمثال كتاب التَّصْحِيف كتاب رَاحَة الْأَرْوَاح كتاب الزواجر والمواعظ كتاب تَصْحِيح الْوُجُوه والنظائر وَكَانَ قد سمع بِبَغْدَاد وَالْبَصْرَة واصبهان وَغَيرهَا من شُيُوخ مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ وَابْن أبي دَاوُد السجسْتانِي وَأكْثر عَنْهُم وَبَالغ فِي الْكِتَابَة وَبَقِي حَتَّى علا بِهِ السن واشتهر فِي الْآفَاق بالرواية والإتقان وانتهت إِلَيْهِ رياسة التحديث والإملاء والتدريس بقطر خوزستان ورحل الأجلاء إِلَيْهِ للاخذ عَنهُ وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ نقلته مُخْتَصرا من مُعْجم الأدباء
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ (الْكَامِل)
(وهم قُرَيْش الأكرمون إِذا انتموا ... طابوا فروعا فِي الْعلَا وعروقا)
على أَن الْأَب رُبمَا جعل مؤولا بالقبيلة فَمنع الصّرْف كَمَا منع قُرَيْش الصّرْف لتأويله بالقبيلة والأكرمون صفة قُرَيْش
стр. 201
\ وَمثله لعدي بن زيد بن الرّقاع العاملي يمدح الْوَلِيد بن عبد الْملك (الْكَامِل)
(غلب المساميح الْوَلِيد سماحة ... وَكفى قُرَيْش المعضلات وسادها)
والمساميح جمع سمح على خلاف الْقيَاس وَقَوله إِذا انتموا يُقَال انْتَمَى إِلَى أَبِيه انتسب ونميته إِلَى أَبِيه نميا نسبته فِي الْعباب قَالَ ابْن دُرَيْد كثر الْكَلَام فِي قُرَيْش فَقَالَ قوم سميت قُرَيْش بِقُرَيْش بن مخلد بن غَالب بن فهر وَكَانَ صَاحب عيرهم فَكَانُوا يَقُولُونَ قدمت عير قُرَيْش وَخرجت عير قُرَيْش وَقَالَ قوم سميت قُريْشًا لِأَن قصيا قرشها أَي جمعهَا فَلذَلِك سمي قصي مجمعا قَالَ الْفضل)
(أَبونَا قصي كَانَ يدعى مجمعا ... بِهِ جمع الله الْقَبَائِل من فهر)
وَقَالَ اللَّيْث قُرَيْش قَبيلَة أبوهم النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن الياس ابْن مُضر فَكل من كَانَ من ولد النَّضر فَهُوَ قريشي دون ولد كنَانَة وَمن فَوْقه وَقَالَ صَاحب الْعباب وينقض هذَيْن الْقَوْلَيْنِ قَول ابْن الْكَلْبِيّ لِأَنَّهُ المرجوع إِلَيْهِ فِي هَذَا الشَّأْن وَهُوَ أَن قُريْشًا اسْمه فهر بن مَالك بن النَّضر وَفِي تَسْمِيَته قُريْشًا سَبْعَة أَقْوَال
أَحدهَا سموا قُريْشًا لتجمعهم إِلَى الْحرم ثَانِيهَا أَنهم كَانُوا يتقرشون الْبياعَات فيشترونها ثَالِثهَا أَنه جَاءَ النَّضر بن كنَانَة فِي ثوب لَهُ يَعْنِي اجْتمع فِي ثَوْبه فَقَالُوا قد تقرش فِي ثَوْبه رَابِعهَا قَالُوا جَاءَ إِلَى قومه فَقَالُوا كَأَنَّهُ جمل قُرَيْش أَي شَدِيد خَامِسهَا قَول ابْن عَبَّاس لما سَأَلَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ بِمَ سميت قُرَيْش
стр. 202
قَالَ بِدَابَّة فِي الْبَحْر تسمى قُريْشًا لَا تدع دَابَّة إِلَّا أكلتها فدواب الْبَحْر كلهَا تخافها قَالَ المشمرج بن عَمْرو الْحِمْيَرِي (الْخَفِيف)
(وقريش هِيَ الَّتِي تسكن الْبَحْر ... بهَا سميت قُرَيْش قُريْشًا)
سادسها قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان سَمِعت أَن قصيا كَانَ يُقَال لَهُ الْقرشِي لم يسم قرشي قبله سابعها أَنهم كَانُوا يفتشون الْحَاج عَن خلتهم فيسدونها وَيعلم من هَذِه الْأَقْوَال أَن كَون قُرَيْش أَبَا إِنَّمَا هُوَ على القَوْل الثَّالِث وَالرَّابِع وَالسَّادِس وأنشده بعده
(جذب الصراريين بالكرور)
على أَن جمع التكسير لَا يمْتَنع جمعه جمع سَلامَة فَإِن الصراري جمع صراء وَهُوَ جمع تكسير وَقد جمع على الصراريين جمع سَلامَة وَتقدم مَا فِيهِ مشروحا فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين فَرَاجعه وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الْكَامِل)
(وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ ... خضع الرّقاب نواكسي الْأَبْصَار)
стр. 203
على أَن جمع التكسير نَحْو نواكس لَا يمْتَنع جمعه جمع سَلامَة كنواكسين كَمَا ذكره أَبُو عَليّ فِي الْحجَّة أَقُول ذكره أَبُو عَليّ فِي إِعْرَاب الشّعْر أَيْضا وَأعلم أَن الْكَلَام على هَذِه الْكَلِمَة من ثَلَاثَة وُجُوه أَحدهَا أَن نواكس جمع ناكس وَهُوَ المطأطئ رَأسه وفاعل إِذا كَانَ اسْما نَحْو كَاهِل أَو صفة مؤنث سَوَاء كَانَ مِمَّن يعقل نَحْو حَائِض أَو مِمَّن لَا يعقل نَحْو نَاقَة حاسر إِذا أعيت أَو صفة مُذَكّر غير عَاقل نَحْو صاهل يجمع قِيَاسا على فواعل تَقول كواهل وحوائض وحواسر وصواهل أما إِذا كَانَ صفة لمذكر عَاقل لَا يجمع على فواعل وَقد شذت أَلْفَاظ خَمْسَة وَهِي ناكس ونواكس وَفَارِس وفوارس نَحْو (الْبَسِيط)
(لَوْلَا فوارس من نعم وأسرتهم) وهالك وهوالك قَالُوا هَالك فِي الهوالك وغائب وغوائب وَشَاهد وشواهد قَالَ عتبَة بن الْحَارِث لجزء بن سعد (الوافر)
(أحامي عَن ديار بني أبيكم ... ومثلي فِي غوائبكم قَلِيل)
فَقَالَ لَهُ جُزْء نعم وَفِي شواهدنا فَجمع عتبَة غَائِبا على غوائب وَجمع جُزْء شَاهدا على شَوَاهِد وَقد وجهت بتوجيهات أما الأول فقد حمله سِيبَوَيْهٍ على اعْتِبَار التَّأْنِيث فِي الرِّجَال قَالَ لِأَنَّك تَقول هِيَ الرِّجَال كَمَا تَقول هِيَ الْجمال فشبهه بالجمال وَمِنْه أَخذ أَبُو الْوَلِيد فَقَالَ فِي شرح كَامِل الْمبرد هَذَا مخرج على غير الضَّرُورَة وَهُوَ أَن تُرِيدُ بِالرِّجَالِ جماعات الرِّجَال فَكَأَنَّهُ جماعات نواكس وَوَاحِدَة جمَاعَة ناكسة فَيكون مقيسا جَارِيا على بَابه كقائله وقوائل
وَوَجهه ابْن الصَّائِغ على أَنه صفة للأبصار
стр. 204
من جِهَة الْمَعْنى لِأَن الأَصْل قبل النَّقْل نواكس أَبْصَارهم وَالْجمع فِي هَذَا قبل النَّقْل سَائِغ لِأَنَّهُ غير عَاقل فَلَمَّا نقل تركُوا الْأَمر على مَا كَانَ عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْنى لم ينْتَقل وَأما الثَّانِي فَقَالُوا إِنَّه من الصِّفَات الَّتِي اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فَقرب بذلك مِنْهَا وَلِأَنَّهُ لَا لبس فِيهِ لما ذكر سِيبَوَيْهٍ من أَن الْفَارِس فِي كَلَامهم لَا يَقع إِلَّا للرِّجَال وَأما الثَّالِث فوجهه أَنه جرى عِنْدهم مجْرى الْمثل وَمن شَأْن الْأَمْثَال أَن لَا تغير عَن أَصْلهَا وَأما الرَّابِع وَالْخَامِس فوجههما يعلم مِمَّا وَجه بِهِ الشلوبين هوالك ونواكس فَإِنَّهُ يجْرِي فِي جَمِيع مَا جَاءَ من هَذَا وَهُوَ قَوْله قد عرف بقَوْلهمْ أَولا هَالك أَنه إِنَّمَا يُرِيد الْمُذكر وَكَذَلِكَ بقوله وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد قَالَ فَصَارَ ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره من قَوْلهم فَارس فِي الفوارس وَإِن لم يكن مثله فِي الْجُمْلَة لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يتضمنه نواكس يصلح للمذكر والمؤنث وَالْمعْنَى الَّذِي يتضمنه الفوارس لَا يصلح إِلَّا للمذكر هَذَا قَوْله وَهُوَ جَار فِي الْأَخيرينِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيد فِيمَن غَابَ من رجالكم وَلم يرد أَن مثله فِي نِسَائِهِم قَلِيل فعين أَنه يُرِيد الْمُذكر من جِهَة قَصده فَصَارَ كالفوارس قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية وَطَرِيقَة الْمبرد فِي جَمِيع مَا جَاءَ شاذا من هَذَا النَّوْع أَن فواعل هُوَ الأَصْل فِي الْجَمِيع وَإِنَّمَا منع مِنْهُ خوف اللّبْس فَإِذا اضطروا راجعوا الأَصْل كَمَا يراجعونه فِي سَائِر الضرورات وَكَذَلِكَ حَيْثُ أمنُوا الإلباس ا. هـ.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل بعد مَا أورد بَيت الشَّاهِد
стр. 205
وَفِي هَذَا الْبَيْت شَيْء يسطرفه النحويون وَهُوَ أَنهم لَا يجمعُونَ مَا كَانَ من فَاعل نعتا على فواعل لِئَلَّا يلتبس بالمؤنث لَا يَقُولُونَ ضَارب وضوارب لأَنهم قَالُوا ضاربة وضوارب وَلم يَأْتِ هَذَا إِلَّا فِي حرفين أَحدهمَا فَارس لِأَن هَذَا مِمَّا لَا يسْتَعْمل فِي النِّسَاء فامنوا الالتباس وَيَقُولُونَ فِي الْمثل هُوَ هَالك فِي الهوالك فأجروه على أَصله لِكَثْرَة
الِاسْتِعْمَال لِأَنَّهُ مثل فَلَمَّا احْتَاجَ الفرزدق لضَرُورَة الشّعْر أجراه على أَصله فَقَالَ نواكسي الْأَبْصَار وَلَا يكون مثل هَذَا أبدا إِلَّا ضَرُورَة ا. هـ.
وَفِيه أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقيد النَّعْت بِمن يعقل وَلكنه أطلق لشهرته وَفِيه أَيْضا أَن المسموع خَمْسَة لَا ثَلَاثَة كَمَا تقدم ثمَّ رَأَيْت فِي شرح أدب الْكَاتِب للجواليقي زِيَادَة على هَذِه الْخَمْسَة وَهِي حارس وحوارس وحاجب وحواجب من الحجابة نقلهما عَن ابْن الْأَعرَابِي ثمَّ قَالَ وَمن ذَلِك مَا جَاءَ فِي الْمثل مَعَ الخواطئ سهم صائب وَقَوْلهمْ أما وحواج بَيت الله ودواجه جمع حَاج وداج والداج الأعوان والمكارون وَحكى الْمفضل رافد وروافد وَأنْشد (الطَّوِيل)
(إِذا قل فِي الْحَيّ الْجَمِيع الروافد)
فالجميع إِحْدَى عشرَة كلمة الْوَجْه الثَّانِي أَن الْمَشْهُور فِي رِوَايَة هَذِه الْكَلِمَة نواكس بِدُونِ جمعهَا جمع سَلامَة وَبِه اسْتشْهد س وَصَاحب الْجمل وَقَالا كَانَ الْقيَاس أَن يجمع ناكس على أنكاس أَو نكس وَكَأَنَّهُ حمله على تَأْنِيث الْجمع وَقد رَوَاهَا جمَاعَة جمعهَا بِجمع السَّلامَة قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح كَامِل الْمبرد وَهَذَا أطرف
стр. 206
وَأغْرب من جمع ناكس على نواكس فَإِنَّهُ غَرِيب جدا لِأَن الْخَلِيل يرى أَن هَذَا الْبناء نِهَايَة الْجمع وَقَالَ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَلما كَانَ الْجمع الَّذِي ثالثه ألف وَبعده حرفان أَو ثَلَاثَة لَا يتهيا تكسيرة لِأَنَّهُ نِهَايَة التكسير وَأُرِيد جمعه لم يكن ذَلِك إِلَّا بِأَن يجمع جمع سَلامَة لِأَنَّهُ لَا يُغير الِاسْم عَن لَفظه قَالَ الجاربردي فِي شرح الشافية بعد مَا قَالَ ابْن الْحَاجِب وَقد بِجمع الْجمع أَي جمع تكسير وَجمع تَصْحِيح بِالْألف وَالتَّاء وَأفَاد بقد أَنه لَا يطرد قِيَاسا لكنه كثير فِي جمع الْقلَّة قَلِيل فِي جمع الْكَثْرَة إِلَّا بِالْألف وَالتَّاء الْوَجْه الثَّالِث أَنه يتَرَاءَى فِي ظَاهر الْأَمر تدافع بَين هَذَا الْوَزْن من جمع التكسير
وَبَين جمع التَّصْحِيح فَإِن الأول مَوْضُوع للكثرة وَالثَّانِي للقلة وَقد سَأَلَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة عَن هَذَا فَقَالَ فَإِن قلت فقد قَالُوا
(فهن يعلكن حدائدداتها)
وَقَالُوا
(قد جرت الطير أيامنينا)
وَقَالُوا صواحبات يُوسُف ومواليات الْعَرَب وَقَالَ الفرزدق
(خضع الرّقاب نواكسي الْأَبْصَار)
فِيمَن رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَفِي هَذَا على قَوْلك اجْتِمَاع الضدين وَهُوَ دلَالَة الْمِثَال على الْكَثْرَة مَعَ جُمُعَة بِالْوَاو وَالنُّون وَالْألف وَالتَّاء وكل وَاحِد مِنْهُمَا على مَا قدمت مَوْضُوع للقلة وَأجَاب عَنهُ بقوله قيل لَا يكون مُفِيد الْقلَّة فِي الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ الا ترى أَن نفس نواكس وَصَوَاحِب يُفِيد بِنَفسِهِ مُفْرد الْكَثْرَة أفتراه إِذا جمع جمع الْقلَّة يصيره ذَلِك أَن يكون أقل
стр. 207
من أَن لَا يجمع أصلا قد كَفاهُ مَوْضُوعه للكثرة من احْتِيَاجه إِلَى تَثْنِيَة فضلا عَن جمع قلَّة أَو تجَاوز بِهِ إِلَى مِثَال كَثْرَة كَمَا أَن الْمُضمر الْمَجْرُور وَإِن ضعف عَن عطف الْمظهر عَلَيْهِ بِغَيْر إِعَادَة حرف جر مَعَه فَإِنَّهُ لَا يضعف عَن توكيده كمررت بِهِ نَفسه وَذَلِكَ أَنه لَا يبلغ بِهِ الضعْف أَن يكون أقل من لَا شَيْء وَأَنت لَو قلت مَرَرْت بِنَفسِهِ لَكَانَ قولا جَائِزا فاعرف هَذَا النَّحْو انْتهى كَلَامه وَهَذِه عبارَة قلقة يتعسر فهم المُرَاد مِنْهَا فَيَنْبَغِي شرحها فَقَوله فَفِي هَذَا على قَوْلك اجْتِمَاع الضدين إِلَخ أَقُول لَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا لَيْسَ على ظَاهره بل إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة اعْتِرَاض بالترديد بَين المحذورين ذكر أَحدهمَا لظُهُوره وَترك الآخر اعْتِمَادًا على فهم من لَهُ حَظّ من قانون المناظرة وَإِلَّا فَلَا يتم التَّقْرِيب أصلا كَمَا لَا يخفى وَتَقْرِيره أَن هَذَا الْجمع لَو جمع جمع الْقلَّة يلْزم أحد المحذورين إِمَّا إجتماع الضدين على تَقْدِير أَن يكون الْقلَّة وَالْكَثْرَة موجودتين
مَعًا أَو كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد على تَقْدِير إعدام الْقلَّة وَلم يتَعَرَّض لكَون مُفِيد الْكَثْرَة كَانَ لَا يُوجد لِأَنَّهُ لَا خَفَاء فِي امْتِنَاعه ضَرُورَة بَقَاء الْكَثْرَة على حَالهَا بعد أَن جمع جمع الْقلَّة وَقَوله قيل لَا يكون مُفِيد الْقلَّة فِي الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ إِلَخ ظَاهره جَوَاب بِاخْتِيَار الشق الثَّانِي لَكِن يحصل مِنْهُ الْجَواب بِاخْتِيَار الشق الأول أَيْضا وَتَقْرِيره إِنَّا لَا نسلم لُزُوم كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد على تَقْدِير إعدام الْقلَّة بل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك أَن لَو كَانَت الْقلَّة منتفية بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا وَذَلِكَ مَمْنُوع لِأَن وضع لفظ التكسير للكثرة يَقْتَضِي انْتِفَاء الْقلَّة المباينة لَهَا لَا الْقلَّة المجامعة مَعهَا وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الأول انْتِفَاء الثَّانِي حَتَّى يكون مُفِيد الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد وَلَا نسلم أَيْضا لُزُوم اجْتِمَاع الضدين على تَقْدِير وجودهما مَعًا بل إِنَّمَا يلْزم ذَلِك
стр. 208
أَن لَو كَانَت الْقلَّة الْبَاقِيَة بعد أَن جمع جمع الْقلَّة هِيَ الْقلَّة المباينة للكثرة الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ أَيْضا مَمْنُوع بل مُقْتَضَاهُ اجْتِمَاع الْكَثْرَة مَعَ الْقلَّة المجامعة مَعهَا ضَرُورَة أَن لفظ الْقلَّة يُفِيد تقليل أَفْرَاد مدخولها لَا غير وهما ليسَا بضدين حَتَّى يلْزم من وجودهما مَعًا اجْتِمَاع الضدين وَقَوله أَلا ترى إِلَخ مَعَ قَوْله أفتراه إِلَخ تنوير لعدم كَون مُفِيد الْقلَّة كَانَ لَا يُوجد وَتَقْرِيره أَنَّك تعرف قطعا أَن نفس صَوَاحِب وأمثالها يُفِيد الْكَثْرَة بِنَفسِهِ مُفردا وتعرف أَيْضا أَن جمعه جمع الْقلَّة لَا يصيره إِلَى أقل من أَن لَا يجمع ذَلِك الْجمع أَي لَا يُغَيِّرهُ إِلَى حكم الْمُفْرد حَتَّى يكون جمع الْقلَّة مُفِيدا للقلة فِي الْمُفْردَات المباينة لتِلْك الْكَثْرَة كَيفَ لَا وَلَو كَانَ كَذَلِك يلْزم انْتِفَاء الْكَثْرَة مَعَ أَن وَضعه كَاف فِي ذَلِك من غير احْتِيَاج إِلَى تَثْنِيَة أَو جمع قلَّة أَو جمع كَثْرَة فَظهر لَك أَن ذَلِك الْجمع لإِفَادَة أَمر آخر زَائِد عَلَيْهِ وَهُوَ تَعْلِيل تِلْكَ الْكَثْرَة فَقَط فَلَمَّا كنت الْقلَّة المجامعة مَعَ تِلْكَ الْكَثْرَة بَاقِيَة على حَالهَا لم يكن مُفِيد الْقلَّة كَأَن لَا يُوجد الْبَتَّةَ وَقَوله كَمَا أَن الْمُضمر الْمَجْرُور إِلَخ تنظير لعدم تَغْيِير جمع الْقلَّة مَعَ الْكَثْرَة وَتَقْرِيره أَن امْتنَاع اجْتِمَاع الضدين نَظِير ضعف عطف الْمظهر على الْمُضمر بِغَيْر إِعَادَة الْجَار وَجمع الْقلَّة فِيمَا نَحن فِيهِ نَظِير تَأْكِيد الْمُضمر بِغَيْر إِعَادَة الْجَار فَكَمَا أَن ضعف الْعَطف الْمَذْكُور لكَونه كالعطف على بعض حُرُوف الْكَلِمَة لَا يُنَافِي جَوَاز التَّأْكِيد بِغَيْر إِعَادَة الْجَار لِأَنَّهُ كنفسه بِنَاء على تغاير الْمَادَّتَيْنِ كَذَلِك امْتنَاع اجْتِمَاع
الضدين لَا يُنَافِي جَوَاز جمع التكسير جمع الْقلَّة لتغاير الْمَادَّتَيْنِ وكما أَن التَّأْكِيد لَا يَجْعَل الْمُضمر أقل من أَن لَا يُؤَكد بل يُفِيد أمرا زَائِدا عَلَيْهِ وَهُوَ التَّأْكِيد كَذَلِك الْجمع فِيمَا نَحن فِيهِ لَا يَجْعَل
стр. 209
لفظ التكسير أقل من ان لَا يجمع بل يُفِيد أمرا زَائِدا عَلَيْهِ وَهُوَ تقليل الْكَثْرَة الْحَاصِلَة من المجامعة مَعَه وَالْحَاصِل أَن مَا هُوَ لَازم لَيْسَ بمحذور وَمَا هُوَ مَحْذُور لَيْسَ بِلَازِم هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يفهم هَذَا الْمقَام وَقَوله خضع الرّقاب حَال من مفعول رَأَيْتهمْ والرؤية بصرية فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَا تضر الْإِضَافَة فَإِنَّهَا لفظية وَكَذَلِكَ نواكسي الْأَبْصَار لِأَن الْمَعْنى خضعا رقابهم نواكس أَبْصَارهم وخضع بِضَمَّتَيْنِ جمع خضوع مُبَالغَة خاضع من الخضوع وَهُوَ التطامن والتواضع يُقَال خضع لغريمة يخضع بفتحهما خضوعا ذل واستكان وَهُوَ قريب من الْخُشُوع إِلَّا أَن الْخُشُوع أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الصَّوْت والخضوع فِي الْأَعْنَاق وَلِهَذَا أَضَافَهُ إِلَى الرّقاب وَيحْتَمل أَن يكون خضع بضمه فَسُكُون جمع أخضع وَهُوَ الَّذِي فِي عُنُقه تطامن من خلقَة وَهَذَا أبلغ من الأول أَي ترى أَعْنَاقهم إِذا رَأَوْهُ كَأَنَّهَا خلقت متطامنة من شدَّة تذللهم وَفعل قِيَاس فِي جمع أفعل وفعلاء صفة غير تَفْضِيل نَحْو أَحْمَر وحمراء وجمعهما حمر وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا آل الْمُهلب وَخص من بَينهم ابْنه يزِيد أَولهَا (الْكَامِل)
(فلأمدحن بني الْمُهلب مِدْحَة ... غراء ظَاهِرَة على الْأَشْعَار)
(مثل النُّجُوم أمامها قمر لَهَا ... يجلو الدجى ويضيء ليل الساري)
(ورثوا الطعان عَن الْمُهلب والقرى ... وخلائقا كتدفق الْأَنْهَار)
(أما البنون فَإِنَّهُم لم يورثوا ... كتراثه لِبَنِيهِ يَوْم فخار)
стр. 210
إِلَى أَن قَالَ
(أما يزِيد فَإِنَّهُ تأبى لَهُ ... نفس موطنة على الْمِقْدَار)
(ورادة شعب الْمنية بالقنا ... فتدر كل معاند نعار)
(وَإِذا النُّفُوس جشأن طامن جأشها ... ثِقَة بِهِ لحماية الأدبار)
(ملك عَلَيْهِ مهابة الْملك التقى ... قمر التَّمام بِهِ وشمس نَهَار)
(وَإِذا الرِّجَال رَأَوْا يزِيد رَأَيْتهمْ الْبَيْت)
إِلَى أَن قَالَ
(مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إزَاره ... وسما فَأدْرك خَمْسَة الأشبار)
(يدني خوافق من خوافق للتقى ... فِي كل معتبط الْغُبَار مثار)
قَوْله تأبى لَهُ نفس مفعول تأبى مَحْذُوف أَي الْقعُود عَن الحروب وَنَحْوه وَقَوله موطنة على الْمِقْدَار أَي تَقول نَفسه عِنْد اقتحام المهالك لَا يُصِيبنِي إِلَّا مَا قدر الله والمقدار بِمَعْنى الْقدر وورادة مُبَالغَة وَارِدَة صفة نفس وَشعب مفعول ورادة بِمَعْنى فروع الْمنية وأنواعها مستعار من الشّعب الَّتِي هِيَ أَغْصَان الشَّجَرَة جمع شُعْبَة والقنا جمع قناة وَهِي الرمْح وتدر فَاعله ضمير القنا من أدرت الرّيح السَّحَاب واستدرته أَي استحلبته وكل مَفْعُوله والمعاند الْعرق الَّذِي يسيل وَلَا يرقا وَيُقَال لَهُ عاند أَيْضا وَفعله من بَاب نصر والنعار بِالْعينِ الْمُهْملَة من نعر الْعرق ينعر بِالْفَتْح فيهمَا أَي فار مِنْهُ الدَّم فَهُوَ عرق نعار ونعور وجشأن يُقَال جشأت نَفسه إِذا ارْتَفَعت من حزن أَو فزع والجأش بِالْهَمْز جأش الْقلب وَهُوَ رواعه إِذا اضْطربَ عِنْد الْفَزع يُقَال فلَان رابط الجأش أَي يرْبط نَفسه عَن الْفِرَار
стр. 211
لشجاعته وطأمن مقلوب طمأن بِالْهَمْز فيهمَا بِمَعْنى سكن وثقة فَاعله والتقى فعل مَاض وقمر التَّمام فَاعله يُقَال قمر تَمام بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا إِذا تمّ لَيْلَة الْبَدْر وَأما ليل التَّمام فمكسور لَا غير وَهُوَ أطول لَيْلَة فِي السّنة
وَقَوله مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إِلَى آخِره هَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ النُّحَاة فِي عدَّة مَوَاضِع مِنْهُم ابْن هِشَام أوردهُ فِي الْمُغنِي شَاهدا لإيلاء الْجُمْلَة الفعلية ل مذ كَمَا يَليهَا الْجُمْلَة الأسمية وَأوردهُ أَيْضا فِي شرح الألفية لقَوْله خَمْسَة الأشبار حَيْثُ جرد الْمُضَاف من أَدَاة التَّعْرِيف وَهُوَ حجَّة على الْكُوفِيّين فِي جوازهم الْجمع بَين تَعْرِيف الْمُضَاف بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة مستدلين بقول عرب غير فصحاء الثَّلَاثَة الْأَبْوَاب والمسموع تَجْرِيد الأول من أَدَاة التَّعْرِيف كَمَا قَالَ ذُو الرمة أَيْضا (الطَّوِيل)
(وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى ... ثَلَاث الأثافي والديار البلاقع)
وسما ارْتَفع وشب من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَأدْركَ بِمَعْنى بلغ وَوصل وفاعلهما ضمير يزِيد وَقَوله خَمْسَة الأشبار أَرَادَ طول خَمْسَة أشبار بشبرالرجال وَهِي ثلثا قامة الرجل وينسب إِلَيْهَا فَيُقَال غُلَام خماسي قَالَ ابْن دُرَيْد غُلَام خماسي قد ايفع فِي الصِّحَاح والعباب وَغُلَام رباعي وخماسي أَي طوله أَرْبَعَة أشبار وَخَمْسَة أشبار وَلَا يُقَال سداسي وَلَا سباعي لِأَنَّهُ إِذا بلغ سِتَّة أشبار أَو سَبْعَة أشبار صَار رجلا والغلام إِذا بلغ خَمْسَة أشبار عِنْدهم تخيلوا فِيهِ الْخَيْر وَالشَّر وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعَرَب أَيّمَا غُلَام بلغ خَمْسَة أشبار فاتهمته قتلته هَذَا مَا عِنْدِي وَأما النَّاس فقد اخْتلفُوا فِي تَفْسِيره على أَقْوَال أَحدهَا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَمعنى فَأدْرك خَمْسَة الأشبار ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا لِأَن الفلاسفة زَعَمُوا أَن الْمَوْلُود إِذا ولد
стр. 212
لتَمام مُدَّة الْحمل وَلم تغيره آفَة فِي الرَّحِم فَإِنَّهُ يكون فِي قدة ثَمَانِيَة أشبار من شبر نَفسه وَتَكون سرته بِمَنْزِلَة المركز لَهُ فَيكون مِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقَّه الْأَعْلَى أَرْبَعَة أشبار بشبره وَمِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقة الْأَسْفَل أَرْبَعَة أشبار وَمِنْهَا إِلَى أَطْرَاف أَصَابِعه من يَده مَعًا أَرْبَعَة أشبار حَتَّى أَنه لَو رقد على صلبة وَفتح ذراعية وَوضع ضَابِط فِي سرته وأدير لَكَانَ
شبه الدائرة قَالُوا فَمَا زَاد على هَذَا أَو نقص فلآفة عرضت لَهُ فِي الرَّحِم فَإنَّك تَجِد من نصفه الْأَعْلَى أطول من نصفه الْأَسْفَل وَمن نصفه الْأَسْفَل أطول من نصفه الْأَعْلَى وَمن يَدَاهُ قصيرتان وَمن يَده الْوَاحِدَة أقصر من الثَّانِيَة فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال ا. هـ.
وَقَوله أَولا ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا شرح بِهِ الْمَعْنى المُرَاد وَلَا حَاجَة بعده إِلَى نقل كَلَام الفلاسفة لِأَنَّهُ خَارج عَن الْمقَام بل مُفسد لِأَنَّهُ رتب بعده قَوْله فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَهَذَا غير مُتَصَوّر لِأَن الطِّفْل الَّذِي تجَاوز أَرْبَعَة أشبار بشبر نَفسه لَا يحسن عقد إزَاره فضلا عَن الْأَخْذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَإِنَّمَا الْمَعْنى تجَاوز خَمْسَة أشبار بشبر الرِّجَال وَهِي ثلثا قامة الرجل كَمَا ذكرهَا ثَانِيهَا أَنه أَرَادَ ب خَمْسَة الأشبار السَّيْف قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مُنْتَهى طول السَّيْف فِي الْأَكْثَر كَمَا أَن مُنْتَهى طول الْقوس ثَلَاث أَذْرع وإصبع قَالَ الراجز (الرجز)
(أرمى عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع وإصبع)
وَإِنَّمَا زَاد إصبعا لاخْتِلَاف أَذْرع النَّاس فِي الطول وَالْقصر وَرُبمَا زادوا شبْرًا كَمَا قَالَ آخر ...
стр. 213
(وَهِي ثَلَاث أَذْرع وشبر)
وكما أَن مُنْتَهى طول الْقَنَاة أحد عشر ذِرَاعا قَالَ عتبَة بن مرداس (الطَّوِيل)
(وأسمر خطيا كَأَن كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذِرَاعا على الْعشْر)
وَقَالَ البحتري أَيْضا (الْبَسِيط)
(كالرمح أذرعه عشر وَوَاحِدَة ... فَلَيْسَ يزري بِهِ طول وَلَا قصر)
ثَالِثهَا أَنه أَرَادَ عَصا الْخطْبَة وَهَذَا غير مُنَاسِب لما قبله وَلما بعده وَرَابِعهَا أَنه أَرَادَ الخيزرانة الَّتِي كَانَ الْخُلَفَاء يحبسونها بِأَيْدِيهِم وَهَذَا أَيْضا غير مُنَاسِب كَالَّذي قبله على أَن يزِيد لَيْسَ خَليفَة وَلَا من نسل الْخُلَفَاء وَأَرَادَ هَذَا الْقَائِل الْخُلَفَاء الأمويين خَامِسهَا أَنه أَرَادَ خلال الْمجد الْخَمْسَة الْعقل والعفة وَالْعدْل والشجاعة وَالْوَفَاء وَكَانَت عِنْدهم مَعْرُوفَة بِهَذَا الْعدَد كَذَا نقلوه وَلَا يخفى أَنه لَو كَانَ المُرَاد هَذَا لبقي ذكر الأشبار لَغوا سادسها أَنه أَرَادَ بِخَمْسَة الأشبار الْقَبْر لِأَن الْبَيْت من مريثة وَهَذَا بَاطِل لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ من قصيدة فِي مدح يزِيد بن الْمُهلب وَكَانَ حَيا وَاسم زَالَ ضمير يزِيد وخبرها الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ يدني خوافق إِلَخ وَأَرَادَ بالخوافق الرَّايَات وَهُوَ جمع خافقة يُقَال خَفَقت الرَّايَة بِالْفَتْح تخفق
بِالْكَسْرِ وَالضَّم خفقا وخفقانا إِذا تحركت واضطربت ومعتبط الْغُبَار بِالْعينِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْموضع الَّذِي لم يُقَاتل عَلَيْهِ وَلم يثر فِيهِ غُبَار قبل
стр. 214
مَا أثاره هَذَا الممدوح يُقَال أعبطت الأَرْض إِذا حفرت مِنْهَا موضعا لم يحْفر فِيهَا قبل ذَلِك والمثار المهيج المحرك وروى بدله
(يدني كتائب من كتائب تلتقي ... فِي ظلّ معترك العجاج مثار)
والْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهُوَ الْجَيْش والمعترك مَوضِع الاعتراك وَهُوَ الْمُحَاربَة وَأَرَادَ ب ظله الْغُبَار الثائر فِي المعركة فَإِنَّهُ إِذا اشْتَدَّ لَا يرى مَعَه ضوء فَيصير كالظل الكثيف ومذ اسْم فَقيل إِنَّهَا ظرف مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل إِلَى زمن مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل مُبْتَدأ فَيجب تَقْدِير زمَان للجملة يكون هُوَ الْخَبَر والإزار مَعْرُوف وَقيل كنى بِعقد الْإِزَار عَن شده لما يحتوى عَلَيْهِ من كساءي الْمجد وَهَذَا يُنَاسب تَفْسِيره خَمْسَة الأشبار بخلال الْمجد الْخَمْسَة وَخَمْسَة الأشبار مفعول أدْرك بِتَقْدِير مُضَاف كَمَا تقدم
وَقَالَ الأعلم على مَا نَقله اللَّخْمِيّ فَاعل سما مُضْمر لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير وسما جِسْمه أَو طوله وفاعل أدْرك مُضْمر أَيْضا عَائِد على الْجِسْم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى وَمعنى أدْرك انْتهى وَالْأَفْعَال يحمل بَعْضهَا على بعض إِذا اشتركت فِي الْمَعْنى وَالتَّقْدِير انْتهى طوله أَو جِسْمه خَمْسَة أشبار وَيكون انتصاب خَمْسَة أشبار على أَنه مفعول على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي انْتهى إِلَى خَمْسَة أشبار ا. هـ.
أَقُول هَذَا كُله تعسف لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ وَمثل هَذَا قَول ابْن يسعون فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح وَيجوز نَصبه نصب الظروف بقوله سما أَي فعلا مِقْدَار خَمْسَة الأشبار ا. هـ.
فَإِنَّهُ تعسف أَيْضا لِأَنَّهُ يكون الْمدْرك غير مَعْلُوم مَا هُوَ وَبَقِي قَوْله أدْرك غير مُفِيد شَيْئا وَمن فسر الْخَمْسَة بِالسَّيْفِ والعصا والخيزرانة فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي فَأدْرك أَخذ خَمْسَة الأشبار لِلْقِتَالِ بِهِ أَو للجس بِالْيَدِ أَو للخطبة وَقَالَ ابْن يسعون بعد جعل الْخَمْسَة مَفْعُولا
стр. 215
لأدرك على تَقْدِير مَعْنَاهَا السَّيْف أَو خلال الْمجد الْخَمْسَة مَا نَصه وَيجوز نصب خَمْسَة نعتا لإزاره أَو بَدَلا مِنْهُ أَو عطف بَيَان هـ فَتَأمل
وَأما يزِيد فَهُوَ ابْن الْمُهلب بن أبي صفرَة أحد شجعان الْعَرَب وكرمائهم وشهرته فِي الشجَاعَة وَالْكَرم غنية عَن الْوَصْف كَانَ فِي دولة الأمويين واليا على خُرَاسَان وافتتح جرجان ودهستان وطبرستان وَبعد الْحجَّاج صَار أَمِير العراقين وَأجْمع عُلَمَاء التَّارِيخ على أَنه لم يكن فِي دولة بني أُميَّة أكْرم من بني الْمُهلب كَمَا لم يكن فِي دولة بني الْعَبَّاس أكْرم من البرامكة وَولد يزِيد سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة وَتُوفِّي مقتولا يَوْم الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَقد تَرْجمهُ ابْن خلكان وَترْجم وَالِده بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وستاتي تَرْجَمَة وَالِده فِي رب من حُرُوف الْجَرّ فِي شرح قَوْله (الْكَامِل)
(فَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح)
والفرزدق هُوَ أَبُو فراس واسْمه همام بن غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الْبَصْرِيّ وَهَمَّام بِصِيغَة الْمُبَالغَة من الهمة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء بعد أَن قَالَ اسْمه همام وَكَانَ للفرزدق إخْوَة مِنْهُم هميم بن غَالب وَبِه سمي الفرزدق والأخطل وَكَانَ أسن مِنْهُ وَأُخْت يُقَال لَهَا جعثن كَانَت امْرَأَة صدق وَكَانَ جرير فِي مهاجاته للفرزدق يذكرهَا بِسوء قَالَ الْيَرْبُوعي وَكذب عَلَيْهَا جرير وَكَانَ يَقُول أسْتَغْفر الله فِيمَا قلت لجعثن قَالَ وَكَانَت إِحْدَى الصَّالِحَات.
следующие страницы →