Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
الأوّل أَن يُرَاد نفي النّظير الممدوح بِنَفْي أَبِيه وَوجه الثَّانِي أَن يُرَاد أنّه مَجْهُول النّسَب. والمعنيان محتملان هُنَا أمّا الثَّانِي فَوَاضِح لأنّهم لما لم يغنوا عَنهُ شَيْئا أَمرهم بتخلية سَبيله ذامّاً لَهُم وأمّا الأوّل فعلى وَجه الِاسْتِهْزَاء انْتهى.
وَزَاد عَلَيْهِ شارحها البغداديّ قَالَ: تَقول الْعَرَب لَا أَبَا لَك وَلَا أَب لَك يسْتَعْمل فِي التفجّع والتعجّب وَيُقَال فِي الْمَدْح والذم وربّما قَالُوا لَا أَبَاك وَهُوَ نَادِر. وأمّا لَا أمّ لَك فَلَا يُقَال إلاّ فِي الذّم وَحده دلّ على ذَلِك استقراء كَلَام الْعَرَب.
وَقَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: إِن قلت إنّ الْألف فِي لَا أَبَا لَك تؤذن بِالْإِضَافَة والتعريف وَاللَّام تؤذن بِالْفَضْلِ والتنكير فقد جمعت على الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد مَعْنيين ضدّين وهما التَّعْرِيف والتنكير. وَهَذَا كَمَا ترى متدافعان قلت: الْفرق وَاضح فإنّه كَلَام جرى مجْرى الْمثل فإنّك لَا تَنْفِي فِي الْحَقِيقَة أَبَاهُ وَإِنَّمَا تخرجه مخرج الدُّعَاء عَلَيْهِ أَي: أَنْت عِنْدِي مّمن يستحقّ أَن يدعى عَلَيْهِ بفقد أَبِيه. كَذَا فسّره أَبُو عليّ وَكَذَلِكَ هُوَ لمتأمّله أَلا ترى أَنه قد أنْشد توكيداً لما رَآهُ من هَذَا الْمَعْنى فِيهِ قَوْله: الطَّوِيل وتترك أُخْرَى فردةً لَا أَخا لَهَا وَلم يقل لَا أُخْت لَهَا وَلَكِن لّما جرى هَذَا الْكَلَام على أَفْوَاههم لَا أَبَا لَك وَلَا أَخا لَك قيل مَعَ المؤنّث على حدّ مَا يكون عَلَيْهِ مَعَ المذكّر
стр. 1507
فَجرى نَحوا من قَوْلهم لكلّ أحدٍ: من ذكر وَأُنْثَى واثنين واثنتين وَجَمَاعَة: الصّيف ضيّعت اللَّبن على الأنيث لأنّه كَذَا جرى أوّله.
وَأما قَوْله:
(أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني))
فقد قَالَ شَارِح أبي عليّ الفارسيّ: هُوَ لأبي حيّة النّميريّ قَالَه أَبُو عَمْرو قَالَ: جلبه أَبُو عليّ شَاهدا على حذف هَذِه اللَّام ضَرُورَة فثبوت الْألف فِي أَبَا دَلِيل الْإِضَافَة والتعريف وَوُجُود اللَّام دَلِيل الْفَصْل والتنكير. حذف لَام الجرّ وَهُوَ
يريدها وَلَوْلَا أنّها فِي حكم الثّابت فِي اللَّفْظ لما عملت لَا لأنّها لَا تعْمل إلاّ فِي نكرَة. فأمّا دلَالَة الْألف فِيهِ وَحذف النُّون من نَحْو لَا يَدي بهَا لَك على إِرَادَة الْإِضَافَة فلأنّ وجود الْعَمَل مانعٌ فِيهَا من اللَّفْظ فضعف اقْتِضَاء الْمَعْنى مَعَ وجود الْمَانِع اللفظيّ. فإنّ هَذَا مثلٌ لم يقْصد بِهِ نفي الْأَب وإنّما قصد بِهِ الذمّ. وَكَذَلِكَ لَا يَدي لَك إنّما المُرَاد لَا طَاقَة لَك بهَا.
وَهُوَ قِيَاس من النّحويين على قَوْلهم لَا أَبَا لَك. وَفِي الْكتاب: لَا أَبَا فَاعْلَم لَك وَفِيه دَلِيل على أنّه لَيْسَ بمضاف. وَيجوز أَن تكون الْألف لَام الْكَلِمَة كَمَا قَالَ: الرجز فأمّا قَوْله تخوّفيني فإنّه أَرَادَ تخوفينني فَحذف إِحْدَى النونين: فَقيل حذف الأولى كَمَا حذف الْإِعْرَاب فِي قَول امْرِئ الْقَيْس:
стр. 1508
السَّرِيع فاليوم أشْرب غير مستحقبٍ
وَقَالَ المبّرد حذف الثَّانِيَة وَهُوَ أولى لأنّها إِنَّمَا زيدت مَعَ الْيَاء لتقي الْفِعْل من الكسرة وَالْأولَى عَلامَة الرّفْع انْتهى كَلَامه.
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك علم أنّ قَوْلهم لَا أَبَا لَك إنّما فِيهِ تعادي ظَاهره واجتماع صُورَتي الْفَصْل والوصل والتعريف والتنكير لفظا لَا معنى ... . وَنحن إنّما عَقدنَا فَسَاد الْأَمر وصلاحه على الْمَعْنى كَأَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد قَلِيلا كثيرا. هَذَا مَا لَا يدّعيه مدّع.
ويؤكد عنْدك خُرُوجه مخرج الْمثل كثرته فِي الشّعْر وأنّه يُقَال لمن لَهُ أَب وَلمن لَيْسَ لَهُ أَب. وَهُوَ دُعَاء فِي الْمَعْنى لَا محَالة وَإِن كَانَ فِي اللَّفْظ خَبرا وَلَو كَانَ دُعَاء مصرّحاً وأمراً مغنيّاً لما جَازَ أَن يُقَال لمن لَا أَب لَهُ لأنّه إِذا كَانَ لَا أَب لَهُ لم يجز أَن يدعى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ فِيهِ لَا محَالة فَيعلم أنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّه لَا حَقِيقَة لمعناه مُطَابقَة للفظه وإنّما هِيَ خَارِجَة مخرج الْمثل قَالَ عنترة: الْكَامِل
(فاقني حياءك لَا أَبَا لَك واعلمي ... أنّي امرؤٌ سأموت إِن لم أقتل)
...
стр. 1509
(ألق الصّحيفة لَا أَبَا لَك إنّه ... يخْشَى عَلَيْك من الحباء النّقرس)
وَقَالَ:)
(أَبَا لمَوْت الَّذِي لَا بدّ أنّي ... ملاقٍ لَا أَبَاك تخوّفيني)
أَرَادَ: لَا أَبَا لَك فَحذف اللَّام.
وَقَالَ جرير: يَا تيم تيم عديّ لَا أَبَا لكم وَهَذَا أقوى دَلِيل على كَونه مثلا لَا حَقِيقَة. أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يكون لتيم كلّها أبٌ وَاحِد وَلَكِن مَعْنَاهُ كلّكم أهل للدّعاء عَلَيْهِ والإغلاظ لَهُ.
وَقَالَ الحطيئة: الطَّوِيل
(أقلّوا عَلَيْهِم لَا أَبَا لأبيكم ... من اللوم أَو سدّوا الْمَكَان الَّذِي سدوا)
فَإِن قلت: فقد أثبت الحظيئة فِي هَذَا الْبَيْت مَا نفيته فِي الْبَيْت قبله فَجعل للْجَمَاعَة أَبَا وَاحِدًا وَأَنت قلت إنّه لَا يكون لجَماعَة تيم أبٌ وَاحِد. قيل: الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أنّه مثلٌ لَا يُرِيد حَقِيقَة الْأَب وإنّما غَرَضه الدّعاء مُرْسلا ففحّش بِذكر الْأَب.
وَالْآخر: يجوز أَن يُرِيد بأبيكم الْجمع أَي: لَا أَبَا لآبائكم يُرِيد الدّعاء على آبَائِهِم من حَيْثُ
стр. 1510
(فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا)
انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار.
وَأنْشد بعده:
يَا بؤس للْجَهْل ضرّاراً لأقوام هَذَا عجز وصدره: قَالَت بَنو عامرٍ خالوا بني أسدٍ وَقد تقدّم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(كَأَن أصوات من إيغالهنّ بِنَا ... أَوَاخِر الميس إنقاض الفراريج)
على أنّه قد فصل لضَرُورَة الشّعْر بالظرف بَين المتضايفين. وَالْأَصْل: كَأَن أصوات أَوَاخِر الميس من إيغالهنّ بِنَا إنقاض الفراريج.
стр. 1511
فِي الْأُصُول لبن السرّاج: وقبيح أَن تفصل بَين الجارّ وَالْمَجْرُور فَتَقول لَا أَخا هذَيْن الْيَوْمَيْنِ لَك.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا يجوز فِي ضَرُورَة الشّعْر لأنّ الشَّاعِر إِذا اضطّر فصل بَين الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. ومن للتَّعْلِيل والإيغال: الإبعاد يُقَال أوغل فِي الأَرْض إِذا أبعد فِيهَا حَكَاهُ ابْن دُرَيْد قَالَ: وكل داخلٍ فِي شيءٍ دُخُول مستعجل فقد أوغل فِيهِ.
وَقَالَ الأصمعيّ فِي شرح هَذَا الْبَيْت: الإيغال: سرعَة الدُّخُول فِي الشَّيْء يُقَال أوغل فِي الْأَمر: إِذا دخل فِيهِ بِسُرْعَة. وَالضَّمِير لِلْإِبِلِ فِي بَيت قبله. والْأَوَاخِر: جمع آخِره بِوَزْن فَاعله وَهِي قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْبَارِي: هُوَ بضمّ أَوله ثمَّ همزَة سَاكِنة وَأما الْخَاء فَجزم أَبُو عبيد بِكَسْرِهَا وجوّز الْفَتْح وَأنكر ابْن قُتَيْبَة الْفَتْح وَعكس ذَلِك ابْن مكّيّ فَقَالَ: لَا يُقَال مقدم ومؤخر بِالْكَسْرِ إلاّ فِي الْعين خَاصَّة وأمّا فِي غَيرهَا فَيُقَال بِالْفَتْح فَقَط. وَرَوَاهُ بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء. انْتهى.
وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: ومؤخر الْعين مثل مُؤمن: الَّذِي يَلِي الصّدغ ومقدمها: الَّذِي يَلِي الْأنف ومؤخرة الرحل أَيْضا لُغَة قَليلَة فِي آخِره الرحل وَهِي الَّتِي يسْتَند الرَّاكِب إِلَيْهَا. قَالَ يَعْقُوب: وَلَا تقل مؤخرّة انْتهى. والميس: بِفَتْح الْمِيم: شجر يتَّخذ مِنْهُ الرّحال
стр. 1512
والأقتاب وَإِضَافَة الْأَوَاخِر إِلَيْهِ كإضافة خَاتم فضّة. والإنقاض: مصدر أنقضت الدّجاجة: إِذا صوّتت وَهُوَ بالنُّون وَالْقَاف وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَرُوِيَ بدله: أصوات الفراريج جمع فرّوجة وَهِي صغَار الدّجاج. يُرِيد أنّ رحالهم جدد وَقد طَال سيرهم فبعض الرحل يحكّ بَعْضًا فتصوّت مثل أصوات الفراريج من شدّة السّير واضطراب الرحل.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرّمّة. وَمن أَبْيَات هَذِه القصيدة قَوْله: الْبَسِيط)
(وراكد الشّمس أجّاج نصبت لَهُ ... حواجب الْقَوْم بالمهريّة العوج)
(تلوي الثّنايا بأحقيها حَوَاشِيه ... ليّ الملاء بِأَبْوَاب التّفاريج)
أَي: ربّ يَوْم راكد الشّمس أَي: لَا تكَاد شمسه تَزُول من طوله. وَأَرَادَ بالأجّاج أنّ ذَلِك الْيَوْم لَهُ توهّج واشتعال كالأجّاج بِالضَّمِّ وَهُوَ اللهب.
وَقَوله: نصبت لَهُ الخ أَي: استقبلته بحواجب الْقَوْم. والمهريّة الْإِبِل المنسوبة إِلَى مهرَة. والعوج الَّتِي ضمرت فاعوجّت.
وَقَوله: إِذا تنَازع الخ إِذا ظرف لقَوْله نصبت أَي: ربّ يَوْم نصبت لَهُ حواجب الْقَوْم إِذا تنَازع الخ. وَأَخْطَأ من جعلهَا شرطيّة وَجعل جوابها الْبَيْت الَّذِي بعْدهَا. والجالان بِالْجِيم: جانبا بلدٍ مجهل. وقذف بِفَتْح الْقَاف والذال: الْبعيد. أَرَادَ أَن الجالين تنَازعا أَطْرَاف طَرِيق مطّرد بالحرّ أَي: كأنّه مَاء يَجِيء وَيذْهب يتبع بعضه بَعْضًا يَعْنِي السّراب فإنّه يطّرد كَالْمَاءِ ونسجه من الحرّ.
стр. 1513
وَقَوله: تلوي الثّنايا فعل وفاعل ووحواشيه مفعول. والثّنايا: الطّرق فِي الْجبَال. والأحقى: جمع حقو بِفَتْح فَسُكُون: الْوسط وأصل الحقو الخصر وَمَوْضِع شدّ الْإِزَار وَالْبَاء بِمَعْنى على. والْحَوَاشِي: الْأَطْرَاف والنّواحي. وَالضَّمِير رَاجع إِلَى المطّرد المُرَاد بِهِ السّراب. وليّ الملاء: كطيّها وَهُوَ مصدر تشبيهي لقَوْله تلوي. والملاء بِالضَّمِّ والمدّ: الملحفة إِذا كَانَت والتفاريج كَمَا فِي الْعباب عَن ابْن الأعرابيّ: فتحات الْأَصَابِع وَاحِدهَا تفراج بِالْكَسْرِ وخروق الدّرابزين أَيْضا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: الثنايا الطّرق فِي الْجبَال. يَقُول: الثنايا تلوي حَوَاشِي السّراب أَي: بلغ السّراب أوساط الثّنايا. وحَوَاشِيه: أَطْرَافه قَالَ شَارِح الدِّيوَان: الثّنايا تلوي أَي: تلفّ حَوَاشِي
السّراب بأوساطها كَمَا يلوى الملاء بالمصاريع وَقيل الدّرابزين: وَمَا سَمِعت أنّ الملاء يلوى بمصاريع الْأَبْوَاب انْتهى.
وَجَوَابه أنّ مُرَاد الشَّاعِر أنّ الستائر تُوضَع وتربط على الدّرابزين وأبوابها للتجمّل كَمَا يَفْعَله الْأَغْنِيَاء.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: يكور اللّيل على النّهار ويكوّر النّهار على اللّيل على تَشْبِيه كلّ مِنْهُمَا باللباس الَّذِي يكوّر ويلفّ على اللابس فإنّ أَحدهمَا لّما كَانَ غاشياً للْآخر أشبه اللبَاس الملفوف على لابسه فِي ستره إيّاه واشتماله عَلَيْهِ وتغطيّه بِهِ)
كَمَا شبّه ذُو الرّمّة طيّ الهضاب حَوَاشِي السّراب بطيّ السّتائر بالأبواب.
стр. 1514
وَقد أَخطَأ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين فِي قَوْله: تلوي الثّنايا جَوَاب إِذا فِي الْبَيْت الَّذِي قبله.
فَتَأمل.
وترجمة ذِي الرّمّة قد تقدّمت فِي الشواهد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب.
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السبعون بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س: الوافر
(وَمَا إِن طبّنا جبنٌ وَلَكِن ... منايانا ودولة آخرينا)
على أنّ مَا الحجازيّة إِذا زيد بعْدهَا إِن لَا تعْمل عمل لَيْسَ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت.
قَالَ الأعلم: إِن كَافَّة لما عَن الْعَمَل كَمَا كفت مَا إِن عَن الْعَمَل. والطّبّ بِالْكَسْرِ هَاهُنَا بِمَعْنى العلّة والسبّب أَي: لم يكن سَبَب قتلنَا الْجُبْن وإنّما كَانَ مَا جرى بِهِ الْقدر من حُضُور الْمنية وانتقال الْحَال عنّا والدّولة.
وَقَالَ فِي الصِّحَاح: تَقول مَا ذَلِك بطبّي أَي: دهري وعادتي. وانشد هَذَا الْبَيْت للكميت.
وَهَذِه النِّسْبَة غير صَحِيحَة كَمَا يَأْتِي بَيَانه قَرِيبا. والْجُبْن: ضدّ الشّجاعة وَهُوَ مصدر جبن جبنا كقرب قرباً فَهُوَ جبانٌ أَي: ضَعِيف الْقلب.
والجبن الْمَأْكُول فِيهِ ثَلَاث لُغَات أَجودهَا سُكُون
стр. 1515
الْبَاء وَالثَّانيَِة ضمّ الْبَاء لِلِاتِّبَاعِ وَالثَّالِثَة وَهِي أقلّها التَّشْدِيد كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والمنايا: جمع منيّة وَهِي الْمَوْت لأنّها مقدّرة مَأْخُوذَة من المنا بِوَزْن الْعَصَا وَهُوَ
الْقدر يُقَال: مني لَهُ أَي: قدّر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فيهمَا.
روى السيّد علم الْهدى المرتضى فِي أَمَالِيهِ أنّ مُسلما الخزاعيّ ثمّ المصطلقيّ قَالَ: شهِدت رَسُول الله ﷺ وَقد أنْشدهُ منشد قَول سُوَيْد بن عَامر المصطلقي: الْبَسِيط
(لَا تأمننّ وَإِن أمسيت فِي حرمٍ ... إنّ المنايا بكفّي كلّ إِنْسَان)
(واسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ ... حتّى يبيّن مَا يمني لَك الماني)
(فكلّ ذِي صاحبٍ يَوْمًا يُفَارِقهُ ... وكلّ زادٍ وَإِن أبقيته فان)
(وَالْخَيْر والشّرّ مقرونان فِي قرنٍ ... بكلّ ذَلِك يَأْتِيك الجديدان)
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَو أَدْرَكته لأسلم انْتهى.)
وَأنْشد فِي الصِّحَاح لهَذَا الْمَعْنى قَوْله: حتّى تلاقي مَا يمني لَك الماني
стр. 1516
وف يحواشيه: أوّله:
(وَلَا تقولن لشيءٍ سرف أَفعلهُ ... حتّى تبيّن مَا يمني لَك الخ)
قَالَ: وَالْبَيْت لأبي قلَابَة الهذليّ. وَالله أعلم. والدولة بِالْفَتْح: الْغَلَبَة فِي الْحَرْب وبالضم تكون فِي المَال وَقيل هما بِمَعْنى ودالت الأيّام تدول وروى ابْن هِشَام فِي السِّيرَة بدله: وطعمة آخرينا.
وَفِيه مَعَ ذكر الْجُبْن مَا لَا يخفى.
وَأورد ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة خفاف بن ندبة من كتاب الشُّعَرَاء قَوْله: الوافر
(فَلم يَك طبّهم جبنٌ وَلَكِن ... رميناهم بثالثة الأثاقي)
قَالَ: وَهَذَا مّما يسْأَل عَنهُ.
أَقُول: ثَالِثَة الأثافيّ هِيَ الْجَبَل لأنّه يَجْعَل حجران إِلَى جنبه فَيكون الثَّالِث فَيَقُول: كَانُوا شجعاناً لَيْسَ فيهم جبن ولحكن رميناهم بداهية عَظِيمَة مثل الْجَبَل.
وَقد روى أَبُو عُبَيْدَة الْبَيْت هَكَذَا:
(فلمّا أَن أَبَوا إلاّ علينا ... رميناهم بثالثة الأثافي)
стр. 1517
وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لفروة بن مسيك المراديّ رَوَاهَا أهل السّير كَابْن هِشَام والكلاعيّ وَغَيرهمَا وَهِي:
(فَإِن نغلب فغلاّبون قدماً ... وَإِن نغلب فَغير مغلّبيبنا)
(وَمَا إِن طبّنا جبنٌ وَلَكِن ... منايانا وطعمة آخرينا)
(كَذَاك الدّهر دولته سجالٌ ... تكرّ صروفه حينا فحينا)
(إِذا انقلبت بِهِ كرّات دهر ... فألقيت الألى غبطوا طحينا)
(فَمن يغبط بريب الدّهر مِنْهُم ... يجد ريب الزّمان لَهُ خؤونا)
(فَلَو خلد الْمُلُوك إِذن خلدنا ... وَلَو بَقِي الْكِرَام إِذن بَقينَا)
(فأفنى ذَلِكُم سروات قومِي ... كَمَا أفنى الْقُرُون الأوّلينا))
قَوْله: فَغير مغلبينا المغلّب المغلوب مرَارًا. والسّجال بِالْكَسْرِ: مصدر ساجل بساجل بِمَعْنى ناوب قَالَ الميدانيّ فِي أَمْثَاله: المساجلة أَن تصنع مثل صَنِيع صَاحبك من جري أَو سقِِي وَأَصله من السّجل وَهِي الدّلو فِيهَا مَاء قلّ أَو كثر. وَحَقِيقَة السّجال المغالبة بالسّقي بالسّجل وَمِنْه المباراة والمفاخرة والمعارضة. وتكرّ: ترجع. والصّروف: الْحَوَادِث. والغضارة بِالْفَتْح: الْخَيْر وَالْخصب. وألفيت: وجدت. وغبطوا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْغِبْطَة اسْم من غبطته غبطاً من بَاب ضرب إِذا تمنّيت مثل مَا ناله من غير أَن تُرِيدُ زَوَاله عَنهُ لما أعْجبك مِنْهُ وَعظم عنْدك وريب الدّهر: مَا يحدث مِنْهُ. والخؤون بِفَتْح الْمُعْجَمَة: مُبَالغَة الخائن.
وَقَوله: فأفنى ذَلِكُم الْإِشَارَة لكرّات الدّهر وحوادثه. والسّروات جمع شراة بِفَتْح السِّين
стр. 1518
وفَرْوَة بن مسيك صحابيّ أسلم عَام الْفَتْح وَذَلِكَ أَنه لما افْتتح رَسُول الله ﷺ مكّة ودانت لَهُ قُرَيْش عرفت الْعَرَب أنّهم لَا طَاقَة لَهُم بحربه فَدَخَلُوا فِي دين الله أَفْوَاجًا فَقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب. وَمِمَّنْ قدم فَرْوَة بن مسيك المراديّ قدم إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ رجلا لَهُ شرف فأنزله سعد بن عبَادَة عَلَيْهِ ثمَّ غَدا على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ جَالس فِي الْمجْلس فسلّم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله أَنا لمن ورائي من قومِي. قَالَ: ايْنَ نزلت يَا فَرْوَة قَالَ: على سعد بن عبَادَة. قَالَ: بَارك الله على سعد بن عبَادَة.
وَكَانَ يحضر مجْلِس رَسُول الله ﷺ ويتعلّم الْقُرْآن وفرائض الْإِسْلَام.
وَكَانَ بَين مُرَاد وهمدان قبيل الْإِسْلَام وقعةٌ أَصَابَت فِيهَا هَمدَان من مُرَاد وَكَانَ يُقَال لذَلِك الْيَوْم يَوْم الرّزم فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : يَا فَرْوَة هَل ساءك مَا أصَاب قَوْمك يَوْم الرّزم. قَالَ: يَا رَسُول الله من ذَا يُصِيب قومه مثل مَا أصب قومِي لَا يسوؤه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أما إنّ ذَلِك لم يزدْ قَوْمك فِي الْإِسْلَام إلاّ خيرا.
وَفِي ذَلِك الْيَوْم قَالَ فَرْوَة هَذِه الأبيات. وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ على مُرَاد وزبيد ومذحج وَبعث مَعَه خَالِد بن سعيد بن العَاصِي على الصَّدَقَة وَكتب فِيهَا كتابا لَا يعدوه إِلَى غَيره وَكَانَ خالدٌ مَعَه فِي بِلَاده حتّى توفّي رَسُول الله ﷺ . كَذَا فِي وَذكر الواقديّ أنّ عمر بن الْخطاب رَضِي اله عَنهُ اسْتَعْملهُ أَيْضا على
стр. 1519
صدقَات مذْحج. وَذكر)
غَيره أَنه انْتقل إِلَى الْكُوفَة فسكنها.
وَأخرج ابْن سعد أنّ رَسُول الله ﷺ أجَاز فَرْوَة باثنتي عشرَة أوقيّة وَحمله على بعير نجيب وَأَعْطَاهُ حلّة من نسج عمان.
وفروة: بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا وَاو ومسيك: بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين وَسُكُون الْيَاء وَمُرَاد: قَبيلَة بِالْيمن.
فَإِن قلت: كَيفَ اعْترف بالانهزام مَعَ مَا فِيهِ من الْعَار قلت: هَذَا مَوْقُوف على سَماع قصتّه فَإِن أَصْحَاب الْمعَانِي لَا يقدرُونَ على فهم مثل هَذَا إِلَّا بقصّته.
وَهِي كَمَا رَوَاهَا أَبُو مُحَمَّد الأعرابيّ فِي فرحة الأديب: أنّه كَانَ صنم مرادٍ
فِي أَعلَى وأنعم وهما بطْنَان من مُرَاد فَقَالَت أشرافٌ من مُرَاد: مَا بَال آلِهَتنَا لَا تكون ف يعرانيننا فأرادوا انتزاع الْآلهَة مِنْهُم فَخَرجُوا مِنْهُم فَأتوا بني الْحَارِث فاستجاروا بهم وأ سلتن مُرَاد إِلَى بني الْحَارِث: أَن أخرجُوا إخوتنا من داركم وابعثوا إِلَيْنَا برجلَيْن مِنْكُم لنقتلهما بصاحبنا وَكَانَت مُرَاد تطلب بني الْحَارِث بِدَم فلمّا رأى الْحصين بن يزِيد بن قنان أنّ مرَادا قد ألحت فِي طلب أَصْحَابهم هابهم وهلم أَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم.
وَكَانَت مُرَاد إِذا قتل مِنْهُم رجلٌ قتلوا بِهِ رجلَيْنِ وَكَانُوا لَا يَأْخُذُونَ الدِّيَة إلاّ مضاعفة فَسَار حُصَيْن بن يزِيد وَهُوَ رَئِيس بني الْحَارِث إِلَى عُمَيْر ذِي
стр. 1520
مرّان فَسَأَلَهُ أَن يركب مَعَه إِلَى أرحب فيصلح بَينه وَبينهمْ ويسألهم الْحلف على مُرَاد لِأَنَّهُ كَانَ بَينه وَبَين أرحب دِمَاء. فَركب مَعَه إِلَيْهِم فَأصْلح بَينهم وسألهم أَن ينصروه ويحالفوه على مُرَاد فَقَالَ الْحصين: يَا معشر أرحب إنّي لست بِأَسْعَد بِهَلَاك مرادٍ مِنْكُم وَكَانَت أرحب تغاور مرَادا قبل ذَلِك فحالفته أرحب وغدوا فَسَار حُصَيْن بن يزِيد ببني الْحَارِث وسارت الْبَادِيَة من هَمدَان وَعَلَيْهِم يزِيد بن ثُمَامَة الأرحبي الأصمّ.
وَأَقْبَلت مُرَاد كأنّهم حرّة سَوْدَاء يدفّون دفيفاً وَعَلَيْهِم الْحَارِث بن ظبْيَان المثلّم وَكَانَ يكنى أَبَا قيس الأنعمي.
فَاقْتَتلُوا بِموضع يُقَال لَهُ الرزم إِلَى جنب أياء قتالاً شَدِيدا فتضعضعت بَنو
الْحَارِث وَأَقْبل عَلَيْهِم الْحصين فَقَالَ: يَا بني الْحَارِث وَالله لَئِن لم تضربوا وُجُوه مرادٍ بالسّيوف حتّى يخلوا لكم الْعَرَصَة لأتركنكم تنفلون فِي الْعَرَب)
ثمَّ أقبل على بادية هَمدَان فَقَالَ: يَا معشر هَمدَان الصبّر الصَّبْر لَا تَقول مُرَاد إِنَّا لجأنا إِلَى عدد هَمدَان وعزّها فَلم يغنوا عنّا فاقتتل الْقَوْم قتالاً شَدِيدا فَقتل الْحصين وصبر الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا فتهيأت بَنو الْحَارِث للفرار وتضعضعت أرحب وَقد كَانُوا أحضروا النِّسَاء مَعَهم فجعلوهن خلف ظُهُورهمْ فلمّا رَأَتْ أرحب النِّسَاء قد بَدَت خلاخيلها للفرار عَادوا لِلْقِتَالِ وَقَالُوا: لَا نفرّ حتّى يفرّ يَغُوث وصبروا للْقَوْم وَصَبَرت بَنو الْحَارِث مَعَهم فانهزمت مُرَاد واستذرع الْقَتْل فيهم وَسبوا نسءً من نِسَائِهِم فَأدْرك الْإِسْلَام وَهن فِي دور هَمدَان.
وَقتل يومئذٍ المثلّم رَئِيس مُرَاد وعزيز وَقيس ونمران وسميّ المراديون. وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم الْحصين بن يزِيد الْحَارِثِيّ.
قَالَ فِي ذَلِك يزِيد بن ثُمَامَة الأرحبي:
стр. 1521
الطَّوِيل
(لقد علم الحيّ المصبّح أنّني ... بِجنب أياء غير نكس مواكل)
(تركت عَزِيزًا تحجل الطّير حوله ... وغشيّت قيسا حدّ أَبيض قاصل)
(ونمران قد قضيت مِنْهُ حزازةً ... على حنقٍ يَوْم التفاف الْقَبَائِل)
(عكبٌّ شفيت النّفس مِنْهُ وحارثٌ ... بنافذةٍ فِي صَدره ذِي عوامل)
(وَأَرَدْت سميّاً فِي المكرّ رماحنا ... وصادف موتا عَاجلا غير آجل)
وبهذه الْقِصَّة يعرف معنى قَوْله: وَذَلِكَ أَن مرَادا لم تدر عَلَيْهِم دَائِرَة قبل يَوْم الرّزم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الْبَسِيط
(بني غُدَانَة مَا إِن أَنْتُم ذَهَبا ... وَلَا صريفاً وَلَكِن أَنْتُم الخزف)
على أَنه قد جَاءَت إِن بعد مَا غير كافّة. وَقد بيّنه الشَّارِح المحقّق.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: النصب رِوَايَة يَعْقُوب بن السكّيت وَالرَّفْع رِوَايَة الْجُمْهُور على أنّ إِن كافّة لما عَن الْعَمَل. قَالَ: وَزعم الكوفيّون
стр. 1522
على رِوَايَة النصب أنّ إِن نَافِيَة مُؤَكدَة لَا كافّة. ويلزمهم أَن لَا يبطل عَملهَا كَمَا لَا يبطل عَملهَا إِذا تكرّرت على الصّحيح بِدَلِيل قَوْله: الرجز
(لَا ينْسك الأسى تأسّياً فَمَا ... مَا من حمامٍ أحدٌ معتصماً)
وَمعنى هَذَا الْبَيْت: لَا ينْسك مَا أَصَابَك من الْحزن على من فقدته أَن تتأسّى بِمن سَبَقَك مّمن فقد أحبابه فَلَيْسَ أحدٌ مَمْنُوعًا من الْمَوْت.
وَمن زعم أنّ مَا إِذا تكرّرت يبطل عَملهَا جعل منفيّ مَا الأولى محذوفاً أَي: فَمَا ينفعك الْحزن وَاسْتشْهدَ شرّاح الألفيّة بِهَذَا الْبَيْت على رِوَايَة رَفعه على أنّ إِن فِيهِ كافّة. وبني غُدَانَة منادى بِتَقْدِير يَا وغُدَانَة بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة: حيٌّ من يَرْبُوع من بني تَمِيم. والصّريف بِفَتْح الصَّاد وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ ابْن السّكّيت: هُوَ الفضّة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. والخزف بِفَتْح المعجمتين قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: هُوَ مَا عمل من طين وشوي بالنّار حتّى يكون فخاراً. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَلم أر من نسب هَذَا الْبَيْت لقائله مَعَ كَثْرَة الاستشهاد بِهِ فِي كتب النَّحْو واللّغة وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
стр. 1523
الْبَسِيط
(إلاّ أواريّ مَا إِن لَا أبينها)
على أنّ الفرّاء أنْشدهُ بِالْجمعِ بَين ثَلَاثَة أحرف نَافِيَة وَالرِّوَايَة: لأياً مَا أبينها.
هَذِه الرِّوَايَة أنشدها الفرّاء فِي تَفْسِيره المسمّى بمعاني الْقُرْآن فِي أَوَاخِر سُورَة يُونُس عِنْد قَوْله تَعَالَى: فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إلاّ قوم يُونُس. وَهَذَا نَص كَلَامه: فِي قِرَاءَة أبيّ فهلاّ لأنّ مَعْنَاهَا أنّهم لم يُؤمنُوا ثمَّ اسْتثْنى قوم يُونُس بِالنّصب على الِانْقِطَاع مِمَّا قبله أَلا ترى أنّ مَا بعد إلاّ فِي الْجحْد يتبع مَا قبلهَا فَتَقول: مَا قَامَ أحدٌ إلاّ أَبوك لأنّ الْأَب من الْأَحَد: فَإِذا قلت: مَا فِيهَا أحد إلاّ كَلْبا وَحِمَارًا نصبت لأنّها منقطعةٌ مِمَّا قبل إلاّ إِذْ لم يكن من شكله وَلَا جنسه: كَذَلِك كَانَ قوم يُونُس منقطعين من قوم غَيره من الْأَنْبِيَاء.
وَلَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء هَاهُنَا وَقع على طَائِفَة مِنْهُم لَكَانَ رفعا. وَقد يجوز الرّفْع كَمَا أنّ الْمُخْتَلف ف الْجِنْس قد يتبع فِيهِ مَا بعد إلاّ مَا قبل إلاّ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الرجز
والنّصب فِي قَوْله تَعَالَى: مَا لَهُم بِهِ من علم إلاّ اتِّبَاع الظّنّ لَا ينْسب إِلَى الْعلم. وأنشدونا بَيت النَّابِغَة بِالنّصب: ... ... ... ... . .
стр. 1524
وَمَا بِالربعِ من أحد إلاّ أواريّ مَا إِن أبيّنها ... ... ... ...
قَالَ الفرّاء: جمع هَذَا الْبَيْت بَين ثَلَاثَة أحرفٍ من حُرُوف الْجحْد: لَا وَإِن وَمَا. وَالنّصب فِي هَذَا النَّوْع الْمُخْتَلف من كَلَام أهل الْحجاز والاتباع من كَلَام تَمِيم. انْتهى كَلَام الفرّاء.
وَأَرَادَ اجتماعها على سَبِيل التوكيد لَا أنّ الثَّانِي نافٍ للنَّفْي فَيثبت وَالثَّالِث نافٍ للثَّانِي فينفى. وَقد أورد الفرّاء فِي تَفْسِيره الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الشَّارِح فِي أَوَاخِر سُورَة النِّسَاء عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إلاّ من أَمر بصدقةٍ قَالَ: من فِي مَوضِع خفضٍ ونصبٍ: الْخَفْض إلاّ فِيمَن أَمر بِصَدقَة.
والنّجوى هَاهُنَا رجال كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذ هم نجوى وَمن جعل النّجوى فعلا كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا يكون من نجوى ثلاثةٍ فَمن حِينَئِذٍ فِي مَوضِع رفع.
وَأما النّصب فَأن تجْعَل النّجوى فعلا فَإِذا استثنيت الشَّيْء من خِلَافه كَانَ الْوَجْه النصب كَمَا)
( ... ... ... ..... وَمَا بالربّع من أحد)
(إلاّ أواريّ لأياً مَا أبنّيها ... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
стр. 1525
وَقد تكون فِي مَوضِع رفع وَإِن ردّت على خلَافهَا قَالَ الشَّاعِر:
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس ... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس)
انْتهى.
وإنّما سقنا كَلَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ برمّته للتبرّك وليعلم طرز تَفْسِيره فَإِنَّهُ لقدمه قلّما يطلع عَلَيْهِ أحد.
وَقد أوردهُ الزّجّاجيّ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضا فِي تَفْسِيره الْمَعْرُوف بمعاني الْقُرْآن فِي سُورَة الْبَقَرَة عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم ياتّخاذكم الْعجل قَالَ: الظّلم فِي اللّغة: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه الْعَرَب تَقول: من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم مَعْنَاهُ لم يَقع الشّبَه غير موقعه وَيُقَال: ظلم فلَان سقاءه إِذا شرب وَسَقَى مِنْهُ قبل إِدْرَاكه وأراض مظلومة إِذا حفر فِيهَا وَلم يكن حفر فِيهَا قبل وَإِذا جَاءَ الْمَطَر يقربهَا ويتخطّاها.
قَالَ النَّابِغَة:
(إلاّ أورايّ لأياً مَا أبينّها ... والنّؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
وَأوردهُ الزّجّاج أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَو أنّا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ. قَالَ: وَأما رفع إلاّ قليلٌ مِنْهُم فعلى الْبَدَل
من الْوَاو وَالْمعْنَى مَا فعله إلاّ قَلِيل.
وَالنّصب جَائِز فِي غير الْقُرْآن على معنى مَا فَعَلُوهُ أستثني قَلِيلا مِنْهُم. وعَلى مَا فسّرناه فِي نصب
стр. 1526
الِاسْتِثْنَاء فَإِن كَانَ فِي النَّفْي نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ فالاختيار النصب وَالْبدل جَائِز تَقول: مَا بِالدَّار أحدٌ إلاّ حمارا.
قَالَ النَّابِغَة الذّبيانيّ: الْبَسِيط
(وقفت فِيهَا أصيلالا أسائلها ... عيّت جَوَابا وَمَا بالربّع من أحد)
إلاّ أواريّ لأيّا مَا أبنيها ... ... ... ... . . الخ فَقَالَ: مَا بالربّع من أحد أَي: مَا بِالربعِ أحدٌ إلاّ أواريّ. لأنّ الأواريّ لَيست من النَّاس. وَقد يجوز الرّفْع على الْبَدَل وَإِن كَانَ من غير جنس الأوّل كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس ... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس))
فَجعل اليعافير والعيس بَدَلا من الأنيس. وَجَائِز أَن يكون جعل أنيس ذَلِك الْبَلَد اليعافير والعيس. انْتهى كَلَامه.
وَقد رويا كِلَاهُمَا إلاّ الأواريّ معرّفاً ومنكراً. قَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح حكى عبد القاهر عَن شَيْخه عبد الْوَارِث ابْن أُخْت أبي عليّ أَنه قَالَ: الجيّد أَن يرْوى إلاّ الأواريّ بِالْألف وَاللَّام ليَكُون الْفَتْح خَالِصا. وَإِذا نكّر جَازَ أَن يكون بَدَلا من أحد وَلَكِن لم يكسر لِأَنَّهُ غير منصرف انْتهى.
وَقَوله: وَإِذا نكّر جَازَ أَن يكون بَدَلا من أحد هَذَا الْجَوَاز مَمْنُوع عِنْد الْبَصرِيين. وَقد بينّه ابْن السيّد فِي شرح الْجمل قَالَ: ويروى عَن الكسائيّ أنّه أجَاز خفض الأواريّ على الْبَدَل من لفظ أحد. وَهَذَا عِنْد البصرييّن خطأ لأنّه يصير التَّقْدِير: وَمَا بالربّع إلاّ من أورايّ فَتكون من زَائِدَة فِي الْوَاجِب. وَمن لَا تزاد
إلاّ فِي النَّفْي. وَلَو أنّها من الَّتِي تدخل على الْمُوجب والمنفيّ لجَاز ذَلِك كَقَوْلِك: مَا أخذت من أحد إلاّ زيدٍ درهما.
стр. 1527
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ للنّابغة الذّبيانيّ مدح بهَا النّعمان بن الْمُنْذر وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا بلغه عَنهُ.
وَهَذَا مطلع القصيدة:
(يَا دَار ميّة بالعلياء فَالسَّنَد ... أقوت وَطَالَ عَلَيْهَا سالف الْأَبَد)
(وقفت فِيهَا أصيلاناً أسائلها ... عيّت جَوَابا وَمَا بالربّع من أحد)
إلاّ الأواريّ لأياً ... ... ... ... الْبَيْت وَقد تقدّم شرح أَبْيَات كَثِيرَة مِنْهَا فِي عدّة مَوَاضِع.
وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: إلاّ الأواريّ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لأنّها من غير جنس الأحدين. وَالرَّفْع جَائِز على الْبَدَل من الْموضع.
وَالتَّقْدِير: وَمَا بالربّع أحد إلاّ الأواريّ. على أَن يَجْعَل من جنس الأحدين اتساعاً ومجازاً انْتهى.
قَالَ ابْن السّيد: الرّفْع على الْبَدَل من مَوضِع من أحد. لأنّ من زَائِدَة وَأحد مرفوعٌ فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ مخفوضاً فِي اللَّفْظ وَلَيْسَت بِبَدَل من مَوضِع الجارّ وَحده.
وَلَا من مَوضِع الْمَجْرُور وَحده ولكنّها بدل من موضعهما مَعًا.
وَالْبَيْت الأوّل يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي الْفَاء من حُرُوف الْعَطف.
وَقَوله: وقفت فِيهَا الْبَيْتَيْنِ وصف أَن دَار ميّة خلت من أَهلهَا فَسَأَلَهَا
توجّعاً تذكراً لمن حلّ)
بهَا فَلم تجبه إِذْ لَا مُجيب بهَا وَلَا أحد فِيهَا إلاّ الأواريّ وَهِي محابس الْخَيل وَاحِدهَا آريّ وَهُوَ من تأرّيت
стр. 1528
بِالْمَكَانِ: إِذا تحسّبت بِهِ. واللأي: البطء. وَالْمعْنَى: تبيّنتها بعد بطء لتغيّرها. والنّؤي: حاجز حول الخباء يدْفع عَنهُ المَاء ويبعده وَهُوَ من نأيت إِذا بعددت. وشبّهه فِي استدارته بالحوض. والمظلومة أَرض حفر فِيهَا الْحَوْض لغير إِقَامَة لأنّها فِي فلاة فظلمت بذلك وغنّما أَرَادَ أنّ حفر الْحَوْض لم يعمق فَذَلِك أشبه للنّؤي وَلذَلِك جعلهَا جلدا وَهِي الصّلبة.
هَذَا مَا قَالَه الأعلم إِجْمَالا وَأما تَفْصِيلًا فَقَوله: أصيلاناً مَنْصُوب على الظّرْف وَفِيه ثَلَاثَة الثَّانِي: أنّه تَصْغِير أصلان وَهُوَ جمع أصيل كرغفان جمع رغيف. وردّه أَن جمع الْكَثْرَة لَا يصغّر إلاّ بردّه إِلَى الْمُفْرد.
الثَّالِث: أنّه مصغّر اصلان أَيْضا لَكِن أصلاناً اسمٌ مُفْرد بِمَعْنى الْأَصِيل مثل التّكلان والغفران.
حكى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ شَارِح الدّيوان واللّخميّ.
وروى أَيْضا: أصيلالا بإبدال النُّون لاماً. والأصيل: الْوَقْت بعد الْعَصْر إلأى الْمغرب. وروى أَيْضا: وقفت فِيهَا أصيلا كي أسائلها وروى أَيْضا: وقفت فِيهَا طَويلا كي أسائلها وَهُوَ إمّا بِتَقْدِير وقوفاً طَويلا وإمّا بِتَقْدِير وقتا طَويلا. وَقَوله: أسائلها الْجُمْلَة حَال: إمّا من تَاء وقفت فَهِيَ جَارِيَة على من هِيَ لَهُ وإمّا من ضمير فِيهَا فَتكون لغير من هِيَ لَهُ.
وإنّما جَازَ الْوَجْهَانِ لأنّ فِي أسائلها ضميراً رَاجعا إِلَى السَّائِل وضميراً رَاجعا للمسؤول واستتر الضَّمِير مَعَ جَرَيَان الْحَال على غير من هِيَ لَهُ لأنّ الْفِعْل يسْتَتر فِيهِ ضمير الأجنبيّ وَغَيره لقوّته فِي الْإِضْمَار. فعلى
стр. 1529
الأوّل تَقْدِيره مسائلها وعَلى الثَّانِي
مسائلها أَنا بِإِظْهَار الضَّمِير. وَلَا يجوز أَن تكون الْجُمْلَة حَالا من الضميرين على حدّ لَقيته راكبين لاخْتِلَاف العاملين وَلما فِي ذَلِك من التناقص. كَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد.
وَقَوله: عيّت اسْتِئْنَاف بيانيٌّ وَقيل حَال بِتَقْدِير قد من ضمير الدَّار فِي أسائلها. يُقَال: عييت بِالْأَمر بِالْكَسْرِ: إِذا لم تعرف وَجهه وروى أَيْضا: أعيت بِالْألف أَي: عجزت. وجَوَابا: إمّا تَمْيِيز محوّل عَن الْفَاعِل أَي: عيّ جوابها ثمَّ اسند الْفِعْل إِلَى ضمير الدَّار.)
وَهَذَا كَقَوْلِه: وقفت برسميها فعيّ جوابها وإمّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: عيّت أَن تجيب جَوَابا. وَفِيه نظر ظَاهر.
وَقَوله: وَمَا بالربّع الخ قَالَ ابْن السيّد جَعلتهَا لَا محلّ لَهَا من الْإِعْرَاب وَإِن شِئْت كَانَت حَالا من ضمير عيّت الْمُسْتَتر أَو من ضمير أسائلها وَيلْزم على هَذَا تَقْدِير ضمير صَاحب الْحَال أَي: وَمَا بالربّع مِنْهَا. وَعند الكوفيّين أل فِي الرّبع معاقبة للضمير أَي: وَمَا بربعها انْتهى. والربّع بِالْفَتْح: محلّة الْقَوْم ومنزلهم أَيْنَمَا كَانَ. والمربع كجعفر: منزلهم فِي الرّبيع خَاصَّة. وَلم يصب اللّخمي فِي قَوْله: الرّبع الْمنزل فِي الرّبيع
стр. 1530
خاصّة ثمَّ كثر فِي كَلَامهم حتّى قيل لكل منزل ربع وَقَوله: من أحد من زَائِدَة وَأحد فَاعل الظّرْف.
إلاّ الأورايّ لأياً مَا أبيّنها
الأواريّ يُقَال لَهَا الأواخيّ أَيْضا وهما آريّةً وآخيّة بمدّ الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء فيهمَا وَهِي الَّتِي تحبس بهَا الْخَيل من وتد وحبل. واللأي قَالَ ابْن السيّد: هُوَ مصدر لم يسْتَعْمل مِنْهُ فعل إلاّ بِالزِّيَادَةِ يُقَال: التأى وَلَا يُقَال: لأى.
والمظلومة فِيهَا أَقْوَال: قيل: هِيَ الأَرْض حفر فِيهَا وَلم يكن بهَا حفرٌ قبل ذَلِك وَقيل: هِيَ الَّتِي أَتَاهَا سيلٌ من أَرض أُخْرَى وَقيل: هِيَ أَرض مطرَت فِي غير وَقتهَا وَشعر النَّابِغَة يَقْتَضِي الأوّل.
وَقَالَ ابْن السّكّيت: إنّما قيل بالمظلومة لإنّهم مرّوا فِي برّيّة فَحَفَرُوا فِيهَا حوضاً وَلَيْسَ بِموضع حفر فَجعلُوا الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه. والْجلد بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام: الأَرْض الصّلبة من غير حِجَارَة قَالَ ابْن السيّد: وخصّها بذلك لأنّها إِذا كَانَت صلبة تعذر الْحفر فِيهَا فَلم يعمق الْحفر فِيهَا فَهُوَ أولى لتشبيه النؤي بِهِ.
وَفِي رِوَايَة: الأواريّ والنّؤي بِالرَّفْع على لُغَة تَمِيم بالإبدال من مَوضِع من أحد وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أوجه: الأوّل: أنّه أَرَادَ مَا بالربّع إلاّ الأواريّ فَذكر من أحدٍ تَأْكِيدًا وكأنّه فِي التَّقْدِير: مَا بالربّع شَيْء أحدٌ وَلَا غَيره إلاّ الأواريّ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أنّه جعل الأواريّ من جنس أحد على الْمجَاز كَمَا تَقول
стр. 1531
تحيّته السّيف وَمَا أَنْت إلاّ أكلٌ وَشرب فَجعل التّحية السَّيْف وَجعله الْأكل وَالشرب مجَازًا.)
وَالْوَجْه الثَّالِث: أنّه خلط من يعقل بِمَا لَا يعقل ثمَّ غلّب من يعقل فَقَالَ: وَمَا بالربّع من أحد وَهُوَ يُرِيد من يعقل وَمَا لَا يعقل ثمَّ أبدل الأواريّ من لفظٍ اشْتَمَل عَلَيْهِ وعَلى غَيره.
وَالْقَوْلَان الأوّلان لسيبويه وَالثَّالِث للمازنيّ.
وَقَوله: كالحوض قَالَ ابْن السيّد: يحْتَمل وَجْهَيْن: إنّ جعلت النّؤي مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ فالظرف خَبره وَإِن جعلته مَرْفُوعا بالْعَطْف على الأواريّ فالظرف حَال من النّؤي كم نصب
النّؤي بالْعَطْف على الأواريّ وعامل الْحَال إِذا نصب النؤي معنى الِاسْتِثْنَاء وَإِذا رفع فَمَعْنَى الِاسْتِقْرَار فِي قَوْله بالربّع.
وَقَوله: بالمظلومة حَال من الْحَوْض وَالْعَامِل مَا فِي الْكَاف من معنى التَّشْبِيه. فَإِن قلت: أيّ مَا هِيَ فِي قَوْله لأيا مَا أبينها قلت: هِيَ كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: إنّ الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضةٌ قَالَ صَاحب الكشّاف: وَمَا هَذِه إبهاميّة وَهِي الَّتِي إِذا اقترنت باسم نكرَة أبهمته إبهاماً وزادته شياعاً وعموماً كَقَوْلِك: أَعْطِنِي كتابا مَا تُرِيدُ أيّ كتاب كَانَ أَو صلَة للتَّأْكِيد كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: فبمَا نقضهم ميثاقهم انْتهى.
فَالْمَعْنى أنّ هَذَا الرّبع لخلوه من الْأَهْل
стр. 1532
قد سفت الرّيح عَلَيْهِ التُّرَاب حتّى خفيت الأواريّ فِيهِ فَلَا تظهر للنَّاظِر بادئ بَدْء وإنّما يستبينها ببطء بعد التأمّل.
فَإِن قلت: رِوَايَة الْفراء تناقص رِوَايَة الْجُمْهُور فإنّ رِوَايَته ذ ريحة فِي نفي استبانة الأواريّ وَحِينَئِذٍ لَا معنى لستثناء الأواريّذ. قلت: هِيَ بِتَقْدِير مَا أبينها بسرعةٍ بل ببطء فتطابق رِوَايَة الْجُمْهُور ويصحّ الِاسْتِثْنَاء.
فَإِن قلت: هَل يصحّ مَا فِي رِوَايَة الْجُمْهُور نَافِيَة قلت: لَا لأنّ الْمَعْنى خينئذ أنّ الأواريّ لم أتبينّها ببطء بل بِسُرْعَة. وَهَذَا خلاف مُرَاد الشَّاعِر فتأمّل. وَفِي ذكر الأواريّ دلَالَة على أنّ أهل الرّبع ذَوُو عزّ وشجاعة لَا قتنائهم الْخَيل. وَالله أعلم.
وترجمة النّابغة الذّبيانيّ قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الطَّوِيل
(وَمَا الدّهر إِلَّا منجوناً بأَهْله ... وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلاّ معذبا)
على أَن يُونُس استدلّ بِهِ على إِعْمَال مَا مَعَ انْتِقَاض نَفيهَا ب إلاّ.
وَأجِيب بِأَن الْمُضَاف مَحْذُوف من الأوّل أَي: يَدُور دوران منجنون ويَدُور خبر الْمُبْتَدَأ فَحذف هُوَ والمصدر وأقيم منجنون مقَام الْمصدر.
стр. 1533
وأنّ الثَّانِي أَصله وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلاّ يعذّب معذّباً أَي: تعذيباً ف يعذّب خبر الْمُبْتَدَأ فَحذف وَبَقِي مصدره. فَلَا عمل لما فِي الوضعين.
وخرّجه صَاحب اللب على أنّه بِتَقْدِير: وَمَا الدّهر إلاّ يشبه منجنونا وَمَا صَاحب الْحَاجَات إلاّ يشبه معذباً فهما منصوبان بِالْفِعْلِ الْوَاقِع خَبرا ومعذّب على هَذَا اسْم مفعول وَهَذَا أقلّ كلفة.
وَقَالَ شَارِح اللبّ السيّد عبد الله: وَيجوز أَن يكون أَي منجنونا مَنْصُوبًا على الْحَال وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: وَمَا الدّهر مَوْجُودا إلاّ مثل المنجنون لَا يستقرّ فِي حَاله. وعَلى هَذَا تكون عاملة قبل انتفاض نَفيهَا. وَكَذَا يكون التَّقْدِير فِي الثَّانِي أَي: وَمَا صَاحب الْحَاجَات مَوْجُودا إلاّ معذّباً.
وَلَا تقدّر هُنَا مثل لأنّ الثَّانِي هُوَ الأوّل.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وجوّز ابْن بابشاذ أَن يكون الأَصْل: إلاّ كمنجنون ثمَّ حذف الجارّ فانتصب الْمَجْرُور. وَمن زعم أَن كَاف التَّشْبِيه لَا يتَعَلَّق
بِشَيْء فَهَذَا التَّخْرِيج عِنْده بَاطِل إِذْ كَانَ حَقه أَن يرفع الْمَجْرُور بعد حذفهَا لأنّه كَانَ فِي محلّ رفع على الخبريّة لَا فِي مَوضِع رفع باستقرارٍ مقدّر فَإِذا ذهب الجارّ ظهر مَا كَانَ للمحلّ. انْتهى.
وَعِنْدِي أَن يكون من قبيل تاويل من قَرَأَ: وَنحن عصبَة بِالنّصب أَي: نرى عصبَة. وَالظَّاهِر أَن هَذَا اسهل.
وَرِوَايَة الْبَيْت كَذَا هِيَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة وَرَوَاهُ ابْن جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: إِن كلّ إلاّ ليوفينهم من سُورَة هود: ...
стр. 1534
(أرى الدّهر إلاّ منجنوناً بأَهْله ... وَمَا طَالب الْحَاجَات إلاّ معلّلا)
قَالَ: معنى هَذِه الْقِرَاءَة مَا كلّ إلاّ وَالله ليوفينهم كَقَوْلِك: مَا زيد إلاّ لأضربنه أَي: مَا زيد إلاّ مستحقٌ لن يُقَال فِيهِ هَذَا. وَيجوز فِيهِ وَجه ثَان: وَهُوَ أَن تكون إِن مخفّفة من الثَّقِيلَة وَتجْعَل إلاّ)
زَائِدَة. وَقد جَاءَ عَنْهُم ذَلِك قَالَ: أَي: الدّهر منجنوناً بأَهْله يتقلّب بهم فَتَارَة يرفعهم وَتارَة يخفضهم. انْتهى.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: إنّما الْمَحْفُوظ: وَمَا الدّهر. ثمَّ إنّ ثبتَتْ رِوَايَته فيتخرج على أنّ أرى جوابٌ لقسم مقدّر وحذفت لَا كحذفها فِي: تالله تفتؤ تذكر ودلّ على ذَلِك الِاسْتِثْنَاء المفرغ. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت نسبه ابْن جنيّ فِي كتاب ذَا الْقد لبَعض الْعَرَب. والمنجنون: الدولاب الَّذِي يستقى وَهُوَ مؤنث.
قَالَ ابْن جنيّ فِي شرح تصريف المازنيّ المسمّى بالمنصف: لَيْسَ منجنون من دوات الْخَمْسَة هَذَا محَال لأجل تَكْرِير النُّون وَإِنَّمَا هُوَ مثل حندقوق مُلْحق بعضر فوط. وَلَا يجوز أَن تكون الْمِيم زَائِدَة: لأنّا لَا نعلم فِي الْكَلَام مفعلولا وَلَا يجوز أَن تكون الْمِيم وَالنُّون جَمِيعًا زائدتين عِلّة أَن تكون الْكَلِمَة ثلاثية من
стр. 1535
لفظ الجنّ من جِهَتَيْنِ.
إِحْدَاهمَا: أَنَّك كنت تجمع فِي أول الْكَلِمَة زيادتين وَلَيْسَ الْكَلِمَة جَارِيَة على عفل مثل منطلق ومستخرج.
وَالْأُخْرَى: أنّا لَا نعلم فِي الْكَلَام منفعولا فَيحمل هَذَا عَلَيْهِ. وَلَا يجوز أَيْضا أَن تكون النُّون وَحدهَا زَائِدَة: لِأَنَّهَا قد ثبتَتْ فِي الْجمع فِي قَوْلهم: مناجين وَلَو كَانَت زَائِدَة لقيل مجاجين فَإِذا لم يجز أَن تكون الْمِيم وَحدهَا زَائِدَة وَلَا النُّون وَحدهَا زَائِدَة وَلَا أَن يَكُونَا كلتاهما زائدتين لم يجز إلاّ أَن يَكُونَا أصلين وَتجْعَل النُّون لاماً مكرّرة وَتَكون الْكَلِمَة مثل حندقوق بعضر فوط.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْبَسِيط
(فَأَصْبحُوا قد أعَاد الله دولتهم ... إِذْ هم قريشٌ وَإِذ مَا مثلهم بشر)
بِأَن سِيبَوَيْهٍ حكى أَن بعض النَّاس ينصب مثلهم خَبرا ل مَا وبشر اسْمهَا. وَهَذَا لَا يكَاد يعرف. وَقيل: إِن خبر مَا مَحْذُوف أَي: إِذْ مَا فِي الدُّنْيَا بشر وَمثلهمْ حَال من بشر وانتصابه عِنْد الكوفيّين على الظّرْف أَي: فِي مثل حَالهم وَفِي مثل مكانهم من الرّفْعَة.
قَول سِيبَوَيْهٍ مَبْنِيّ على إِعْمَال مَا وَالْقَوْلَان بعده مبنيّان على إهمالها قَالَ
стр. 1536
سِيبَوَيْهٍ: وَهَذَا لَا يكَاد يعرف كَمَا أنّ لات حِين مناص ك ذَلِك. وربّ شَيْء هَكَذَا.
قَالَ السّيرافيّ: يَعْنِي أنّ نصب مثلهم بشر على تَقْدِيم الْخَبَر قَلِيل كَمَا أنّ لات حِين مناص بِالرَّفْع قَلِيل لَا يكَاد يعرف انْتهى.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النحّاس: يذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أنّه نصب مثلهم على أنّه خبر وَإِن كَانَ مقدما فَكَأَنَّهُ يُجِيز مَا قَائِما زيد. أَقُول: كَيفَ ينصبونه مقدما قَالَ النحّاس: سَأَلت أَبَا إِسْحَاق عمّا قَالَه المبرّد فَقَالَ: إنّه لعمري من بني تَمِيم. وَلكنه مُسلم قد قَرَأَ الْقُرْآن وَقَرَأَ فِيهِ: مَا هنّ أمّهاتهم فَرجع إِلَى لُغَة من ينصب فَلَا معنى للتشنيع بِأَنَّهُ من بني تَمِيم. انْتهى.
أَقُول: من نصب لَا ينصب مَعَ تقدّم الْخَبَر فَلَا يصحّ هَذَا جَوَابا. وَقيل: أَرَادَ الفرزدق أَن يتكلّم بلغَة الْحجاز فغلط وَهَذَا بَاطِل فَإِن العربيّ لَا يُمكن أَن يغلط لِسَانه وَإِنَّمَا الْجَائِز غلطه فِي الْمعَانِي.
وَقَالَ الأعلم: وَالَّذِي حمله عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أصحّ عِنْدِي وَإِن كَانَ الفرزدق تميمياً: لأنّه أَرَادَ أَن يخلّص الْمَعْنى من الِاشْتِرَاك: وَذَلِكَ أَنه لَو قَالَ فِيهِ إِذْ مَا مثلهم بشر بِالرَّفْع لجَاز أَن يتوهّم أَنه من بَاب مَا مثلك أحدا إِذا نفيت عَنهُ الإنسانية والمروءة فَإِذا
قَالَ: مَا مثلهم بشر بِالنّصب لم يتَوَهَّم ذَلِك وخلص الْمَعْنى للمدح دون توهّم الذمّ فتأمّله تَجدهُ صَحِيحا.
وَالشعر مَوضِع ضَرُورَة
стр. 1537
وَيحْتَمل فِيهِ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه دون إِحْرَاز فَائِدَة فَكيف مَعَ وجود ذَلِك. وسيبويه مِمَّن يَأْخُذ بتصحيح الْمعَانِي وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ فَكَذَلِك وجّهه على هَذَا وَإِن كَانَ غَيره أقرب إِلَى الْقيَاس. انْتهى.)
يُرِيد بتخليص الْمَدْح أَنَّك إِذا قلت مَا مثلك أحدا فنفيت الأحديّة احْتمل الْمَدْح والذمّ فَإِن قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وَفِيه نظر فإنّ السِّيَاق يعيّن الْكَلَام للمدح.
وَقَالَ فِي الردّ على الْمبرد أَحْمد بن مُحَمَّد بن ولاّد: إنّ الرّواة عَن الفرزدق وَغَيره من الشُّعَرَاء قد تغير الْبَيْت على لغتها. وترويه على مذاهبها مِمَّا يُوَافق لُغَة الشَّاعِر ويخالفها وَلذَلِك كثرت الرِّوَايَات فِي الْبَيْت الْوَاحِد.
أَلا ترى أنّ سِيبَوَيْهٍ قد يستشهد ببيتٍ وَاحِد لوجوهٍ شتّى وإنّما ذَلِك على حيب مَا غيّرته الرّواة بلغاتها لِأَن لُغَة الرَّاوِي من الْعَرَب شاهدٌ كَمَا أنّ قَول الشَّاعِر شَاهد إِذا كَانَا فصيحين.
فَمن ذَلِك مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ: الطَّوِيل
(بدا لي أنّي لست مدرك مَا مضى ... وَلَا سابقٍ شيئاٍ إِذا كَانَ جائيا)
стр. 1538
وَرَوَاهُ أَيْضا: وَلَا سَابِقًا فِي مَوضِع آخر. وَكَذَلِكَ قَول الْأَعْوَر الشّنّيّ: المتقارب
(فَلَيْسَ يآتيك منهيها ... وَلَا قاصرٌ عَنْك مأمورها)
بِالرَّفْع والجر. وَهَذَا كثير جدا. انْتهى.
وَفِيه أنّ بَيت الفرزدق لَيْسَ على لُغَة الْحجاز وَلَا على لُغَة تَمِيم وَغَيرهَا فَكيف يكون من قبيل لُغَة الرَّاوِي فتأمّل.
وَالْقَوْل الأوّل من الْقَوْلَيْنِ هُوَ المازنيّ وَتَبعهُ المبرّد وَقَالَ: كأنّمثلهم صفةٌ لبشر فلمّا قدّم عَلَيْهِ صَار قَالَ السَّيِّد عبد الله فِي شرح اللب: وَفِيه نظر لأنّ الْحَال فضلَة يتمّ الْكَلَام بِدُونِهَا وَهَاهُنَا لَا يتمّ الْكَلَام بِدُونِ مثلهم فَلَا يكون حَالا.
وردّه ابْن هِشَام أَيْضا فِي شرح شواهده بأنّ مَعَاني الْأَفْعَال لَا تعْمل مضمرة. والكوفّيون الْقَائِلُونَ بِنصب مثل على الظّرْف يَقُولُونَ: اصله مَا بشر فِي مكانٍ مثل مكانهم ثمَّ أنيبت الصّفة عَن الْمَوْصُوف والمضاف إِلَيْهِ عَن الْمُضَاف.
قَالَ ابْن هِشَام: وردّ بأنّ الصّفة إنّما تخلف الْمَوْصُوف إِذا اختصّت بِجِنْسِهِ وَلِهَذَا جَازَ رَأَيْت كَاتبا وَامْتنع رَأَيْت طَويلا.
وَبَقِي تَخْرِيج آخر لم يذكرهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَهُوَ أنّ مثلهم خبر مَا التميميّة لَكِن بني مثل على الْفَتْح إِضَافَته إِلَى مبنّي فإنّ الْمُضَاف إِذا كَانَ مُبْهما كَغَيْر وَمثل وَدون واضيف إلأى مبنيّ بني كَقَوْلِه تَعَالَى: إنّه لحقٌّ
стр. 1539
مثل مَا أَنكُمْ تنطقون فِيمَن فتح مثل أَو كَقِرَاءَة بَعضهم: أَن يُصِيبكُم مثل)
مَا أصَاب بِالْفَتْح. وَهَذَا
أقرب الْأَقْوَال.
وَزعم ابْن مَالك أنّ ذَلِك لَا يكون فِي مثل لمخالفتها للمبهمات بِأَن تثنّى وَتجمع.
وَقَوله: إِذْ هم قُرَيْش الخ إِذْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ للتَّعْلِيل. وَبِه اسْتشْهد ابْن هِشَام فِي هَذَا الْبَيْت فِي الْمُغنِي.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز الْأمَوِي. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا: الْبَسِيط
(تَقول لمّا رأتني وَهِي طيّبةٌ ... على الْفراش وَمِنْهَا الدّلّ والخفر)
(أصدر همومك لَا يقتلك واردها ... فكلّ واردةٍ يَوْمًا لَهَا صدر)
إِلَى أَن قَالَ:
(فعجنتها قبل الأخيار منزلَة ... والطّيّبي كلّ مَا التأثت بهَا الأزر)
(إِذا رجا الركب تعريساً ذكرت لَهُم ... عَيْشًا يكون على الْأَيْدِي لَهُ دُرَر)
(وَكَيف ترجون تغميضاً وأهلكهم ... بِحَيْثُ تلحس عَن أَوْلَادهَا الْبَقر)
...
стр. 1540
(سِيرُوا فإنّ ابْن ليلى عَن أمامكم ... وبادروه فَإِن الْعرف يبتدر)
إِلَى أَن قَالَ:
(وَمَا أُعِيد لَهُم حتّى أتيتهم ... أزمان مَرْوَان إِذْ فِي وحشها غرر)
(فَأَصْبحُوا قد أعَاد الله دولتهم ... إِذْ هم قريشٌ وَإِذ مَا مثلهم بشر)
(وَلنْ يزَال إمامٌ مِنْهُم ملكٌ ... إِلَيْهِ يشخص فَوق الْمِنْبَر الْبَصَر)
(إِن عاقبوا فالمنايا من عقوبتهم ... وَإِن عفوا فذوو الأحلام إِن قدرُوا)
قَوْله: وَمِنْهَا الدلّ والخفر الدلّ بِفَتْح الدَّال: مصدر دلّت الْمَرْأَة من بَابي ضرب وتعب.
وتدللّت تدلّلاً وَالِاسْم الدّلال وَهُوَ جرأتها فِي تكسر وتغنج كَأَنَّهَا مُخَالفَة وَلَيْسَ بهَا خلاف.
كَذَا فِي الْمِصْبَاح. والخفر بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَهُوَ شدّة الْحيَاء.
وَقَوله: أصدر همومك أَي: اصرفها عَنْك يُقَال: صدر الْقَوْم وأصدرناهم إِذا صرفتهم.
وَقَوله: فَكل وَارِدَة تَعْلِيل لقَوْله أصدر.
وَقَوله: فعجتها قبل الأخيار الخ يُقَال: عجت النّاقة أعوجها: إِذا عطفت رَأسهَا بالزمام وَالضَّمِير للناقة.)
стр. 1541
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن قَاسم فِي شرح الألفيّة على أنّ الطّيبي صفة مشبّهة مُضَافَة إِلَى مُضَاف وَقَوله: إِذا رجا الرّكب الخ التَّعْرِيس: النُّزُول فِي آخر اللَّيْل للاستراحة وَالنَّوْم.
وَقَوله: بِحَيْثُ تلحس أَي: فِي مَوضِع لَا نَبَات بِهِ وَلَا مَاء.
وَابْن ليلى هُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أميّة بن عبد شمس ابْن عبد منَاف. وليلى هِيَ أمّه وَهِي بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁.
والْعرف بِالضَّمِّ: الْمَعْرُوف.
وَقَوله: إِذْ فِي وحشها غرر الْغرَر بِالْكَسْرِ: جمع غرّة وَهِي الْغَفْلَة. يُرِيد أَن وحشها لَا يدعرها أحد فَهِيَ فِي غرّة من عيشها يُقَال: هُوَ فِي غرّة من الْعَيْش إِذا كَانَ فِي عَيْش لَيْسَ فِيهِ كدر وَلَا خوف. وأزمان: نَائِب فَاعل أُعِيد. وأتيتهم خطاب لعمر بن عبد الْعَزِيز. وَضمير وحشها للمدينة المنوّرة.
قَالَ ابْن خلف: مدح الفرزدق بِهَذَا الشّعْر بن عبد الْعَزِيز. وَكَانَ قد ولي الْمَدِينَة. يَقُول: وَمَا أُعِيد لأهل الْمَدِينَة وَلمن بهَا من قُرَيْش أزمانٌ مثل أزمان مَرْوَان فِي الخصب والسّعة حَتَّى وليت أَأَنْت عَلَيْهِم فَعَاد لَهُم مثل مَا كَانُوا فِيهِ من الْخَيْر حِين كَانَ مَرْوَان والياً عَلَيْهِم فَأَصْبحُوا بولايتك عَلَيْهِم قد أعَاد الله نعمتهم عَلَيْهِم.
وَقَالَ الأعلم: مدح بالشعر بني أميّة فَقَالَ: كَانَ ملك الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة
стр. 1542
لغير قُرَيْش وَسَائِر مُضر وَكَانُوا أحقّ بِهِ لفضلهم على الْبُسْر فقد أَصْبحُوا وَالْإِسْلَام فيهم فَعَاد إِلَيْهِم مَا رَجَعَ عَن غَيرهم بِمَا كَانَ وَاجِبا لَهُم بفضلهم انْتهى.
وَالْمعْنَى هُوَ الأوّل ويدلّ لَهُ قَوْله: قد أعَاد الله نعمتهم فإنّ نعمتهم كَانَت مُنْقَطِعَة بعزل مَرْوَان)
وأعيدت أليهم بتولية عمر بن عبد الْعَزِيز عَلَيْهِم فإنّ الْعود رُجُوع الشَّيْء إِلَى الشَّيْء بعد انْفِصَاله عَنهُ.
وأمّا قَوْله: فَعَاد إِلَيْهِم بعد مَا خرج عَن غَيرهم فَهَذَا انْتِقَال لَا عود.
وَقَوله: قد أعَاد الله نعمتهم هَذِه الْجُمْلَة خبر صَار.
وَالْعجب من العيبيّ فِي قَوْله صَار من الْأَفْعَال النَّاقِصَة وَجعله هَذِه الْجُمْلَة حَالا مَعَ أَنه لم يعيّن الْخَبَر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ)
الوافر
(لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق)
على أَن فِيهِ دَلِيلا على جَوَاز تَقْدِيم الْخَبَر الْمَنْصُوب إِذْ الْبَاء لَا تدخل إلاّ على الْخَبَر الْمَنْصُوب.
وعَلى هَذَا بني أَبُو عليّ والزمخشريّ امْتنَاع دُخُولهَا على مَا التميمية
стр. 1543
وَأَجَازَهُ الْأَخْفَش.
قَالَ أَبُو عليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: أمّا مَا انشده بعض البغداديين:
(أما وَالله عَالم كل غيبٍ ... وربّ الْحجر وَالْبَيْت الْعَتِيق)
(لَو أنّك يَا حُسَيْن خلقت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الخليق)
فإنّه يكون شَاهدا على مَا حَكَاهُ أَبُو عَمْرو فِي نصب خبر مَا مقدّما. وَمن دفع ذَلِك أمكن أَن يَقُول إِن الْبَاء دخلت على الْمُبْتَدَأ وَحمل مَا على أَنَّهَا مَا التميمية. ويقوى أَن مَا حجازيّة أنّ أَنْت أخصّ من الحرّ فَهُوَ أولى بِأَن يكون الِاسْم وَيكون الحرّ الْخَبَر. انْتهى.
أَقُول: من يدْفع ذَلِك يَقُول: إنّ الْبَاء زيدت فِي خبر مَا التميمية وَلَا يذهب أَن مذخولها مُبْتَدأ. وَالصَّحِيح أنّها تزاد فِي خبر مَا على اللّغتين وَهُوَ ظاره كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي مَسْأَلَة مَا زيد بِشَيْء إلاّ شَيْء لَا يعبأ بِهِ.
قَالَ الشاطبيّ فِي شرح الألفيّة: والأصحّ مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من أوجه: أَحدهَا: أنّ بني تَمِيم يدْخلُونَهَا فغي الْخَبَر فَيَقُولُونَ: مَا زيد بقائم فَإِذا لم يدخلوها رفعوا.
قَالَ ابْن خروف: إنّ بني تَمِيم يرفعون مَا بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر ويدخلون الْبَاء فِي الْخَبَر لتأكيد النَّفْي. ثمَّ حكى عَن الفرّاء أنّه قَالَ: أنشدتني امرأةٌ.)
(أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
стр. 1544
قَالَ: فأدخلت الْبَاء فِيمَا يَلِي مَا. فَإِن ألغيتها رفعت. انْتهى.
وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ للفرزدق وَهُوَ تميمي: الطَّوِيل
(لعمرك مَا معن بتارك حقّه ... وَلَا منسئٌ معنٌ وَلَا متيسّر)
وَهُوَ كثير فِي أشعارهم لمن بحث عَنهُ.
وَالثَّانِي: أَن الْبَاء إِنَّمَا دخلت على الْخَبَر بعد مَا لكَونه منفيّاً لَا لكَونه خَبرا مَنْصُوبًا وَلذَلِك دخلت فِي خبر لم يكن وَلم يدْخل فِي خبر كنت. وَإِذا ثَبت أَن المسوّغ لدخولها إنّما هُوَ النَّفْي فَلَا فرق بَين منفي مَنْصُوب الْمحل ومنفيّ مَرْفُوع الْمحل.
وَالثَّالِث: أنّه قد ثَبت دُخُول الْبَاء مَعَ إبِْطَال الْعَمَل وَمَعَ أداةٍ لَا عمل لَهَا الْبَتَّةَ نَحْو قَوْله: المتقارب.
(لعمرك مَا إِن أَبُو مالكٍ ... بواهٍ وَلَا بضعيف قواه)
وَأنْشد الفارسيّ فِي التّذكرة للفرزدق: الطَّوِيل
(يَقُول إِذا اقلولى عَلَيْهَا وأقردت ... أَلا هَل أَخُو عيشٍ لذيذٍ بدائم)
وإنّما دخلت بعد هَل لشبهها بِحرف النَّفْي فَدَخَلُوهَا بعد النَّفْي الْمَحْض وَهُوَ مَا التميميّة أحقّ.
قَالَ ابْن مَالك: لِأَن شبه مَا بهَا أكمل من شبه هَل بهَا. ثمَّ ذكر مَا حكى الفرّاء عَن كثيرٍ من أهل نجد. أَنهم يجرّون الْخَبَر بَعْدَمَا بِالْبَاء وَإِذا أسقطوا الْبَاء رفعوا.
قَالَ ابْن مَالك: وَهَذَا دَلِيل واضحٌ على أَن دُخُول
стр. 1545
الْبَاء جارّة للْخَبَر بعد مَا لَا يلْزم مِنْهُ كَون الْخَبَر مَنْصُوب الْمحل بل جَازَ أَن يُقَال هُوَ مَنْصُوب المحلّ وَأَن يُقَال هُوَ مَرْفُوع المحلّ وَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم بِهِ حجازياً فإنّ الحجازيّ قد يتَكَلَّم بِغَيْر لغته وَغَيره يتكلّم بلغته. إلاّ أنّ الظَّاهِر أنّ محلّ الْمَجْرُور نصبٌ إِن كَانَ الْمُتَكَلّم حجازياً ورفعٌ إِن كَانَ تميمياً أَو نجدياً.
قَالَ: فَمن دُخُول اللُّغَة التميمية فِي الحجازية كسر هَاء الْغَائِب بعد كسرة أَو يَاء سَاكِنة وإدغام نَحْو: وَلَا يضارّ كاتبٌ وَلَا شهيدٌ وَرفع الله من قَوْله تَعَالَى: قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إلاّ الله لأنّ اللُّغَة الحجازيّة بِهِ وَفِيه بِالضَّمِّ وَلَا يضارر بالفكّ وإلاّ الله بِالنّصب لأنّ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع.
قَالَ: وَإِذا جَازَ للحجازيّ أَن يتَكَلَّم باللغة التميميّة جَازَ للتميميّ أَن يتَكَلَّم باللغة الحجازيّة بل)
التميميّ بذلك أولى لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أنّ الحجازية أفْصح وانقياد غير الْأَفْصَح لموافقة الْأَفْصَح أَكثر وقوعاً من الْعَكْس.
وَالثَّانِي: أنّ مُعظم الْقُرْآن حجازيّ والتميميّون متعبّدون بتلاوته كَمَا أنزل وَلذَلِك لَا يقْرَأ أحد مِنْهُم مَا هَذَا بشر إلاّ من جهل كَونه منزلا. هَذَا مَا قَالَه وَفِيه نظر لَا يَلِيق بِهَذَا الْموضع. انْتهى مَا أوردهُ الشّاطبي.
وروى الفرّاء هَذَا الْبَيْت فِي تَفْسِيره كَذَا:
(أما وَالله أَن لَو كنت حرّا ... وَمَا بالحرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
أنْشدهُ فِي سُورَة الجنّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَإِن استقاموا على الطّريقة.
следующие страницы →