← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

(وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى ... وَخير بني حوّاء وَالْخَيْر يطْلب) (إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم ... إِلَى الله فِيمَا نابني أتقرّب) (بني هاشمٍ رَهْط النّبيّ وإنّني ... بهم وَلَهُم أرْضى مرَارًا وأغضب) (بأيّ كتابٍ أم بأيّة سنّةٍ ... ترى حبّهم عاراً عليّ وتحسب) (وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌ ... وَمَالِي إلاّ مشعب الحقّ مشعب) (وَمن غَيرهم أرْضى لنَفْسي شيعَة ... وَمن بعدهمْ لَا من أجلّ وأرحب) (إِلَيْكُم ذَوي آل النّبيّ تطلّعت ... توازع من قلبِي ظماءٌ وألبب)) (وجدنَا لكم فِي آل حَامِيم آيَة ... تأوّلها منّا تقيٌّ ومعرب) (فإنّي على الْأَمر الَّذِي تكرهونه ... بِقَوْلِي وفعلي مَا اسْتَطَعْت لأجنب) (يشيرون بِالْأَيْدِي إليّ وَقَوْلهمْ ... أَلا خَابَ هَذَا والمشيرون خيّب) (فطائفةٌ قد أكفرتني بحبّهم ... وَطَائِفَة قَالُوا: مسيءٌ ومذنب) (يعيبونني من غيّهم وضلالهم ... على حبّكم بل يسخرون وأعجب) (وَقَالُوا ترابيّ هَوَاهُ وَدينه ... بذلك أدعى فيهم وألقّب) (فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتّهمونني ... وَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب) (ألم ترني فِي حبّ آل محمّدٍ ... أروح وأغدر خَائفًا أترقّب) (كَأَنِّي جانٍ محدثٌ وكأنّما ... بهم يتّقي من خشيَة العرّ أجرب) (على أيّ جرمٍ أم بأيّة سيرةٍ ... أعنّف فِي تقريظهم واؤنّب)

стр. 1717

. روى الأصبهانيّ فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن عَليّ النَّوْفَلِي عَن أَبِيه أَنه قَالَ: الْكُمَيْت بن زيد الشَّاعِر كَانَ أوّل مَا قَالَ القصائد الهاشّميات فسترها ثمَّ أَتَى الفرزدق بن غَالب فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا فراس إنّك شيخ مُضر وشاعرها وَأَنا ابْن أَخِيك الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ لَهُ: صدقت أَنْت ابْن أخي فَمَا حَاجَتك قَالَ: نفث على لساني فَقلت شعرًا فَأَحْبَبْت أَن أعرضه عَلَيْك فَإِن كَانَ حسنا أَمرتنِي بإذاعته وَإِن كَانَ قبيحاً أَمرتنِي بستره وَكنت أولى من ستره عليّ. فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أمّا عقلك فحسنٌ وإنّي لأرجو أَن يكون شعرك على قدر عقلك فأنشدني مَا قلت. فأنشده: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب قَالَ: فَقَالَ لي: فِيمَا تطرب يَا ابْن أخي فَقَالَ: وَلَا لعباً منّي وَذُو الشيب يلْعَب قَالَ: بلَى يَا ابْن أخي فالعب فإنّك فِي أَوَان اللّعب. فَقَالَ: وَلم يلهني دارٌ وَلَا رسم منزلٍ الْبَيْت قَالَ: فَمَا يطربك يَا ابْن أخي فَقَالَ: فَقَالَ: أجل لَا تتطيّر. فَقَالَ:) وَلَكِن إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى الْبَيْت

стр. 1718

فَقَالَ: وَمن هَؤُلَاءِ وَيحك فَقَالَ: إِلَى النّفر الْبيض الَّذين بحبّهم الْبَيْت فَقَالَ: أرحني وَيحك من هَؤُلَاءِ فَقَالَ: بني هَاشم رَهْط النّبيّ فإنّني الْبَيْت فَقَالَ لَهُ الفرزدق: أذع أذع يَا ابْن أخي أَنْت وَالله أشعر من مضى وأشعر من بَقِي. وَعَن عِكْرِمَة الضّبي عَن أَبِيه قَالَ: أدْركْت النَّاس بِالْكُوفَةِ من لم يرو: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَلَيْسَ بشيعيّ. وَمن لم يرو: ذكر الْقلب إلفه المهجورا فَلَيْسَ بأمويّ. وَمن لم يرو: هلاّ عرفت منازلاً بالأبرق فَلَيْسَ بمهلبيّ. قَوْله: طربت وَمَا شوقاً الخ اسْتشْهد بِهِ أَبُو حيّان على تَقْدِيم الْمَفْعُول لَهُ على عَامله ردّاً على من منع ذَلِك فإنّ شوقاً مفعول لَهُ مقدّم على عَامله وَهُوَ أطرب. وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي على أنّ همزَة الِاسْتِفْهَام لكَونهَا أصلا جَازَ حذفهَا سَوَاء كَانَت مَعَ أم لَا فإنّه أَرَادَ فإنّه أَرَادَ: أَو ذُو الشيب

стр. 1719

يلْعَب والاستفهام إنكاريّ. وَقَالَ شَارِح السَّبع الهاشميّات: ذُو الشيب خبر وَلَيْسَ باستفهام وَالْمعْنَى لم أطرب شوقاً إِلَى الْبيض وَلَا طربت لعباً منّي وَأَنا ذُو الشيب وَقد يلْعَب ذُو الشيب ويطرب وَإِن كَانَ قبيحاً بِهِ ولكنّ طربي إِلَى أهل الْفَضَائِل والنّهى. وَقَوله: وَلَا أَنا مّمن يزْجر الطير الخ همّه فَاعل يزْجر وَالطير مَفْعُوله. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الزّجر للطير هُوَ التّيمن والتشاؤم بهَا والتفاؤل بطيرانها كالسانح والبارح وَهُوَ نوع من الكهانة والعيافة. انْتهى. وَقَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة: الْغُرَاب أعظم مَا يتطيّرون بِهِ ويتشاءمون بالثور الأعضب وَهُوَ المكسور الْقرن. والسانح مَا ولاّك ميامنه والبارح مَا ولاّك مياسره واهل نجد تتيمّن بالأوّل) وتتشاءم بِالثَّانِي وَأهل الْعَالِيَة على عكس هَذَا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ. وَفِي السانحات جوّز الْأَخْفَش النصب للْعَطْف على الطير. وَقَوله: ترى حبّهم عاراً الخ اسْتشْهد بِعْ ابْن هِشَام فِي شرح الألفيّة على جَوَاز حذف مفعولي بَاب ظنّ للدّليل. وَقَوله: وَمَالِي إلاّ آل أَحْمد الخ اسْتشْهد بِهِ النّحاة مِنْهُم صَاحب الْجمل على تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. والمشعب: الطَّرِيق يَقُول:

стр. 1720

مَالِي مَذْهَب إلاّ طَرِيق الحقّ الَّذِي هُوَ حبّ آل النبيّ وتفضيلهم ﷺ . وَقَوله: وجدنَا لكم الخ آل حم اسْم للسّور السَّبع الَّتِي أَولهَا حم وَيُقَال لَهَا أَيْضا الحواميم وَأَرَادَ الْآيَة الَّتِي فِي حمعسق: قل لَا أسئلكم عَلَيْهِ أجرا إلاّ المودّة فِي الْقُرْبَى يَقُول: من تأوّل هَذِه الْآيَة لم يَسعهُ إلاّ التشيّع فِي آل النبيّ ﷺ وإبداء المودّة لَهُم على تقيّةٍ كَانَت أَو غير تقيّة. وَقَوله: تقيٌّ ومعرب قَالَ الجوهريّ: أعرب بحجتّه إِذا أفْصح بهَا وَلم يتّق أحدا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت ثمَّ قَالَ: يَعْنِي المفصح بالتّفضيل والساكت عَنهُ للتّقيّة. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ أوردهُ شَاهدا لترك صرف حَامِيم لكَونه وَافق بِنَاء مَا لَا ينْصَرف من الأعجمية نَحْو قابيل وهابيل. قَالَ الأعلم: جعل حَامِيم اسْما للكلمة ثمَّ أضَاف السُّور إِلَيْهَا كإضافة النّسَب إِلَى قرَابَة كَمَا وَقَوله: ألم ترني فِي حبّ آل مُحَمَّد الخ قَالَ السيوطيّ فِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي: أخرج ابْن عَسَاكِر عَن مُحَمَّد بن سهل قَالَ: قَالَ الْكُمَيْت: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فِي الْمَنَام وَأَنا مختفٍ فَقَالَ لي: ممّ خوفك فَقلت: يَا رَسُول الله من بني أميّة. ثمَّ أنشدته: ألم ترني من حبّ آل محمدٍ الْبَيْت

стр. 1721

فَقَالَ لي ﷺ : أظهر فقد أمنّك الله فِي الدّنيا وَالْآخِرَة. وَفِي الأغاني للأصبهاني بِسَنَدِهِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن سعيد الأسديّ عَن أَبِيه قَالَ: رَأَيْت النّبيّ صلّى) الله عَلَيْهِ وسلّم فِي الْمَنَام فَقَالَ لي: من أيّ النَّاس أَنْت قلت: من الْعَرَب. قَالَ: من أيّ الْعَرَب قلت: من بني أَسد. قَالَ: من أَسد بن خُزَيْمَة قلت: نعم. قَالَ: أهلاليٌّ أَنْت قلت: نعم. قَالَ: أتعرف الْكُمَيْت بن زيد قلت: يَا رَسُول الله عمّي وَمن قبيلتي. قَالَ: أتحفظ من شعره شَيْئا قلت: نعم قَالَ: أَنْشدني: طربت وَمَا شوقاً إِلَى الْبيض أطرب فَأَنْشَدته حَتَّى بلغت إِلَى قَوْله: فَمَا لي إلاّ آل أَحْمد شيعةٌ الْبَيْت فَقَالَ لي: إِذا أَصبَحت فاقرأ ﵇ وَقل لَهُ: قد غفر الله لَك بِهَذِهِ القصيدة. وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى دعبل بن عليّ الخزاعيّ قَالَ: رَأَيْت النّبيّ ﷺ فِي النّوم فَقَالَ لي: مَالك وللكميت بِمَ زيد فَقلت: يَا رَسُول الله مَا بيني وَبَينه إلاّ كَمَا بَين الشُّعَرَاء. فَقَالَ لي: لَا تفعل أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِل: (فَلَا زلت فيهم حَيْثُ يتهمونني ... وَلَا زلت فِي أشياعهم أتقلّب) فإنّ الله قد غفر لَهُ بِهَذَا الْبَيْت. فانتهيت عَن الْكُمَيْت بعْدهَا.

стр. 1722

وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى نصر بن مُزَاحم المنقريّ أَنه رأى النّبيّ ﷺ فِي النّوم وَبَين يَدَيْهِ رجلٌ ينشده: الْخَفِيف من لقلبٍ متيّمٍ مستهام قَالَ: فَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي: هَذَا الْكُمَيْت بن زيد الأسديّ. قَالَ: فَجعل النّبيّ ﷺ يَقُول: جَزَاك الله خيرا. وَأثْنى عَلَيْهِ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّالِث بعد الثلاثمائة) الوافر (أَلا قبح الْإِلَه بني زيادٍ ... وحيّ أَبِيهِم قبح الْحمار) على أنّ لفظ حيّ من حيّ زيدٍ يسْتَعْمل فِي التَّأْكِيد بِمَعْنى ذَاته وعينه وَإِن كَانَ مَيتا بعد أَن كَانَ بِمَعْنى ضدّ الميّت كَمَا شَرحه الشَّارِح. وَكَأَنَّهُ فهم أنّ مَا بعد حيّ فِي الْبَيْتَيْنِ ميّت فَبنى كَلَامه هَذَا عَلَيْهِ وإلاّ فَلم يقل بِهِ أحدٌ بل صرّح ابْن السّكيت فِي كتاب المذكّر والمؤّنث بِأَن مثل هَذَا لَا يُقَال إلاّ والمضاف إِلَيْهِ حيّ مَوْجُود غير معدو م وَأنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ بعينهما وَجعل لفظ حيّ مِمَّا يَقع على المذكّر والمؤنّث لَكِن إِذا كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مؤنّثاً فَلَا بدّ من تَأْنِيث فعله. قَالَ: رَأَيْت الْعَرَب قد أفردت مِمَّا يَقع

стр. 1723

على الْمُذكر والمؤنث شَيْئا لَا يكادون يذكرُونَ فعله وَلَفظه الْمُذكر. من ذَلِك قَوْلك: أَتَيْتُك وحيّ فُلَانَة شاهجة وحيّك وحيّ زيد قَائِم. وَلم أسمع وَحي فُلَانَة شاهدٌ أَي: بتذكير شَاهد وَذَلِكَ أَنهم إنّما قصدُوا بالْخبر عَن فُلَانَة إِذا كَانَت حيّة غير ميتَة. انْتهى. وَمثله لِابْنِ جنّي فِي الْمُحْتَسب عِنْد إنشاده هَذَا الْبَيْت قَالَ: أَي وقبح أباهم الحيّ الَّذِي يُقَال لَهُ أبوهم. وَمِنْه قَول الآخر: الْبَسِيط وحيّ بكرٍ طعنّا طعنةً بحرا أَي: الْإِنْسَان الحيّ الَّذِي يسمّى بقَوْلهمْ بكر. وَقَالَ فِي الخصائص أَي: والشخص المسمّى بكرا طَعنا. فحيّ هَاهُنَا مُذَكّر حيّة أَي: وشخص بكر الحيّ طَعنا. وَمثله قَول الآخر: الْكَامِل يَا قرّ إنّ أَبَاك حيّ خويلدٍ ... ... الْبَيْت أَي: إنّ أَبَاك الشَّخْص الحيّ خويلداً. وَكَذَلِكَ قَول الآخر:) أَلا قبح الْإِلَه بني زِيَاد ... ... الْبَيْت أَي: أباهم الشَّخْص الحيّ. وَقَالَ: وَلَيْسَ الحيّ هُنَا هُوَ الَّذِي يُرَاد بِهِ الْقَبِيلَة كَقَوْلِك حيّ تَمِيم وقبيلة بكر إنّما هُوَ كَقَوْلِك: هَذَا رجلٌ حيٌّ وَامْرَأَة حيّة.

стр. 1724

وَجعل ابْني جنّي هَذِه الْإِضَافَة من إِضَافَة المسمّى إِلَى اسْمه وبيّنها كَمَا رَأَيْت. وَخَالفهُ الشَّارِح المحقّق فَجَعلهَا من إِضَافَة العامّ إِلَى الخاصّ. وَمن حكم بِزِيَادَة حيّ كصاحب اللبّ جعل الْإِضَافَة من قبيل إِضَافَة الملغى إِلَى الْمُعْتَبر كَمَا قَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل. ومّمن ارتضى الزِّيَادَة الزمخشريّ فِي المفصّل فَإِنَّهُ قَالَ: قَالُوا: إنّ الِاسْم مقحمٌ دُخُوله وَخُرُوجه سَوَاء وَقد حُكيَ عَنْهُم حيّ فُلَانَة شاهدٌ بِدُونِ تَأْنِيث الْخَبَر. وتقدّم طعن ابْن السّكيت فِيهِ لَكِن يرد عَلَيْهِ مَا أنْشدهُ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ من قَول الشَّاعِر: لَو أنّ حَيّ الغانيات وحشا وَمن الْعجب قَول شَارِحه المظفّري: لفظ حيّ زَائِد وَمَعْنَاهُ الشَّخْص فكأنك قلت: هَذَا الشَّخْص زيد فَكَمَا أنّ لفظ شخص زَائِد فَكَذَلِك لفظ حيّ. وَقَوله بعد هَذَا: قيل وَلَا يُضَاف لفظ حيّ إلاّ بعد موت الْمُضَاف إِلَيْهِ صَوَابه إلاّ قبل موت الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَمِمَّا ورد عَن الْعَرَب من إِضَافَة حيّ إِلَيْهِ مَا قَالَه الشَّارِح قبل هَذَا الْبَيْت بصفحةٍ قالهنّ حيّ قَالَ المظفري: يَعْنِي سمع الْأَخْفَش أعرابيّاً أنْشد أبياتاً فَقيل لَهُ: من قَالَ هَذِه الأبيات فَقَالَ: قالهن حيّ رَبَاح بِزِيَادَة حيّ أَي: قالهنّ رَبَاح. انْتهى. ورباح بِكَسْر الرَّاء بعْدهَا بَاء مُوَحدَة.

стр. 1725

وَهُوَ مَأْخُوذ من الْإِيضَاح الشعري لأبي عَليّ قَالَ: حكى أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي أَبْيَات أَنه سمع من يَقُول فِيهَا: قالهنّ حيّ رَبَاح. وَأنْشد: الوافر (أَبُو بَحر أشدّ النّاس منّاً ... علينا بعد حيّ أبي الْمُغيرَة) وَقَوله: أَلا قبح الْإِلَه الخ هَذَا الْبَيْت من جملَة أَبْيَات ليزِيد بن ربيعَة بن مفرّغ الحميريّ. أَلا هُنَا كلمة يستفتح بهَا الْكَلَام وَمَعْنَاهَا تَنْبِيه الْمُخَاطب لسَمَاع مَا يَأْتِي بعْدهَا وَجُمْلَة قبح الْإِلَه دعائيّة يُقَال قبحه الله يقبحه بِفَتْح الْمُوَحدَة فيهمَا أَي: نّحاه عَن الْخَيْر. وَفِي التَّنْزِيل: هم من المقبوحين أَي: المبعدين عَن الْفَوْز. والمصدر الْقبْح بِفَتْح الْقَاف وَالِاسْم) الْقبْح بضمّها يُقَال: قبحاً لَهُ وقبحاً. والإله تقدّم أَنه لَا يجمع بَين أل وهمزة إِلَه إلاّ على القلّة لكَون أل فِي الله بَدَلا من همزَة إِلَه. وزِيَاد هُوَ زِيَاد بن سميّة وَهِي جاريةٌ لِلْحَارِثِ بن كلدة الطّبيب الثّقفيّ كَانَ زوّجها بعبدٍ لَهُ روميّ اسْمه عبيد فَولدت لَهُ زياداً على فرَاشه. وَكَانَ أَبُو سُفْيَان سَافر فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَى الطَّائِف قبل أَن يسلم فواقعها بِوَاسِطَة أبي مَرْيَم الخمّار فَيُقَال إنّها علقت مِنْهُ بِزِيَاد. ثمَّ إنّ مُعَاوِيَة أحضر من شهد لزيادٍ بِالنّسَبِ واستلحقه بِأبي سُفْيَان فَقيل زِيَاد بن أَبِيه أَي: ابْن أبي مُعَاوِيَة. وَيُقَال لَهُ أَيْضا زِيَاد بن سميّة نِسْبَة إِلَى أمه. وَهَذِه أول وَاقعَة خولفت فِيهَا الشَّرِيعَة المطهّرة عَلَانيَة لصريح قَوْله ﷺ : الْوَلَد للْفراش

стр. 1726

وللعاهر الْحجر. وَأعظم النَّاس ذَلِك وأنكروه خُصُوصا بني أميّة لكَونه ابْن عبدٍ روميّ صَار من بني أُميَّة. وَقيل فِيهِ أشعارٌ مِنْهَا قَول يزِيد صَاحب الْبَيْت الشَّاهِد: الوافر (ألآ أبلغ مُعَاوِيَة بن حربٍ ... مغلغلة من الرجل الْيَمَانِيّ) (أتغضب أَن يُقَال أَبوك عفٌّ ... وترضى أَن يُقَال أَبوك زاني) (فَأشْهد إنّ رَحِمك من زيادٍ ... كرحم الْفِيل من ولد الأتان) (وَأشْهد أنّها ولدت زياداً ... وصخرٌ من سميّة غير داني) وقصة الِاسْتِلْحَاق مفصّلة فِي التواريخ. قَالَ أَبُو عبيد البكريّ فِي شرح أمالي القالي: كتاب المثالب لأبي عُبَيْدَة أَصله لزياد بن أَبِيه فإنّه لّما ادّعى أَبَا سُفْيَان أَبَا علم أنّ الْعَرَب لَا تقرّ لَهُ بذلك مَعَ علمهمْ بِنِسْبَة فَعمل كتاب المثالب وألصق بالعرب كلّ عيب وعار وباطل وإفك وبهت. انْتهى. وَبَنُو زيادٍ الْمَشْهُور مِنْهُم: عبّاد ولي سجستان وَمَا والاها وَمِنْهُم عبيد الله بن زِيَاد الشقيّ الْخَبيث قَاتل الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄.

стр. 1727

وَقَوله: وحيّ أَبِيهِم مَعْطُوف على بني أَي: وقبح الله أباهم زياداً. وَقَوله: قبح الْحمار هُوَ بِفَتْح الْقَاف مصدر تشبيهيّ أَي: قبحهم الله قبحاً مثل قبح الْحمار. وإنّما ذكر الْحمار لأنّه مثلٌ فِي المذلّة والاستهانة بِهِ ولأنّ صَوته أنكر الْأَصْوَات وأبشعها. ويزِيد شَاعِر إسلاميّ من شعراء الدولة الأمويّة وَهُوَ أَبُو عُثْمَان يزِيد ابْن ربيعَة بن مفرّغ بن ذِي الْعَشِيرَة بن الْحَارِث وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى زيد بن يحصب الحميريّ.) وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: هُوَ يزِيد بن ربيعَة بن مفرغ الحميريّ حَلِيف لقريش وَيُقَال إنّه كَانَ عبدا للضحاك بن يَغُوث الهلاليّ فأنعم عَلَيْهِ. انْتهى. ومفرّغ بِكَسْر الرَّاء المشدّدة: لقب جده سمّي بِهِ لأنّه رَاهن على شرب سقاء لبن فشربه حتّى فرّغه فسمّي مفرّغاً. وَقَالَ النوفليّ: كَانَ حدّاداً بِالْيمن فَعمل قفلاً لامرأةٍ وَشرط عَلَيْهَا عِنْد فَرَاغه مِنْهُ أَن تجيئه بكرش من لبن فَفعلت فَشرب مِنْهُ وَوَضعه فَقَالَت: ردّ عليّ الكرش فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أفرّغه فِيهِ. قَالَت: لَا بدّ من ذَلِك. ففرّغه فِي جَوْفه فَقَالَت: إنّك لمفرّغ. فَعرف بِهِ. وَكَانَ السَّبَب فِي هجو زِيَاد وَبَينه هُوَ مَا رَوَاهُ الأصبهانيّ فِي الأغاني أنّ سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان لما ولي خُرَاسَان استصحب ابْن مفرّغ فَلم يَصْحَبهُ وَصَحب عبّاد بن زِيَاد فَقَالَ لَهُ سعيد بن عُثْمَان: أما إِذْ أَبيت صحبتي واخترت عبّاداً عليّ فاحفظ مَا أوصيك بِهِ: إنّ عباداً رجلٌ لئيم فإيّاك والدّالة عَلَيْهِ وَإِن دعَاك إِلَيْهَا من نَفسه فإنّها خدعةٌ مِنْهُ لَك عَن نَفسك وأقلل

стр. 1728

زيارته فإنّه طرفٌ ملول وَلَا تفاخره وَإِن فاخرك فإنّه لَا يحْتَمل لَك مَا كنت أحتمله. ثمَّ دَعَا سعيدٌ بِمَال فَدفعهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَذَا على سفرك فَإِن صلح لَك مَكَانك من عبّاد وإلاّ فمكانك عِنْدِي ممهّد. ثمَّ سَار سعيد من خُرَاسَان وَلما بلغ عبيد الله بن زِيَاد صُحْبَة ابْن مفرّغ أَخَاهُ عباداً شقّ عَلَيْهِ فَلَمَّا سَار عبّاد إِلَى سجستان أَمِيرا عَلَيْهَا شيّعه عبيد الله وشيّعه النَّاس فَلَمَّا أَرَادَ عبيد الله أَن يودّع أَخَاهُ دَعَا ابْن مفرّغ فَقَالَ لَهُ: إنّك سَأَلت أخي عباداً أَن تصحبه فأجابك إِلَى ذَلِك وَقد شقّ عليّ فَقَالَ ابْن مفرّغ: وَلم أصلحك الله فَقَالَ: لأنّ الشَّاعِر لَا يقنعه من النَّاس مَا يقنع بَعضهم من بعض لِأَنَّهُ يظنّ فَيجْعَل الظنّ يَقِينا وَلَا يعْذر فِي بعض الْعذر وإنّ عبّاداً يقدم على أَرض حربٍ فيشتغل بحروبه وخراجه عَنْك فَلَا تعذره فتكسبنا عاراً وشرّاً فَقَالَ: لست كَمَا ظنّ الْأَمِير وإنّ لمعروفه عِنْدِي شكرا كثيرا وإنّ عِنْدِي إِن أغفل أَمْرِي عذرا ممهّداً. قَالَ: لَا وَلَكِن تضمن لي إِن أَبْطَأَ عَنْك مَا تحبّه أَلا تعجل عَلَيْهِ حتّى تكْتب إليّ. قَالَ: ثمَّ لإنّ عبّاداً لما قدم سجستان اشْتغل بحروبه فاستبطأه ابْن مفرّغ وَلم يكْتب إِلَى عبيد الله كَمَا ضمن لَهُ وَلَكِن بسط لِسَانه وهجاه وَكَانَ عبّادٌ عَظِيم اللِّحْيَة فسارا ابْن مفرّغ يَوْمًا مَعَ عبّاد فَدخلت الرّيح فِيهَا فنفشتها فَضَحِك ابْن مفرّغ وَقَالَ لرجل من لخم كَانَ إِلَى جَانِبه: الوافر (أَلا لَيْت اللّحى كَانَت حشيشاً ... فنعلفها دَوَاب المسلمينا))

стр. 1729

فسعى بِهِ اللّخميّ إِلَى عبّاد فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ: لَا تجمل عُقُوبَته فِي هَذِه السَّاعَة مَعَ صحبته لي وَمَا أؤخرّها إلاّ لأشفي نَفسِي مِنْهُ فإنّه كَانَ يقوم ويشتم أبي فِي عدّة مَوَاطِن. وَبلغ الْخَبَر ابْن مفرّغ فَقَالَ: إنّي لأجد ريح الْمَوْت عِنْد عبّاد ثمَّ دخل عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير إِنِّي كنت مَعَ سعيد بن عُثْمَان وَقد بلغك رَأْيه فيّ وَرَأَيْت جميل أَثَره عليّ وَإِنِّي اخْتَرْتُك عَلَيْهِ فَلم أحظ مِنْك بطائل وإنّي أُرِيد أَن تَأذن لي فِي الرُّجُوع. فَقَالَ لَهُ: إنّي اخْتَرْتُك كَمَا اخترتني واستصحبتك حِين سَأَلتنِي فقد أعجلتني عَن بُلُوغ محبّتي فِيك وَقد طلبت الْإِذْن لترجع إِلَى قَوْمك فتفضحني عِنْدهم وَأَنت على الْإِذْن قادرٌ بعد أَن أَقْْضِي حقّك فَأَقَامَ وَبلغ عبّاداً أنّه يسبّه وينال من عرضه. وأجرى عبّادٌ الْخَيل يَوْمًا فجَاء سَابِقًا فَقَالَ ابْن مفرّغ: الرجز (سبق عبّادٌ وصلّت لحيته ... وَكَانَ خرّازاً تجود فربته) قَالَ المدائنيّ: لنا بلغ عبّاداً هَذَا الشّعْر دَعَا بِهِ والمجلس حافل فَقَالَ لَهُ: أَنْشدني هجاء أَبِيك الَّذِي هجي بِهِ. فَقَالَ: أيّها الْأَمِير مَا كلّف أحدٌ قطٌّ مثل مِمَّا كلّفتني بِهِ فَأمر غُلَاما عجميّاً أَن يصبّ على رَأسه السَّوْط إِن لم ينشد فأنشده أبياتاً هجى بهَا أَبوهُ أوّلها: الْكَامِل (قبح الْإِلَه وَلَا أقبّح غَيره ... وَجه الْحمار ربيعَة بن مفرّغ)

стр. 1730

. وَجعل عبّاد يتضاحك بِهِ فَخرج ابْن مفرّغ وَهُوَ يَقُول: وَالله لَا يذهب شتم شَيْخي بَاطِلا. فَطلب عَلَيْهِ الْعِلَل ودسّ إِلَى قوم كَانَ لَهُم عَلَيْهِ ديوَان أَن يقتضوا مَالهم عَلَيْهِ فَفَعَلُوا فحبسه وضربه وَأمر بِبيع سلاحه وخيله وأثاثه وقسّم ثمنهَا بَين غُرَمَائه ثمَّ بعث إِلَيْهِ أَن بِعني الأراكة وبرداً وَكَانَت الأراكة قينة لِابْنِ المفرّغ وبردٌ غُلَامه ربّاهما وَكَانَ شَدِيد الضنّ بهما فَبعث إِلَيْهِ ابْن مفرّغ: أيبيع الْمَرْء نَفسه أَو لده فأضرّ بِهِ عبّاد حتّى أخذهما مِنْهُ وَقيل اشتراهما رجلٌ من أهل خُرَاسَان فَلَمَّا دخلا منزلَة قَالَ لَهُ برد وَكَانَ داهية أدبياً: أَتَدْرِي مَا شربت قَالَ: نعم شريتك وَهَذِه الْجَارِيَة. قَالَ: لَا وَالله مَا اشْتريت إلاّ الْعَار والدّمار وفضيحة الْأَبَد فجزع الرجل وَقَالَ: كَيفَ ذَلِك وَيلك قَالَ: نَحن ليزِيد بن المفرّغ وَمَا أصاره وَالله إِلَى هَذِه الْحَال إلاّ لِسَانه وشرّه أفتراه يهجو عبّاداً وَهُوَ أَمِير سجستان وأخاه عبيد الله وَهُوَ أَمِير العراقيّين وعمّه مُعَاوِيَة وَهُوَ الْخَلِيفَة ويمسك لِسَانه عَنْك وَقد ابتعتني وَأَنا مثل وَلَده وَهَذِه الْجَارِيَة وَهِي نَفسه فَقَالَ: أشهد أنّكما لَهُ إِن شئتما امضيا إِلَيْهِ وَإِن شئتما تَكُونَا لَهُ عِنْدِي.

стр. 1731

قَالَ: فَاكْتُبْ إِلَيْهِ) بذلك. فَكتب إِلَيْهِ بذلك فَكتب إِلَيْهِ ابْن مفرّغ يشْكر فعله ويسأله أَن يَكُونَا عِنْده حتّى يفرّج الله عَنهُ. وَفِي بيعهمَا قَالَ وَذكر تَركه سعيد بن عُثْمَان: مجزوء الْكَامِل (أصرمت حبلك من أَمَامه ... من بعد أيّامٍ برامه) (ورمقتها فَوَجَدتهَا ... كالضّلع لَيْسَ لَهَا استقامه) (لهفي على الرّأي الَّذِي ... كَانَت عواقبه ندامه) (تركي سعيداً ذَا النّدى ... وَالْبَيْت ترفعه الدّعامه) (ليثاً إِذا شهد الوغى ... ترك الْهوى وَمضى أَمَامه) (فتحت سمر قندٌ لَهُ ... فَبنى بعرصتها خيامه) (وتبعت عبد بني علا ... ج تِلْكَ أَشْرَاط القيامه) (جَاءَت بِهِ حبشيّةٌ ... سكّاء تحسبها نعامه) (من نسْوَة سود الوجو ... هـ ترى عليهنّ الدّمامه) (وشريت بردا لَيْتَني ... من بعد بردٍ كنت هامه) (فالرّيح تبْكي شجوها ... والبرق يلمع فِي الغمامه) (وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه) وَقَوله: وشريت بردا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ صَاحب الكشّاف عِنْد قَوْله

стр. 1732

تَعَالَى: الَّذين يشرون الْحَيَاة الدّنيا بِالآخِرَة على أنّ الشِّرَاء يَأْتِي بِمَعْنى البيع فَهُوَ من الأضداد. والهامة: أثنى الصّدى وَهُوَ ذكر البوم. وَفِي مروج الذَّهَب للمسعوديّ: من الْعَرَب من يزْعم أنّ النّفس طَائِر ينبسط فِي الْجِسْم فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان أَو قتل لم يزل يطِيف بِهِ مستوحشاً يصدح على قَبره ويزعمون أنّ هَذَا الطَّائِر يكون صَغِيرا ثمَّ يكبر حتّى يكون كضرب من البوم وَهُوَ أبدا مستوحش وَيُوجد فِي الديار المعطلّة ومصارع الْقَتْلَى والقبور وأنّها لم تزل عِنْد ولد الْمَيِّت ومخلّفه لتعلم مَا يكون بعده فنخبره. وَقَالَ أَيْضا فِي بيعهمَا: الْبَسِيط (شريت بردا وَقد ملّكت صفقته ... لما تطلّبت فِي بيعي لَهُ رشدا) (يَا برد مَا مسّنا دهرٌ أضرّ بِنَا ... من قبل هَذَا وَلَا بعنا لَهُ ولدا)) (أمّا أراكه كَانَت من محارمنا ... عَيْشًا لذيذاً وَكَانَت جنّة رغدا) (لَوْلَا الدّواعي وَلَوْلَا مَا تعرّض لي ... من الْحَوَادِث مَا فارقتها أبدا) ثمَّ إنّ ابْن مفرّغ علم أَنه إِن أَقَامَ فِي الْحَبْس على ذمّ عبّاد لم يَزْدَدْ إلاّ شرّاً فَجعل يَقُول للنَّاس إِذا سُئِلَ عَن حَبسه: أَنا رجلٌ أدّبه أميره ليقيم من أوده. . فَلَمَّا بلغ ذَلِك عبّاداً رقّ لَهُ فَأَطْلقهُ فهرب حتّى أَتَى الْبَصْرَة ثمَّ الشَّام وَجعل يتنقل فِي الْبِلَاد ويهجو بني زِيَاد ويتأسّف على تَركه صُحْبَة سعيد فَمن ذَلِك قَوْله: الْخَفِيف (إِن تركي ندى سعيد بن عثما ... ن فَتى الْجُود ناصري وعديدي) (واتّباعي أَخا الضّرعة واللّؤ ... م لنقصٌ وفوت شأو بعيد) ...

стр. 1733

(قلت واللّيل مطبق بعراه ... لَيْتَني متّ قبل ترك سعيد) ثمَّ إنّه هجا بني زِيَاد حتّى مَلأ مِنْهُ الْبِلَاد وتغنّى بِهِ أهل الْبَصْرَة فَطَلَبه عبيد الله طلبا شَدِيدا وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة وَقيل إِلَى يزِيد إنّ ابْن مفرّغ هجا زياداً وبنيه بِمَا هتكه فِي قبه وفضح بنيه طول الدَّهْر وتعدّى ذَلِك إلأى أبي سُفْيَان فقذفه بالزّنى وسبّ وَلَده وهرب إِلَى الْبَصْرَة وطلبته حتّى لفظته الأَرْض فلجأ إِلَى الشَّام يتمضّغ لحومنا ويهتك أعراضنا وَقد بعثت إِلَيْك بِمَا هجانا بِهِ لتنتصف لما مِنْهُ. فهرب ابْن مفرّغ من الشَّام إِلَى الْبَصْرَة فأجاره الْمُنْذر بن الْجَارُود وَكَانَت بنت الْمُنْذر تَحت عبيد الله وَكَانَ الْمُنْذر من أكْرم النّاس عَلَيْهِ فاغترّ بذلك فَبلغ عبيد الله أَن الْمُنْذر قد أجاره فَبعث عبيد الله إِلَى الْمُنْذر فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ بعث عبيد الله بالشّرط فكبسوا دَاره وأتوه بِابْن مفرّغ فَلَمَّا رَآهُ الْجَارُود قَامَ إِلَى عبيد اللع فَقَالَ لَهُ: أذكّرك الله أَيهَا الْأَمِير لَا تخفر جواري فَإِنِّي قد أجرته فَقَالَ عبيد الله: يمدحك ويمدح آباءك وَقد هجاني وهجا أبي ثمَّ تجيره عليّ وَالله لَا يكون ذَلِك أبدا فَغَضب الْمُنْذر وَخرج. وَأَقْبل عبيد الله على ابْن مفرّغ فَقَالَ: بئْسَمَا صَحِبت بِهِ عبّاداً فَقَالَ: بئْسَمَا صحبني عباد اخترته على سعيد وأنفقت على صحبته جَمِيع مَا ملكته وظننت أنّه لَا يَخْلُو من عقل زيادٍ وحلم مُعَاوِيَة وسماحة قُرَيْش فَعدل عَن ظنّي كلّه ثمَّ عاملني بكلّ قَبِيح. من حبس وَغرم وَضرب وَشتم فَكنت كمن شام برقاً خلّباً فِي سَحَاب جهامٍ فأراق مَاء طَمَعا فَمَاتَ عطشاً وَمَا هربت من أَخِيك إلاّ لما خفت أَن يجْرِي فيّ مَا ينْدَم عَلَيْهِ وَهَا أَنا بَين يَديك فَاصْنَعْ

стр. 1734

فيّ مَا) شِئْت فَأمر بحبسه وَكتب إلأى مُعَاوِيَة أَن يَأْذَن لَهُ فِي قَتله فَكتب إِلَيْهِ: إيّاك وَقَتله وَلَكِن تنَاوله بِمَا ينكله ويشدّ سلطانك عَلَيْهِ وَلَا تبلغ نَفسه فإنّ لَهُ عشيرة هم جندي وبطانتي وَلَا يرضون بقتْله إلاّ بالقود مِنْك فاحذر ذَلِك وَاعْلَم أنّ الْجد منّي وَمِنْهُم وأنّك مرتهنٌ بِنَفسِهِ وَلَك فِي دون تلفهَا مندوحةٌ تشفي من الغيظ. فلمّا ورد الْكتاب أَمر بِابْن مفرّغ فسقي نبيذاً حلواً مخلوطاً بالشبرم والتربد فأسهل بَطْنه وطيف بِهِ على بعير فِي أزقّة الْبَصْرَة وأسواقها وَقرن بهرّة وخنزير وَجعل يسلح وَالصبيان يتبعونه ويصيحون عَلَيْهِ وألّح مَا يخرج مِنْهُ حتّى أضعفه فَسقط فَقيل لِعبيد الله: إنّا لَا نَأْمَن أَن يَمُوت. فَأمر بِهِ فَغسل فلمّا غسل قَالَ: الْخَفِيف (يغسل المَاء مَا فعلت وَقَوْلِي ... راسخٌ مِنْك فِي الْعِظَام البوالي) ثمَّ ردّه إِلَى الْحَبْس. وَقيل لِعبيد الله: كَيفَ اخْتَرْت لَهُ هَذِه الْعقُوبَة قَالَ: لأنّه سلح علينا فَأَحْبَبْت أَن تسلح عَلَيْهِ الخنزيرة والهرّة. ثمَّ إِن عبيد الله أرْسلهُ إِلَى أَخِيه بسجستان ووكلّ بِهِ رجَالًا وَكَانَ لّما هرب من عبّاد هجاه وَكتب هجاءه على حيطان الْخَانَات فَأمر عبيد الله الموكلين بِهِ أَن يلزموه بمحو مَا كتبه على الجيطان بأطافيره فَكَانَ يفعل ذَلِك حتّى ذهبت أظافيره فَكَانَ يمحو بعظام أَصَابِعه. وَأمرهمْ أَيْضا أَن لَا يَتْرُكُوهُ يصليّ إلاّ إِلَى قبْلَة النّصارى إِلَى أَن يسلموه إِلَى عبّاد فحبسه وضيّق عَلَيْهِ فَلَمَّا طَال حَبسه اسْتَأْجر رَسُولا إِلَى دمشق وَقَالَ بِهِ: إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فقف على درج جَامع دمشق ثمَّ أنْشد هَذِه الأبيات بأرفع مَا يمنك من صوتٍ وَهِي:

стр. 1735

الْبَسِيط (أبلغ لديك بني قحطان قاطبةً ... عضّت بأير أَبِيهَا سادة الْيمن) (أضحى دعيّ زيادٍ فقع فرقرةٍ ... يَا للعجائب يلهو بِابْن ذِي يزن) (قومة افَقولُوا: أَمِير الْمُؤمنِينَ لنا ... حقٌ عَلَيْك ومنٌّ لَيْسَ كالمنن) (فَاكْفُفْ دعيّ زيادٍ عَن أكارمنا ... مَاذَا تزيد على الأحقاد والإحن) فَفعل الرّسول مَا أَمر بِهِ فحميت اليمانية غضبوا لَهُ ودخلوا إِلَى مُعَاوِيَة فَسَأَلُوهُ فِيهِ فدافعهم عَنهُ فَقَامُوا غضاباً والشرّ يلمع فِي وُجُوههم فَعرف ذَلِك مُعَاوِيَة مِنْهُم فوهبه لَهُم ووجّه رجلا من بني أَسد يُقَال لَهُ خمخام بريداً إِلَى عبّاد وَكتب لَهُ عهدا وَأمره أَن يبْدَأ بِالْحَبْسِ فَيخرج ابْن مفرّغٍ مِنْهُ ويطلقه قبل أَن يعلم عبّاد فيمَ قدم فيغتاله فَفعل ذَلِك فَلَمَّا خرج من الْحَبْس قرّبت) بغلةٌ من بغال الْبَرِيد فركبها فَقَالَ: الطَّوِيل (عدس مَا لعبّادعليك إمارةٌ ... أمنت وَهَذَا تحملين طليق) وَهُوَ من جملَة أَبْيَات تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمَوْصُول عِنْد إنشاد هَذَا الْبَيْت هُنَاكَ فَلَمَّا دخل على مُعَاوِيَة بَكَى وَقَالَ: ركب منّي مَا لم يركب من مسلمٍ قطّ على غير حدثٍ فِي الْإِسْلَام وَلَا خلع يدٍ من طَاعَة. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْت الْقَائِل: ...

стр. 1736

(أَلا أبلغ مُعَاوِيَة بن حَرْب ... مغلغلة من الرجل الْيَمَانِيّ) الأبيات الْمُتَقَدّمَة. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي عظّم حقّك مَا قلتهَا وَلَقَد بَلغنِي أنّ عبد الرَّحْمَن بن الحكم قَالَهَا ونسبها إليّ. قَالَ: أفلم تقل كَذَا وَكَذَا. . وسرد أشعاره ثمَّ قَالَ: اذْهَبْ فقد عَفَوْت عَن جرمك فاسكن أيّ أَرض شِئْت. فَاخْتَارَ الْموصل ثمَّ ارْتَاحَ إلأى الْبَصْرَة فَقَدمهَا فَدخل على عبيد الله فَاعْتَذر إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ الصّفح والأمان فأمنّه فَأَقَامَ بهَا مدّة ثمَّ دخل عَلَيْهِ فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير إِنِّي قد ظَنَنْت أنّ نَفسك لَا تطيب لي بِخَير أبدا ولي أعداءٌ وَلَا آمن سَعْيهمْ عليّ بِالْبَاطِلِ وَقد رَأَيْت أَن أتباعد. فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْن شِئْت فَقَالَ: كرمان. فَكتب لَهُ إِلَى شريك بن الْأَعْوَر وَهُوَ عَلَيْهَا بجائزة وَقَطِيعَة فشخص إِلَيْهَا وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ فِي طاعون الجارف أَيَّام مُصعب بن الزّبير. هَذَا مَا لّخصته من الأغاني وَهُوَ كشذرة من عقد نحر أَو قَطْرَة من قَامُوس بَحر. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الرَّابِع بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد المفصّل: الْكَامِل (يَا قرّ إنّ أَبَاك حيّ خويلد ... قد كنت خائفة على الإحماق) لما تقدّم قبله. وَذهب أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشّعريّ عِنْد ذكره هَذِه الشواهد إِلَى أنّ لفظ حيّ زَائِد لَا غير وَتَبعهُ الزمخشريّ فِي المفصّل والبيضاوي فِي اللبّ وتعقبّه شَارِحه الشيّد عبد الله بأنّه غير زَائِد من

стр. 1737

حَيْثُ الْمَعْنى فإنّه يُفِيد نوعا من تحقير مَا أضيف إِلَيْهِ حيّ كأنّه يَقُول: هَذَا شخصٌ لَيْسَ سوى أنّه حيّ وشبحٌ مَا فِيهِ سوى أنّه حسّاس. انْتهى. وَلَا يخفى أَن هَذِه النّكتة قَاصِرَة على هَذَا الْبَيْت لَا تتمشّى لَهُ فِي غَيره. وقرّ بِضَم الْقَاف: مرخّم قرّة. وحيّ خويلد: بدلٌ أَو عطف بَيَان من أَبَاك. وَجُمْلَة قد كنت خائفه خبر إنّ. والإحماق: مصدر أَحمَق الرجل: إِذا ولد لَهُ ولدٌ أَحمَق وَكَذَا أحمقت الْمَرْأَة وأمّا حمق بِدُونِ ألف فَهُوَ من الْحمق بِالضَّمِّ وَهُوَ فسادٌ فِي الْعقل وَهُوَ من بَاب تَعب وَوَصفه حمقٌ بِكَسْر الْمِيم وَأما أَحمَق فَفعله حمق بالضمّ وَالْأُنْثَى حمقى. وعَلى مُتَعَلقَة بخائفه يُقَال: خفته وَالْمعْنَى إنّني كنت أرى من أَبِيك مخايل تدلّ على أنّه يلد ولدا أَحمَق وَقد تحقّق بولادته إيّاك. وَمثل هَذَا أبلغ من أَن يَقُول لَهُ: أَنْت أَحمَق لأنّ ذَلِك يشْعر بتحقّق ذَلِك فِيهِ أَي: كَانَ مَعْرُوفا من أَبِيك قبل أَن يلدك. فَهَذَا أبلغ من دَعْوَى الْحمق فِيهِ الْآن. وَإِدْرَاك مثل هَذِه الْمعَانِي لَا يكَاد يحصل بالتعبير وَإِنَّمَا هُوَ أمرٌ فِي الْغَالِب يدْرك بالقوّة الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى فِي أهل هَذَا اللِّسَان. كَذَا فيأمالي ابْن الْحَاجِب. وَهَذَا الْبَيْت نسبه أَبُو زيد فِي نوادره إِلَى جبّار بن سلمى بن مَالك قَالَ: وَهُوَ جاهليّ. وَأورد بعده: ...

стр. 1738

(وكأنّ حَيا قبلكُمْ لم يشْربُوا ... فِيهَا بأقلبةٍ أجنّ زعاق) هَذَا الحيّ بِمَعْنى الْقَبِيلَة. وأقلبة جمع قليب بِمَعْنى الْبِئْر قَالَ الرياشيّ: هَذَا يدلّ على تذكير القليب لأنّه قَالَ أقلبة وَالْجمع قلب وَلَكِن جَاءَ بِهِ على رغيف وأرغفه للْجمع الْقَلِيل. انْتهى. وَالْبَاء بِمَعْنى من. وأجنّ فعلٌ مَاض وَالنُّون الْأَخِيرَة فَاعله تعود على أقلبة لما سكن لَهَا لَام الْفِعْل أدمغت فِيهَا يُقَال: أجن المَاء ياجن بِضَم الْجِيم وَكسرهَا. إِذا تغيّر. وَضمير فِيهَا للمنيّة. وَضرب القليب مثلا لَهَا. وَقد يكون القليب الْقَبْر قَالَه ابْن برّيّ فِي شرح أَبْيَات إِيضَاح) الفارسيّ. والزّعاق بِضَم الزَّاي بعْدهَا عين مُهْملَة: المَاء المرّ الغليظ لَا يُطَاق شربه من وحبّار بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الموحّدة وَآخره رَاء مُهْملَة. وَقد أوردهُ الآمديّ فِي المؤتلف والمختلف وَقَالَ: هُوَ جبّار بن سلمى بن مَالك من بني عَامر بن صعصعة. وَأنْشد لَهُ المفضّل فِي المقطّعات: الوافر (وَمَا للعين لَا تبْكي بجيراً ... إِذا افترّت عَن الرّمح اليدان) (وَمَا للعين لَا تبْكي بجيراً ... وَلَو أَنِّي نعيت لَهُ بكاني) وَذكر ثَلَاثَة من الشُّعَرَاء يوافقونه فِي اسْمه أحدهم: جبّار بن مَالك بن حمَار بن شمخ بن فَزَارَة.

стр. 1739

وثانيهم: جبّار بن عَمْرو الطّائي قَاتل عنترة العبسيّ وهما جاهليّان أَيْضا. وثالثهم: جبّار بن جُزْء بن ضرار وَهُوَ ابْن أخي الشّمّاخ وَهَذَا إسلاميٌّ ابْن صحابيّ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الْخَامِس بعد الثلاثمائة) الطَّوِيل (إِلَى الْحول ثمّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولاّ كَامِلا فقد اعتذر) على أنّ لفظ اسْم مقحم عِنْد بعض النُّحَاة. قَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة وَكَذَلِكَ قَالَ فِي بِسم الله وَنحن نحمل الْكَلَام على أنّ فِيهِ محذوفاً. قَالَ أَبُو عليّ: وإنّما هُوَ على حدّ حذف الْمُضَاف أَي: ثمَّ معنى السَّلَام عَلَيْكُمَا وَاسم معنى السَّلَام هُوَ السَّلَام وَكَأَنَّهُ قَالَ: ثمّ السَّلَام عَلَيْكُمَا. فَالْمَعْنى لعمري مَا قَالَه أَبُو عُبَيْدَة لكنّه من غير الطَّرِيق الَّتِي أَتَاهُ هُوَ مِنْهَا أَلا ترَاهُ هُوَ اعْتقد زِيَادَة شَيْء واعتقدنا نَحن نُقْصَان شَيْء. انْتهى. وَقَالَ ابْن السَّيِّد البطليوسيّ فِي تأليف ألّفه فِي الِاسْم: تَقْدِيره ثمّ مسمّى السّلام عَلَيْكُمَا أَي: ثمَّ الشَّيْء المسمّى سَلاما عَلَيْكُمَا فالاسم هُوَ المسمّى

стр. 1740

بِعَيْنِه وهما ينواردان على معنى وَاحِد. وَذهب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى أَن لفظ اسْم هُنَا مقحم. وَعند أبي عليّ فِيهِ مُضَاف مَحْذُوف وَتَقْدِيره وردّ عَلَيْهِ الإِمَام السّهيليّ فِي كِتَابه الْمُعْتَبر فَقَالَ: هَذَا جوابٌ لَا يقوم على سَاق وَلَا يكَاد يفهم لما فِيهِ من الاستغلاق. وَقد تكلّف فِي هَذَا التَّأْلِيف وتعسّف وَمن ألّف فقد استهدف. وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لم يرد الشَّاعِر إِيقَاع التَّسْلِيم عَلَيْهَا لحينه وإنّما أَرَادَهُ بعد الْحول. فَلَو قَالَ: ثمَّ) السّلام عَلَيْكُمَا لَكَانَ مسلّماً فِي وقته الَّذِي نطق بِهِ فِي الْبَيْت فَلَمَّا ذكر الِاسْم الَّذِي هُوَ عبارَة عَن اللَّفْظ أَي: إِنَّمَا لفظ بِالتَّسْلِيمِ بعد الْحول وَذَلِكَ السّلام دعاءٌ فَلَا يتقيّد بِالزَّمَانِ الْمُسْتَقْبل وإنّما هُوَ لحينه فَلَا يُقَال: بعد الْجُمُعَة اللَّهُمَّ ارْحَمْ زيدا وَإِنَّمَا يُقَال: اغْفِر لي بعد الْمَوْت وَبعد ظرف للمغفرة وَالدُّعَاء وَاقع لحينه. فَإِن أردْت أَن تجْعَل الْوَقْت ظرفا للدّعاء صرّحت بِلَفْظ فَقلت: بعد الْجُمُعَة أَدْعُو بِكَذَا وألفظه وَنَحْوه لأنّ الظّروف إنّما تقيّد بهَا الْأَحْدَاث الْوَاقِعَة خَبرا أَو أمرأً أَو نهيا وَأما غَيرهَا من الْمعَانِي كالعقود وَالْقسم والدّعاء وَالتَّمَنِّي والاستفهام فإنّها وَاقعَة لحين النُّطْق بهَا. فَإِذا قَالَ: بعد بعد الْحول وَالله لأخرين فقد انْعَقَد الْيَمين حِين ينْطق بِهِ وَلَا يَنْفَعهُ أَن يَقُول: أردْت أَن لَا أوقع الْيَمين إلاّ بعد الْحول فإنّه لَو أَرَادَ ذَلِك قَالَ: بعد الْحول أَحْلف أَو ألفظ بِالْيَمِينِ. فأمّا الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر فإنّما تقيّدت بالظروف لأنّ الظروف فِي الْحَقِيقَة إنّما يَقع فِيهَا الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ أَو الْمخبر بِهِ دون الْأَمر وَالْخَبَر فإنّهما واقعان لحين النُّطْق بهما فَإِذا قلت: اضْرِب قلو أنّ لبيداً قَالَ: إِلَى الْحول ثمّ

стр. 1741

السّلام عَلَيْكُمَا كَانَ مُسلما لحينه وَقد أَرَادَ إنيّ لَا ألفظ بِالتَّسْلِيمِ والوداع إلاّ بعد الْحول وَلذَا ذكر الِاسْم الَّذِي هُوَ اللَّفْظ ليَكُون بعد الْحول ظرفا. انْتهى كَلَام السُّهيْلي. وَالْمرَاد من قَوْله: ثمّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا الْكِنَايَة عَن الْأَمر بترك مَا كَانَ أَمرهمَا بِهِ وَهُوَ سَلام توديع. وأتى بثمّ لأنّها للتراخي والمهلة. وَقد تعسّف قومٌ لإِخْرَاج الِاسْم عَن الزِّيَادَة بِجعْل السَّلَام اسْم الله تَعَالَى ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ بَعضهم: عَلَيْكُمَا اسْم فعل أَي: الزما اسْم الله واتركا ذكري. وَفِيه أنّ تَقْدِيم اسْم العفل لَا يجوز إلاّ عِنْد الكسائيّ على أنّ الرِّوَايَة رفع اسمٍ لَا نَصبه. وَقَالَ جماعةٌ مِنْهُم شَارِح اللبّ: إنّ الْمَعْنى ثمَّ حفظ الله عَلَيْكُمَا كَمَا يُقَال للشَّيْء المعجب: اسْم الله عَلَيْك تعويذاً لَهُ من السوء. فَفِي ذكر الِاسْم تفخيم وصيانة للمسمّى عَن الذّكر. وَقَالَ الشّلوبين فِي حَاشِيَة المفصّل: أجَاب بَعضهم بأنّ السّلام هُنَا اسمٌ من أَسمَاء الله تَعَالَى والسّلام عبارةٌ من التَّحِيَّة وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ وَلكنه شرّفه بِأَن أَضَافَهُ إِلَى الله تَعَالَى لأنّه أبلغ فِي التَّحِيَّة كَأَنَّهُ يَقُول: لَو وجدت سَلاما أشرف من هَذَا لحيّيتكم بِهِ ولكنّي لَا أَجِدهُ لِأَنَّهُ اسْم السَّلَام. هَذَا كَلَامه. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل: قَوْله ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا أَي: حفظ) الله عَلَيْكُمَا وَالِاسْم مقحم وثمّ تسْتَعْمل فِي معنى التّرْك والإعراض. هَذَا كَلَامه وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الْخبط الظَّاهِر. وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات للبيد بن ربيعَة بن عَامر الصّحابيّ وَقد تقدّمت

стр. 1742

تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة. رُوِيَ أنّه لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لَا بنتيه: (تمنّى ابنتاي أَن يعِيش أَبوهُمَا ... وَهَا أَنا إلاّ من ربيعَة أَو مُضر) (فقوما وقولا بِالَّذِي تعلمانه ... وَلَا تخمشا وَجها وَلَا تحلقا شعر) (وقولا: هُوَ الْمَرْء الَّذِي لَا صديقه ... أضاع وَلَا خَان الْخَلِيل وَلَا غدر) إِلَى الْحول ثمّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا ... ... ... ... الْبَيْت وَبعد وَفَاته كَانَتَا تلبسان ثيابهما فِي كلّ يَوْم وتأتيان مجْلِس جَعْفَر بن كلاب قبيلته فترثيانه وَلَا تعولان فأقامتا على ذَلِك حولا كَامِلا ثمَّ انصرفنا. وَقَوله: تمنّى ابنتاي هُوَ مضارع وَأَصله تتمنّى بتاءين. وَزعم بَعضهم أنّه فعل مَاض وَلَو كَانَ كَمَا زعم لقَالَ تمنت وَلَا مُوجب لحمله على الضَّرُورَة. وَقَوله: وَهل أَنا الخ أَي: جَمِيع آبَائِي من ربيعَة أَو مُضر قد مَاتُوا وَلم يسلم أحدٌ مِنْهُم من وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي أَبْيَات المفصّل مَعْنَاهُ: وَمَا أَنا إلاّ من الْكِرَام الْأَشْرَاف وَمن كَانَ مِنْهُم لَا يعِيش طَويلا لأنّ الْكِرَام قَليلَة الْأَعْمَار وَهَذَا كَلَامه وَلَيْسَ هَذَا معنى الشّعْر ويكذّبه أَن لبيداً من المعمّرين كَمَا تقدم فِي تَرْجَمته. وَقَوله: فقوما الْفَاء فصيحةٌ لأنّ الْمَعْنى إِذا ثَبت أَنِّي ربيعَة أموات كَمَا مَاتُوا فقوما بعد موتِي للعزاء وقولا فِي الرثاء مَا تعلمانه من الصِّفَات الحميدة وابكيا إِن أردتما وَلَا تخمشا بأظافير كَمَا وَلَا تحلقا شعركما. ويقدّر ابكيا لقَوْله وَلَا تخمشا الخ وَذَلِكَ أنّ خَمش الْوَجْه وَحلق الشّعْر لَا يكون إلاّ مَعَ

стр. 1743

الْبكاء والبكاء مُبَاح مَا لم يكن فِيهِ خَمش الْوَجْه وَحلق الشّعْر وَلَطم خدّ. وَقَوله: لَا صديقه مفعول مقدم لقَوْله أضاع ومفعول غذر مَحْذُوف وَهُوَ ضمير الْخَلِيل أَو أنّ غذر منّزل منزلَة اللَّازِم أَي: لم يحصل مِنْهُ غدرٌ لأحد. وَقَوله: إِلَى الْحول متعلّق بقوله: قوما أَي: امتثلا مَا قلت لَكمَا إِلَى الْحول وإنّما قَالَ إِلَى الْحول) لأنّ الزَّمَان ساعاتٌ وأيامٌ وجمعٌ وشهورٌ وسنون والسّنون هِيَ النِّهَايَة فالحول وَالسّنة مدّة هِيَ نِهَايَة الزَّمَان فِي التَّقْسِيم إِلَى أَجْزَائِهِ. وَيُمكن أَن يكون ذَلِك لما رُوِيَ فِي بعض الْآثَار: أَن أَرْوَاح الْمَوْتَى لَا تَنْقَطِع من التردّد إِلَى مَنَازِلهمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى سنة كَامِلَة فكأنّه إنّما أَمرهمَا بِمَا ذكر من الذّكر والدّعاء وَغير ذَلِك ليشاهد ذَلِك مِنْهُمَا وَلذَلِك قَالَ: وَمن يبك جولاً الخ. وَقَالَ بَعضهم: إنّما وقّت بالحول لأنّه مدّة عزاء الْجَاهِلِيَّة وَهَذَا لَا يصحّ هُنَا لِأَنَّهُ قَائِله صحابيّ واعتذر بِمَعْنى أعذر أَي: صَار ذَا عذر كَذَا فِي الصِّحَاح. وَالْخطاب فِي قَوْله: عَلَيْكُمَا لابنتيه كَمَا تقدّم وَمِنْه يعلم غَفلَة بعض شرّاح المفصّل فِي قَوْله: الْمَعْنى بَكَيْت عَلَيْكُمَا أَيهَا الخليلان ثمَّ السَّلَام عَلَيْكُمَا يَعْنِي تركت الْبكاء فإنّ من يبكي حولا فقد مضى حقّ الْخَلِيل. وعجيبٌ من صَاحب الْكَشْف فِي سُورَة الْمُؤمن قَوْله: إنّ لبيداً قَالَ ذَلِك يرثي أَخَاهُ لأمّه وَهُوَ أَرْبَد وَابْن عَمه عَامر بن الطُّفَيْل لما أصابهما مَا أصابهما بدعوة من النَّبِي ﷺ .

стр. 1744

تَتِمَّة رَأَيْت فِي التَّذْكِرَة الحمدونية أنّ الْحسن ابْن الْحسن بن عليّ ﵃ لما مَاتَ قَامَت زَوجته بنت الْحُسَيْن على قَبره سنة ثمَّ رفعت الْفسْطَاط وأنشدت: إِلَى الْحول ثمنّ السّلام عَلَيْكُمَا ... ... ... الْبَيْت فَسمع صوتٌ من جَانب الْقَبْر: أهلٌ وجدوا مَا طلبُوا وَسمع من الْجَانِب الآخر: بل يئسوا فانقلبوا. وَمثل هَذَا مَا رَوَاهُ ان الزّجاجيّ فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى بِسَنَدِهِ عَن إِسْمَاعِيل بن يسَار قَالَ: مَاتَ ابنٌ لأرطاة بن سهيّة المرّيّ فَلَزِمَ قَبره حولا يَأْتِيهِ بِالْغَدَاةِ فيقف عَلَيْهِ فَيَقُول: أَي عَمْرو هَل أَنْت رائحٌ معي إِن أَقمت عنْدك إِلَى العشيّ ثمَّ يَأْتِيهِ بالمساء فَيَقُول مثل ذَلِك فَلَمَّا كَانَ بعد الْحول أنشأ متمثّلاً: الطَّوِيل إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السّلام عَلَيْكُمَا ... ... . . الْبَيْت وَأنْشد بعد هَذَا أبياتاً جيّدة فِي هَذَا الْبَاب رَوَاهَا الزجّاجيّ. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّادِس بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من أَبْيَات المفصّل أَيْضا:

стр. 1745

الطَّوِيل (تداعين باسم الشّيب فِي متثلّم ... جوانبه من بصرة وَسَلام) لما تقدّم قبله: من أنّ اسْما مقحمٌ. قَالَ الشّلوبين فِي حَاشِيَته على المفصّل: ردّ هَذَا بعض الْمُتَأَخِّرين وَقَالَ: لَو كَانَ الْبَيْت على إقحام الِاسْم لقَالَ باسم شيب والشاعر إنّما قَالَ باسم الشّيب بِالْألف وَاللَّام وَلَفْظهمَا غير مَوْجُود فِي صَوت الْإِبِل فإنّما أَرَادَ تداعين بِصَوْت يشبه فِي اللَّفْظ اسْم الشيب أَعنِي جمع أشيب. انْتهى. أَقُول: وجود أل لَا يضرّ فإنّها زيدت فِي الْحِكَايَة لَا أنّها من المحكيّ على أنّ الصّاغانيّ قَالَ فِي الْعباب: الشّيب حِكَايَة أصوات مشافر الْإِبِل عِنْد الشّرْب. وَأورد هَذَا الْبَيْت. وَالنُّون فِي تداعين ضمير القلص أَي: النوق الشوابّ. والْمُتَثَلِّم: بِكَسْر اللَّام المشدّدة وَهُوَ المتهدّم والمتكسّر أَرَادَ الْحَوْض المتثلّم. وَجُمْلَة جوانبه من بصرة صفة المتثلّم. والْبَصْرَة بِفَتْح الْمُوَحدَة: حِجَارَة رخوة فِيهَا بَيَاض وَقيل تضرب إِلَى السوَاد. والسّلام بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ لذِي الرّمّة تقدّم شرح بَعْضهَا مَعَ هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقد وصف إبِلا وارداتٍ على حَوْض متهدّم فشربن المَاء فَيَقُول: دَعَا بعض الْإِبِل بَعْضًا إِلَى الشّرْب بِصَوْت مشافرها عِنْد شرب المَاء من ذَلِك الْحَوْض أَي: إِذا سمع كلٌّ مِنْهَا صَوت

стр. 1746

تجرّع المَاء من الآخر ازْدَادَ رلاغبةً فِي الشّرب فَكَانَ ذَلِك كأنّه دعاءٌ إِلَى الشّرْب. وَأنْشد بعد وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد السَّابِع بعد الثلاثمائة) الْبَسِيط (لاينعش الطّرف إلاّ مَا تخونه ... دَاع يُنَادِيه باسم المَاء مبغوم) على أنّ اسْما مقحم. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي شرح المفصّل: النداء إنّما هُوَ بِاللَّفْظِ فَلَو حمل الِاسْم على اللَّفْظ لختلّ الْمَعْنى. وَالَّذِي يَجْعَل الِاسْم المسمّى فِي قَوْله ثمّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا يَجعله من بَاب ذَات يَوْم ويتأول قَوْله باسم المَاء على أَن المُرَاد بمسمّى هَذَا اللَّفْظ ويجعله دَالا على قَوْلك مَاء وَهُوَ حِكَايَة بغام الظّبية. ويقوّي ذَلِك اسْتِعْمَاله اسْتِعْمَال رجل وَفرس بِإِدْخَال اللامعليه وخفضته وإضافته وَلَوْلَا تَقْدِيره اسْما لذَلِك لم يجرهذا المجرى. انْتهى. قَالَ ابْن جنّي فِي الخصائص: ذهب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى زِيَادَة الِاسْم فِي قَوْله ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا وَفِي قَوْله باسم المَاء مبغوم وَنحن نقُول إِن فِيهِ محذوفاً أَي: اسْم معنى السَّلَام ... إِلَى آخر مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ قبل هَذَا. وَزِيَادَة الِاسْم هُنَا لَا تتّجه لأنّ الدّاعي هُنَا هُوَ الظبية وإنّما دعت وَلَدهَا بقولِهَا: مَاء مَاء فَلَو كَانَ على إقحام الِاسْم لقالت باسم مَاء مَاء وَالْمَاء بِالْألف وَاللَّام لَيْسَ إلاّ المَاء المشروب فَكيف يُرِيد حِكَايَة صَوتهَا ولكنّ الشَّاعِر

стр. 1747

ألغز حَيْثُ أوقع الِاشْتِرَاك بَين لفظ المَاء وصوتها كَأَنَّهُ اللَّفْظ المعبّر بِهِ عَن المَاء المشروب. كَذَا فِي حَاشِيَة المفصّل للشّلوبين. وَهَذَا كلّه مَأْخُوذ من كَلَام أبي عليّ فِي إِيضَاح الشّعْر قَالَ: فَإِن قيل إنّ هَذَا من قبيل غاق يَعْنِي الصَّوْت فَكيف ألحق لَام التَّعْرِيف وَقَالَ آخر: ونادى بهَا ماءٍ إِذا ثار ثورةً على الْقيَاس فَالْقَوْل فِيهِ أَن قَوْله باسم المَاء إِن شِئْت قلت إنّ تَقْدِيره يُنَادِيه بِالْمَاءِ وَالِاسْم دُخُوله وَخُرُوجه سَوَاء كَقَوْلِه: ثمّ ام السَّلَام عَلَيْكُمَا. وإ شِئْت جعلت الِاسْم المسمّى على الإتباع لمصاحبته لَهُ وَكَثْرَة الملابسة. وَإِن شِئْت قلت: إنّ التَّقْدِير يُنَادِيه باسم معنى المَاء فَحذف الْمُضَاف وَاسم معنى المَاء هُوَ المَاء فَيكون التَّقْدِير باسم مَاء وَتَكون أل فِيهِ زَائِدَة لأنّها لم تلْحق هَذَا الْقَبِيل أَلا ترى أنّهم لم يلحقوه غاق وصه وَنَحْوه. انْتهى كَلَامه مُخْتَصرا. وَالْبَيْت من قصيدة لذِي الرّمّة تغزّل فِيهَا بمحبوبته خرقاء ومطلعها:) (أأن توهّمت من خرقاء منزلَة ... مَاء الصبّابة من عَيْنَيْك مسجوم) وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد: (كأنّها أمّ ساجي الطّرف أخذلها ... مستودعٌ خمر الوعساء مرخوم) (كَأَنَّهُ بالضّحى يرْمى الصّعيد بِهِ ... دبّابةٌ فِي عِظَام الرّأس خرطوم) لَا ينعش الطّرف ... ... ... ... ... ... الْبَيْت

стр. 1748

وَقَوله: كَأَنَّهَا أَي: كأنّ خرقاء أمّ غزال ساجٍ طرفه والسّاجي: السَّاكِن للحداثة. وأخذلها أَي: خلّفها عَن قطيعها فأقامت عَلَيْهِ فخذلت هِيَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَهِي خاذل وَهُوَ خاذل. والْمُسْتَوْدع فَاعل أخذلها وَهُوَ اسْم مفعول أَرَادَ بِهِ الغزال يَقُول: استودعته أمّه خمر الوعساء خوفًا عَلَيْهِ. والوعساء: الأَرْض الليّنة لَا يبلغ تربها أَن يكون رملاً. وَيُقَال الوعساء رابيةٌ من رمل. والْخمر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم: الشّجر السَّاتِر. ومرخوم بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: مَحْبُوب يُقَال: ألْقى عَلَيْهِ رخمته وَإِن عَلَيْهِ الرَّحْمَة بِالتَّحْرِيكِ أَي: محبّة. وَقَوله: كأنّه أَي: كأنّ الغزال فِي وَقت الضّحى سَكرَان رَمَاه على الصَّعِيد الْخمر. والصَّعِيد: الأَرْض. والدبّابة: الْخمر وَإِنَّمَا شبّه الغزال فِي ضعفه وَغَلَبَة النعاس عَلَيْهِ وفتور عِظَامه بالسّكران الَّذِي غلبت عَلَيْهِ الْخمر. وَقَوله: لَا ينعش الطّرف الخ فَاعل ينعش ضمير ساجي الطّرف وَهُوَ الغزال والطرف مَفْعُوله ونعش كرفع معنى ووزناً ومضارعهما مقتوح الْعين. وَرُوِيَ أَيْضا: لَا يرفع الطّرف: يصفه بِكَثْرَة النّوم لأنّه يغلب على الطِّفْل لرطوبة مزاجه. يَقُول: لَا يرفع طرفه وَلَا جفن عينه من شدّة نعاسه إلاّ أَن تَأتي إِلَيْهِ أمّه فَيسمع حسّها أَو صَوتهَا فَعِنْدَ ذَلِك ينتعش وَيقوم. والتخوّن: التعهد يُقَال للحمّى: تتخوّن فلَانا أَي: تتعهده وأصل التخوّن التنقصّ وَيُقَال: تخوّنني فلانٌ حقّي إِذا تنقّصك. قَالَ الجوهريّ: يَقُول: الغزال ناعس لَا يرفع طرفه إِلَّا أَن تَجِيء أمّه وَهِي المتعهدة لَهُ وَيُقَال: إلاّ مَا تنقّصه نَومه دُعَاء أمّه لَهُ. وتخوّنه فعل مَاض فَاعله داعٍ المُرَاد بِهِ أمّه. وَأَخْطَأ المظفريّ فِي شرح المفصا حَيْثُ قَالَ: تخوّنه فعل مضارع حذف مِنْهُ التَّاء وداع بدل من الضَّمِير فِي تخوّنه وَهِي الظّبية. انْتهى.

стр. 1749

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أنّه صفة داعٍ بِمَعْنى أنّه يجِيبه وَلَده بِمَاء مَاء أَيْضا. وَقيل هُوَ خير مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: دعاؤه مبغوم فَلم يذكرهُ اكْتِفَاء بِمَا فِي دَاع من الدُّعَاء وَمَعْنَاهُ دُعَاء ذَلِك الدَّاعِي بغامٌ غير مَفْهُوم. وَقيل فَاعل يُنَادِيه. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ تعسّف. ويناديه صفة لداع قدم الْوَصْف الجمليّ على الْوَصْف الْمُفْرد. وَقيل يُنَادِيه حَال من داعٍ وَفِيه نظر لأنّه يلْزم الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف. وَقد تقدّمت تَرْجَمَة ذِي الرّمّة فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي اوائل الْكتاب. وَأنْشد بعده وَهُوَ ٣ - (الشَّاهِد الثَّامِن بعد الثلاثمائة) وَهُوَ من شَوَاهِد المفصّل: الوافر (ذعرت بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذّئب كالرّجل اللّعين) على أَن لفظ مقَام مقحم وَإِلَيْهِ ذهب الزمخشريّ فِي المفصّل

стр. 1750

والبيضاويّ فِي اللبّ قَالَ شَارِحه السَّيِّد عبد الله: وَفِيه نظر لأنّه يُفِيد تَأْكِيد نفي الذِّئْب لأنّه إِذا نفى مَوضِع قِيَامه فقد نَفَاهُ قطعا. وَفِي قَوْله تَعَالَى: وَلمن خَافَ مقَام ربّه رعبٌ لَا يفِيدهُ لَو لم يذكر الْمقَام. انْتهى. وَهَذَا هُوَ أجَاب بِهِ الشَّارِح المحقّق وَإِلَيْهِ ذهب صَاحب الكشّاف فِي حم السَّجْدَة عِنْد قَوْله تَعَالَى: ونأى بجانبه على أنّه يوضع الْجَانِب مَوضِع النَّفس فَإِنَّهُ ينزّل جَانب الشَّيْء ومكانه وجهته منزلَة وجهته منزلَة نَفسه فَيُقَال: حَضْرَة فلَان ومجلسه وكتبت إِلَى جَانِبه وجهته وَالْمرَاد نَفسه وَمِنْه مقَام الذِّئْب وَهُوَ لبذئب نَفسه. وسبقهم إِلَى هَذَا ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي فَإِنَّهُ قَالَ: مقَام الذِّئْب أَرَادَ الذِّئْب نَفسه أَي: وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة عدّتها أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا للشمّاخ بن ضرار وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين بعد الْمِائَة مدح بهَا عرابة بن أَوْس. وَلَيْسَ لذِي الرمة كَمَا زعم الْعَلامَة) الشّيرازيّ فِي سُورَة الرَّحْمَن وَتَبعهُ الْفَاضِل اليمني. وَهَذَا بعد مطْلعهَا: (وماءٍ قد وَردت لوصل أروى ... عَلَيْهِ الطّير كالورق اللّجين) (ذعرت بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذّئب كالرّجل اللّعين)

стр. 1751

إِلَى أَن قَالَ مُخَاطبا لناقته: (إِذا بلّغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بِدَم الوتين) (رَأَيْت عرابة الأوسيّ يسمو ... إِلَى الْخيرَات مُنْقَطع القرين) (أَفَادَ سماحةً وَأفَاد مجداً ... فَلَيْسَ كجامدٍ لحزٍ ضنين) (إِذا مَا ريةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقّاها عرابة بِالْيَمِينِ) (فَنعم المرتجى ركدت إِلَيْهِ ... رحى حيزومها كرحى الطّحين) (إِذا ضربت على العلات حطت ... إِلَيْك حطاط هاديةٍ شنون) (توائل من مصكٍِّ أنصبته ... حوالب أسهريّه بالذّنين) (مَتى ينل القطاة يَرك عَلَيْهَا ... بحنو الرّأس معترض الجبين) (طوت أحشاء مرتجةٍ لوقتٍ ... على مشجٍ سلالته مهين) إِلَى أَن قَالَ: (إِلَيْك بعثت رَاحِلَتي تشكّى ... هزالًا بعد مقحدها السّمين) (إِذا بَركت على شرفٍ وَأَلْقَتْ ... عسيب جِرَانهَا كعصا الهجين) (إِذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئٍ بالرّمل عين) (كأنّ محاز لحييها حصاه ... جنابا جلد أجرب ذِي غُضُون) وَهَذَا الْمِقْدَار نصف القصيدة وإنّما سقناه لِأَن فِيهِ شَوَاهِد. وَقَوله: وَمَاء قد وَردت الخ الْوَاو وَاو ربّ وجوابها قَوْله الْآتِي: ذعرت. وأروى: اسْم الْمَرْأَة. واللّجين بِفَتْح اللَّام وَكسر الْجِيم قَالَ شَارِح

стр. 1752

ديوانه هُنَا: اللجين الَّذِي قد ركب بعضه بَعْضًا فتلجّن كَمَا يتلجّن الخطميّ ويتلزج. وَيُقَال: اللجين: المبلول من الْوَرق وَغَيره تَقول لجنته إِذا بللته. انْتهى. وَقَالَ أَبُو عليّ الفارسيّ فِي الْإِيضَاح الشعريّ: أما الطير فيرتفع بلظرف بِلَا خلاف وَأما قَوْله: كالورق اللّجين فإنّه يحْتَمل ضَرْبَيْنِ:) أَحدهمَا: أَن يكون حَالا من الطير وَالْآخر: أَن يكون وَصفا للْمَاء تَقْدِيره: وَمَاء كالورق اللجين وَمثل قَوْله: وَمَاء كالورق اللجين فِي الْمَعْنى قَول عَلْقَمَة: الطَّوِيل (فأوردته مَاء حَماما كأنّه ... من الأجن حنّاءٌ مَعًا وصبيب) فَكَمَا شبّه خثورة المَاء لتقادم عَهده بالواردة بالحنّاء كَذَلِك شبّه الشمّاخ بالورق اللجين. وَقَوله: عَلَيْهِ الطير على هَذَا قد حذف مِنْهُ الْمُضَاف. وَمثل ذَلِك قَول الهذليّ: المتقارب (تجيل الْحباب بأنفاسها ... وتجلو سبيخ جفال النّسال) السبيخ: مَا نسل من ريش الطير. وَقَالَ الْأَعْشَى: الْخَفِيف (وقليب أجنٍ كأنّ من الرّ ... يش بأرجائه سُقُوط نصال) وَإِن جعلت كالورق اللجين حَالا للطير صَار فِيهِ ضَمِيره وَيكون معنى عَلَيْهِ الطير أنّ الطير اتَّخذت فِيهِ الأوكار لخلائه وَكَثْرَتهَا عَلَيْهِ وَقلة من يردهُ

стр. 1753

فالطير لكثرتها عَلَيْهِ وتكابسها فِيهِ كالورق اللجين. وَمثل ذَلِك فِي الْمَعْنى قَول الرَّاعِي: الوافر (بدلوٍ غير مكربةٍ أَصَابَت ... حَماما فِي جوانبه فطَارَا) كأنّه استقى بسقرةٍ فَلذَلِك لم تكن مكربة وَالطير قد اتَّخذت فِيهِ الأوكار للخلاء. فَقَوله: كالورق اللجين مثل قَوْلك صائداً بِهِ وصائد بِهِ بعد قَوْلك: مَرَرْت بِرَجُل مَعَه صقر. فَجَعَلته مرّة حَالا من الْهَاء فِي مَعَه وَأُخْرَى صفة لرجل. انْتهى. وَقَالَ شرّاح أَبْيَات المفصّل: اللجين: السَّاقِط من ورق الشجرعند الضَّرْب بالعصا. قَالُوا: الْمَعْنى اجْتمعت على ذَلِك الطير شَبيهَة بالورق السَّاقِط من الشّجر فِي اصفراره لأنّه فِي القفر فَلَا يردهُ واردٌ من النَّاس. وَقَوله: ذعرت بِهِ القطا الخ يُرِيد أنّه جَاءَ إِلَى متنكراً. وذعرت: خوّفت ونفرّت. ونفيت: طردت وأبعدت. وَالْبَاء بِمَعْنى فِي وخصّ الذِّئْب والقطا لأنّ القطا أهْدى الطير وَالذِّئْب أهْدى السبَاع وهما السابقان إِلَى المَاء. قَالَ شَارِح الدِّيوَان: أَي: ذعرت القطا بذلك المَاء ونفيت عَن ذَلِك المَاء مقَام الذِّئْب أَي: وَردت المَاء فَوجدت الذِّئْب عَلَيْهِ فنحّيته عَنهُ أَرَادَ مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين المنفيّ المقصى.) انْتهى. فاللعين على هَذَا بِمَعْنى الطّريد وَهُوَ وصف للرجل وَهُوَ مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَالَ: اللعين المطرود وَهُوَ الَّذِي خلعه أَهله لِكَثْرَة جناياته. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم

стр. 1754

فِي شرح أَبْيَات المفصّل: اللعين: المطرود الَّذِي يلعنه كلّ أحد وَلَا يؤويه أَي: هَذَا الذِّئْب خليعٌ لَا مأوى لَهُ كَالرّجلِ اللعين. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: الرجل اللّعين: شَيْء ينصب فِي وسط الزّرع يستطرد بِهِ الوحوش. وانشد هَذَا الْبَيْت. وَقد أغرب أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي بقوله: كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا غدر وأخفر الذِّمَّة جعل لَهُ مثالٌ من طين وَنصب وَقيل: أَلا إنّ فلَانا قد غدر فالعنوه كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الْكَامِل (فلنقتلنّ بخالدٍ سرواتكم ... ولنجعلنّ لظالمٍ تمثالا) فالرجل اللعين هُوَ هَذَا التمثال. هَذَا كَلَامه. فَلْينْظر على هَذَا مَا معنى الْبَيْت. وَكَذَلِكَ فِي قَول أبي عُبَيْدَة خفاءٌ حَيْثُ قَالَ: إنّما يُرِيد مقَام الذِّئْب اللعين كَالرّجلِ نَقله عَنهُ ابْن قُتَيْبَة: فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَأَبُو عليّ: فِي الْمسَائِل البصرية. وَقَوله: إِذا بلغتني وحملت رحلي الْبَيْت قَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: قد أحسن كلّ الْإِحْسَان فِي هَذَا الْبَيْت يَقُول: لست أحتاج إِلَى أَن أرحل

стр. 1755

إِلَى غَيره. وَقد عَابَ بعض الروَاة قَوْله: فاشرقي بِدَم الوتين وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَن ينظر لَهَا مَعَ استغنائه عَنْهَا. وتقدّم نقل مَا اعْترض النَّاس عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَيْت بِسوء مكافأته لناقته فِي الشَّاهِد السِّتين بعد الْمِائَة. وَقَوله: أَفَادَ سماحة الخ قَالَ الجوهريّ: أفدت المَال: أَعْطيته غَيْرِي وأفدته: استفدته. والجامد بِالْجِيم الْيَابِس كِنَايَة عَن الشحّ. واللّحز بِفَتْح اللَّام وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَآخره زاء مُعْجمَة هُوَ الْبَخِيل الضيّق الْخلق والضّنين: الْبَخِيل. وَقَوله: تلقّاها عرابة بِالْيَمِينِ قَالَ شَارِح الدِّيوَان: الْيَمين القوّة قَالَ الله تَعَالَى: لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. وَقَالَ بَعضهم: بِيَمِينِهِ لَا بِشمَالِهِ. وَالْيَمِين عِنْدهم أَحْمد بن الْيُسْرَى. وَقَالَ المبّرد فِي الْكَامِل: قَالَ أَصْحَاب الْمعَانِي: معنلاه بِالْقُوَّةِ. وَقَالُوا مثل ذلم فِي قَوْله تَعَالَى: والسّموات مطويّات بِيَمِينِهِ. قَالَ المبّرد: وَكَانَ هَذَا الشّعْر ارْتِفَاع عرابة بن أَوْس.) وَسبب الشّعْر أنّ عرابة قد من سفر فَجَمعه والشمّاخ الطَّرِيق فتحادثا فَقَالَ لَهُ عرابة: مَا الَّذِي أقدمك الْمَدِينَة قَالَ: قدمت لأمتار مِنْهَا فَمَلَأ لَهُ عرابة رواحله برّاً وَتَمْرًا وأتحفه بِغَيْر ذَلِك فَقَالَ الشّماخ هَذَا الشّعْر.
следующие страницы →