← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لشجاعته وطأمن مقلوب طمأن بِالْهَمْز فيهمَا بِمَعْنى سكن وثقة فَاعله والتقى فعل مَاض وقمر التَّمام فَاعله يُقَال قمر تَمام بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا إِذا تمّ لَيْلَة الْبَدْر وَأما ليل التَّمام فمكسور لَا غير وَهُوَ أطول لَيْلَة فِي السّنة وَقَوله مَا زَالَ مذ عقدت يَدَاهُ إِلَى آخِره هَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ النُّحَاة فِي عدَّة مَوَاضِع مِنْهُم ابْن هِشَام أوردهُ فِي الْمُغنِي شَاهدا لإيلاء الْجُمْلَة الفعلية ل مذ كَمَا يَليهَا الْجُمْلَة الأسمية وَأوردهُ أَيْضا فِي شرح الألفية لقَوْله خَمْسَة الأشبار حَيْثُ جرد الْمُضَاف من أَدَاة التَّعْرِيف وَهُوَ حجَّة على الْكُوفِيّين فِي جوازهم الْجمع بَين تَعْرِيف الْمُضَاف بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة إِلَى الْمعرفَة مستدلين بقول عرب غير فصحاء الثَّلَاثَة الْأَبْوَاب والمسموع تَجْرِيد الأول من أَدَاة التَّعْرِيف كَمَا قَالَ ذُو الرمة أَيْضا (الطَّوِيل) (وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى ... ثَلَاث الأثافي والديار البلاقع) وسما ارْتَفع وشب من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَأدْركَ بِمَعْنى بلغ وَوصل وفاعلهما ضمير يزِيد وَقَوله خَمْسَة الأشبار أَرَادَ طول خَمْسَة أشبار بشبرالرجال وَهِي ثلثا قامة الرجل وينسب إِلَيْهَا فَيُقَال غُلَام خماسي قَالَ ابْن دُرَيْد غُلَام خماسي قد ايفع فِي الصِّحَاح والعباب وَغُلَام رباعي وخماسي أَي طوله أَرْبَعَة أشبار وَخَمْسَة أشبار وَلَا يُقَال سداسي وَلَا سباعي لِأَنَّهُ إِذا بلغ سِتَّة أشبار أَو سَبْعَة أشبار صَار رجلا والغلام إِذا بلغ خَمْسَة أشبار عِنْدهم تخيلوا فِيهِ الْخَيْر وَالشَّر وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعَرَب أَيّمَا غُلَام بلغ خَمْسَة أشبار فاتهمته قتلته هَذَا مَا عِنْدِي وَأما النَّاس فقد اخْتلفُوا فِي تَفْسِيره على أَقْوَال أَحدهَا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَمعنى فَأدْرك خَمْسَة الأشبار ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا لِأَن الفلاسفة زَعَمُوا أَن الْمَوْلُود إِذا ولد

стр. 212

لتَمام مُدَّة الْحمل وَلم تغيره آفَة فِي الرَّحِم فَإِنَّهُ يكون فِي قدة ثَمَانِيَة أشبار من شبر نَفسه وَتَكون سرته بِمَنْزِلَة المركز لَهُ فَيكون مِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقَّه الْأَعْلَى أَرْبَعَة أشبار بشبره وَمِنْهَا إِلَى نِهَايَة شقة الْأَسْفَل أَرْبَعَة أشبار وَمِنْهَا إِلَى أَطْرَاف أَصَابِعه من يَده مَعًا أَرْبَعَة أشبار حَتَّى أَنه لَو رقد على صلبة وَفتح ذراعية وَوضع ضَابِط فِي سرته وأدير لَكَانَ شبه الدائرة قَالُوا فَمَا زَاد على هَذَا أَو نقص فلآفة عرضت لَهُ فِي الرَّحِم فَإنَّك تَجِد من نصفه الْأَعْلَى أطول من نصفه الْأَسْفَل وَمن نصفه الْأَسْفَل أطول من نصفه الْأَعْلَى وَمن يَدَاهُ قصيرتان وَمن يَده الْوَاحِدَة أقصر من الثَّانِيَة فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال ا. هـ. وَقَوله أَولا ارْتَفع وَتجَاوز حد الصِّبَا شرح بِهِ الْمَعْنى المُرَاد وَلَا حَاجَة بعده إِلَى نقل كَلَام الفلاسفة لِأَنَّهُ خَارج عَن الْمقَام بل مُفسد لِأَنَّهُ رتب بعده قَوْله فَإِذا تجَاوز الصَّبِي أَرْبَعَة أشبار فقد أَخذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَهَذَا غير مُتَصَوّر لِأَن الطِّفْل الَّذِي تجَاوز أَرْبَعَة أشبار بشبر نَفسه لَا يحسن عقد إزَاره فضلا عَن الْأَخْذ فِي الترقي إِلَى غَايَة الْكَمَال وَإِنَّمَا الْمَعْنى تجَاوز خَمْسَة أشبار بشبر الرِّجَال وَهِي ثلثا قامة الرجل كَمَا ذكرهَا ثَانِيهَا أَنه أَرَادَ ب خَمْسَة الأشبار السَّيْف قَالَ ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل هَذَا هُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ مُنْتَهى طول السَّيْف فِي الْأَكْثَر كَمَا أَن مُنْتَهى طول الْقوس ثَلَاث أَذْرع وإصبع قَالَ الراجز (الرجز) (أرمى عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع وإصبع) وَإِنَّمَا زَاد إصبعا لاخْتِلَاف أَذْرع النَّاس فِي الطول وَالْقصر وَرُبمَا زادوا شبْرًا كَمَا قَالَ آخر ...

стр. 213

(وَهِي ثَلَاث أَذْرع وشبر) وكما أَن مُنْتَهى طول الْقَنَاة أحد عشر ذِرَاعا قَالَ عتبَة بن مرداس (الطَّوِيل) (وأسمر خطيا كَأَن كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذِرَاعا على الْعشْر) وَقَالَ البحتري أَيْضا (الْبَسِيط) (كالرمح أذرعه عشر وَوَاحِدَة ... فَلَيْسَ يزري بِهِ طول وَلَا قصر) ثَالِثهَا أَنه أَرَادَ عَصا الْخطْبَة وَهَذَا غير مُنَاسِب لما قبله وَلما بعده وَرَابِعهَا أَنه أَرَادَ الخيزرانة الَّتِي كَانَ الْخُلَفَاء يحبسونها بِأَيْدِيهِم وَهَذَا أَيْضا غير مُنَاسِب كَالَّذي قبله على أَن يزِيد لَيْسَ خَليفَة وَلَا من نسل الْخُلَفَاء وَأَرَادَ هَذَا الْقَائِل الْخُلَفَاء الأمويين خَامِسهَا أَنه أَرَادَ خلال الْمجد الْخَمْسَة الْعقل والعفة وَالْعدْل والشجاعة وَالْوَفَاء وَكَانَت عِنْدهم مَعْرُوفَة بِهَذَا الْعدَد كَذَا نقلوه وَلَا يخفى أَنه لَو كَانَ المُرَاد هَذَا لبقي ذكر الأشبار لَغوا سادسها أَنه أَرَادَ بِخَمْسَة الأشبار الْقَبْر لِأَن الْبَيْت من مريثة وَهَذَا بَاطِل لَا أصل لَهُ فَإِنَّهُ من قصيدة فِي مدح يزِيد بن الْمُهلب وَكَانَ حَيا وَاسم زَالَ ضمير يزِيد وخبرها الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ يدني خوافق إِلَخ وَأَرَادَ بالخوافق الرَّايَات وَهُوَ جمع خافقة يُقَال خَفَقت الرَّايَة بِالْفَتْح تخفق بِالْكَسْرِ وَالضَّم خفقا وخفقانا إِذا تحركت واضطربت ومعتبط الْغُبَار بِالْعينِ والطاء الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الْموضع الَّذِي لم يُقَاتل عَلَيْهِ وَلم يثر فِيهِ غُبَار قبل

стр. 214

مَا أثاره هَذَا الممدوح يُقَال أعبطت الأَرْض إِذا حفرت مِنْهَا موضعا لم يحْفر فِيهَا قبل ذَلِك والمثار المهيج المحرك وروى بدله (يدني كتائب من كتائب تلتقي ... فِي ظلّ معترك العجاج مثار) والْكَتَائِب جمع كَتِيبَة وَهُوَ الْجَيْش والمعترك مَوضِع الاعتراك وَهُوَ الْمُحَاربَة وَأَرَادَ ب ظله الْغُبَار الثائر فِي المعركة فَإِنَّهُ إِذا اشْتَدَّ لَا يرى مَعَه ضوء فَيصير كالظل الكثيف ومذ اسْم فَقيل إِنَّهَا ظرف مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل إِلَى زمن مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَقيل مُبْتَدأ فَيجب تَقْدِير زمَان للجملة يكون هُوَ الْخَبَر والإزار مَعْرُوف وَقيل كنى بِعقد الْإِزَار عَن شده لما يحتوى عَلَيْهِ من كساءي الْمجد وَهَذَا يُنَاسب تَفْسِيره خَمْسَة الأشبار بخلال الْمجد الْخَمْسَة وَخَمْسَة الأشبار مفعول أدْرك بِتَقْدِير مُضَاف كَمَا تقدم وَقَالَ الأعلم على مَا نَقله اللَّخْمِيّ فَاعل سما مُضْمر لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير وسما جِسْمه أَو طوله وفاعل أدْرك مُضْمر أَيْضا عَائِد على الْجِسْم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى وَمعنى أدْرك انْتهى وَالْأَفْعَال يحمل بَعْضهَا على بعض إِذا اشتركت فِي الْمَعْنى وَالتَّقْدِير انْتهى طوله أَو جِسْمه خَمْسَة أشبار وَيكون انتصاب خَمْسَة أشبار على أَنه مفعول على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي انْتهى إِلَى خَمْسَة أشبار ا. هـ. أَقُول هَذَا كُله تعسف لَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ وَمثل هَذَا قَول ابْن يسعون فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح وَيجوز نَصبه نصب الظروف بقوله سما أَي فعلا مِقْدَار خَمْسَة الأشبار ا. هـ. فَإِنَّهُ تعسف أَيْضا لِأَنَّهُ يكون الْمدْرك غير مَعْلُوم مَا هُوَ وَبَقِي قَوْله أدْرك غير مُفِيد شَيْئا وَمن فسر الْخَمْسَة بِالسَّيْفِ والعصا والخيزرانة فَهُوَ على حذف مُضَاف أَي فَأدْرك أَخذ خَمْسَة الأشبار لِلْقِتَالِ بِهِ أَو للجس بِالْيَدِ أَو للخطبة وَقَالَ ابْن يسعون بعد جعل الْخَمْسَة مَفْعُولا

стр. 215

لأدرك على تَقْدِير مَعْنَاهَا السَّيْف أَو خلال الْمجد الْخَمْسَة مَا نَصه وَيجوز نصب خَمْسَة نعتا لإزاره أَو بَدَلا مِنْهُ أَو عطف بَيَان هـ فَتَأمل وَأما يزِيد فَهُوَ ابْن الْمُهلب بن أبي صفرَة أحد شجعان الْعَرَب وكرمائهم وشهرته فِي الشجَاعَة وَالْكَرم غنية عَن الْوَصْف كَانَ فِي دولة الأمويين واليا على خُرَاسَان وافتتح جرجان ودهستان وطبرستان وَبعد الْحجَّاج صَار أَمِير العراقين وَأجْمع عُلَمَاء التَّارِيخ على أَنه لم يكن فِي دولة بني أُميَّة أكْرم من بني الْمُهلب كَمَا لم يكن فِي دولة بني الْعَبَّاس أكْرم من البرامكة وَولد يزِيد سنة ثَلَاث وَخمسين من الْهِجْرَة وَتُوفِّي مقتولا يَوْم الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَقد تَرْجمهُ ابْن خلكان وَترْجم وَالِده بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ وستاتي تَرْجَمَة وَالِده فِي رب من حُرُوف الْجَرّ فِي شرح قَوْله (الْكَامِل) (فَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح) والفرزدق هُوَ أَبُو فراس واسْمه همام بن غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال بن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم الْبَصْرِيّ وَهَمَّام بِصِيغَة الْمُبَالغَة من الهمة وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء بعد أَن قَالَ اسْمه همام وَكَانَ للفرزدق إخْوَة مِنْهُم هميم بن غَالب وَبِه سمي الفرزدق والأخطل وَكَانَ أسن مِنْهُ وَأُخْت يُقَال لَهَا جعثن كَانَت امْرَأَة صدق وَكَانَ جرير فِي مهاجاته للفرزدق يذكرهَا بِسوء قَالَ الْيَرْبُوعي وَكذب عَلَيْهَا جرير وَكَانَ يَقُول أسْتَغْفر الله فِيمَا قلت لجعثن قَالَ وَكَانَت إِحْدَى الصَّالِحَات.

стр. 216

والفرزدق قَالَ صَاحب الْعباب قَالَ اللَّيْث الفرزدق الرَّغِيف الَّذِي يسْقط فِي التَّنور وَيَقُولُونَ أَيْضا الفرزدقة قَالَ وَقَالَ بَعضهم هُوَ فتات الْخبز وَقَالَ غَيره الفرزدق الْقطعَة من الْعَجِين وَأَصلهَا بِالْفَارِسِيَّةِ براذده وَقَالَ ابْن فَارس هَذِه كلمة منحوته من كَلِمَتَيْنِ من فرز وَمن دق لِأَنَّهُ دَقِيق عجن ثمَّ أفرزت مِنْهُ قِطْعَة فَهِيَ من الْإِفْرَاز والدقيق ا. هـ. فلقب بِأحد هَذِه الْمعَانِي وَيشْهد للْأولِ مَا رُوِيَ أَنه كَانَ أَصَابَهُ جدري وَبَقِي أَثَره فِي وَجهه ويروى أَن رجلا قَالَ لَهُ يَا أَبَا فراس كَأَن وَجهك أحراح مَجْمُوعَة فَقَالَ تَأمل هَل ترى فِيهَا حر أمك والأحراح جمع حر بِالْكَسْرِ وَحذف لَام الْفِعْل هُوَ فرج الْمَرْأَة وَأخذ الفرزدق هَذَا الْجَواب من كَلَام أبي الْأسود الديلِي فَإِنَّهُ كَمَا فِي الأغاني قَالَ كَانَ طَرِيق أبي الْأسود إِلَى الْمَسْجِد والسوق فِي بني تيم الله بن ثَعْلَبَة وَكَانَ فيهم رجل متفحش يكثر الِاسْتِهْزَاء بِمن يمر بِهِ فَمر بِهِ أَبُو الْأسود يَوْمًا فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لِقَوْمِهِ كَأَن وَجه أبي الْأسود وَجه عَجُوز راحت إِلَى أَهلهَا بِطَلَاق فَضَحِك الْقَوْم وَأعْرض عَنهُ أَبُو الْأسود ثمَّ مر بهم فَقَالَ لَهُم كَأَن غُضُون قفا أبي الْأسود غُضُون الفقاح فَأقبل عَلَيْهِ أَبُو الْأسود فَقَالَ هَل تعرف فقحة أَبِيك فِيهِنَّ فأفحمه وَضحك الْقَوْم مِنْهُ وَقَامُوا إِلَى أبي الْأسود فاعتذروا إِلَيْهِ وَلم يعاوده الرجل بعد ذَلِك وَيحْتَمل أَنه لقب بِالْمَعْنَى الثَّالِث وَبِه صرح ابْن قُتَيْبَة فِي أدب الْكَاتِب فَقَالَ والفرزدق قطع الْعَجِين وَاحِدهَا فرزدقة وَمِنْه سمي الرجل وَهُوَ لقب لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ جهم الْوَجْه وَيحْتَمل أَنه لقب بِالْمَعْنَى الثَّانِي بِأَن شبه غُضُون وَجهه بفتات الْخبز وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَتَبعهُ فِيهَا ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ وَابْن خلف وَغَيرهمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء

стр. 217

إِنَّمَا سمي الفرزدق لغلظة وقصره شبه بالفتيتة الَّتِي تشربها النِّسَاء وَهُوَ الفرزدقة ا. هـ. أَقُول لم أر الفرزدقة بِهَذَا الْمَعْنى فِي اللُّغَة وَلَا الفتيتة بِمَعْنى مَا ذكره على أَن ابْن قُتَيْبَة لم يذكر فِي الطَّبَقَات شَيْئا فِي تلقيبه بالفرزدق ثمَّ رَأَيْت فِي الأغاني فِي تَرْجَمته أَن الفرزدق الرَّغِيف الضخم الَّذِي يجففه النِّسَاء للفتوت وروى أَن الجهم ابْن سُوَيْد بن الْمُنْذر الْجرْمِي قَالَ لَهُ مَا وجدت أمك أسما لَك إِلَّا الفرزدق الَّذِي تكسره النِّسَاء فِي سويقها قَالَ وَالْعرب تسمي خبز الفتوت الفرزدق فَقَالَ لَهُ الفرزدق أَحَق النَّاس بِأَن لَا يتَكَلَّم فِي هَذَا أَنْت لِأَن أسمك اسْم مَتَاع الْمَرْأَة وَاسم أَبِيك اسْم الْحمار وَاسم جدك اسْم الْكَلْب وروى بِسَنَدِهِ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ أخْبرت عَن هِشَام الْعَنزي أَنه قَالَ جمعني والفرزدق مجْلِس فتجاهلت عَلَيْهِ فَقلت من أَنْت قَالَ أما تعرفنِي قلت لَا قَالَ فَأَنا أَبُو فراس قلت وَمن أَبُو فراس قَالَ أَنا الفرزدق قلت وَمن الفرزدق قَالَ أَو مَا تعرف الفرزدق قلت أعرف الفرزدق أَنه شَيْء تتخذه النِّسَاء عندنَا بِالْمَدِينَةِ تتسمن بِهِ وَهُوَ الفتوت فَضَحِك وَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي جعلني فِي بطُون نِسَائِكُم وَقَالَ السَّيِّد المرتضي فِي أمالية والفرزدق لقب وَإِنَّمَا لقب بِهِ لجهامة وَجهه وغلظة لِأَن الفرزدقة هِيَ الْقطعَة الضخمة من الْعَجِين وَقيل إِنَّهَا الخبزة الغليظة الَّتِي يتَّخذ مِنْهَا النِّسَاء الفتوت وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن وهيب الشَّاعِر قَالَ جَلَست بِالْبَصْرَةِ إِلَى جنب عطار فَإِذا أعرابية سَوْدَاء قد جَاءَت فاشترت من الْعَطَّار خلوقا

стр. 218

فَقلت لَهُ تجدها اشترته لابنتها وَمَا ابْنَتهَا أَلا خنفساء فالتفتت إِلَيّ متضاحكة وَقَالَت لَا وَالله إِلَّا مهاة جيداء وَإِن قَامَت فقناة وَإِن قعدت فحصاة وَإِن مشت فقطاة أَسْفَلهَا كثيب وأعلاها قضيب لَا كفتياتكم اللواتب تسمنونهن بالفتوت ثمَّ انصرفت وَهِي تَقول (الرجز) (إِن الفتوت للفتاة مضرطه ... يكربها فِي الْبَطن حَتَّى تثلطه) فَلَا أعلمني ذكرتها إِلَّا أضحكني ذكرهَا وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ وَجَرِير والأخطل النَّصْرَانِي فِي الطَّبَقَة الأولى من الشُّعَرَاء الإسلاميين وَاخْتلف الْعلمَاء بالشعر فِيهِ وَفِي جرير فِي المفاضلة وَكَانَ يُونُس يفضل الفرزدق وَيَقُول لَوْلَا الفرزدق لذهب شعر الْعَرَب وَقَالَ ابْن شبْرمَة الفرزدق أشعر النَّاس وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء لم أر بدويا أَقَامَ فِي الْحَضَر إِلَّا فسد لِسَانه غير رؤبة والفرزدق وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق كتب الْحجَّاج بن يُوسُف إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم يسْأَله عَن أشعر الشُّعَرَاء فِي الْجَاهِلِيَّة وأشعر شعراء وقته فَقَالَ أشعر الْجَاهِلِيَّة امْرُؤ الْقَيْس وأضربهم مثلا طرفَة وَأما شعراء الْوَقْت فالفرزدق أفخرهم وَجَرِير أهجاهم والأخطل أوصفهم وَقد طبق الْمفصل الْأَصْبَهَانِيّ فِي قَوْله حِين سُئِلَ عَنْهُمَا من كَانَ يمِيل إِلَى جودة الشّعْر وفخامته وَشدَّة أسره فليقدم الفرزدق وَمن كَانَ يمِيل

стр. 219

إِلَى أشعار المطبوعين وَالْكَلَام السَّمْح الجزل فليقدم جَرِيرًا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَكَانَ الفرزدق يشبه من شعراء الْجَاهِلِيَّة بزهير وَكَانَ صعصعة جد الفرزدق كَمَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي الطَّبَقَات عَظِيم الْقدر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ اشْترى ثَلَاثِينَ موؤدة ثمَّ أسلم وَصَارَ صحابيا وَأم صعصعة قفيرة بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء وبالتصغير بنت مِسْكين الدَّارمِيّ وَكَانَت أمهَا أمة وَهبهَا كسْرَى لزرارة فَوَهَبَهَا زُرَارَة لهِنْد بنت يثربي فَوَثَبَ أَخُو زَوجهَا وَهُوَ مِسْكين ابْن حَارِثَة بن زيد بن عبد الله بن دارم على الْأمة فأحبلها فَولدت لَهُ قفيرة فَكَانَ جرير يعير الفرزدق بهَا وَكَانَ لصعصعة قيون والقين الْحداد مِنْهُم جُبَير ووقبان وديسم فَلذَلِك جعل جرير مجاشعا قيونا وَكَانَ جرير ينْسب غَالب بن صعصعة إِلَى جُبَير فَقَالَ (المتقارب) (وجدنَا جبيرا أَبَا غَالب ... بعيد الْقَرَابَة من معبد) يَعْنِي معبد بن زُرَارَة وَكَانَ يعيبهم بالخزيرة وَذَلِكَ أَن ركبا من مجاشع مروا بشهاب التغلبي فسالهم أَن ينزلُوا فَحمل إِلَيْهِم خزيرة فَجعلُوا يَأْكُلُون وَهِي تسيل على لحاهم وهم على رواحلهم والخزيرة بِفَتْح الْخَاء وَكسر الزَّاي المعجمتين وبالراء الْمُهْملَة قطع لحم صغَار تُوضَع فِي الْقدر بِمَاء كثير فَإِذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق فَإِن لم يكن فِيهَا لحم فَهِيَ عصيدة وَيُقَال خزير أَيْضا بِدُونِ تَاء تَأْنِيث. وَأما غَالب أَبُو الفرزدق فَإِنَّهُ كَانَ يكنى أَبَا الأخطل واستجير بقبره بكاظمه فاحتملها عَنهُ الفرزدق وَفِي نهج البلاغة وَقَالَ عَليّ ﵁ لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق

стр. 220

فِي كَلَام دَار بَينهمَا مَا فعلت إبلك الْكَثِيرَة قَالَ ذعذعتها الْحُقُوق يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ ﵁ ذَاك أَحْمد سَبِيلهَا قَوْله ذعذعتها بذالين معجمتين وعينين مهملتين بِمَعْنى فرقتها يُقَال ذعذعته فتذعذع وذعذعة السِّرّ إذاعته قَالَ شَارِح نهج البلاغة ابْن أبي الْحَدِيد دخل غَالب بن صعصعة بن نَاجِية بن عقال الْمُجَاشِعِي على أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ أَيَّام خِلَافَته وغالب شيخ كَبِير وَمَعَهُ أبنه همام الفرزدق وَهُوَ غُلَام يَوْمئِذٍ فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵁ من الشَّيْخ قَالَ أَنا غَالب بن صعصعة قَالَ ذُو الْإِبِل الْكَثِيرَة قَالَ نعم قَالَ مَا فعلت إبلك قَالَ ذعذعتها الْحُقُوق وأذهبتها الحمالات والنوائب قَالَ ذَاك أَحْمد سَبِيلهَا من هَذَا الْغُلَام مَعَك قَالَ هَذَا ابْني قَالَ مَا اسْمه قَالَ همام وَقد رويته الشّعْر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَلَام الْعَرَب ويوشك أَن يكون شَاعِرًا مجيدا فَقَالَ أقرئه الْقُرْآن فَهُوَ خير لَهُ فَكَانَ الفرزدق بعد يروي هَذَا الحَدِيث وَيَقُول مَا زَالَت كَلمته فِي نَفسِي حَتَّى قيد نَفسه بِقَيْد وآلى أَلا يفكه حَتَّى يحفظ الْقُرْآن فَمَا فكة حَتَّى حفظه ١. وَقد روى عَنهُ ﵇ أَحَادِيث وَعَن غَيره من الصَّحَابَة وعاش حَتَّى قَارب الْمِائَة وَمَات بعلة الدُّبَيْلَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ النويري فِي تَارِيخه مَاتَ الفرزدق فِي سنة عشر وَمِائَة وَله إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة وَمَات فِيهَا جرير أَيْضا وَقَالَ السَّيِّد المرتضي قدس الله سره فِي أَمَالِيهِ الفرزدق مَعَ

стр. 221

تقدمه فِي الشّعْر وبلوغه فِيهِ إِلَى الذرْوَة الْعليا والغاية القصوى شرِيف الْآبَاء كريم الْبَيْت لَهُ ولآبائه مآثر لَا تدفع ومفاخر لَا تجحد وَكَانَ مائلا إِلَى بني هَاشم وَنزع فِي آخر عمره عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الْقَذْف وَالْفِسْق وراجع طَريقَة الدَّين على أَنه لم يكن فِي خلال فسقه منسلخا من الدَّين جملَة وَلَا مهملا لأَمره أصلا رُوِيَ أَنه تعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَعَاهد الله على ترك الهجاء وَالْقَذْف وَقَالَ (الطَّوِيل) (ألم ترني عَاهَدت رَبِّي وإنني ... لبين رتاج قَائِم ومقام) (على حلفة لَا أشتم الدَّهْر مُسلما ... وَلَا خَارِجا من فِي زور كَلَام) (أطعتك يَا إِبْلِيس تسعين حجَّة ... فَلَمَّا انْقَضى عمري وَتمّ تمامي) (فزعت إِلَى رَبِّي وأيقنت أنني ... ملاق لأيام الحتوف حمامي) وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ (الطَّوِيل) (وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد) على أَنه يُمكن لمح الْوَصْف مَعَ العلمية اي يُمكن أَن يُلَاحظ بعد العلمية الْوَصْف الَّذِي كَانَ قبلهَا وبملاحظته بِوَضْع علما فَإِن مُحَمَّدًا وضع علما لنبينا بملاحظة مَعْنَاهُ فَإِن مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة كَمَا قَالَ صَاحب

стр. 222

الْعباب وَغَيره الَّذِي كثرت خصالة المحمودة كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مدح النُّعْمَان ابْن الْمُنْذر (الطَّوِيل) (إِلَيْك أَبيت اللَّعْن كَانَ كلالها ... إِلَى الْمَاجِد الْفَرْع الْجواد المحمد) وَبعد أَن صَار علما يجوز أَن يلحظ مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ كَمَا لحظه حسان فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ أول أَبْيَات ثَمَانِيَة مدح بهَا نَبينَا مُحَمَّدًا وَالصَّوَاب فِي رِوَايَته شقّ لَهُ من اسْمه بِدُونِ وَاو فَإِنَّهَا للْعَطْف وَلم يتَقَدَّم شَيْء يعْطف عَلَيْهِ لَكِن يبْقى الشّعْر مخروما والخرم جَائِز عِنْدهم وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة عبارَة عَن حذف أول الوتد الْمَجْمُوع فِي أول الْبَيْت وَذَلِكَ نَحْو فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن كَمَا أَن ضمير لَهُ رَاجع إِلَى النَّبِي ومفعوله مَحْذُوف أَي شقّ لَهُ اسْما من اسْمه وَاسم الله تَعَالَى المشقوق مِنْهُ مَحْمُود بِمَعْنى أَن الْحَمد لَا يكون إِلَّا لَهُ وَلَا يَقع إِلَّا عَلَيْهِ فَأَرَادَ ﵎ أَن يُشْرك نبيه فِي اسْم من هَذَا الْوَصْف تَعْظِيم لَهُ فَسَماهُ مُحَمَّدًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه وَقَوله من اسْمه بِهَمْزَة الْوَصْل وَسمعت بَعضهم يقرؤة بِهَمْزَة الْقطع وَهُوَ لحن وَقَوله ليجله روى بدله كي يجله وَبَقِيَّة الأبيات هَذِه (الطَّوِيل) (نَبِي أَتَانَا بعد يأس وفترة ... من الرُّسُل والأوثان فِي الأَرْض تعبد) (فأمسى سِرَاجًا مستنيرا وهاديا ... يلوح كَمَا لَاحَ الصَّقِيل المهند) (وأنذرنا نَارا وَبشر جنَّة ... وَعلمنَا الْإِسْلَام فَالله نحمد) (وَأَنت إِلَه الْعَرْش رَبِّي وخالقي ... بذلك مَا عمرت فِي النَّاس أشهد) (تعاليت رب النَّاس عَن قَول من دَعَا ... سواك إِلَهًا أَنْت أَعلَى وأمجد) ...

стр. 223

(لَك الْخلق والنعماء وَالْأَمر كُله ... فإياك نستهدي وَإِيَّاك نعْبد) (لِأَن ثَوَاب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فِيهَا يخلد) كَذَا فِي ديوانه من رِوَايَة أبي سعيد السكرِي وَرَأَيْت فِي الْمَوَاهِب اللدنية قَالَ مؤلفة ثمَّ إِن فِي اسْمه مُحَمَّد خَصَائِص مِنْهَا أَنه تَعَالَى شقَّه من اسْمه الْمَحْمُود كَمَا قَالَ حسان بن ثَابت (الطَّوِيل) (أغر عَلَيْهِ للنبوة خَاتم ... من الله من نور يلوح وَيشْهد) (وَضم الْإِلَه اسْم النَّبِي إِلَى اسْمه ... إِذا قَالَ فِي الْخمس الْمُؤَذّن اشْهَدْ) (وشق لَهُ من اسْمه ليجله ... فذو الْعَرْش مَحْمُود وَهَذَا مُحَمَّد) وعَلى هَذِه الرِّوَايَة فالواو للْعَطْف وفاعل شقّ ضمير الْإِلَه وَالضَّمِير فِي لَهُ رَاجع للنَّبِي ثمَّ قَالَ صَاحب الْمَوَاهِب وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الصَّغِير من طَرِيق عَليّ بن زيد قَالَ كَانَ أَبُو طَالب يَقُول (وشق لَهُ من اسْمه ليجله الْبَيْت) وَقد سَمَّاهُ الله تَعَالَى بِهَذَا الِاسْم قبل الْخلق بألفي ألف عَام كَمَا ورد من حَدِيث أنس بن مَالك من طَرِيق أبي نعيم فِي مُنَاجَاة مُوسَى وروى ابْن عَسَاكِر عَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ إِن الله أنزل على آدم عصيا بِعَدَد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ ثمَّ أقبل على ابْنه شِيث فَقَالَ أَي بني أَنْت خليفتي من بعدِي فَخذهَا بعمارة التَّقْوَى والعروة الوثقى وَكلما ذكرت الله فاذكر إِلَى جنبه اسْم مُحَمَّد فإنى رَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا على سَاق الْعَرْش وَأَنا بَين الرّوح والطين ثمَّ إِنِّي طفت السَّمَوَات فَلم أر فِي السَّمَوَات موضعا إِلَّا رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهِ وَإِن

стр. 224

رَبِّي أسكنني الْجنَّة فَلم أر فِي الْجنَّة قصرا وَلَا غرفَة إِلَّا اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا عَلَيْهَا وَلَقَد رَأَيْت اسْم مُحَمَّد مَكْتُوبًا على نحور الْحور الْعين وعَلى ورق قصب آجام الْجنَّة وعَلى ورق شَجَرَة طُوبَى وعَلى ورق سدره الْمُنْتَهى وعَلى أَطْرَاف الْحجب وَبَين أعين الْمَلَائِكَة فَأكْثر ذكره فَإِن الْمَلَائِكَة تذكره فِي كل ساعاتها وَلما سَمَّاهُ جده عبد الْمطلب بِمُحَمد قيل لَهُ كَيفَ سميته باسم لَيْسَ لأحد من آبَائِك وقومك فَقَالَ لِأَنِّي أَرْجُو أَن يحمده أهل الأَرْض كلهم وَذَلِكَ لرؤيا كَانَ رَآهَا عبد الْمطلب كَمَا ذكر حَدِيثهَا عَليّ القيرواني العابر فِي كتاب الْبُسْتَان قَالَ كَانَ عبد الْمطلب قد رأى فِي الْمَنَام كَأَن سلسلة من فضَّة خرجت من ظَهره لَهَا طرف فِي السَّمَاء وطرف فِي الْمشرق وطرف فِي الْمغرب ثمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَة على كل ورقة مِنْهَا نور وَإِذا أهل الْمشرق وَالْمغْرب كَأَنَّهُمْ يتعلقون بهَا فَقَصَّهَا فعبرت لَهُ بمولود يكون من صلبه يتبعهُ أهل الْمشرق وَأهل الْمغرب وَيَحْمَدهُ أهل السَّمَاء وَالْأَرْض فَلذَلِك سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حدثته بِهِ أمه آمنهُ حِين قيل لَهَا إِنَّك قد حملت بِسَيِّد هَذِه الْأمة فَإِذا وَضعته فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا قَالَ السُّهيْلي مُحَمَّد مَنْقُول من صفة فِي معنى مَحْمُود وَلَكِن فِيهِ معنى الْمُبَالغَة والتكرار لِأَن المحمد الَّذِي حمد مرّة بعد مرّة كَمَا ان المكرم من أكْرم مرّة بعد مرّة وَكَذَلِكَ الْمَدْح وَنَحْو ذَلِك فاسم مُحَمَّد مُطَابق لمعناه وَالله سُبْحَانَهُ سَمَّاهُ بِهِ قبل أَن يُسمى بِهِ علم من أَعْلَام نبوته ﵇ إِذْ كَانَ اسْمه صَادِقا عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُود فِي الدُّنْيَا بِمَا هدى إِلَيْهِ ونفع بِهِ من الْعلم وَالْحكمَة وَهُوَ مَحْمُود فِي الْآخِرَة بالشفاعة فقد تكَرر معنى الْحَمد ومحمود أَيْضا من أَسْمَائِهِ قَالَ صَاحب الْمَوَاهِب أعلم أَن من أَسمَاء الله تَعَالَى الحميد وَمَعْنَاهُ الْمَحْمُود لِأَنَّهُ تَعَالَى حمد نَفسه وحمده عبَادَة

стр. 225

وَقد سمى الرَّسُول بمحمود وَكَذَا وَقع اسْمه فِي زبور دَاوُد وَقَالَ الشَّامي فِي سيرته وَمن أَسْمَائِهِ الْمَحْمُود وَهُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يحمد لِكَثْرَة خصالة الحميدة قَالَ حسان بن ثَابت ﵁ (الطَّوِيل) (فَأصْبح مَحْمُودًا إِلَى الله رَاجعا ... يبكيه حق المرسلات ويحمد) وَهُوَ من أسمائة تَعَالَى قَالَ حسان أَيْضا (وشق لَهُ من اسْمه ليجله) ا. هـ. وَعَلِيهِ فَهُوَ اسْم مُشْتَرك بَين الله وَبَين نبيه وَلم أر من صرح بِهِ غير الشَّامي وَأما أَحْمد فَهُوَ اسْمه ﵊ ُ الَّذِي سمي بِهِ على لِسَان عِيسَى ومُوسَى قَالَ السُّهيْلي هُوَ مَنْقُول من الصّفة الَّتِي مَعْنَاهَا التَّفْضِيل فَمَعْنَى أَحْمد أَحْمد الحامدين لرَبه وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يفتح عَلَيْهِ فِي الْمقَام الْمَحْمُود محامد لم تفتح على أحد قبله فيحمد بهَا ربه وَلذَلِك يعْقد لَهُ لِوَاء الْحَمد وَقَالَ السخاوي فِي سفر السَّعَادَة أَحْمد هُوَ مَأْخُوذ من الْحَمد كَمَا أَخذ من الْحمرَة أَحْمَر وَمن الصُّفْرَة أصفر وَأحمد أبلغ من مُحَمَّد كَمَا أَن أَحْمَر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر لِأَنَّهُ فِي أَحْمَر وأصفر ألزم وَلَيْسَ أَحْمد بمنقول من الْفِعْل الْمُضَارع وَلَا هُوَ أفعل فَتَقول كأكرم وَمن هَذَا الله أكبر وَحسان هُوَ أَبُو الْوَلِيد بن ثَابت بن الْمُنْذر الْأنْصَارِيّ من بني النجار وَأمه الفريعة بنت خنس من بني الْخَزْرَج والفريعة بِالْفَاءِ وَالْعين الْمُهْملَة مصغر قرعَة بِالتَّحْرِيكِ وَهِي القملة الْكَبِيرَة

стр. 226

قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء وَهُوَ جاهلي إسلامي مُتَقَدم الْإِسْلَام إِلَّا أَنه لم يشْهد مَعَ رَسُول الله مشهدا لِأَنَّهُ كَانَ يرْمى بالجبن لعِلَّة أَصَابَته وَكَانَت لَهُ نَاصِيَة يسدلها بَين عَيْنَيْهِ وَكَانَ يضْرب بِلِسَانِهِ روثه أَنفه من طوله وَيَقُول وَالله لَو وَضعته على شعر لحلقه أَو على صَخْر لفلقة وعاش فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة فَهُوَ من المخضرمين وَمَات فِي زمن مُعَاوِيَة وكف بَصَره فِي آخر عمْرَة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ (الطَّوِيل) (فَتى فَارسي فِي سَرَاوِيل رامح) وصدره (أَتَى دونهَا ذب الرياد كَأَنَّهُ) على أَن سَرَاوِيل غير منصرف عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا هُنَا وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لتميم بن أبي بن مقبل يصف الثور الوحشي وَضمير دونهَا لأنثاه وَدون بِمَعْنى قُدَّام وروى يمشي بهَا ذب الرياد وروى أَيْضا يرود بهَا والذب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُوَحدَة قَالَ فِي الصِّحَاح هُوَ الثور الوحشي وَيُقَال لَهُ ذب الرياد لِأَنَّهُ يرود أَي يذهب وَيَجِيء وَلَا يثبت فِي مَوضِع قَالَ النَّابِغَة الذبياني يصف نَاقَته (الْبَسِيط) (كَأَنَّمَا الرحل مِنْهَا فَوق ذِي جدد ... ذب الرياد إِلَى الأشباح نظار)

стр. 227

وَزَاد فِي الْعباب فَقَالَ وَرجل ذب الرياد إِذا كَانَ زوارا للنِّسَاء قَالَ عبد من عبيد بجيله (الْبَسِيط) (قد كنت فتاح أَبْوَاب مغلقة ... ذب الرياد إِذا مَا خولس النّظر) وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ يُقَال فلَان ذب إِذا كَانَ لَا يسْتَقرّ فِي مَوضِع وَمِنْه قيل للثور الوحشي ذب الرياد وَأنْشد بَيت الشَّاهِد وَقد خَالف أَبُو هِلَال العسكري فِي ديوَان الْمعَانِي فَزعم أَن ذب الرياد اسْم للوعل وَنسب الْبَيْت إِلَى الرَّاعِي فَقَالَ وَقد أحسن الرَّاعِي فِي وصف الوعل ثمَّ قَالَ وذب الرياد علم على الوعل وَالصَّوَاب مَا قدمْنَاهُ فيهمَا شبه الشَّاعِر مَا على قَوَائِم الثور الوحشي من الشّعْر بالسراويل وَهُوَ من لِبَاس الْفرس وَلِهَذَا شبهه بفتى فَارسي وَشبه قرنه بِالرُّمْحِ وَلِهَذَا قَالَ رامح أَي ذُو رمح فَقَوله فَتى خبر كَأَن وفارسي صفة فَتى وَفِي سَرَاوِيل حَال من ضمير فَارسي إِذْ هُوَ بِمَعْنى مَنْسُوب إِلَى الْفرس أَو صفة لفارسي ورامح صفة ثَانِيَة لفتى والسراويل يذكر وَيُؤَنث كَمَا فِي الْعباب وجر بالفتحة لِأَنَّهُ غير منصرف قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق وَاخْتلف فِي تَعْلِيله فَعِنْدَ س وَتَبعهُ أَبُو عَليّ أَنه اسْم أعجمي مُفْرد أعرب كَمَا أعرب الْآجر وَلكنه أشبه من كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف قطعا نَحْو قناديل فَحمل على مَا شابهه فَمنع الصّرْف أَقُول الَّذِي رَأَيْته فِي تذكره أبي على مُخَالفَة س فَإِنَّهُ بعد أَن نقل كَلَام س قَالَ سَرَاوِيل وَإِن كَانَ وَاحِدًا فَهُوَ على مِثَال الْجمع الَّذِي لَا يكون وَاحِد على مِثَاله فَأَنت مَا لم تسم بِهِ فَهُوَ منصرف كآجر الَّذِي لَيْسَ

стр. 228

فِي الْوَاحِد وَلَا غَيره على مِثَاله فَإِذا سميت بِهِ صَار مثل شراحبل ا. هـ. وَكَأن أَبَا عَليّ فهم من قَول س أَنه أعجمي كَمَا أعرب الْآجر أَنه يُرِيد يصرف كَمَا يصرف الْآجر وَلَيْسَ كَذَلِك بل مُرَاده أَنه مُعرب لَا مَبْنِيّ كَمَا أَن الْآجر مُعرب بِدَلِيل قَول س بعده إِلَّا أَن سَرَاوِيل أشبه من كَلَامهم مَا لَا ينْصَرف فِي نكرَة وَلَا معرفَة وأَبُو هِلَال العسكري هُوَ الْحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى ابْن مهْرَان اللّغَوِيّ العسكري وَكَانَ تلميذ أبي أَحْمد الْحسن بن عبد الله العسكري وَافق اسْمه اسْم شَيْخه وَاسم أَبِيه اسْم أَبِيه وَهُوَ عسكري أَيْضا فَرُبمَا اشْتبهَ ذكره بِذكرِهِ إِذا قيل الْحسن بن عبد الله العسكري وَقد ترجمنا أَبَا أَحْمد العسكري فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْعِشْرين قَالَ أَبُو طَاهِر السلَفِي سَأَلت الرئيس أَبَا المظفر الأبيوردي بهمذان عَنهُ فَأثْنى عَلَيْهِ وَوَصفه بِالْعلمِ والعفة مَعًا قَالَ كَانَ يبزز احْتِرَازًا من الطمع والدناءة والتبذل وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الْأَدَب وَالشعر وَله كتاب فِي اللُّغَة سَمَّاهُ التَّلْخِيص وَهُوَ كتاب مُفِيد وَكتاب صناعتي النّظم والنثر وَهُوَ أَيْضا كتاب مُفِيد جدا قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الأدباء وَذكر غَيره أَن أَبَا هِلَال كَانَ ابْن أُخْت أبي أَحْمد وَله من الْكتب بعد مَا ذكره السلَفِي كتاب جمهرة الْأَمْثَال كتاب مَعَاني الْأَدَب كتاب أَعْلَام الْمعَانِي فِي مَعَاني الشّعْر كتاب شرح الحماسة كتاب الْأَوَائِل كتاب الْفرق بَين الْمعَانِي كتاب نَوَادِر

стр. 229

الْوَاحِد وَالْجمع كتاب من احتكم من الْخُلَفَاء إِلَى الْقُضَاة كتاب التَّبْصِرَة وَهُوَ كتاب مُفِيد كتاب الدِّرْهَم وَالدِّينَار كتاب الْعُمْدَة كتاب فضل الْغنى على الْعسر كتاب مَا تلحن فِيهِ الْخَاصَّة كتاب المحاسن فِي تَفْسِير الْقُرْآن خمس مجلدات وَكتاب ديوَان شعره قَالَ ياقوت وَأما وَفَاته فَلم يبلغنِي فِيهَا شَيْء غير أَنِّي وجدت فِي آخر كتاب الْأَوَائِل من تصنيفه وفرغنا من إملاء هَذَا الْكتاب يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر خلت من شعْبَان سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة هَذَا مَا ذكره ياقوت وَله عِنْدِي كتاب الفروق فِي اللُّغَة وَكتاب ديوَان الْمعَانِي وهما دالان على غزارة علمه وَمن شعره (الطَّوِيل) (إِذا كَانَ مَالِي مَال من يلقط الْعَجم ... وحالي فِيكُم حَال من حاك أَو حجم) (فَأَيْنَ انتفاعي بالاصالة والحجا ... وَمَا ربحت كفي على الْعلم وَالْحكم) (وَمن ذَا الَّذِي فِي النَّاس يبصر حالتي ... وَلَا يلعن القرطاس والحبر والقلم) وَله أَيْضا (الطَّوِيل) (جلوسي فِي سوق أبيع وأشتري ... دَلِيل على أَن الْأَنَام قرود) (وَلَا خير فِي قوم يذل كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود) (ويهجوهم عني رثاثة كسوتي ... هجاء قبيحا مَا عَلَيْهِ مزِيد) وَأما تَمِيم صَاحب الشَّاهِد فَهُوَ ابْن أبي بن مقبل وَأبي بِالتَّصْغِيرِ وَتَشْديد الْيَاء ابْن عَوْف بن حنيف بن قُتَيْبَة بن العجلان بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة شَاعِر مخضرم أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ يبكي أهل الْجَاهِلِيَّة وَبلغ مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَ يهاجي النَّجَاشِيّ الشَّاعِر

стр. 230

فهجاه النَّجَاشِيّ فاستعدى عَلَيْهِ عمر ﵁ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هجاني فَقَالَ عمر يَا نجاشي مَا قلت قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت مَا لَا أرى فِيهِ عَلَيْهِ بَأْسا وأنشده (الطَّوِيل) (إِذا الله جازى أهل لؤم بذلة ... فجازى بني العجلان رَهْط ابْن مقبل) فَقَالَ عمر إِن كَانَ مَظْلُوما اسْتُجِيبَ لَهُ وَإِن لم يكن مَظْلُوما لم يستجب لَهُ. قَالُوا وَقد قَالَ أَيْضا (الطَّوِيل) (قبيلته لَا يغدرون بِذِمَّة ... وَلَا يظْلمُونَ النَّاس حَبَّة خَرْدَل) فَقَالَ عمر لَيْت آل الْخطاب كَذَلِك قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ (وَلَا يردون المَاء إِلَّا عَشِيَّة ... إِذا صدر الوراد عَن كل منهل) فَقَالَ عمر ذَلِك أقل للزحام قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ (تعاف الْكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كَعْب بن عَوْف ونهشل) فَقَالَ عمر يَكْفِي ضيَاعًا من تَأْكُل الْكلاب لَحْمه قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ (وَمَا سمي العجلان إِلَّا لقَولهم ... خُذ الْقَعْب وأحلب أَيهَا العَبْد واعجل)

стр. 231

فَقَالَ عمر كلتا عبد وَخير الْقَوْم خادمهم قَالَ تَمِيم فسله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن قَوْله (أُولَئِكَ إخْوَان اللعين وأسرة الهجين ... ورهط الواهن المتذلل) فَقَالَ عمر أما هَذَا فَلَا أعذرك عَلَيْهِ فحبسه وَقيل جلده قَالَ صَاحب زهر الْآدَاب كَانَ بَنو العجلان يفخرون بِهَذَا الِاسْم إِذْ كَانَ عبد الله بن كَعْب جدهم إِنَّمَا سمي العجلان لتعجيله الْقرى للضيفان وَذَلِكَ أَن حَيا من طَيئ نزلُوا بِهِ فَبعث إِلَيْهِم بقراهم عبدأ لَهُ وَقَالَ لَهُ أعجل عَلَيْهِم فَفعل العَبْد فَأعْتقهُ لعجلته فَقَالَ الْقَوْم مَا يَنْبَغِي أَن يُسمى إِلَّا العجلان فَسُمي بذلك فَكَانَ شرفا لَهُم حَتَّى قَالَ النَّجَاشِيّ هَذَا الشّعْر فَصَارَ الرجل إِذا سُئِلَ عَن نسبه قَالَ كعبي ويرغب عَن العجلان قَالَ وَزَعَمت الروَاة أَن بني العجلان اسْتَعدوا على النَّجَاشِيّ وَذكر هَذِه الْحِكَايَة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ (المتقارب) (عَلَيْهِ من اللؤم سروالة ... فَلَيْسَ يرق لمستعطف) على أَن السَّرَاوِيل عِنْد الْمبرد عَرَبِيّ وَهُوَ جمع سروالة والسروالة قِطْعَة خرقَة أَقُول هَذَا الْبَيْت قيل مَصْنُوع وَقيل قائلة مَجْهُول وَالَّذِي أثْبته قَالَ إِن سروالة وَاحِدَة السَّرَاوِيل وَكَيف تكون سروالة بِمَعْنى قِطْعَة خرقَة

стр. 232

مَعَ الحكم بِأَنَّهَا وَاحِدَة السَّرَاوِيل هَذَا لَا يكون وَقَالَ السيرافي سروالة لُغَة فِي السَّرَاوِيل إِذْ لَيْسَ مُرَاد الشَّاعِر عَلَيْهِ من اللؤم قِطْعَة من جُزْء السَّرَاوِيل وسروالة فِي الْبَيْت مُبْتَدأ مُؤخر وَعَلِيهِ خبر مقدم وَقَوله من اللؤم كَانَ فِي الأَصْل صفة لسروالة فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ هَذَا هُوَ الْمُقَرّر وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَمن اللؤم صفة لسروالة فَيكون محلهَا الرّفْع وَهَذَا خطأ واللؤم بِالْهَمْز شح النَّفس ودناءة الْآبَاء وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ (الرجز) (جَاءَ الشتَاء وقميصي أَخْلَاق ... شراذم يعجب مِنْهُ التواق) على أَن شراذم لَفْظَة جمع بالِاتِّفَاقِ \ أَقُول نسب أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات هَذَا الْبَيْت إِلَى بعض الْأَعْرَاب وَقَالَ الْأَخْلَاق والأرمام والأرماث لَا تكون إِلَّا فِي الخلقان وَقَالَ إِنَّمَا نعت الْوَاحِد بِالْجمعِ لكثرته فِيهِ كَمَا قَالُوا برمة أعشار إِذا انْكَسَرت اريد أَن كسرهَا كثير وَفِي الْعباب وَقد خلق الثَّوْب بِالضَّمِّ خلوقة أَي بلي وثوب أَخْلَاق إِذا كَانَت الخلوقة فِيهِ كُله كَمَا قَالُوا برمة أعشار وَأَرْض سباسب وَفِي الزَّاهِر لِابْنِ الْأَنْبَارِي وَقَالَ الْفراء من الْعَرَب من يَقُول قَمِيص أَخْلَاق وجبة أَخْلَاق فيصف الْوَاحِد بِالْجمعِ لِأَن الخلوقة فِي الثَّوْب تتسع فيسمى كل مَوضِع مِنْهَا خلقا ثمَّ يجمع على هَذَا الْمَعْنى وَمن قَالَ جُبَّة خلق قَالُوا

стр. 233

فِي التَّثْنِيَة جبتان خلقان وَفِي الْجمع جباب أَخْلَاق والشراذم بالشين والذال المعجمتين جمع شرذمة بِكَسْر الأول وَالثَّالِث قَالَ فِي الصِّحَاح الشرذمة الطَّائِفَة من النَّاس والقطعة من الشَّيْء وثوب شراذم أَي قطع والتواق بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَتَشْديد الْوَاو اسْم ابْن الشَّاعِر قَالَه الْفراء وَغَيره وَأَصله مُبَالغَة تائق من تاقت نَفسه إِلَى الشَّيْء بِمَعْنى اشتاقت قَالَ الشَّاعِر (الرجز) (الْمَرْء تواق إِلَى مَا لم ينل) وَقَالَ صَاحب الْعباب وروى النواق بالنُّون وَقَالَ فِي نُوق والنواق من الرِّجَال الَّذِي يرود الْأُمُور ويصلحها وعَلى هَذَا فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ أَيْضا الرفاء وَنَحْوه وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الطَّوِيل) (وَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته ... وَلَكِن عبد الله مولى مواليا) على أَن بعض الْعَرَب يجر نَحْو جوَار بالفتحة فَيَقُول مَرَرْت بِجوَارِي كَمَا قَالَ الفرزدق مولى موَالِي بِإِضَافَة موَالِي إِلَى مولى وَالْألف للإطلاق وَجُمْهُور الْعَرَب يَقُول مَرَرْت بجوار وَمولى موَالٍ بِحَذْف الْيَاء والتنوين فِي الْجَرّ وَالرَّفْع وَأما فِي النصب عِنْدهمَا فَلَا تحذف الْيَاء بل تظهر الفتحة

стр. 234

عَلَيْهَا نَحْو رَأَيْت جواري وَالْمرَاد بجوار مَا كَانَ جمعا على هَذَا الْوَزْن معتل اللَّام وَهَذَا خلاف مَا قَالَه س قَالَ الأعلم فِي شرح أبياته الشَّاهِد فِي إجرائة موَالِي على الأَصْل ضَرُورَة وَكَانَ الْوَجْه موَالٍ كجوار وَنَحْوه من الْجمع المنقوص فاضطر إِلَى الْإِتْمَام والإجراء على الأَصْل كَرَاهَة للزحاف ا. هـ. وَكَذَا قَالَ صَاحب الصِّحَاح قَالَ وَإِنَّمَا قَالَ مواليا لِأَنَّهُ رده إِلَى أَصله للضَّرُورَة وَإِنَّمَا لم ينون لِأَنَّهُ جعله بِمَنْزِلَة غير المعتل الَّذِي لَا ينْصَرف وَصَاحب اللّبَاب وَغَيره جعله قولا للنحويين لَا لُغَة لبَعض الْعَرَب وَقَالَ وَنَحْو جوَار حكمه حكم قَاض رفعا وجرا على الأعرف وَحكم ضوارب نصبا وَقيل نصبا وجرا وَبِهَذَا سقط اعْتِرَاض ابْن ابي إِسْحَاق على الفرزدق فِي قَوْله (وَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت) وَالْمولى الحليف هُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ مولى الْمُوَالَاة والحليف الْمعَاهد يُقَال مِنْهُ تحَالفا إِذا تعاهدا وتعاقدا على أَن يكون أَمرهمَا وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية وَبَينهمَا حلف وحلفة بِالْكَسْرِ فيهمَا اي عهد وَالرجل إِذا كَانَ ذليلا يوالي قَبيلَة وينضم إِلَيْهَا ليعتز بهم وَإِذا والى مولى كَانَ أذلّ ذليل وَكَذَلِكَ الْقَبِيلَة توالي وَأَرَادَ بِالْمَوَالِي الحضرميين وَكَانُوا موَالِي بني عبد شمس ابْن عبد منَاف يَقُول لَو كَانَ عبد الله ذليلا لهجوته وَلكنه أذلّ من الذَّلِيل لِأَنَّهُ حَلِيف الحضرميين وهم حلفاء بني عبد شمس وَهَذَا مُبَالغَة فِي الهجو والحضرمي مَنْسُوب إِلَى حَضرمَوْت وحضرموت بلد وقبيلة وَالصَّوَاب فِي رِوَايَة الْبَيْت ...

стр. 235

(لَو كَانَ عبد الله مولى هجوته) بِحَذْف الْوَاو وَجعل الْبَيْت مخروما فَإِنَّهُ بَيت وَاحِد وَلم يتقدمه شَيْء حَتَّى تكون الْوَاو عاطفة وَعبد الله هُوَ عبد الله بن أبي إِسْحَاق الزيَادي الْحَضْرَمِيّ قَالَ الواحدي فِي كتاب الأغراب فِي علم الْإِعْرَاب كَانَ عبد الله من تلامذة عَنْبَسَة بن معدان وَهُوَ من تلامذة أبي الْأسود الدؤَلِي وَاضع النَّحْو وَلَيْسَ فِي أَصْحَاب عَنْبَسَة مثل عبد الله واسْمه مَيْمُون الأقرن وَهُوَ الَّذِي كَانَ يرد على الفرزدق قَوْله (الطَّوِيل) (وعض زمَان يَا ابْن مَرْوَان لم يجع ... من المَال إِلَّا مسحتا أَو مجلف) فهجاه الفرزدق بقوله (فَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت) وَكَانَ يُقَال عبد الله أعلم أهل الْبَصْرَة وأعقلهم وَفرع النَّحْو وقاسه وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء قد أَخذ عَنهُ النَّحْو وَمن أَصْحَاب عبد الله الَّذين أخذُوا عَنهُ النَّحْو عِيسَى بن عمر الثَّقَفِيّ وَيُونُس بن حبيب وَأَبُو الْخطاب الْأَخْفَش ا. هـ. وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْملك بن السراج الْمَعْرُوف بالتاريخي فِي تَارِيخ النُّحَاة وَتُوفِّي عبد الله هَذَا سنة سبع عشرَة وَمِائَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ بِلَال بن أبي بردة

стр. 236

وَاعْلَم أَنهم قد ذكرُوا فِي سَبَب هجو الفرزدق لعبد الله أَن عبد الله لحنه فِي قَوْله إِلَّا مسحتا أَو مجلف فَإِنَّهُ عطف الْمَرْفُوع على الْمَنْصُوب كَمَا نَقله الواحدي وَغَيره وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرح هَذَا الْبَيْت مُسْتَوفى فِي بَاب الْعَطف فَلَمَّا بلغ الفرزدق تلحين عبد الله إِيَّاه هجاه بِهَذَا الْبَيْت فَلَمَّا بلغ هجو الفرزدق لعبد الله قَالَ قُولُوا للفرزدق لحنت فِي هَذَا الْبَيْت أَيْضا حَيْثُ حركت موَالِي فِي الْخَفْض هَكَذَا رووا هَذِه الْحِكَايَة وَالَّذِي رَأَيْته فِي تَارِيخ النُّحَاة للتاريخي الْمَذْكُور آنِفا قَالَ حَدثنِي ابْن الْفَهم عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا يُونُس أَن ابْن أبي إِسْحَاق قَالَ للفرزدق فِي مديحة يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان (مستقلين شمال الشَّام تضربنا ... على زواحف تزجى مخها رير) فَقَالَ لَهُ ابْن أبي إِسْحَاق أَسَأْت موضعهَا رفع وَإِن رفعت أقويت وألح النَّاس على الفرزدق فِي ذَلِك فقلبها فَقَالَ (على زواحف نزجيها محاسير) ثمَّ ترك الروَاة هَذَا وَرَجَعُوا إِلَى القَوْل الأول قَالَ يُونُس وَهَذَا جيد فَلَمَّا أَكثر ابْن أبي إِسْحَاق على الفرزدق هجاه فَقَالَ (لَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت) وَقد حكى مثل حِكَايَة التاريخي أَبُو الْقَاسِم على بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ اللّغَوِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة قَالَ وَقد حكى أَبُو أَحْمد عبد الْعَزِيز بن يحيى الجلودي فِي إِسْنَاد ذكره فِي أَخْبَار الفرزدق أَن عبد الله بن أبي إِسْحَاق النَّحْوِيّ قَالَ إِن الفرزدق لحن فِي قَوْله ...

стр. 237

(على زواحف تزجى مخها رير) وَإِن ذَلِك بلغ الفرزدق فَقَالَ أما وجد هَذَا المنتفخ الخصيين لبيتي مخرجا فِي الْعَرَبيَّة أما إِنِّي لَو أَشَاء لَقلت (على زواحف نزجيها محاسير) ولكنني وَالله لَا أقوله ثمَّ قَالَ (فَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته الْبَيْت) فَبلغ ذَلِك عبد الله فَقَالَ عذره شَرّ من ذَنبه والخفض فِي رير جيد وَتَقْدِيره على زواحف رير مخها تزجى ا. هـ. كَلَامه وَهَذَا الْبَيْت مركب من بَيْتَيْنِ وهما (الْبَسِيط) (مُسْتَقْبلين شمال الشَّام تضربنا ... بحاصب كنديف الْقطن منثور) (على عمائمنا يلقى وأرحلنا ... على زواحف نزجيها محاسير) والشمَال هِيَ الرّيح الْمَعْرُوفَة وَهِي مفعولة وَجُمْلَة تضربنا حَال مِنْهَا والحاصب بمهملتين الرّيح الَّتِي تثير الْحَصْبَاء والزواحف جمع زاحفة بالزاي الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة وَهِي الْإِبِل الَّتِي أعيت فجرت فراسنها يُقَال زحف الْبَعِير إِذا أعيا فجر فرسنة أَي خفَّة ونزجيها نسوقها والإزجاء السُّوق ومحاسير جمع محسور من حسرت الْبَعِير حسرا إِذا أتعبته فَهُوَ حسير أَيْضا وَيُقَال أحسرته بِالْألف أَيْضا وَيكون لَازِما أَيْضا يُقَال حسر الْبَعِير يحسر حسورا إِذا أعيا والرير على مَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى هُوَ بإهمال الراءين قَالَ الْفراء مخ رير بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا ورار أَيْضا أَي فَاسد ذائب من الهزال

стр. 238

وَمن الْأَمْثَال أسمح من مخة الرير قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَمْثَاله الرير والرار المخ الَّذِي قد ذاب فِي الْعظم حَتَّى كَأَنَّهُ مَاء وسماحه ذوبه وجريانه وترجمة الفرزدق ذكرت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ (تَتِمَّة) قد تكلم ابْن جني فِي شرح تصريف أبي عُثْمَان الْمَازِني الْمُسَمّى بالتصريف الملوكي بتفصيل جيد فِي الْكَلَام على تَنْوِين جوَار أَحْبَبْت أَن أذكرهُ هُنَا قَالَ فَأَما جوَار وغواش وَنَحْوهمَا فللسائل أَن يَقُول لم صرف هَذَا الْوَزْن وَبعد أَلفه حرفان وَقد قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي هَذَا مَا أذكرهُ لَك وَهُوَ انه ذهب إِلَى أَن التَّنْوِين إِنَّمَا دخل فِي هَذَا الْوَزْن لِأَنَّهُ عوض من ذهَاب حَرَكَة الْيَاء فَلَمَّا جَاءَ التَّنْوِين وَهُوَ سَاكن وَالْيَاء قبله ساكنه التقى ساكنان فحذفت الْيَاء فَقيل هَؤُلَاءِ جوَار قيل هَذَا قَاض ومررت بقاض يُرِيد أَن أَصله هَؤُلَاءِ جواري ثمَّ أسكنت الْيَاء استثقالا للضمة عَلَيْهَا فَبَقيت جواري ثمَّ عوض من الْحَرَكَة التَّنْوِين فَالتقى ساكنان فَوَجَبَ حذف الْيَاء إِلَّا ترى أَن الْحَرَكَة لما ثبتَتْ فِي مَوضِع النصب فِي قَوْلك رايت جواري لم يُؤْت بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَجِيء عوضا من الْحَرَكَة فَإِذا كَانَت الْحَرَكَة ثَابِتَة لم يلْزم أَن يعوض مِنْهَا شَيْء وَأنكر أَبُو عَليّ هَذَا القَوْل على أبي إِسْحَاق وَقَالَ لَيْسَ

стр. 239

التَّنْوِين عوضا من حَرَكَة الْيَاء وَقَالَ لِأَنَّهُ لوكان كَذَلِك لوَجَبَ أَن يعوض التَّنْوِين من حَرَكَة الْيَاء فِي يَرْمِي أَلا ترى أَن أَصله يَرْمِي بِوَزْن يضْرب فَكَمَا لم نرهم عوضوا من حَرَكَة هَذِه الْيَاء كَذَلِك لَا يجوز أَن يكون التَّنْوِين فِي جوَار عوضا من ذهَاب حَرَكَة الْيَاء فَإِن انتصر منتصر لأبي إِسْحَاق فَقَالَ إِلْزَام أبي عَليّ إِيَّاه لَا يلْزمه لِأَن لَهُ أَن يَقُول إِن جوَار وَنَحْوه اسْم والتنوين بَابه الْأَسْمَاء ويرمى فعل والتنوين لَا مدْخل لَهُ فِيهِ فَلذَلِك لم يلْزم أَن يعوض من حركته قيل لَهُ وَمِثَال مفاعل أَيْضا لَا يدْخلهُ التَّنْوِين فَإِن قَالَ مفاعل اسْم والأسم مِمَّا يَصح فِيهِ التَّنْوِين قيل لَهُ لَو كَانَ الْأَمر كَذَلِك لوَجَبَ ان يعوض من حَرَكَة الْألف فِي حُبْلَى وَنَحْوهَا تنوينا فَإِن قَالَ لَو عوض لدخل التَّنْوِين مَا لَا ينْصَرف على وَجه من الْوُجُوه قيل وَكَذَلِكَ مِثَال مفاعل لَا ينْصَرف معرفَة وَلَا نكرَة فَإِن قَالَ مفاعل قد ينْصَرف فِي بعض الْمَوَاضِع فِي ضَرُورَة الشّعْر وحبلى وبابها لم يصرف قطّ لضَرُورَة قيل إِنَّمَا لم يصرفوا حُبْلَى للضَّرُورَة لِأَن التَّنْوِين كَانَ يذهب الْألف من اللَّفْظ فَيحصل على سَاكن هُوَ التَّنْوِين وَقد كَانَت الْألف قبله سَاكِنة فَلَا يزدادون أَكثر مِمَّا كَانَ قبل الصّرْف فتركوا الصّرْف فِي نَحْو حُبْلَى لذَلِك أَلا ترى أَنهم يصرفون نَحْو حَمْرَاء فَيَقُولُونَ مَرَرْت بِحَمْرَاء للضَّرُورَة لأَنهم قد أزدادوا حرفا يقوم بِهِ وزن الْبَيْت وهمزة حَمْرَاء كألف سكرى وحبلى وَالْقَوْل فِي هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه من أَن الْيَاء حذفت حذفا لَا لالتقاء الساكنين فَلَمَّا حذفت إلياء صَار فِي التَّقْدِير جوَار بِوَزْن جنَاح فَلَمَّا نقص عَن وزن فواعل دخله التَّنْوِين كَمَا يدْخل جنَاحا فَدلَّ على أَن التَّنْوِين إِنَّمَا دخله لما نقص عَن وزن ضوارب وَلذَا إِذا تمّ الْوَزْن فِي النصب وَظَهَرت الْيَاء امْتنع التَّنْوِين أَن يدْخل

стр. 240

لِأَنَّهُ قد تمّ فِي وزن ضوارب فالتنوين على هَذَا معاقب للياء لَا للحركة إِذْ لَو كَانَ معاقبا للحركة لوَجَبَ ان يدْخل فِي يَرْمِي لِأَن الْحَرَكَة قد حذفت من الْيَاء فِي مَوضِع الرّفْع وَشَيْء آخر يدل عِنْدِي على أَن التَّنْوِين لَيْسَ بَدَلا من الْحَرَكَة وَذَلِكَ أَن الْيَاء فِي جوَار قد عَاقَبت الْحَرَكَة فِي الرّفْع والجر فِي الْغَالِب وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد صَارَت الْيَاء لمعاقبتها الْحَرَكَة تجْرِي مجْراهَا فَكَمَا لَا يجوز أَن يعوض من الْحَرَكَة وَهِي ثَابِتَة كَذَلِك لَا يجوز أَن يعوض مِنْهَا وَفِي الْكَلِمَة مَا هُوَ معاقب لَهَا وجار مجْراهَا وَقد دللت فِي هَذَا الْكتاب على أَن الْحَرَكَة قد تعاقب الْحَرْف وَتقوم مقَامه فِي كثير من كَلَام الْعَرَب فَإِن قَالَ قَائِل فَلم ذهب الْخَلِيل وسيبويه إِلَى أَن الْيَاء قد حذفت حذفا حَتَّى أَنه لما نقص وزن الْكَلِمَة عَن بِنَاء فواعل دَخلهَا التَّنْوِين قيل لِأَن الْيَاء قد حذفت فِي مَوَاضِع لَا تبلغ أَن تكون فِي الثّقل مثل هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الْكَبِير المتعال﴾ وَيَوْم يدع الداع) وَيَوْم التناد) وَقَالَ الشَّاعِر (الْكَامِل) (وأخو الغوان مَتى يشب يصرمنه) وَقَالَ آخر (الوافر) (دوامي الأيد يخبطن السريحا)

стр. 241

فَاكْتفى فِي جَمِيع هَذَا بالكسرة من الْيَاء وَهُوَ كثير جدا فَلَمَّا كَانَ الِاكْتِفَاء بالكسرة جَائِزا مستحسنا فِي هَذِه الْأَسْمَاء الْآحَاد والآحاد أخف من الجموع كَانَ بَاب جوَار جَدِيرًا بِأَن يلْزم الْحَذف لثقله أَلا ترى أَنه جمع وَهُوَ مَعَ ذَلِك الْجمع الْأَكْبَر الَّذِي تَنْتَهِي إِلَيْهِ الجموع فَلَمَّا اجْتمع فِيهِ ذَلِك وَكَانُوا قد حذفوا الْيَاء مِمَّا هُوَ أخف مِنْهُ ألزموه الْحَذف الْبَتَّةَ حَتَّى لم يجز غَيره وَقد حذفت الْيَاء من الْفِعْل أَيْضا فِي مَوضِع الرّفْع حذفا كالمطرد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا كُنَّا نبغ﴾ ﴿وَاللَّيْل إِذا يسر﴾ وَهُوَ كثير فَهَذَا يدلك على اطراد حذف الْيَاء فَإِن قَالَ قَائِل الْفِعْل أثقل من الِاسْم فَكيف ألزم بَاب جوَار الْحَذف وَلم يلزموه الْفِعْل قيل لَهُ لم يلْزم فِي الْفِعْل لِأَن الْيَاء قد تحذف للجزم حذفا مطردا فَلَو ألزموها الْحَذف فِي مَوضِع الرّفْع أَيْضا لالتبس الرّفْع بِالْجَزْمِ وأجازوا الْحَذف فِي بعض الْمَوَاضِع اسْتِخْفَافًا فَإِن قيل هلا فصلت بَين الرّفْع والجر أَيْضا فِي جوَار كَمَا فصلت بَين الرّفْع والجزم قيل لَهُ الضمة والكسرة وَإِن اختلفتا فِي الصُّورَة فقد أتفقتا فِي أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا حَرَكَة وأنهما كلتيهما مستثقلتان فِي الْيَاء فَكَذَلِك لم يفصلوا بَينهمَا فِي بَاب جوَار واعتمدوا على مَا يصحب الْكَلَام من أَوله إِلَى آخِره وَلَيْسَ كَذَلِك فِي الرّفْع والجزم لِأَنَّهُمَا لم يتَّفقَا فِي حَال كَمَا اتّفقت الضمة وَالْكَسْر فَافْهَم

стр. 242

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الطَّوِيل) (سَمَاء الْإِلَه فَوق سبع سمائيا) وصدره (لَهُ مَا رَأَتْ عين الْبَصِير وفوقه) أنْشدهُ لما تقدم فِي الْبَيْت قبله قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي شرح شَوَاهِد س نقلا عَن الْأَخْفَش وَمثله ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني وَاللَّفْظ لَهُ قَالَ قد خرج هَذَا الشَّاعِر عَمَّا عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه جمع سَمَاء على فعائل فشبهها بشمال وشمائل وَالْجمع الْمَعْرُوف فِيهَا إِنَّمَا هُوَ سمي على فعول وَنَظِيره عنَاق وعنوق أَلا ترى أَن سَمَاء مُؤَنّثَة كَمَا أَن عنَاقًا كَذَلِك وَالثَّانِي أَنه أقرّ الْهمزَة الْعَارِضَة فِي الْجمع مَعَ أَن اللَّام معتلة وَهَذَا غير مَعْرُوف أَلا ترى أَن مَا تعرض الْهمزَة فِي جمعه ولامه وَاو أَو يَاء أَو همزَة فالهمزة الْعَارِضَة فِيهِ مُغيرَة مبدلة نَحْو خَطِيئَة وخطايا ومطية ومطايا وَلم يَقُولُوا خطائي وَلَا مطائي وَالثَّالِث أَنه أجْرى الْيَاء فِي سمائي مجْرى الْبَاء فِي ضوارب فَفَتحهَا فِي مَوضِع الْجَرّ وَالْمَعْرُوف عِنْدهم أَن تَقول هَؤُلَاءِ جوَار ومررت بجوار فتحذف الْيَاء وَتدْخل التَّنْوِين وللنحويين فِي ذَلِك احتجاج لما يذهبون إِلَيْهِ من أَن أصل مطايا مطائي أَلا ترى أَن الشَّاعِر لما اضْطر جَاءَ بِهِ على أَصله فَقَالَ سمائيا كَمَا أَنه لما اضْطر إِلَى إِظْهَار أصل ضن قَالَ

стр. 243

(الْبَسِيط) (أَنِّي أَجود لأقوام وَإِن ضنوا) وكما قَالَ الآخر (الطَّوِيل) (صددت فأطولت الصدود) يُرِيد أطلت فَهَذِهِ الْأَشْيَاء الشاذة فِيهَا حجج فِي أَن يَقُولُوا إِن أصل هَذَا كَذَا وَكَذَلِكَ مَا حكى عَنْهُم من أَنهم يَقُولُونَ غفر الله لَهُ خطائئه بِوَزْن خطاععة فِيهِ دلَالَة على ان أصل رزايا رزائي بِوَزْن رزاعع أَلا ترى أَن رزيئة كخطيئة فلابد لَهُم فِي جَمِيع مَا يَدعُونَهُ وَهَذَا كُله من الْأُصُول لِابْنِ السيرافي إِلَّا أَن ابْن جني بسط مَا أجملة لِابْنِ السراج وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة لأمية بن أبي الصَّلْت مطْلعهَا (الطَّوِيل) (أَلا كل شَيْء هَالك غير رَبنَا ... وَللَّه مِيرَاث الَّذِي كَانَ فانيا) (ولي لَهُ من دون كل ولَايَة ... إِذا شَاءَ لم يمسوا جَمِيعًا مواليا) (وَإِن يَك شَيْء خَالِدا ومعمرا ... تَأمل تَجِد من فَوْقه الله بَاقِيا) (لَهُ مَا رَأَتْ عين الْبَصِير وفوقه ... سَمَاء الْإِلَه فَوق سبع سمائيا)

стр. 244

وَهَذِه قصيدة عَظِيمَة تشْتَمل على تَوْحِيد الله وقصص بعض الْأَنْبِيَاء كنوح ويوسف ومُوسَى وَدَاوُد وَسليمَان ﵈ ويعجبني مِنْهَا قَوْله (أَلا لن يفوت الْمَرْء رَحمَه ربه ... وَلَو كَانَ تَحت الأَرْض سبعين وَاديا) (يعالى وتدركه من الله رَحْمَة ... ويضحي ثناه فِي الْبَريَّة زاكيا) وَقَوله فِي آخرهَا (وَأَنت الَّذِي من فضل سيب ونعمة ... بعثت إِلَى مُوسَى رَسُولا مناديا) (فَقَالَ أَعنِي يَابْنَ أُمِّي فإنني ... كثير بِهِ يَا رب صل لي جناحيا) (وَقلت لهارون اذْهَبَا فتظاهرا ... على الْمَرْء فِرْعَوْن الَّذِي كَانَ طاغيا) (وقولا لَهُ أَأَنْت سويت هَذِه ... بِلَا وتد حَتَّى اطمأنت كَمَا هيا) (وقولا لَهُ أَأَنْت رفعت هَذِه ... بِلَا عمد أرْفق إِذا بك بانيا) (وقولا لَهُ أَأَنْت سويت وَسطهَا ... منيرا إِذا مَا جنه اللَّيْل ساريا) (وقولا لَهُ من أخرج الشَّمْس بكرَة ... فاصبح مَا مست من الأَرْض ضاحيا) (وقولا لَهُ من أنبت الْحبّ فِي الثرى ... فَأصْبح مِنْهُ البقل يَهْتَز رابيا) (فاصبح مِنْهُ حبه فِي رؤوسه ... فَفِي ذَاك آيَات لمن كَانَ واعيا) وَقَوله ولي لَهُ من دون كل ولَايَة ألخ هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي رَبنَا ولي وَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل من وليه إِذا قَامَ بِهِ وكل من ولي أَمر أحد فَهُوَ وليه وَالضَّمِير فِي لَهُ رَاجع لقَوْله الَّذِي كَانَ فانيا وَالْولَايَة قَالَ أَبُو عَمْرو هِيَ بِالْكَسْرِ فِي الْعَمَل وبالفتح فِي الدَّين وَقَوله إِذا شَاءَ إِلَخ يَقُول إِذا شَاءَ أماتهم وفرقهم والموالي الْوَرَثَة جمع مولى قَالَ تَعَالَى!

стр. 245

٢ - وَلكُل جعلنَا موَالِي﴾ أَي وَرَثَة وَقَوله لَهُ مَا رَأَتْ عين الْبَصِير إِلَخ لَهُ خبر مقدم وضميره لربنا وَمَا مَوْصُولَة مُبْتَدأ مُؤخر وَتَقْدِيم الْخَبَر للحصر أَي الَّذِي رَأَتْهُ الْأَعْين ملك لربنا لَيْسَ لأحد شَيْء مِنْهُ وَضمير فَوْقه عَائِد ل مَا الموصولة وسماء الْإِلَه أَرَادَ بِهِ الْعَرْش مبتدا وَخَبره الظّرْف قبله وَقَوله فَوق سبع سمائيا حَال من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي فَوْقه وَمن رفع سَمَّاهُ الْإِلَه بالظرف قبله كَانَ فَوق سبع سمائيا حَالا من سَمَاء الْإِلَه كَذَا فِي إِيضَاح الشّعْر لأبي عَليّ قَالَ ابْن جني فِي الخصائص وَكَانَ أَبُو عَليّ ينشدنا فَوق سِتّ سمائيا وَكَذَا رَأَيْته أَنا قد أثْبته فِي الْإِيضَاح وَكَذَلِكَ رَأَيْته أَنا أَيْضا فِي ديوَان أُميَّة فَيكون المُرَاد بسماء الْإِلَه السَّمَاء السَّابِعَة وَأُميَّة هُوَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت واسْمه عبد الله بن أبي ربيعَة بن عَوْف الثَّقَفِيّ قَالَ الْأَصْمَعِي ذهب أُميَّة فِي شعره بعامه ذكر الْآخِرَة وعنترة بعامة ذكر الْحَرْب وَقد صدقه النَّبِي فِي بعض شعره وَفِي صَحِيح مُسلم عَن الرشيد بن سُوَيْد قَالَ ردفت رَسُول الله فَقَالَ هَل مَعَك من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت شَيْء قلت نعم قَالَ هيه فَأَنْشَدته بَيْتا فَقَالَ هيه ثمَّ أنشدته بَيْتا فَقَالَ هيه حَتَّى أنشدته مائَة بَيت فَقَالَ كَاد ليسلم وَفِي رِوَايَة ليسلم فِي شعره وَفِي رِوَايَة آمن شعره وَكفر قلبه وَفِي الْإِصَابَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي أنْشد قَول أُميَّة

стр. 246

(الْكَامِل) (رجل وثور تَحت رجل يَمِينه والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد) فَقَالَ صدق وَهَذِه صفة حَملَة الْعَرْش وَفِي شرح ديوانه لمُحَمد بن حبيب يُقَال أَن حَملَة الْعَرْش ثَمَانِيَة رجل وثور ونسر وَأسد هَذِه أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة أُخْرَى فَأَما الْيَوْم فهم أَرْبَعَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أيدوا بأَرْبعَة أُخْرَى فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ كَذَلِك بَلغنِي وَالله أعلم وَيُقَال إِن الَّذِي فِي صُورَة رجل هُوَ الَّذِي يشفع لبني آدم فِي أَرْزَاقهم وَأما الَّذِي فِي صُورَة نسر فَهُوَ الَّذِي يشفع للطير فِي أَرْزَاقهم وَبَلغنِي أَيْضا أَن لكل ملك مِنْهُم أَرْبَعَة وجوة وَجه رجل وَوجه ثَوْر وَوجه أَسد وَوجه نسر ا. هـ. وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ لما أنْشد النَّبِي قَول أُميَّة (الْبَسِيط) (الْحَمد لله ممسانا ومصبحنا ... بِالْخَيرِ صبحنا رَبِّي ومسانا) (رب الحنيفة لم تنفد خزائنها ... مَمْلُوءَة طبق الافاق أشطانا) (أَلا نَبِي لنا منا فيخبرنا ... مَا بعد غايتنا من رَأس مجرانا) (بَينا يرببنا آبَاؤُنَا هَلَكُوا ... وبينما نقتني الْأَوْلَاد أبلانا) (وَقد علمنَا لَو أَن الْعلم ينفعنا ... أَن سَوف تلْحق أخرانا بأولانا) ...

стр. 247

(وَقد عجبت وَمَا بِالْمَوْتِ من عجب ... مَا بَال أحيائنا يَبْكُونَ مَوتَانا) إِلَى أَن قَالَ: (يَا رب لَا تجعلني كَافِرًا أبدا ... وَاجعَل سريرة قلبِي الدَّهْر إِيمَانًا) (واخلط بِهِ بنيتي واخلط بِهِ بشري ... وَاللَّحم وَالدَّم مَا عمرت إنْسَانا) (إِنِّي أعوذ بِمن حج الحجيج لَهُ ... والرافعون لدين الله أركاناً) (مُسلمين إِلَيْهِ عِنْد حجهم ... لم يَبْتَغُوا بِثَوَاب الله أثماناً) فَقَالَ : " آمن شعره وَكفر قلبه ". وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي " طَبَقَات الشُّعَرَاء ": " وَكَانَ أُميَّة يخبر أَن نَبيا يخرج، قد أظل زَمَانه، وَكَانَ يؤمل أَن يكون ذَلِك النَّبِي؛ فَلَمَّا بلغه خُرُوج النَّبِي كفر بِهِ حسداً ". وَلما أنْشد النَّبِي شعره قَالَ: " آمن لِسَانه وَكفر قلبه ". وأتى بِأَلْفَاظ كَثِيرَة لَا تعرفها الْعَرَب، وَكَانَ يَأْخُذهَا من الْكتب. مِنْهَا قَوْله: (الوافر) (بِآيَة قَامَ ينْطق كل شَيْء ... وخان أَمَانَة الديك الْغُرَاب) وَزعم أَن الديك كَانَ نديماً للغراب، فرهنه على الْخمر وغدر بِهِ وَتَركه عِنْد الْخمار، فَجعله الْخمار حارساً. وَمِنْهَا قَوْله: (قمر وساهور يسل ويغمد) وَزعم أهل الْكتاب أَن " الساهور " غلاف الْقَمَر يدْخل فِيهِ إِذا انكسف.

стр. 248

وَقَوله فِي الشَّمْس (الْكَامِل) (لَيْت بطالعة لَهُم فِي رسلها ... إِلَّا معذبة وَإِلَّا تجلد) وَكَانَ يُسمى السَّمَاوَات صاقورة وحاقورة وبرقع وعلماؤنا لَا يرَوْنَ شعره حجَّة على الْكتاب وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ (الْخَفِيف) (كل عَيْش وَإِن تطاول يَوْمًا ... صائر مرّة إِلَى أَن يزولا) (لَيْتَني كنت قبل مَا قد بدا لي ... فِي رُؤُوس الْجبَال أرعى الوعولا) قَالَ شَارِح ديوانه فِي شرح بَيت الشَّمْس قَالَ أَبُو عَمْرو قَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ قلت لعكرمة مولى ابْن عَبَّاس ﵄ أَرَأَيْت مَا بلغنَا عَن النَّبِي أَنه قَالَ لأمية بن أبي الصَّلْت آمن شعره وَكفر قلبه فَقَالَ هُوَ حق وَمَا أنكرتم من ذَلِك قَالَ قُلْنَا أَنْكَرْنَا قَوْله (وَالشَّمْس تصبح كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد) (لَيست بطالعة لَهُم فِي رسلها الْبَيْت) فَمَا شَأْن الشَّمْس تجلد قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا طلعت الشَّمْس قطّ حَتَّى ينخسها سَبْعُونَ ألف ملك يُقَال لَهَا أطلعي فَتَقول لَا أطلع على قوم يعبدوني من دون الله فيأتيها ملكان حَتَّى تستقل لضياء الْعباد فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن الطُّلُوع فَتَطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتهَا وَمَا غربت قطّ إِلَّا خرت لله سَاجِدَة فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن سجودها فتغرب على قرنية فيحرقه الله تحتهَا فَذَلِك قَول النَّبِي تطلع بَين قَرْني شَيْطَان وتغرب بَين قَرْني شَيْطَان

стр. 249

وَفِي الأغاني عَن الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي عمي قَالَ كَانَ أُميَّة فِي الْجَاهِلِيَّة نظر الْكتب وَقرأَهَا وَلبس المسوح تعبدا وَكَانَ مِمَّن ذكر إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل والحنيفية وَحرم الْخمر وتجنب الْأَوْثَان وَصَامَ وَالْتمس الدَّين طَمَعا فِي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ كَانَ قد قَرَأَ فِي الْكتب أَن نَبيا يبْعَث فِي الْحجاز من الْعَرَب وَكَانَ يَرْجُو أَن يكون هُوَ فَلَمَّا بعث النَّبِي حسده وَكَانَ يحرض قُريْشًا بعد وقْعَة بدر ويرثي من قتل فِيهَا فَمن ذَلِك قصيدته الحائية الَّتِي نهى النَّبِي عَن رِوَايَتهَا الَّتِي يَقُول فِيهَا (مجزوء الْكَامِل) (مَاذَا ببدر والعقنقل من مرازبة جحاجح) لِأَن رُؤُوس من قتل بهَا عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة بن عبد شمس وهما ابْنا خَاله لِأَن أمة رقية بنت عبد شمس وَفِي الْإِصَابَة ذكر صَاحب الْمَرْأَة فِي تَرْجَمته عَن ابْن هِشَام قَالَ كَانَ أُميَّة آمن بِالنَّبِيِّ فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجر فَلَمَّا نزل بَدْرًا قيل لَهُ إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان فَقَالَ أُرِيد أَن أتبع مُحَمَّدًا فَقيل لَهُ هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب قَالَ لَا قَالَ فِيهِ شيبَة وَرَبِيعَة وَفُلَان وَفُلَان فجدع أنف نَاقَته وشق ثَوْبه وَبكى وَذهب إِلَى الطَّائِف فَمَاتَ بهَا ذكر ذَلِك فِي حوادث السّنة الثَّامِنَة وَالْمَعْرُوف أَنه مَاتَ

стр. 250

فِي التَّاسِعَة وَلم يخْتَلف أَصْحَاب الْأَخْبَار أَنه مَاتَ كَافِرًا وَصَحَّ أَنه عَاشَ حَتَّى رثى أهل بدر وَقيل إِنَّه الَّذِي نزل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا﴾ وَقيل إِنَّه مَاتَ سنة تسع من الْهِجْرَة فِي الطَّائِف كَافِرًا قبل أَن يسلم الثقفيون وَرَأَيْت فِي ديوانه قصيدة مدح بهَا النَّبِي أَولهَا (المتقارب) (لَك الْحَمد والمن رب الْعباد ... أَنْت المليك وَأَنت الحكم) إِلَى أَن قَالَ (وَدَن دين رَبك حَتَّى التقى ... واجتنبن الْهوى والضجم) (مُحَمَّد أرْسلهُ بِالْهدى ... فَعَاشَ غَنِيا وَلم يهتضم) (عَطاء من الله أَعْطيته ... وَخص بِهِ الله أهل الْحرم) (وَقد علمُوا أَنه خَيرهمْ ... وَفِي بَيتهمْ ذِي الندى وَالْكَرم) (يعيبون مَا قَالَ لما دَعَا ... وَقد فرج الله إِحْدَى البهم) (بِهِ وَهُوَ يَدْعُو بِصدق الحديدث ... غلى الله من قبل زيغ الْقدَم) (أطِيعُوا الرَّسُول عباد الْإِلَه ... تنجون من شَرّ يَوْم ألم تنجون من ظلمات الْعَذَاب وَمن حر نَار على من ظلم) (دَعَانَا النَّبِي بِهِ خَاتم ... فَمن لم يجبهُ أسر النَّدَم) (نَبِي هدى صَادِق طيب ... رَحِيم رؤوف يُوصل الرَّحِم) (بِهِ ختم الله من قبله ... وَمن بعده من نَبِي ختم) (يَمُوت كَمَا مَاتَ من قد مضى ... يرد إِلَى الله باري النسم) (مَعَ الأنبيا فِي جنان الخلود ... هم أَهلهَا غير حل الْقسم) ...
следующие страницы →