Полный текст (5 658 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(الْكَامِل)
(رجل وثور تَحت رجل يَمِينه والنسر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مرصد)
فَقَالَ صدق وَهَذِه صفة حَملَة الْعَرْش وَفِي شرح ديوانه لمُحَمد بن حبيب يُقَال أَن حَملَة الْعَرْش ثَمَانِيَة رجل وثور ونسر وَأسد هَذِه أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة أُخْرَى فَأَما الْيَوْم فهم أَرْبَعَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أيدوا بأَرْبعَة أُخْرَى فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ كَذَلِك بَلغنِي وَالله أعلم وَيُقَال إِن الَّذِي فِي صُورَة رجل هُوَ الَّذِي يشفع لبني آدم فِي أَرْزَاقهم وَأما الَّذِي فِي صُورَة نسر فَهُوَ الَّذِي يشفع للطير فِي أَرْزَاقهم وَبَلغنِي أَيْضا أَن لكل ملك مِنْهُم أَرْبَعَة وجوة وَجه رجل وَوجه ثَوْر وَوجه أَسد وَوجه نسر ا. هـ.
وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ لما أنْشد النَّبِي
قَول أُميَّة (الْبَسِيط)
(الْحَمد لله ممسانا ومصبحنا ... بِالْخَيرِ صبحنا رَبِّي ومسانا)
(رب الحنيفة لم تنفد خزائنها ... مَمْلُوءَة طبق الافاق أشطانا)
(أَلا نَبِي لنا منا فيخبرنا ... مَا بعد غايتنا من رَأس مجرانا)
(بَينا يرببنا آبَاؤُنَا هَلَكُوا ... وبينما نقتني الْأَوْلَاد أبلانا)
(وَقد علمنَا لَو أَن الْعلم ينفعنا ... أَن سَوف تلْحق أخرانا بأولانا)
...
стр. 247
(وَقد عجبت وَمَا بِالْمَوْتِ من عجب ... مَا بَال أحيائنا يَبْكُونَ مَوتَانا)
إِلَى أَن قَالَ:
(يَا رب لَا تجعلني كَافِرًا أبدا ... وَاجعَل سريرة قلبِي الدَّهْر إِيمَانًا)
(واخلط بِهِ بنيتي واخلط بِهِ بشري ... وَاللَّحم وَالدَّم مَا عمرت إنْسَانا)
(إِنِّي أعوذ بِمن حج الحجيج لَهُ ... والرافعون لدين الله أركاناً)
(مُسلمين إِلَيْهِ عِنْد حجهم ... لم يَبْتَغُوا بِثَوَاب الله أثماناً)
فَقَالَ
: " آمن شعره وَكفر قلبه ". وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي " طَبَقَات الشُّعَرَاء ": " وَكَانَ أُميَّة يخبر أَن نَبيا يخرج، قد أظل زَمَانه، وَكَانَ يؤمل أَن يكون ذَلِك النَّبِي؛ فَلَمَّا بلغه خُرُوج النَّبِي
كفر بِهِ حسداً ". وَلما أنْشد النَّبِي
شعره قَالَ: " آمن لِسَانه وَكفر قلبه ". وأتى بِأَلْفَاظ كَثِيرَة لَا تعرفها الْعَرَب، وَكَانَ يَأْخُذهَا من الْكتب. مِنْهَا قَوْله: (الوافر)
(بِآيَة قَامَ ينْطق كل شَيْء ... وخان أَمَانَة الديك الْغُرَاب)
وَزعم أَن الديك كَانَ نديماً للغراب، فرهنه على الْخمر وغدر بِهِ وَتَركه عِنْد الْخمار، فَجعله الْخمار حارساً. وَمِنْهَا قَوْله:
(قمر وساهور يسل ويغمد)
وَزعم أهل الْكتاب أَن " الساهور " غلاف الْقَمَر يدْخل فِيهِ إِذا انكسف.
стр. 248
وَقَوله فِي الشَّمْس (الْكَامِل)
(لَيْت بطالعة لَهُم فِي رسلها ... إِلَّا معذبة وَإِلَّا تجلد)
وَكَانَ يُسمى السَّمَاوَات صاقورة وحاقورة وبرقع وعلماؤنا لَا يرَوْنَ شعره حجَّة على الْكتاب وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ (الْخَفِيف)
(كل عَيْش وَإِن تطاول يَوْمًا ... صائر مرّة إِلَى أَن يزولا)
(لَيْتَني كنت قبل مَا قد بدا لي ... فِي رُؤُوس الْجبَال أرعى الوعولا)
قَالَ شَارِح ديوانه فِي شرح بَيت الشَّمْس قَالَ أَبُو عَمْرو قَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ قلت لعكرمة مولى ابْن عَبَّاس ﵄ أَرَأَيْت مَا بلغنَا عَن النَّبِي
أَنه قَالَ لأمية بن أبي الصَّلْت آمن شعره وَكفر قلبه فَقَالَ هُوَ حق وَمَا أنكرتم من ذَلِك قَالَ قُلْنَا أَنْكَرْنَا قَوْله
(وَالشَّمْس تصبح كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد)
(لَيست بطالعة لَهُم فِي رسلها الْبَيْت)
فَمَا شَأْن الشَّمْس تجلد قَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا طلعت الشَّمْس قطّ حَتَّى ينخسها سَبْعُونَ ألف ملك يُقَال لَهَا أطلعي فَتَقول لَا أطلع على قوم يعبدوني من دون الله فيأتيها ملكان حَتَّى تستقل لضياء الْعباد فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن الطُّلُوع فَتَطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتهَا وَمَا غربت قطّ إِلَّا خرت لله سَاجِدَة فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن سجودها فتغرب على قرنية فيحرقه الله تحتهَا فَذَلِك قَول النَّبِي
تطلع بَين قَرْني شَيْطَان وتغرب بَين قَرْني شَيْطَان
стр. 249
وَفِي الأغاني عَن الزبير بن بكار قَالَ حَدثنِي عمي قَالَ كَانَ أُميَّة فِي الْجَاهِلِيَّة نظر الْكتب وَقرأَهَا وَلبس المسوح تعبدا وَكَانَ مِمَّن ذكر إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل والحنيفية وَحرم الْخمر وتجنب الْأَوْثَان وَصَامَ وَالْتمس الدَّين طَمَعا فِي النُّبُوَّة لِأَنَّهُ كَانَ قد قَرَأَ فِي الْكتب أَن نَبيا يبْعَث فِي الْحجاز من الْعَرَب وَكَانَ يَرْجُو أَن يكون هُوَ فَلَمَّا بعث النَّبِي
حسده وَكَانَ يحرض قُريْشًا بعد وقْعَة بدر ويرثي من قتل فِيهَا فَمن ذَلِك قصيدته الحائية الَّتِي نهى النَّبِي عَن رِوَايَتهَا الَّتِي يَقُول فِيهَا (مجزوء الْكَامِل)
(مَاذَا ببدر والعقنقل من مرازبة جحاجح)
لِأَن رُؤُوس من قتل بهَا عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة بن عبد شمس وهما ابْنا خَاله لِأَن أمة رقية بنت عبد شمس وَفِي الْإِصَابَة ذكر صَاحب الْمَرْأَة فِي تَرْجَمته عَن ابْن هِشَام قَالَ كَانَ أُميَّة آمن بِالنَّبِيِّ
فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجر فَلَمَّا نزل بَدْرًا قيل لَهُ إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان فَقَالَ أُرِيد أَن أتبع مُحَمَّدًا فَقيل لَهُ هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب قَالَ لَا قَالَ فِيهِ شيبَة وَرَبِيعَة وَفُلَان وَفُلَان فجدع أنف نَاقَته وشق ثَوْبه وَبكى وَذهب إِلَى الطَّائِف فَمَاتَ بهَا ذكر ذَلِك فِي حوادث السّنة الثَّامِنَة وَالْمَعْرُوف أَنه مَاتَ
стр. 250
فِي التَّاسِعَة وَلم يخْتَلف أَصْحَاب الْأَخْبَار أَنه مَاتَ كَافِرًا وَصَحَّ أَنه عَاشَ حَتَّى رثى أهل بدر وَقيل إِنَّه الَّذِي نزل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا﴾ وَقيل إِنَّه مَاتَ سنة تسع من الْهِجْرَة فِي الطَّائِف كَافِرًا قبل أَن يسلم الثقفيون
وَرَأَيْت فِي ديوانه قصيدة مدح بهَا النَّبِي
أَولهَا (المتقارب)
(لَك الْحَمد والمن رب الْعباد ... أَنْت المليك وَأَنت الحكم)
إِلَى أَن قَالَ
(وَدَن دين رَبك حَتَّى التقى ... واجتنبن الْهوى والضجم)
(مُحَمَّد أرْسلهُ بِالْهدى ... فَعَاشَ غَنِيا وَلم يهتضم)
(عَطاء من الله أَعْطيته ... وَخص بِهِ الله أهل الْحرم)
(وَقد علمُوا أَنه خَيرهمْ ... وَفِي بَيتهمْ ذِي الندى وَالْكَرم)
(يعيبون مَا قَالَ لما دَعَا ... وَقد فرج الله إِحْدَى البهم)
(بِهِ وَهُوَ يَدْعُو بِصدق الحديدث ... غلى الله من قبل زيغ الْقدَم)
(أطِيعُوا الرَّسُول عباد الْإِلَه ... تنجون من شَرّ يَوْم ألم تنجون من ظلمات الْعَذَاب وَمن حر نَار على من ظلم)
(دَعَانَا النَّبِي بِهِ خَاتم ... فَمن لم يجبهُ أسر النَّدَم)
(نَبِي هدى صَادِق طيب ... رَحِيم رؤوف يُوصل الرَّحِم)
(بِهِ ختم الله من قبله ... وَمن بعده من نَبِي ختم)
(يَمُوت كَمَا مَاتَ من قد مضى ... يرد إِلَى الله باري النسم)
(مَعَ الأنبيا فِي جنان الخلود ... هم أَهلهَا غير حل الْقسم)
...
стр. 251
(وَقدس فِينَا بحب الصَّلَاة ... جَمِيعًا وَعلم خطّ الْقَلَم)
(كتابا من الله نقرا بِهِ ... فَمن يعتديه فقد مَا أَثم)
مَا زَائِدَة وأثم فعل مَاض
(تَتِمَّة)
تتبعت من اسْمه أُميَّة فوجدتهم خَمْسَة أحدهم هَذَا وَالثَّانِي أُميَّة بن كَعْب الْمحَاربي وَالثَّالِث أُميَّة بن خلف الْخُزَاعِيّ وَالرَّابِع أُميَّة بن أبي عَائِذ الْهُذلِيّ وَالْخَامِس أُميَّة بن الأسكر الْكِنَانِي وَلم يذكر وَاحِدًا مِنْهُم الْآمِدِيّ فِي كِتَابه المؤتلف والمختلف مَعَ أَن هَذَا من شَرط كِتَابه
ونترجم إِن شَاءَ الله من هَؤُلَاءِ من يَأْتِي لَهُ شعر فِي هَذِه الشواهد بعون الله تَعَالَى وَحسن توفيقه وَأنْشد بعده
(يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع)
تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ (الْبَسِيط)
(كم دون مية من خرق وَمن علم ... كَأَنَّهُ لامع عُرْيَان مسلوب)
стр. 252
. على أَن عُرْيَان جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر مَمْنُوع الصّرْف تَشْبِيها بِبَاب سَكرَان قد تقدم فِي الشَّاهِد السَّابِع عشر أَن الْكُوفِيّين يجيزون ترك الصّرْف للضَّرُورَة فِي الْأَعْلَام وَغَيرهَا وَمن جملَة شواهدهم (الطَّوِيل)
(وَالسيف عُرْيَان أَحْمَر)
وَتقدم وَكم هُنَا للتكثير وَدون بِمَعْنى قُدَّام ومية اسْم محبوبة ذِي الرمة ولقبها الخرقاء كَمَا تقدم بَيَانه فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَفِي أَكثر نسخ هَذَا الشَّرْح بيشة بدل مية وَهُوَ مَوضِع بِالْيمن وَهُوَ مأسدة وَفِي كتاب النَّبَات للدينوري بيشة وَاد عَظِيم من أَوديَة نجد وَهُوَ تَحْرِيف من الْكتاب والخرق بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة وبالقاف هُوَ الأَرْض الواسعة الَّتِي تتخرق فِيهَا الرِّيَاح وَالْعلم الْجَبَل والمنار الَّذِي يهتدى بِهِ فِي الطّرق وَجُمْلَة كَأَنَّهُ صفة للْعلم والرابط ضمير كَأَنَّهُ شبهه بِرَجُل عُرْيَان سلب ثَوْبه فَهُوَ يُشِير
إِلَى الْقَوْم واللامع من لمع الرجل بِيَدِهِ إِذا أَشَارَ والموصوف مَحْذُوف أَي رجل لامع وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات عشرَة لذِي الرمة وَقبل هَذَا الْبَيْت (الْبَسِيط)
(هَيْهَات خرقاء إِلَّا أَن يقربهَا ... ذُو الْعَرْش والشعشعانات الهراجيب)
يستبعد الْوُصُول إِلَيْهَا لبعد مَا بَينهمَا إِلَّا أَن يقربهَا الله إِلَيْهِ وَالْجمال والشعشعانة النَّاقة الْخَفِيفَة الطَّوِيلَة والهراجيب جمع هرجاب وَهِي النَّاقة الطَّوِيلَة الضخمة ثمَّ بعد أَن وصف النَّاقة فِي أَبْيَات ثَلَاثَة قَالَ ...
стр. 253
(كم دون مية من خرق وَمن علم)
الْبَيْت
(وَمن مُلَمَّعَة غبراء مظْلمَة ... ترابها بالشعاف الغبر معصوب)
هَذَا مَعْطُوف على قَوْله من خرق وَمن علم والملمعة اسْم فَاعل وَهِي الفلاة الَّتِي يلمع فِيهَا السراب وَيُقَال لَهَا اللماعة أَيْضا قَالَ ابْن أَحْمَر (السَّرِيع)
(كم دون ليلى من تنوفية ... لماعة ينذر فِيهَا النّذر)
والسراب يُقَال لَهُ يلمع وَيُشبه بِهِ الكذوب والشعاف رُؤُوس الْجبَال والمعصوب الملفوف عَلَيْهِ كالعصابة وَبعده وَهُوَ آخر الأبيات
(كَأَن حرباءها فِي كل هاجرة ... ذُو شيبَة من رجال الْهِنْد مصلوب)
الهاجرة نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر والحرباء دويبة تسْتَقْبل الشَّمْس على أَغْصَان الشّجر وتدور مَعهَا كَيفَ دارت ويتلون ألوانا بَحر الشَّمْس يخضر كَأَنَّهُ شيخ هندي مصلوب على عود وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س (الوافر)
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفوني)
على أَن جلا غير منصرف عِنْد عِيسَى بن عمر لِأَنَّهُ مَنْقُول من الْفِعْل وَلم يشْتَرط غَلَبَة الْوَزْن بِالْفِعْلِ وَأجَاب عَنهُ الشَّارِح الْمُحَقق تبعا لغيره بِوَجْهَيْنِ
стр. 254
الأول وَهُوَ جَوَاب س أَن الْعلم إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل مَعَ ضميرَة الْمُسْتَتر فَهُوَ جملَة محكية وَلَيْسَ الْعلم هُوَ الْفِعْل بِدُونِ ضَمِيره وَيرد عَلَيْهِ أَن جلا لَيْسَ اسْما لأبي الشَّاعِر وَلَا لقبا لَهُ كَمَا يعلم من تَرْجَمته الْآتِيَة وَإِنَّمَا ابْن جلا فِي اللُّغَة المنكشف الْأَمر كَمَا قَالَه الْمبرد فِي الْكَامِل وَقَالَ القالي فِي أمالية يُقَال هُوَ ابْن جلا أَي المنكشف الْمَشْهُور الْأَمر وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا إِلَخ)
قَالَ وَابْن أجلى مثله وَأنْشد للعجاج
(لاقوا بِهِ الْحجَّاج والإصحارا ... بِهِ ابْن أجلى وَافق الإسفارا)
قَالَ وَلم أسمع بِابْن أَََجَلًا إِلَّا فِي بَيت العجاج وَقَوله لاقوا بِهِ أَي بذلك الْمَكَان وَقَوله والإصحارا أَي وجدوا بِهِ ابْن أجلى كَمَا تَقول لقِيت بِهِ الْأسد أَي كَأَنِّي لقِيت بلقائي وَقَوله وَافق الإسفارا أَي وَاضحا مثل الصُّبْح وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي المرصع ابْن جلا وَابْن أجلى هُوَ الرجل الْمَعْرُوف الْمَشْهُور وَالْأَمر الْوَاضِح المكشوف وَزعم بَعضهم أَن ابْن جلا اسْم رجل كَانَ فاتكا صَاحب غارات مَشْهُورا بذلك وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَوله بعد هَذَا وَهُوَ فِي الأَصْل فعل مَاض سمي بِهِ وَإِنَّمَا لم يصرف لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحِكَايَة فَاسد لِأَنَّهُ ركب من الْقَوْلَيْنِ قولا وَقَالَ البلوي فِي كتاب ألف بَاء ابْن جلا وَابْن أجلى هما بِمَعْنى التجلي وَالْأَمر المنكشف وَهُوَ أول النَّهَار وَقَالَ صَاحب الْقَامُوس وَابْن جلا الْوَاضِح الْأَمر كَابْن أجلى
стр. 255
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي والقالي فِي الْمَقْصُور والممدود لَهما وَقَوْلهمْ أَنا ابْن جلا أَنا ابْن البارز الْأَمر أَنا ابْن من لَا يُنكر فَهَذَا كُله يدل على عدم اختصاصة بِأحد بل يجوز لكل أحد أَن يَقُول للتمدح أَنا ابْن جلا كَمَا قَالَ اللعين الْمنْقري يهجو رؤبة بن العجاج (الْبَسِيط)
(إِنِّي أَنا ابْن جلا إِن كنت تعرفنِي ... يَا رؤب والحية الصماء والجبل)
(أبالأراجيز يَا ابْن اللوم توعدني ... وَفِي الأراجيز خلت اللوم والفشل)
وَهَذَا الْبَيْت ينشده النحويون
(وَفِي الأراجيز خلت اللؤم والخور)
وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ فَإِن القصيدة لأمية إِلَّا أَن يكون من قصيدة أُخْرَى رائية وَقَالَ الآخر
(أَنا القلاخ بن جناب بن جلا)
قَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف جناب جد القلاح أنتسب إِلَيْهِ وَابْن جلا لَيْسَ بجد إِنَّمَا أَرَادَ أَنا أبن الْأَمر المكشوف مثل قَول سحيم
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا انْتهى)
الثَّانِي وَهُوَ جَوَاب الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل أَن جلا لَيْسَ بِعلم وَإِنَّمَا هُوَ فعل مَاض مَعَ ضَمِيره صفة لموصوف مَحْذُوف وَبِهَذَا الْوَجْه أوردهُ الشَّارِح فِي بَاب النَّعْت وَفِي بَاب أَفعَال الْمَدْح والذم أَيْضا وَضَعفه فِي الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة بِأَن الْجُمْلَة إِذا كَانَت صفة لمَحْذُوف فَشرط موصوفها أَن يكون بَعْضًا من مُتَقَدم مجرور بِمن أَو فِي كَمَا بَين
стр. 256
وَيبقى وَجه ثَالِث ذكره ابْن الْحَاجِب فِي أمالية وَهُوَ أَن يكون جلا اسْما لَا فعلا وَأَن يكون بِتَقْدِير ذِي أَي أَنا ابْن ذِي جلا والجلا هُوَ انحسار الشّعْر عَن مقدم الرَّأْس أَقُول فِي الْقَامُوس وَغَيره الجلا بِالْقصرِ انحسار مقدم الرَّأْس من الشّعْر أَو نصف الرَّأْس أَو هُوَ دون الصلع جلي كرضي جلا أنْتَهى وَفِي الْمَقْصُور والممدود لِابْنِ الْأَنْبَارِي والقالي الجلا انحسار الشّعْر من مقدم الرَّأْس من جَانِبي الْجَبْهَة مَقْصُور يكْتب بِالْألف لِأَنَّهُ يُقَال رجل أجلى وَامْرَأَة جلواء وعَلى هَذَا الْوَجْه لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير ذِي فَإِنَّهُ يُقَال فلَان ابْن كَذَا بِمَعْنى أَنه ملازم لَهُ كَمَا يُقَال أَخُو حروب والصلع وَنَحْوه أحد محايل الشجَاعَة وأماراتها وَقيل من دَلَائِل الْكَرم لِأَن الْعَرَب تَقول الَّذِي ولد أصلع يكون كَرِيمًا بِحَسب الْغَالِب وَالْمرَاد من وضع الْعِمَامَة إِزَالَتهَا عَن الرَّأْس إِمَّا لِأَن الَّذِي يعرفهُ إِنَّمَا رَآهُ مَكْشُوف الرَّأْس فِي الحروب لِكَثْرَة مُبَاشَرَته إِيَّاهَا فَإِذا رأى الْعِمَامَة جهلة وَإِمَّا لِأَن
الَّذِي يعرفهُ إِنَّمَا رَآهُ لابسا آلَات الْحَرْب وعَلى رَأسه الْبَيْضَة لِكَثْرَة حروبه فينحي عمَامَته ويلبس الْبَيْضَة وَهَذَا مُحَصل كَلَام ابْن الْحَاجِب فِي أمالية وَعبارَته قَوْله مَتى أَضَع الْعِمَامَة تعرفوني إِلَخ إِمَّا أَن يُرِيد كَثْرَة مُبَاشَرَته الحروب فَلَا يرَاهُ الْأَكْثَر إِلَّا بِغَيْر عِمَامَة فَقَالَ مَتى أَضَع الْعِمَامَة يعرفنِي الَّذِي مَا رَآنِي إِلَّا غير متعمم أَو يُرِيد أنني بِكَثْرَة مباشرتي الحروب ولباسي بَيْضَة الْحَرْب فَمَتَى أَضَع الْعِمَامَة وألبس آلَة الْحَرْب يعرفوني يَعْنِي إِذا حَارَبت عرفت بإقدامي وشجاعتي انْتهى وَالْوَجْه هُوَ الأول وَقد لَحْظَة ضِيَاء الدَّين مُوسَى بن ملهم الْكَاتِب فَأَخذه وَضَمنَهُ بِبَعْض تَغْيِير فِي الرشيد عمر الغوي وَكَانَ بِهِ دَاء الثَّعْلَب وَهُوَ من نَوَادِر مَا قيل فِي أَقرع وَقَالَ
стр. 257
(الوافر)
(عجبت لمعشر غلطوا وغضوا ... من الشَّيْخ الرشيد وأنكروه)
(هُوَ ابْن جلا وطلاع الثنايا ... مَتى يضع الْعِمَامَة يعرفوه)
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد اللمخي الْمَالِكِي وَتُوفِّي فِي سنة ٦٠٣ ثَلَاث وسِتمِائَة
(يسر بالعيد أَقوام لَهُم سَعَة ... من الثراء وَأما المقترون فَلَا)
(هَل سرني وثيابي فِيهِ قوم سبا ... أَو راقني وعَلى رَأْسِي بِهِ ابْن جلا)
يَعْنِي بِقوم سبا قَوْله تَعَالَى ﴿مزقناهم كل ممزق﴾ وَابْن جلا مَا لَهُ عِمَامَة وَقَالَ ثَعْلَب فِي أمالية فِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت والعمامة تلبس فِي الحروب وتوضع فِي السّلم وَهَذَا خلاف الْوَاقِع وضد معنى الْبَيْت وَقَالَ الْكرْمَانِي شَارِح شَوَاهِد الموشح شرح الكافية الحاجبية للخبيصي قَوْله مَتى أَضَع الْعِمَامَة يحْتَمل مَعْنيين بِحَسب اخْتِلَاف التَّقْدِيرَيْنِ الأول أَن يقدر على فَيكون التَّقْدِير مَتى أَضَع الْعِمَامَة على رَأْسِي تعرفوني أَنِّي أهل للسيادة والإمارة
وَالثَّانِي أَن يقدر عَن أَي مَتى أَضَع الْعِمَامَة على رَأْسِي تعرفوا شجاعتي بِوَاسِطَة صلع رَأْسِي لِأَنَّهُ أحد مخايل الشجَاعَة هَذَا كَلَامه وَلم يتَعَرَّض لِمَعْنى وضع الْعِمَامَة الْعَيْنِيّ وَلَا السُّيُوطِيّ وَلَا صَاحب الْمعَاهد فِي شُرُوح شواهدهم وطلاع مُبَالغَة طالع يُقَال طلعت الْجَبَل طلوعا أَي علوته يتَعَدَّى بِنَفسِهِ وطلعت فِيهِ رقيته قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ من رفع طلاع الثنايا جعله مدحا لِابْنِ وَمن خفضه
стр. 258
جعله مدحا لجلا يَعْنِي أَنه رُوِيَ فِيهِ الْخَفْض وَالرَّفْع والجيد عِنْدِي الرّفْع والثنايا جمع ثنية قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل هِيَ الطَّرِيق فِي الْجَبَل وَالطَّرِيق فِي الرمل يُقَال لَهُ الْخلّ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنه جلد بطلع الثنايا فِي ارتفاعها وصعوبتها قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة يَعْنِي عبد الله أَخَاهُ (الطَّوِيل)
(كميش الْإِزَار خَارج نصف سَاقه ... بعيد من السوءات طلاع أنجد)
والنجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي قَوْله طلاع الثنايا أَي يطلع على الثنايا وَهِي مَا علا من الأَرْض وَغلظ وَمثله قَوْلهم طلاع أنجد وَقَالَ الْعَيْنِيّ والثنايا جمع ثنية وَهِي السن الْمَشْهُورَة وَهَذَا غير لَائِق بِهِ
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لسحيم بن وثيل الريَاحي وَلَيْسَ هُوَ للعرجي كَمَا توهمه التَّفْتَازَانِيّ فِي المطول. وَبعده
(وَإِن مَكَاننَا من حميري ... مَكَان اللَّيْث من وسط العرين)
(وَإِنِّي لن يعود إِلَيّ قَرْني ... غَدَاة الغب إِلَّا فِي قرين)
(بِذِي لبد يصد الركب عَنهُ ... وَلَا تُؤْتى قرينته لحين)
(غذرتث البزل إِذْ هِيَ خاطرتني ... فَمَا بالي وبال ابْني لبون)
(وماذا يَبْتَغِي الشُّعَرَاء مني ... وَقد جَاوَزت حد الْأَرْبَعين)
...
стр. 259
(أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي ... ونجدني مداورة الشؤون)
(فَإِن علالتي وجراء حَولي ... لذُو شقّ على الضَّرع الظنون)
(كريم الْخَال من سلفي ريَاح ... كنصل السَّيْف وضاح الجبين)
(مَتى أحلل إِلَى قطن وَزيد ... وسلمى تكْثر الْأَصْوَات دوني)
(وَهَمَّام مَتى احلل إِلَيْهِ ... مَحل اللَّيْث فِي عيص أَمِين)
(ألف الْجَانِبَيْنِ بِهِ أسود ... منْطقَة بأصلاب الجفون)
(وَإِن قناتنا مشظ شظاها ... شَدِيد مدها عنق القرين)
روى صَاحب الْمعَاهد وَغَيره أَن السَّبَب فِي هَذِه الأبيات أَن رجلا أَتَى الأبيرد الريَاحي وَابْن عَمه الأخوص وهما من ردف الْمُلُوك من بني ريَاح يطْلب مِنْهُمَا هناء لإبله أَي قطرانا فَقَالَا لَهُ إِذا أَنْت أبلغت سحيم بن وثيل الريَاحي هَذَا الشّعْر أعطيناك فَقَالَ قولا فَقَالَا أذهب وَقل لَهُ
(فَإِن بداهتي وجراء حَولي ... لذُو شقّ على الحطم الحرون)
فَلَمَّا أَتَاهُ وأنشده الشّعْر أَخذ عَصَاهُ وَانْحَدَرَ فِي الْوَادي يقبل فِيهِ وَيُدبر ويهمهم بالشعر ثمَّ قَالَ اذْهَبْ وَقل لَهما وَأنْشد هَذِه الأبيات قَالَ فَأتيَاهُ واعتذرا لَهُ
فَقَالَ إِن أَحَدكُمَا ليرى أَنه صنع شَيْئا حَتَّى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بِنَا استطافة الْبَعِير الأرب انْتهى وَفِي الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق أَن الْأَحْوَص والأبيرد ابْني المعذر وهما شاعران مفلقان وَقَالَ عبد الْكَرِيم الأبيرد ابْن أخي الْأَحْوَص انْتهى
стр. 260
والردف بِضَمَّتَيْنِ جمع ردف بِكَسْر فَسُكُون والردف هُوَ الَّذِي يجلس على يَمِين الْملك فَإِذا شرب الْملك شرب الردف قبل النَّاس وَإِذا غزا الْملك قعد الردف فِي مَوْضِعه وَكَانَ خَلِيفَته على النَّاس حَتَّى ينْصَرف وَإِذا عَادَتْ كَتِيبَة الْملك أَخذ الردف ربع الْغَنِيمَة والبداهة بِضَم الْمُوَحدَة أول جري الْفرس والجراء بِكَسْر الْجِيم مصدر جاراه مجاراة وجراء أَي جرى مَعَه والحول الْعَام والشق بِالْكَسْرِ الْمَشَقَّة والحطم بِفَتْح الْحَاء وَكسر الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ الْفرس الْهَرم قَالَ فِي الصِّحَاح الحطم المتكسر فِي نَفسه وَيُقَال للْفرس إِذا تهدم لطول عمره حطم وَيُقَال حطمت الدَّابَّة بِالْكَسْرِ إِذا أَسِنَت وحطمته السن بِالْفَتْح حطما والحرون الْفرس الَّذِي لَا يُقَاد وَإِذا اشْتَدَّ بِهِ الجري وقف وَهَذَا الْبَيْت تَعْرِيض لسحيم بِأَنَّهُ لَا يبلغ غايتهما لكبره وعجزه والأزب بالزاي الْمُعْجَمَة والزبب هُوَ طول الشّعْر وَيُقَال بعير أزب وَلَا يكَاد يكون الأزب إِلَّا نفورا لِأَنَّهُ ينْبت على حاجبيه شَعرَات فَإِذا ضَربته الرّيح نفر وَقَول سحيم وَإِن مَكَاننَا من حميري يَأْتِي فِي نسبه أَن حميريا أحد أجداده وَاللَّيْث الْأسد والعرين بِفَتْح الْمُهْملَة الأجمة والغابة وفيهَا يكون
ماوى الْأسد يُرِيد أَنه فِي بحبوحة النّسَب إِلَى حميري لَا فِي أَطْرَافه والقرن بِكَسْر الْقَاف الْكُفْء فِي الشجَاعَة وَقيل عَام وَالْغِب بِالْكَسْرِ وُرُود الْإِبِل المَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي وغداة الغب الْيَوْم الَّذِي يسوقون إبلهم فِيهِ والقرين الْمُقَارن والمصاحب وَفِي بِمَعْنى مَعَ وَقَوله
стр. 261
بِذِي لبد بدل من قَوْله فِي قرين وفاعل يصد ضمير ذِي لبد وَضمير عَنهُ وقرينته للقرن وَذُو اللبد هُوَ الْأسد بِكَسْر اللَّام وَفتح الْبَاء جمع لبده كقرب جمع قربَة واللبدة هِيَ الشّعْر المتلبد بَين كَتِفي الْأسد والقرينة النَّفس يَقُول إِن قَرْني لَا يقدر أَن يقابلني من خَوفه إِلَّا مَعَ رَفِيق كالأسد يقدر أَن يدْفع ركبا عَنهُ حَتَّى تسلم نَفسه منى لحين من الأحيان وَقَوله عذرت البزل هُوَ جمع بازل وَهُوَ الْبَعِير المسن وخاطرتني راهنتني من الْخطر بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يتراهن عَلَيْهِ وَقد أخطر المَال جعله خطرا بَين المتراهنين وخاطره على كَذَا راهنه وَابْن اللَّبُون ولد النَّاقة إِذا اسْتكْمل السّنة الثَّانِيَة وَدخل فِي الثَّالِثَة يَقُول إِذا راهنني الشُّيُوخ على شَيْء عذرتهم لأَنهم أقراني وَأما الشبَّان فَلَا مُنَاسبَة بيني وَبينهمْ وَأَرَادَ بِابْني لبون الأبيرد وَابْن عَمه فَإِنَّهُمَا طلبا مجاراته فِي الشّعْر وَقَوله وماذا يَبْتَغِي الشُّعَرَاء مني إِلَخ رَوَاهُ الْجَوْهَرِي وماذا يدْرِي الشُّعَرَاء قَالَ ادراه افتعله بِمَعْنى ختله من درى الصَّيْد إِذا أختله وَاسْتشْهدَ النُّحَاة بِهَذَا الْبَيْت على كسر نون الْجمع وَقَوله أَخُو خمسين آي أَنا أَخُو خمسين سنة واجتماع الأشد عبارَة عَن كَمَال القوى فِي الْبدن وَالْعقل وَقَالَ صَاحب الْعباب وَالرجل الْمُجْتَمع الَّذِي بلغ أشده واستوت لحيته وَلَا يُقَال ذَلِك للنِّسَاء وَأنْشد هَذَا الْبَيْت لسحيم وَفِيه نظر وَقَوله ونجذني بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة أَي هذبني قَالَ فِي الصِّحَاح وَرجل منجذ أَي مجربي أحكمته الْأُمُور وَهُوَ من الناجذ وَهُوَ آخر الأضراس
وَيُسمى ضرس الْحلم بِكَسْر الْحَاء لِأَنَّهُ ينْبت بعد الْبلُوغ
стр. 262
وَكَمَال الْعقل والمداورة مفاعله من دَار يَدُور بِمَعْنى المعالجة والمزاولة والشؤون الْأُمُور وَالْأَحْوَال جمع شَأْن وَقَوله فَإِن علالتي إِلَخ العلالة بِضَم الْعين الْمُهْملَة بَقِيَّة جرى الْفرس والضرع بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة الضَّعِيف وَفِي الْقَامُوس وضرع ككرم ضعف فَهُوَ ضرع محركة من قوم ضرع محركة أَيْضا وَمهر ضرع محركة لم يقو على الْعَدو والظنون بِالْمُعْجَمَةِ كصبور الرجل الضَّعِيف والقليل الْحِيلَة وَهَذَا تَعْرِيض بِأَن فيهمَا ضعفا لَا يقدران على مجاراته وَإِن كَانَ شَيخا وَقَوله كريم الْخَال أَي أَنا كريم الْخَال ورياح بِكَسْر الرَّاء الْمُهْملَة وبالمثناة التَّحْتِيَّة هُوَ ابْن يَرْبُوع وَأَبُو قَبيلَة سحيم وأحلل أنزل وقطن وَزيد هما خالاه وسلمى خَالَته وَكَثْرَة أَصْوَاتهم للترحيب والتهنئة وَهَمَّام هُوَ عَمه والعيص بِكَسْر الْعين وبالصاد الْمُهْمَلَتَيْنِ الشّجر الْكثير المتف. وَبَين بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ سلفيه من ريَاح وَالْألف الْموضع الملتف الْكثير الْأَهْل والمنطقة المحزمة بالمنطقة وَهِي الحزام يُقَال انتطق الرجل وتنطق شدّ وَسطه بالمنطقة كمكنسة وَهِي مَا ينتطق بِهِ والجفون جمع جفن بِالْفَتْح وَهُوَ قرَاب السَّيْف وَأَرَادَ بالجفون السيوف وبالأصلاب سيورها وَقَوله وَإِن قناتنا مشظ إِلَخ مشظ بِفَتْح الْمِيم وَكسر الشين الْمُعْجَمَة وإعجام الظَّاء هُوَ الَّذِي يدْخل فِي الْيَد من الشوك إِذا مس. يُقَال مشظ من بَاب فَرح مس الشوك أَو الْجذع فَدخل فِي يَده مِنْهُ شَيْء والشظى بِفَتْح الشين والظاء المعجمتين بِمَعْنى الشظية وَهِي الفلقة والقطعة من الشَّيْء والشديد من الشدَّة ومدها فَاعل شَدِيد وعنق القرين مَنْصُوب بمدها والقرين الْقرن المقاوم وَالْبَيْت على طَرِيق التَّشْبِيه يَقُول من تعرض لنا بِسوء ناله
стр. 263
مَكْرُوه يتَأَذَّى بِهِ كَالَّذي يمس جلده قناة مشظة فَيدْخل فِي جلده من شظاها وَهِي مَعَ ذَلِك صلبة من قرن بهَا مدت عُنُقه إِلَيْهَا وَلم تنثن إِلَيْهِ كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح لِابْنِ السيرافي
وسحيم مصغر أسحم تَصْغِير ترخيم من السحمة بِالضَّمِّ وَهِي السوَاد ابْن وثيل بِفَتْح الْوَاو وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ فِي اللُّغَة كَمَا فِي الْقَامُوس الليف والرشاء الضَّعِيف وَالْحَبل من القنب والضعيف وَفِي الْإِصَابَة لِابْنِ حجر وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شَوَاهِد المغنى أَنه بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ غير مَنْقُول ابْن أعيفر مصغر أعفر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْفَاء وَهُوَ الرمل الْأَحْمَر والأبيض وَلَيْسَ بالشديد الْبيَاض وأعيفر ابْن أبي عَمْرو بن إهَاب بِكَسْر الْهمزَة ابْن حميري بِلَفْظ النِّسْبَة إِلَى حمير وَهُوَ أَبُو قَبيلَة من الْيمن وَهُوَ حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي جمهرة الْأَنْسَاب حميري بن ريَاح يُقَال فِيهِ حمري أَيْضا أَي بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْمِيم وَزعم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة أَن الْيَاء فِي حميري زَائِدَة أَو للنسبة بِتَقْدِير من نسب حميري وَهَذَا من عدم اطِّلَاعه على نسب الشَّاعِر وَتقدم فِي شرح أول بَيت من الشواهد أَن حميريا أحد آبَاء ذِي الْخرق الطهوي أَيْضا وحميري بن ريَاح وَتقدم ضَبطه ورياح بن يَرْبُوع ويربوع اثْنَان أَحدهمَا يَرْبُوع أَبُو حَيّ من تَمِيم وَهُوَ يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر ابْن نزار بن معد بن عدنان وَالثَّانِي أَبُو بطن من مرّة
стр. 264
وَهُوَ يَرْبُوع بن غيظ بن مرّة ابْن عَوْف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ابْن مُضر بن نزار وسحيم بن وثيل يتَّصل نسبه بيربوع بن حَنْظَلَة كَمَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الجمهرة فَمن بني حميري بن ريَاح بن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة سحيم بن وثيل بن عَمْرو بن جُوَيْن بن أهيب بن حميري الشَّاعِر الْقَائِل
(أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا الْبَيْت)
وَهُوَ الَّذِي نافر غَالِبا أَبَا الفرزدق فِي الْإِسْلَام انْتهى
وَلَيْسَ فِي آبَاء سحيم من اسْمه جلا وسحيم شَاعِر مَعْرُوف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام عده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من شعراء الْإِسْلَام وَقَالَ سحيم بن وثيل شَاعِر خنذيذ شرِيف مَشْهُور الذّكر فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام جيد الْموضع فِي قومه وَقَالَ ابْن دُرَيْد عَاشَ سحيم فِي الْجَاهِلِيَّة أَرْبَعِينَ سنة وَفِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة فَهُوَ من الشُّعَرَاء المخضرمين وَله أَخْبَار مَعَ زِيَاد ابْن أَبِيه وَهُوَ الَّذِي افتخر مَعَ غَالب بن صعصعة وَالِد الفرزدق فِي نحر الْإِبِل فَبلغ عليا رَضِي الله فَأفْتى بِحرْمَة مَا نَحره سحيم وَسَتَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَذِه الْقِصَّة مشروحة فِي بَاب الِاشْتِغَال فِي قَول جرير (الطَّوِيل)
(تَعدونَ عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لَوْلَا الكمي المقنعا)
وَله سميان من الشُّعَرَاء أَحدهمَا سحيم بن الأعرف وَهُوَ من بني الهجيم وَكَانَ فِي الدولة الأموية وَلم يذكر أبن قُتَيْبَة فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء غير هَذَا
стр. 265
وَأورد طرفا من شعره وَالثَّانِي سحيم عبد بني الحسحاس وَكَانَ عبدا حَبَشِيًّا وَهُوَ صَاحب القصيدة الَّتِي أَولهَا (الطَّوِيل)
(عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا ... كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا)
وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب وَسَنذكر إِن شَاءَ الله تَرْجَمته بِتَوْفِيق الله تَعَالَى فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالتسْعين وَلم يذكر الْآمِدِيّ فِي كِتَابه المؤتلف والمختلف وَاحِدًا من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة مَعَ أَنه من شَرط كِتَابه وَقد حصل اللّبْس للعيني فِي بَاب المعرب والمبنى من اتِّفَاق أَسمَاء هَؤُلَاءِ فَزعم أَن الأول هُوَ الثَّالِث فَقَالَ سحيم بن وثيل الريَاحي كَانَ عبدا حَبَشِيًّا وَكَانَ عبد بني الحسحاس هَذَا فِيمَا قَالَه الْجَوْهَرِي انْتهى مَعَ أَن الْجَوْهَرِي لم يذكر لفظ سحيم فِي صحاحه وَأغْرب من هَذَا كُله أَنه أورد أبياتا قبل بَيت أَنا ابْن جلا وأكثرها من قصيدة المثقب الْعَبْدي الَّتِي أَولهَا (الوافر)
(أفاطم قبل بَيْنك متعيني ... ومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني)
وفيهَا بَيت لعَلي بن بدال من بني سليم وَهُوَ (الوافر)
(فَلَو أَنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين)
وَهَذَا ثَالِث أَبْيَات ثَلَاثَة يَأْتِي شرحها إِن شَاءَ الله فِي بَاب الْمثنى وفيهَا ثَلَاثَة أَبْيَات لسحيم بن وثيل من الأبيات الَّتِي شرحناها وَهِي قَوْله أَنا ابْن جلا الْبَيْت وَالثَّانِي وماذا يَبْتَغِي الشُّعَرَاء مني الْبَيْت وَالثَّالِث أَخُو خمسين مُجْتَمع أشدي الْبَيْت فَمَا أوردهُ مَجْمُوع من شعر شعراء ثَلَاثَة وَقَالَ فِي بَاب
стр. 266
مَا لَا ينْصَرف عِنْد شرح بَيت أَنا ابْن جلا قَائِله سحيم بن وثيل الريَاحي وَقيل المثقب الْعَبْدي وَقيل أَبُو زبيد وَقيل إِنَّه من قصيدة سحيم الَّتِي أَولهَا
(أفاطم قبل بَيْنك متعيني)
(تَتِمَّة)
المخضرم بِالْخَاءِ وَالضَّاد المعجمتين على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول وَنقل السُّيُوطِيّ فِي شرح تقريب النَّوَوِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة كسر الرَّاء أَيْضا قَالَ صَاحب الْقَامُوس هُوَ الْمَاضِي نصف عمره فِي الْجَاهِلِيَّة وَنصفه فِي الْإِسْلَام وَقيل من أدركهما وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يعمان الشَّاعِر وَغَيره وَقيل الشَّاعِر الَّذِي أدركهما وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب الصِّحَاح ثمَّ توسع حَتَّى أطلق على من أدْرك دولتين كرؤبة بن العجاج وَحَمَّاد عجرد فَإِنَّهُمَا أدْركَا دولة بني أُميَّة ودولة بني الْعَبَّاس وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح التَّقْرِيب المخضرم فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث هُوَ الَّذِي أدْرك الْجَاهِلِيَّة وزمن النَّبِي
وَلم يره وَفِي اصْطِلَاح أهل اللُّغَة هُوَ الَّذِي عَاشَ نصف عمره فِي الْجَاهِلِيَّة وَنصفه فِي الْإِسْلَام سَوَاء أدْرك الصُّحْبَة أم لَا فَبين الاصطلاحين عُمُوم وخصوص من وَجه فحكيم بن حزَام مخضرم باصطلاح اللُّغَة لَا الحَدِيث وَبشر بن عَمْرو مخضرم باصطلاح الحَدِيث لَا اللُّغَة انْتهى وَفِي تَعْرِيفه اصْطِلَاح اللُّغَة نظر وَتَأمل
ثمَّ قَالَ وَالْمرَاد بِإِدْرَاك الْجَاهِلِيَّة مَا قبل الْبعْثَة كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ الْعِرَاقِيّ وَفِيه نظر وَالظَّاهِر إِدْرَاك قومه أَو غَيرهم على الْكفْر
стр. 267
قبل فتح مَكَّة فَإِن الْعَرَب بعده بَادرُوا إِلَى الْإِسْلَام وَزَالَ أَمر الْجَاهِلِيَّة وخطب
فِي الْفَتْح بِإِبْطَال أمرهَا وَقد ذكر مُسلم فِي المخضرمين بشير بن عَمْرو وَإِنَّمَا ولد بعد الْهِجْرَة قَالَ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش مَاء خضرم كزبرج إِذا تناهى فِي الْكَثْرَة وَالسعَة فَمِنْهُ سمي الرجل الَّذِي شهد الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مخضرما كَأَنَّهُ استوفى الْأَمريْنِ قَالَ وَيُقَال أذن مخضرمة إِذا كَانَت مَقْطُوعَة فَكَأَنَّهُ انْقَطع عَن الْجَاهِلِيَّة إِلَى الْإِسْلَام وَحكى ابْن قُتَيْبَة عَن عبد الرَّحْمَن عَن عَمه قَالَ أسلم قوم فِي الْجَاهِلِيَّة على إبل قطعُوا آذانها فَسُمي كل من أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام مخضرما وَزعم أَنه لَا يكون مخضرما حَتَّى يكون إِسْلَامه بعد وَفَاة النَّبِي
وَهَذَا عِنْدِي خطأ لِأَن النَّابِغَة الْجَعْدِي ولبيدا قد وَقع عَلَيْهِمَا هَذَا الِاسْم وَحكى عَليّ بن الْحسن كرَاع يُقَال شَاعِر محضرم بحاء غير مُعْجمَة مَأْخُوذ من الحضرمة وَهِي الْخَلْط لِأَنَّهُ خلط الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَحكى ابْن خلكان مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة كسر الرَّاء أَيْضا وَأعلم أَن الشُّعَرَاء أَربع طَبَقَات الأولى جاهلي قديم الثَّانِيَة المخضرم الثَّالِثَة إسلامي الرَّابِعَة مُحدث وهم أَرْبَعَة أَقسَام شَاعِر خنذيذ بِالْخَاءِ وَالنُّون والذالين المعجمات على وزن إبريق وَهُوَ الَّذِي يجمع إِلَى جيد شعره رِوَايَة الْجيد من شعر غَيره وشاعر مفلق وَهُوَ الَّذِي لَا رِوَايَة لَهُ إِلَّا أَنه مجود
стр. 268
كالخنذيذ فِي شعره والمفلق مَعْنَاهُ الَّذِي يَأْتِي فِي شعره بالفلق بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعجب وَقيل هُوَ اسْم الداهية وشاعر فَقَط وَهُوَ الَّذِي فَوق الرَّدِيء بِدَرَجَة وشعرور وَهُوَ لَا شَيْء وَقيل بل هم
شَاعِر مفلق وشاعر مُطلق وشويعر وشعرور \ وسمى الشَّاعِر شَاعِرًا لِأَنَّهُ يشْعر لما لَا يشْعر لَهُ غَيره فَإِذا لم يكن عِنْد الشَّاعِر توليد معنى واختراعه واستطراف لفظ وابتداعه أَو زِيَادَة فِيمَا أجحف بِهِ غَيره من الْمعَانِي أَو نقص مِمَّا أطاله سواهُ من الْأَلْفَاظ وَصرف معنى إِلَى وَجه من وَجه آخر كَانَ اسْم الشَّاعِر عَلَيْهِ مجَازًا لَا حَقِيقَة وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ (الرجز)
(نبئت أخوالي بني يزِيد ... ظلما علينا لَهُم فديد)
على أَن يزِيد علم محكي لكَونه سمي بِالْفِعْلِ مَعَ ضَمِيره الْمُسْتَتر من قَوْلك المَال يزِيد وَلَو كَانَ من قَوْلك يزِيد المَال لوَجَبَ مَنعه من الصّرْف وَكَانَ هُنَا مجرورا بالفتحة ونبئت مَجْهُول نبأ بِالتَّشْدِيدِ من النبأ وَهُوَ الْخَبَر وَقَالَ الرَّاغِب النبأ خبر ذُو فَائِدَة عَظِيمَة يحصل بِهِ علم أَو غَلَبَة ظن وَلَا يُقَال للْخَبَر فِي الأَصْل نبأ حَتَّى يتَضَمَّن هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَحقه أَن يتعرى عَن الْكَذِب كاتلواتر وَخبر الله وَخبر الرَّسُول ولتضمن النبأ معنى الْخَبَر يُقَال أنبأته بِكَذَا أخْبرته بِهِ ولتضمنه معنى الْعلم قيل أنبأته كَذَا كَقَوْلِك عَلمته كَذَا
стр. 269
قَالَ السمين أنبأ ونبأ وَأخْبر وَخبر مَتى تَضَمَّنت معنى أعلم تعدت لثَلَاثَة مفاعيل وَهُوَ نِهَايَة التَّعَدِّي وَأما أعلمته بِكَذَا فلتضمنه معنى الْإِحَاطَة قيل ونبأته أبلغ من أنبأته وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾ وَلم يقل أنبأني لِأَنَّهُ من قبل الله تَعَالَى
وَالْمَفْعُول الأول هُنَا ضمير الْمُتَكَلّم فِي نبئت وَالثَّانِي أخوالي وَالثَّالِث جملَة لَهُم فديد وأصل المفعولين الْأَخيرينِ الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر والفديد الصَّوْت وَهُوَ مصدر فد يفد بِالْكَسْرِ أَي أَن أَصْوَاتهم تعلو علينا وَلَا يوقروننا فِي الْخطاب وَرجل فداد بِالتَّشْدِيدِ شَدِيد الصَّوْت وَفِي الحَدِيث إِن الْجفَاء وَالْقَسْوَة فِي الْفَدادِين وهم الَّذين تعلو أَصْوَاتهم فِي حروثهم ومواشيهم وَبني يزِيد هم تجار كَانُوا بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى وإليهم تنْسب البرود اليزيدية كَمَا يَأْتِي آنِفا نعت لأخوالي أَو بَيَان لَهُ أَو بدل مِنْهُ وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح لَا يحسن أَن يكون بَدَلا لِأَن الْبَدَل هُوَ الْمَقْصُود بِالذكر وَلَو جعلته بَدَلا لاحتاج إِلَى مَوْصُوف مُقَدّر وهم الأخوال أَو مَا يقوم مقامهم وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير مَعَ الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فَيتَعَيَّن أَن يكون صفة وَقد يجوز الْبَدَل على قبحة انْتهى وَفِيه نظر فَإِنَّهُ على تَقْدِير كَونه بَدَلا لَا يحْتَاج إِلَى مَوْصُوف مُقَدّر فَإِنَّهُ مَذْكُور وَهُوَ أخوالي وَلَيْسَ معنى الْإِبْدَال أَن يكون الْمُبدل مِنْهُ لَغوا سَاقِطا عَن الِاعْتِبَار كَيفَ وَقد يعود الضَّمِير عَلَيْهِ فِي نَحْو قطع زيد إصبعه فَلَو كَانَ فِي حكم السَّاقِط بِالْكُلِّيَّةِ لجهل مرجع الضَّمِير وَلم يقل أحد إِنَّه رَاجع إِلَى زيد مُقَدّر مَعَ وجوده وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بِالذكر فِي بدل الْكل الْمُبدل مِنْهُ وَالْبدل جَمِيعًا كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح الْمُحَقق وَيُؤَيِّدهُ أَنهم جعلُوا الْجِنّ بَدَلا
стр. 270
من شُرَكَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ﴾ فلولا اعتبارهما مَا كَانَ معنى لقولنا وَجعلُوا لله الْجِنّ وَقد تبع ابْن الْحَاجِب الزَّمَخْشَرِيّ فِي هَذَا فَإِنَّهُ منع فِي كشافة أَن يكون أَن اعبدوا الله بَدَلا من ضمير بِهِ من قَوْله تَعَالَى ﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله﴾ ظنا مِنْهُ أَن الْمُبدل مِنْهُ فِي قُوَّة السَّاقِط فَتبقى الصِّلَة بِلَا عَائِد ووهمه صَاحب الْمُغنِي بِأَن الْعَائِد مَوْجُود حسا فَلَا مَانع وَقد نقض ابْن الْحَاجِب مَا عده قبيحا هُنَا بقوله فِي أمالية وَالْأَحْسَن أَن يكون بني يزِيد بَدَلا من أخوالي لِأَن الْبَدَل إِنَّمَا يكون بالأسماء الْمَوْضُوعَة للذوات بِخِلَاف ابْن فَإِنَّهُ مَوْضُوع لذات بِاعْتِبَار معنى هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْبُنُوَّة
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق الْأَغْلَب فِي الْبَدَل أَن يكون جَامِدا بِحَيْثُ لَو حذف الأول لاستقل الثَّانِي وَلم يحْتَج إِلَى متبوع قبله فِي الْمَعْنى انْتهى وَلَا يجوز أَن يكون بني يزِيد الْمَفْعُول الثَّالِث لِأَنَّهُ لم يرد الْإِخْبَار عَن أَخْوَاله بِأَنَّهُم بَنو يزِيد وَلِأَن قَوْله لَهُم فديد يبْقى غير مُرْتَبِط بِمَا قبله وَقَوله ظلما عِنْدِي أَنه تَمْيِيز محول عَن الْمَفْعُول أَب نبئت ظلم أخوالي وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وَاخْتَارَهُ ابْن هِشَام فِي شواهده وَقد أُجِيز أَن يكون ظلما مَفْعُولا ثَالِثا يَعْنِي ظالمين أَو ذَوي ظلم وَيكون مَا بعده كالتفسير لَهُ وَلَا يخفي مَا فِي هَذَا وَقَالَ فِي أمالية لَا يجوز أَن يكون حَالا أَي بالتأويل الْمَذْكُور من أخوالي لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يتَقَيَّد وَلَا من ضمير لَهُم لِأَنَّهَا لَا تتقدم على عاملها الْمَعْنَوِيّ وَفِيه أَنه حَال من الْمَفْعُول لَا من الْمُبْتَدَأ لِأَنَّهُ انْفَسَخ حكمه وَقَوله لِأَن الْمُبْتَدَأ لَا يتَقَيَّد فِيهِ مُسَامَحَة لِأَن الْحَال إِنَّمَا هِيَ قيد فِي عاملها لَا فِي صَاحبهَا وَلما كَانَ الْعَامِل فِي المبتدا الِابْتِدَاء وَهُوَ لَيْسَ معنى فعليا ليَصِح تَقْيِيده امْتنع مَجِيء الْحَال مِنْهُ لذَلِك وَمن جوزه
стр. 271
كسيبويه لم يلْتَزم اتِّحَاد الْعَامِل فيهمَا فجوز أَن يكون الْعَامِل فِي الْمُبْتَدَأ الأبتداء وَفِي الْحَال مِنْهُ الانتساب وَاعْترض بِأَن الانتساب عَامل ضَعِيف لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتقدم الطَّرفَيْنِ عَلَيْهِ وَأجِيب بِأَن قوه طلب الْمُبْتَدَأ لخبره جعلته فِي حكم الْمُتَقَدّم وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون مَفْعُولا لأَجله كَمَا اخْتَارَهُ الْعَيْنِيّ سَوَاء كَانَ عِلّة لنبئت لِأَنَّهُ لم ينبأ لأجل ظلمهم أَو للاستقرار لِأَنَّهُ تقدم على عَامله الْمَعْنَوِيّ أَو للفديد لِأَنَّهُ يلْزم تقدم مَعْمُول الْمصدر عَلَيْهِ وَقيل تَمْيِيز من لَهُم فديد أَي يصيحون ظلما لَا عدلا وَفِيه أَن التَّمْيِيز لَا يتَقَدَّم على عَامله وَقيل هُوَ مفعول مُطلق عَامله من لَفظه محذوفا وَقَالَ الْعَيْنِيّ وَيجوز أَن يكون حَالا بِتَقْدِير جملَة أَي فِي حَال كَونهم يظْلمُونَ علينا ظلما فحذفت الْجُمْلَة الَّتِي وَقعت حَالا وأقيم الْمصدر مقَامهَا وَلَا يخفى أَن هَذِه الْوُجُوه كلهَا ظَاهر فِيهَا التعسف وَقَوله علينا أما مُتَعَلق بظلما أَو بقوله لَهُم وَلَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى تضمين الفديد معنى الْجور خلافًا للعيني لِأَنَّهُ يتَعَدَّى
بعلى وَقَوله لَهُم خبر مقدم لقَوْله فديد وَهُوَ بإشباع ضمة الْمِيم وإسكانها خطأ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جعل كل مصراع من بَحر وَذَلِكَ لَا يجوز كَمَا بَينه الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَأعلم أَن الرِّوَايَة يزِيد بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَرَوَاهُ ابْن يعِيش بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وَمن رَوَاهُ بالفوقية فقد تنطع وتبجح بِأَنَّهُ قد علم أَن فِي الْعَرَب تزيد بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّة وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيديه وَهُوَ مَرْدُود من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرِّوَايَة هُنَا بالتحتية وَالثَّانِي أَن تزيد بالفوقية فِي كَلَامهم مُفْرد لَا جملَة قَالَ
стр. 272
(الْكَامِل) ... يعثرن فِي حد الظبات كَأَنَّمَا ... كُسِيت برود بني تزيد الأذرع)
فاستعماله كالجملة خطأ انْتهى وَفِيمَا قَالَه أَمْرَانِ الأول قَوْله وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيدية وإيراده الْبَيْت أَعنِي كُسِيت برود بني تزيد الأذرع مَأْخُوذ من الصِّحَاح فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ وتزيد أَي بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَهُوَ تزيد بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيديه قَالَ عَلْقَمَة (البيسط)
(رد القيان جمال الْحَيّ فاحتملوا ... فَكلهَا بالتزيديات معكوم)
وَهِي برود فِيهَا خطوط حمر يشبه بهَا طرائق الدَّم قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(يعثرن فِي حد الظبات كَأَنَّمَا ... كُسِيت برود بني تزيد الأذرع)
انْتهى وَفِيه أُمُور الأول أَنه قصر فِي تعديد من اسْمه تزيد وهم على مَا ذكره العسكري فِي التَّصْحِيف ثَلَاثَة أحدهم تزيد قضاعة وَهُوَ مَا ذكره وَالثَّانِي تزيد الْأَنْصَار وَهُوَ تزيد بن جشم بن الخزرح بن حَارِثَة مِنْهُم صَاحب رَسُول الله
معَاذ بن جبل ﵁ وَالثَّالِث تزيد تنوخ كَانَت التّرْك أغارت عَلَيْهِم فأفنتهم فَقَالَ عَمْرو بن مَالك التزيدي (الوافر)
(وليلتنا بآمد لم ننمها ... كليلتنا بميا فارقينا)
الثَّانِي قَوْله تزيد بن حلوان بِالضَّمِّ وَتَبعهُ صَاحب الْعباب والقاموس وَغَيرهمَا صَوَابه تزيد بن حيدان نبه عَلَيْهِ العسكري فِي التَّصْحِيف فِيمَا تلحن فِيهِ الْخَاصَّة
стр. 273
الثَّالِث قَوْله وَإِلَيْهِ تنْسب البرود التزيدية صَوَابه الهوادج التزيدية كَمَا قَالَ العسكري قَالَ والبرود اليزيدية إِنَّمَا هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة منسوبة إِلَى بني يزِيد بالتحتية وَبَنُو يزِيد تجار كَانُوا بِمَكَّة حرسها الله وَهِي برود حمر وَأما قَول أبي ذُؤَيْب كُسِيت برود بني يزِيد الأذرع فَلَيْسَ إِلَّا يزِيد بِالْيَاءِ تحتهَا نقطتان وَمن قَالَ فِي هَذَا الْبَيْت بني تزيد بِالتَّاءِ فقد أَخطَأ وَقد أدعى الجهمي النسابة على الْأَصْمَعِي أَنه صحف تزيد بِالتَّاءِ منقوطة فَوْقهَا وَلَا أَدْرِي أصدق الجهمي أم كذب لِأَن الْأَصْمَعِي يُنكر فِي تَفْسِير أشعار هُذَيْل من يَقُول تزيد بتاء منقوطة فَوْقهَا انْتهى كَلَام العسكري وَرَأَيْت فِي شرح أشعار هُذَيْل للسكري فِي نُسْخَة بِخَط أبي بكر القناوي وَقد قَرَأَهَا ابْن فَارس على ابْن العميد وَعَلَيْهَا خطهما قَالَ فِي تَفْسِير هَذَا هَذ الْبَيْت الْعَامَّة تَقول بني تزيد أَي بنقطتين من فَوق وَلم أسمعها هَكَذَا وَرَأَيْت فِي شرحها أَيْضا للْإِمَام المرزوقي فِي هَذَا الْبَيْت روى الْأَصْمَعِي بني يزِيد أَي بالتحتية وَقَالَ هم
تجار كَانُوا بِمَكَّة وروى أَبُو عمر بني تزيد أَي بالفوقية وَقَالَ هُوَ تزيد بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَاحْتج بِبَيْت عَلْقَمَة
(فَكلهَا بالتزيديات معكوم)
والظبة حد السهْم وَالسيف وَمعنى الْبَيْت أَن الْحمر تعثر والسهام فِيهَا وأذرعها مِمَّا سَالَتْ من الدِّمَاء عَلَيْهَا كَأَنَّهَا كُسِيت برودا حمرا شبه طرائق الدَّم بطرائق البرود انْتهى
стр. 274
وَفِي الْعباب للصاغاني قَالَ ابْن حبيب تزيد بِالْمُثَنَّاةِ فَوق هُوَ تزيد بن حلوان إِلَى آخر مَا ذكره صَاحب الصِّحَاح وَقَالَ غير ابْن حبيب يزِيد بِالْمُثَنَّاةِ من تَحت وهم تجار كَانُوا بِمَكَّة وروى أَبُو عُبَيْدَة برود أبي يزِيد وَقَالَ كَانَ يَبِيع العصب بِمَكَّة وَهُوَ ضرب من البرود وَصَاحب الْقَامُوس قد أخل باختصاره حَيْثُ لم يُقيد بالفوقية أَو بالتحتية فَإِنَّهُ قَالَ تزيد بن حلوان أَبُو قَبيلَة وَمِنْه البرود التزيدية وَبهَا خطوط حمر فَلَا يعلم هُوَ بِالتَّاءِ أم بِالْيَاءِ رَأَيْت فِي مُعْجم مَا استعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ فِي الْكَلَام على جَزِيرَة الْعَرَب عِنْدَمَا ذكر تفرق كلمة الْعَرَب وَوُقُوع الحروب بَينهم وتشتتهم أَن تزيد تنوخ هِيَ تزيد قضاعة قَالَ وَخرجت فرقة من بني حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَرَئِيسهمْ عَمْرو بن مَالك التزيدي فنزلوا عبقر من أَرض الجزيرة فنسج نِسَاؤُهُم الصُّوف وَعمِلُوا مِنْهُ الزرابي فَهِيَ الَّتِي يُقَال لَهَا العبقرية وَعمِلُوا البرود وَهِي الَّتِي يُقَال لَهَا التزيدية وأغارت عَلَيْهِم التّرْك فَأَصَابَتْهُمْ وسبت مِنْهُ فَذَلِك قَول عَمْرو بن مَالك بن زُهَيْر (الوافر)
(أَلا لله ليل لم ننمه ... على ذَات الحصاب مجنبينا)
(وليلتنا بآمد لم ننمها ... كليلتنا بميا فارقينا)
وَأَقْبل الْحَارِث بن قراد البهراني وَمَضَت بهراء حَتَّى لحقت بِالتّرْكِ فهزموهم واستنقذوا مَا بِأَيْدِيهِم من بني تزيد انْتهى
الْأَمر الثَّانِي فِي كَلَام ابْن الْحَاجِب أَن قَوْله تزيد بالفوقية فِي كَلَامهم مُفْرد
стр. 275
لَا جملَة إِلَخ أَقُول لَا مَانع من اسْتِعْمَاله مُفردا وَجُمْلَة بِاعْتِبَار نَقله مَعَ الضَّمِير وبدونه كَمَا اسْتعْمل يزِيد بِالْوَجْهَيْنِ مَعَ الاعتبارين فِي قَوْله
(ليبك يزِيد ضارع لخصومة)
فَإِنَّهُم قَالُوا رُوِيَ ليبك بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَيزِيد مَفْعُوله وَهُوَ مَنْصُوب بالفتحة وضارع فَاعله وَرُوِيَ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَيزِيد نَائِب فَاعل وَأي فرق بَينهمَا تَأمل
(تَتِمَّة)
هَذَا الْبَيْت فِي غَالب كتب النَّحْو وَلم أظفر بقائله وَلم يعزه أحد لقائله غير الْعَيْنِيّ فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ لرؤبة بن العجاج وَقد تصفحت ديوانه فَلم أَجِدهُ فِيهِ وَالله أعلم
أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ (الطَّوِيل)
(جزى ربه عني عدي بن حَاتِم ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
على أَن الْأَخْفَش وَابْن جني قد أجازا اتِّصَال ضمير الْمَفْعُول بِهِ بالفاعل مَعَ تقدم الْفَاعِل لشدَّة اقْتِضَاء الْفِعْل للْمَفْعُول بِهِ كاقتضائه للْفَاعِل أَقُول وَمِمَّنْ ذهب مَذْهَبهمَا أَبُو عبد الله الطوَال من الْكُوفِيّين وَابْن مَالك فِي التسهيل وَشَرحه وَأطَال فِي الرَّد عَلَيْهِ الشاطبي فِي شرح الألفية وَنصر الإِمَام عبد القاهر الْجِرْجَانِيّ مَذْهَب الْأَخْفَش فِي الْمسَائِل المشكلة
стр. 276
قَالَ الفناري فِي حَاشِيَة المطول وَذهب بَعضهم إِلَى عدم إخلال الْإِضْمَار قبل الذّكر بالفصاحة مُسْتَندا بِأَن عبد القاهر قدوة فِي فن البلاغة وَهُوَ الْمرجع فِيهَا وَكَلَامه حجَّة مُطلقًا وَقد بَين ابْن جني مذهبَة فِي الخصائص فَقَالَ وَأَجْمعُوا على أَن لَيْسَ بجائز ضرب غُلَامه زيدا لتقدم الْمُضمر على مظهره لفظا وَمعنى وَقَالُوا فِي قَول النَّابِغَة
(جزى ربه عني عدي بن حَاتِم)
إِن الْهَاء عَائِدَة على عدي خلافًا على الْجَمَاعَة فَإِن قيل الْفَاعِل رتبته التَّقَدُّم وَالْمَفْعُول رتبته التَّأَخُّر فقد وَقع كل مِنْهُمَا الْموقع الَّذِي هُوَ أولى بِهِ فَلَيْسَ لَك أَن تعتقد فِي الْفَاعِل إِذا وَقع مُؤَخرا أَن مَوْضِعه التَّقْدِيم فَإِذا وَقع مقدما فقد أَخذ
مأخذه وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد وَقع الْمُضمر قبل مظهره لفظا وَمعنى وَهَذَا مَا لَا يجوزه الْقيَاس قيل الْأَمر وَإِن كَانَ ظَاهِرَة مَا تَقوله فَإِن هُنَا طَرِيقا آخر يسوغك غَيره وَذَلِكَ أَن الْمَفْعُول قد شاع وَأطْرد كَثْرَة تقدمه على الْفَاعِل حَتَّى دَعَا ذَاك أَبَا عَليّ إِلَى أَن قَالَ إِن تَقْدِيم الْمَفْعُول على الْفَاعِل فسم قَائِم بِرَأْسِهِ كَمَا أَن تَقْدِيم الْفَاعِل قسم أَيْضا قَائِم بِرَأْسِهِ وَإِن كَانَ تَقْدِيم الْفَاعِل أَكثر وَقد جَاءَ بِهِ الِاسْتِعْمَال مجيئا وَاسِعًا فَلَمَّا كثر وشاع تَقْدِيم الْمَفْعُول صَار كَأَن الْموضع لَهُ حَتَّى إِنَّه إِذا أخر فموضعه التَّقْدِيم فعلى ذَلِك كَأَنَّهُ قَالَ جزى عدي بن حَاتِم ربه ثمَّ قدم الْفَاعِل على أَنه قد قدره مقدما عَلَيْهِ مَفْعُوله فَجَاز لذَلِك وَلَا تستنكر هَذَا الَّذِي صورته لَك فَإِنَّهُ مِمَّا تقبله هَذِه اللُّغَة أَلا ترى أَن سيبوية أجَاز فِي جر الْوَجْه من قَوْلك هَذَا الْحسن الْوَجْه أَن يكون من موضِعين أَحدهمَا بِإِضَافَة الْحسن إِلَيْهِ وَالْآخر
стр. 277
تشبيهه لَهُ بالضارب الرجل مَعَ أَنا نعلم أَن الْجَرّ فِي الرجل إِنَّمَا جَاءَهُ من تشبيههم إِيَّاه بالْحسنِ الْوَجْه لَكِن لما أطْرد الْجَرّ فِي الضَّارِب الرجل صَار كَأَنَّهُ أصل فِي بَابه حَتَّى دَعَا ذَاك سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن عَاد فَشبه الْحسن الْوَجْه بِهِ وَهَذَا يدلك على تمكن الْفُرُوع عِنْدهم حَتَّى أَن الْأُصُول الَّتِي أَعْطَتْ فروعها حكما قد حارت فاستعارت من فروعها ذَلِك الحكم فَكَذَلِك تصيير تَقْدِيم الْمَفْعُول لما اسْتمرّ وَكثر كَأَنَّهُ هُوَ الأَصْل وَتَأْخِير الْفَاعِل كَأَنَّهُ أَيْضا هُوَ الأَصْل ويؤكد أَن الْهَاء فِي ربه لعدي بن حَاتِم من جِهَة الْمَعْنى عَادَة الْعَرَب فِي الدُّعَاء لَا تكَاد تَقول جزى رب زيد عمرا وَإِنَّمَا يُقَال جَزَاك رَبك خيرا أَو شرا وَذَلِكَ أوفق لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مجازيه ربه كَانَ أقدر على جَزَائِهِ وإيلامه وَلذَلِك جرى الْعرف بذلك فاعرفه انْتهى وَمُلَخَّص كَلَامه أَن الْمَفْعُول فِي هَذِه الصُّورَة مُتَقَدم فِي الرُّتْبَة لَكِن تَأَخّر لضَرُورَة الشّعْر فَالضَّمِير الْمُتَّصِل بالفاعل عَائِد على مُتَقَدم حكما وَهَذَا غير قَول الشَّارِح الْمُحَقق لشدَّة اقْتِضَاء الْفِعْل للْمَفْعُول بِهِ على أَن حفيد السعد قَالَ فِي حَاشِيَة المطول فِيهِ أَن ذَلِك لَا يدْفع الْإِضْمَار
قبل الذّكر نعم لَو كَانَ اقْتِضَاء الْمَفْعُول أَشد تمّ الْكَلَام انْتهى وَتبع التَّفْتَازَانِيّ فِي المطول الشَّارِح فِيمَا ذَكرْنَاهُ وَأورد بَيت الشَّاهِد وَقَوله
(لما عصى أَصْحَابه مصعبا ... أدّى إِلَيْهِ الْكَيْل صَاعا بِصَاع)
ثمَّ قَالَ ورد بِأَن الضَّمِير للمصدر الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ أَي رب الْجَزَاء وَأَصْحَاب الْعِصْيَان كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى﴾ أَي الْعدْل وَأما قَوْله
стр. 278
(الْبَسِيط)
(جزى بنوه أَبَا الغيلان عَن كبر ... وَحسن فعل كَمَا يجزى سنمار)
وَقَوله (الطَّوِيل)
(أَلا لَيْت شعري] هَل يَلُومن قومه ... زهيرا على مَا جر من كل جَانب)
فشاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ انْتهى قَالَ الفناري وَيُمكن أَن يُقَال الضَّمِير فِي ربه رَاجع إِلَى الْمُتَكَلّم على طَريقَة الِالْتِفَات عِنْد السكاكي على قَول امْرِئ الْقَيْس
(تطاول ليلك بالإثمد)
انْتهى وَلَا يخفي بُطْلَانه لسماجته فَإِن الِالْتِفَات إِنَّمَا وَقع من الْمُتَكَلّم إِلَى خطاب النَّفس لَا إِلَى الْغَيْبَة فَتَأمل وَالْجَزَاء الْمُكَافَأَة وَعَن هُنَا للبدل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ وَقَوله جَزَاء الْكلاب مصدر تشبيهي أَي
جَزَاء كجزاء الْكلاب العاويات وَهُوَ الضَّرْب والإهانة قيل هَذَا لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا المُرَاد الْكلاب الَّتِي تتداعى للسفاد يُقَال عاوت الكلبة الْكلاب فَهِيَ مُعَاوِيَة أَي دعتهم للسفاد وَلَا يكَاد يسْتَعْمل العواء للكلاب إِلَّا عِنْد السفاد والمستعمل فِي غير ذَلِك النباح وَإِنَّمَا العواء للسباع وَقيل أَنه يَعْنِي بالعاويات المسعورة وَمن شَأْنهَا إِذا أُرِيد برؤها أَن يُؤْخَذ سفود فَيدْخل فِي أدبارها والسعر بضمه وبضمتين والسعار بِضَم أَوله الْجُنُون والسعر ككتف الْمَجْنُون وَرُوِيَ الْكلاب العاديات جمع العادي من الْعَدو دَعَا عَلَيْهِ بِأحد هَذِه الْمعَانِي ثمَّ حققها عَلَيْهِ فَقَالَ وَقد فعل أَي اسْتَجَابَ الله مَا دَعَوْت عَلَيْهِ وحققه وَمثله للمتنبي (الطَّوِيل)
(وَهَذَا دُعَاء لَو سكت كفيته ... لِأَنِّي سَأَلت الله فِيك وَقد فعل)
стр. 279
وَجُمْلَة وَقد فعل حَال من ربه وَهَذَا الْبَيْت لأبي الْأسود الديلِي يهجو بِهِ عدي بن حَاتِم الطَّائِي وَزعم ابْن جني وَغَيره أَنه للنابغة الذبياني وَهُوَ وَإِن عاصر عديا لَكِن الَّذِي رُوِيَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ (الطَّوِيل)
(جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
وَلَيْسَ فِيهِ مَا نَحن فِيهِ وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَقَالَ الْعَيْنِيّ قيل إِن قَائِله لم يعلم حَتَّى قَالَ ابْن كيسَان أَحْسبهُ مولدا مصنوعا قَالَ وَالضَّمِير لغير عدي فَكَأَنَّهُ وصف رجلا أحسن إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ جزاه ربه خيرا وجزى عني عدي بن حَاتِم شرا فَحِينَئِذٍ لَا شذوذ فِي الْبَيْت وَلَا يخفى ركاكته أما أَبُو الْأسود الديلِي فاسمه ظَالِم بن عَمْرو بن سُفْيَان بن جندل بن يعمر ابْن حليس بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركه بن الياس بن مُضر بن نزار وهم إخْوَة قُرَيْش لِأَن قُريْشًا تخْتَلف فِي الْموضع الَّذِي أفترقت فِيهِ مَعَ بني أَبِيهَا والنسابون يَقُولُونَ إِن من لم يلده فهر بن مَالك بن النَّضر فَلَيْسَ قرشيا
وَهُوَ وَاضع علم النَّحْو بتعليم عَليّ ﵁ وَكَانَ من وُجُوه شيعته وَاسْتَعْملهُ على الْبَصْرَة بعد ابْن عَبَّاس وَقبل هَذَا كَانَ اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان ﵄ وَتُوفِّي فِيمَا ذكره الْمَدَائِنِي فِي الطَّاعُون الجارف فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَله خمس وَثَمَانُونَ سنة وَقيل مَاتَ قبل ذَلِك قَالَ الجاحظ أَبُو الْأسود الديلِي مَعْدُود فِي طَبَقَات من النَّاس وَهُوَ
стр. 280
فِيهَا كلهَا مقدم ومأثور عَنهُ الْفضل فِي جَمِيعهَا كَانَ معدودا فِي التَّابِعين وَالْفُقَهَاء والمحدثين وَالشعرَاء والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحويين والحاضرين الْجَواب والشيعة والبخلاء والصلع الْأَشْرَاف والبخلاء الْأَشْرَاف وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى كَانَ أَبُو الْأسود كَاتبا لِابْنِ عَبَّاس على الْبَصْرَة وَهُوَ الَّذِي يَقُول (الْكَامِل)
(وَإِذا طلبت من الْخَلَائق حَاجَة ... فَادع الْإِلَه وَأحسن الأعمالا)
(فليعطينك مَا أَرَادَ بقدرة ... وَهُوَ اللَّطِيف إِذا أَرَادَ فعالا)
(إِن الْعباد وشأنهم وأمورهم ... بيد الْإِلَه يقلب الأحوالا)
(فدع الْعباد وَلَا تكن بطلابهم ... لهجا تضعضع للعباد سؤالا)
وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَيَّاش قَالَ خطب أَبُو الْأسود امْرَأَة من عبد الْقَيْس يُقَال لَهَا أَسمَاء بنت زِيَاد فَأسر أمرهَا إِلَى صديق لَهُ من الأزد يُقَال لَهُ الْهَيْثَم بن زِيَاد فَحدث بِهِ ابْن عَم لَهُ كَانَ يخطبها وَكَانَ لَهَا مَال عِنْد أَهلهَا فَمشى ابْن عَمها الْخَاطِب لَهَا إِلَى أَهلهَا الَّذين مَالهَا فِي أَيْديهم فَأخْبرهُم خبر أبي الْأسود وسألهم أَن يمنعوها من نِكَاحه وَمن مَالهَا الَّذِي فِي أَيْديهم فَفَعَلُوا ذَلِك وضاروها حَتَّى تزوجت ابْن عَمها فَقَالَ أَبُو الْأسود فِي ذَلِك (الطَّوِيل)
(لعمري لقد أفشيت يَوْمًا فخانني ... إِلَى بعض من لم يخْش سرا ممنعا)
(فمزقه مزق الْعَمى وَهُوَ غافل ... ونادى بِمَا أخفيت مِنْهُ فأسمعا)
(فَقلت وَلم أفحش لعا لَك عاثرا ... وَقد يعثر السَّاعِي إِذا كَانَ مسرعا)
(وَلست بجازيك الْمَلَامَة إِنَّنِي ... أرى الْعَفو أدنى للرشاد وأوسعا)
...
стр. 281
(وَلَكِن تعلم أَنه عهد بَيْننَا فبن غير مَذْمُوم وَلَكِن مودعا)
(حَدِيث أضعناه كِلَانَا فَلَنْ أرى ... وَأَنت نجيا آخر الدَّهْر أجمعا)
(وَكنت إِذا ضيعت سرك لم تَجِد ... سواك لَهُ إِلَّا أشت وأضيعا)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (الطَّوِيل)
(أمنت امْرأ فِي السِّرّ لم يَك حازما ... وَلكنه فِي النصح غير مريب)
(أذاع بِهِ فِي النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياء نَار أوقدت بثقوب)
(وَكنت مَتى لم ترع سرك تَنْتَشِر ... قوارعه من مخطىء ومصيب)
(فَمَا كل ذِي لب بمؤتيك نصحه ... وَمَا كل مؤت نصحه بلبيب وَلَكِن إِذا مَا استجمعا عِنْد وَاحِد فَحق لَهُ من طَاعَة بِنَصِيب)
وَفِي الأغاني أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عوَانَة قَالَ كَانَ أَبُو الْأسود يجلس إِلَى فنَاء امْرَأَة بِالْبَصْرَةِ فيتحدث إِلَيْهَا وَكَانَت بَرزَة جميلَة فَقَالَت لَهُ يَا أَبَا الْأسود هَل لَك أَن أتزوجك فَإِنِّي صناع الْكَفّ حَسَنَة التَّدْبِير قانعة بالميسور قَالَ نعم فَجمعت أَهلهَا وتزوجته فَوجدَ عِنْدهَا خلاف مَا قدره وأسرعت فِي مَاله ومدت يَدهَا إِلَى خيانته وأفشت سره فغدا على من كَانَ حضر تَزْوِيجه إِيَّاهَا فَسَأَلَهُمْ أَن يجتمعوا عِنْده فَفَعَلُوا فَقَالَ لَهُم (المتقارب)
(أريت امْرأ كنت لم أبله ... فَقَالَ اتَّخَذَنِي صديقا خَلِيلًا)
(فخاللته ثمَّ أكرمته ... فَلم أستفد من لَدنه فتيلا)
(وألفيته حِين جربته ... كذوب الحَدِيث سروقا بَخِيلًا)
...
стр. 282
(فَذَكرته ثمَّ عاتبته ... عتابا رَفِيقًا وقولا جميلا)
(فَأَلْفَيْته غير مستعتب ... وَلَا ذَاكر الله إِلَّا قَلِيلا)
(أَلَسْت حَقِيقا بتوديعه ... وإتباع ذَلِك صرما طَويلا)
فَقَالُوا لَهُ بلَى وَالله يَا أَبَا الْأسود فَقَالَ تِلْكَ صاحبتكم وَقد طَلقتهَا لكم وَأَنا أحب أَن أستر مَا أنكرته من أمرهَا فَانْصَرَفت مَعَهم وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَيَّاش قَالَ كَانَ الْمُنْذر بن الْجَارُود الْعَبْدي صديقا لأبي الْأسود يُعجبهُ مُجَالَسَته وَحَدِيثه وَكَانَ كل مِنْهُمَا يغشى صَاحبه وَكَانَت لأبي الْأسود مقطعَة من برود يكثر لبسهَا فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر لقد أدمنت لبس هَذِه الْمُقطعَة فَقَالَ أَبُو الْأسود رب مملول يُسْتَطَاع فِرَاقه فَعلم الْمُنْذر أَنه قد احْتَاجَ إِلَى كسْوَة فأهدى لَهُ ثيابًا فَقَالَ أَبُو الْأسود يمدحه (الطَّوِيل)
(كساك وَلم تستكسه فحمدته ... أَخ لَك يعطيك الجزيل وياصر)
(وَإِن أَحَق النَّاس إِن كنت حامدا ... بحَمْدك من أَعْطَاك وَالْعرض وافر)
وروى الحريري فِي درة الغواص عَن عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر قَالَ
اجْتمع عندنَا أَبُو نصر أَحْمد بن حَاتِم وَابْن الْأَعرَابِي فتجاريا الحَدِيث إِلَى أَن حكى أَبُو نصر أَن أَبَا الْأسود دخل على عبيد الله بن زِيَاد وَعَلِيهِ ثِيَاب
стр. 283
رثَّة فَكَسَاهُ ثيابًا جددا من غير أَن عرض لَهُ بسؤال فَخرج وَهُوَ يَقُول وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ ثمَّ قَالَ وَأنْشد أَبُو نصر وياصر يُرِيد بِهِ ويعطف فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَعرَابِي بل هُوَ وناصر بالنُّون فَقَالَ لَهُ أَبُو نصر دعنى يَا هَذَا وياصري وَعَلَيْك بناصرك \ وَفِي الأغاني أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَ أَبُو حَرْب بن أبي الْأسود قد لزم منزل أَبِيه بِالْبَصْرَةِ وَلَا ينتجع أَرضًا وَلَا يطْلب الرزق فِي تِجَارَة وَلَا غَيرهَا فَعَاتَبَهُ أَبوهُ على ذَلِك فَقَالَ أَبُو حَرْب إِن كَانَ لي رزق فسيأتيني فَقَالَ لَهُ أَبوهُ (الوافر)
(وَمَا طلب الْمَعيشَة بالتمني ... وَلَكِن ألق دلوك فِي الدلاء)
(تَجِيء بملئها يَوْمًا وَيَوْما ... تَجِيء بحمأة وَقَلِيل مَاء)
وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس ﵁ يكرم أَبَا الْأسود لما كَانَ عَاملا بِالْبَصْرَةِ لعَلي ﵁ وَيَقْضِي حوائجة فَلَمَّا ولي ابْن عَامر جفاه وأبعده وَمنعه حَوَائِجه لما كَانَ يُعلمهُ من هَوَاهُ فِي عَليّ ﵁ فَقَالَ فِيهِ أَبُو الْأسود (الطَّوِيل)
(ذكرت ابْن عَبَّاس بِبَاب ابْن عَامر ... وَمَا مر من عيشي ذكرت وَمَا فضل)
(أميرن كَانَا صَاحِبي كِلَاهُمَا ... فكلا جزاه الله عني بِمَا فعل)
(فَإِن كَانَ شرا كَانَ شرا جَزَاؤُهُ ... وَإِن كَانَ خيرا كَانَ خيرا إِذا عدل)
وَفِيه أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى الْعُتْبِي قَالَ كَانَ لأبي الْأسود جَار فِي ظهر دَاره لَهُ بَاب إِلَى قَبيلَة أُخْرَى وَكَانَ بَين دَاره وَدَار أبي الْأسود بَاب مَفْتُوح يخرج
стр. 284
مِنْهُ كل وَاحِد إِلَى قَبيلَة صَاحبه إِذا أرادها وَكَانَ الرجل ابْن عَم أبي الْأسود دنيا وَكَانَ شرسا سيء الْخلق فَأَرَادَ سد ذَلِك الْبَاب فَقَالَ لَهُ قومه لَا تفعل فتضر بِأبي الْأسود وَهُوَ شيخ وَلَيْسَ عَلَيْك فِي هَذَا الْبَاب ضَرَر وَلَا مُؤنَة فَأبى إِلَّا سَده ثمَّ نَدم على ذَلِك لِأَنَّهُ أضرّ بِهِ فَكَانَ إِذا أَرَادَ سلوك الطَّرِيق الَّتِي يسلكها مِنْهُ بعد عَلَيْهِ فعزم على فَتحه وَبلغ ذَلِك أَبَا الْأسود فَمَنعه مِنْهُ وَقَالَ فِيهِ (الوافر)
(بليت بِصَاحِب إِن أدن شبْرًا ... يزدني فِي مباعدة ذِرَاعا)
(وَإِن أمدد لَهُ فِي الْوَصْل ذرعي ... يزدني فَوق قيس الذرع بارعا)
(أَبَت نَفسِي لَهُ إِلَّا اتبَاعا ... وتأبى نَفسه إِلَّا امتناعا)
(كِلَانَا جَاهد أدنو وينأى ... فَذَلِك مَا اسْتَطَعْت وَمَا استطاعا)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (مجزوء الْكَامِل)
(أعصيت أَمر ذَوي النهى ... وأطعت أَمر ذَوي الجهاله)
(أَخْطَأت حِين صرمتني ... والمرء يعجز لَا محاله)
(وَالْعَبْد يقرع بالعصا ... وَالْحر تكفيه المقاله)
وَقد أطلتا فِي إِيرَاد شعره لَكنا أطبنا فَإِن حِكْمَة شِفَاء الصُّدُور ودرر قلائد النحور وَأما عدي بن حَاتِم فنسبته عدي بن حَاتِم الطَّائِي بن عبد الله بن سعد ابْن حشرج بن امْرِئ الْقَيْس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم واسْمه هزومة بن ربيعَة ابْن جَرْوَل بن ثعل بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طَيئ بن أدد
стр. 285
بن زيد بن كهلان إِلَّا أَنهم يَخْتَلِفُونَ فِي بعض الْأَسْمَاء إِلَى طَيء وكنية عدي أَبُو طريف قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي
فِي كتاب المعمرين عَاشَ عدي مائَة وَثَمَانِينَ سنة ا. هـ.
قدم على النَّبِي
فِي شعْبَان من سنة سبع وَقَالَ الْوَاقِدِيّ من سنة عشر وَخَبره فِي قدومه خبر عَجِيب وَحَدِيث صَحِيح ثمَّ قدم على أبي بكر ﵁ بصدقات قومه فِي حِين الرِّدَّة وَمنع قومه وَطَائِفَة مَعَهم من الرِّدَّة بِثُبُوتِهِ على الْإِسْلَام وَحسن رَأْيه وَكَانَ سريا شريفا فِي قومه خَطِيبًا حَاضر الْجَواب فَاضلا كَرِيمًا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا دخل وَقت صَلَاة قطّ إِلَّا وَأَنا أشتاق إِلَيْهَا وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ مَا دخلت على النَّبِي
قطّ إِلَّا وسع لي أَو تحرّك وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فِي بَيته وَقد امْتَلَأَ من أَصْحَابه فَوسعَ لي حَتَّى جَلَست إِلَى جنبه وَفِي حَدِيث الشّعبِيّ أَن عدي بن حَاتِم قَالَ لعمر بن الْخطاب ﵁ إِذْ قدم عَلَيْهِ مَا أَظُنك تعرفنِي فَقَالَ وَكَيف لَا أعرفك وَأول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله
صَدَقَة طَيئ أعرفك آمَنت إِذْ كفرُوا وَأَقْبَلت إِذْ أدبروا ووفيت إِذْ غدروا ثمَّ نزل عدي الْكُوفَة وسكنها وَشهد مَعَ عَليّ ﵁ الْجمل وفقئت عينه يَوْمئِذٍ ثمَّ شهد مَعَ عَليّ ﵁ صفّين والنهروان وَمَات بِالْكُوفَةِ وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين فِي سنة سبع وَسِتِّينَ كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب لِابْنِ عبد الْبر وَأما شعر النَّابِغَة الذبياني فَهُوَ (الطَّوِيل)
(جزى الله عبسا عبس آل بغيض ... جَزَاء الْكلاب العاويات وَقد فعل)
...
следующие страницы →