Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وَقَالَ رجل من أَزْد السراة يصف برقاً: الطَّوِيل
(فظلت لَدَى الْبَيْت الْعَتِيق أخيله ... ومطواي مشتاقان لَهُ أرقان)
أَي: صَاحِبَايَ. انْتهى.
وَقَوله: مشتاقان خبر مطواي. وَكَذَلِكَ أرقان وَضمير لَهُ للبرق أَيْضا.
وروى صَاحب الأغاني وَمُحَمّد بن حَمْزَة الْعلوِي فِي حماسته: ومطواي من شوقٍ لَهُ أرقان وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ فأرقان خبر مطواي وَمن تعليلية مُتَعَلقَة بأرقان وَهُوَ مثنى أرق بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ وصف من الأرق بِفَتْحِهَا بِمَعْنى السهر.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة ليعلى الْأَحول الْأَزْدِيّ مطْلعهَا فِي رِوَايَة أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ:
(أويحكما يَا واشيي أمّ معمرٍ ... بِمن وَإِلَى من جئتما تشيان)
(بِمن لَو أرَاهُ عانياً لفديته ... وَمن لَو رَآنِي عانياً لفداني)
(ارقت لبرقٍ دونه شدوان ... يمانٍ وأهوى الْبَرْق كلّ يمَان)
(فبتّ لَدَى الْبَيْت الْحَرَام أشيمه ... ومطواي من شوقٍ لَهُ أرقان))
إِلَى أَن قَالَ بعد أَرْبَعَة أَبْيَات:
(أَلا لَيْت حاجات اللّواتي حبستني ... لَدَى نافعٍ قضّين مُنْذُ زمَان)
...
стр. 2172
(وَمَا بِي بغضٌ للبلاد وَلَا قلّى ... ولكنّ شوقاً فِي سواهُ دَعَاني)
(فليت القلاص الْأدم قد وخدت بِنَا ... بوادٍ يمَان فِي رَبًّا ومحان)
(بوادٍ يمَان ينْبت السّدر صَدره ... وأسفله بالمرخ والشّبهان)
(يدافعنا من جانبيه كِلَاهُمَا ... غريفان من طرفائه هدبان)
(وليت لنا بالجوز واللّوز غيلَة ... جناها لنا من بطن حلية جاني)
(وليت لنا بالدّيك مكّاء روضةٍ ... على فننٍ من بطن حلية داني)
(وليت لنا من مَاء زَمْزَم شربةً ... مبرّدة باتت على طهيان)
الواشي: النمام وشى يشي وشياً. والعاني: الْأَسير. وشدوان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالدَّال قَالَ أَبُو عبيد فِي المعجم: هُوَ مَوضِع ذكره أَبُو بكر.
وَنَافِع: وَالِي مَكَّة كَانَ حبس الشَّاعِر.
والقلاص: جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة. والأدم: جمع أدماء. والأدمة فِي الْإِبِل: الْبيَاض الشَّديد. ووخدت: أسرعت. وَربا: جمع ربوة. ومحان: جمع محنية: بِفَتْح الْمِيم وَكسر النُّون
والمرخ: شجر سريع الوري. والشبهان بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْمُوَحدَة وَفتحهَا: شجر شائك وَقيل: هُوَ النمام من الرياحين.
والغريف بالغين الْمُعْجَمَة: الشّجر الْكثير الملتف أَي شجر كَانَ. والهدب بِفَتْح فَكسر: الشّجر الَّذِي لَهُ هدب بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ كل ورق لَيْسَ لَهُ عرض كورق الأثل والطرفاء والسرو.
стр. 2173
والغيلة بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة: ثَمَرَة الْأَرَاك الرّطبَة. تمنى أَن يَأْكُل الغيلة بدل الْجَوْز واللوز.
وَحلية: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام بعْدهَا مثناة تحتية قَالَ أَبُو عبيد فِي المعجم: أجمة بِالْيمن مَعْرُوفَة وَهِي مأسدة.
وَقَوله: وليت لنا بالديك أَي: بدل الديك.
وطهيان بِفَتْح الطَّاء وَالْهَاء والمثناة التَّحْتِيَّة وَهُوَ جبل. يُرِيد أَيْضا بَدَلا من مَاء زَمْزَم.
وَهَذَا الْبَيْت يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حُرُوف الْجَرّ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسبْعين بعد السبعمائة.)
ويعلى الْأَزْدِيّ بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَاللَّام بعْدهَا ألف مَقْصُورَة. قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: يعلى الْأَحول الْأَزْدِيّ هُوَ ابْن مُسلم ابْن أبي قيس أحد بني يشْكر بن عَمْرو بن رالان. ورالان هُوَ يشْكر.
ويشكر لقب لقب بِهِ ابْن عمرَان بن عَمْرو بن عدي بن حَارِثَة بن لوذان بن كَهْف الظلام هَكَذَا وجدته بِخَط الْمبرد ابْن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن عَامر. شَاعِر إسلامي لص من شعراء الدولة الأموية. وَقَالَ هَذِه القصيدة وَهُوَ مَحْبُوس بِمَكَّة عِنْد نَافِع بن عَلْقَمَة الْكِنَانِي فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان.
قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: كَانَ يعلى الْأَحول الْأَزْدِيّ لصاً فاتكاً وَكَانَ خليعاً يجمع صعاليك الأزد وخلعاءهم فيغير بهم على أَحيَاء الْعَرَب وَيقطع الطَّرِيق على
السابلة فشكيي إِلَى نَافِع بن عَلْقَمَة بن محرث الْكِنَانِي ثمَّ الْفُقيْمِي وَهُوَ
стр. 2174
خَال مَرْوَان بن عبد الْملك وَكَانَ وَالِي مَكَّة فَأخذ بِهِ عشيرته الأزديين فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك وَاجْتمعَ إِلَيْهَا شُيُوخ الْحَيّ فعرفوه أَنه خليع قد تبرؤوا مِنْهُ وَمن جرائره إِلَى الْعَرَب وَأَنه لَو أَخذ بِهِ سَائِر الأزد مَا وضع يَده فِي أَيْديهم.
فَلم يقبل ذَلِك مِنْهُم وألزمهم إِحْضَاره وَضم إِلَيْهِم شرطا يطلبونه إِذا طرق الْحَيّ يجيئونه بِهِ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِم فِي أمره طلبوه حَتَّى وجدوه فَأتوهُ بِهِ فقيده وأودعه الْحَبْس فَقَالَ فِي محبسه هَذِه القصيدة.
كَذَا قَالَ الْمبرد وَعَمْرو بن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَن أَبِيه. قَالَ الشَّيْبَانِيّ: وَيُقَال إِنَّهَا لعَمْرو بن أبي عمَارَة الْأَزْدِيّ من بني خُنَيْس. وَيُقَال إِنَّهَا لجواس بن حَيَّان من أَزْد عمان. وَالله أعلم.
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الثلاثمائة الْبَسِيط
(وَمَا نبالي إِذا مَا كنت جارتنا ... أَن لَا يجاورنا إلاّك ديّار)
على أَن وُقُوع الضَّمِير الْمُتَّصِل بعد إِلَّا شَاذ وَالْقِيَاس وُقُوعه بعْدهَا مُنْفَصِلا نَحْو: أَن لَا يجاورنا إِلَّا إياك ديار.
وَإِنَّمَا اسْتحق النصب لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مقدم على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهُوَ ديار.
وَإِنَّمَا اسْتحق الْفَصْل مَعَ أَنه مَعْمُول ل إِلَّا على الصَّحِيح لِأَن نَحْو: مَا لقِيت
стр. 2175
إِلَّا إياك مَعْمُول للْفِعْل بالِاتِّفَاقِ فَلَا يَصح اتِّصَاله بِغَيْر عَامله ثمَّ حمل عَلَيْهِ غير المفرغ ليجريا على سنَن وَاحِد.
وَإِنَّمَا سهل وَصله فِي الضَّرُورَة لثَلَاثَة أُمُور: أَحدهَا: أَن الأَصْل فِي الضَّمِير الِاتِّصَال.
الثَّانِي: أَن الأَصْل فِي الْحَرْف الناصب للضمير أَن يتَّصل بِهِ نَحْو: إِنَّك ولعلك.
الثَّالِث: أجْرى إِلَّا مجْرى غير أُخْتهَا فأجريت مجْراهَا فِي الْوَصْف بهَا.
وَزعم ابْن مَالك فِي شرح التسهيل أَن الْفَصْل فِي الْبَيْت لَيْسَ بضرورة لتمكن الشَّاعِر من أَن يَقُول: وَإِذا فتح هَذَا الْبَاب لم يبْق فِي الْوُجُود ضَرُورَة وَإِنَّمَا الضَّرُورَة عبارَة عَمَّا أَتَى فِي الشّعْر على خلاف مَا عَلَيْهِ النثر كَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده.
وَهَذَا الْبَيْت أنْشدهُ الْفراء فِي تَفْسِيره وَلم يعزه إِلَى أحد. قَالَ شَارِح اللب: وَرِوَايَة الْبَصرِيين: أَن لَا يجاورنا حاشاك ديّار
قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: ديار من الْأَسْمَاء المستعملة فِي النَّفْي الْعَام يُقَال: مَا فِي الديار ديار وديور كقيام وقيوم. وَهُوَ فيعال من الدّور أَو من
стр. 2176
الدَّار أَصله ديوار فَفعل بِهِ مَا فعل بِأَصْل سيد وَلَو كَانَ فعالاً لَكَانَ دوار.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أمالي الْمفصل: مَعْنَاهُ إِذا حصلت مجاورتك فانتفاء مجاورة كل أحد مغتفرة غير مبال بهَا لِأَن مجاورتك هِيَ الْمَقْصُودَة دون جَمِيع المجاورات. وَأَن لَا يجاورنا فِي مَوضِع مفعول إِمَّا على تَقْدِير حذف حرف جر كَقَوْلِك: مَا باليت بزيد أَو على التَّعَدِّي بِنَفسِهِ كَقَوْلِك: مَا باليت زيدا. وديار فَاعل ل يجاورنا. انْتهى.)
وَقَول الْعَيْنِيّ إِلَّا هُنَا بِمَعْنى غير فَاسد يظْهر بِالتَّأَمُّلِ.
وَهَذَا الْبَيْت قَلما خلا عَنهُ كتاب نحوي. وَالله أعلم بقائله.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: الهزج كأنّا يَوْم قرّى إنّما نقْتل إيّانا على أَن إيانا فصل من عَامله لوُقُوعه بعد معنى إِلَّا وَهُوَ شَاذ.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب من أَبْوَاب الْمُضمر: هَذَا بَاب مَا يجوز فِي الشّعْر من أيا وَلَا يجوز فِي الْكَلَام.
فَمن ذَلِك قَول حميد الأرقط: إِلَيْك حتّى بلغت إيّاكا وَقَالَ الآخر لبَعض اللُّصُوص: كأنّا يَوْم قرّى إنّما نقْتل إيّانا انْتهى.
стр. 2177
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي وضع إيانا مَوضِع الضَّمِير الْمُتَّصِل فِي نقتلنا وَفِي وضع إياك مَوضِع الْكَاف ضَرُورَة.
وَقَالَ الزّجاج: أَرَادَ بلغتك إياك فَحذف الْكَاف ضَرُورَة. وَهَذَا التَّقْدِير لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ حذف الْمُؤَكّد وَترك التوكيد مؤكداً لغير مَوْجُود فَلم يخرج من الضَّرُورَة إِلَّا إِلَى أقبح مِنْهَا.
وَالْمعْنَى: سَارَتْ هَذِه النَّاقة إِلَيْك حَتَّى بلغتك. انْتهى.
أتتك عنسٌ تقطع الأراكا والعنس بِسُكُون النُّون: النَّاقة الشَّدِيدَة أَي: تقطع الْأَرَاضِي الَّتِي هِيَ منابت للأراك.
وَكَانَ حق الْكَلَام فِي الْبَيْت الشَّاهِد أَن يَقُول نقْتل أَنْفُسنَا لِأَن الْفِعْل لَا يتَعَدَّى فَاعله إِلَى ضَمِيره إِلَّا أَن يكون من أَفعَال الْقُلُوب لَا تَقول: ضربتني وَلَا أضربني وَلَا ضربتك بِفَتْح التَّاء وَلَا زيد ضربه على إِعَادَة الضَّمِير إِلَى زيد وَلَكِن تَقول: ضربت نَفسِي وَضربت نَفسك وَزيد ضرب نَفسه.
وَإِنَّمَا تجنبوا تعدِي الْفِعْل إِلَى ضمير فَاعله كَرَاهَة أَن يكون الْفَاعِل مَفْعُولا فِي اللَّفْظ فاستعملوا فِي مَوضِع الضَّمِير النَّفس نزلوها منزلَة الْأَجْنَبِيّ واستجازوا ذَلِك فِي أَفعَال الْعلم وَالظَّن الدَّاخِلَة)
على جملَة الِابْتِدَاء فَقَالُوا: حسبتني فِي الدَّار وَلم يَأْتِ هَذَا فِي غير هَذَا الْبَاب إِلَّا فِي فعلين قَالُوا: عدمتني وفقدتني.
وَلما لم يُمكن هَذَا الشَّاعِر أَن يَقُول: نقْتل أَنْفُسنَا وَلَا نقتلنا وضع إيانا مَوضِع نَا وَحسن ذَلِك قَلِيلا أَن اسْتِعْمَال الْمُتَّصِل هَا هُنَا قَبِيح أَيْضا وَأَن الضَّمِير الْمُنْفَصِل أشبه بِالظَّاهِرِ الْمُتَّصِل ف إيانا أشبه بِأَنْفُسِنَا من نَا. وَلَكِن أقبح مِنْهُ قَول حميد: إِلَيْك حتّى بلغت إيّاكا
стр. 2178
وَالْبَيْت من أَبْيَات لذِي الإصبع العدواني وَهِي:
(لَقينَا مِنْهُم جمعا ... فأوفى الْجمع مَا كَانَا)
(كأنّا يَوْم قرّى ... إنّما نقْتل إيّانا)
(قتلنَا مِنْهُم كلّ ... فَتى أَبيض حسّانا)
(يرى يرفل فِي بردين ... من أبراد نجرانا)
كَذَا فِي أمالي ابْن الشجري.
وَلم يرو ابْن الْأَعرَابِي فِي أَمَالِيهِ الْبَيْت الأول وَأنْشد بعد نَجْرَان:
(إِذا يسرح ضأناً م ... ائةً أتبعهَا ضانا)
وَقَوله: فأوفى الْجمع الخ هُوَ فعل مَاض من الْوَفَاء وَيجوز أَن يُرِيد فأوفى بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فَحذف وأوصل. وَيجوز أَن يُرِيد فوفى الْجمع الَّذِي لقيناه مَا كَانَ عَلَيْهِ أَن يَفْعَله من الْإِقْدَام على قتالنا.
وَقَوله: كأنا يَوْم قرى الخ بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا ألف مَقْصُورَة. قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ وَيَاقُوت فِي معجمهما: قرى: مَوضِع فِي بِلَاد بني الْحَارِث بن كَعْب.
وَزَاد أَبُو عبيد: وَقَالَ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي: قرى: ماءة قريبَة من تبَالَة وتبالة بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة بعْدهَا لَام على وزن فعالة: بلد وَهِي الَّتِي يضْرب بهَا الْمثل فَيُقَال: أَهْون من تبَالَة على الْحجَّاج أَبُو الْيَقظَان: هِيَ أول عمل وليه الْحجَّاج وَهِي بَلْدَة صَغِيرَة من الْيمن فَلَمَّا قرب مِنْهَا قَالَ للدليل: أَيْن هِيَ قَالَ: تسترها عَنْك هَذِه الأكمة. قَالَ: أَهْون عَليّ بِعَمَل بَلْدَة تسترها عني أكمة وكر رَاجعا.
стр. 2179
قَالَ ابْن الشجري: وَمعنى قَوْله كأنا نقْتل إيانا تَشْبِيه المقتولين بِنَفسِهِ وَقَومه فِي الْحسن والسيادة فَلذَلِك وَصفه بِمَا بعده أَي: هم سادة يلبسُونَ أبراد الْيمن فكأننا بقتلنا إيَّاهُم قتلنَا أَنْفُسنَا.)
انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أَي: لَا يَنْبَغِي أَن نقْتل مِنْهُم لنفاستهم وَلَكِن ألجئونا إِلَى ذَلِك.
وَقَالَ الأعلم: وصف قوما أوقعوا ببني عمهم فكأنهم بِقَتْلِهِم قاتلون أنفسهم.
وَقَوله: كل فَتى أَبيض حسانا هم بِضَم الْحَاء وَتَشْديد السِّين: وصف بِمَعْنى الْكثير الْحسن كالطوال بِمَعْنى المفرط فِي الطول والكبار بِمَعْنى المفرط فِي الْكبر. وَالْبَيَاض هُنَا: نقاء الْعرض عَن كل مَا يعاب بِهِ.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا لَا يكون الِاسْم فِيهِ إِلَّا نكرَة قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْخطاب أَنه سمع من يوثق بعربيته من الْعَرَب ينشد هَذَا الْبَيْت:
(قتلنَا مِنْهُم كلّ ... فَتى أَبيض حسّانا)
ف أَبيض وَحسان منصوبان على أَنَّهُمَا نعتان. وَيجوز عِنْدِي أَن يَكُونَا صفتين لفتى وفتحتهما نائبة عَن الكسرة لِأَنَّهُمَا ممنوعان من الصّرْف.
وَتبع ابْن الشجري سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ: نصب حسانا على الْوَصْف ل كل وَلَو كَانَ فِي نثر لجَاز حسانين وَصفا لكل على مَعْنَاهَا لِأَن لَفظهَا وَاحِد وَمَعْنَاهَا جمع. قَالَ: يُقَال حَسَنَة وَحسن فَإِذا بالغوا فِي الْحسن قَالُوا: حسان وحسانة مخففان فَإِذا أَرَادوا النِّهَايَة فِيهِ قَالُوا: حسان وحسانة مشددان.
стр. 2180
وَقَوله: يرى يرفل الخ الأول بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يُقَال: رفل فلَان فِي ثَوْبه وَذَلِكَ إِذا طَال الثَّوْب على لابسه وجره فِي مَشْيه ويفعلون ذَلِك تكبراً. ونجران: بلد بِالْيمن ينسج فِيهَا البرود الجيدة.
وَذُو الإصبع العدواني: شَاعِر معمر من شعراء الْجَاهِلِيَّة. قَالَ أَبُو حَاتِم فِي كتاب المعمرين: عَاشَ ذُو الإصبع وَهُوَ حرثان بن محرث من عدوان بن
عَمْرو بن قيس عيلان ثلثمِائة سنة وَقَالَ: الْبَسِيط
(أَصبَحت شَيخا أرى الشخصين أَرْبَعَة ... والشّخص شَخْصَيْنِ لمّا مسّني الْكبر)
(لَا أسمع الصّوت حتّى أستدير لَهُ ... لَيْلًا وَإِن هُوَ ناغاني بِهِ الْقَمَر)
وَإِنَّمَا قَالَ لَيْلًا لِأَن الْأَصْوَات هادئة فَإِذا لم يسمع بِاللَّيْلِ والأصوات سَاكِنة كَانَ من أَن يسمع بِالنَّهَارِ مَعَ ضجة النَّاس ولغطهم أبعد. وَإِنَّمَا قيل لَهُ ذُو الإصبع لِأَنَّهُ كَانَت لَهُ فِي رجله إِصْبَع زَائِدَة.)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: ذُو الإصبع حرثان بن عَمْرو من عدوان بن عَمْرو بن قيس عيلان وَكَانَ جاهلياً. وَسمي ذَا الإصبع لِأَن حَيَّة نهشت إصبعه فقطعها. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: نسبه أَحْمد بن عبيد وَغَيره. فَقَالُوا: هُوَ حرثان بن الْحَارِث. والأصمعي يَقُول: ابْن السموءل بن محرث بن شَبابَة بن ربيعَة بن هُبَيْرَة بن ثَعْلَبَة بن الظرب بن عَمْرو بن عياذ بن يشْكر بن عدوان وَهُوَ الْحَرْث بن عَمْرو بن سعد بن قيس بن عيلان بن مُضر بن نزار. وَإِنَّمَا سمي ذَا الإصبع لِأَن أفعلى نهشت إِبْهَام رجله فقطعها. وَيُقَال: إِنَّه كَانَت لَهُ إِصْبَع زَائِدَة. انْتهى.
وَقَالَ علم الْهدى السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ غرر الْفَوَائِد ودد القلائد: وَمن المعمرين ذُو الإصبع العدواني واسْمه حرثان بن محرث بن
стр. 2181
الْحَارِث بن ربيعَة بن وهب ابْن ثَعْلَبَة بن ظرب بن عَمْرو بن عياذ بن يشْكر بن عدوان وَهُوَ الْحَارِث بن عَمْرو ابْن قيس بن عيلان بن مُضر. وَإِنَّمَا سمي الْحَارِث عدوان لِأَنَّهُ عدا عَليّ أَخِيه فهم
فَقتله. وَقيل: بل فَقَأَ عينه.
وَقيل: إِن اسْم ذِي الإصبع محرث بن حرثان وَقيل حرثان بن حويرث وَقيل حرثان بن حَارِثَة.
وَيُقَال: إِنَّه عَاشَ مائَة وَسبعين سنة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّه عَاشَ ثلثمِائة سنة. وَهُوَ أحد حكام الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة.
ثمَّ أورد السَّيِّد جملا من أَحْوَاله إِلَى أَن أورد هَذِه الْحِكَايَة. وأوردها الزجاجي أَيْضا فِي أَمَالِيهِ الصُّغْرَى بسندهما إِلَى سعيد بن خَالِد الجدلي أَنه قَالَ: لما قدم عبد الْملك بن مَرْوَان الْكُوفَة بعد قتل مُصعب بن الزبير دَعَا النَّاس إِلَى فرائضهم فأتيناه فَقَالَ: مِمَّن الْقَوْم فَقُلْنَا: من جديلة.
فَقَالَ: جديلة عدوان قُلْنَا: نعم. فتمثل عبد الْملك:
стр. 2182
الهزج
(عذير الحيّ من عدوا ... ن كَانُوا حيّة الأَرْض)
(بغى بَعضهم بَعْضًا ... فَلم يرعوا على بعض)
(وَمِنْهُم كَانَت السّاد ... ات والموفون بالقرض)
ثمَّ أقبل على رجل كُنَّا قدمْنَاهُ أمامنا جسيم وسيم فَقَالَ: أَيّكُم يَقُول هَذَا الشّعْر فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقلت من خَلفه: يَقُوله ذُو الإصبع. فتركني وَأَقْبل على ذَلِك الجسيم فَقَالَ: وَمَا كَانَ اسْم ذِي الإصبع فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقلت أَنا من خَلفه: اسْمه حرثان. فَأقبل عَلَيْهِ وَتَرَكَنِي. فَقَالَ: لم سمي ذَا الإصبع فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقلت أَنا من خَلفه: نهشته حَيَّة على إصبعه.)
فَأقبل عَلَيْهِ وَتَرَكَنِي. فَقَالَ: من أَيّكُم كَانَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقلت أَنا من خَلفه: من بني نَاجٍ.
فَأقبل على الجسيم فَقَالَ: كم عطاؤك فَقَالَ: سَبْعمِائة
دِرْهَم. ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ: كم عطاؤك فَقلت: أَرْبَعمِائَة دِرْهَم. فَقَالَ لكَاتبه حط من عَطاء هَذَا ثلثمِائة وزدها فِي عَطاء هَذَا.
فرحت وعطائي سَبْعمِائة وعطاؤه أَرْبَعمِائَة. اه.
وَأورد لَهُ من شعره قَوْله: الطَّوِيل
(أكاشر ذَا الضّغن المبيّن مِنْهُم ... وأضحك حتّى يَبْدُو النّاب أجمع)
(وأهدنه بالْقَوْل هدناً وَلَو يرى ... سريرة مَا أُخْفِي لبان يفزّع)
стр. 2183
. وَمعنى أهدنه أسْكنهُ.
وَمِنْه قَوْله: الوافر
(إِذا مَا الدّهر جرّ على أناسٍ ... شراشره أَنَاخَ بآخرينا)
(فَقل للشّامتين بِنَا أفيقوا ... سيلقى الشّامتون كَمَا لَقينَا)
وَمعنى الشراشرة هُنَا الثّقل. يُقَال: ألْقى عَليّ شراشره وجراميزه أَي: ثقله.
وَمن قَوْله أَيْضا: الْكَامِل
(ذهب الَّذين إِذا رأوني مُقبلا ... هشّوا إليّ ورحّبوا بالمقبل)
(وهم الَّذين إِذا حملت حمالَة ... ولقيتهم فكأنّني لم أحمل)
وحرثان بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة. ومحرث بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة على زنة اسْم الْفَاعِل. وعدوان بِفَتْح الْعين وَسُكُون الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ. والسموءل بِفَتْح السِّين وَالْمِيم وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا همزَة مَفْتُوحَة وَلَام.
وشبابة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة بعْدهَا موحدتان خفيفتان. وعياذ بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة تحتية وَآخره ذال مُعْجمَة. والظرب بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء المشالة. وَفهم بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْهَاء وثالثه مِيم وَهُوَ أَخُو عدوان.
وَأنْشد بعده: تراكها من إبلٍ تراكها وَتقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الثلاثمائة:
стр. 2184
وَأنْشد بعده)
الشَّاهِد السَّادِس وَالثَّمَانُونَ بعد الثلاثمائة: الْبَسِيط ضمنت إيّاهم الأَرْض
هَذَا قِطْعَة من بَيت وَهُوَ: على أَن فصل الضَّمِير ضَرُورَة وَالْقِيَاس ضمنتهم الأَرْض.
كَذَا أنْشدهُ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ: وَمثله فِي الْقبْح ضمير الرّفْع. قَالَ طرفَة: الْكَامِل
(أصرمت حَبل الْوَصْل بل صرموا ... يَا صَاح بل قطع الْوِصَال هم)
وأنشده شرَّاح الألفية وَابْن هِشَام فِي شواهده أَيْضا بِتَقْدِيم الْبَاعِث على الْوَارِث. والأنسب الرِّوَايَة الأولى.
وَالْبَاء فِي قَوْله بالوارث مُتَعَلقَة بحلفت فِي بَيت مُتَقَدم وَهُوَ:
(إنّي حَلَفت وَلم أَحْلف على فندٍ ... فنَاء بيتٍ من السّاعين معمور)
وَقَوله: وَلم أَحْلف على فند الْجُمْلَة حَال من التَّاء فِي حَلَفت. والفند بِفَتْح الْفَاء وَالنُّون: الْكَذِب. وفناء الْبَيْت: ساحته وَهُوَ بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا نون وَهُوَ ظرف لقَوْله حَلَفت.
وَأَرَادَ بِالْبَيْتِ بَيت الله الْحَرَام زَاده الله شرفاً. وَمن مُتَعَلقَة ب معمور. والساعين: الَّذين يسعون إِلَيْهِ من جَمِيع الْبِلَاد. ومعمور صفة لبيت.
стр. 2185
وَالْوَارِث والباعث: اسمان من أَسمَاء الله الْحسنى أقسم بهما. وَالْوَارِث: الَّذِي يرجع إِلَيْهِ الْأَمْلَاك بعد فنَاء الْملاك. والباعث: هُوَ الَّذِي يبْعَث الْخلق أَي: يحييهم بعد الْمَوْت يَوْم الْقِيَامَة.
وضمنت: بِكَسْر الْمِيم بِمَعْنى تَضَمَّنت عَلَيْهِم أَي: اشْتَمَلت عَلَيْهِم أَو بِمَعْنى كفلت كَأَنَّهَا
والدهر: الزَّمَان. ودهر الدهارير: الزَّمَان السالف وَقيل أول الْأَزْمِنَة السالفة. وَإِذا قيل دهر دهارير بِالصّفةِ فَمَعْنَاه شَدِيد كَمَا يُقَال: لَيْلَة ليلاء.
قَالَ ابْن هِشَام: والأموات إِمَّا مَنْصُوب بالوارث على أَن الوصفين تنازعاه وأعمل الثَّانِي وَالْأول لَا ضمير فِيهِ وَإِمَّا مخفوض بِإِضَافَة الأول أَو الثَّانِي على حد قَوْله: المنسرح بَين ذراعي وجبهة الْأسد وَأما قَوْله: قد ضمنت إيَّاهُم الأَرْض فَهُوَ إِمَّا حَال من الْأَمْوَات أَو وصف لَهَا لِأَن أل فِيهَا للْجِنْس.)
وَالْبَيْت من قصيدة للفرزدق يمدح بهَا يزِيد بن عبد الْملك ويهجو يزِيد بن الْمُهلب: وَقَبله:
(يَا خير حيٍّ وَقت نعلٌ لَهُ قدماً ... وميّتٍ بعد رسل الله مقبور)
...
стр. 2186
(إنّي حَلَفت وَلم أَحْلف على فندٍ ... فنَاء بيتٍ من السّاعين معمور)
(فِي أكبر الحجّ حافٍ غير منتعلٍ ... من حالفٍ محرمٍ بالحجّ مصبور)
(بالباعث الْوَارِث الْأَمْوَات قد ضمنت ... إيّاهم الأَرْض فِي دهر الدّهارير)
(إِذا يثورون أَفْوَاجًا كأنّهم ... جَراد ريحٍ من الأجداث منشور)
(فَأَنت إِن لم تكن إيّاه صَاحبه ... مَعَ الشّهيدين والصّدّيق فِي السّور)
والفند بِفَتْح الْفَاء وَالنُّون: الْكَذِب. والمصبور: الَّذِي صَبر نَفسه على أَفعَال الْحَج أَي: حَبسهَا.
وَقَوله: إِذا يثورون مُتَعَلق بالباعث يُرِيد: كَأَنَّهُمْ جَراد نشرته الرّيح وفرقته. ومنشور كَانَ حَقه الرّفْع لِأَنَّهُ نعت لجراد وَلكنه خفضه على الْمُجَاورَة.
وَقَوله: لَو لم يبشر بِهِ الخ هَذَا جَوَاب الْقسم وَفِيه مُبَالغَة فَاحِشَة.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الثلاثمائة
стр. 2187
الطَّوِيل
(وإنّ أمرأً أسرى إِلَيْك ودونه ... من الأَرْض موماةٌ وبيداء سملق)
(لمحقوقةٌ أَن تستجيبي لصوته ... وَأَن تعلمي أَن المعان موفّق)
على أَن الْكُوفِيّين أَجَازُوا ترك التَّأْكِيد بالمنفصل فِي الصّفة الْجَارِيَة على غير من هِيَ لَهُ إِن أَمن اللّبْس فَإِن قَوْله: لمحقوقة خبر عَن اسْم إِن وَهُوَ فِي الْمَعْنى للْمَرْأَة المخاطبة وَلم يقل لمحقوقة أَنْت.
وَأَقُول: الظَّاهِر من كَلَام ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَمن كَلَام ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَمن كَلَام غَيرهمَا أَن مَذْهَب الْكُوفِيّين جَوَاز ترك التَّأْكِيد مُطلقًا سَوَاء أَمن اللّبْس أم لَا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: احْتج الْكُوفِيُّونَ لمذهبهم بالشعر الْمُتَقَدّم وَبِقَوْلِهِ: الوافر
(ترى أرباقهم متقلّديها ... كَمَا صدئ الْحَدِيد على الكماة)
وَلَو كَانَ إبراز الضَّمِير وَاجِبا لقَالَ متقلديها هم فَلَمَّا لم يبرز الضَّمِير دلّ على جَوَازه. وَأجَاب البصريون عَن هَذَا بِأَنَّهُ على حذف مُضَاف أَي: ترى أَصْحَاب أرباقهم متقلديها. وَعَن الأول بجوابين: أَحدهمَا: مَا نَقله ابْن الشجري عَن أبي عَليّ وَهُوَ أَنه لَيْسَ فِي قَوْله محقوقة ضمير لِأَنَّهُ مُسْند إِلَى الْمصدر الَّذِي هُوَ أَن تستجيبي فالتقدير لمحقوقة استجابتك فَجعل التَّأْنِيث فِي قَوْله لمحقوقة للاستجابة للْمَرْأَة حَتَّى إِنَّه لَو قَالَ: لمحقوق بالتذكير لجَاز لِأَن تَأْنِيث الاستجابة غير حَقِيقِيّ.
وَحَاصِله أَن الْمصدر المؤول نَائِب الْفَاعِل لقَوْله محقوقة. وَإِلَى هَذَا ذهب ابْن هِشَام فِي شرح شواهده.
стр. 2188
وَالْجَوَاب الثَّانِي مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي بِأَن قَوْله أَن تستجيبي مُبْتَدأ مُؤخر ومحقوقة خبر مقدم وَالْجُمْلَة خبر اسْم إِن والرابط الضَّمِير فِي لصوته.
وَيحْتَمل هذَيْن الجوابين مَا نَقله السكرِي فِي كتاب التَّصْحِيف قَالَ: أَخْبرنِي أبي قَالَ: أخبرنَا عسل بن ذكْوَان قَالَ: قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: سَأَلَني الْأَصْمَعِي لم أنث محقوقة قلت: لِأَنَّهُ مَوضِع مصدر مؤنث لِأَن مَعْنَاهُ استجابتك لصوته وَأَن تستجيبي هِيَ استجابتك. فَلم يرد عَليّ شَيْئا. اه.
وَأجَاب صَاحب اللّبَاب بِأَن هَذَا لضَرُورَة الشّعْر وَلم يرتض الجوابين الْمَذْكُورين. قَالَ فِيمَا أملاه)
على اللّبَاب: قَوْله لمحقوقة إِنَّمَا جرى على غير من هُوَ لَهُ
لِأَن التَّقْدِير وَإِن امْرأ محقوقة بالاستجابة.
لَا يُقَال جَازَ أَن يكون أَن تستجيبي فاعلى محقوقة أَو مُبْتَدأ خَبره محقوقة مقدما لِأَنَّهُ يُقَال: زيد حقيق بالاستجابة فيسند إِلَى الذَّات وَلَا يُقَال الاستجابة حَقِيقَة بزيد. وَلذَلِك يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى: حقيقٌ علَى أَن لَا أَقُول كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكَشَّاف. اه.
وَأَجَازَ شَارِحه الفالي مَا مَنعه وَأجَاب عَمَّا أوردهُ فَقَالَ: وَيُمكن أَن
стр. 2189
يُقَال إِن قَوْله أَن تستجيبي مُبْتَدأ مُؤخر ومحقوقة خبر مقدم وَالْجُمْلَة خبر إِن فقد جرت على من هِيَ لَهُ. ومحقوقة بِمَعْنى جديرة. يُقَال: أَنْت حقيق أَن تفعل كَذَا وَزيد حقيق بِهِ ومحقوق بِهِ أَي: خليق لَهُ.
وَكَانَ حَقه أَن يسند إِلَى الذَّات فَيُقَال: زيد حقيق بالاستجابة لَا أَن الاستجابة حَقِيقَة بزيد.
وَنَظِير ذَلِك مَا اسْتشْكل من قَوْله تَعَالَى: حَقيقٌ علَى أنْ لَا أقولَ على اللَّهِ إلَاّ الحقَّ فِيمَن قَرَأَ بِغَيْر وَتَأَول بتأويلات أَحدهَا: أَنه على الْقلب وَالثَّانِي: أَن مَا لزمك فقد لَزِمته. وَالثَّالِث: أَن المُرَاد حقيق على ترك القَوْل إِذْ أكون أَنا قَائِله وَلَا يرضى إِلَّا بمثلي ناطقاً بِهِ. اه.
وَالْبَيْت الأول من هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قد أنْشدهُ الشَّارِح فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الْحَال وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مَعَ أَبْيَات من أول القصيدة هُنَاكَ.
وَالْقَصِيدَة للأعشى مَيْمُون.
وَقَبله:
(وخرقٍ مجوفٍ قد قطعت بجسرةٍ ... إِذا خبّ آلٌ وَسطه يترقرق)
(هِيَ الصّاحب الْأَدْنَى وبيني وَبَينهَا ... مجوفٌ علافيٌّ وقطعٌ ونمرق)
(وتصبح من غبّ السّرى وكأنّما ... ألمّ بهَا من طائف الجنّ أولق)
وإنّ امْرأ أسرى إِلَيْك ودونه ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ
(وَكم دونه من حزنٍ قفٍّ ورحلةٍ ... وسهبٍ بِهِ مستوضح الْآل يَبْرق)
...
стр. 2190
(وأصفر كالحنّاء ذاوٍ جمامه ... مَتى مَا يذقه فارط الْقَوْم يبصق)
(بِهِ تنفض الأحلاس فِي كلّ منزلٍ ... وتعقد أَطْرَاف الحبال وَتطلق)
(وإنّ عتاق العيس سَوف يزوركم ... ثناءٌ على أعجازهنّ معلّق)
قَوْله: وخرق بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْفقر وَالْأَرْض تنخرق فِيهَا الرِّيَاح وَهُوَ مجرور بِرَبّ الْمقدرَة بعد الْوَاو. والجسرة بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: النَّاقة القوية على السّير. وخب بِمَعْنى)
خدع. والآل: السراب فِي أول النَّهَار ووسطه ويترقرق أَي: ينصب خَبره وَالْجُمْلَة صفة آل والعائد الضَّمِير. يُقَال: رقرق المَاء وَغَيره إِذا صبه رَقِيقا. والسراب هَكَذَا يرى للنَّاظِر إِلَيْهِ.
وَقَوله: هِيَ الصاحب الخ الْأَدْنَى: الْأَقْرَب. والمجوف بِالْجِيم: الرحل. والعلافي مَنْسُوب إِلَى علاف بِكَسْر الْمُهْملَة وَهُوَ رجل من قضاعة
كَانَ يعْمل الرّحال. وَالْقطع بِكَسْر الْقَاف: طنفسة أَي: بِسَاط يَجعله الرَّاكِب تَحْتَهُ ويغطي كَتِفي الْبَعِير. والنمرق: الوسادة وَهِي هُنَا وسَادَة فَوق الرحل.
وَقَوله: وتصبح من غب الخ الغب بِالْكَسْرِ: عَاقِبَة الشَّيْء. وألم بِمَعْنى نزل وفاعله أولق وَهُوَ الْجُنُون. يُرِيد: أَنَّهَا شَدِيدَة جدا لَا يحصل لَهَا إعياء كَالْمَجْنُونِ.
وَقَوله: وَإِن امْرأ أسرى الخ هَذَا انْتِقَال من وصف نَاقَته إِلَى خطاب امْرَأَة. وَأَرَادَ بِالْمَرْءِ نَفسه.
وَأسرى: لُغَة فِي سرى. ودونه بِمَعْنى أَمَامه وقدامه.
стр. 2191
والموماة بِفَتْح الْمِيم: الأَرْض الَّتِي لَا مَاء فِيهَا. والبيداء: القفر. والسملق: الأَرْض المستوية.
وَهَذَا الْبَيْت رُوِيَ فِي ديوانه وَغَيره من كتب الْأَدَب كَذَا: فَالْمُرَاد من الْمَرْء ممدوحه وَالْخطاب لناقته الْمَذْكُورَة. وَكَانَ ممدوحه أهداها لَهُ فَالْكَلَام على هَذِه الرِّوَايَة من أَوله إِلَى هُنَا خطاب لناقته. وَمِنْه يظْهر أَن الْمُنَاسب فِي الرِّوَايَة الأولى أَيْضا كَون المُرَاد بِالْمَرْءِ ممدوحه وَالْخطاب لناقته وَأَن أسرى بِمَعْنى حمل على السرى وَإِلَى بِمَعْنى على ليَكُون الْكَلَام على وتيرة وَاحِد.
وفياف: جمع فيفاء وَهِي الفلاة. وتنوفات: جمع تنوفة وَهِي القفر واليهماء بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة: الأَرْض الَّتِي لَا يهتدى فِيهَا. وَرُوِيَ: خيفق بدل سملق بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَفتح الْفَاء وَهِي الفلاة الواسعة.
وَقَوله: أَن المعان موفق كِلَاهُمَا اسْم مفعول من الْإِعَانَة والتوفيق. قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: فِيهِ قلب يُرِيد أَن الْمُوفق معَان.
وَقَالَ المرزباني فِي الموشح: يَنْبَغِي للشاعر أَن يتفقد مصراع كل بَيت حَتَّى يشاكل مَا قبله فقد جَاءَ من أشعار القدماء مَا تخْتَلف مصاريعه كَقَوْل الْأَعْشَى: وَأَن تعلمي أَن المعان موفّق
стр. 2192
غير مشاكل لما قبله. وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحب تَهْذِيب الطَّبْع.)
وَقَوله: وَكم دونه الخ الضَّمِير للمرء. والحزن بِالْفَتْح: الأَرْض الوعرة. والقف بِضَم الْقَاف: مَا وَقَوله: وأصفر كالحناء يَعْنِي مَاء أصفر كالحناء. وذاو: متغير. والجمام بِكَسْر الْجِيم: جمع جم بِفَتْحِهَا وَهُوَ المَاء الْكثير وفارط الْقَوْم بِالْفَاءِ هُوَ الَّذِي يتقدمهم إِلَى الْورْد لإِصْلَاح الْحَوْض والدلاء.
يُقَال: فرط الْقَوْم يفرطهم فرطا إِذا تقدمهم لما ذكرنَا. وَإِنَّمَا يبصق عِنْد ذوقه لمرارة المَاء وتغيره.
وَقَوله: بِهِ تنفض الخ الحلس بِكَسْر الْمُهْملَة: كسَاء على ظهر الْبَعِير تَحت البرذعة ويبسط فِي الْبَيْت تَحت حر الثِّيَاب. وَإِنَّمَا تنفض للرحيل.
وَقَوله: وَإِن عتاق العيس الخ هَذَا الْمَعْنى أول من اخترعه الْأَعْشَى وَأَخذه من جَاءَ بعده.
قَالَ الْقطَامِي: الْكَامِل
(لأعلّقنّ على المطيّ قصائداً ... أذر الرّواة بهَا طويلي الْمنطق)
وَقَالَ نصيب: الطَّوِيل
(فعاجوا فَأَثْنوا بِالَّذِي أَنْت أَهله ... وَلَو سكتوا أثنت عَلَيْك الحقائب)
стр. 2193
وَمن هُنَا أَخذ أَبُو الْعَتَاهِيَة قَوْله: الْكَامِل
(فَإِذا وردن بِنَا وردن خفائفاً ... وَإِذا صدرن بِنَا صدرن ثقالا)
وَقَوله: وَلَا بُد من جَار الخ الْجَار لَهُ معَان وَالْمرَاد هُنَا المجير وَيُقَال أَيْضا للمستجير وللحليف وللناصر وللمجاور الَّذِي أجرته من أَن يظلم. والسكي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف وَالْيَاء وَهُوَ المسمار وَيُقَال لَهُ السك أَيْضا بِدُونِ الْيَاء. والفيتق بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَفتح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: النجار والحداد.
وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ بعد الثلاثمائة الوافر
(فَلَا تطمع أَبيت اللّعن فِيهَا ... ومنعكها بشيءٍ يُسْتَطَاع)
على أَن مَا بعد الضَّمِير الْمَجْرُور إِذا كَانَ أنقص تعريفاً جَازَ فِيهِ الِانْفِصَال والاتصال فَإِنَّهُ كَمَا جَازَ منعكها يجوز مَنعك إِيَّاهَا. وكاف الْمُخَاطب محلهَا الْجَرّ بِإِضَافَة الْمصدر إِلَيْهَا وَهُوَ الْمَنْع وَضمير الْغَائِب أنقص تعريفاً من ضمير الْمُخَاطب.
قَالَ ابْن هِشَام فِي شواهده: هَذَا مِمَّا اتّفق على أَن فَصله أرجح.
وَأوردهُ ابْن النَّاظِم والمرادي فِي شرح الألفية على أَن هَذَا أَعنِي وصل ثَانِي ضميرين عاملهما اسْم وَاحِد ضَعِيف وَالْقِيَاس ومنعك إِيَّاهَا. كَذَا نقل
стр. 2194
الْعَيْنِيّ عَنْهُمَا هَذَا. وَالْمَنْقُول فِي اللُّغَة أَن منع مِمَّا يتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي تَارَة بِنَفسِهِ وَتارَة بِحرف الْجَرّ يُقَال: منعتك كَذَا أَو منعتك عَن كَذَا أَو من كَذَا.
فَفِي تَصْوِير الْفَصْل يَنْبَغِي أَن يُقيد الْمَفْعُول الثَّانِي بِحرف الْجَرّ. وفاعل الْمصدر هُنَا مَحْذُوف أَي: منعيك عَنْهَا. وَالْهَاء ضمير رَاجع لسكاب وَهُوَ اسْم فرس. وَالْبَاء فِي قَوْله: بِشَيْء زَائِدَة فِي خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ منعكها. وَبِه اسْتشْهد ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: قد جَاءَ زِيَادَة الْبَاء فِي الْخَبَر أَلا ترى إِلَى قَول أبي الْحسن فِي قَول الله تَعَالَى: جزاءٌ سيِّئةٍ بِمِثْلِهَا إِن تَقْدِيره جَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا اعْتِبَارا لقَوْله عز اسْمه: وجَزاء سَيئةٍ سَيِّئةٌ مثلُها فَكَأَنَّهُ قَالَ: ومنعكها شَيْء يُسْتَطَاع أَي: أَمر مطاق غير باهظ وَلَا معجز أَي: فاله عَنْهَا وَلَا تعلق فكرك بهَا.
وَيجوز وَجه آخر وَهُوَ أَن يُرِيد: ومنعكها بِمَعْنى من الْمعَانِي مِمَّا يُسْتَطَاع وَذَلِكَ الْمَعْنى إِمَّا غَلَبَة ومعازة وَإِمَّا بِفِدَاء نفديها بِهِ مِنْك أَو غير ذَلِك فَيكون الْمَعْنى قَرِيبا من الأول إِلَّا أَنه أَلين جانباً مِنْهُ.
فالباء على هَذَا مُتَعَلقَة بِنَفس الْمَنْع. وَيجوز أَيْضا أَن تعلق بيستطاع أَي: يُسْتَطَاع
بِمَعْنى من وَهَذَا الْبَيْت آخر أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة. ونسبها إِلَى رجل من بني تَمِيم وَقد طلب مِنْهُ ملك من الْمُلُوك فرسا يُقَال لَهَا سكاب فَمَنعه إِيَّاهَا وَقَالَ: ...
стр. 2195
(أَبيت اللّعن إنّ سكاب علقٌ ... نفيسٌ لَا يعار وَلَا يُبَاع))
(مفدّاةٌ مكرّمةٌ علينا ... يجاع لَهَا الْعِيَال وَلَا تجاع)
(سليلة سابقين تناجلاها ... إِذا نسبا يضمّهما الكراع)
فَلَا تطمع أَبيت اللّعن فِيهَا ... ... ... ... . الْبَيْت وكفّي تستقلّ بِحمْل سَيفي وَبِي ممّن تهضّمني امْتنَاع
(وحولي من بني قحفان شيبٌ ... وشبّانٌ إِلَى الهيجا سراع)
(إِذا فزعوا فَأَمرهمْ جميعٌ ... وَإِن لاقوا فأيديهم شُعَاع)
وَقَوله: أَبيت اللَّعْن الخ أَي: أَبيت الْأَمر الَّذِي تلعن عَلَيْهِ إِذا فعلته. قَالَ المرزوقي فِي شرح الحماسة: أَبيت اللَّعْن: تَحِيَّة كَانَ يستعطف بِهِ الْمُلُوك وأصل اللَّعْن الطَّرْد.
قَالَ الشَّاعِر: مجزوء الْكَامِل
(ولكلّ مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إلاّ التّحيّة)
يَعْنِي إِلَّا أَن يُقَال لي: أَبيت اللَّعْن لِأَنَّهُ تَحِيَّة الْمُلُوك وَكَأَنَّهُ قَالَ: نلْت كل شَيْء إِلَّا الْملك. وأصل اللَّعْن: الطَّرْد. وسكاب: فرس إِذا أعربته منعته
الصّرْف لِأَنَّهُ علم فلحصول التَّعْرِيف فِيهِ والتأنيث مَعَ كَثْرَة الْحُرُوف يمْنَع الصّرْف والشاعر تميمي وَهَذِه لُغَة قومه.
وَإِذا بنيته على الْكسر أجريته مجْرى حذام لِأَنَّهُ مؤنث معدول معرفَة. فلمشابهته هَذِه الْأَوْصَاف دراك ونزال بني وَهَذِه اللُّغَة
стр. 2196
حجازية. واشتقاق سكاب من سكبت إِذا صببت. وَيُقَال فِي صفة الْفرس بَحر وسكب.
وَقَوله: علق نَفِيس أَي: مَال يبخل بِهِ وَهَذَا كَمَا يُقَال هُوَ علق مضنة بِالْكَسْرِ. يَقُول: إِن فرسي نَفِيس لَا يبْذل للإعارة وَلَا يعرض للْبيع.
وَقَوله: مفداة مكرمَة الخ يَقُول: هِيَ لعزتها على أَرْبَابهَا تفدى بِالْآبَاءِ والأمهات وتؤثر تكريماً لَهَا على الْعِيَال عِنْد الإضاقة والإقتار فيجوع الْعِيَال وَلَا تجوع هَذِه.
وَقَوله: سليلة الخ يَقُول: هِيَ ولد فرسين سابقين إِذا نسبا ضم مناسبهما الكراع وَهُوَ بِالضَّمِّ فَحل كريم مَعْرُوف. وأصل الكراع أنف يتَقَدَّم من الْجَبَل فَسُمي هَذَا الْفَحْل بِهِ لعظمه.
وسليلة ألحق الْهَاء بهَا وَإِن كَانَ فعيل فِي معنى مفعول لِأَنَّهُ جعل اسْما كَمَا تَقول هِيَ قتيلة بني فلَان. وَمعنى سل نزع. وَيُقَال: نجلا ولدهما وتناجلاه بِمَعْنى وَاحِد وَمِنْه النجل بِمَعْنى الْوَلَد:
(وفيهَا عزّةٌ من غير نفرٍ ... نحيّدها إِذْ حرّ القراع))
وَقَوله: وفيهَا عزّة الخ نحيّدها: بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: نَجْعَلهَا حائدة. وحرّ بالمهملتين أَي: اشتدّ.
والقراع: مصدر قارعه أَي: ضاربه.
وَقَوله: فَلَا تطمع الخ قَالَ المرزوقي: يَقُول: ارْفَعْ طمعك فِي تَحْصِيل هَذِه
стр. 2197
الْفرس أَبيت أَن تَأتي مَا تسْتَحقّ بِهِ اللَّعْن ودفعك عَنْهَا يقدر عَلَيْهِ بِوَجْه مَا وبحيلة مَا.
وَالْمعْنَى إِنِّي لَا أسعفك بهَا أَن استوهبتها مَا وجدت إِلَى الرَّد طَرِيقا فَلَا تطمع مَا دَامَت لي هَذِه الْحَالة.
وَقَوله: وكفي تستقل الخ يُقَال: تهضم حَقه أَي: ظلمه. وقحفان بِضَم الْقَاف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء. والشيب بِالْكَسْرِ: جمع أشيب وَهُوَ الَّذِي حصل لَهُ الشيب.
وَقَوله: إِذا فزعوا الخ الشعاع بِفَتْح الشين: المتفرق. يَقُول: إِن فزعوا من أمرٍ فكلمتهم وَاحِدَة وَإِذا لاقوا الْعَدو فأيديهم مُتَفَرِّقَة عَلَيْهِ بالطعن وَالضَّرْب.
وَعبيدَة بن ربيعَة: مصغر عَبدة بالتأنيث وَهُوَ شَاعِر فَارس جاهلي.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل على أَن الضَّمِير الثَّانِي إِذا كَانَ مُسَاوِيا للْأولِ شَذَّ وَصله كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ جمع بَين ضميري الْغَيْبَة فِي الِاتِّصَال وَكَانَ الْقيَاس لضغمهما إِيَّاهَا.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب إِضْمَار المفعولين: إِذا ذكرت مفعولين كِلَاهُمَا غَائِب قلت
أعطاهوها وأعطاهاه جَازَ وَهُوَ عَرَبِيّ وَلَا عَلَيْك بِأَيِّهِمَا بدأت من
стр. 2198
قبل أَنَّهُمَا كِلَاهُمَا غَائِب. وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بالكثير فِي كَلَامهم وَالْكثير فِي كَلَامهم أعطَاهُ إِيَّاهَا.
على أَن الشَّاعِر قَالَ: وَقد جعلت نَفسِي تطيب لضغمةٍ ... ... ... ... . الْبَيْت اه.
قَالَ النّحاس والأعلم: إِنَّمَا كَانَ وَجه الْكَلَام لضغمهما إِيَّاهَا لِأَن الْمصدر لم يستحكم فِي الْعَمَل والإضمار استحكام الْفِعْل.
وَجعل هُنَا من أَفعَال الشُّرُوع وَنَفْسِي اسْمهَا وَجُمْلَة تطيب خَبَرهَا. والضغمة بِفَتْح الضَّاد)
وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين: العضة.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي معنى هَذَا الْبَيْت وأصوب من تكلم عَلَيْهِ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فِي موضِعين مِنْهَا وَتَبعهُ صَاحب اللّبَاب فِي تَعْلِيقه على اللّبَاب قَالَ: يَقُول: جعلت نَفسِي تطيب لِأَن وصف ضغمة بِالْجُمْلَةِ والمصدر الَّذِي هُوَ الضغم مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وفاعله مَحْذُوف التَّقْدِير: لضغمي إيَّاهُمَا.
وَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله لضغمهماها عَائِدَة إِلَى الضغمة فانتصابها إِذن انتصاب الْمصدر مثلهَا فِي قَوْله تَعَالَى: إنّ هَذَا لمكرٌ مكرتموه فِي الْمَدِينَة وأضاف الناب إِلَى ضمير الضغمة لِأَن الضغم إِنَّمَا هُوَ بالناب.
وَاللَّام فِي قَوْله لضغمهماها مُتَعَلقَة بيقرع أَي: يقرع عظمهما نابي لضغمي إيَّاهُمَا ضغمة وَاحِدَة. اه.
وعَلى هَذَا الضغمتان والقرع والناب جَمِيعهَا للمتكلم وَاللَّام الأولى مُتَعَلقَة بقوله تطيب.
وَيَنْبَغِي أَن نورد الأبيات الَّتِي مِنْهَا هَذَا الْبَيْت وسببها حَتَّى يَتَّضِح الْمَعْنى وَيَزُول الْإِشْكَال فَإِن غَالب من تكلم عَلَيْهِ لم يقف على مَا ذكرنَا.
стр. 2199
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب وَهُوَ مَا كتبه على نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي: إِن مغلس بن لَقِيط وَهُوَ من ولد معبد بن نَضْلَة كَانَ رجلا كَرِيمًا حَلِيمًا شريفاً وَكَانَ لَهُ إخْوَة ثَلَاثَة: أحدهم أطيط بِالتَّصْغِيرِ وَكَانَ أطيط بِهِ باراً والآخران وهما مدرك وَمرَّة مماظين فَلَمَّا مَاتَ أطيط أظهرا لَهُ الْعَدَاوَة فَقَالَ: الطَّوِيل
(قرينين كالذّئبين يبتدرانني ... وشرّ صحابات الرّجال ذئابها)
(وَإِن رَأيا لي غرّةً أغريا بهَا ... أعاديّ والأعداء كلبى كلابها)
(إِذا رأياني قد نجوت تلمّسا ... لرجلي مغوّاةً هياماً ترابها)
(وأعرضت أستبقيهما ثمّ لَا أرى ... حلومهما إلاّ وشيكاً ذهابها)
(لعلّ جوازي الله يجزين مِنْهُمَا ... ومرّ اللّيالي صرفهَا وانقلابها)
(فيشمت بالمرأين مرءٌ تخطّيا ... إِلَيْهِ قراباتٍ شَدِيدا حجابها)
(وَقد جعلت نَفسِي تطيب لضغمةٍ ... أعضّهما مَا يقرع الْعظم نابها)
(وَلَا مثل يومٍ عِنْد سعد بن نوفلٍ ... بفرتاج إِذْ توفّي عليّ هضابها))
(لأجعل مَا لم يَجْعَل الله لامرئٍ ... وأكتب أَمْوَالًا عداءً كتابها)
(خرجت خُرُوج الثّور قد عصبت بِهِ ... سلوقيّة الْأَنْسَاب خضعٌ رقابها)
стр. 2200
(حبست بغمّى غمرةٍ فتركتها ... وَقد أترك الغمّى إِذا ضَاقَ بَابهَا)
ثمَّ رثى أطيطاً فَقَالَ:
(ذكرت أطيطاً والأداوى كأنّها ... كلىً من أديمٍ يستشنّ هزومها)
(لعمري لقد خلّيتني ومواطناً ... تشيب النّواصي لَو أَتَاك يقينها)
انْتهى مَا أوردهُ أَبُو مُحَمَّد.
وَقَوله: وَالدُّنْيَا قَلِيل عتابها أَرَادَ أَن عتاب الدُّنْيَا غير نَافِع فمعاتبها غير مستكثر مِنْهُ.
وَقَوله: قرينين كالذئبين شبههما بالذئبين لِأَن الذئاب أَخبث السبَاع.
وَقَوله: وَإِن رَأيا لي غرَّة الخ روى بدله: إِذا رَأيا لي غَفلَة أسّدا لَهَا أَي: أفسدا قُلُوب أعادي حَتَّى جعلا أَخْلَاقهم كأخلاق الْأسود. والكلبى: جمع كلب كزمنى جمع زمن.
وَقَوله: إِذا رأياني قد نجوت الخ تلمسا أَلفه ضمير الِاثْنَيْنِ والمغواة بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْوَاو: حُفْرَة كالزبية. يُقَال: من حفر مغواةً وَقع فِيهَا. والهيام بِفَتْح الْهَاء لَا بِكَسْرِهَا كَمَا زَعمه الْعَيْنِيّ بعْدهَا مثناة تحتية: الرمل الَّذِي لَا يتماسك أَن يسيل من الْيَد للينه.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن أبي عَليّ فِي التَّذْكِرَة أَن الرِّوَايَة عِنْده هيالى ترابها قَالَ: وَهَذَا يدل على
стр. 2201
أَن التُّرَاب جمع ترب وَلَو كَانَ مُفردا لقَالَ: هائل ترابها. قَالَ صَاحب الْعين: الهائل: الرمل الَّذِي لَا يثبت.
وَضرب هَذَا مثلا لِكَثْرَة معرفتهما بِالشَّرِّ والتحيل فِي جلب أَنْوَاع الضَّرَر. وفرتاج بِفَتْح الْفَاء: مَوضِع.
والغمرة بِالْفَتْح: الشدَّة والغمى بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَضمّهَا: الغامة أَي: المهمة الملتبسة.
وروى السيرافي بعد قَوْله هياماً ترابها:
(فلولا رجائي أَن تؤوبا وَلَا أرى ... عقولكما إلاّ شَدِيدا ذهابها)
(سقيتكما قبل التفرّق شربةً ... يمرّ على باغي الظّلام شرابها)
وَقد جعلت نَفسِي تطيب ... ... ... ... ... . . الْبَيْت)
والظلام بِالْكَسْرِ: جمع ظلم بِالضَّمِّ.
وَقد أنْشد الْبَيْت الشَّاهِد أَبُو الْحسن عَليّ بن عِيسَى الربعِي هَكَذَا:
(فقد جعلت نَفسِي تهمّ بضغمةٍ ... على علّ غيظٍ يقصم الْعظم نابها)
والعل بِفَتْح الْمُهْملَة: التكرر. والقصم بِالْقَافِ: كسر مَعَ فصل. وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِيهِ وَالْمَشْهُور الرِّوَايَة الأولى.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: الضغمة: العضة ولضغمهماها بدل من قَوْله لضغمة وَالضَّمِير الأول لسَبْعين وَأما الثَّانِي فلضغمة وَالضَّمِير فِي نابها لضغمة. يَقُول: لِكَثْرَة مَا ابْتليت بِهِ من المحن قد طابت نَفسِي أَن يعضني سبعان ناباهما يضربان الْعظم. وقرع الناب الْعظم كِنَايَة عَن الصَّوْت. هَذَا كَلَامه.
وَقَالَ الأعلم: هَذَا الشَّاعِر وصف شدَّة أَصَابَهُ بهَا رجلَانِ فَيَقُول: قد جعلت نَفسِي تطيب لإصابتهما بِمثل الشدَّة الَّتِي أصاباني بهَا.
стр. 2202
وَضرب الضغمة مثلا ثمَّ وصف الضغمة فَقَالَ: يقرع الْعظم نابها فَجعل لَهَا ناباً على السعَة. وَالْمعْنَى: يصل الناب فِيهَا إِلَى الْعظم فيقرعه. اه.
وَقَالَ الأندلسي فِي شرح الْمفصل: قيل إِن معنى الْبَيْت أَن نَفسه طابت لإصابة الشدَّة من أجل أَن هذَيْن القاصدين لَهُ بالشدة أصابتهما مثلهَا. وَفِي الْبَيْت إِشْكَال فَإِن الضغم عبارَة عَن الشدَّة فَإِذا قدرت إضافتها إِلَى الْمَفْعُول وَهُوَ الظَّاهِر وَجب أَن يكون ضميرها فَاعِلا فِي الْمَعْنى فَلَا يَسْتَقِيم لوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَنَّهَا لَيست من ضمائر الرّفْع. وَالْآخر: أَن ضمائر الرّفْع لَا تَأتي بعد ضمير الْمَفْعُول فَالْوَجْه أَن يُقَال إِن الضغم بِمَعْنى الْإِصَابَة أضيف إِلَى الْفَاعِل الَّذِي هُوَ ضمير التَّثْنِيَة ثمَّ ذكر بعد ذَلِك الْمَفْعُول فَكَأَنَّهُ قَالَ: لإصابة هَذِه الشدَّة الَّتِي عبر عَنْهَا بالضغمة أَولا. هَذَا كَلَامه.
وَنقل ابْن المستوفي عَن حَوَاشِي الْمفصل أَنه قَالَ فِي الْحَوَاشِي: هما عائدان للأسد والضبع وَقيل للأسد وَالذِّئْب وَهَا للضغمة. وَوجدت فِي مَوضِع آخر من الْحَوَاشِي قَالَ: الضَّمِير الأول يرجع إِلَى الذِّئْب والضبع وَالثَّانِي إِلَى النَّفس.
وَهَذَا أشبه من الأول إِلَّا أَنه مَعَ وجود مَا يعود إِلَيْهِ ضمير الِاثْنَيْنِ من قَوْله قرينين كالذئبين لَا وَالَّذِي أرَاهُ أَن معنى الْبَيْت إِن نَفسِي قد طابت أَن تصيبها ضغمة بِهَذِهِ الصّفة لأجل ضغمهما
стр. 2203
إِيَّاهَا إِذْ ليسَا من نظرائي وأشكالي. فَيكون مَوضِع لَام لضغمهماها نصب على أَنه مفعول لَهُ)
وَمَوْضِع هما رفع بالفاعلية وَمَوْضِع هَا نصب بالمفعولية. هَذَا كَلَامه.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ وَنَقله شَارِح اللّبَاب: يَقُول: طابت نَفسِي للشدة الَّتِي أصابتني لوُقُوع القاصد لي بهَا فِي أعظم مِنْهَا. والضغمة عبارَة عَن الشدَّة وهما اثْنَان قصداه بِسوء فوقعا فِي مثل مَا طلباه لَهُ.
وَجعل من أَفعَال المقاربة ولضغمة مَعْمُول لتطيب إِعْمَال الْفِعْل فِي مفعوليه وَلَيْسَت بِمَعْنى الْمَفْعُول من أَجله لِأَنَّهُ لم يرد أَنَّهَا طابت لأجل الضغمة وَإِنَّمَا طابت بهَا. وَالتَّعْلِيل هُوَ قَوْله لضغمهماها أَي: طابت نَفسِي لما أصابني من الشدَّة لإصابة من قصدني بِمِثْلِهَا.
والضغمة: العضة فكنى بهَا عَن الْمُصِيبَة. وَيُقَال: ضغم الشدَّة وضغمته. وَجَاء الْبَيْت على الْوَجْهَيْنِ فَقَوله لضغمة من قَوْلهم عضته الشدَّة لقَوْله يقرع الْعظم نابها.
وَقَوله: لضغمهماها من قَوْلهم: عضضت الشدَّة لِأَن الْفَاعِل هَا هُنَا ضمير من أَصَابَهَا وَضمير الْمَفْعُول ضميرها أَي: لضغمهما إِيَّاهَا فَهِيَ معضوضة لَا عاضة لمجيئها مفعولةً لَا فاعلة.
وَيجوز أَن يكون الموضعان من ضغمت الشدَّة لَا ضغمتني وَيكون قَوْله: يقرع الْعظم نابها مُبَالغَة وَمَوْضِع استشهاده مَجِيء الضميرين الغائبين متصلين وَلَيْسَ أَحدهمَا فَاعِلا وهما: ضمير الفاعلين وَهُوَ قَوْله: هما وَضمير الضغمة وَهُوَ قَوْلك: هَا. وَهُوَ شَاذ وَالْقِيَاس فِي مثله ضغمهما إِيَّاهَا كَرَاهَة اجْتِمَاع ضمائر الغائبين البارزة من
стр. 2204
جنس وَاحِد بِخِلَاف مَا لَو اخْتلفَا.
وَالضَّمِير الأول فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة وَهُوَ فَاعل فِي الْمَعْنى وَالضَّمِير الثَّانِي فِي مَوضِع نصب على المفعولية بِالْمَصْدَرِ أَي: لِأَن ضغماها. ويقرع الْعظم نابها فِي مَوضِع صفة إِمَّا لضغمة الأولى وَفصل للضَّرُورَة بالجار وَالْمَجْرُور الَّذِي هُوَ لضغمهماها ويضعف لأجل الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف بالأجنبي وَهُوَ غير سَائِغ.
وَإِمَّا فِي مَوضِع صفة لِمَعْنى قَوْلك هَا إِذْ مَعْنَاهُ لضغمهما مثلهَا إِذْ الأولى لم تصب هذَيْن وَإِنَّمَا أصابهما مثلهَا فَهُوَ فِي الْمَعْنى مُرَاد. وَمثل نكرَة وَإِن أضيفت إِلَى الْمعرفَة فَجَاز أَن تُوصَف بِالْجُمْلَةِ.
وَيجوز أَن يكون يقرع الْعظم نابها جملَة مستأنفة لتبيين أَمر الضغمة فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا فَلَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب لِأَنَّهَا لم تقع موقع مُفْرد.
وَمَا يتَوَهَّم من أَن لضغمهماها مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَهَا فِي الْمَعْنى فَاعل فَيُؤَدِّي إِلَى أَنه أضَاف)
إِلَى الْمَفْعُول وأتى بعده بالفاعل بِصِيغَة ضمير الْمَنْصُوب مندفع بِمَا تقدم من أَنه لم يرد أَن الشدَّة عضت وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمَا عضا الشدَّة إِذْ لَا
يَسْتَقِيم أَن يُضَاف الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول وَيُؤْتى بالفاعل بِصِيغَة ضمير الْمَنْصُوب بِاتِّفَاق فَوَجَبَ حمله على مَا ذَكرْنَاهُ دفعا لما يلْزم مِمَّا أجمع على امْتِنَاعه. اه كَلَامه.
وَهَذَا كُله مَبْنِيّ على خلاف التَّحْقِيق ومنشؤه عدم الِاطِّلَاع على الأبيات وسببها وَكَذَلِكَ قَول بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح شَوَاهِد الْمفصل أَن قَوْله لضغمهماها بدل من قَوْله لضغمة.
وَالضَّمِير الأول فِي لضغمهماها للسبعين.
وَأما الثَّانِي فَقَالَ صَاحب التحبير والإيضاح لضغمة. وَوَافَقَهُمَا
стр. 2205
فِي ذَلِك صَاحب الإقليد والموصل. وَقَالَ صَاحب المقتبس: هُوَ لنَفْسي. وَتَابعه فِي ذَلِك صَاحب المقاليد.
وَقَوله: لضغمهماها مصدر مُضَاف إِلَى الْفَاعِل على الْوَجْهَيْنِ إِلَّا أَن الْمَفْعُول فِي الْوَجْه الأول يكون محذوفاً وَهُوَ النَّفس وَفِي الثَّانِي يكون مَذْكُورا. هَذَا كَلَامه.
وَأغْرب من هَذَا كُله قَول شَارِح اللب السَّيِّد عبد الله لضغمة مفعول تطيب على أَنه مفعول بِهِ لَا مفعول لَهُ.
وَقَوله: لضغمهماها هُوَ الْمَفْعُول لَهُ. أَي: جعلت تطيب لضغمة سبع يقرع الْعظم نَاب تِلْكَ الضغمة لضغمة هذَيْن السّبْعين النَّفس. وَالْمرَاد بِهِ أَن ضغمة سبع وَاحِد أَهْون من ضغمة وَقد
لخص ابْن هِشَام فِي شرح شواهده هَذِه الْأَقْوَال فَقَالَ: وَفِي معنى الْبَيْت وتوجيهه أوجه: أَحدهَا: أَن الضغمة الأولى لَهُ وَالثَّانيَِة لَهما أَي: نَفسه طابت لِأَن يُوقع بهما مُصِيبَة عَظِيمَة لأجل ضغمهما إِيَّاه مثلهَا.
وَاللَّام من لضغمة تتَعَلَّق بتطيب وَهِي لَام التَّعْدِيَة وَاللَّام من لضغمهما مُتَعَلق بضغمة أَو بجعلت أَو بتطيب وَهِي لَام الْعلَّة. وَضمير التَّثْنِيَة فَاعل وَضمير الْمُؤَنَّث مفعول مُطلق.
وَالْمعْنَى
стр. 2206
لضغمهما إيَّايَ ضغمةً مثلهَا فَحذف الْمَفْعُول بِهِ والموصوف وأناب عَنهُ صفته ثمَّ حذف الْمُضَاف وأناب عَنهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَوَصله شذوذاً.
الثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى كَذَلِك لَكِن يكون ضمير الْمُؤَنَّث عَائِدًا على الصّفة الْمُتَقَدّمَة فِي اللَّفْظ وَالْمرَاد غَيرهَا على حد قَوْلهم: عِنْدِي دِرْهَم وَنصفه.
الثَّالِث: أَن الضغمتين كلتيهما من فعل الْمُتَكَلّم أَي: جعلت نَفسِي لأجل إيذائهما لي تطيب لإيقاع)
ضغمة بهما يقرع الْعظم نابها لشدَّة ضغمهما إِيَّاهَا فَحذف المضافين: الشدَّة المضافة إِلَى الضغمتين وياء الْمُتَكَلّم الْمُضَاف إِلَيْهَا الضغمتان وَهِي فَاعل الْمصدر. فَاللَّام الأولى مُتَعَلقَة بتطيب وَالثَّانيَِة مُتَعَلقَة بيقرع.
الرَّابِع: أَن الضغمتين للمتكلم وَأَن الثَّانِيَة على تَقْدِير يَاء الْمُتَكَلّم كَمَا تقدم وَلَكِن الثَّانِيَة بدل من الْخَامِس: أَن الضغمة الأولى لأَجْنَبِيّ وَالثَّانيَِة لَهما أَي: تطيب لِأَن يضغمني ضاغم ضغمةً يقرع الْعظم نابها لضغمهما إيَّايَ مثلهَا كَمَا تَقول: طابت نَفسِي بِالْمَوْتِ لما نالني من أَذَى فلَان. وَاللَّام الأولى للتعدية وَالثَّانيَِة للتَّعْلِيل.
وراجح الْأَوْجه الثَّالِث لِأَن السيرافي روى: تهم بضغمة عَليّ على غيظ وَلِأَن بَعضهم روى: لغضمة أعضهماها. وَضمير نابها رَاجع للضغمة إِمَّا على أَنه جعل لَهَا ناباً على الاتساع وَالْمرَاد صَاحبهَا أَو على أَن التَّقْدِير نَاب صَاحبهَا ثمَّ حذف الْمُضَاف. اه.
стр. 2207
وَقَالَ ابْن يسعون فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح: اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ على وُقُوع الضَّمِير الْمُتَّصِل موقع الْمُنْفَصِل لِأَن مَجِيء الضَّمِير الْمُنْفَصِل مَعَ الْمصدر أحسن والمصدر هُوَ لضغمهما وَهُوَ مُضَاف إِلَى هما وهما فِي الْمَعْنى فاعلان وَالْمَفْعُول المضغوم مَحْذُوف.
وَلَو ذكره مَعَ هَا الْمُتَّصِلَة العائدة على ضغمة لقَالَ: لضغمهماها إيَّايَ. وَلَو أَتَى بضمير الضغمة مُنْفَصِلا على الْوَجْه الْأَحْسَن لقَالَ: لضغمهما إيَّايَ إِيَّاهَا فَكَانَ يتَقَدَّم لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: لِأَنَّهُ ضمير الْمُخَاطب وَهُوَ أولى بالتقدم من ضمير الْغَائِب.
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن إيَّايَ ضمير الْمَفْعُول بِهِ وَإِيَّاهَا ضمير الْمصدر وَهِي فضلَة مُسْتَغْنى بِمَا هُوَ آكِد مِنْهَا وَكَانَ الأَصْل لضغمهما إيَّايَ مثلهَا أَي: مثل تِلْكَ الضغمة فَحذف الْمُضَاف وَأقَام وَحذف الْمَفْعُول مَعَ الْمصدر إِذا كَانَ مَعَه الْفَاعِل كثير كَمَا قد يحذف مَعَه الْفَاعِل أَيْضا.
هَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ.
ومغلس بن لَقِيط: شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة. ولقيط بِفَتْح اللَّام وَكسر الْقَاف ومعبد بِفَتْح الْمِيم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة.
وَكَون الشّعْر لمغلس بن لَقِيط الْمَذْكُور هُوَ مَا قَالَه الأعلم. قَالَ: وَاسم هَذَا الشَّاعِر مغلس بن لَقِيط الْأَسدي وَالرجلَانِ من قومه وهما مدرك وَمرَّة.
وَكَذَا قَالَ السيرافي لكنه قَالَ: هُوَ لمغلس بن لَقِيط الْأَسدي من ولد معبد
стр. 2208
ابْن نَضْلَة يُعَاتب)
فِيهِ مدرك بن حصن وَمرَّة بن عداء وَيذكر أَخَاهُ أطيط بن لَقِيط.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ الْمُغلس بن لَقِيط بن حبيب بن خَالِد بن نَضْلَة الْأَسدي جاهلي هُوَ وأخواه بعثر وَنَافِع ابْنا لَقِيط شعراء وَهُوَ من قصيدة هائية يرثي فِيهَا أَخَاهُ أطيطاً ويشتكي من قرينين لَهُ يؤذيانه. وَقيل: هما ابْنا أَخِيه وهما مدرك وَمرَّة. اه.
وَنسب ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَتَبعهُ شَارِح اللّبَاب هَذَا الشّعْر إِلَى لَقِيط بن مرّة قَالَ: رثى فِيهِ أَخَاهُ أطيطاً وهجا مرّة بن عداء ومدرك بن حصن الأسديين.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: هُوَ لمغلس بن لَقِيط السَّعْدِيّ لَا الْأَسدي وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أخوة: مرّة ومدرك وأطيط وَكَانَ أبرهم بِهِ فَمَاتَ وَأظْهر الأخوان عداوته وآذياه فَقَالَ يرثيه ويشتكي من أَخَوَيْهِ وَقيل: هما ابْنا أَخِيه الْمَذْكُور وَقيل: أجنبيان.
هَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد التِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل
(لَئِن كَانَ إيّاه لقد حَال بَعدنَا ... عَن الْعَهْد وَالْإِنْسَان قد يتغيّر)
على أَن الْمُخْتَار فِي خبر كَانَ وَأَخَوَاتهَا إِذا كَانَ ضميراً الِانْفِصَال كَمَا هُنَا لِأَنَّهُ خبر وَالْأَصْل فِي الْخَبَر الِانْفِصَال.
стр. 2209
وَقَالَ بدر الدَّين فِي شرح ألفيه وَالِده: الصَّحِيح اخْتِيَار الِاتِّصَال لكثرته فِي النّظم والنثر الفصيح.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعَة وَقَبله:
(ألكني إِلَيْهَا بالسّلام فإنّه ... يشهّر إلمامي بهَا وينكّر)
(بِآيَة مَا قَالَت غَدَاة لقيتها ... بمدفع أكنان: أَهَذا المشهّر)
(أَهَذا الَّذِي أطريت ذكرا فَلم أكن ... وعيشك أنساه إِلَى يَوْم أقبر)
(فَقَالَت: نعم لَا شكّ غيّر لَونه ... سرى اللّيل يحيي نصّه والتّهجّر)
لَئِن كَانَ إيّاه لقد حَال بَعدنَا ... ... ... ... ... . . الْبَيْت قَوْله: ألكني أَي: كن رَسُولي وَتحمل رسالتي إِلَيْهَا.)
وَقَوله: قفي أَمر من الْوُقُوف والآمرة هِيَ نعم محبوبة الشَّاعِر. وَأَسْمَاء: صَاحِبَة نعم. وَأَسْمَاء: منادىً بِحرف النداء الْمَحْذُوف.
وَرُوِيَ أَيْضا: قفي فانظري يَا أسم وَهُوَ مرخم أَسمَاء.
وَهَذَا على طَرِيقَته فَإِنَّهُ كثيرا مَا يتغزل بِنَفسِهِ زعماً مِنْهُ أَن المخدرات يعشقنه لحسنه وجماله وَقد عيب عَلَيْهِ. وَالْهَاء فِي تعرفينه ضمير الشَّاعِر وَهُوَ عمر كَمَا أَن المغيري عبارَة عَنهُ.
قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: المغيري مَنْسُوب إِلَى الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَهُوَ من أجداده.
وَقَوله: وعيشك أنساه الْوَاو للقسم وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين لم أكن وَبَين خَبره وَهُوَ جملَة أنسا
стр. 2210
هـ وسرى اللَّيْل فَاعل غير والتهجر مَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ السّير فِي الهاجرة. ويحيي مضارع مَعْلُوم من الْإِحْيَاء وفاعله ضمير المغيري وَنَصه مَفْعُوله.
وَقَوله: قفي فانظري إِلَى آخر الْبَيْتَيْنِ من مقول قَالَت. وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل أَن الْبَيْتَيْنِ من مقول الشَّاعِر فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمعْنَى قلت لحبيبتي أَسمَاء قفي يَا أَسمَاء فانظري وتأملي هَل تعرفين هَذَا الرجل الَّذِي ترينه يُرِيد بِهِ نَفسه.
وَلما قَالَ ذَلِك توهمته فَقَالَت متعجبة متفكرة لفرط تغيره: الَّذِي ترَاهُ عمر المغيري الَّذِي كَانَ يذكر عندنَا وَالله لَئِن كَانَ المغيري إِيَّاه لقد حَال وَتغَير عَمَّا عهدناه فَإِنَّهُ عهدناه شَابًّا وَقد كبر وعهدناه ناضراً طرياً وَقد حَال عَن ذَلِك ثمَّ قَالَ تَسْلِيَة لَهُ: وَالْإِنْسَان قد يتَغَيَّر عَن حَال إِلَى حَال فَلَا تحزن.
وَيجوز أَن يكون هَذَا مقول الشَّاعِر قَالَ ذَلِك نفيا لتعجبها مِمَّا استعظمته من تغيره بعْدهَا. أَي: إِن الْإِنْسَان يتَغَيَّر فَلَا تتعجبي. اه. وَفِيه مَا لَا يخفى.
وَقَوله: لَئِن كَانَ الخ اللَّام موطئة للقسم وَاسم كَانَ ضمير المغيري وإياه خَبَرهَا وَجُمْلَة لقد حَال الخ جَوَاب الْقسم الْمَحْذُوف وَقد سد مسد جَوَاب الشَّرْط. وَحَال بِمَعْنى تغير من قَوْلهم: حَالَتْ الْقوس أَي: انقلبت عَن حَالهَا الَّتِي عمرت عَلَيْهَا وَحصل فِي قالبها اعوجاج.
وبعدنا: مُتَعَلق بِحَال. وَكَذَلِكَ قَوْله: عَن الْعَهْد أَي: عَمَّا عهدنا من شبابه وجماله. وَجُمْلَة وَالْإِنْسَان قد يتَغَيَّر حَالية. وَمثله قَول كثير عزة: الطَّوِيل
(وَقد زعمت أنّي تغيّرت بعْدهَا ... وَمن ذَا الَّذِي يَا عزّ لَا يتغيّر)
следующие страницы →