Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
لضغمهما إيَّايَ ضغمةً مثلهَا فَحذف الْمَفْعُول بِهِ والموصوف وأناب عَنهُ صفته ثمَّ حذف الْمُضَاف وأناب عَنهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ وَوَصله شذوذاً.
الثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى كَذَلِك لَكِن يكون ضمير الْمُؤَنَّث عَائِدًا على الصّفة الْمُتَقَدّمَة فِي اللَّفْظ وَالْمرَاد غَيرهَا على حد قَوْلهم: عِنْدِي دِرْهَم وَنصفه.
الثَّالِث: أَن الضغمتين كلتيهما من فعل الْمُتَكَلّم أَي: جعلت نَفسِي لأجل إيذائهما لي تطيب لإيقاع)
ضغمة بهما يقرع الْعظم نابها لشدَّة ضغمهما إِيَّاهَا فَحذف المضافين: الشدَّة المضافة إِلَى الضغمتين وياء الْمُتَكَلّم الْمُضَاف إِلَيْهَا الضغمتان وَهِي فَاعل الْمصدر. فَاللَّام الأولى مُتَعَلقَة بتطيب وَالثَّانيَِة مُتَعَلقَة بيقرع.
الرَّابِع: أَن الضغمتين للمتكلم وَأَن الثَّانِيَة على تَقْدِير يَاء الْمُتَكَلّم كَمَا تقدم وَلَكِن الثَّانِيَة بدل من الْخَامِس: أَن الضغمة الأولى لأَجْنَبِيّ وَالثَّانيَِة لَهما أَي: تطيب لِأَن يضغمني ضاغم ضغمةً يقرع الْعظم نابها لضغمهما إيَّايَ مثلهَا كَمَا تَقول: طابت نَفسِي بِالْمَوْتِ لما نالني من أَذَى فلَان. وَاللَّام الأولى للتعدية وَالثَّانيَِة للتَّعْلِيل.
وراجح الْأَوْجه الثَّالِث لِأَن السيرافي روى: تهم بضغمة عَليّ على غيظ وَلِأَن بَعضهم روى: لغضمة أعضهماها. وَضمير نابها رَاجع للضغمة إِمَّا على أَنه جعل لَهَا ناباً على الاتساع وَالْمرَاد صَاحبهَا أَو على أَن التَّقْدِير نَاب صَاحبهَا ثمَّ حذف الْمُضَاف. اه.
стр. 2207
وَقَالَ ابْن يسعون فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح: اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ على وُقُوع الضَّمِير الْمُتَّصِل موقع الْمُنْفَصِل لِأَن مَجِيء الضَّمِير الْمُنْفَصِل مَعَ الْمصدر أحسن والمصدر هُوَ لضغمهما وَهُوَ مُضَاف إِلَى هما وهما فِي الْمَعْنى فاعلان وَالْمَفْعُول المضغوم مَحْذُوف.
وَلَو ذكره مَعَ هَا الْمُتَّصِلَة العائدة على ضغمة لقَالَ: لضغمهماها إيَّايَ. وَلَو أَتَى بضمير الضغمة مُنْفَصِلا على الْوَجْه الْأَحْسَن لقَالَ: لضغمهما إيَّايَ إِيَّاهَا فَكَانَ يتَقَدَّم لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: لِأَنَّهُ ضمير الْمُخَاطب وَهُوَ أولى بالتقدم من ضمير الْغَائِب.
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن إيَّايَ ضمير الْمَفْعُول بِهِ وَإِيَّاهَا ضمير الْمصدر وَهِي فضلَة مُسْتَغْنى بِمَا هُوَ آكِد مِنْهَا وَكَانَ الأَصْل لضغمهما إيَّايَ مثلهَا أَي: مثل تِلْكَ الضغمة فَحذف الْمُضَاف وَأقَام وَحذف الْمَفْعُول مَعَ الْمصدر إِذا كَانَ مَعَه الْفَاعِل كثير كَمَا قد يحذف مَعَه الْفَاعِل أَيْضا.
هَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ.
ومغلس بن لَقِيط: شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة. ولقيط بِفَتْح اللَّام وَكسر الْقَاف ومعبد بِفَتْح الْمِيم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة.
وَكَون الشّعْر لمغلس بن لَقِيط الْمَذْكُور هُوَ مَا قَالَه الأعلم. قَالَ: وَاسم هَذَا الشَّاعِر مغلس بن لَقِيط الْأَسدي وَالرجلَانِ من قومه وهما مدرك وَمرَّة.
وَكَذَا قَالَ السيرافي لكنه قَالَ: هُوَ لمغلس بن لَقِيط الْأَسدي من ولد معبد
стр. 2208
ابْن نَضْلَة يُعَاتب)
فِيهِ مدرك بن حصن وَمرَّة بن عداء وَيذكر أَخَاهُ أطيط بن لَقِيط.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ الْمُغلس بن لَقِيط بن حبيب بن خَالِد بن نَضْلَة الْأَسدي جاهلي هُوَ وأخواه بعثر وَنَافِع ابْنا لَقِيط شعراء وَهُوَ من قصيدة هائية يرثي فِيهَا أَخَاهُ أطيطاً ويشتكي من قرينين لَهُ يؤذيانه. وَقيل: هما ابْنا أَخِيه وهما مدرك وَمرَّة. اه.
وَنسب ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَتَبعهُ شَارِح اللّبَاب هَذَا الشّعْر إِلَى لَقِيط بن مرّة قَالَ: رثى فِيهِ أَخَاهُ أطيطاً وهجا مرّة بن عداء ومدرك بن حصن الأسديين.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: هُوَ لمغلس بن لَقِيط السَّعْدِيّ لَا الْأَسدي وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أخوة: مرّة ومدرك وأطيط وَكَانَ أبرهم بِهِ فَمَاتَ وَأظْهر الأخوان عداوته وآذياه فَقَالَ يرثيه ويشتكي من أَخَوَيْهِ وَقيل: هما ابْنا أَخِيه الْمَذْكُور وَقيل: أجنبيان.
هَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد التِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل
(لَئِن كَانَ إيّاه لقد حَال بَعدنَا ... عَن الْعَهْد وَالْإِنْسَان قد يتغيّر)
على أَن الْمُخْتَار فِي خبر كَانَ وَأَخَوَاتهَا إِذا كَانَ ضميراً الِانْفِصَال كَمَا هُنَا لِأَنَّهُ خبر وَالْأَصْل فِي الْخَبَر الِانْفِصَال.
стр. 2209
وَقَالَ بدر الدَّين فِي شرح ألفيه وَالِده: الصَّحِيح اخْتِيَار الِاتِّصَال لكثرته فِي النّظم والنثر الفصيح.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لعمر بن أبي ربيعَة وَقَبله:
(ألكني إِلَيْهَا بالسّلام فإنّه ... يشهّر إلمامي بهَا وينكّر)
(بِآيَة مَا قَالَت غَدَاة لقيتها ... بمدفع أكنان: أَهَذا المشهّر)
(أَهَذا الَّذِي أطريت ذكرا فَلم أكن ... وعيشك أنساه إِلَى يَوْم أقبر)
(فَقَالَت: نعم لَا شكّ غيّر لَونه ... سرى اللّيل يحيي نصّه والتّهجّر)
لَئِن كَانَ إيّاه لقد حَال بَعدنَا ... ... ... ... ... . . الْبَيْت قَوْله: ألكني أَي: كن رَسُولي وَتحمل رسالتي إِلَيْهَا.)
وَقَوله: قفي أَمر من الْوُقُوف والآمرة هِيَ نعم محبوبة الشَّاعِر. وَأَسْمَاء: صَاحِبَة نعم. وَأَسْمَاء: منادىً بِحرف النداء الْمَحْذُوف.
وَرُوِيَ أَيْضا: قفي فانظري يَا أسم وَهُوَ مرخم أَسمَاء.
وَهَذَا على طَرِيقَته فَإِنَّهُ كثيرا مَا يتغزل بِنَفسِهِ زعماً مِنْهُ أَن المخدرات يعشقنه لحسنه وجماله وَقد عيب عَلَيْهِ. وَالْهَاء فِي تعرفينه ضمير الشَّاعِر وَهُوَ عمر كَمَا أَن المغيري عبارَة عَنهُ.
قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ: المغيري مَنْسُوب إِلَى الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَهُوَ من أجداده.
وَقَوله: وعيشك أنساه الْوَاو للقسم وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة بَين لم أكن وَبَين خَبره وَهُوَ جملَة أنسا
стр. 2210
هـ وسرى اللَّيْل فَاعل غير والتهجر مَعْطُوف عَلَيْهِ وَهُوَ السّير فِي الهاجرة. ويحيي مضارع مَعْلُوم من الْإِحْيَاء وفاعله ضمير المغيري وَنَصه مَفْعُوله.
وَقَوله: قفي فانظري إِلَى آخر الْبَيْتَيْنِ من مقول قَالَت. وَزعم بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل أَن الْبَيْتَيْنِ من مقول الشَّاعِر فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمعْنَى قلت لحبيبتي أَسمَاء قفي يَا أَسمَاء فانظري وتأملي هَل تعرفين هَذَا الرجل الَّذِي ترينه يُرِيد بِهِ نَفسه.
وَلما قَالَ ذَلِك توهمته فَقَالَت متعجبة متفكرة لفرط تغيره: الَّذِي ترَاهُ عمر المغيري الَّذِي كَانَ يذكر عندنَا وَالله لَئِن كَانَ المغيري إِيَّاه لقد حَال وَتغَير عَمَّا عهدناه فَإِنَّهُ عهدناه شَابًّا وَقد كبر وعهدناه ناضراً طرياً وَقد حَال عَن ذَلِك ثمَّ قَالَ تَسْلِيَة لَهُ: وَالْإِنْسَان قد يتَغَيَّر عَن حَال إِلَى حَال فَلَا تحزن.
وَيجوز أَن يكون هَذَا مقول الشَّاعِر قَالَ ذَلِك نفيا لتعجبها مِمَّا استعظمته من تغيره بعْدهَا. أَي: إِن الْإِنْسَان يتَغَيَّر فَلَا تتعجبي. اه. وَفِيه مَا لَا يخفى.
وَقَوله: لَئِن كَانَ الخ اللَّام موطئة للقسم وَاسم كَانَ ضمير المغيري وإياه خَبَرهَا وَجُمْلَة لقد حَال الخ جَوَاب الْقسم الْمَحْذُوف وَقد سد مسد جَوَاب الشَّرْط. وَحَال بِمَعْنى تغير من قَوْلهم: حَالَتْ الْقوس أَي: انقلبت عَن حَالهَا الَّتِي عمرت عَلَيْهَا وَحصل فِي قالبها اعوجاج.
وبعدنا: مُتَعَلق بِحَال. وَكَذَلِكَ قَوْله: عَن الْعَهْد أَي: عَمَّا عهدنا من شبابه وجماله. وَجُمْلَة وَالْإِنْسَان قد يتَغَيَّر حَالية. وَمثله قَول كثير عزة: الطَّوِيل
(وَقد زعمت أنّي تغيّرت بعْدهَا ... وَمن ذَا الَّذِي يَا عزّ لَا يتغيّر)
стр. 2211
وَهَذِه القصيدة عدَّة أبياتها ثَمَانُون بَيْتا أوردهَا القالي فِي أَمَالِيهِ وَمُحَمّد بن الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن)
مَيْمُون فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب.
وَقد أنْشد الْمبرد أبياتاً مِنْهَا فِي الْكَامِل وَقَالَ: يرْوى من غير وَجه أَن ابْن
الْأَزْرَق أَتَى ابْن عَبَّاس ﵁ يَوْمًا فَجعل يسْأَله حَتَّى أمله فَجعل ابْن عَبَّاس يظْهر الضجر وطلع عمر بن عبد الله بن أبي ربيعَة على ابْن عَبَّاس وَهُوَ يَوْمئِذٍ غُلَام فَسلم وَجلسَ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: أَلا تنشدنا شَيْئا من شعرك فأنشده: الطَّوِيل
(أَمن آل نعمٍ أَنْت غادٍ فمبكر ... غَدَاة غدٍ أم رائحٌ فمهجّر)
حَتَّى أتمهَا وَهِي ثَمَانُون بَيْتا فَقَالَ لَهُ ابْن الْأَزْرَق: لله أَنْت يَا ابْن عَبَّاس أنضرب إِلَيْك أكباد الْإِبِل نَسْأَلك عَن الدَّين فتعرض ويأتيك غُلَام من قُرَيْش فينشدك سفهاً فتسمعه فَقَالَ: تالله مَا سَمِعت سفهاً. فَقَالَ ابْن الْأَزْرَق: أما أنْشدك: الطَّوِيل
(رَأَتْ رجلا أَيّمَا إِذا الشّمس عارضت ... فيخزى وأمّا بالعشيّ فيخسر)
فَقَالَ: مَا هَكَذَا قَالَ: إِنَّمَا قَالَ: فيضحى وَأما بالعشيّ فيخصر
стр. 2212
قَالَ: أَو تحفظ الَّذِي قَالَ قَالَ: وَالله مَا سَمعتهَا إِلَّا سَاعَتِي هَذِه وَلَو شِئْت أَن أردهَا لرددتها قَالَ: فارددها. فأنشده إِيَّاهَا. وروى الزبيريون أَن نَافِعًا قَالَ لَهُ: مَا رَأَيْت أروى مِنْك قطّ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: مَا رَأَيْت أروى من عمر وَلَا أعلم من عَليّ. انْتهى كَلَام الْمبرد.
وَفِي هَذِه القصيدة أَبْيَات شَوَاهِد فِي هَذَا الشَّرْح وَغَيره لَا بَأْس بإيرادها هُنَا. وَهِي هَذِه:
(أَمن آل نعمٍ أَنْت غادٍ فمبكر ... غَدَاة غدٍ أم رائحٌ فمهجّر)
(بحاجة نفسٍ لم تقل فِي جوابها ... فتبلغ عذرا والمقالة تعذر)
(نهيم إِلَى نعمٍ فَلَا الشّمل جامعٌ ... وَلَا الْحَبل موصولٌ وَلَا الْقلب مقصر)
(وَلَا قرب نعمٍ إِذْ دنت لَك نافعٌ ... وَلَا نأيها يسلي وَلَا أَنْت تصبر)
(وَأُخْرَى أَتَت من دون نعم وَمثلهَا ... نهى ذَا النّهى لَو ترعوي أَو تفكّر)
(إِذا زرت نعما لم يزل ذُو قرابةٍ ... لَهَا كلّما لاقيتها يتنمّر)
(عزيزٌ عَلَيْهِ إِن ألمّ ببيتها ... مسرٌّ لي الشّحناء للبغض مظهر)
...
стр. 2213
(ألكني إِلَيْهَا بالسّلام فإنّه ... يشهّر إلمامي بهَا وينكّر)
(على إنّها قَالَت غَدَاة لقيتها ... بمدفع أكنانٍ: أَهَذا المشهّر))
(قفي فانظري يَا أسم هَل تعرفينه ... أَهَذا المغيريّ الَّذِي كَانَ يذكر)
(أَهَذا الَّذِي أطريت نعتاً فَلم أكن ... وعيشك أنساه إِلَى يَوْم أقبر)
(فَقَالَت: نعم لَا شكّ غيّر لَونه ... سرى اللّيل يحيي نصّه والتّهجّر)
(رَأَتْ رجلا أمّا غذى الشّمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر)
(أَخا سفرٍ جوّاب أرضٍ تقاذفت ... بِهِ فلواتٌ فَهُوَ أَشْعَث أغبر)
(قليلٌ على ظهر المطيّة ظلّه ... سوى مَا نفى عَنهُ الرّداء المحبّر)
(وأعجبها من عيشها ظلّ غرفةٍ ... وريّان ملتفّ الحدائق أَنْضَرُ)
(ووالٍ كفاها كلّ شيءٍ يهمّها ... فَلَيْسَتْ لشيءٍ آخر اللّيل تسهر)
(وَلَيْلَة ذِي دوران جشّمني السّرى ... وَقد يجشم الهول المحبّ المغرّر)
(فبتّ رقيباً للرّفاق على شفاً ... أراقب مِنْهُم من يطوف وَأنْظر)
(إِلَيْهِم مَتى يستأخذ النّوم فيهم ... ولي مجلسٌ لَوْلَا اللّبانة أوعر)
(وباتت قلوصي بالعراء ورحلها ... لطارق ليلٍ أَو لمن جَاءَ معور)
...
стр. 2214
(فبتّ أُنَاجِي النّفس أَيْن خباؤها ... وأنّي لما تَأتي من الْأَمر مصدر)
(فدلّ عَلَيْهَا الْقلب نارٌ عرفتها ... بهَا وَهوى الحبّ الَّذِي كَانَ يظْهر)
(فلمّا فقدت الصّوت مِنْهُم وأطفئت ... مصابيح شبّت بالعشاء وأنور)
(وَغَابَ قميرٌ كنت أَهْوى غيوبه ... وروّح رعيانٌ ونوّم سمّر)
(فحيّيت إِذْ فاجأتها فتولّهت ... وكادت بمرفوع التّحيّة تجْهر)
(فَقَالَت وعضّت بالبنان فضحتني ... وَأَنت امرؤٌ ميسور أَمرك أعْسر)
(أريتك إِذْ هنّا عَلَيْك ألم تخف ... رقيباً وحولي من عدوّك حضّر)
(فَقلت كَذَاك الحبّ قد يحمل الْفَتى ... على الهول حتّى يستقاد فينحر)
(فو الله مَا أَدْرِي أتعجيل حاجةٍ ... سرت بك أم قد نَام من كنت تحذر)
(فَقلت لَهَا بل قادني الحبّ والهوى ... إِلَيْك وَمَا نفسٌ من النّاس تشعر)
(فَقَالَت وَقد لانت وأفرخ روعها ... كلاك بحفظٍ ربّك المتكبّر)
(فَأَنت أَبَا الخطّاب غير منازعٍ ... عليّ أميرٌ مَا مكثت مؤمّر)
...
стр. 2215
(فبتّ قرير الْعين أَعْطَيْت حَاجَتي ... أقبّل فاها فِي الْخَلَاء فَأكْثر))
(فيا لَك من ليلٍ تقاصر طوله ... وَمَا كَانَ ليلِي قبل ذَلِك يقصر)
(ويالك من ملهىً هُنَاكَ ومجلسٍ ... لنا لم يكدّره علينا مكدّر)
(يمجّ ذكيّ الْمسك مِنْهَا مفلّجٌ ... نقيّ الثّنايا ذُو غروبٍ مؤشّر)
(يرفّ إِذا تفترّ عَنهُ كأنّه ... حَصى بردٍ أَو أقحوانٌ منوّر)
(وترنو بعينيها إليّ كَمَا رنا ... إِلَى ظبيةٍ وسط الخميلة جؤذر)
(أشارت بأنّ الحيّ قد حَان مِنْهُم ... هبوبٌ وَلَكِن موعدٌ لَك عزور)
(فَمَا راعني إلاّ منادٍ تحمّلوا ... وَقد شقّ معروفٌ من الصّبح أشقر)
(فلمّا رَأَتْ من قد تنوّر مِنْهُم ... وأيقاظهم قَالَت أشر كَيفَ تَأمر)
(فَقلت: أباديهم فإمّا أفوتهم ... وإمّا ينَال السّيف ثأراً فيثأر)
(فَقَالَت أتحقيقٌ لما قَالَ كاشحٌ ... علينا وتصديقٌ لما كَانَ يُؤثر)
(فَإِن كَانَ مَا لَا بدّ مِنْهُ فَغَيره ... من الْأَمر أدنى للخفاء وأستر)
(أقصّ على أختيّ بَدْء حديثنا ... وَمَا بِي من أَن تعلما متأخّر)
(لعلّهما أَن تبغيا لَك مخرجا ... وَأَن ترحبا سرباً بِمَا كنت أحْصر)
(فَقَامَتْ كئيباً لَيْسَ فِي وَجههَا دمٌ ... من الْحزن تذري عِبْرَة تتحدّر)
...
стр. 2216
(فَقَالَت لأختيها أعينا على فَتى ... أَتَى زَائِرًا وَالْأَمر لِلْأَمْرِ يقدر)
(فأقبلتا فارتاعتا ثمّ قَالَتَا ... أقلّي عَلَيْك اللّوم فالخطب أيسر)
(فَقَالَت لَهَا الصّغرى سأعطيه مطرفي ... ودرعي وَهَذَا الْبرد إِن كَانَ يحذر)
(يقوم فَيَمْشِي بَيْننَا متنكّراً ... فَلَا سرّنا يفشو وَلَا هُوَ يظْهر)
(فَكَانَ مجنّي دون من كنت أتّقي ... ثَلَاث شخوصٍ كاعبان ومعصر)
(وقلن أَهَذا دأبك الدّهر سادراً ... أما تَسْتَحي أَو ترعوي أَو تفكّر)
(إِذا جِئْت فامنح طرف عَيْنك غَيرنَا ... لكَي يحسبوا أنّ الْهوى حَيْثُ تنظر)
(على أنّني يَا نعم قد قلت قولةً ... لَهَا وَالْعتاق الأرحبيّات تزجر)
(هَنِيئًا لبعل العامريّة نشرها ال ... لذيذ وريّاها الَّذِي أتذكّر)
(فَقُمْت إِلَى حرفٍ تخوّن نيّها ... سرى اللّيل حتّى لَحمهَا يتحسّر)
(وحبسي على الْحَاجَات حتّى كأنّها ... بقيّة لوحٍ أَو شجارٌ مؤسّر))
(وماءٍ بموماةٍ قليلٍ أنيسه ... بسابس لم يحدث بهَا الصيّف محْضر)
(بِهِ مبتنىً للعنكبوت كأنّه ... على شرف الأرجاء خامٌ منشّر)
(وَردت وَمَا أَدْرِي أما بعد موردي ... من اللّيل أم مَا قد مضى مِنْهُ أَكثر)
...
стр. 2217
(فطافت بِهِ مغلاة أرضٍ تخالها ... إِذا التفتت مَجْنُونَة حِين تنظر)
(تنازعني حرصاً على المَاء رَأسهَا ... وَمن دون مَا تهوى قليبٌ معوّر)
(محاولةٌ للورد لَوْلَا زمامها ... وجذبي لَهَا كَادَت مرَارًا تكسّر)
(فلمّا رَأَيْت الضّرّ مِنْهَا وأنّني ... ببلدة أرضٍ لَيْسَ فِيهَا معصّر)
(قصرت لَهَا من جَانب الْحَوْض منشأ ... صَغِيرا كقيد الشّبر أَو هُوَ أَصْغَر)
(وَلَا دلو إلاّ الْقَعْب كَانَ رشاءه ... إِلَى المَاء نسعٌ والجديل المضفّر)
(فسافت وَمَا عافت وَمَا صدّ شربهَا ... عَن الرّيّ مطروقٌ من المَاء أكدر)
هَذَا آخر القصيدة. وَقد شرح الْعَيْنِيّ ألفاظها اللُّغَوِيَّة إِجْمَالا.
وَقَوله: رَأَتْ رجلا أما إِذا الشَّمْس عارضت الْبَيْت أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي حُرُوف الشَّرْط من أَوَاخِر الْكتاب وَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شَرحه هُنَاكَ.
وَقَوله: فَكَانَ مجني دون من كنت أتقي. الْبَيْت أوردهُ أَيْضا فِي بَاب الْعدَد.
وَقَوله: إِذا جِئْت فامنح طرف عَيْنك غَيرنَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي حرف الْكَاف بِرِوَايَة: كَمَا يحسبوا.
стр. 2218
وَعمر بن ربيعَة قد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: مجزوء الرمل
(لَيْت هَذَا اللّيل شهرٌ ... لَا نرى فِيهِ عريبا)
(لَيْسَ إيّاي وإيّا ... ك وَلَا نخشى رقيبا)
لما تقدم قبله من أَن الْفَصْل هُوَ الْمُخْتَار فِي خبر ان وَأَخَوَاتهَا كَمَا قَالَ لَيْسَ إيَّايَ وَلَو وصل لقَالَ ليسني.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك كَانَ إِيَّاه لِأَن كانه قَليلَة لَا تَقول: كانني وليسني وَلَا كانك فَصَارَت غيا هَا هُنَا بمنزلتها فِي ضربي إياك.
قَالَ الشَّاعِر: لَيْت هَذَا اللَّيْل شهر الخ وَبَلغنِي عَن الْعَرَب الموثوق بهم أَنهم يَقُولُونَ: ليسني وَكَذَلِكَ كانني. اه.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي إِتْيَانه بالضمير بعد لَيْسَ مُنْفَصِلا ولوقوعه موقع خَبَرهَا وَالْخَبَر مُنْفَصِل من الْمخبر عَنهُ فَكَانَ الِاخْتِيَار فصل الضَّمِير إِذا وَقع موقعه. واتصاله بليس جَائِز لِأَنَّهَا فعل وَإِن لم تقو قُوَّة الْفِعْل الصَّحِيح.
وَلَيْسَ
стр. 2219
فِي هَذَا الْبَيْت تحْتَمل تقديرين: أَحدهمَا أَن تكون فِي مَوضِع الْوَصْف للاسم قبلهَا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا نرى فِيهِ عَرَبيا غَيْرِي وَغَيْرك.
وَالتَّقْدِير الآخر: أَن تكون اسْتثِْنَاء بمنزله غلا. وعريب بِمَعْنى أحد وَهُوَ بِمَعْنى مُعرب أَي: لَا نرى فِيهِ متكلماً يخبر عَنَّا ويعرب عَن حَالنَا. اه.
وَقَوله: لَيْت هَذَا اللَّيْل شهر قَالَ أَبُو الْقَاسِم سعيد الفارقي فِيمَا كتبه فِي تَفْسِير الْمسَائِل المشكلة فِي أول المقتضب للمبرد: وَقد رُوِيَ فِي شهر الرّفْع وَالنّصب جَمِيعًا وَهُوَ عِنْدِي أشبه بِمَعْنى الْبَيْت. وَكِلَاهُمَا حسن. وَقد قضينا هَذَا فِي كتَابنَا تَفْسِير أَبْيَات كتاب سِيبَوَيْهٍ. اه.
وَلم يظْهر لي وَجه النصب.
ونرى من رُؤْيَة الْعين. وعريب من الْأَلْفَاظ الْمُلَازمَة للنَّفْي وَاسم لَيْسَ ضمير مستتر رَاجع إِلَى عريب وإياي خَبَرهَا بِتَقْدِير مُضَاف أَي: لَيْسَ عريب غَيْرِي وَغَيْرك فَحذف غير وانفصل الضَّمِير وَقَامَ مقَامه فِي النصب. تمنى أَن تطول ليلته بِمِقْدَار شهر.)
وَجُمْلَة لَا نرى فِيهِ خبر ثَان لليت. وَجُمْلَة لَا نخشى رقيباً مَعْطُوف عَلَيْهِ والرابط مَحْذُوف أَي: فِيهِ. وَيجوز أَن يكون جملَة لَا نرى صفة لشهر.
وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: يَقُول لحبيبته: لَيْت هَذَا اللَّيْل الَّذِي نَجْتَمِع فِيهِ طَوِيل كالشهر لَا نبصر فِيهِ أحدا لَيْسَ إيَّايَ
стр. 2220
وَإِيَّاك أَي: لَيْسَ فِيهِ غَيْرِي وَغَيْرك أحد. وَهُوَ اسْتثِْنَاء لنَفسِهِ كَمَا قَالَ إلاك لَا نحاف فِيهِ رقيباً.
وَهَذَا الشّعْر نسبه خدمَة كتاب سِيبَوَيْهٍ إِلَى عمر بن أبي ربيعَة الْمَذْكُور آنِفا. وَنسبه صَاحب الأغاني وَتَبعهُ صَاحب الصِّحَاح إِلَى العرجي وَهُوَ عبد الله بن عمر ابْن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان. نسب إِلَى العرج وَهُوَ من نواحي مَكَّة لِأَنَّهُ ولد بهَا وَقيل بل كَانَ لَهُ بهَا مَال وَكَانَ يُقيم هُنَاكَ. وَالله أعلم.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة العرجي فِي الشَّاهِد السَّادِس من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة الرجز
(عددت قومِي كعديد الطّيس ... إِذْ ذهب الْقَوْم الْكِرَام ليسي)
على أَنه جَاءَ مُتَّصِلا. قَالَ الزنجاني: هَذَا الشّعْر أنْشدهُ السيرافي وَفِيه شذوذ من وَجْهَيْن: الأول: أَنه أَتَى بِخَبَر لَيْسَ مُتَّصِلا.
وَالثَّانِي: أَنه أسقط نون الْوِقَايَة وَحقه أَن يُقَال: ليسني. اه.
وأنشده شرَّاح الألفية على أَن حذف نون الْوِقَايَة مِنْهُ ضَرُورَة.
وَكَذَلِكَ حكم ابْن هِشَام بِأَنَّهُ ضَرُورَة فِي قد وَفِي النُّون من الْمُغنِي وَقَالَ فِي شرح شواهده: وَالَّذِي سهل ذَلِك مَعَ الِاضْطِرَار أُمُور
стр. 2221
أَحدهَا: أَن الْفِعْل الجامد يشبه الْأَسْمَاء فجَاء ليسي كَمَا تَقول: غلامي وَأخي وَمن ثمَّ جَازَ: إِن زيدا ليسي يقوم كَمَا جَازَ لقائم وَلَا يجوز إِن زيدا لقام وَجَاز أَيْضا نَحْو: وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى كَمَا جَازَ: علمت أَن زيدا قَائِم وَلَا يجوز: علمت أَن قَامَ وَلَا أَن يقوم.
وَالثَّانِي: أَن لَيْسَ هُنَا للاستثناء فَحق الضَّمِير بعْدهَا الِانْفِصَال وَإِنَّمَا وَصله للضَّرُورَة كَقَوْل الآخر: الْبَسِيط)
أَن لَا يجاورنا إلاّك ديّار وَالنُّون ممتنعة مَعَ الْفَصْل فَتَركهَا مَعَ الْوَصْل التفاتاً إِلَى الأَصْل.
الثَّالِث: أَن ليسي بِمَعْنى غَيْرِي وَلَا نون مَعَ غير. اه.
وَاسم لَيْسَ هُنَا ضمير اسْم الْفَاعِل الْمَفْهُوم من ذهب وَالتَّقْدِير: لَيْسَ هُوَ إيَّايَ أَي: لَيْسَ الذَّاهِب إيَّايَ.
وَقَالَ شَارِح أَبْيَات الموشح: اسْم لَيْسَ لمضمر يرجع إِلَى الْكَرِيم الْمُسْتَفَاد من الْكِرَام. وَفِيه مَا لَا يخفى.
وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: كَذَا أنْشد الْعلمَاء هَذَا الْبَيْت.
ويروى: عهدي بقومي كعديد الطّيس وَهُوَ الصَّحِيح. وَكَذَا أنْشدهُ الْخَلِيل فِي كتاب الْعين فِي مَادَّة طيس لرؤبة وَقَالَ: الطيس: الْعدَد الْكثير. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ لرؤبة.
وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الطيس فَقَالَ بَعضهم: هُوَ كل مَا على وَجه الأَرْض من خلق الْأَنَام. وَقَالَ بَعضهم: بل هُوَ كل خلق كثير النَّسْل نَحْو النَّمْل والذباب والهوام.
стр. 2222
وَقَالَ غَيره: الطيس: الْكثير من الرمل وَالْمَاء وَغَيرهمَا. وَأَرَادَ بِهِ رؤبة هُنَا الرمل. اه.
وَكَذَلِكَ أنْشدهُ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: عهِدت قومِي. وَرَوَاهُ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: عهدي بِقوم. وَقَالَ: أَرَادَ بِقوم
الْمُنكر قومه بِدَلِيل رِوَايَة قومِي وَاللَّام فِي الْقَوْم إِشَارَة إِلَيْهِم وَهَذَا من بَاب وضع الظَّاهِر مَوضِع الْمُضمر وَالْأَصْل: إِذْ ذَهَبُوا. وَفَائِدَته التَّوَصُّل إِلَى وَصفهم بِالْكَرمِ.
وَقَوله: عهدي بِقوم مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف وَهُوَ حَاصِل. وَقَوله: ليسي اسْتثِْنَاء لنَفسِهِ من الْقَوْم الْكِرَام الذاهبين. يفتخر بقَوْمه ويتحسر على ذهابهم فَيَقُول: عهدي بقومي الْكِرَام الكثيرين مثل كَثْرَة الرمل حَاصِل إِذْ ذَهَبُوا إِلَّا إيَّايَ. فَإِنِّي بقيت بعدهمْ خلفا عَنْهُم.
وَلَا يبعد أَن يُرِيد قوما غير كرام فَيكون الْمَعْنى: أرى قوما كثيرا غير كرام إِذْ ذهب الْكِرَام غَيْرِي. اه. كَلَامه.
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الظَّاهِر دون الأول وَهُوَ معنى قَول الْعَيْنِيّ: وَالْمعْنَى عددت قومِي وَكَانُوا بِعَدَد)
الرمل وَمَعَ تِلْكَ الْكَثْرَة مَا فيهم كريم غَيْرِي. وَعَلِيهِ فَيكون الْعَامِل فِي إِذْ: عددت أَو عهِدت أَو عهدي على الرِّوَايَات.
وَقَالَ شَارِح أَبْيَات الموشح: قَوْله: كعديد الطيس حَال من قومِي. وَقَوله: إِذْ ذهب ظرف ليسي. يَقُول: عهدي بقومي الْكِرَام الكثيرين مثل كَثْرَة الرمل حَاصِل وَلَيْسَ فيهم الْآن كريم غَيْرِي إِذْ ذهب الْقَوْم الْكِرَام وَبقيت بعدهمْ خلفا عَنْهُم. هَذَا كَلَامه فَتَأَمّله.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: عديد الطيس: صفة مصدر مَحْذُوف تَقْدِيره عدا كعدد الطيس. والعديد بِمَعْنى الْعدَد. يُقَال: هم عديد الْحَصَى وَالثَّرَى فِي الْكَثْرَة.
стр. 2223
وترجمة رؤبة تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(فَإِن لَا يكنها أَو تكنه فإنّه ... أَخُوهَا غذته أمّه بلبانها)
لما تقدم قبله من وصل الضَّمِير الْمَنْصُوب بكان وَالْقِيَاس فَإِن لَا يكن إِيَّاهَا أَو تكن إِيَّاه.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ فِي أَوَائِل كِتَابه فِي بَاب الْفِعْل الَّذِي يتَعَدَّى اسْم الْفَاعِل إِلَى اسْم الْمَفْعُول وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِيهِ لشَيْء وَاحِد قَالَ فِيهِ: وَتقول: كُنَّا هم كَمَا تَقول: ضربناهم وَتقول إِذا لم نكنهم فَمن ذَا يكونهم كَمَا تَقول: إِذا لم نضربهم فَمن يَضْرِبهُمْ.
قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي: فإلاّ يكنها أَو تكنه فإنّه ... ... ... ... . . الْبَيْت قَالَ الأعلم: أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن كَانَ لتصرفها تجْرِي مجْرى الْأَفْعَال الْحَقِيقَة فِي عَملهَا فيتصل بهَا ضمير خَبَرهَا اتِّصَال ضمير الْمَفْعُول بِالْفِعْلِ الْحَقِيقِيّ فِي نَحْو ضَربته وضربني وَمَا أشبهه. اه.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
(دع الْخمر تشربها الغواة فإنّني ... رَأَيْت أخاها مجزئاً لمكانها)
стр. 2224
قَالَ شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وشراح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: سَبَب هَذَا الشّعْر أَن مولى لأبي الْأسود الدؤَلِي كَانَ يحمل تِجَارَة إِلَى الأهواز وَكَانَ إِذا مضى إِلَيْهَا تنَاول شَيْئا من الشَّرَاب فاضطرب أَمر البضاعة فَقَالَ أَبُو الْأسود هَذَا الشّعْر ينهاه عَن شرب الْخمر. فاسم يكنها ضمير الْأَخ وَهَا)
ضمير الْخمر وَهُوَ خبر يكن
وَاسم تكنه ضمير الْخمر وَالْهَاء ضمير الْأَخ وَهُوَ خبر تكن.
وَأَرَادَ بأخي الْخمر الزَّبِيب.
يَقُول: دع الْخمر وَلَا تشربها فَإِنِّي رَأَيْت الزَّبِيب الَّذِي هُوَ أَخُوهَا وَمن شجرتها مغنياً لمكانها وَقَائِمًا مقَامهَا فإلا يكن الزَّبِيب الْخمر أَو تكن الْخمر الزَّبِيب فَإِن الزَّبِيب أَخُو الْخمر غذته أمه بلبانها يَعْنِي أَن الزَّبِيب شرب من عروق الكرمة كَمَا شرب الْعِنَب الَّذِي عصر خمرًا.
وَلَيْسَ ثمَّة لبان وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعَارَة. كَذَا قَالَ جمَاعَة مِنْهُم الجواليقي قَالَ فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: نَهَاهُ عَن شرب الْخمر وَقَالَ لَهُ: إِن الزَّبِيب يقوم مقَامهَا. فَإِن لم تكن الْخمر نَفسهَا من الزَّبِيب فَهِيَ أُخْته اغتذتا من شَجَرَة وَاحِدَة.
وَمِنْهُم ابْن الأنبار فِي مسَائِل الْخلاف قَالَ: أَرَادَ بقوله أخاها الزَّبِيب وَجعله أَخا الْخمر لِأَنَّهُمَا من شَجَرَة وَاحِدَة.
وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي شرح شواهده قَالَ: زعم مولى أبي الْأسود أَنه يشرب الْخمر لحرارتها فَأمره بِأَكْل الزَّبِيب فَإِنَّهُ أَخُوهَا أَي: ارتضع مَعهَا من ثدي وَاحِد أَي: إِنَّه شرب من عروق الكرمة كَمَا شرب الْعِنَب الَّذِي هُوَ أَصْلهَا.
وَقَالَ جمَاعَة: أَرَادَ بأخي الْخمر نَبِيذ الزَّبِيب مِنْهُم الأعلم قَالَ: وصف نَبِيذ الزَّبِيب وَأطْلقهُ على مَذْهَب الْعِرَاقِيّين فِي الأنبذة وحث على شربه وَترك الْخمر
стр. 2225
بِعَينهَا للْإِجْمَاع على تَحْرِيمهَا. وَجعل الزَّبِيب أصلا للخمر لِأَن أَصلهمَا الكرمة واستعار اللبان لما ذكره من الْأُخوة.
وَمِنْهُم ابْن السَّيِّد ف شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب قَالَ: يَعْنِي بأخيها نَبِيذ الزَّبِيب. يَقُول: إِن لم يكن الزَّبِيب الْخمر أَو تكن الْخمر الزَّبِيب فَإِنَّهُمَا أَخَوان غذيا بِلَبن وَاحِد يَنُوب أَحدهمَا مناب الآخر.
وَمِنْهُم صَاحب فرائد القلائد. قَالَ: إِن أخاها نَبِيذ الزَّبِيب يُرِيد بِهِ المَاء الَّذِي نبذ بزبيب ليصير حلواً من غير أَن تشوبه حُرْمَة فَإِنَّهُ أَخُوهَا إِلَّا أَنه حَلَال وَهِي حرَام.
وَقد أنْشدهُ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قَالَ: الْخمر الْمجمع عَلَيْهِ وَقِيَاس كل مَا عمل عَملهَا أَن يُقَال لَهُ خمر وَأَن يكون فِي التَّحْرِيم بمنزلتها لِأَن إِجْمَاع الْعلمَاء أَن الْقمَار كُله حرَام وَإِنَّمَا ذكر الميسر من بَينه. وَجعل كُله حَرَامًا قِيَاسا على الميسر وَالْميسر إِنَّمَا كَانَ قماراً فِي الجزر خَاصَّة.)
فَكَذَلِك كل مَا كَانَ كَالْخمرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَتَأْويل الْخمر فِي اللُّغَة أَنه مَا ستر على الْعقل يُقَال: لكل مَا ستر الْإِنْسَان من شجر وَغَيره خمر بِالتَّحْرِيكِ. وَمَا ستره من شجر خَاصَّة ضراً مَقْصُور.
يُقَال: دخل فِي خمار النَّاس أَي: فِي الْكثير الَّذِي يسْتَتر فيهم. وخمار الْمَرْأَة قناعها وَإِنَّمَا قيل لَهُ خمار لِأَنَّهُ يغطيها. والخمرة بِالضَّمِّ: الَّتِي يسْجد عَلَيْهَا إِنَّمَا سميت بذلك لِأَنَّهَا
стр. 2226
تستر الْوَجْه عَن الأَرْض.
وَقيل للعجين: قد اختمر لِأَن فطورته قد غطاها الْخمر أَعنِي الاختمار. يُقَال: قد أخمرت الْعَجِين وخمرته وفطرته فَهَذَا كُله يدل على أَن كل مُسكر خمر وكل مُسكر مخالط الْعقل ومغط عَلَيْهِ. وَلَيْسَ يَقُول أحد للشار إِلَّا مخمور من كل مُسكر وَبِه خمار. فَهَذَا بَين وَاضح.
وَقد لبس على أبي الْأسود الدؤَلِي فَقيل لَهُ: إِن هَذَا الْمُسكر الَّذِي سموهُ بِغَيْر الْخمر حَلَال فَظن أَن ذَلِك كَمَا قيل ثمَّ رده طبعه إِلَى أَن حكم بِأَنَّهُمَا وَاحِد فَقَالَ: دع الْخمر يشْربهَا الغواة ... ... ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ وَمَا ذكره خلاف الْمَعْنى الَّذِي ذكره الْجَمَاعَة. وَقد وَافقه فِي هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن السَّعْدِيّ الأندلسي وَتُوفِّي بِمصْر فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة
فِي كتاب مساوي الْخمْرَة وَهُوَ كتاب ضخم وَهُوَ عِنْدِي فِي جلدين قَالَ فِيهِ: وَقد حرم الْخمر والقمار والزنى على نَفسه فِي الْجَاهِلِيَّة عفيف بن معد يكرب الْكِنْدِيّ بقوله: الوافر
(وَقَالَت لي: هلمّ إِلَى التّصابي ... فَقلت عففت عمّا تعلمينا)
(وودّعت القداح وَقد أَرَانِي ... لَهَا فِي الدّهر مشغوفاً رهينا)
(وحرّمت الْخُمُور عليّ حتّى ... أكون بقعر ملحودٍ رهينا)
أَنْت ترى كَيفَ تفهم مَا فِي الْقمَار من الْمُشَاركَة للزنى وَالْخمر فِي سوء
стр. 2227
الذّكر. وَلَا ننس قَوْله: وَحرمت الْخمر فَأتى بهَا بِلَفْظ الْجمع إِشَارَة إِلَى اخْتِلَاف أجناسها كَالْخمرِ المتخذة من مَاء الْعِنَب ونبيذ الزَّبِيب وَالتَّمْر وَالشعِير وَالْحِنْطَة وَالْعَسَل وأمثال هَذِه إِذْ الْكل خمرو مُخْتَلفَة الألوان والطعوم والأمزجة.
وَقد قَالَ ابْن شبْرمَة منبهاً على اشْتِرَاك هَذِه كلهَا فِي الْمَعْنى:
(يَا أخلاّء إنّما الْخمر ذيب ... وَأَبُو جعدة الطّلاء الْمُرِيب)
(ونبيذ الزّبيب مَا اشتدّ مِنْهُ ... فَهُوَ للخمر والطّلاء نسيب))
وَقَالَ عبيد بن الأبرص: المتقارب
(وَقَالُوا هِيَ الْخمر تكنى الطّلاء ... كَمَا الذّئب يكنى أَبَا جعدة)
وَقد قَالَ أَبُو الْأسود الدئلي: دع الْخمر يشْربهَا الغواة ... ... ... ... ... ... . الْبَيْت
فَقيل لَهُ: فنبيذ الزَّبِيب فَقَالَ:
(فإلاّ يكنها أَو تكنه فإنّه ... أَخُوهَا غذته أمّه بلبانها)
اه.
وَقَوله: دع الْخمر أَي: اترك. والغواة: جمع غاو وَهُوَ الضال. وَقَوله: مجزئاً قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي
стр. 2228
وَقَوله: فإلا يكنها الخ الْفَاء للتفريع وَالتَّفْسِير وَإِن شَرْطِيَّة وَلَا نَافِيَة وتكنه مَعْطُوف على تكنها فَهُوَ منفي أَيْضا وَجُمْلَة: فَإِنَّهُ أَخُوهَا جَوَاب الشَّرْط وَجُمْلَة: غذته أمه الخ لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب لِأَنَّهَا مفسرة للأخوة كَقَوْلِه تَعَالَى: إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمثل آدمَ خَلَقه مِنْ تُراب وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هِيَ خبر بعد خبر وَيجوز أَن تكون حَالا من الْهَاء فِي أَخُوهَا وَالْعَامِل فِيهَا إِن.
هَذَا كَلَامه.
واللبان بِكَسْر اللَّام قَالَ الأعلم: هُوَ للآدميين وَاللَّبن لغَيرهم وَقد يكون جمع لبن فِي هَذَا الْموضع. اه.
قَالَ ابْن السّكيت: يُقَال هُوَ أَخُوهُ بلبان أمه وَلَا يُقَال: بِلَبن أمه إِنَّمَا اللَّبن الَّذِي يشرب.
قَالَ الْكُمَيْت يمدح مخلد بن يزِيد: الرجز
(ترى النّدى ومخلداً حليفين ... كَانَا مَعًا فِي مهده رضيعين)
تنَازعا فِيهِ لبان الثّديين وَقَالَ الحريري فِي درة الغواص: اللبان: مصدر لِابْنِهِ. قَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ: اللبان مصدر لِابْنِهِ أَي: شَاركهُ فِي اللَّبن لَيْسَ بِإِجْمَاع بل الْأَكْثَر على جَوَاز غير ذَلِك.
قَالَ بَعضهم: اللبان بِمَعْنى اللَّبن إِلَّا أَنه مَخْصُوص بالآدمي وَأما اللَّبن فعام فِي الْآدَمِيّ وَغَيره.
وَقَالَ آخَرُونَ: اللبان جمع لبن. فمما جَاءَ فِيهِ اللبان للمشاركة فِي اللَّبن قَوْلهم: هُوَ أَخُوهُ بلبان أمه. كَذَا فسره يَعْقُوب أَي: هُوَ أَخُوهُ لمشاركته فِي الرَّضَاع. وَعَلِيهِ قَول الْكُمَيْت
стр. 2229
الْمَذْكُور.
وَقَالَ أَبُو سهل الْهَرَوِيّ: لبان هُنَا جمع لبن وعَلى قَول غَيره هُوَ لُغَة فِي اللَّبن. وَكَذَلِكَ بَيت أبي)
الْأسود الدؤَلِي. اه كَلَامه.
وترجمة أبي الْأسود قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة السَّرِيع لولاك فِي ذَا الْعَام لم أحجج على أَنه يجوز وُرُود الضَّمِير الْمُشْتَرك بَين النصب والجر على قلَّة بعد لَوْلَا.
وَلَوْلَا حرف جر عِنْد سِيبَوَيْهٍ كَمَا ذكره الشَّارِح وَيَأْتِي نَص كَلَامه فِي الْبَيْت الَّذِي بعد هَذَا.
وأنشده الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة ص مستشهداً بِهِ على أَن لات تجر الأحيان كَمَا أَن لَوْلَا تجر الضمائر.
وَهُوَ عجز وصدره:
وَبعده:
(أَنْت إِلَى مكّة أخرجتني ... وَلَو تركت الحجّ لم أخرج)
وَرُوِيَ: حبّاً وَلَوْلَا أَنْت لم أخرجه وهما من شعر عمر بن أبي ربيعَة. وأومت: أشارت. وَالْكَاف فِي
стр. 2230
لولاك مَفْتُوحَة كَمَا أَن التَّاء من أَنْت كَذَلِك. خاطبته حبيبته ومنت عَلَيْهِ بتحمل المشاق لأَجله.
وَزعم الْخَطِيب التبريزي فِي شرح ديوَان أبي تَمام أَن الْبَيْت الشَّاهِد للعرجي الْمَذْكُور آنِفا. وَلم يُوجد فِي ديوانه وَالَّذِي رَوَاهُ الْعلمَاء أَنه لعمر بن أبي ربيعَة وَهُوَ مَوْجُود فِي شعره.
وَسبب توهمه: أَن للعرجي أبياتاً على هَذَا النمط رَوَاهَا الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى بِسَنَدِهِ إِلَى إِسْحَاق بن سعد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ قَالَ: كَانَ العرجي وَهُوَ عبد الله بن عمر بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان يشبب بِامْرَأَة مُحَمَّد ابْن هِشَام.
وَقَالَ غَيره: إِنَّه يشبب بامرأته الحارثية: السَّرِيع
(عوجي علينا ربّة الهودج ... إنّك إِن لَا تفعلي تحرجي)
(أيسر مَا قَالَ محبٌّ لَدَى ... بَين حبيب قَوْله عرّج)
)
(من حيّكم بنتم وَلم ينصرم ... وجد فُؤَادِي الهائم المنضج)
(فَمَا استطاعت غير أَن أَوْمَأت ... بِطرف عَيْني شادنٍ أدعج)
(تذود بالبرد لَهَا عِبْرَة ... جَاءَت بهَا الْعين وَلم تنشج
стр. 2231
)
(مَخَافَة الواشين أَن يفطنوا ... بشأنها والكاشح المزعج)
(أَقُول لمّا فَاتَنِي مِنْهُم ... مَا كنت من وصلهم أرتجي)
(إنّي أتيحت لي يمانيّةٌ ... إِحْدَى بني الْحَارِث من مذْحج)
(نمكث حولا كَامِلا كلّه ... لَا نَلْتَقِي إلاّ على مَنْهَج)
(فِي الحجّ إِن حجّت وماذا منى ... وَأَهله إِن هِيَ لم تحجج)
فَقَالَ عَطاء: الْكثير الطّيب يَا خَبِيث.
وروى أَيْضا صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ أَن مِمَّا قَالَ العرجي فِي الجيداء أم مُحَمَّد بن هِشَام المَخْزُومِي وَهِي من بني الْحَارِث بن كَعْب: عوجي علينا ربّة الهودج الأبيات الْأَرْبَعَة.
فَلَمَّا سمع الْبَيْت الْأَخير عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: الْخَيْر وَالله كُله فِي منى وَأَهله
حجت أم لم قَالَ: وَلَقي ابْن سريح عَطاء فِي منى وَهُوَ رَاكب على بغلته فَقَالَ لَهُ: سَأَلتك بِاللَّه إِلَّا وقفت لي حَتَّى أسمعك شَيْئا. قَالَ: وَيحك دَعْنِي فَإِنِّي عجل فَقَالَ: امْرَأَتي طَالِق إِن لم تقف مُخْتَارًا للوقوف لأمسكن بلجام بغلتك ثمَّ لَا أفارقها وَلَو قطعت يَدي حَتَّى أغنيك وَأَرْفَع صوتي.
فَقَالَ: هَات وَعجل فغناه: فِي الحجّ إِن حجّت وماذا منى ... ... ... ... ... الْبَيْت
стр. 2232
فَقَالَ: الْخَيْر وَالله كُله فِي منى وَأَهله لَا سِيمَا وَقد غيبها الله عَن مشاعره خل سبي البغلة.
اه.
وَقَوله: نَلْبَث حولا كَامِلا كُله الْبَيْت هُوَ من شَوَاهِد الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على جَوَاز توكيد النكرَة المحدودة. وَقد نَقله عَنْهُم ابْن هِشَام فِي مُغنِي اللبيب ولأجله أوردت هَذِه الأبيات.
وترجمة عمر بن أبي ربيعَة تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع والثمانين.
وَأنْشد بعده)
الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(وَكم موطنٍ لولاي طحت كَمَا هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوي)
لما تقدم قبله قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يكون مضمراً فِيهِ الِاسْم متحولاً عَن حَاله إِذا أظهر بعده وَذَلِكَ لولاك ولولاي إِذا أمضر فِيهِ الِاسْم جر وَإِذا أظهر رفع.
وَلَو جَاءَت عَلامَة الْإِضْمَار على الْقيَاس لَقلت: لَوْلَا أَنْت كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: لَوْلَا أَنْتُم لكُنَّا مُؤمنين وَلَكنهُمْ جَعَلُوهُ مجروراً.
стр. 2233
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الْيَاء وَالْكَاف لَا تَكُونَانِ عَلامَة مُضْمر مَرْفُوع قَالَ يزِيد بن الحكم: وَكم موطنٍ لولاي طحت ... ... ... ... ... . الْبَيْت وَهَذَا قَول الْخَلِيل وَيُونُس. وَأما قَوْلهم: عساك فالكاف مَنْصُوبَة. قَالَ الراجز: يَا أبتا علّك أَو عساكا
وَالدَّلِيل على أَنَّهَا مَنْصُوبَة إِنَّك إِذا عنيت نَفسك كَانَ علامتك ني قَالَ عمرَان بن حطَّان: الوافر
(ولي نفسٌ أَقُول لَهَا إِذا مَا ... تنازعني لعلّي أَو عساني)
فَلَو كَانَت الْكَاف مجرورةً لقَالَ: عساي وَلَكنهُمْ جعلوها بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فِي هَذَا الْموضع. فهذان الحرفان لَهما فِي الْإِضْمَار هَذَا الْحَال كَمَا كَانَ ل لدن حَال مَعَ غدْوَة لَيست مَعَ غَيرهَا وكما أَن لات إِذا لم تعملها فِي الأحيان لم تعملها فِيمَا سواهَا فَهِيَ مَعهَا بِمَنْزِلَة لَيْسَ فَإِذا جاوزتها لَيْسَ ورأي أبي الْحسن أَن الْكَاف فِي لولاك فِي مَوضِع رفع على غير قِيَاس كَمَا قَالُوا: مَا أَنا كَانَت وَلَا أَنْت كأنا وَهَذَانِ علم الرّفْع كَذَلِك عساني.
وَلَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: وَافق الرّفْع الْجَرّ فِي لولاي كَمَا وَافقه النصب إِذْ قلت مَعَك وضربك لِأَنَّك إِذا أضفت إِلَى نَفسك فالجر مفارق للنصب فِي هَذِه الْأَشْيَاء. وَلَا تقل وَافق الرّفْع النصب فِي عساني كَمَا وَافق النصب الْجَرّ فِي
стр. 2234
ضربك ومعك لِأَنَّهُمَا إِذا أضفت إِلَى نَفسك اخْتلفَا.
وَزعم نَاس أَن مَوضِع الْيَاء فِي لولاي وني فِي عساني فِي مَوضِع رفع جعلُوا لولاي مُوَافقَة للجر وني مُوَافقَة للنصب كَمَا اتّفق النصب والجر فِي الْهَاء وَالْكَاف وَهَذَا وَجه رَدِيء لما ذكرت ولأنك لَا يَنْبَغِي أَن تكسر الْبَاب وَهُوَ مطرد وَأَنت تَجِد لَهُ نَظَائِر.)
وَقد يُوَجه الشَّيْء على الشَّيْء الْبعيد إِذا لم يُوجد لَهُ غَيره. وَرُبمَا وَقع ذَلِك فِي كَلَامهم وَقد بَين بعض ذَلِك وستراه فِيمَا يسْتَقْبل إِن شَاءَ الله. هَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ برمتِهِ.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي هَذَا الْبَيْت إتْيَان ضمير الْخَفْض بعد لَوْلَا الَّتِي يَليهَا الْمُبْتَدَأ
وَلما كَانَ مبتدؤها مَحْذُوف الْخَبَر أشبه الْمَجْرُور لانفراده والمضمر لَا يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب فَوَقع مجروره موقع مرفوعه وَالْأَكْثَر لَوْلَا أَنْت كَالظَّاهِرِ. ورد هَذَا الْمبرد وسفه قَائِله تحاملاً مِنْهُ وتعسفاً. اه.
وَقد رَأَيْت كَلَام الْمبرد فِي الْكَامِل فَإِنَّهُ بعد أَن نقل كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وَالَّذِي أَقُول أَن هَذَا خطأ وَلَا يصلح إِلَّا أَن تَقول لَوْلَا أَنْت كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَوْلَا أنتُمْ لكُنَّا مُؤمنين. وَمن خَالَفنَا يزْعم أَن الَّذِي قُلْنَاهُ أَجود وَيَدعِي الْوَجْه الآخر فيجيزه على بعده. اه.
وَقد فصل ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ الْأَقْوَال فَقَالَ فِي وُقُوع الْمُضمر بعد لَوْلَا الَّتِي يرْتَفع الِاسْم بعْدهَا بِالِابْتِدَاءِ: وللنحويين فِي ذَلِك ثَلَاثَة مَذَاهِب: فَذهب سِيبَوَيْهٍ أَن يرى إِيقَاع الْمُنْفَصِل الْمَرْفُوع بعْدهَا هُوَ الْوَجْه كَقَوْلِك: لَوْلَا أَنْت فعلت كَذَا.
وَلَا يمْتَنع من إجَازَة اسْتِعْمَال الْمُتَّصِل بعْدهَا كَقَوْلِك:
стр. 2235
لولاي ولولاك ولولاه وَيحكم بِأَن الْمُتَّصِل بعْدهَا مجرور بهَا فَيجْعَل لَهَا مَعَ الْمُضمر حكما يُخَالف حكمهَا مَعَ الْمظهر.
وَمذهب الْأَخْفَش أَن الضَّمِير الْمُتَّصِل بعْدهَا مستعار للرفع فَيحكم بِأَن مَوْضِعه رفع بِالِابْتِدَاءِ وَإِن كَانَ بِلَفْظ الْمُضمر الْمَنْصُوب أَو الْمَجْرُور. فَيجْعَل حكمهَا مَعَ الْمُضمر مُوَافقا حكمهَا مَعَ الْمظهر.
وَمذهب الْمبرد أَنه لَا يجوز أَن يَليهَا من الْمُضْمرَات إِلَّا الْمُنْفَصِل الْمَرْفُوع. وَاحْتج بِأَنَّهُ لم يَأْتِ فِي الْقُرْآن غير ذَلِك. وَدفع الِاحْتِجَاج بِهَذَا الْبَيْت وَقَالَ: إِن فِي هَذِه القصيدة شذوذاً فِي مَوَاضِع وخروجاً عَن الْقيَاس فَلَا معرج على هَذَا الْبَيْت.
وَأَقُول: إِن الْحَرْف الشاذ أَو الحرفين أَو الثَّلَاثَة إِذا وَقع ذَلِك فِي قصيدة من الشّعْر الْقَدِيم لم يكن قادحاً فِي قَائِلهَا وَلَا دافعاً للاحتجاج بِشعرِهِ.
وَقد جَاءَ فِي شعر لأعرابي: لولاك فِي ذَا الْعَام لم أحجج
وللمحتج لسيبويه أَن يَقُول: إِنَّه لما رأى الضَّمِير فِي لولاي وَنَحْوه خَارِجا عَن حيّز ضمائر الرّفْع)
وَلَيْسَت لَوْلَا من الْحُرُوف المضارعة للْفِعْل فتعمل النصب كحروف النداء ألحقها بحروف الْجَرّ.
وَحجَّة الْأَخْفَش أَن الْعَرَب قد استعارت ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل فِي قَوْلهم: لقيتك أَنْت وَكَذَلِكَ استعاروه للجر فِي قَوْلهم: مَرَرْت بك أَنْت أكدوا الْمَنْصُوب وَالْمَجْرُور بالمرفوع.
وأشذ مِنْهُ إيقاعهم إِيَّاه بعد حرف الْجَرّ فِي قَوْلهم: أَنا كَأَنْت وَأَنت كأنا. فَكَمَا استعاروا الْمَرْفُوع للنصب والجر كَذَلِك استعاروا الْمَنْصُوب للرفع فِي قَوْلهم: لولاي ولولاك ولولاه. اه.
وَقد نسب ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف مَذْهَب الْأَخْفَش إِلَى
стр. 2236
الْكُوفِيّين وَذكر حجج الْفَرِيقَيْنِ وَصحح مَذْهَب الْكُوفِيّين ورد كَلَام سِيبَوَيْهٍ بِأَن قَوْله إِن الْيَاء وَالْكَاف لَا يكونَانِ عَلامَة مَرْفُوع غير مُسلم فَإِنَّهُ يجوز أَن يستعار لِلْمَرْفُوعِ عَلامَة المخفوض كَمَا يستعار لَهُ عَلامَة الْمَنْصُوب فِي نَحْو عساك. ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي يدل على أَن لَوْلَا لَيْسَ بِحرف خفض أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن وَقَول الْبَصرِيين إِنَّه قد يكون الْحَرْف فِي مَوضِع مُبْتَدأ لَا يتَعَلَّق بِشَيْء قُلْنَا: الأَصْل فِي حُرُوف الْخَفْض أَن يجوز الِابْتِدَاء بهَا وَأَن تقع فِي مَوضِع مُفِيد وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِك نَادرا فِي قَوْلهم: بحسبك زيد وَمَا جَاءَنِي من أحد لِأَن الْحَرْف فِي نِيَّة الاطراح إِذْ لَا فَائِدَة لَهُ بِخِلَاف لَوْلَا فَإِنَّهُ حرف جَاءَ لِمَعْنى وَلَيْسَ بزائد.
أَلا ترى أَنَّك لَو حذفتها لبطل ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي دخلت من أَجله بِخِلَاف الْبَاء وَمن. فَبَان الْفرق بَينهمَا. انْتهى كَلَامه.
وَمَا نسبه ابْن الْأَنْبَارِي للكوفيين نسبه النّحاس فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ للفراء قَالَ: مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ عِنْد الْمبرد خطأ لِأَن الْمُضمر يعقب الْمظهر فَلَا يجوز أَن نقُول الْمظهر مَرْفُوعا والمضمر مجروراً. وَأَبُو الْعَبَّاس الْمبرد لَا يُجِيز لولاك ولولاه وَإِنَّمَا يَقُول لَوْلَا أَنْت.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَحدثت أَن أَبَا عَمْرو اجْتهد فِي طلب مثل لولاك ولولاي بَيْتا يصدقهُ أَو كلَاما مأثوراً عَن الْعَرَب فَلم يجده. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَهُوَ مَدْفُوع لم يَأْتِ عَن ثِقَة وَيزِيد بن الحكم لَيْسَ بالفصيح.
وَكَذَلِكَ عِنْده قَول الآخر: لولاك هَذَا الْعَام لم أحجج قَالَ: إِذا نظرت إِلَى القصيدة رَأَيْت الْخَطَأ فِيهَا فاشياً. وَقَول سعيد
стр. 2237
الْأَخْفَش فِي لولاك: وَافق ضمير الْخَفْض فِي لولاي لَيْسَ هَذَا القَوْل بِشَيْء وَلَا يجوز هَذَا. وَقَالَ الْفراء: لولاي ولولاك)
الْمُضمر فِي مَوضِع رفع كَمَا تَقول لَوْلَا أَنَّك وَلَوْلَا أَنْت.
قَالَ: فَإِنَّمَا دعاهم أَن يَقُولُوا هَذَا لأَنهم يَجدونَ المكني يَسْتَوِي لَفظه فِي الْخَفْض وَالنّصب وَالرَّفْع فَيُقَال: ضربنا وَمر بِنَا وقمنا فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك استجازوا أَن تكون الْكَفّ فِي مَوضِع أَنْت رفعا إِذْ كَانَ إِعْرَاب المكني بالدلالات لَا بالحركات.
قَالَ أَبُو الْحسن بن كيسَان: الْوَجْه لَوْلَا أَنْت وَلَا يجوز أَن يكون الْمُضمر خلاف الْمظهر فِي الْإِعْرَاب وَهُوَ بدل مِنْهُ وموضوع مَوْضِعه وَلَكِن المكني مستغن عَن دلَالَته بالحرف الَّذِي يُوجب فِيهِ الرّفْع وَلَا يَقع مَنْصُوب وَلَا مخفوض وَاكْتفى بِدلَالَة الْحَرْف مندلالة المكني وَكَانَ حرف أخصر من حُرُوف. قَالَ وَهَذَا الَّذِي اخترته هُوَ مَذْهَب الْفراء.
ثمَّ قَالَ النّحاس: وَأما أَبُو إِسْحَاق فَجرى على عاداته فِي الِاحْتِجَاج عَن سِيبَوَيْهٍ والتصحيح عَنهُ فَقَالَ إِن خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي بعد لَوْلَا لَا يظْهر فَأَشْبَهت لَوْلَا حُرُوف الْجَرّ لوقعوع اسْم بعْدهَا وَكَانَ الْمُضمر لَا يتَبَيَّن فِيهِ إِعْرَاب فَجعل مَوضِع الْمَجْرُور.
وَهَذَا احتجاج لطيف لم نر أحدا يحسن مثل هَذَا. وَزَاد عَلَيْهِ هَذَا أَنه احْتج بقول
رُؤْيَة وَهُوَ لولاكما قد خرجت نفساهما انْتهى مَا أورد النّحاس مُخْتَصرا.
стр. 2238
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَأما إِنْكَار أبي الْعَبَّاس الْمبرد جَوَازه فَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ قد جَاءَ كثيراُ فِي كَلَامهم وأشعارهم.
قَالَ الشَّاعِر: وَأَنت امرؤٌ لولاي طحت كَمَا هوى ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقَالَ الآخر: الطَّوِيل
(أتطمع فِينَا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن)
وَقَالَ بعض الْعَرَب: لولاك هَذَا الْعَام لم أحجج وَأما مَجِيء الضَّمِير الْمُنْفَصِل بعده فَلَا خلاف أَنه أَكثر وأفصح وَعدم مَجِيء الضَّمِير الْمُتَّصِل فِي التَّنْزِيل لَا يدل على عدم جَوَازه.
وَقد أنْشد الْمبرد فِي الْكَامِل فِي الْموضع الَّذِي نقلنا مِنْهُ آنِفا بَيْتا فِي وقْعَة للخوارج وَهُوَ:)
(ويومٌ بجيّ تلافيته ... ولولاك لاصطلم الْعَسْكَر)
стр. 2239
والموطن قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هُوَ المشهد من مشَاهد الْحَرْب.
وَقد اسْتشْهد صَاحب الْكَشَّاف بِهَذَا الْبَيْت عِنْد قَوْله تَعَالَى: لقد نَصَرَكُمْ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثيرةٍ على أَن المُرَاد بالمواطن مَوَاقِف الحروب كَمَا فِي الْبَيْت. وَلَوْلَا هُنَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ حرف الْجَرّ لَا يتَعَلَّق بِشَيْء.
وَعند غَيره الْيَاء مُبْتَدأ استعير لفظ غير الْمَرْفُوع لِلْمَرْفُوعِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره حَاضر.
وَجُمْلَة: طحت فِي مَوضِع النَّعْت لموطن والرابط مَحْذُوف تَقْدِيره فِيهِ وَهُوَ قد سد مسد جَوَاب لَوْلَا عِنْد من يَجْعَلهَا على بَابهَا وَتَكون مُعْتَرضَة بَين النَّعْت والمنعوت.
قَالَ ابْن الشجري: وَالْجُمْلَة الَّتِي هِيَ لولاي طحت محلهَا جر على النَّعْت لموطن والعائد مَحْذُوف. انْتهى.
وَهَذَا بِاعْتِبَار مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ.
وطاح يطوح ويطيح أَيْضا بِمَعْنى هلك وَسقط وَكَذَلِكَ إِذا تاه فِي الأَرْض.
وَقَوله: كَمَا هوى الخ مفعول مُطلق لطحت من غير لَفظه أَي: طحت طيحاً كهوي السَّاقِط فَمَا مَصْدَرِيَّة وَقيل: كَافَّة. وَهوى بِالْفَتْح يهوي بِالْكَسْرِ هوياً بِضَم فَكسر فتشديد أَي: سقط إِلَى أَسْفَل. والأجرام: جمع جرم بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْجَسَد.
قَالَ الْمبرد: فِي الْكَامِل بعد إنشاده هَذَا الْبَيْت: جرم الْإِنْسَان: خلقه. والنيق: أَعلَى الْجَبَل. وَهَذَا مثل: شابت مفارقه كَأَنَّهُ جعل أعضاءه أجراماً توسعاً.
وَقد زل قلم ابْن الشجري فَقَالَ: بأجرامه أَي: بذنوبه جمع جرم.
стр. 2240
ويروى: بإجرامه مصدر أجرم يُقَال: جرم وأجرم لُغَتَانِ إِذا أذْنب. وأجرم لُغَة الْقُرْآن.
انْتهى.
وَلَا يخفى أَن جعل الأجرام جمع جرم بِالضَّمِّ وَتَفْسِيره بالذنب لَا وَجه لَهُ هُنَا.
والنيق بِكَسْر النُّون: أرفع الْجَبَل. وقلته: مَا استدق من رَأسه.
ومنهوي: سَاقِط وَهُوَ فَاعل هوى.
وَنقل عَن الْمبرد الطعْن فِي هَذِه أَيْضا قَالَ: انفعل لَا يَجِيء مُطَاوع فعل إِلَّا حَيْثُ يكون علاج وتأثير.)
وَقَالَ ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني: اعْلَم أَن انفعل إِنَّمَا أَصله من الثَّلَاثَة ثمَّ تلحقها الزيادتان نَحْو قطعته فَانْقَطع وَلَا يكَاد يكون فعل مِنْهُ إِلَّا مُتَعَدِّيا حَتَّى تمكن المطاوعة والانفعال. وَقد جَاءَ فعل مِنْهُ غير مُتَعَدٍّ وَهُوَ: وَكم موطن لولاي طحت الْبَيْت.
فَإِنَّمَا هَذِه مُطَاوع هوى إِذا سقط وَهُوَ غير مُتَعَدٍّ كَمَا ترى. وَقد جَاءَ فِي هَذِه القصيدة وَهُوَ من قصيدة طَوِيلَة ليزِيد بن الحكم يُعَاتب بهَا ابْن عَمه وَقيل أَخَاهُ. وَقد تقدّمت مشروحة فِي الشَّاهِد الثَّمَانِينَ بعد الْمِائَة.
стр. 2241
وَهَذَا الْبَيْت مَعَ شهرته لم يعرفهُ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين خضر الْموصِلِي حَتَّى إِنَّه قَالَ: هُوَ بَيت لم يعزه أحد إِلَى قَائِله.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّةٌ على أَنه قد يَجِيء خبر لَعَلَّ مضارعاً مَقْرُونا ب أَن حملا لَهَا على عَسى.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: قد جَاءَ فِي الشّعْر:
(لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّةٌ ... علك من اللاّئي يدعنك أجدعا)
قِيَاسا على عَسى.
وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويقترن خبر لَعَلَّ بِأَن كثيرا حملا على عَسى. كَقَوْلِه: لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّةٌ
(فقولا لَهَا قولا رَقِيقا لَعَلَّهَا ... سترحمني من زفرةٍ وعويل)
انْتهى.
فَلم يَخُصُّهُ بالشعر.
وَأما كَثْرَة الاقتران بِأَن فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اقترانه بِحرف التَّنْفِيس وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى التجرد فَهُوَ قَلِيل قطعا. وَيُؤَيِّدهُ أَن الْمبرد قَالَ فِي الْكَامِل عِنْد إنشاده هَذَا
الْبَيْت: إِن التجرد من أَن هُوَ الْجيد والاقتران بهَا غير جيد. فَلم يُقَيِّدهُ بالشعر.
стр. 2242
وَقَالَ بَعضهم: الْخَبَر فِي هَذَا الْبَيْت مَحْذُوف تَقْدِيره: لَعَلَّك معد لِأَن تلم ملمة أَو نَحوه.)
قَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح المفضليات قَوْله: لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ الخ أَظُنك أَن ألم بك ملمة مِمَّن الملمات الَّتِي تتركك ذليلاً مجدوع الْأنف وَالْأُذن. وَخبر لَعَلَّ مَحْذُوف مَعَ حرف الْجَرّ من أَن تلم وَيكون تَقْدِير الْكَلَام ومعنا: لَعَلَّك لأرجوك لِأَن تلم بك ملمة.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَعَلَّ طمع وإشفاق يُرِيد أَنه يكون للأمرين جَمِيعًا. فَإِذا كَانَ هَذَا الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ يَرْجُو الشَّرّ لَهُ ويطمع فِيهِ. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لمتمم بن نُوَيْرَة الصَّحَابِيّ رثى بهَا أَخَاهُ مَالك بن نُوَيْرَة لما قَتله خَالِد بن الْوَلِيد بتهمة الرِّدَّة.
وَقد تقدم الْكَلَام على قصَّة قَتله مَعَ شرح أَبْيَات من هَذِه القصيدة فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين.
وَهَذِه أَبْيَات قبل الْبَيْت الْمَذْكُور:
(ألم تأت أَخْبَار المحلّ سراتكم ... فيغضب مِنْكُم كلّ من كَانَ موجعا)
(بمشمته إِذْ صَادف الحتف مَالِكًا ... ومشهده مَا قد رأى ثمّ ضيّعا)
(أآثرت هدماً بَالِيًا وسويّةً ... وَجئْت بهَا تعدو بريداً مقزّعا)
стр. 2243
.
(فَلَا تفرحن يَوْمًا بِنَفْسِك إنّني ... أرى الْمَوْت وقّاعاً على من تشجّعا)
لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّة ... ... ... ... . الْبَيْت
(نعيت أمرأً لَو كَانَ لحمك عِنْده ... لآواه مجموعاً لَهُ أَو ممزّعا)
(فَلَا يهنئ الواشين مقتل مالكٍ ... فقد آب شانيه إياباً فودّعا)
وَهَذَا آخر القصيدة.
وَقَوله: ألم تأت أَخْبَار الْمحل الخ هُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ رجل من بني ثَعْلَبَة مر بِمَالك مقتولاً فنعاه كَأَنَّهُ شامت بِهِ فذمه متمم.
وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شَرحه: الْمحل بن قدامَة مر بِمَالك فَلم يواره. والسراة: الْأَشْرَاف. وَرُوِيَ: فيغضب مِنْهُم وَمِنْهَا أَي: من الْأَخْبَار. وَقَوله: بمشمته مُتَعَلق بموجعاً وَهُوَ مصدر شمت بِهِ شماتة ومشمتاً.
ويروى: أَن صَادف الحتف مَالك وَرفع الحتف أَجود من نَصبه. ومشهده مَعْطُوف على مشمته والضمائر كلهَا للمحل.)
وَقَوله: أآثرت اسْتِفْهَام توبيخي وَالْخطاب للمحل. وَالْهدم بِالْكَسْرِ: الثَّوْب الْخلق. والبالي: الفاني. والسوية بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْوَاو: كسَاء محشو بثمام أَو نَحوه يَجْعَل على ظهر الْإِبِل كالحلقة لأجل السنام.
стр. 2244
قَالَ أَبُو جَعْفَر: أعطي الْمحل سلب مَالك ففرح بِهِ وَأَقْبل رَاجعا. وقزع الرجل بِالْقَافِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة إِذا أسْرع فِي سيره. وقزع الْقَوْم رَسُولا إِذا أرْسلُوا أَرَادَ: إِنَّك تسْعَى بِخَبَرِهِ مسرعاً كمجيء الْبَرِيد.
وَقَوله: فَلَا تفرحن يَوْمًا الخ هَذَا دُعَاء عَلَيْهِ أَي: لَا فرحت بِنَفْسِك. وَقَوله: وقاعاً على من تشجعا أَي: لَا يفلت من الْمَوْت أحد. يَقُول: آثرت الثِّيَاب وَجئْت تعدو بشيراً تري النَّاس أَنَّك قد فزعت لمقتله وَإِنَّمَا ذَاك شماتة مِنْك وسرور بِهِ.
وَقَوله: لَعَلَّك يَوْمًا الخ الْإِلْمَام: النُّزُول. والملمة: البلية النَّازِلَة. والأجداع: الْمَقْطُوع الْأنف وَالْأُذن وَيسْتَعْمل فِي الذَّلِيل وَهُوَ المُرَاد هُنَا. يَقُول: إيها الشامت لَا تكن فحاً بِمَوْت أخي عَسى أَن تنزل عَلَيْك بلية من البليات اللَّاتِي يتركنك ذليلاً خاضعاً.
وَقَوله: نعيت امْرأ الخ النعي: الْإِخْبَار بِالْمَوْتِ. والممزع: الممزق والمفرق. يَقُول: لَو كنت أَنْت الْقَتِيل لآوى لحمك بدفنه سَوَاء كَانَ مجموعاً أَو ممزقاً.
وَقَوله: فَلَا يهنئ الواشين الخ هَذَا دُعَاء عَلَيْهِم فِي صُورَة النَّهْي.
стр. 2245
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الوافر
(ولي نفسٌ أَقُول لَهَا إِذا مَا ... تنازعني لعلّي أَو عساني)
على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ على كَون الضَّمِير وَهُوَ الْيَاء مَنْصُوبًا بلحوق نون الْوِقَايَة فِي عساني.
قد تقدم نَص سِيبَوَيْهٍ قبل هَذَا ببيتين.
قَالَ النّحاس: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قولهك عساك: الْكَاف مَنْصُوبَة. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقَوْلهمْ: عساني وَلَو كَانَت الْكَاف مجرورة لقَالَ عساي. قَالَ: وَلَكنهُمْ جعلوها بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فِي هَذَا الْموضع.
قَالَ: فهذان الحرفان لَهما فِي الْإِضْمَار هَذَا الْحَال كَمَا كَانَ ل لدن مَعَ غدْوَة حَال لَيست مَعَ غَيرهَا. قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد: هَذَا غلط مِنْهُ يَعْنِي جعله عَسى بِمَنْزِلَة لَعَلَّ. قَالَ: لِأَن أَفعَال الرَّجَاء لَا تعْمل فِي الْمُضمر إِلَّا كَمَا تعْمل فِي الْمظهر. قَالَ: تَقْدِيره عندنَا أَن الْمَفْعُول مقدم وَالْفَاعِل مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ عساك الْخَيْر وَالشَّر.
وَأَرَادَ الْمبرد أَن عَسى ككان لِأَنَّهُمَا فعلان. وَذهب أَبُو إِسْحَاق إِلَى صِحَة قَول سِيبَوَيْهٍ وَاحْتج لَهُ بِأَن عَسى لَيْسَ بِفعل حَقِيقِيّ بل هُوَ شيبَة بلعل. وَوجدت بخطي عَن أبي إِسْحَاق: يجوز أَن يكون الضَّمِير فِي مَوضِع نصب بعسى فِي عساك وَالْمَرْفُوع مَحْذُوف أَي: عَسى الْأَمر إياك.
وَلَيْسَ هَذَا بناقض لما أَخَذته عَنهُ لِأَنَّهُ قَالَ: يجوز. فَذَاك عِنْده الأَصْل وَأَجَازَ قَول الْمبرد.
انْتهى.
следующие страницы →