← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وَهَذَا الْبَيْت مَعَ شهرته لم يعرفهُ شَارِح شَوَاهِد التفسيرين خضر الْموصِلِي حَتَّى إِنَّه قَالَ: هُوَ بَيت لم يعزه أحد إِلَى قَائِله. وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّةٌ على أَنه قد يَجِيء خبر لَعَلَّ مضارعاً مَقْرُونا ب أَن حملا لَهَا على عَسى. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: قد جَاءَ فِي الشّعْر: (لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّةٌ ... علك من اللاّئي يدعنك أجدعا) قِيَاسا على عَسى. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويقترن خبر لَعَلَّ بِأَن كثيرا حملا على عَسى. كَقَوْلِه: لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّةٌ (فقولا لَهَا قولا رَقِيقا لَعَلَّهَا ... سترحمني من زفرةٍ وعويل) انْتهى. فَلم يَخُصُّهُ بالشعر. وَأما كَثْرَة الاقتران بِأَن فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اقترانه بِحرف التَّنْفِيس وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى التجرد فَهُوَ قَلِيل قطعا. وَيُؤَيِّدهُ أَن الْمبرد قَالَ فِي الْكَامِل عِنْد إنشاده هَذَا الْبَيْت: إِن التجرد من أَن هُوَ الْجيد والاقتران بهَا غير جيد. فَلم يُقَيِّدهُ بالشعر.

стр. 2242

وَقَالَ بَعضهم: الْخَبَر فِي هَذَا الْبَيْت مَحْذُوف تَقْدِيره: لَعَلَّك معد لِأَن تلم ملمة أَو نَحوه.) قَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح المفضليات قَوْله: لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ الخ أَظُنك أَن ألم بك ملمة مِمَّن الملمات الَّتِي تتركك ذليلاً مجدوع الْأنف وَالْأُذن. وَخبر لَعَلَّ مَحْذُوف مَعَ حرف الْجَرّ من أَن تلم وَيكون تَقْدِير الْكَلَام ومعنا: لَعَلَّك لأرجوك لِأَن تلم بك ملمة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَعَلَّ طمع وإشفاق يُرِيد أَنه يكون للأمرين جَمِيعًا. فَإِذا كَانَ هَذَا الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ يَرْجُو الشَّرّ لَهُ ويطمع فِيهِ. انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لمتمم بن نُوَيْرَة الصَّحَابِيّ رثى بهَا أَخَاهُ مَالك بن نُوَيْرَة لما قَتله خَالِد بن الْوَلِيد بتهمة الرِّدَّة. وَقد تقدم الْكَلَام على قصَّة قَتله مَعَ شرح أَبْيَات من هَذِه القصيدة فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين. وَهَذِه أَبْيَات قبل الْبَيْت الْمَذْكُور: (ألم تأت أَخْبَار المحلّ سراتكم ... فيغضب مِنْكُم كلّ من كَانَ موجعا) (بمشمته إِذْ صَادف الحتف مَالِكًا ... ومشهده مَا قد رأى ثمّ ضيّعا) (أآثرت هدماً بَالِيًا وسويّةً ... وَجئْت بهَا تعدو بريداً مقزّعا)

стр. 2243

. (فَلَا تفرحن يَوْمًا بِنَفْسِك إنّني ... أرى الْمَوْت وقّاعاً على من تشجّعا) لعلّك يَوْمًا أَن تلمّ ملمّة ... ... ... ... . الْبَيْت (نعيت أمرأً لَو كَانَ لحمك عِنْده ... لآواه مجموعاً لَهُ أَو ممزّعا) (فَلَا يهنئ الواشين مقتل مالكٍ ... فقد آب شانيه إياباً فودّعا) وَهَذَا آخر القصيدة. وَقَوله: ألم تأت أَخْبَار الْمحل الخ هُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ رجل من بني ثَعْلَبَة مر بِمَالك مقتولاً فنعاه كَأَنَّهُ شامت بِهِ فذمه متمم. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شَرحه: الْمحل بن قدامَة مر بِمَالك فَلم يواره. والسراة: الْأَشْرَاف. وَرُوِيَ: فيغضب مِنْهُم وَمِنْهَا أَي: من الْأَخْبَار. وَقَوله: بمشمته مُتَعَلق بموجعاً وَهُوَ مصدر شمت بِهِ شماتة ومشمتاً. ويروى: أَن صَادف الحتف مَالك وَرفع الحتف أَجود من نَصبه. ومشهده مَعْطُوف على مشمته والضمائر كلهَا للمحل.) وَقَوله: أآثرت اسْتِفْهَام توبيخي وَالْخطاب للمحل. وَالْهدم بِالْكَسْرِ: الثَّوْب الْخلق. والبالي: الفاني. والسوية بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسر الْوَاو: كسَاء محشو بثمام أَو نَحوه يَجْعَل على ظهر الْإِبِل كالحلقة لأجل السنام.

стр. 2244

قَالَ أَبُو جَعْفَر: أعطي الْمحل سلب مَالك ففرح بِهِ وَأَقْبل رَاجعا. وقزع الرجل بِالْقَافِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة إِذا أسْرع فِي سيره. وقزع الْقَوْم رَسُولا إِذا أرْسلُوا أَرَادَ: إِنَّك تسْعَى بِخَبَرِهِ مسرعاً كمجيء الْبَرِيد. وَقَوله: فَلَا تفرحن يَوْمًا الخ هَذَا دُعَاء عَلَيْهِ أَي: لَا فرحت بِنَفْسِك. وَقَوله: وقاعاً على من تشجعا أَي: لَا يفلت من الْمَوْت أحد. يَقُول: آثرت الثِّيَاب وَجئْت تعدو بشيراً تري النَّاس أَنَّك قد فزعت لمقتله وَإِنَّمَا ذَاك شماتة مِنْك وسرور بِهِ. وَقَوله: لَعَلَّك يَوْمًا الخ الْإِلْمَام: النُّزُول. والملمة: البلية النَّازِلَة. والأجداع: الْمَقْطُوع الْأنف وَالْأُذن وَيسْتَعْمل فِي الذَّلِيل وَهُوَ المُرَاد هُنَا. يَقُول: إيها الشامت لَا تكن فحاً بِمَوْت أخي عَسى أَن تنزل عَلَيْك بلية من البليات اللَّاتِي يتركنك ذليلاً خاضعاً. وَقَوله: نعيت امْرأ الخ النعي: الْإِخْبَار بِالْمَوْتِ. والممزع: الممزق والمفرق. يَقُول: لَو كنت أَنْت الْقَتِيل لآوى لحمك بدفنه سَوَاء كَانَ مجموعاً أَو ممزقاً. وَقَوله: فَلَا يهنئ الواشين الخ هَذَا دُعَاء عَلَيْهِم فِي صُورَة النَّهْي.

стр. 2245

وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الوافر (ولي نفسٌ أَقُول لَهَا إِذا مَا ... تنازعني لعلّي أَو عساني) على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ على كَون الضَّمِير وَهُوَ الْيَاء مَنْصُوبًا بلحوق نون الْوِقَايَة فِي عساني. قد تقدم نَص سِيبَوَيْهٍ قبل هَذَا ببيتين. قَالَ النّحاس: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قولهك عساك: الْكَاف مَنْصُوبَة. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقَوْلهمْ: عساني وَلَو كَانَت الْكَاف مجرورة لقَالَ عساي. قَالَ: وَلَكنهُمْ جعلوها بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فِي هَذَا الْموضع. قَالَ: فهذان الحرفان لَهما فِي الْإِضْمَار هَذَا الْحَال كَمَا كَانَ ل لدن مَعَ غدْوَة حَال لَيست مَعَ غَيرهَا. قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد: هَذَا غلط مِنْهُ يَعْنِي جعله عَسى بِمَنْزِلَة لَعَلَّ. قَالَ: لِأَن أَفعَال الرَّجَاء لَا تعْمل فِي الْمُضمر إِلَّا كَمَا تعْمل فِي الْمظهر. قَالَ: تَقْدِيره عندنَا أَن الْمَفْعُول مقدم وَالْفَاعِل مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ عساك الْخَيْر وَالشَّر. وَأَرَادَ الْمبرد أَن عَسى ككان لِأَنَّهُمَا فعلان. وَذهب أَبُو إِسْحَاق إِلَى صِحَة قَول سِيبَوَيْهٍ وَاحْتج لَهُ بِأَن عَسى لَيْسَ بِفعل حَقِيقِيّ بل هُوَ شيبَة بلعل. وَوجدت بخطي عَن أبي إِسْحَاق: يجوز أَن يكون الضَّمِير فِي مَوضِع نصب بعسى فِي عساك وَالْمَرْفُوع مَحْذُوف أَي: عَسى الْأَمر إياك. وَلَيْسَ هَذَا بناقض لما أَخَذته عَنهُ لِأَنَّهُ قَالَ: يجوز. فَذَاك عِنْده الأَصْل وَأَجَازَ قَول الْمبرد. انْتهى.

стр. 2246

وَزعم الْأَخْفَش تبعا ليونس أَن عَسى بَاقِيَة على عَملهَا عمل كَانَ وَلَكِن استعير ضمير النصب مَكَان ضمير الرّفْع. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَيَردهُ أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن إنابة ضمير عَن ضمير إِنَّمَا ثَبت فِي الْمُنْفَصِل نَحْو مَا أَنا كَأَنْت لَا أَنْت كأنا. وَالثَّانِي: أَن الْخَبَر قد ظهر مَرْفُوعا فِي قَوْله: الطَّوِيل انْتهى. وَهَذَا الْبَيْت لعمران بن حطَّان الْخَارِجِي. وَقَبله: الوافر (وَمن يقْصد لأهل الحقّ مِنْهُم ... فإنّي أتّقيه كَمَا اتّقاني)) (عليّ بِذَاكَ أَن أحميه حقّاً ... وأرعاه بِذَاكَ كَمَا رعاني) يُقَال: قصدته وقصدت إِلَيْهِ. وَضمير مِنْهُم للخوارج. وَمن للْبَيَان. جعل الْخَوَارِج بِزَعْمِهِ أهل حق. أَي: من قصد لأهل الْحق من الْخَوَارِج بمكروه فَإِنِّي أدافعه وأحاربه واتقيه كَمَا يتقيني. وَقَوله: ولي نفس تنازعني الخ يَقُول: إِذا نازعتني نَفسِي فيحملها على مَا هُوَ أصلح لَهَا أَقُول لَهَا: طاوعيني لَعَلَّ أجد المُرَاد وَالظفر أَو قلت لَهَا لعَلي أفعل هَذَا الَّذِي تَدعُونِي إِلَيْهِ. فَإِذا قلت لَهَا هَذَا القَوْل طاوعتني. وَعمْرَان بن حطَّان هُوَ على مَا فِي الجمهرة: عمرَان بن حطَّان بن ظبْيَان ابْن شعل بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن سدوس بن شَيبَان بن ذهل بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل السدُوسِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور أحد رُؤُوس الْخَوَارِج من القعدية بِفتْحَتَيْنِ وهم الَّذِي يرَوْنَ الْخُرُوج ويحسنونه لغَيرهم وَلَا يباشرون بِأَنْفسِهِم الْقِتَال. وَقيل: القعدية لَا يرَوْنَ الْحَرْب وَإِن كَانُوا يزينونه.

стр. 2247

وَفِي الأغاني إِنَّمَا صَار حطَّان من الْقعدَة لِأَن عمره طَال وَكبر وَعجز عَن الْحَرْب وحضورها فاقتصر على الدعْوَة والتحريض بِلِسَانِهِ. وَكَانَ أَولا مشمراً لطلب الْعلم والْحَدِيث ثمَّ بلي بذلك الْمَذْهَب فضل وَهلك لَعنه الله. وَقد أدْرك صَدرا من الصَّحَابَة وروى عَنْهُم وروى عَنهُ أَصْحَاب الحَدِيث. قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَاعْتذر عَنهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا خرج عَنهُ مَا حدث بِهِ قبل أَن يبتدع. وَاعْتذر أَبُو دَاوُد عَن التَّخْرِيج بِأَن الْخَوَارِج أصح أهل الْأَهْوَاء حَدِيثا عَن قَتَادَة. وَكَانَ عمرَان لَا يتهم فِي الحَدِيث. وَكَانَ سَبَب ابتلائه أَنه تزوج امْرَأَة مِنْهُم فكلموه فِيهَا فَقَالَ: سأردها عَن مذهبها. فأضلته. وَفِي الْإِصَابَة أَنَّهَا كَانَت بنت عَمه بلغه أَنَّهَا دخلت فِي رَأْي الْخَوَارِج فَأَرَادَ أَن يردهَا عَن ذَلِك فَصَرَفته إِلَى مذهبها. وَذكر الْمَدَائِنِي أَنَّهَا كَانَت ذَات جمال وَكَانَ دميماً قبيحاً فَقَالَت لَهُ مرّة: أَنا وَأَنت فِي الْجنَّة. قَالَ: من أَيْن علمت ذَلِك. قَالَت: لِأَنَّك أَعْطَيْت مثلي فَشَكَرت وابتليت بمثلك فَصَبَرت. والشاكر والصابر فِي الْجنَّة.) وَمن شعره فِي مدح عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي قبحهما الله تَعَالَى قَاتل أَمِير الْمُؤمنِينَ وقائد الغر المحجلين زوج البتول وصهر الرَّسُول ﵁: الْبَسِيط (لله درّ المراديّ الَّذِي سفكت ... كفّاه مهجة شرّ الْخلق إنْسَانا) (أَمْسَى عشيّة غشّاه بضربته ... معطىً مناه من الآثام عُريَانا) (يَا ضَرْبَة من تقيّ مَا أَرَادَ بهَا ... إلاّ ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا) (إنّي لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البريّة عِنْد الله ميزانا)

стр. 2248

قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: إنّ ابْن ملجم عِنْد الْخَوَارِج النصرية أفضل أهل الأَرْض لِأَنَّهُ خلص روح اللاهوت من ظلمَة الْجَسَد وكدره وَعند الشِّيعَة أَنه أَشْقَى الْخلق فِي الْآخِرَة. انْتهى. وَقد أَجَابَهُ من القدماء بكر بن حَمَّاد التاهرتي من أهل القيروان وأجابه عَنْهَا السَّيِّد الْحِمْيَرِي الشيعي وَهِي: الْبَسِيط (قل لِابْنِ ملجم والأقدار غالبةٌ ... هدمت وَيلك لِلْإِسْلَامِ أركانا) (قتلت أفضل من يمشي على قدمٍ ... وأوّل النّاس إسلاماً وإيمانا) (وَأعلم النّاس بِالْإِيمَان ثمّ بِمَا ... سنّ الرّسول لنا شرعا وتبيانا) (صهر الرّسول ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا) (وَكَانَ فِي الْحَرْب سَيْفا مَاضِيا ذكرا ... ليثاً إِذا لقى الأقران أقرانا) (ذكرت قَاتله والدّمع منحدرٌ ... فَقلت سُبْحَانَ ربّ الْعَرْش سبحانا) (إنّي لأحسبه مَا كَانَ من بشر ... يخْشَى الْمعَاد وَلَكِن كَانَ شَيْطَانا) (أَشْقَى مرادٍ إِذا عدّت قبائلها ... وأخسر النّاس عِنْد الله ميزانا) (كعاقر النّاقة الأولى الَّتِي جلبت ... على ثمودٍ بِأَرْض الْحجر خسرانا) (قد كَانَ يُخْبِرهُمْ أَن سَوف يخضبها ... قبل المنيّة أزماناً وأزمانا) ...

стр. 2249

(فَلَا عَفا الله عَنهُ مَا تحمّله ... وَلَا سقى قبر عمرَان بن حطّانا) (لقَوْله فِي شقيّ ظلّ مجترماً ... ونال مَا ناله ظلما وعدوانا) (يَا ضَرْبَة من تقيّ مَا أَرَادَ بهَا ... إلاّ ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا) (بل ضربةٌ من غويّ أوردته لظى ... فَسَوف يلقى بهَا الرّحمن غضبانا) (كأنّه لم يرد قصدا بضربته ... إلاّ ليصلى عَذَاب الْخلد نيرانا)) قَالَ ابْن السُّبْكِيّ فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة: لقد أحسن وأجاد بكر بن حَمَّاد فِي معارضته فَرضِي لاله عَنهُ وأرضاه وأخزى الله عمرَان بن حطَّان وقبحه ولعنه مَا أجرأه على الله قَالَ: وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ: الْبَسِيط (إنّي لأذكره يَوْمًا فألعنه ... دينا وألعن عمرَان بن حطّانا) (عَلَيْك ثمّ عَلَيْهِ من جماعتنا ... لعائنٌ كثرت سرّاً وإعلانا) (فأنتما من كلاب النّار جَاءَ بِهِ ... نصّ الشّريعة إعلاناً وتبيانا) وَقد أجَاب أَيْضا الإِمَام طَاهِر بن مُحَمَّد الأسفرائني فِي كتاب الْملَل والنحل الْمُسَمّى بالتبصير فِي الدَّين: الْبَسِيط (كذبت وأيم الَّذِي حجّ الحجيج لَهُ ... وَقد ركبت ضلالا مِنْك بهتانا) (لتلقينّ بهَا نَارا مؤجّجة ... يَوْم الْقِيَامَة لَا زلفى ورضوانا) ...

стр. 2250

(تبّت يَدَاهُ لقد خابت وَقد خسرت ... وَصَارَ أبخس من فِي الْحَشْر ميزانا) (هَذَا جوابي فِي ذَا النّذل مرتجلاً ... أَرْجُو بِذَاكَ من الرّحمن غفرانا) وَنقل الإِمَام الباقلاني أَن السَّيِّد الْحِمْيَرِي نقضهَا عَلَيْهِ بقوله: الْبَسِيط (لَا درّ المراديّ الَّذِي سفكت ... كفّاه مهجة خير الْخلق إنْسَانا) (أصبح ممّا تعاطاه بضربته ... ممّا عَلَيْهِ ذَوُو الْإِسْلَام عُريَانا) (أبكى السّماء لبابٍ كَانَ يعمره ... مِنْهَا وحنّت عَلَيْهِ الأَرْض تحتانا) (طوراً أَقُول ابْن ملعونين ملتقطٌ ... من نسل إِبْلِيس لَا بل كَانَ شَيْطَانا) (عبدٌ تحمّل إثماّ لَو تحمّله ... ثهلان طرفَة عينٍ هدّ ثهلانا) انْتهى مَا أوردهُ ابْن السُّبْكِيّ. وَنقل الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام أَن شعر عمرَان بن حطَّان الْمَذْكُور لما بلغ عبد الْملك بن مَرْوَان أَدْرَكته الحمية وَنذر دَمه وَوضع عَلَيْهِ الْعُيُون

стр. 2251

واجتهد الْحجَّاج فِي أَخذه وَقيل: لما اشْتهر بمذهبه أَرَادَهُ الْحجَّاج ليَقْتُلهُ فهرب فَلم يزل ينْتَقل من حَيّ إِلَى حَيّ إِلَى أَن مَاتَ فِي تواريه فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ. قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ من حَدِيث عمرَان حطَّان فِيمَا حَدثنِي الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي عَن مُحَمَّد بن سَلام أَنه لما أطرده الْحجَّاج كَانَ ينْتَقل فِي الْقَبَائِل فَكَانَ إِذا نزل فِي حَيّ انتسب) نسبا يقرب مِنْهُ فَفِي ذَلِك يَقُول: الوافر (نزلنَا فِي بني سعد بن زيد ... وَفِي عكّ وعامر وعوبثان) (وَفِي لخمٍ وَفِي أدد بن عَمْرو ... وَفِي بكرٍ وحيّ بني الغدان) ثمَّ خرج حَتَّى نزل عِنْد روح بن زنباع الجذامي وَكَانَ روح يقري الأضياف وَكَانَ مسامراً لعبد الْملك بن مَرْوَان أثيراً عِنْده فانتمى لَهُ من الأزد. وَكَانَ روح بن زنباع لَا يسمع شعرًا نَادرا وَلَا حَدِيثا غَرِيبا عِنْد عبد الْملك فَيسْأَل عَنهُ عمرَان فَذكر ذَلِك لعبد الْملك فَقَالَ: إِن لي جاراً من الأزد مَا أسمع من أَمِير الْمُؤمنِينَ خَبرا وَلَا شعرًا إِلَّا عرفه وَزَاد فِيهِ. فَقَالَ: خبرني بِبَعْض أخباره. فخبره وأنشده فَقَالَ: إِن اللُّغَة عدنانية

стр. 2252

وَإِنِّي لأحسبه عمرَان بن حطَّان. حَتَّى تَذَاكَرُوا لَيْلَة قَول عمرَان بن حطَّان يمدح ابْن ملجم لَعنه الله: (يَا ضَرْبَة من تقيّ مَا أَرَادَ بهَا ... إلاّ ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا) (إنّ لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البريّة عِنْد الله ميزانا) فَلم يدر عبد الْملك لمن هُوَ. فَرجع روح فَسَأَلَ عمرَان بن حطَّان عَنهُ فَقَالَ عمرَان: هَذَا يَقُوله عمرَان بن حطَّان يمدح بِهِ عبد الرَّحْمَن بن ملجم قَاتل عَليّ بن أبي طَالب رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَرجع روح إِلَى عبد الْملك فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: ضيفك عمرَان بن حطَّان اذْهَبْ فجئني بِهِ. فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أحب أَن يراك. فَقَالَ عمرَان: قد أردْت أَن أَسأَلك هَذَا فَاسْتَحْيَيْت مِنْك فَامْضِ فَإِنِّي بالأثر. فَرجع روح إِلَى عبد الْملك فخبره فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: أما إِنَّك سترجع فَلَا تَجدهُ. فَرجع فَوجدَ عمرَان قد احْتمل وَخلف رقْعَة فِيهَا: الْبَسِيط (يَا روح كم من أخي مثوى نزلت بِهِ ... قد ظنّ ظنّك من لخمٍ وغسّان) (قد كنت جَارك حولا مَا تروّعني ... فِيهِ روائع من إنسٍ وَمن جَان) ...

стр. 2253

حتّى أردْت بِي الْعُظْمَى فأدركني ... مَا أدْرك النّاس من خوف ابْن مَرْوَان) (فاعذر أَخَاك ابْن زنباعٍ فإنّ لَهُ ... فِي النّائبات خطوباً ذَات ألوان) (يَوْمًا يمانٍ إِذا لاقيت ذَا يمنٍ ... وَإِن لقِيت معدّيّاً فعدناني) (لَو كنت مُسْتَغْفِرًا يَوْمًا لطاغيةٍ ... كنت المقدّم فِي سرّي وإعلاني)) (لَكِن أَبَت لي آياتٌ مطهّرةٌ ... عِنْد الْولَايَة فِي طه وَعمْرَان) ثمَّ ارتحل حَتَّى نزل بزفر بن الْحَارِث الْكلابِي أحد بَين عَمْرو بن كلاب وانتسب لَهُ أوزاعياً. وَكَانَ عمرَان يُطِيل الصَّلَاة وَكَانَ غلْمَان من بني عَامر يَضْحَكُونَ مِنْهُ فَأَتَاهُ رجل يَوْمًا مِمَّن رَآهُ عِنْد روح بن زنباع فَسلم عَلَيْهِ فَدَعَاهُ زفر. فَقَالَ: من هَذَا فَقَالَ: رجل من الأزد رَأَيْته ضيفاً لروح بن زنباع. فَقَالَ لَهُ زفر: يَا هَذَا أزدياً مرّة وأوزاعياً مرّة إِن كنت خَائفًا آمناك وَإِن كنت فَقِيرا جبرناك. فَلَمَّا أَمْسَى خلف فِي منزله رقْعَة وهرب فِيهَا: الْبَسِيط (إنّ الَّتِي أَصبَحت يعيا بهَا زفر ... أعيت عياءً على روح بن زنباع)

стр. 2254

. (حتّى إِذا انْقَطَعت عنّي وسائله ... كفّ السّؤال وَلم يولع بإهلاع) (فَاكْفُفْ كَمَا كفّ عنّي إنّني رجلٌ ... إمّا صميمٌ وإمّا فقعة القاع) (واكفف لسَانك عَن لومي ومسألتي ... مَاذَا تُرِيدُ إِلَى شيخٍ لأوزاع) (أمّا الصّلاة فإنّي لست تاركها ... كلّ امْرِئ للَّذي يعْنى بِهِ ساعي) (أكْرم بِروح بن زنباعٍ وأسرته ... قومٌ دَعَا أوّليهم للعلا دَاع) (جاورتهم سنة فِيمَا أسرّ بِهِ ... عرضي صحيحٌ ونومي غير تهجاع) (فاعمل فإنّك منعيّ بواحدةٍ ... حسب اللبيب بِهَذَا الشّيب من ناعي) ثمَّ ارتحل حَتَّى أَتَى عمان فَوَجَدَهُمْ يعظمون أَمر مرداس أبي بِلَال ويظهرونه فأظهر أمره فيهم فَبلغ ذَلِك الْحجَّاج فَكتب إِلَى عَامل عمان فِيهِ فهرب عمرَان حَتَّى أَتَى قوما من الأزد فَلم يزل فيهم حَتَّى مَاتَ. وَفِي نُزُوله بهم يَقُول

стр. 2255

: الطَّوِيل (نزلنَا بِحَمْد الله فِي خير منزلٍ ... نسرّ بِمَا فِيهِ من الْأنس والخفر) (نزلنَا بِقوم يجمع الله شملهم ... وَلَيْسَ لَهُم أصلٌ سوى الْمجد يعتصر) (من الأزد إنّ الزد أكْرم معشرٍ ... يمانيةٍ طابوا إِذا نسب الْبشر) (أم الحيّ قحطان وتلكم سفاهةٌ ... كَمَا قَالَ لي روحٌ وَصَاحبه زفر) (وَمَا مِنْهُمَا إلاّ يسرّ بنسبةٍ ... تقرّبني مِنْهُ وَإِن كَانَ ذَا نفر)) (فَنحْن بَنو الْإِسْلَام والله واحدٌ ... وَأولى عباد الله بالله من شكر) وَكَانَ عمرَان رَأس القعدية من الصفرية وفقيههم وخطيبهم وشاعرهم. وَقَالَ: لما قتل أَبُو بِلَال وَهُوَ مرداس بن أدية وَهِي جدته وَأَبوهُ حدير وَهُوَ أحد بني ربيعَة بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم: الوافر (لقد زَاد الْحَيَاة إليّ بغضاً ... وحبّاً لِلْخُرُوجِ أَبُو بِلَال) (أحاذر أَن أَمُوت على فِرَاشِي ... وَأَرْجُو الْمَوْت تَحت ذرا العوالي)

стр. 2256

. (فَمن يَك همّه الدّنيا فإنّي ... لَهَا والله ربّ الْبَيْت قالي) وَفِيه يَقُول أَيْضا: الْبَسِيط (يَا عين بكّي لمرداسٍ ومصرعه ... يَا ربّ مرداس الحقني بمرداس) (تَرَكتنِي هائماً أبْكِي لمرزئتي ... فِي منزلٍ موحشٍ من بعد إيناس) (أنْكرت بعْدك مَا قد كنت أعرفهُ ... مَا النّاس بعْدك يَا مرداس بالنّاس) (إمّا شربت بكاسٍ دَار أوّلها ... على الْقُرُون فذاقوا جرعة الكاس) هَذَا مَا أوردهُ الْمبرد فِي الْكَامِل. وَقَالَ المرزباني: كَانَ عمرَان شَاعِرًا مفلقاً مكثراً. وَقَالَ الفرزدق: كَانَ عمرَان من أشعر النَّاس لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ أَن يَقُول مثلنَا لقَالَ ولسنا نقدر أَن نقُول مثله. ويروى أَنه امْرَأَته قَالَت لَهُ يَوْمًا: أما زعمت أَنَّك لم تكذب فِي شعرك قطّ قَالَ: أوقع ذَلِك قَالَ: نعم ألم تقل: مجزوء الْكَامِل (فهناك مجرأة بن ثو ... رٍ كَانَ أَشْجَع من أسَامَه) أفيكون رجل أَشْجَع من أَسد قَالَ: أما رَأَيْت مجزأَة بن ثَوْر فتح مَدِينَة والأسد لَا يقدر على ذَلِك. وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: لَقِيَنِي عمرَان بن حطَّان فَقَالَ: يَا عمي احفظ عني هَذِه الأبيات: الْكَامِل (حتّى مَتى تسقى النّفوس بكأسها ... ريب الْمنون وَأَنت لاهٍ ترتع) (أفقد رضيت بِأَن تعلّل بالمنى ... وَإِلَى المنيّة كلّ يومٍ تدفع) ...

стр. 2257

(أَحْلَام نومٍ أم كظلّ زائلٍ ... إنّ اللّبيب بِمِثْلِهَا لَا يخدع)) وَفِي تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبي: أَن سُفْيَان الثَّوْريّ كَانَ يتَمَثَّل بِأَبْيَات عمرَان بن حطَّان هَذِه: الطَّوِيل (أَرَاهَا وَإِن كَانَت تحبّ فإنّها ... سَحَابَة صيفٍ عَن قليلٍ تقشّع) كركبٍ قضوا حاجاتهم وترحّلوا طريقهم بَادِي الغيابة مهيع وَمن شعره السائر: الْخَفِيف (أيّها المادح الْعباد ليُعْطى ... إنّ لله مَا بأيدي الْعباد) (فسل الله مَا طلبت إِلَيْهِم ... وارج فضل الْمُهَيْمِن العوّاد) وَمن شعره وَأوردهُ أَبُو زيد فِي النَّوَادِر وَقَالَ: إِنَّهَا قصيدة طَوِيلَة: الوافر (وَلَيْسَ لعيشنا هَذَا مهاهٌ ... وَلَيْسَت دَارنَا هاتا بدار) (وَإِن قُلْنَا لعلّ بهَا قراراً ... فَمَا فِيهَا لحيّ من قَرَار) (لنا إلاّ ليَالِي هيّناتٍ ... وبلغتنا بأيّام قصار) (أرانا لَا نملّ الْعَيْش فِيهَا ... وأولعنا بحرصٍ وانتظار) (وَلَا تبقى وَلَا نبقى عَلَيْهَا ... وَلَا فِي الْأَمر نَأْخُذ بِالْخِيَارِ) ...

стр. 2258

(ولكنّا الْغَدَاة بَنو سبيلٍ ... على شرف ييسّر لانحدار) (كركبٍ نازلين على طريقٍ ... حثيثٍ رائحٌ مِنْهُم وساري) (وغادٍ إثرهم طَربا إِلَيْهِم ... حثيث السّير مؤتنف النّهار) والمهاه بهاءين وَفتح الْمِيم: الصفاء والرقة. والصفرية بِضَم الصَّاد وَسُكُون الْفَاء: جنس من الْخَوَارِج نسبوا إِلَى زِيَاد بن الْأَصْفَر رئيسهم. وَزعم قوم أَن الَّذِي نسبوا إِلَيْهِ هُوَ عبد الله بن الصفار وَأَن الصفرية بِكَسْر الصَّاد. كَذَا فِي الصِّحَاح. وَيُقَال للخوارج: الشراة بِالضَّمِّ الْوَاحِد شار سموا بذلك لقَولهم: إِنَّا شرينا أَنْفُسنَا فِي طَاعَة الله أَي: بعناها بِالْجنَّةِ حِين فارقنا الْأَئِمَّة الجائرة. يُقَال مِنْهُ: تشرى الرجل. وَقد أطنب الْمبرد فِي أَوَاخِر الْكَامِل فِي الْكَلَام على الْخَوَارِج وفرقهم ووقائعهم. وَمن أَرَادَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَليرْجع إِلَيْهِ. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز يَا أبتا علّك أَو عساكا

стр. 2259

على أَن الْكَاف خبر مَنْصُوب الْمحل وَاسم عَسى ضمير مستتر على أحد قولي الْمبرد. وَقد تقدم نَص سِيبَوَيْهٍ قبل هَذَا بِثَلَاثَة أَبْيَات. وَقد أنْشد أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله عَن سِيبَوَيْهٍ وَنقل عَنهُ أَن الْكَاف مَنْصُوبَة وَلَو كَانَت مجرورة لقَالَ عساي. قَالَ أَبُو عَليّ: وَجه ذَلِك أَن عَسى لما كَانَت فِي الْمَعْنى بِمَنْزِلَة لَعَلَّ وَلَعَلَّ وَعَسَى طمع وإشفاق فتقاربا أجري عَسى مجْرى لَعَلَّ إِذْ كَانَت غير متصرفة كَمَا أَن لَعَلَّ كَذَلِك فوافقتها فِي الْعَمَل حَيْثُ أشبهتها فِي الْمَعْنى والامتناع من التَّصَرُّف. فَإِن قلت: إِذا صَارَت بمنزلتها لهَذَا الشّبَه فَمَا الْمَرْفُوع بهَا وَهِي إِذا صَارَت بِمَنْزِلَة لَعَلَّ تَقْتَضِي مَرْفُوعا لَا محَالة لِأَنَّهُ لَا يكون الْمَنْصُوب فِي هَذَا النَّحْو بِلَا مَرْفُوع. قيل: إِن ذَلِك الْمَرْفُوع الَّذِي تَقْتَضِيه مَحْذُوف وَلم يمْتَنع أَن تحذفه وَإِن كَانَ الْفَاعِل لَا يحذف لِأَنَّهَا إِذا أشبهت لَعَلَّ جَازَ أَن تحذف خبر هَذِه الْحُرُوف من حَيْثُ كَانَ الْكَلَام فِي الأَصْل الِابْتِدَاء وَالْخَبَر فحذفت كَمَا تحذف أَخْبَار المبتدءات. وَكَذَلِكَ الْمَرْفُوع الَّذِي يَقْتَضِيهِ عَسى حذف على هَذَا الْحَد كَمَا حذف الْخَبَر من لَعَلَّ فِي قَوْله: علك أَو عساكا وَقَوله لعلّي أَو عساني وكما حذف فِي: المنسرح وكما حذف الْخَبَر فِي قَوْله سُبْحَانَهُ: إنَّ الذينَ كفرُوا ويصُدُّونَ عَنْ

стр. 2260

سبيلِ اللَّه لَا كَمَا يحذف الْفَاعِل. وَيُقَوِّي ذَلِك أَنهم قَالُوا: عَسى الغوير أبؤساً فجعلوها بِمَنْزِلَة مَا يدْخل على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر. وَمِمَّا يُقَوي حذف ذَلِك لهَذِهِ المشابهة وَأَن حذفه لَا يمْتَنع من حَيْثُ امْتنع حذف الْفَاعِل أَن لَيْسَ لما كَانَت غير متصرفة صَارَت عينهَا بِمَنْزِلَة لَيْت فِي السّكُون وَلم يكن فِي يائها الْكسر والسكون وَيكون ذَلِك الْمَحْذُوف غَائِبا كَأَنَّهُ عساك الْهَالِك أَو عساك هُوَ.) فَإِن قلت: فَإِن جَاءَ شَيْء بعد شَيْء من هَذِه الأبيات الَّتِي تشبه مَا ذكر من عساك تفعل ولعلي أَو عساني أخرج فَمَا يكون الْفَاعِل على قَوْله قيل: أما على مَا ذهب إِلَيْهِ من أَنه بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فَلَا نظر فِيهِ وَيكون بِمَنْزِلَة لَعَلَّك تخرج وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِيهِ. وَأما على القَوْل الآخر الَّذِي رَأَيْنَاهُ غير مُمْتَنع فَهُوَ أشكل لِأَن الْفَاعِل لَا يكون جملَة. فَإِن شِئْت قلت: إِن الْفِعْل فِي مَوضِع رفع بِأَنَّهُ فَاعل وَكَأَنَّهُ أَرَادَ عساني أَن أخرج فَحذف أَن وَصَارَ الْفِعْل مَعَ ان المحذوفة فِي مَوضِع رفع بِأَنَّهُ فَاعل كَمَا كَانَ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ فِي قَوْلهم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ وكقول أبي دواد: لَوْلَا تجاذبه قد هرب (وَمَا رَاعنا إلاّ يسير بشرطةٍ ... وعهدي بِهِ قينا يفشّ بكير)

стр. 2261

فَكَمَا أَن هَذَا على حذف أَن وَتَقْدِيره: مَا رَاعنا إِلَّا سيره بشرطة كَذَلِك يكون فَاعل عَسى فِي نَحْو: عَسى يفعل إِنَّمَا هُوَ على: عَسى أَن يفعل كَقَوْلِه تَعَالَى: عَسى أَن تكرَهُوا شَيْئا فتحذف أَن وَهِي فِي حكم الثَّبَات. وَلَو قَالَ قَائِل إِن عَسى فِي عساني وعساك قد تضمن ضميراً مَرْفُوعا وَذَلِكَ الضَّمِير هُوَ الْفَاعِل وَالْكَاف وَالْيَاء فِي مَوضِع نصب على حد النصب فِي قَوْله: عَسى الغوير أبؤساً لَا على حد تشبيهه بلعل وَلَكِن على أصل هَذَا الْبَاب كَأَنَّهُ عداهُ إِلَى الْمُضمر على حد مَا عداهُ إِلَى الْمظهر الَّذِي هُوَ أبؤس كَانَ وَجها. فَأَما فاعلها فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يكون قد جرى لَهُ ذكر أَو لم يجر لَهُ ذكر. فَإِن كَانَ ذكره قد جرى فَلَا إِشْكَال فِي إضماره. وَإِن لم يجر لَهُ ذكر فَإِنَّمَا تضمره لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ كَمَا ذكر من قَوْلهم: إِذا كَانَ غَدا فأتنا فَكَذَلِك يكون إِضْمَار الْفَاعِل فِي عَسى وَتَكون على بَابهَا وَلَا تكون مشبهة بلعل. وَالْأول الَّذِي ذهب إِلَيْهِ كَأَنَّهُ إِلَى النَّفس أسبق. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقد اسْتشْهد لما ذكره الشَّارِح الْمُحَقق جمَاعَة مِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل وَابْن هِشَام فِي أَحدهمَا مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ من أَن فِيهِ تَنْوِين الترنم. قَالَ: وَأما نَاس كثير من بني تَمِيم فَإِنَّهُم يبدلون مَكَان الْمدَّة النُّون فِيمَا ينون وَفِيمَا لَا ينون لما لم يُرِيدُوا الترنم أبدلوا مَكَان الْمدَّة نوناً ولفظوا بِتمَام الْبناء وَمَا هُوَ مِنْهُ كَمَا فعل أهل الْحجاز ذَلِك بحروف الْمَدّ سمعناهم يَقُولُونَ للعجاج:)

стр. 2262

يَا أبتا علّك أَو عساكن ثَانِيهمَا: مَا ذكره شَارِح اللّبَاب وَغَيره من أَن فِي يَا أبتا الْجمع بَين عوضين قَالَ فَإِن التَّاء عوض من يَاء الْمُتَكَلّم وَإِنَّمَا جَازَ الْألف دون يَاء الْمُتَكَلّم لِأَن التَّاء عوض من يَاء التَّكَلُّم فَيمْتَنع الْجمع بَين الْعِوَض والمعوض بِخِلَاف الْألف فَإِن غَايَته أَن يذكر عوضان وَهُوَ غير مُمْتَنع وَلَيْسَ فِيهِ الْجمع بَين الْعِوَض والمعوض كَمَا زعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شَوَاهِد الْمُغنِي. وَقد خطأ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الْأسود رِوَايَة يَا أبتا وَقَالَ: إِنَّمَا الرِّوَايَة تأنيا. وَهُوَ من التأني كَمَا يَجِيء بَيَانه. وَقد ذكر جَمِيع شرَّاح الشواهد أَن مَا قبله: الرجز تَقول بِنْتي قد أَنى إناكا وأنى: فعل مَاض بِمَعْنى قرب. والإنى بِكَسْر الْهمزَة وَالْقصر: الْوَقْت. قَالَ تَعَالَى: غَير ناظِرينَ إناه على أحد قوليه. وأنى إناك: حَان حينك أَي: حِين ارتحالك إِلَى سفر تطلب رزقا فسافر وعلك بِمَعْنى لَعَلَّك وَالْخَبَر مَحْذُوف. وَزعم الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ أَن أناك بِفَتْح الْهمزَة وَالْمدّ. قَالَ: أَصله أناءك والأناء على فعال اسْم من الْفِعْل الْمَذْكُور. وَقد نَازع أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي كَون هَذَا مَا قبله وَقَالَ: هما من أرجوزتين. ورد ردا شنيعاً على ابْن السيرافي فَإِنَّهُ قَالَ فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ: قَوْله يَا أبتا علك أَو عساكن قبله:

стр. 2263

تَقول بِنْتي قد أَتَى إناكا وَفِي شعره: فاستعزم الله ودع عساكا وَقَوله: قد أَتَى إناكا أَي: مِمَّن تلتمس مِنْهُ مَالا تنفقه. وَقَوله: يَا أبتا علك أَو عساكا أَي: لَعَلَّك إِن سَافَرت أصبت مَا نحتاج إِلَيْهِ. وَقَوله: فاستعزم الله الخ أَي: استخره فِي الْعَزْم على الرحيل والنصر ودع قَوْلك: عساي لَا أفوز بِشَيْء إِذا سَافَرت وَيحصل بيَدي التَّعَب. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب: خلط ابْن السيرافي هَا هُنَا من حَيْثُ أَن النَّوَى أشباه. وصحف فِي كلمة من الْبَيْت أَيْضا وَهُوَ قَوْله: يَا أبتا وَإِنَّمَا هُوَ: تأنّياً علّك أَو عساكا) فاستعزم الله ودع عساكا من أرجوزة وَقَوله: تأنّياً علّك أَو عساكا من أرجوزة أُخْرَى. فالتي فِيهَا فاستعزم الله هِيَ قَوْله يمدح بهَا الْحَارِث بن سليم الهُجَيْمِي يَقُول فِيهَا: (تَقول بِنْتي قد أَنى إناكا ... فاستعزم الله ودع عساكا) (وَيدْرك الْحَاجة مختطاكا ... قد كَانَ يطوي الأَرْض مرتقاكا

стр. 2264

) (تخشى وترجى وَيرى سناكا ... فَقلت إنّي عائكٌ معاكا) (غيثاً وَلَا أنتجع الأراكا ... فابلغ بني أميّة الأملاكا) (بالشّام والخليفة الملاّكا ... وبخراسان فَأَيْنَ ذاكا) (منّي وَلَا قدرَة لي بذاكا ... أَو سر لكرمان تَجِد أخاكا) (إنّ بهَا الْحَارِث إِن لاقاكا ... أجدى بسيبٍ لم يكن ركاكا) والأرجوزة الْأُخْرَى يمدح فِيهَا إِبْرَاهِيم بن عَرَبِيّ وَهِي: (لمّا وضعت الكور والوراكا ... عَن صلبٍ ملاحكٍ لحاكا) (تصفير أَيدي الْعرس المداكا ... تأنّياً علّك أَو عساكا) (يسْأَل إِبْرَاهِيم مَا ألهاكا ... من سنتَيْن أتتا دراكا) (تلتحيان الطّلح والأراكا ... لم تدعا نعلا وَلَا شراكا) هَذَا مَا أوردهُ وَالله أعلم بِالصَّوَابِ: وَالْأَكْثَرُونَ على أَن هَذَا الرجز لرؤبة بن العجاج لَا للعجاج. وَقد تقدم ترجمتهما فِي أَوَائِل الْكتاب.

стр. 2265

وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة الْكَامِل (هَل تبلّغنّي دارها شدنيّةٌ ... لعنت بمحروم الشّراب مصرّم) على أَن النُّون الأولى فِي تبلغني نون التوكيد الْخَفِيفَة وَالنُّون الثَّانِيَة نون الْوِقَايَة. وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة عنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي. وَقَبله: (تمسي وتصبح فَوق ظهر حشيّةٍ ... وأبيت فَوق سراة أدهم ملجم) (وحشيّتي سرجٌ على عبل الشّوى ... نهدٍ مراكله نبيل المحزم) هَل تبلغنّي دارها شدنيّةٌ ... ... ... ... ... . الْبَيْت قَوْله: تمسي وتصبح الضَّمِير الْمُؤَنَّث لحبيبته وَهِي عبلة. والحشية: الْفراش المحشو. والسراة بِفَتْح السِّين: أَعلَى كل شَيْء وَأَرَادَ بِهِ هُنَا ظهر فرسه. يَقُول: تمسي وتصبح فَوق فرَاش وطيء وأبيت أَنا فَوق ظهر فرس أدهم ملجم. يَعْنِي أَنَّهَا تتنعم وَأَنا أقاسي شَدَائِد الْأَسْفَار والحروب. وَقَوله: وحشيتي سرج مُبْتَدأ وَخبر. يُرِيد أَن مستوطئ بسرج الْفرس كَمَا يستوطئ غَيره الحشية والاضطجاع عَلَيْهَا. ثمَّ وصف الْفرس بأوصاف محمودة وَهِي غلظ القوائم وانتفاخ الجنبين وسمنها والعبل بِالْفَتْح: الغليظ. والشوى بِالْفَتْح: القوائم جمع شواة أَي: على فرس غليظ القوائم

стр. 2266

وَالْعِظَام كثير العصب. والنهد بِفَتْح النُّون: الضخم المشرف. والمراكل جمع مركل كجعفر وَهُوَ الْموضع الَّذِي يُصِيب رجل الْفَارِس من الجنبين إِذا اسْتَوَى على السرج. والنبيل: الْعَظِيم. والمحزم: مَوضِع الحزام. وَقَوله: هَل تبلغني الخ استبعد الْوُصُول إِلَيْهَا لشدَّة بعْدهَا فاستفهم عَنهُ. وأبلغه الْمنزل إِذا أوصله إِلَيْهِ. ودارها أَي: دَار عبلة. وشدنية: نَاقَة منسوبة إِلَى شدن بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ حَيّ بِالْيمن وَقيل: أَرض فِيهِ. وَقَوله: لعنت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول قَالَ التبريزي فِي شرح الْمُعَلقَة: دَعَا عَلَيْهَا بِانْقِطَاع لَبنهَا أَي: بِأَن يحرم ضرْعهَا اللَّبن فَيكون أقوى لَهَا وأسمن وأصبر على معاناة شَدَائِد الْأَسْفَار لِأَن كَثْرَة الْحمل وَقَوله: بمحروم الشَّرَاب أَي: بضرع مَمْنُوع شرابه. وأصل حرم منع. وَقيل: بمحروم الشَّرَاب أَي: فِي محروم الشَّرَاب. وَقَالَ خَالِد بن كُلْثُوم: لعنت: نحيت عَن الْإِبِل لما علم أَنَّهَا معقومة فَجعلت للرُّكُوب الَّذِي لَا يصلح لَهُ إِلَّا مثلهَا. والمصرم: الَّذِي أصَاب أخلافه شَيْء فَقَطعه من صرار أَو) غَيره. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: المصرم: الَّذِي يلوى رَأس خَلفه حَتَّى يَنْقَطِع لبنه. وَهُوَ هُنَا مثل لاكي يُرِيد: أَنَّهَا معقومة وَلَا لبن لَهَا. انْتهى. وَقَالَ الأعلم فِي: شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: قَوْله لعنت أَي: سبت بضرعها كَمَا يُقَال: لَعنه الله مَا أدهاه وَمَا أشعره. وَإِنَّمَا يُرِيد أَن ضرْعهَا قد حرم اللَّبن

стр. 2267

فَذَلِك أوفر لقوتها وأصلب لَهَا فتلعن ويدعى عَلَيْهَا على طَرِيق التَّعَجُّب من قوتها. والمصرم: الْمَقْطُوع اللَّبن. وَقيل معنى لعنت أَنه دَعَا عَلَيْهَا بِأَن ضرْعهَا يكون مَقْطُوع اللَّبن إِذْ كَانَ أقوى لَهَا. وَالْمعْنَى الأول أحسن وأبلغ. انْتهى. وَقَوله: خطارة غب الخ هُوَ صفة لشدنية. والخطارة: الَّتِي تخطر بذنبها يمنةً ويسرة لنشاطها. والسرى: سير اللَّيْل وغب الشَّيْء: بعده. يَقُول: هِيَ خطارة بعد السرى فَكيف بهَا إِذا لم تسر والزيافة: الَّتِي تزيف فِي سَيرهَا كَمَا تزيف الْحَمَامَة تسرع. وَقَوله: تقص الإكام أَي: تكسرها بأخفافها لشدَّة وَطئهَا وَسُرْعَة سَيرهَا. يُقَال: وقص يقص بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة. ويروى: تطس بِمَعْنَاهُ. يُقَال: وطس يطس إِذا كسر. والإكام بِالْكَسْرِ: جمع أكم بِفتْحَتَيْنِ كجبال جمع جبل وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض. والميثم: الشَّديد الْوَطْء. يُقَال: وَثمّ الأَرْض يثمها بِالْمُثَلثَةِ إِذا وَطئهَا وطئا. وَقَوله: بِذَات خف أَي: بقوائم ذَات أَخْفَاف. وَقد تقدم فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من أَوَائِل الْكتاب شرح أَبْيَات من هَذِه القصيدة مَعَ تَرْجَمَة عنترة. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الموفي الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الوافر (ترَاهُ كالثّغام يعلّ مسكاً ... يسوء الفاليات إِذا فليني)

стр. 2268

. على أَنه قد جَاءَ حذف نون الْوِقَايَة مَعَ نون الضَّمِير للضَّرُورَة كَمَا هُنَا. وَالْأَصْل: إِذا فلينني بنونين. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِذا كَانَ فعل الْجَمِيع مَرْفُوعا ثمَّ أدخلت فِيهِ النُّون الْخَفِيفَة أَو الثَّقِيلَة حذفت نون وَتقول: هَل تفعلن ذَاك بِحَذْف نون الرّفْع لِأَنَّك ضاعفت النُّون وهم يستثقلون التَّضْعِيف فحذفوها إِذْ كَانَت تحذف وهم فِي هَذَا الْموضع أَشد استثقالاً للنونات وَقد حذفوها فِيمَا هُوَ أَشد من ذَا بلغنَا أَن بعض الْقُرَّاء قَالَ: تحاجوني وَكَانَ يقْرَأ: فَبِمَ تبشروني خَفِيف وَهِي قِرَاءَة أهل الْمَدِينَة وَذَلِكَ لأَنهم استثقلوا التَّضْعِيف. قَالَ عَمْرو بن معد يكرب: (ترَاهُ كالثّغام يعلّ مسكاً ... يسوء الفاليات إِذا فليني) يُرِيد: إِذا فلينني. انْتهى. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي حذف النُّون فِي قَوْله فليني كَرَاهَة لِاجْتِمَاع النونين وحذفت نون الْيَاء دون جمَاعَة النسْوَة لِأَنَّهَا زَائِدَة لغير معنى. انْتهى. وَهَذَا مُوَافق لما قَالَه الشَّارِح. وَأخذ ابْن مَالك بِظَاهِر كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي التسهيل أَن الْمَحْذُوف هُنَا نون النسْوَة وَقَالَ: هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ. وَوَجهه فِي شَرحه بِأَنَّهُم حَافظُوا على بَقَاء نون الْوِقَايَة مُطلقًا لما كَانَ للْفِعْل بهَا صون ووقاية.

стр. 2269

وَالْبَيْت من أَبْيَات ثَمَانِيَة لعَمْرو بن معد يكرب قَالَهَا فِي امْرَأَة لِأَبِيهِ تزَوجهَا بعده فِي الْجَاهِلِيَّة. (تَقول حليلتي لما قلتني ... شرائج بَين كدريٍّ وجون) (ترَاهُ كالثّغام يعلّ مسكاً ... يسوء الفاليات إِذا فليني) (فزينك فِي شريطك أمّ عَمْرو ... وسابغةٌ وَذُو النّونين زيني) (فَلَو شمّرن ثمّ عدون رهواً ... بكلّ مدجّجٍ لعرفت لوني) (إِذا مَا قلت إنّ عليّ دينا ... بطعنة فارسٍ قضّيت ديني)) (لقعقعة اللّجام بِرَأْس طرفٍ ... أحبّ إليّ من أَن تنكحيني) (أَخَاف إِذا هبطن بِنَا خباراً ... وجدّ الرّكض أَن لَا تحمليني) (فلولا إخوتي وبنيّ مِنْهَا ... مَلَأت لَهَا بِذِي شطبٍ يَمِيني) الحليلة: الزَّوْجَة. وقلتني من القلى وَهُوَ البغض. وشرائج خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: شعرك شرائج. وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. وشرائج: جمع شريج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَآخره جِيم: الضَّرْب وَالنَّوْع. قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: كل لونين مُخْتَلفين هما شريجان. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: بَين كدري وجون أَي: بعض الشرائج كدري أَي: أغبر وَبَعضهَا جون. والكدري: مَنْسُوب إِلَى الكدرة. وجون بِضَم الْجِيم: جمع جونة وَهُوَ مصدر الجون بِالْفَتْح وَهُوَ من وَقَوله: ترَاهُ كالثغام الخ الضَّمِير الْمُسْتَتر للحليلة وَالضَّمِير البارز الْمَنْصُوب لشعر الرَّأْس الْمَفْهُوم مِمَّا قبله. وَرَوَاهُ الْفراء وَابْن دُرَيْد: رَأَتْهُ

стр. 2270

بالماضي وَهُوَ من رُؤْيَة الْعين. وكالثغام حَال من الْهَاء وَكَذَلِكَ قَوْله يعل. والثغام بِفَتْح الْمُثَلَّثَة والغين الْمُعْجَمَة قَالَ الأعلم: هُوَ نبت لَهُ نور أَبيض يشبه بِهِ الشيب. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: هُوَ نبت يكون فِي الْجَبَل يبيض إِذا يبس يُقَال لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: درمنه إسبيذ يشبه بِهِ الشيب الْوَاحِدَة ثغامة. وعللته مَاء عللاً من بَاب طلب: سقيته السقية الثَّانِيَة. وعل هُوَ يعل من بَاب ضرب إِذا شرب. قَالَ الأعلم: وَمعنى يعل يطيب شَيْئا بعد شَيْء. وأصل الْعِلَل الشّرْب بعد الشّرْب. وَهَذَا غير مُنَاسِب فَإِنَّهُ هُنَا مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين: أَحدهمَا: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر الْعَائِد إِلَى مَا عَاد إِلَيْهِ الْهَاء من ترَاهُ وَالثَّانِي مسكاً. وَقَوله: يسوء الفاليات فَاعله ضمير الشّعْر والفاليات مَفْعُوله وَهُوَ اسْتِئْنَاف وَهُوَ دَلِيل جَوَاب إِذا. والفالية هِيَ الَّتِي تفلي الشّعْر أَي: تخرج الْقمل مِنْهُ. وَقَوله: فزينك فِي شريطك الخ هَذَا خطاب لَهَا. وَأم عَمْرو: منادى. والزين: نقيض الشين مصدر زانه بِمَعْنى زينه إِذا جعل لَهُ زِينَة. والشريط قَالَ جَامع ديوانه: هُوَ العيبة الصَّغِيرَة. والعيبة بِالْفَتْح مَا تجْعَل فِيهِ الثِّيَاب.) وَقَوله: وسابغة خبر مقدم. وزيني مُبْتَدأ مُؤخر. والسابغة: الدرْع الواسعة الطَّوِيلَة. وَذُو النونين: السَّيْف وَالنُّون شفرته. وَقَوله: فَلَو شمرن ثمَّ عدون الخ يَعْنِي النِّسَاء الفاليات. وشمر إزَاره تشميراً: رَفعه. والرهو: السّير السهل مصدر رها يرهو فِي السّير أَي: رفق. والمدجج بجيمين على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول هُوَ اللابس آلَة الْحَرْب وَالسِّلَاح.

стр. 2271

وَقَوله: إِذا مَا قلت الخ هُوَ بِضَم التَّاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ والطرف بِالْكَسْرِ: الْفرس الْجواد. والخبار بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة: الأَرْض الرخوة. وَذُو شطب هُوَ السَّيْف. وشطب السَّيْف: طرائقه الَّتِي فِي مَتنه الْوَاحِدَة شطبة. وترجمة عَمْرو بن معد يكرب تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَهُوَ من الصَّحَابَة ﵃. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْحَادِي بعد الأربعمائة (كمنية جابرٍ إِذْ قَالَ ليتي ... أصادفه وأفقد جلّ مَالِي) على أَن حذف نون الْوِقَايَة من ليتي ضَرُورَة عِنْد سِيبَوَيْهٍ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالَت الشُّعَرَاء ليتي إِذا اضطروا كَأَنَّهُمْ شبهوه بِالِاسْمِ حَيْثُ قَالُوا: الضاربي والمضمر مَنْصُوب. قَالَ زيد الْخَيل: (كمنية جابرٍ إِذْ قَالَ ليتي ... أصادفه وأتلف بعض مَالِي) انْتهى. وَهَذَا من أَبْيَات لزيد الْخَيل ﵁ وأولها: (تمنّى مزيدٌ زيدا فلاقى ... أَخا ثقةٍ إِذا اخْتلف العوالي)

стр. 2272

كمنية جابرٍ إِذْ قَالَ ليتي ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَقد اقْتصر عَلَيْهِمَا أَبُو زيد فِي نوادره. وبعدهما: (تلاقينا فَمَا كنّا سَوَاء ... وَلَكِن خرّ عَن حالٍ لحَال)) (وَلَوْلَا قَوْله يَا زيد قدني ... لقد قَامَت نُوَيْرَة بالمآلي) وَقَوله: تمنى مزِيد الخ مزِيد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الزاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا مثناة تحتية قَالَ ابْن السيرافي وَغَيره: هُوَ رجل من بني أَسد كَانَ يتَمَنَّى أَن يلقى زيد الْخَيل فَلَقِيَهُ زيد الْخَيل فطعنه فهرب مِنْهُ. وَقَوله: أَخا ثِقَة أَي: صَاحب وثوق بشجاعته وَصَبره فِي الْحَرْب. والعوالي: جمع عالية والعالية من الرمْح: مَا يَلِي الْموضع الَّذِي يركب فِيهِ السنان. يَعْنِي وَقت اخْتِلَاف الرماح ومجيئها وذهابها للطعان. وَقَوله: كمنية جَابر الخ هُوَ فِي مَوضِع الْمَفْعُول الْمُطلق أَي: تمنى مزِيد تمنياً كتمني جَابر. والمنية بِالضَّمِّ: اسْم لِلتَّمَنِّي وَفِي الأَصْل الشَّيْء الَّذِي يتَمَنَّى. وَإِنَّمَا قَالَ: تمنى مزِيد زيدا وَلم يقل: تمناني مزِيد للتهويل والتفخيم فَإِن زيدا قد اشْتهر بالشجاعة فَلَو أَتَى بالضمير لفات هَذَا. وَجَابِر: رجل من غطفان تمنى أَن يلقى زيدا حَتَّى صبحه زيد فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: كنت تتمنى زيدا فعندك فَالْتَقَيَا فاختلفا طعنتين وهما دارعان فاندق رمح جَابر وَلم يغن شَيْئا وطعنه زيد بِرُمْح لَهُ كَانَ على كَعْب من كعابه ضبة من حَدِيد فَانْقَلَبَ ظهرا لبطن وانكسر ظَهره فَقَالَت امْرَأَته وَهِي ترفعه منكسراً ظَهره: كنت تتمنى زيدا فلاقيت أَخا ثِقَة. وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن مزيداً تمنى أَن

стр. 2273

يلقى زيدا كَمَا تمنى جَابر وَكِلَاهُمَا لَقِي مِنْهُ مَا يكره. (أَلا أبلغ الأقياس قيس بن نوفلٍ ... وَقيس بن أهبانٍ وَقيس بن جَابر) قَالَ: قيس بن جَابر هُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ زيد: كمنية جابرٍ إِذْ قَالَ ليتي فَسَماهُ باسم أَبِيه كَمَا قَالَ الآخر: الرجز يحملن عبّاس بن عبد المطّلب وَإِنَّمَا يُرِيد عبد الله بن عَبَّاس. انْتهى. وروى أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل: كمنية حائن بالنُّون أَي: هَالك وَالْمرَاد بِهِ جَابر الْمَذْكُور. وَقَوله: وأفقد جلّ مَالِي فقد يفقد من بَاب ضرب بِمَعْنى عدم. وروى بدله: وأتلف من الْإِتْلَاف. وَجل الشَّيْء معظمه. وَهَذِه رِوَايَة الْجَوْهَرِي وروى غَيره:) بعض مَالِي. قَالَ الْعَيْنِيّ: وَالْأول أحسن. وَمن زعم أَن بَعْضًا يرد بِمَعْنى كل وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: يُصِبْكُم بعضُ الَّذِي يَعِدُكم قَول الْأَعْشَى: الْبَسِيط (قد يدْرك المتمنّي بعض حَاجته ... وَقد يكون مَعَ المستعجل الزّلل)

стр. 2274

صَحَّ عِنْده حمل رِوَايَة الْجَمَاعَة على ذَلِك فَيكون أبلغ من رِوَايَة الْجَوْهَرِي. إِلَّا أَن هَذَا القَوْل مَرْدُود. انْتهى. وَإِذ ظرف عَامله منية وَجُمْلَة: أصادفه خبر لَيْت. وأفقد مَنْصُوب بإضمار أَن فَإِنَّهَا تضمر بعد وَاو الْمَعِيَّة الْوَاقِعَة بعد التَّمَنِّي. قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: قَالَ صدر الأفاضل: وأفقد بِالنّصب كَمَا لَو كَانَ مَكَان الْوَاو الْفَاء كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْتَني أصادف زيدا وَأَن أفقد بعض مَالِي أَي: يجْتَمع هَذَا مَعَ فقدان بعض المَال. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: أفقد بِالرَّفْع جملَة فعلية عطف على أصادفه. كَذَا قيل وَفِيه نظر لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون فقد بعض مَاله متمنى وَلَيْسَ كَذَاك وَالصَّحِيح أَنه مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأَنا أفقد بعض مَالِي وَتَكون الْوَاو للْحَال. انْتهى. أَقُول: لَا مَانع على الْوَجْه الأول من جعل الْوَاو للمعية. ثمَّ قَالَ: وَيُقَال أفقد مَنْصُوب لِأَنَّهُ جَوَاب التَّمَنِّي. وَهَذَا لَا يتمشى إِلَّا إِذا قرئَ بِالْفَاءِ فأفقد. انْتهى. أَقُول: كَأَنَّهُ لم يطْرق أُذُنه أَن الْمُضَارع ينصب بإضمار أَن بعد وَاو الْمَعِيَّة كَمَا ينصب بعد فَاء (وَقل لمن يدّعي فِي الْعلم فلسفةً ... حفظت شَيْئا وَغَابَتْ عَنْك اشياء)

стр. 2275

ثمَّ قَالَ: وَلَكِن يجوز نَصبه بإضمار أَن. أَقُول: كَأَن هَذَا الْإِضْمَار عِنْده من الْقسم السماعي الَّذِي لم يطرد. وَفِيمَا قُلْنَا غنية عَن هَذَا. فَتَأمل. وَقَوله: تلاقينا فَمَا كُنَّا سَوَاء الخ خر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: سقط. وَالْحَال بِالْحَاء الْمُهْملَة: مَوضِع اللبد من ظهر الْفرس وَالْحَال الثَّانِيَة: الْوَقْت الْحَاضِر. أَي: سقط عَن ظهر الْفرس بطعن فِي الْحَال. وَقَوله: وَلَوْلَا قَوْله أَي: لَوْلَا قَول جَابر. وقدني: اسْم فعل بِمَعْنى حسبي. ونويرة بِضَم النُّون:) امْرَأَة جَابر. قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: والمآلي: جمع مئلاة وَهِي الْخِرْقَة الَّتِي تكون مَعَ النائحة تَأْخُذ بهَا الدمع أَي: لَوْلَا قَول جَابر حسبي يَا زيد من الطعْن قَامَت امْرَأَته ملتبسةً بالخرق. تنوح عَلَيْهِ وتبكي أَي: قتلته. وَقَوله: بمطرد المهزة أَرَادَ بِهِ الرمْح فَإِنَّهُ إِذا هز بِالْيَدِ يطرد. والخلال بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْعود الَّذِي يَتَخَلَّل بِهِ وَرُبمَا يخل بِهِ الثَّوْب أَيْضا. أَرَادَ أَن الرمْح كَانَ سنانه دَقِيقًا مثل الْخلال. وَزيد الْخَيل هُوَ كَمَا قَالَ صَاحب الِاسْتِيعَاب: زيد بن مهلهل بن زيد ابْن منْهب الطَّائِي قدم على رَسُول الله ﷺ َ فِي وَفد طَيئ

стр. 2276

سنة تسع فَأسلم وَسَماهُ رَسُول الله ﷺ َ زيد الْخَيْر وَقَالَ لَهُ: مَا وصف لي أحد فِي الْجَاهِلِيَّة فرأيته فِي الْإِسْلَام إِلَّا رَأَيْته دون الصّفة غَيْرك. وأقطع لَهُ أَرضين فِي ناحيته. ويكنى أَبَا مكنف وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ مكنف وحريث وَقيل: حَارِث. أسلما وصحبا النَّبِي ﷺ َ وشهدا قتال الرِّدَّة مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد. وَكَانَ زيد الْخَيل شَاعِرًا محسنا خَطِيبًا لسنا شجاعاً بهمةً كَرِيمًا. وَكَانَ بَينه وَبَين كَعْب بن زُهَيْر هجاء لِأَن كَعْبًا اتهمه بِأخذ فرس لَهُ. قيل: مَاتَ زيد الْخَيل مُنْصَرفه من عِنْد النَّبِي ﷺ َ محموماً فَلَمَّا وصل إِلَى بَلَده مَاتَ. وَقيل بل مَاتَ فِي آخر خلَافَة عمر. وَكَانَ قبل إِسْلَامه قد أسر عَامر بن الطُّفَيْل وجز ناصيته. هَذَا مَا أوردهُ صَاحب الِاسْتِيعَاب. وَقيل لَهُ زيد الْخَيل لخمسة أَفْرَاس كَانَت لَهُ. وَكَانَ طَويلا جسيماً مَوْصُوفا بطول الْجِسْم وَحسن الْقَامَة وَكَانَ يركب الْفرس الْعَظِيم الطَّوِيل فتخط رِجْلَاهُ فِي الأَرْض كَأَنَّهُ رَاكب حمارا. وَأنْشد بعده الرمل (أيّها السّائل عَنْهُم وعنّي ... لست من قيسٍ وَلَا قيس منّي)

стр. 2277

على أَن حذف النُّون ضَرُورَة عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْقِيَاس: عني ومني بتَشْديد النُّون فيهمَا. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: إِذا جرت الْيَاء بِمن أَو عَن وَجَبت النُّون حفظا للسكون لِأَنَّهُ) الأَصْل فِيمَا يبنون. وَقد يتْرك فِي الضَّرُورَة. قَالَ: أيّها السّائل عَنْهُم وعنّي ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَفِي النَّفس من هَذَا الْبَيْت شَيْء لأَنا لم نَعْرِف لَهُ قَائِلا وَلَا نظيراً لِاجْتِمَاع الْحَذف فِي الحرفين. وَلذَلِك نسبه ابْن النَّاظِم إِلَى بعض النَّحْوِيين وَلم ينْسبهُ إِلَى الْعَرَب. وَفِي التُّحْفَة: لم يجِئ الْحَذف إِلَّا فِي بيتٍ لَا يعرف قَائِله. اه. وَوَقع فِيهِ قيس فِي مَوضِع الضَّمِير مرَّتَيْنِ. وارتفاع الثَّانِي بِالِابْتِدَاءِ لِأَن لَا لَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات. انْتهى كَلَام ابْن هِشَام. وَقيس فِي الْمَوْضِعَيْنِ غير منصرف للعلمية والتأنيث الْمَعْنَوِيّ لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقَبِيلَة. وَهُوَ أَبُو قَبيلَة من مُضر وَيُقَال لَهُ: قيس عيلان واسْمه النَّاس بن مُضر بن نزار بِهَمْزَة وصل وَنون وَهُوَ أَخُو إلْيَاس قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الجمهرة: إِنَّمَا عيلان عبد لمضر حضن النَّاس ورباه فغلب عَلَيْهِ وَنسب إِلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب الْقَامُوس: وَقيس عيلان تركيب إضافي لِأَن عيلان اسْم فرس قيس لَا اسْم أَبِيه كَمَا ظَنّه بعض النَّاس. اه. يُقَال: تقيس فلَان إِذا تشبه بهم أَو تمسك مِنْهُم بِسَبَب إِمَّا بِحلف أَو جوَار أَو وَلَاء. قَالَ رؤبة: الرجز وَقيس عيلان وَمن تقيّسا

стр. 2278

وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: قيس عيلان بن مُضر وَيُقَال قيس ابْن عيلان واسْمه النَّاس بالنُّون وَأَخُوهُ إلْيَاس بِالْيَاءِ. وَكَانَ النَّاس بالنُّون متلافاً وَكَانَ إِذا نفد مَا عِنْده أَتَى أَخَاهُ إلْيَاس بالتحية فيناصفه أَحْيَانًا ويؤيسه أَحْيَانًا فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ وَأَتَاهُ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ قَالَ لَهُ إلْيَاس: غلبت عَلَيْك الْعيلَة فَأَنت عيلان فَسُمي لذَلِك عيلان وَجَهل النَّاس. وَمن قَالَ قيس بن عيلان فَإِن عيلان كَانَ عبدا لمضر حضن ابْنه النَّاس فغلب على نسبته. اه. وَقد تقدم هَذَا الْكَلَام فِي الشَّاهِد الْخَامِس عشر من أَوَائِل الْكتاب. والقبيلة المنسوبة إِلَى قيس هِيَ خصفة بن قيس بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء. وَأنْشد بعده) الشَّاهِد الثَّالِث بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز (قدني من نصر الخبيبين قدي ... لَيْسَ الإِمَام بالشّحيح الملحد) على أَن هَذَا ضَرُورَة وَالْقِيَاس قدني بالنُّون. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته ﵀ يَعْنِي الْخَلِيل بن أَحْمد عَن قَوْلهم قطني ومني وعني ولدني مَا بالهم جعلُوا عَلامَة الْمَجْرُور هَا هُنَا كعلامة الْمَنْصُوب فَقَالَ:

стр. 2279

إِنَّه لَيْسَ من حرف تلْحقهُ يَاء الْإِضَافَة إِلَّا كَانَ متحركاً مكسوراً وَلم يُرِيدُوا أَن يحركوا الطَّاء وَلَا النونات لِأَنَّهَا لَا تذكر أبدا إِلَّا وَقبلهَا حرف متحرك مكسور وَكَانَت النُّون أولى لِأَن من كَلَامهم أَن تكون النُّون وَالْيَاء عَلامَة الْمُتَكَلّم فجاؤوا بالنُّون لِأَنَّهَا إِذا كَانَت مَعَ الْيَاء لم تخرج هَذِه الْعَلامَة من عَلَامَات الْإِضْمَار وكرهوا إِن يجيئوا بِحرف غير النُّون فيخرجوا من عَلَامَات الْإِضْمَار. وَإِنَّمَا حملهمْ على أَن لم يحركوا الطَّاء والنونات كَرَاهِيَة أَن يشبه الْأَسْمَاء نَحْو: يَد وَهن. وَأما مَا يُحَرك آخِره فنحو مَعَ ولد كتحريك أَوَاخِر هَذِه الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ إِذا تحرّك آخِره فقد صَار كأواخر الْأَسْمَاء فَمن ثمَّ لم يجعلوها بمنزلتها فَمن ذَلِك معي وَلَدي فِي مَعَ ولد وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قدي. قدني من نصر الخبيبين قدي لما اضْطر شبهه بحسبي وهني لِأَن مَا بعد حسب وَهن مجرور كَمَا أَن مَا بعد قطّ مجرور فَجعلُوا عَلامَة الْإِضْمَار فيهمَا سَوَاء كَمَا قَالَ: ليتي حَيْثُ اضْطر. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ. ورده صَاحب الْكَشَّاف والبيضاوي عِنْد قَوْله تَعَالَى: قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِي عُذْراً على قِرَاءَة نَافِع بتحريك نون لدن والاكتفاء بهَا عَن نون الْوِقَايَة كَمَا فِي: قدني من نصر الخبيبين قدي

стр. 2280

وَعند ابْن مَالك نون الْوِقَايَة فِي قدني وقطني غير لَازِمَة بل يجوز ذكرهَا وحذفها. وَاسْتشْهدَ لقط بِمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث من قَوْله: قطي قطي بعزتك يرْوى بِسُكُون الطَّاء وبكسرها مَعَ الْيَاء وبدونها. وَقَالَ فِي الألفية: الرجز (وَفِي لدنّي لدني قلّ وَفِي ... قدني وقطني الْحَذف أَيْضا قد يَفِي) قَالَ الشاطبي: قَوْله قل دَلِيل على أَن هَذَا جَائِز عِنْده فِي الْكَلَام لَا مُخْتَصّ بالشعر. وَهَذَا دأبه فِي) النّظم إِنَّمَا يعبر بِلَفْظ الْقلَّة عَمَّا جَاءَ فِي النثر. وَهُوَ ثَابت بِقِرَاءَة نَافِع وَأبي بكر. وَنبهَ بذلك على مُخَالفَة ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ. قَالَ فِي شرح التسهيل: وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن عدم لحاقها من الضرورات. وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ جَائِز فِي الْكَلَام الفصيح كَقِرَاءَة نَافِع: قد بلغت من لدني عذرا بِالتَّخْفِيفِ. ثمَّ قَالَ الشاطبي: وَقَوله: وَفِي قدني وقطني الْحَذف أَيْضا قد يَفِي يُرِيد أَن حذف نون الْوِقَايَة فيهمَا قد يَأْتِي. وإتيانه بقد يَفِي إِشْعَار بِأَنَّهُ مسموع فِي الْكَلَام بل قد يكثر كَثْرَة مَا إِذْ معنى يَفِي يكثر أَي: إِنَّه يكثر فِي السماع فَلَا يكون معدوداً فِي الشواذ وَلَا فِي الضرائر. وَهَذَا تنكيت مِنْهُ على سِيبَوَيْهٍ وَمن قَالَ بقوله: أَن عدم اللحاق يخْتَص بالشع. اه. وَقد تبعه ابْن هِشَام فِي شرح شواهده قَالَ: إِذا جرت الْيَاء بلدن أَو قطّ أَو قد فالغالب إِثْبَات النُّون حفظا للسكون وَقد يتْرك. دَلِيله فِي لدن قَوْله
следующие страницы →