← Адаб

Адаб · id 12732

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي

عبد القادر البغدادي

Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

سنة تسع فَأسلم وَسَماهُ رَسُول الله ﷺ َ زيد الْخَيْر وَقَالَ لَهُ: مَا وصف لي أحد فِي الْجَاهِلِيَّة فرأيته فِي الْإِسْلَام إِلَّا رَأَيْته دون الصّفة غَيْرك. وأقطع لَهُ أَرضين فِي ناحيته. ويكنى أَبَا مكنف وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ مكنف وحريث وَقيل: حَارِث. أسلما وصحبا النَّبِي ﷺ َ وشهدا قتال الرِّدَّة مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد. وَكَانَ زيد الْخَيل شَاعِرًا محسنا خَطِيبًا لسنا شجاعاً بهمةً كَرِيمًا. وَكَانَ بَينه وَبَين كَعْب بن زُهَيْر هجاء لِأَن كَعْبًا اتهمه بِأخذ فرس لَهُ. قيل: مَاتَ زيد الْخَيل مُنْصَرفه من عِنْد النَّبِي ﷺ َ محموماً فَلَمَّا وصل إِلَى بَلَده مَاتَ. وَقيل بل مَاتَ فِي آخر خلَافَة عمر. وَكَانَ قبل إِسْلَامه قد أسر عَامر بن الطُّفَيْل وجز ناصيته. هَذَا مَا أوردهُ صَاحب الِاسْتِيعَاب. وَقيل لَهُ زيد الْخَيل لخمسة أَفْرَاس كَانَت لَهُ. وَكَانَ طَويلا جسيماً مَوْصُوفا بطول الْجِسْم وَحسن الْقَامَة وَكَانَ يركب الْفرس الْعَظِيم الطَّوِيل فتخط رِجْلَاهُ فِي الأَرْض كَأَنَّهُ رَاكب حمارا. وَأنْشد بعده الرمل (أيّها السّائل عَنْهُم وعنّي ... لست من قيسٍ وَلَا قيس منّي)

стр. 2277

على أَن حذف النُّون ضَرُورَة عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْقِيَاس: عني ومني بتَشْديد النُّون فيهمَا. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: إِذا جرت الْيَاء بِمن أَو عَن وَجَبت النُّون حفظا للسكون لِأَنَّهُ) الأَصْل فِيمَا يبنون. وَقد يتْرك فِي الضَّرُورَة. قَالَ: أيّها السّائل عَنْهُم وعنّي ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَفِي النَّفس من هَذَا الْبَيْت شَيْء لأَنا لم نَعْرِف لَهُ قَائِلا وَلَا نظيراً لِاجْتِمَاع الْحَذف فِي الحرفين. وَلذَلِك نسبه ابْن النَّاظِم إِلَى بعض النَّحْوِيين وَلم ينْسبهُ إِلَى الْعَرَب. وَفِي التُّحْفَة: لم يجِئ الْحَذف إِلَّا فِي بيتٍ لَا يعرف قَائِله. اه. وَوَقع فِيهِ قيس فِي مَوضِع الضَّمِير مرَّتَيْنِ. وارتفاع الثَّانِي بِالِابْتِدَاءِ لِأَن لَا لَا تعْمل إِلَّا فِي النكرات. انْتهى كَلَام ابْن هِشَام. وَقيس فِي الْمَوْضِعَيْنِ غير منصرف للعلمية والتأنيث الْمَعْنَوِيّ لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقَبِيلَة. وَهُوَ أَبُو قَبيلَة من مُضر وَيُقَال لَهُ: قيس عيلان واسْمه النَّاس بن مُضر بن نزار بِهَمْزَة وصل وَنون وَهُوَ أَخُو إلْيَاس قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الجمهرة: إِنَّمَا عيلان عبد لمضر حضن النَّاس ورباه فغلب عَلَيْهِ وَنسب إِلَيْهِ. وَقَالَ صَاحب الْقَامُوس: وَقيس عيلان تركيب إضافي لِأَن عيلان اسْم فرس قيس لَا اسْم أَبِيه كَمَا ظَنّه بعض النَّاس. اه. يُقَال: تقيس فلَان إِذا تشبه بهم أَو تمسك مِنْهُم بِسَبَب إِمَّا بِحلف أَو جوَار أَو وَلَاء. قَالَ رؤبة: الرجز وَقيس عيلان وَمن تقيّسا

стр. 2278

وَقَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: قيس عيلان بن مُضر وَيُقَال قيس ابْن عيلان واسْمه النَّاس بالنُّون وَأَخُوهُ إلْيَاس بِالْيَاءِ. وَكَانَ النَّاس بالنُّون متلافاً وَكَانَ إِذا نفد مَا عِنْده أَتَى أَخَاهُ إلْيَاس بالتحية فيناصفه أَحْيَانًا ويؤيسه أَحْيَانًا فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ وَأَتَاهُ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِ قَالَ لَهُ إلْيَاس: غلبت عَلَيْك الْعيلَة فَأَنت عيلان فَسُمي لذَلِك عيلان وَجَهل النَّاس. وَمن قَالَ قيس بن عيلان فَإِن عيلان كَانَ عبدا لمضر حضن ابْنه النَّاس فغلب على نسبته. اه. وَقد تقدم هَذَا الْكَلَام فِي الشَّاهِد الْخَامِس عشر من أَوَائِل الْكتاب. والقبيلة المنسوبة إِلَى قيس هِيَ خصفة بن قيس بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة وَالْفَاء. وَأنْشد بعده) الشَّاهِد الثَّالِث بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: الرجز (قدني من نصر الخبيبين قدي ... لَيْسَ الإِمَام بالشّحيح الملحد) على أَن هَذَا ضَرُورَة وَالْقِيَاس قدني بالنُّون. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته ﵀ يَعْنِي الْخَلِيل بن أَحْمد عَن قَوْلهم قطني ومني وعني ولدني مَا بالهم جعلُوا عَلامَة الْمَجْرُور هَا هُنَا كعلامة الْمَنْصُوب فَقَالَ:

стр. 2279

إِنَّه لَيْسَ من حرف تلْحقهُ يَاء الْإِضَافَة إِلَّا كَانَ متحركاً مكسوراً وَلم يُرِيدُوا أَن يحركوا الطَّاء وَلَا النونات لِأَنَّهَا لَا تذكر أبدا إِلَّا وَقبلهَا حرف متحرك مكسور وَكَانَت النُّون أولى لِأَن من كَلَامهم أَن تكون النُّون وَالْيَاء عَلامَة الْمُتَكَلّم فجاؤوا بالنُّون لِأَنَّهَا إِذا كَانَت مَعَ الْيَاء لم تخرج هَذِه الْعَلامَة من عَلَامَات الْإِضْمَار وكرهوا إِن يجيئوا بِحرف غير النُّون فيخرجوا من عَلَامَات الْإِضْمَار. وَإِنَّمَا حملهمْ على أَن لم يحركوا الطَّاء والنونات كَرَاهِيَة أَن يشبه الْأَسْمَاء نَحْو: يَد وَهن. وَأما مَا يُحَرك آخِره فنحو مَعَ ولد كتحريك أَوَاخِر هَذِه الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ إِذا تحرّك آخِره فقد صَار كأواخر الْأَسْمَاء فَمن ثمَّ لم يجعلوها بمنزلتها فَمن ذَلِك معي وَلَدي فِي مَعَ ولد وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قدي. قدني من نصر الخبيبين قدي لما اضْطر شبهه بحسبي وهني لِأَن مَا بعد حسب وَهن مجرور كَمَا أَن مَا بعد قطّ مجرور فَجعلُوا عَلامَة الْإِضْمَار فيهمَا سَوَاء كَمَا قَالَ: ليتي حَيْثُ اضْطر. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ. ورده صَاحب الْكَشَّاف والبيضاوي عِنْد قَوْله تَعَالَى: قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِي عُذْراً على قِرَاءَة نَافِع بتحريك نون لدن والاكتفاء بهَا عَن نون الْوِقَايَة كَمَا فِي: قدني من نصر الخبيبين قدي

стр. 2280

وَعند ابْن مَالك نون الْوِقَايَة فِي قدني وقطني غير لَازِمَة بل يجوز ذكرهَا وحذفها. وَاسْتشْهدَ لقط بِمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث من قَوْله: قطي قطي بعزتك يرْوى بِسُكُون الطَّاء وبكسرها مَعَ الْيَاء وبدونها. وَقَالَ فِي الألفية: الرجز (وَفِي لدنّي لدني قلّ وَفِي ... قدني وقطني الْحَذف أَيْضا قد يَفِي) قَالَ الشاطبي: قَوْله قل دَلِيل على أَن هَذَا جَائِز عِنْده فِي الْكَلَام لَا مُخْتَصّ بالشعر. وَهَذَا دأبه فِي) النّظم إِنَّمَا يعبر بِلَفْظ الْقلَّة عَمَّا جَاءَ فِي النثر. وَهُوَ ثَابت بِقِرَاءَة نَافِع وَأبي بكر. وَنبهَ بذلك على مُخَالفَة ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ. قَالَ فِي شرح التسهيل: وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن عدم لحاقها من الضرورات. وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ جَائِز فِي الْكَلَام الفصيح كَقِرَاءَة نَافِع: قد بلغت من لدني عذرا بِالتَّخْفِيفِ. ثمَّ قَالَ الشاطبي: وَقَوله: وَفِي قدني وقطني الْحَذف أَيْضا قد يَفِي يُرِيد أَن حذف نون الْوِقَايَة فيهمَا قد يَأْتِي. وإتيانه بقد يَفِي إِشْعَار بِأَنَّهُ مسموع فِي الْكَلَام بل قد يكثر كَثْرَة مَا إِذْ معنى يَفِي يكثر أَي: إِنَّه يكثر فِي السماع فَلَا يكون معدوداً فِي الشواذ وَلَا فِي الضرائر. وَهَذَا تنكيت مِنْهُ على سِيبَوَيْهٍ وَمن قَالَ بقوله: أَن عدم اللحاق يخْتَص بالشع. اه. وَقد تبعه ابْن هِشَام فِي شرح شواهده قَالَ: إِذا جرت الْيَاء بلدن أَو قطّ أَو قد فالغالب إِثْبَات النُّون حفظا للسكون وَقد يتْرك. دَلِيله فِي لدن قَوْله

стр. 2281

تَعَالَى: قد بلَغْتَ من لدني عُذْراً قرئَ مخففاً ومشدداً. وَأما قَول سِيبَوَيْهٍ: إِن ترك النُّون مَعَ لدن ضَرُورَة فمردود بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يُقَال إِنَّهَا جَاءَت على من يَقُول لد وَتَكون النُّون للوقاية لِأَنَّهُ لَا وَجه حِينَئِذٍ لدُخُول النُّون إِذْ لَا سُكُون فيحفظ. وَدَلِيله فِي قد قَوْله: قدني من نصر الخبيبين قدي وَفِي هَذَا نظر وَاضح. وَقد أغرب الْجَوْهَرِي فِي زَعمه أَن لحاق النُّون لقدني على خلاف الْقيَاس. قَالَ: فَأَما قَوْلهم قدك بِمَعْنى حَسبك فَهُوَ اسْم تَقول: قدي وقدني أَيْضا بالنُّون على غير قِيَاس لِأَن هَذِه النُّون إِنَّمَا تزاد فِي الْأَفْعَال. وَاضح الْبطلَان. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: قد الاسمية على وَجْهَيْن: اسْم مرادف لحسب وَالْغَالِب فِيهَا الْبناء يُقَال: قد زيد دِرْهَم وقدني بالنُّون حرصاً على السّكُون. وتعرب بقلة يُقَال: قد زيد دِرْهَم بِالرَّفْع كَمَا يُقَال حَسبه دِرْهَم بِالرَّفْع وقدي بِغَيْر نون كَمَا يُقَال حسبي. وَالْوَجْه الثَّانِي: اسْم فعل مرادفة ليكفي يُقَال: قد زيدا دِرْهَم وقدني دِرْهَم كَمَا يُقَال: يَكْفِي زيدا دِرْهَم ويكفيني دِرْهَم.) وَقَوله: قدني من نصر الخبيبين قدي يحْتَمل قد الأولى أَن تكون مرادفة لحسب على لُغَة الْبناء وَأَن تكون اسْم فعل. وَأما الثَّانِيَة فتحتمل الأول وَهُوَ وَاضح وَالثَّانِي على أَن النُّون حذفت ضَرُورَة وَيحْتَمل أَنه اسْم

стр. 2282

فعل لم يذكر مَفْعُوله فالياء للإطلاق وَالْكَسْر للساكنين اه. وَفِيه أُمُور: أَحدهَا: قَالَ الدماميني: لَو كَانَت مرادفة ليكفي لكَانَتْ فعلا وَاللَّازِم بَاطِل وَلَا أَدْرِي لم جعلهَا بِمَعْنى الْمُضَارع مَعَ أَن مَجِيء اسْم الْفِعْل بِمَعْنَاهُ فِيهِ كَلَام وَابْن الْحَاجِب يأباه. وَقد صرح ابْن قَاسم أَنَّهَا بِمَعْنى كفى. اه. وَالصَّوَاب مَا قَالَه الشَّارِح فِي بَاب اسْم الْفِعْل أَن معنى قدك اكتف وَمعنى قدني لأكتف. فَيكون الأول أمرا للمخاطب وَالثَّانِي أمرا للمتكلم نَفسه. وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة الوضوح. ثَانِيهَا: إِذا كَانَت قد فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى يَكْفِي فَأَيْنَ فاعلها ثَالِثهَا: يرد على قَوْله إِن الْيَاء للإطلاق والكسرة للساكنين قَول شَارِحه الدماميني: إِن حرف الْإِطْلَاق حرف مد يتَوَلَّد من إشباع حَرَكَة الروي فَلَا وجود لَهُ إِلَّا بعد تَحْرِيك الروي فَإِذن لم يلتق ساكنان. اه. وَقد أعَاد ابْن هِشَام هَذَا الْكَلَام فِي شرح شواهده فَقَالَ: الشَّاهِد فِي قَوْله قدني بإلحاق النُّون. وَأما قدي فَقَالَ الشَّارِح يَعْنِي ابْن النَّاظِم وَغَيره: إِنَّه شَاهد على ترك النُّون. وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا لجَوَاز أَن يكون أَصله قد ثمَّ ألحق يَاء للقافية وَكسر الدَّال للساكنين. وَإِنَّمَا شَاهد الْحَذف قَوْله: الطَّوِيل قدي الْآن من وجدٍ على هَالك قدي

стр. 2283

وَلَا يخفى فَسَاد قَوْله ثمَّ ألحق يَاء للقافية فَإِنَّهَا دالية لَا يائية. وَقَوله: من نصر الخبيبين من مُتَعَلقَة ب قدني لِأَنَّهُ بِمَعْنى لأكتف كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح فِي بَاب اسْم الْفِعْل. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن قدني مُبْتَدأ بِمَعْنى حسبي وَالْجَار وَالْمَجْرُور خَبره وَأَن الْمَعْنى حسبي من نصْرَة هذَيْن الرجلَيْن أَي: لَا أنصرهما بعد. قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: وَيجوز أَن يكون النَّصْر هُنَا بِمَعْنى الْعَطِيَّة كَقَوْل بعض السُّؤَال: من ينصرني ينصره الله وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: مَنْ كَانَ يظنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّه وعَلى هَذَا) فالإضافة للْفَاعِل: ويرجح الأول أَنه لم يفرد أَبَا خبيب بِالذكر وَإِنَّمَا يكون الْعَطاء غَالِبا من ولي الْأَمر. اه. والخبيبين قيل مثنى خبيب وَقيل: جمع خبيب. فعلى الأول الْبَاء الثَّانِيَة مَفْتُوحَة وعَلى الثَّانِي مَكْسُورَة. وخبيب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْمُوَحدَة: مصغر خب. وخبيب هُوَ ابْن عبد الله بن الزبير. وَكَانَ عبد الله يكنى بِأبي خبيب. قَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شحر شَوَاهِد الْمفصل: وكنيته الْمَشْهُورَة أَبُو بكر وَكَانُوا إِذا أَرَادوا ذمه كنوه بِأبي خبيب. وَفِي حَاشِيَته: لَعَلَّه للإشعار بِكَوْنِهِ مَنْقُولًا من مصغر الخب بِالْكَسْرِ وَهُوَ الرجل الخداع. وَقَالَ ابْن المستوفي فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: أَرَادَ بالخبيبين مثنى عبد الله ومصعباً ابْن الزبير. وَخَالف مَا جَاءَ للْعَرَب من نَحوه مثل العمرين يُرِيدُونَ أَبَا بكر

стр. 2284

وَعمر للخفة والقمرين للشمس وَالْقَمَر لتغليب الْمُذكر لِأَن عبد الله بن الزبير يكنى أَبَا خبيب باسم وَلَده وَأَبا بكر فَإِذا ذموه قَالُوا أَبُو خبيب. قَالَ فضَالة بن شريك: الوافر (أرى الْحَاجَات عِنْد أبي خبيبٍ ... نكدن وَلَا أميّة بالبلاد) فعلى مَا ذكره الشَّاعِر يَنْبَغِي أَن يُرِيد بِهِ خبيباً وَاحِد إخْوَته من بني عبد الله بن الزبير وهم: حَمْزَة وثابت وَعباد وَقيس وعامر ومُوسَى. اه. وَلَا يخفى أَن هَذِه الْإِرَادَة غير مُنَاسبَة لما سَيَجِيءُ. وَأورد الْمبرد هَذَا الْبَيْت عِنْد ذكر الْخَوَارِج وَقَالَ: يُرِيد خبيباً وَمن مَعَه. وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْوَلِيد الوقشي فِي حَاشِيَته على الْكَامِل: هَذَا خطأ إِنَّمَا يُرِيد أَبَا خبيب وَهُوَ عبد الله بن الزبير. وأنشده الْمبرد فِي أَوَائِل الْكَامِل أَيْضا وَقَالَ: أَرَادَ عبد الله ومصعباً ابْني الزبير وَإِنَّمَا أَبُو خبيب عبد الله. وَكتب أَبُو الْوَلِيد فِي حَاشِيَته هُنَا أَيْضا: أنْشدهُ فِي ذكر الْخَوَارِج: الخبيبيين جمعا وَقَالَ: يُرِيد خبيباً وَمن مَعَه كَقِرَاءَة

стр. 2285

من قَرَأَ: سَلام على الياسين قَالَ: فَإِنَّمَا يُرِيد إلْيَاس وَمن كَانَ مَعَه على دينه. كَذَا وَقع هُنَا يُرِيد خبيباً وَإِنَّمَا هُوَ يُرِيد أَبَا خبيب على كنيته الْأُخْرَى الْمَشْهُورَة ذَهَابًا إِلَى نِسْبَة الخب إِلَيْهِ. اه.) وَنقل ابْن المستوفي عِنْد شرح قَوْله: بَصِير بِمَا أعيا النّطاسيّ حذيما وَالْأَصْل ابْن حذيم. عَن الْخَوَارِزْمِيّ: أَن هَذَا لَيْسَ من بَاب الْحَذف إِنَّمَا هُوَ من بَاب تعدِي اللقب من الْأَب إِلَى الابْن كَمَا فِي قَوْله: الطَّوِيل كراجي النّدى وَالْعرْف عِنْد المذلّق أَي: ابْن المذلق أَلا ترى أَنه يُقَال: أفلس من ابْن المذلق. وَمِنْه: قدني من نصر الخبيبين قدي وَنقل ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد عَن ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل رد رِوَايَة التَّثْنِيَة بِأَن الشَّاعِر قَالَ هَذَا الشّعْر عِنْد حِصَار طَارق وَمصْعَب مَاتَ قبل ذَلِك بسنين اه. وَلم أر لِابْنِ السَّيِّد شَيْئا من شَرحه على هَذَا الْبَيْت فِي الْمَوْضِعَيْنِ من الْكَامِل. وَذكر الْعَيْنِيّ للتثنية وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن المُرَاد عبد الله وَأَخُوهُ مُصعب.

стр. 2286

وَثَانِيهمَا: أَن المُرَاد عبد الله وَابْنه خبيب الْمَذْكُور. وعَلى هَذَا الثَّانِي لَا يرد الرَّد الْمَذْكُور عَن ابْن السَّيِّد. وَرَوَاهُ جمَاعَة بِفَظٍّ الْجمع وَمِنْهُم أَبُو زيد فِي نوادره قَالَ: أَرَادَ الخبيبيين فَحذف يَاء النِّسْبَة وَأورد لَهُ نَظَائِر. وَمِنْهُم يَعْقُوب بن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح شواهده: الخبيبين جمع يُرِيد بِهِ عبد الله بن الزبير وَأَصْحَابه وجعلهم كَأَن كل رجل مِنْهُم خبيب. وَمثل هَذَا يفعل كثيرا يَقُولُونَ الأشعرون إِذا نسبوا إِلَى الْأَشْعر كَأَنَّهُمْ جمعُوا رجَالًا كل اسْم رجل مِنْهُم أشعر وَإِنَّمَا أشعر الَّذِي أضيفوا إِلَيْهِ فَصَارَ الخبيبين فِي مَوضِع الخبيبيين والأشعرون فِي مَوضِع الْأَشْعَرِيين فحذفوا يَاء النِّسْبَة وَجعلُوا الِاسْم كَأَنَّهُ لكل وَاحِد من المنسوبين. اه. وَمِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة نَقله عَنهُ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد. وَمِنْهُم أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي تَفْسِير الْقُرْآن قَالَ: إِنَّمَا يُرِيد أَبَا خبيب عبد الله ابْن الزبير فَجَمعه على أَنه من كَانَ مَعَه على مذْهبه دَاخل فِيهِ. وَمِنْهُم ابْن جني فِي الْمُحْتَسب فِي سُورَة الصافات عِنْد قِرَاءَة ابْن مُحَيْصِن: وَإِن الياس بِغَيْر همز سَلام على الياسين بِغَيْر همز. قَالَ: فَأَما الياس مَوْصُول الْألف فَإِن الِاسْم مِنْهُ ياس بِمَنْزِلَة بَاب) وَدَار ثمَّ لحقه لَام التَّعْرِيف. والياسين على هَذَا كَأَنَّهُ على إِرَادَة يَاء النّسَب كَأَن الياسيين كَمَا

стр. 2287

حكى عَنْهُم صَاحب الْكتاب: الأشعرون والنميرون يُرِيد الْأَشْعَرِيين والنمريين. وروينا عَن قطرب عَنْهُم: هَؤُلَاءِ زيدون منسوبون إِلَى زيد بِغَيْر يَاء النِّسْبَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هلك اليزيدون يُرِيد: ثَلَاثَة يزيديين. وَقد يجوز أَن يكون جعل كل وَاحِد مِنْهُم من أهل الياس ياساً فَقَالَ الياسين كَقَوْلِه: قدني من نصر الخبيبين قدي يُرِيد أَبَا خبيب وَأَصْحَابه كَأَنَّهُ جعل كل وَاحِد مِنْهُم خبيباً. اه. يفهم صَنِيعه أَنه إِذا جعل كل وَاحِد مِنْهُم خبيباً لَا يكون على تَقْدِير يَاء النِّسْبَة وَإِذا كَانَ على تقديرها يُرَاد أَصْحَاب أبي خبيب فَقَط وَلَا يدْخل أَبُو خبيب فيهم. كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد التوزي: من أنْشدهُ بِالْجمعِ يُرِيد أَصْحَاب ابْن الزبير كَمَا يُقَال المهالبة. وَحقه الخبيبيين بِالتَّشْدِيدِ وَلكنه حذف يَاء النِّسْبَة نَقله عَنهُ صَاحب كتاب التفسح فِي اللُّغَة. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن هِشَام فِي شرح شواهده قَالَ: يرْوى الخبيبين مثنى على إِرَادَة عبد الله وأخيه مُصعب ويروى على الْجمع على إِرَادَة عبد الله وَمن على رَأْيه وَكِلَاهُمَا تَغْلِيب. وَيحْتَمل على الْجمع أَن يُرِيد مُجَرّد أَصْحَاب عبد الله على أَن الأَصْل الخبيبيين ثمَّ حذفت الْيَاء وَهَذَا خلاف مَا تقدم عَن ابْن السيرافي وَخلاف قَول أبي عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري قَالَ: من أنْشدهُ على الْجمع أَرَادَ الخبيبيين وَنسب إِلَى

стр. 2288

أبي خبيب يُريدهُ وَيُرِيد شيعته. وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ: سَلام على الياسين أَرَادَ النّسَب إِلَى الياس. وَمن أنْشد على التَّثْنِيَة أَرَادَ عبد الله ومصعباً فثناهما كَمَا قَالُوا: العجاجان. اه. وَيُؤَيّد كَلَام ابْن جني وَمن تبعه صَنِيع الْمبرد فِي الْكَامِل قَالَ عِنْد ذكر الْخَوَارِج: بَاب للنسب وَهُوَ أَن يُسمى كل وَاحِد مِنْهُم باسم الْأَب إِذا كَانُوا إِلَيْهِ ينسبون. وَنَظِيره المهالبة والمسامعة والمناذرة وَيَقُولُونَ: جَاءَنِي النميرون والأشعرون جعل كل وَاحِد مِنْهُم نميراً وأشعر. فَهَذَا يتَّصل فِي الْقَبَائِل. وَقد تنْسب الْجَمَاعَة إِلَى الْوَاحِد على رَأْي أودين فَيكون لَهُ مثل نسب الْولادَة كَمَا قلت: أزرقي لمن كَانَ على رَأْي ابْن الْأَزْرَق كَمَا تَقول تميمي وقيسي لمن وَلَده تَمِيم وَقيس. وَمن قَرَأَ: سَلام على الياسين فَإِنَّمَا يُرِيد الياس ﵇ وَمن كَانَ على دينه كَمَا قَالَ:) قدني من نصر الخبيبيين قدي يُرِيد أَبَا خبيب وَمن مَعَه. اه. وَقَوله: قدي تَأْكِيد للْأولِ. وَلَيْسَ الإِمَام الخ أَرَادَ بِالْإِمَامِ الْخَلِيفَة وَعرض بِعَبْد الله بن الزبير فَإِنَّهُ كَانَ بَخِيلًا. وَالشح: الْبُخْل. وشح يشح من بَاب قتل وَفِي لُغَة من بَابي ضرب وتعب فَهُوَ شحيح من

стр. 2289

قوم أشحاء. والملحد قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: من ألحد فِي الْحرم بِالْألف إِذا اسْتحلَّ حرمته وانتهكها. وألحد إلحاداً: جادل ومارى. ولحد بِلَا ألف بِمَعْنى جَار وظلم. والبيتان من أرجوزة لحميد الأرقط. قَالَ ابْن المستوفي: ويروى: لَيْسَ أَمِيري بالظلوم الملحد وَلم أر الْبَيْت الأول فِي ديوانه. وأولها: الرجز (لَيْسَ الإِمَام بالشّحيح الملحد ... وَلَا بوبرٍ بالحجاز مقرد) (إِن ير بِالْأَرْضِ الفضاء يصطد ... وينجحر فالجحر شرّ محكد) وَهِي أَرْبَعَة أَبْيَات. اه. وَكَذَلِكَ أورد الأبيات القالي فِي أَمَالِيهِ وَلم يُورد بَيت قدني. وَأورد أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي أبياتاً ثَلَاثَة قبلهَا قَالَ: يمدح الْحجَّاج وَهِي: الرجز ...

стр. 2290

(أَو تردي حَوْض أبي محمّد ... لَيْسَ الْأَمِير بالشّحيح الملحد) إِلَى آخر الأبيات وَقَالَ: هَذَا تَعْرِيض بِابْن الزبير فِي قَوْله: بالشحيح الملحد يُرِيد أَنه ألحد فِي الْحرم. وَفِي قَوْله: وَلَا بوبر بالحجاز مقرد. والوبر بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْمُوَحدَة وَآخره رَاء مُهْملَة: دويبة مثل السنور طحلاء اللَّوْن حَسَنَة الْعَينَيْنِ لَا ذَنْب لَهَا تُوجد فِي الْبيُوت. والمقرد: اللاصق من جزع أَو ذل. وَقَوله: حَتَّى تحسري وتلهدي يُقَال: لهد الْبَعِير يلهد إِذا عض الْحمل غاربه وسنامه حَتَّى يؤلمه. انْتهى.) وَقَوله: قلت لعنسي الخ العنس بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون: النَّاقة الصلبة وعجلى: مؤنث عجلَان. وتعتدي من الْعَدو. وتحسري: مضارع حسر بِالْفَتْح يحسر بِالْكَسْرِ حسوراً إِذا أعيا. وتلهدي يُقَال: لهد الْبَعِير يلهد إِذا عض الْحمل غاربه وسنامه حَتَّى يؤلمه. ولهده الْحمل أَي: أثقله. قَالَ الْأَصْمَعِي: لهد الْقَوْم دوابهم: أجهدوها وأتعبوها. وَقَوله: أَو تردي الخ أَو بِمَعْنى إِلَى أَو إِلَّا. وتردي من الْورْد مَنْصُوب بِحَذْف النُّون بِأَن مضمرة وَقَوله وَلَا بوبر الخ قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: الْوَبر بِسُكُون الْبَاء: دويبة على قدر السنور غبراء أَو بَيْضَاء حَسَنَة الْعَينَيْنِ شَدِيدَة الْحيَاء

стр. 2291

حجازية وَالْأُنْثَى وبرة. وَيُشبه بهَا تحقيراً. اه. وَضَبطه الْعَيْنِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي آخِره نون بِمَعْنى واتن. يَعْنِي: وَلَا بدائم ثَابت بِأَرْض الْحجاز. وَيُقَال للْمَاء الْمعِين الدَّائِم الَّذِي لَا يذهب: واتن وَكَذَلِكَ بِمَعْنَاهُ واثن بِالْمُثَلثَةِ. هَذَا كَلَامه. وَهَذَا تَحْرِيف مِنْهُ قطعا ومقرد: اسْم فَاعل من أقرد بِالْقَافِ بِمَعْنى ذل وخضع وَقَالَ الْجَوْهَرِي: أقرد أَي: سكن وتماوت. وروى: مُفْرد بِالْفَاءِ على أَنه اسْم مفعول من أفردته إِذا عزلته. وَقَوله: إِن ير يَوْمًا الخ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة صفة لوبر ونائب الْفَاعِل فِي ير ضمير الْوَبر. والفضاء بِالْفَاءِ. ويصطد بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. وَقَوله: وينجحر الخ قَالَ صَاحب الصِّحَاح: الْجُحر بِضَم الْجِيم: وَاحِد الجحرة والأجحار. وأجحرته أَي: ألجأته إِلَى أَن دخل جُحْره فانجحر. وفاعل ينجحر ضمير الْوَبر أَيْضا. والمحكد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر الْكَاف: الأَصْل وَيُقَال لَهُ المحتد أَيْضا بِكَسْر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة. وَحميد الأرقط: شَاعِر إسلامي من شعراء الدولة الأموية وَهُوَ معاصر الْحجَّاج. وَهُوَ حميد بن مَالك بن ربعي بن مخاشن بن قيس بن نَضْلَة بن أحيم ابْن بَهْدَلَة بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَقيل: هُوَ أحد بني ربيعَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وهم ربيعَة الْجُوع. وَسمي الأرقط لآثار كَانَت بِوَجْهِهِ. والرقط النقط. والرقطة: سَواد يشوبه نقط. والأرقط من الْغنم: مثل) الأبغث. والأرقط: النمر.

стр. 2292

وَلم أر تَرْجَمَة حميد هَذَا فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة وَلَا فِي المؤتلف والمختلف للآمدي وَلَا فِي الأغاني فِيمَا يحضرني مِنْهُ. وَإِنَّمَا نقلت تَرْجَمته من الْأَنْسَاب. وَقيل قَائِل الشّعْر الْمَذْكُور أَبُو بجلة قَالَه ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل وَلَا أعرف هَذَا. وَالله أعلم. وَأنْشد بعده: إِذْ ذهب الْقَوْم الْكِرَام ليسي وأوله: عددت قومِي كعديد الطّيس وَأنْشد بعده: وَلَيْسَ حاملني إِلَّا ابْن حمّال أَوله: أَلا فَتى من بني ذبيان يحملني وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الْإِضَافَة.

стр. 2293

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع بعد الأربعمائة: الوافر (وكائن بالأباطح من صديقٍ ... يراني لَو أصبت هُوَ المصابا) على أَن رُبمَا وَقع ضمير الْفَصْل بِلَفْظ الْغَيْبَة بعد حَاضر لقِيَامه مقَام مُضَاف غَائِب أَي: يرى مصابي هُوَ الْمُصَاب. بَيَانه: أَن هُوَ فصل وَقع بعد ضمير الْحَاضِر أَي: الْمُتَكَلّم فَكَانَ حَقه فِي الظَّاهِر أَن يَقُول: يراني أَنا الْمُصَاب لِأَن ضمير الْفَصْل يجب أَن يكون وفْق مَا قبله فِي الْغَيْبَة وَالْخطاب التَّكَلُّم لِأَن فِيهِ نوعا من التوكيد تَقول: علمت زيدا هُوَ المنطلق وعلمتك أَنْت المنطلق وعلمتني أَنا المنطلق. وَحِينَئِذٍ يتَوَجَّه عَلَيْهِ سؤالان: أَحدهمَا: كَيفَ وَقع ضمير الْغَيْبَة بعد ضمير الْمُتَكَلّم وَحقّ الْفَصْل أَن يكون وفقاً لما قبله وَثَانِيهمَا: أَن الْمَفْعُول الثَّانِي فِي بَاب علم يجب أَن يكون مُوَافقا للْمَفْعُول الأول فِي الماصدق فَكيف يَصح حمل الْمُصَاب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْمُصِيبَة على الْيَاء فِي يراني وَأجَاب الشَّارِح الْمُحَقق عَنْهُمَا بِمَا ذكره وَهُوَ أَن الضَّمِير الْحَاضِر وَهُوَ الْيَاء قَائِم مقَام الْمُضَاف الْغَائِب أَي: يرى مصابي هُوَ الْمُصَاب. وَالْمعْنَى يرى مصابي هُوَ الْمُصَاب الْعَظِيم وَيسْقط بِهَذَا الْجَواب السؤالان. وَوجه قيام الْيَاء مقَام الْمُضَاف أَن مفعول يرى فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمُضَاف الْمَحْذُوف وَالْيَاء مُضَاف إِلَيْهِ فَلَمَّا حذف الْمُضَاف قَامَ الْيَاء الْمَجْرُور محلا مقَام

стр. 2294

ذَلِك الْمُضَاف الْمَنْصُوب على المفعولية فالفصل مُطَابق للمحذوف لَا للقائم مقَامه. وَإِنَّمَا وصف الْمُضَاف بالغائب لِأَنَّهُ اسْم ظاه وَهُوَ فِي حكم الْغَائِب وَلِهَذَا يعود ضمير الْغَيْبَة إِلَيْهِ. والمصاب على هَذَا مصدر ميمي كَقَوْلِهِم: جبر الله مصابك أَي: مصيبتك. وَإِنَّمَا وصف الْمُصَاب بالعظيم لتحصل الْفَائِدَة وَمثله فِي حذف الصّفة: الْآن جِئْت بِالْحَقِّ أَي: بالواضح وَإِلَّا لكفروا بِمَفْهُوم الظّرْف إِذْ يكون الْمَعْنى: وَقبل الْآن لم يجِئ بِالْحَقِّ فَيكون إنكاراً لما جَاءَ بِهِ أَولا. وَيجوز أَن لَا تقدر الصّفة ويكتفي بالفائدة الْحَاصِلَة من الْحصْر وَالْمعْنَى لَو أصبت يرى مصيبتي هِيَ الْمُصِيبَة وَلَا يعد غَيرهَا مُصِيبَة وَذَلِكَ من تَأَكد صداقته لَا يكترث بمصيبة غَيْرِي وَلَا يهتم لَهَا.) ولصحة الْمَعْنى هُنَا لم يقدر الشَّارِح الْمُحَقق الصّفة. فَللَّه دره مَا أدق نظره وَهَذَا الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَيْت أحد تخريجين لأبي عَليّ الْفَارِسِي ذكرهمَا فِي إِيضَاح الشّعْر قَالَ: يجوز أَن يكون التَّقْدِير فِي يراني يرى مصابي أَي: مصيبتي وَمَا نزل بِي الْمُصَاب كَقَوْلِك: أَنْت أَنْت ومصيبتي الْمُصِيبَة. أَي: مَا عداهُ جلل هَين فَيكون هُوَ فصلا بَين الْمُضَاف الْمُقدر وَبَين الظَّاهِر. وَاقْتصر على هَذَا التَّخْرِيج ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ ثمَّ قَالَ: وَلَو أَنه قَالَ: يرَاهُ لَو أصبت هُوَ المصابا فَأَعَادَ الْهَاء من يرَاهُ إِلَى الصّديق وَالْمعْنَى يرى نَفسه كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: إنَّ الْإِنْسَان ليَطْغَى أنْ رآهُ استَغْنى لسقط الِاعْتِرَاض وَاسْتغْنى عَن تَقْدِير الْمُضَاف ولكان الْمُصَاب اسْم مفعول من قَوْلك:

стр. 2295

أُصِيب زيد فَهُوَ مصاب. وَلَكِن الْمَرْوِيّ: يراني. انْتهى. أَقُول: لم يرو الْأَخْفَش فِي كتاب المعاياة إِلَّا: يرَاهُ لَو أصبت هُوَ المصابا بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَضمير الْغَائِب. وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويروى: يرَاهُ أَي: يرى نَفسه وتراه بالخطا وَلَا إِشْكَال حِينَئِذٍ وَلَا تَقْدِير. والمصاب حِينَئِذٍ اسْم مفعول لَا مصدر. وَلم يطلع على هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ بَعضهم فَقَالَ: وَلَو أَنه قَالَ يرَاهُ لَكَانَ حسنا أَي: يرى الصّديق نَفسه مصاباً إِذا أصبت. اه. والتخريج الآخر الَّذِي ذكره أَبُو عَليّ: أَن يكون تَأْكِيدًا لمستتر فِي يراني لَا فصلا. قَالَ: مَوضِع هُوَ رفع لكَونه تَأْكِيدًا للضمير الَّذِي فِي يراني لِأَن هُوَ للْغَائِب وَالْمَفْعُول الأول فِي يراني للمتكلم والفصل إِنَّمَا يكون الأول فِي الْمَعْنى كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: أَنا أقلُّ مِنْكَ مَالا وولَداً. أَلا ترى أَن أَنا هُوَ الْمَفْعُول الأول الْمعبر عَنهُ بني. وَالْمعْنَى: يراني هُوَ المصابا أَي: يراني للصداقة الْمُصَاب لغلظ مصيبتي عَلَيْهِ للصداقة وَلَيْسَ كالعدو أَو الْأَجْنَبِيّ الَّذِي لَا يهمه ذَاك. اه. فالمصاب على هَذَا اسْم مفعلو لَا مصدر. وَبَقِي تَخْرِيج ثَالِث نَقله ابْن هِشَام عَن بَعضهم فِي الْمُغنِي وَهُوَ أَن يَجْعَل هُوَ فصلا للياء. وَوَجهه بِأَنَّهُ لما كَانَ عِنْد صديقه بِمَنْزِلَة نَفسه حَتَّى كَانَ إِذا أُصِيب كَأَن صديقه قد أُصِيب فَجعل ضمير الصّديق بِمَنْزِلَة ضَمِيره لِأَنَّهُ نَفسه فِي الْمَعْنى. اه. وَزعم ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ أَن الرِّوَايَة: لَو أُصِيب هُوَ المصابا

стр. 2296

وَقَالَ: شَرط الْفَصْل أَن يَأْتِي على طبق الْخَبَر فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون أَنا لِأَن الْمُصَاب مفعول ثَان ليراني وَالْمَفْعُول الأول الْيَاء) وَهِي للمتكلم وَالْمَفْعُول الثَّانِي هُوَ الأول فِي الْمَعْنى فَكَانَ يجب أَن يكون الْفَاصِل على الْقيَاس أَنا. وَوَجهه أَنه لَيْسَ على الْفَصْل بل هُوَ تَأْكِيد للضمير الْمُسْتَتر فِي يراني أَو للضمير فِي أُصِيب. وَأما إِن قدر لَو أصبت لم يستقم الْمَعْنى إِذْ تَقْدِيره يراني مصاباً إِذا أصابتني مُصِيبَة. وَلَا يخبر بِمثل ذَلِك عَاقل إِذْ لَا يتَوَهَّم خِلَافه. اه. فالمصاب الْمَذْكُور عِنْده اسْم مفعول لَا مصدر. وَقد خَفِي هَذَا على ابْن هِشَام فَقَالَ فِي الْمُغنِي بعد نقل كَلَامه. وعَلى مَا قدمْنَاهُ من تَقْدِير الصّفة لَا يتَّجه الِاعْتِرَاض. قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: الصّفة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا إِنَّمَا قدرهَا على جعل الْمُصَاب مصدرا لَا اسْم مفعول وَكَلَام ابْن الْحَاجِب فِيمَا إِذا كَانَ الْمُصَاب اسْم مفعول لَا مصدرا وَلذَلِك جعله مَفْعُولا ثَانِيًا ليرى وَالْمَفْعُول الأول هُوَ الْيَاء وَلَوْلَا ذَلِك لما صَحَّ بِحَسب الظَّاهِر. والاعتراض الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب غير مُتَّجه مَعَ الْإِعْرَاض عَن تَقْدِير الصّفة وَذَلِكَ لِأَن مبناه على أَن يكون مصاباً اسْم مفعول نكرَة وَالْوَاقِع فِي الْبَيْت لَيْسَ نكرَة بل هُوَ معرف بأل والحصر مُسْتَفَاد من التَّرْكِيب كَقَوْلِك: زيد هُوَ الْفَاضِل لَا غَيره. وَكَذَا الْمَعْنى فِي الْبَيْت أَي: لَو أصبت رَآنِي الْمُصَاب بِمَعْنى أَنه لَا يرى الْمُصَاب إِلَّا إيَّايَ دون غَيْرِي كَأَنَّهُ لعظم مَكَانَهُ عِنْده وَشدَّة صداقته لَهُ تتلاشى عِنْده مصائب غير صديقه فَلَا يرى غَيره مصابا وَلَا يرى الْمُصَاب إِلَّا إِيَّاه مُبَالغَة. فَالْمَعْنى صَحِيح مُتَّجه كَمَا رَأَيْت بِدُونِ تَقْدِير صفة. اه.

стр. 2297

وَقَوله: لَو أصبت جملَة مُعْتَرضَة بَين مفعولي يرى وَجَوَاب لَو مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله ويراني بِمَعْنى يعلمني وفاعله ضمير صديق وَالْجُمْلَة خبر كَائِن. وبالأباطح كَانَ فِي الأَصْل صفة لصديق فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ. وَمن صديق تَمْيِيز لكائن وتمييزها مجرور ب من فِي الْغَالِب. وكائن هُنَا خبرية لإِفَادَة التكثير ككم الخبرية. وَرَوَاهُ الْأَخْفَش فِي المعاياة: وَكم لي فِي الأباطح من صديق وَأوردهُ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وكائن من نبيٍّ قُتِلَ مَعَهُ ربِّيُّون كثيرٌ. قَالَ: وكائن على وزن فَاعل وَأكْثر مَا جَاءَ الشّعْر على هَذِه اللُّغَة. ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت مَعَ أَبْيَات أخر.) والأباطح: جمع أبطح وَهُوَ مسيل وَاسع للْمَاء فِيهِ دقاق الْحَصَى. وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير بن الخطفى مدح بهَا الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ. وَبعده: وَمِنْهَا: (إِذا سعر الْخَلِيفَة نَار حربٍ ... رأى الحجّاج أثقبها شهابا)

стр. 2298

ومطلع القصيدة: (سئمت من المواصلة العتابا ... وَأمسى الشّيب قد ورث الشّبابا) وَمعنى وراثة الشيب الشَّبَاب حُلُوله مَحَله فَإِن الْوَارِث يحل مَحل الْمَوْرُوث. وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب. وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَامِس بعد الأربعمائة: الطَّوِيل هُوَ الْبَيْت حتّى مَا تأنّى الحزائق تَمَامه: وَيَا قلب حتّى أَنْت ممّن أُفَارِق على أَنه قد يخبر عَن ضمير الْأَمر المستبهم تَقْديرا بالمفرد كَمَا أخبر ب الْبَين. هُنَا عَن هُوَ كَأَنَّهُ قيل: أَي شَيْء وَقع من المصائب فَقَالَ: هُوَ الْبَيْت. وَقَوله: حَتَّى مَا تأنى مَبْنِيّ على مَا يفهم من استعظام أَمر الْبَين الْمُسْتَفَاد من الضَّمِير أَي: ارتقي أَمر الْبَين فِي الصعوبة حَتَّى لَا تتأنى جماعات الْإِبِل أَيْضا. وَفِي هَذَا رد على الواحدي فِي زَعمه أَن هَذَا الضَّمِير من قبيل مَا فسر بجملة. وَهَذِه عِبَارَته: هُوَ كِنَايَة عَن الْبَين يسمون مَا كَانَ من مثل هَذَا الْإِضْمَار على شريطة التَّفْسِير كَقَوْلِه تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللهُ أحَد

стр. 2299

وَقَوله تَعَالَى: فإنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصَار وَقَول الشَّاعِر: هِيَ النَّفس مَا حملتها تتحمَّلُ وَمثله كثير. اه.) وَقَالَ الْمُبَارك بن المستوفي فِي النظام: قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن عَليّ: يَقُول: الْحق والشأن هُوَ الْفِرَاق لَا الِاجْتِمَاع كَأَنَّهُ نظر فِيهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: الَّذِي خلقَ الموتَ والحياةَ فَقدم الْمَوْت لِأَن الِانْتِهَاء إِلَيْهِ والأمور بخواتمها. وَهَذَا تَفْسِير بعيد من معنى الْبَيْت وَتَقْدِير ضمير الشَّأْن بِمَا قدره بِهِ يغاير مَا قدره النحويون. اه. وتأنى أَصله تتأنى بتاءين مضارع من التأني وَهُوَ التلبث والخزائق: جمع حزيق بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الْقَامُوس: الحزيق والحزيقة والحزاقة: الْجَمَاعَة وَالْجمع الحزائق. وَالظَّاهِر أَنه بِمَعْنى الْجَمَاعَة مُطلقًا لَا بِمَعْنى جمَاعَة الْإِبِل كَمَا صرح بِهِ الشَّارِح. وَيدل لما قُلْنَا كَلَام شراحه. قَالَ ابْن جني: تأنى تمكث. والحزائق: جمع حزيق وَهُوَ الْجَمَاعَة. وَقَالَ أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ: أَي هَذَا الَّذِي تشتكيه هُوَ الْبَين حَتَّى لَا مكث للجماعات فِي التَّفَرُّق بل لَهَا إسراع وعجلة. ثمَّ الْتفت إِلَى خطاب قلبه أَي: أَنْت أَيْضا مَعَ علقتك فِي الْمُوجبَة لقربك أَنْت مفارق. وَحَتَّى فِي الْمَوْضِعَيْنِ ابتدائية. وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْن جني بقوله: مَعْنَاهُ يفارقني كل وَاحِد حَتَّى أَنْت مفارقي كَمَا قَالَ الفرزدق:

стр. 2300

الطَّوِيل فيا عبجاً حتّى كليبٌ تسبّني أَي: يسبني كل أحد حَتَّى كُلَيْب تسبني. قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: حَتَّى الابتدائية حرف يبتدأ بعده الْجمل أَي: يسْتَأْنف. فَيدْخل على الْجُمْلَة الاسمية والفعلية قَالَ الفرزدق: فيا عجبا حتّى كُلَيْب تسبّني وَلَا بُد من تَقْدِير مَحْذُوف قبل حَتَّى من هَذَا الْبَيْت يكون مَا بعد حَتَّى غَايَة لَهُ أَي: فواعجبا يسبني النَّاس حَتَّى كُلَيْب تسبني. اه. قَالَ الواحدي: وَمعنى الْبَيْت: هُوَ الْبَين الَّذِي فرق كل شَيْء حَتَّى لَا يتمهل وَلَا يتأنى الْجَمَاعَات أَن يتفرقوا إِذا جرى حكم الْبَين فيهم. ثمَّ خَاطب قلبه: وَأَنت أَيْضا على مَالك من علائق الْقرب مِمَّن أفارقه يَعْنِي: الْأَحِبَّة إِذا فارقوني ذهب الْقلب مَعَهم ففارقني وفارقته. اه. وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لأبي الطّيب المتنبي مدح بهَا الْحُسَيْن بن إِسْحَاق التنوخي.) وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْوَاحِد وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة. وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد الْمفصل:

стр. 2301

الطَّوِيل (على أنّها تعفوا الكلوم وإنّما ... نوكّل بالأدنى وَإِن جلذ مَا يمْضِي) على أَن الضَّمِير فِي أَنَّهَا ضمير الْقِصَّة. فِي التسهيل وَشَرحه لِابْنِ عقيل: وإفراده لَازم لِأَن مفسره مَضْمُون الْجُمْلَة. وَهُوَ مُفْرد. وَكَذَا تذكيره. وَالْمَنْقُول عَن الْبَصرِيين جَوَاز التَّأْنِيث لإِرَادَة الْقِصَّة وَعَن الْكُوفِيّين الْمَنْع مَا لم يَله مؤنث نَحْو: إِنَّهَا جاريتاك ذاهبتان وَإِنَّهَا نساؤك ذاهبات أَو مُذَكّر شبه بِهِ مؤنث نَحْو: إِنَّهَا قمر جاريتك أَو فعل بعلامة تَأْنِيث كَقَوْلِه تَعَالَى: فإنَّها لَا تَعمَى الْأَبْصَار. فيرجح تأنيثه بِاعْتِبَار الْقِصَّة على تذكيره بِاعْتِبَار الشَّأْن. فَيجوز فِي هَذِه الْمسَائِل الثلالث: التَّذْكِير والتأنيث لَكِن الرَّاجِح التَّأْنِيث لِأَن فِيهِ مشاكلةً تحسن اللَّفْظ وَلَا يخْتَلف الْمَعْنى بذلك إِذْ الْقِصَّة والشأن بِمَعْنى وَاحِد. اه. وَتَعْفُو هُنَا فعل لَازم بِمَعْنى تدرس وتبرأ. والكلوم فَاعله جمع كلم وَهُوَ الْجرْح والحزة وَالْجُمْلَة خبر ضمير الشَّأْن. وَلم يحْتَج إِلَى رابط لِأَنَّهَا نفس الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى. اه. وَالْبَيْت من أَبْيَات لأبي خرَاش الْهُذلِيّ أوردهَا السكرِي فِي أشعار الهذليين وَكَذَلِكَ الْمبرد فِي الْكَامِل وَأَبُو تَمام فِي أول بَاب المراثي من الحماسة. وَكَذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيّ أوردهَا فِي الأغاني والقالي فِي أَمَالِيهِ وَهِي:

стр. 2302

الطَّوِيل (حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجا ... خراشٌ وَبَعض الشّرّ أَهْون من بعض) (فوالله مَا أنسى قَتِيلا رزئته ... بِجَانِب قوسى مَا مشيت على الأَرْض) (على أنّها تَعْفُو الكلوم وإنّما ... نوكّل بالأدنى وَإِن جلّ مَا يمْضِي) (وَلم أدر من ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ ... على أنّه قد سلّ عَن ماجدٍ مَحْض) (ولكنّه قد نازعته مجاوعٌ ... على أنّه ذُو مرّة صَادِق النّهض) عُرْوَة: أَخُو أبي خرَاش وخراش: ابْنه. وَأَخْطَأ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل) وَتَبعهُ شَارِح أَبْيَات الموشح فِي زَعمه أَن عُرْوَة ابْن الشَّاعِر. وخراش بالراء لَا بِالدَّال. وَأَبُو خرَاش اسْمه خويلد بن مرّة وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين. وَكَانَ لأبي خرَاش تِسْعَة إخْوَة مِنْهُم عُرْوَة بن مرّة وَزُهَيْر بن مرّة.

стр. 2303

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: جاور عُرْوَة بن مرّة أَخُو أبي خرَاش الْهُذلِيّ ثمالة من الأزد فَجَلَسَ يَوْمًا بِفنَاء بَيته آمنا لَا يخَاف شَيْئا فاستدبره رجل مِنْهُم بِسَهْم من بني بِلَال فقصم صلبه فَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو خرَاش: (لعن الْإِلَه وُجُوه قومٍ رضّعٍ ... غدروا بِعُرْوَة من بني بلاّل) وأسرت ثمالة خرَاش بن أبي خرَاش فَكَانَ فيهم مُقيما فَدَعَا آسره رجلا مِنْهُم للمنادمة فَرَأى ابْن أبي خرَاش موثقًا فِي الْقد فأمهل حَتَّى قَامَ الآسر لحَاجَة فَقَالَ المدعة لِابْنِ أبي خرَاش: من أَنْت قَالَ: أَنا ابْن أبي خرَاش. فَقَالَ: كَيفَ دليلاك قَالَ: قطاة. قَالَ: فَقُمْ فاجلس ورائي. وَألقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ وَرجع صَاحبه فَلَمَّا رأى ذَلِك أصلت لَهُ السَّيْف فَقَالَ: أسيري فنثر المجير كِنَانَته وَقَالَ: وَالله لأرمينك إِن رمته فَإِنِّي قد أجرته فخلى عَنهُ فجَاء إِلَى أَبِيه فَقَالَ لَهُ: من أجارك فَقَالَ: وَالله مَا أعرفهُ. فَقَالَ أَبُو خرَاش: حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجا الأبيات. وتزعم الروَاة أَنَّهَا لَا تعرف رجلا مدح من لَا يعرف غير أبي خرَاش. وَقَوله: وُجُوه قوم رضع هُوَ جمَاعَة راضع وَقوم يَقُولُونَ: هُوَ توكيد للئيم

стр. 2304

كَمَا يَقُولُونَ جَائِع نائع. وَقوم يَقُولُونَ: الراضع: الَّذِي يرتضع من الضَّرع لِئَلَّا يسمع الضَّيْف وَالْجَار الْحَلب مِنْهُ. وَقَوله: كَيفَ دليلاك فَهُوَ كَثْرَة الدّلَالَة. والفعيلي إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْكَثْرَة. اه. وَقَالَ صَاحب الأغاني: خرج زُهَيْر بن مرّة أَخُو أبي خرَاش مُعْتَمِرًا حَتَّى ورد ذَات الأقير من نعْمَان فَبينا هُوَ يسْقِي إبِلا لَهُ إِذْ ورد عَلَيْهِ قوم من ثمالة فَقَتَلُوهُ فغزاهم أَبُو خرَاش وَقتل مِنْهُم أهل دارين أَي: حلتين من ثمالة ثمَّ إِن عُرْوَة وخراشاً خرجا مغيرين على بطنيني من ثمالة يُقَال لَهما: بَنو رزام وَبَنُو بِلَال بتَشْديد اللَّام الأولى فظفر بهما الثماليون فَأَما بَنو رزام فنهوا عَن) قَتلهمَا وأبت بَنو بِلَال عَن قَتلهمَا حَتَّى كَاد يكون بَينهم شَرّ فَألْقى رجل مِنْهُم ثَوْبه على خرَاش وانحرف الْقَوْم بعد قَتلهمْ عُرْوَة إِلَى الرجل وَكَانُوا سلموه إِلَيْهِ فَقَالُوا: أَيْن خرَاش فَقَالَ: أفلت مني فَذهب. فسعى الْقَوْم فِي أَثَره فَأَعْجَزَهُمْ فَقَالَ أَبُو خرَاش فِي ذَلِك يرثي أَخَاهُ عُرْوَة وَيذكر خلاص ابْنه خرَاش: حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجا ... ... ... ... الأبيات اه. وَذكر التبريزي فِي شرح الحماسة بعد نقل هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَن الْمبرد أَيْضا أَن ملقي الرِّدَاء كَانَ مجتازاً بِعُرْوَة فَرَآهُ بَادِي الْعَوْرَة مصروعاً

стр. 2305

فَفعل بِهِ ذَلِك. قَالَ التبريزي: قد رُوِيَ فِيمَا حُكيَ عَن الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة أَنَّهُمَا قَالَا: لَا نَعْرِف من مدح من لَا يعرفهُ غير أبي خرَاش. وَقد سلك من شعراء الْإِسْلَام مسلكه أَبُو نواس فِي أَبْيَات أَولهَا: الطَّوِيل (وَدَار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بهَا أثرٌ مِنْهُم جديدٌ ودارس) (مساحب من جرّ الزّقاق على الثّرى ... وأضغاث ريحانٍ جنيّ ويابس) (وَلم أدر من هم غير مَا شهِدت لَهُم ... بشرقيّ ساباط الدّيار البسابس) وَقَوله: حمدت إلهي بعد عُرْوَة الخ قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: إِذْ بدل من بعد عُرْوَة وَالْمعْنَى: أشكر الله بعد مَا اتّفق من قتل عُرْوَة على تخلص خرَاش وَبَعض الشَّرّ أخف من الْبَعْض كَأَنَّهُ تصور قَتلهمَا جَمِيعًا لَو اتّفق فَرَأى قتل أَحدهمَا أَهْون. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة وَأَخذه التبريزي فِي شرحها: فَإِن قيل: لَيْسَ فِي الشَّرّ هَين وأفعل هَذَا يسْتَعْمل فِي مشتركين فِي صفة زَاد أَحدهمَا على الآخر فَكيف يجوز هَذَا وَلَا هَين فِي الشَّرّ وَجَوَابه أَن هَذَا كَلَام مَحْمُول على مَعْنَاهُ دون لَفظه وَذَلِكَ أَنه إِن كَانَ هُنَاكَ حَال تهون الشَّرّ من صَبر عَلَيْهِ أَو احتساب أَو طلب ذكر أَو ثَوَاب فَإِنَّهُ أَيْضا مَرَاتِب وَلَيْسَ بجار على سنَن وَاحِد. وَقَالَ التبريزي: قلت إِن للشر مَرَاتِب ودرجات فَإِذا جِئْت إِلَى آحادها

стр. 2306

وَقد تصورت جملها ورتب الْآحَاد فِيهَا وجدت كل نوع مِنْهَا بمضامته للْغَيْر لَهُ حَال فِي الخفة والثقل. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يمْنَع أَن يُوصف مِنْهُ شَيْء بِأَنَّهُ أهوَ من غَيره.) وَقَوله: فو الله مَا أنسى الخ رَوَاهُ الْقَارِي: فو الله لَا أنسى. وقوسى بِالْقَافِ وَالْقصر قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَهُوَ بلد تحله ثمالة بالسراة. وَقَالَ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود وَتَبعهُ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ مَوضِع بِبِلَاد هُذَيْل وَفِيه قتل عُرْوَة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَأَخْطَأ أَبُو عبيد فِي قَوْله: عُرْوَة أَخُو أبي كَبِير. وَقَالَ أَبُو عبيد أَيْضا فِي شرح أمالي القالي: إِن قوسى رَوَاهُ أَبُو عَليّ القالي بِفَتْح الْقَاف وَغَيره يَأْبَى إِلَّا ضمهَا. وَقَالَ فِي مُعْجم مَا استعجم بِفَتْح أَوله وضمه مَعًا. وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: إِن قوسى بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وسين مُهْملَة ثمَّ ألف مَقْصُورَة تكْتب يَاء: بلد بالسراة وَبِه قتل عُرْوَة أَخُو أبي خرَاش الْهُذلِيّ وَنَجَا وَلَده. ورزئته بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: أصبت بِهِ. قَالَ المرزوقي وَتَبعهُ التبريزي: تعلق الْبَاء من قَوْله بِجَانِب بقتيلاً كَأَنَّهُ قَالَ: مَا أنسى قَتِيلا على الأَرْض بِجَانِب قوسى رزئته ورزئته وبجانب جَمِيعًا صفة للقتيل وَقد دخله بعض الِاخْتِصَاص بذكرهما. اه. فَأَرَادَ بالتعلق التَّعَلُّق الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ كَونه صفة كَمَا صرح بِهِ فِي آخر الْكَلَام.

стр. 2307

وَقد غفل عَنهُ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة فَقَالَ: قَالَ المرزوقي فِي الْبَاء من قَوْله بِجَانِب: يتَعَلَّق بقتيلاً. الظَّاهِر أَنه لَا يَعْنِي قَتِيلا الْمَذْكُور لِأَن وَصفه مَانع من إعماله وَإِنَّمَا يَعْنِي قَتِيلا محذوفاً. أَي: رزئته حَالَة كَونه قَتِيلا بِجَانِب قوسى. هَذَا كَلَامه. وَقَوله: مَا مشيت على الأَرْض قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة وَأَخذه التبريزي: مَا مَعَ الْفِعْل فِي تَقْدِير مصدر وَحذف اسْم الزَّمَان مَعَه كَأَنَّهُ قَالَ: مُدَّة مشي على الأَرْض وَإِن أمش على وَفِي الْكَلَام نِيَّة الشَّرْط وَالْجَزَاء. كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أنسى قَتِيلا رزئته إِن مشيت على الأَرْض. وَمَعْنَاهُ إِن بقيت حَيا. فَلذَلِك وَقع الْمَاضِي فِيهِ فِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل لِأَن مَا مشيت على الأَرْض فِي مَوضِع مَا أَمْشِي على الأَرْض. وَقَوله: على أَنَّهَا تَعْفُو الكلوم الخ قَالَ التبريزي: هَذَا يجْرِي مجْرى الِاعْتِذَار مِنْهُ والاستدراك على نَفسه فِيمَا أطلقهُ من قَوْله: لَا أنسى قَتِيلا رزئته. وَالضَّمِير للقصة وَخبر إِن الْجُمْلَة بعْدهَا. وَلَو قَالَ على أَنه لجَاز وَكَانَ الضَّمِير للشأن. وَيَعْنِي بالكلم الحزة عِنْد ابْتِدَاء الفجيعة. اه. وَتَعْفُو: تنمحي وَتذهب وتبرأ من عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفواً وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ بِمَعْنى درس) وانمحى. وَيَأْتِي مُتَعَدِّيا يُقَال: عفته الرّيح بِمَعْنى محته وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا. وَقَوله: نوكل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يرْوى بالنُّون وبالمثناة التَّحْتِيَّة من وكلته بِأَمْر كَذَا توكيلاً إِذا فوضته إِلَيْهِ أَي: ألزمته بِهِ إلزاماً. والأدنى: الْأَقْرَب أَي: الرزي الْأَقْرَب. قَالَ الْقَارِي: يَقُول: إِنَّمَا نحزن على الْأَقْرَب

стр. 2308

فَالْأَقْرَب وَمن مضى نسيناه وَلَو عظم مَا مضى. وَمثله: السَّرِيع (حَادث مَا مني يعولك وَال ... أقدم تنساه وَإِن هُوَ جلّ) انْتهى. وَقد ألم بِهَذَا الْبَيْت أَبُو بكر بن دُرَيْد من قصيدة أوردهَا القالي فِي ذيل ماليه: (بلَى غير أنّ الْقلب ينكوه الأسى ال ... ملمّ وَإِن جلّ الجوى المتقدّم) وضد هَذَا قَول هِشَام فِي أَخَوَيْهِ: أوفى وغيلان ذِي الرمة: الطَّوِيل (تعزّيت عَن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن الْعين ملآن مترع) (وَلم ينسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء الْقرح بالقرح أوجع) قَالَ التبريزي: مَوضِع على أَنَّهَا نصب على الْحَال وَالْعَامِل فِيهِ مَا أنسى. وَهَذَا كَمَا تَقول: مَا أترك حق فلَان على ظلع لي كَأَن التَّقْدِير:

стр. 2309

أؤديه ظالعاً. فعلى هَذَا يَجِيء: مَا أنسى قَتِيلا رزئته على عفاء الكلوم أَي: أذكرهُ عافياً جرحى كَسَائِر الْجراح. اه. قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على أَبْيَات الْمفصل: إِن على هَذِه تقع فِي شعر الْعَرَب وَكَلَامهم كثيرا وَالْمعْنَى فِيهَا اسْتِدْرَاك وإضراب عَن الأول. أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: لَا يدْخل فلَان الْجنَّة لسوء صَنِيعه على أَنه لَا ييأس من رَحْمَة الله كَانَ استدراكاً لما تقدم وإضراباً عَن تَحْقِيقه. وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْبَيْت الَّذِي قبله: فو الله مَا أنسى قَتِيلا رزئته ثمَّ قَالَ: على أَنَّهَا تَعْفُو الكلوم. لِأَن الْمَعْنى: على أَن الْعَادة نِسْيَان المصائب إِذا تطاولت والحزن على مَا كَانَ من الْمُصَاب قريب الْعَهْد وَهَذَا إضراب واستدراك لما تقدم من قَوْله: أنسى. وَكَذَلِكَ قَوْله وَهُوَ أَيْضا فِي الحماسة: الطَّوِيل) (وَقد زَعَمُوا أنّ المحبّ إِذا دنا ... يملّ وأنّ النّأي يشفي من الوجد) (بكلّ تداوينا فَلم يشف مَا بِنَا ... على أنّ قرب الدّار خيرٌ من الْبعد) (على أنّ قرب الدّار لَيْسَ بنافعٍ ... إِذا كَانَ من تهواه لَيْسَ بِذِي ودّ)

стр. 2310

فَقَوله: بِكُل تداوينا فَلم يشف مَا بِنَا ثمَّ قَالَ: على أَن قرب الدَّار خير من الْبعد كالإضراب عَن الأول لِأَن الْمَعْنى: فَلم يحصل لنا شِفَاء أصلا وَإِذا كَانَ قرب الدَّار خيرا فِي الْمَعْنى المُرَاد فَفِيهِ شِفَاء أَو بعض شِفَاء أصلا. وَكَذَلِكَ قَوْله: على أَن قرب الدَّار خير من الْبعد فاستدرك أَنه لَا يكون خيرا إِلَّا مَعَ الود فَأبْطل الْعُمُوم الْمُتَقَدّم فِي قَوْله قرب الدَّار خير من الْبعد. هَذَا مَعْنَاهَا وَأما تعلقهَا على الْوَجْه الإعرابي فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تتَعَلَّق بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدّم قبلهَا كَمَا تعلّقت حاشا الاستثنائية بِمَا قبلهَا لكَونهَا أوصلت معنى مَا قبلهَا إِلَى مَا بعْدهَا على وَجه الإضراب والإخراج. وَأظْهر مِنْهُ أَن يُقَال: إِنَّهَا فِي مَوضِع خبر مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قيل: وَالتَّحْقِيق على أَن الْأَمر كَذَا. فتعلقها بِمَحْذُوف كَمَا يتَعَلَّق كل خبر جَار ومجرور لِأَن الْجُمْلَة الأولى وَقعت عَن غير تَحْقِيق ثمَّ جِيءَ بِمَا هُوَ التَّحْقِيق فِيهَا وَحذف الْمُبْتَدَأ لوضوح الْمَعْنى. اه. وَقد لخص ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا الْكَلَام فِي على. وَالْعجب من ابْن هِشَام فَإِنَّهُ ذكر فِي شرح شواهده مَا قَالَه التبريزي من كَون على أَنَّهَا تَعْفُو حَال وعامله لَا أنسى وغفل عَن كَلَام الْمُغنِي هَذَا. وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو بكر الْقَارِي فِي أشعار الهذليين والمبرد فيي الْكَامِل وَأَبُو عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ وَابْن جني فِي الْمُحْتَسب: بلَى إِنَّهَا تَعْفُو الكلوم وَإِنَّمَا.

стр. 2311

قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِيمَا كتبه على أمالي القالي: هَذَا رُجُوع من قَوْله الأول إِلَى مَا هُوَ أصح. وَقَالَ ابْن جني عِنْد تَوْجِيه قِرَاءَة الْأَعْرَج وَغَيره: يَا حسره على الْعباد من سُورَة يس سَاكِنة الْهَاء: قَالُوا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَا يؤاخذْكم اللَّه باللَّغْوِ فِي أيمانِكُم: هُوَ كَقَوْلِك: لَا وَالله وبلى وَالله. فَأَيْنَ سرعَة اللَّفْظ بِذكر اسْم الله تَعَالَى هُنَا من التثبت فِيهِ والإشباع لَهُ والمماطلة عَلَيْهِ من قَول فو الله لَا أنسى قَتِيلا رزئته) الْبَيْت. أَفلا ترى إِلَى تنطعك هَذِه اللَّفْظَة فِي النُّطْق هُنَا بهَا وتمطيك لإشباع معنى الْقسم عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ أَيْضا قد ترى إِلَى إطالة الصَّوْت بقوله من بعده: بلَى إنّها تَعْفُو الكلوم ... ... ... ... الْبَيْت أَفلا ترَاهُ لما أكذب نَفسه وتدارك مَا كَانَ أفرط فِيهِ لَفظه أَطَالَ الْإِقَامَة على قَوْله بلَى رُجُوعا إِلَى الْحق عِنْده وانتكائاً عَمَّا كَانَ عقد عَلَيْهِ يَمِينه. فَأَيْنَ قَوْله هُنَا فو الله وَقَوله بلَى مِنْهُمَا فِي قَوْله: لَا وَالله وبلى وَالله. وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: وَلَكِن يؤاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّتم الْأَيْمَان أَي: وكدتموها وحققتموها. انْتهى كَلَامه.

стр. 2312

وَقَوله: وَلم أدر من ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ الخ قَالَ ابْن جني: فِي إِعْرَاب الحماسة: من هُنَا اسْتِفْهَام وخبرها ألْقى. وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة فَتكون مَنْصُوبَة الْموضع بأدري على حد قَوْلك: مَا دَريت بِهِ ثمَّ تحذف حرف الْجَرّ. وَلَا يحسن أَن تكون نكرَة وَألقى صفة لَهَا لِأَنَّهُ يصير الْمَعْنى لم أدر إنْسَانا ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ. وَهَذَا رُبمَا أوهم أَنه لم يلق أحد مِنْهُم رِدَاءَهُ. وَالْأَمر بضد ذَلِك. اه. وَقَوله: على أَنه قد سل قَالَ التبريزي: مَوضِع على نصب على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أدريه مسلولاً عَن ماجد مَحْض. وروى فِي الحماسة: سوى أَنه وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع وَالْمعْنَى لَا أعرف اسْمه وَنسبه لكنه ولد كريم بِمَا ظهر من فعله. قَالَ الْقَارِي: لما صرع خرَاش ألْقى عَلَيْهِ رجل ثِيَابه فواراه وشغلوا بقتل عُرْوَة فنجا خرَاش. وَالرجل الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ ثَوْبه من أَزْد شنُوءَة فَقَالَ: لَا أَدْرِي من ألْقى عَلَيْهِ ثِيَابه وَلكنه سل عَن ماجد مَحْض يَعْنِي الرِّدَاء. والماجد الْمَحْض أَي: خَالص النّسَب هُوَ الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ ثَوْبه. اه. فالمسلول على هَذَا هُوَ الرِّدَاء لَا الْوَالِد كَمَا قَالَ التبريزي. وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فَمَا كتبه على أمالي القالي: فِي هَذَا الْبَيْت ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ قوم: إِن عُرْوَة لما قتل ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ رجل من الْقَوْم فَكَفنهُ بِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بل الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ الرجل هُوَ خرَاش وَذَلِكَ

стр. 2313

أَن رجلا من ثمالة ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ ليخفى عَلَيْهِم وَقد شغل الْقَوْم بقتل عُرْوَة فَقَالَ: اهرب. وَعطف الْقَوْم عَلَيْهِ فَلم يروه. وَقيل: بل) ألْقى رجل على خرَاش رِدَاءَهُ إِجَارَة لَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَهَذَا مثل قَول بَعضهم يذكر رجلا من عَلَيْهِ: الطَّوِيل انْتهى. وَقد تقدم هَذَا الْأَخير عَن الْمبرد. وَقَوله: وَلم يَك مثلوج الْفُؤَاد الخ قَالَ الْقَارِي: أَي: لم يكن مثلوج الْفُؤَاد ضعيفه أَي: بَارِد الْفُؤَاد. والمثلوج: الْبَارِد. يُقَال: للرجل إِذا لم يكن ذَا رَأْي وحزم: مَا أبرد فُؤَاده وَمَا أخلاه من ذَاك. وَقَالَ التبريزي: كَأَنَّهُ أصَاب فُؤَاده ثلج فبردت حرارته. والمهبج بِفَتْح الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بعْدهَا جِيم قَالَ الْقَارِي: هُوَ المثقل الْكثير اللَّحْم المنتفخ الْوَجْه. وَقَالَ التبريزي: هُوَ المرهل اللَّحْم الْمُتَغَيّر اللَّوْن. والربيلة بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة قَالَ الْقَارِي: يُقَال إِنَّهَا النِّعْمَة وَالْخصب. وَإنَّهُ لربل اللَّحْم إِذا كَانَ رطب اللَّحْم. وَلَيْسَ عِنْدِي كَمَا قَالُوا لبيت سمعته وَهُوَ:

стр. 2314

الطَّوِيل (ربلنا على الأعدا لنبتغي البوا ... وَلَا من وترنا يستقاد وتير) ف الربيلة: الْكَثْرَة والشدة. يُقَال: رل بَنو فلَان إِذا كَثُرُوا. والوتير: الموتور. والبواء: أَن يقتل الرجل بِالرجلِ. اه. وَقَالَ التبريزي: الربيلة: الرُّطُوبَة وَالسمن. يُقَال: رجل ربل. وَمعنى الشّعْر أَنه رَجَعَ إِلَى صفة عُرْوَة فَقَالَ: كَانَ ذكي الْفُؤَاد شهماً لم يكن مِمَّن ضيع شبابه فِي صَلَاح الْبدن. وَهَذَا أولى لشيئين: أَحدهمَا: قَوْله وَلم يَك لِأَنَّهُ يدل ظَاهره على أَنه نعت فَائت. وَالْآخر: وَصفه بأوصاف لَا يُوصف بهَا من لَا يعرف. وَلَا يعدل عَن هَذَا الْوَجْه وَإِن كَانَ قد ذكر أَنه من صِفَات الَّذِي أنجى خراشاً. اه. والخفض: الدعة والراحة. وَقَوله: وَلكنه قد نازعته الخ قَالَ التبريزي: ويروى: وَلكنه قد لوحته مخامص. ولوحته: غيرته. والمخامص: جمع مَخْمَصَة وَهِي خلاء الْبَطن من الطَّعَام جوعا. والمجاوع مثل المخامص وَإِنَّمَا أثرت فِيهِ المجاوع لِأَنَّهُ إِذا سَافر آثر صَحبه على نَفسه بزاده ويجوع. وَقَوله: صَادِق النهض يَعْنِي النهوض للمكارم والعلا لَا يكذب فِيهَا إِذا نَهَضَ لَهَا.

стр. 2315

هَذَا مَا أوردهُ صَاحب الحماسة وَغَيره وَزَاد أَبُو بكر الْقَارِي والمبرد فِي الْكَامِل بعد هَذَا) بَيْتَيْنِ وهما: (كأنّهم يشّبّثون بطائرٍ ... خَفِيف المشاش عظمه غير ذِي نحض) قَالَ الْقَارِي: يَقُول: هَؤُلَاءِ الَّذين يعدون خلف خرَاش كَأَنَّهُمْ يتعلقون بطائر خَفِيف المشاش أَي: لَيْسَ بِكَثِير اللَّحْم. يُقَال لكل مَا استخف وخف: إِنَّه لخفيف المشاش بِضَم الْمِيم. والطائر: الْعقَاب. ثمَّ قَالَ: عظمه غير ذِي نحض أَي: هُوَ خَفِيف لَيْسَ بمثقل. والنحض: اللَّحْم. اه. وروى الْمبرد: كَأَنَّهُمْ يسعون فِي إِثْر طَائِر. وَهَذَا الْبَيْت يُؤَيّد مَا اخْتَارَهُ التبريزي من أَن الْكَلَام فِي وصف خرَاش. (يُبَادر جنح اللّيل فَهُوَ مهابذٌ ... يحثّ الْجنَاح بالتّبسّط وَالْقَبْض) قَالَ الْقَارِي: فَهُوَ مهابذ يَعْنِي الطَّائِر والمهابذ: السَّرِيع فَهُوَ جاد نَاجٍ. وَأَصله من مر يهذب إهذاباً وَلكنه قلب. وَالْقَبْض: أَن يقبض جناحيه. وَقَالَ لي الْأَصْمَعِي: سَمِعت ابْن أبي طرفَة ينشد مهابذ وَإِنَّمَا أَرَادَ مهاذب فقلبه فَقَالَ: مهابذ. يُقَال: مر يهذب إهذاباً إِذا عدا عدوا شَدِيدا. وَقد سَمِعت غَيره يَقُول مهابذ أَي: جاد. اه. قَالَ الْمبرد: وَقَوله فَهُوَ مهابذ يَقُول: مُجْتَهد. وهذيل فِيهَا سعي شَدِيد وَفِي جمَاعَة من الْقَبَائِل الَّتِي تحل بِأَكْنَافِ الْحجاز.
следующие страницы →